زاد عاشوراء للمحاضر الحسيني 1434 هـ

زاد عاشوراء للمحاضر الحسيني 1434 هـ


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-09

النسخة: 0


الكاتب

معهد سيد الشهداء

هو مؤسسة ثقافية متخصصة تعنى بشؤون النهضة الحسينية ونشرها، وإعداد قدرات خطباء المنبر الحسيني وتنميتها، معتمدة على كفاءات علمائية وخبرات فنية وإدارية... المرتكزة على الأسس الصحيحة المستقاة من ينبوع الإسلام المحمدي الأصيل.


المقدمة

 السياسات العامّة للخطاب العاشورائي
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين سيّما بقيّة الله في الأرضين أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.
السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك.
السادة الأفاضل محاضري وخطباء المنبر الحسينيّ دمتم موفّقين.
ما أحوجنا ونحن نستجلي مواقف كربلاء ونسبر أعماق أسرارها, ونضيء شعلاً من قبس أنوارها, نستهدي فيها نور الفتح والفوز, لتكون كربلاء مدرسة نابضة حيّة مستمرّة تلهم الأجيال في كلّ العصور درس الإيمان والثبات المنتصر على ظلامة العدوّ وجوره, لأنّ حركة الإمامعليه السلام حركة تكامل وصلاح, وتحمل ديموميّة حيّة مرتبطة بالتكامل والسعادة الإلهيّة.
ولا غرابة إذا قال في حقّه من لم يَفُه إلّا حقّاً ولم ينطق إلّا وحياً "حسينٌ منّي وأنا من حسين", لتخلد في أفق الوجود حقيقة مشرقة أنّ الإسلام محمّديّ الوجود حسينيّ البقاء.
لقد أروى سيّد الشهداء شجرة الإسلام العطشى بدمائه 
 
 
5

1

المقدمة

 الزكيّة، ووهبها حشاشة نفسه, ومنحها مُهجة قلبه, فأينعت وأثمرت لتكون أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء.
ولأنّ الإمام عليه السلام هو الجاذب للناس بدافع الفطرة وشكر المنعم, كان هذا الكتاب الماثل بين يديك أخي المبلّغ عوناً لك في الليالي العاشورائية, تعيد فارّاً هنا وترشد هارباّ هناك, وتهدي ضالّاً هنا وتزيل شاكّاً هناك, وتزيد إيمان رجل هنا وتصبّر امرأة هناك, وتشدّ إلى النور شابّاً وترفع للدرجات فتاة... لنحقّق بعضاً مِنْ... "خيرٌ لك ممّا طلعت عليه الشمس" أو نبذة من "طلب الإصلاح في أمّة رسول الله".

ونطرح هنا بعض السياسات لهذا الخطاب العاشورائيّ التعبويّ المطلوب:
1. التأكيد على أهميّة الجانب المعنويّ الذي يحقّقه الارتباط بالله تعالى والتوكّل عليه، وأهميّة هذا الجانب في استنزال المدد والنّصر الإلهيّ ولو قلَّ المؤمنون وكثر أعداؤهم. 

2. ربط الناس بالتّكليف الإلهيّ على قاعدة كونه الموجِّه لموقف الفرد والأمّة. 

3. توجيه الناس نحو العمل للآخرة, لضمان استمرار الحياة بسعادة باقية. وإبراز دور الشهادة في تحقيق ذلك. 

4. غرس روح التضحية في أبناء الأمّة لكون معركة الحقّ 
 
6

2

المقدمة

 ضدّ الباطل لا بدّ لها من تضحيات، وتضحيات الإمام الحسينعليه السلام في كربلاء الدليل الواضح على ذلك. 
5. الإرشاد إلى دور الولاية في توجيه الأمّة وترشيدها. وأنّ وحدة الوليّ والقائد هي الضمان لوحدة الأمّة وعزِّها. 

6. تأكيد ضرورة وحدة المسلمين صفّاً واحداً أمام أعدائهم. 

7. تحديد طواغيت العصر ويزيديّيه المتمثّلين اليوم في الدرجة الأولى بأمريكا وإسرائيل والتطرّق إلى الممارسات الإرهابيّة التي يمارسها هؤلاء الطواغيت ضدّ مسلمي ومستضعفي العالم. 

8. بيان تكليف الأمّة في نصرة المظلومين. 

9. التشديد على ضرورة الثبات في معركة الحقّ ضدّ الباطل ودورها في تحقيق النصر الإلهيّ. 

10. إبراز التشابه بين ثورة الإمام الحسينعليه السلام ومعركتنا ضدّ الباطل، سواء على مستوى أهداف وممارسات الأعداء، أو على مستوى مشاركة الشرائح المتنوّعة من المجتمع لنصرة الحقّ (شبّان، شيوخ، نساء، أطفال، طبقات اجتماعيّة متفاوتة). 

11. الإلفات إلى ضرورة التكافل الاجتماعيّ في الأمّة بما يؤمِّن القوّة الداخليّة للمجتمع في معركته ضدّ الباطل. 
 
 
7

3

المقدمة

 12. تقوية علاقة الناس بصاحب العصر والزمان|وتبيان مسئوليّتهم في التمهيد لظهوره المبارك، واستعدادهم لاستمرار التضحية بين يديه. 
والحمد لله ربّ العالمين

معهد سيّد الشهداءعليه السلام
للمنبر الحسينيّ
8

4

المقدمة

 توجيهات الإمام الخمينيّ قدس سره
للمحاضرين والخطباء الحسينيّين

1. إنّ على الخطباء أن يقرأوا المراثي حتّى آخر الخطبة, ولا يختصروها بل ليتحدّثوا كثيراً عن مصائب أهل البيتعليهم السلام. 
2. ليهتمّ خطباء المنابر ويسعوا إلى دفع الناس نحو القضايا الإسلاميّة وإعطائهم التوجيهات اللازمة في الشؤون السياسيّة والاجتماعيّة. 
3. يجب التذكير بالمصائب والمظالم التي يرتكبها الظالمون في كلّ عصر ومصر. 


توجيهات الإمام الخامنئيّ قدس سره 

للمحاضرين والخطباء الحسينيّين

أوّل شي‏ء يجب أن تهتمّوا به هو رسالة الثورة في المصيبة وفي المدح وفي الأخلاقيّات والوعظ.
كيف يجب أن تقام مراسم العزاء؟
إنّه سؤال موجَّه إلى جميع من يشعر بالمسؤوليّة في هذه القضيّة، وباعتقادي أنّ هذه المجالس يجب أن تتميّز بثلاثة أمور:
1. تكريس محبّة أهل البيتعليهم السلام ومودّتهم في القلوب, لأنّ 
 
 
9

5

المقدمة

 الارتباط العاطفيّ ارتباط قيِّم ووثيق. 
2. إعطاء صورة واضحة عن أصل قضيّة عاشوراء, وتبيانها للناس من الناحية الثقافيّة والعقائديّة والنفسيّة والاجتماعيّة. 
3. تكريس المعرفة الدينيّة والإيمان الدينيّ. والاعتماد على آية شريفة أو حديث شريف صحيح السند أو رواية تاريخيّة ذات عبرة. 
على أيّ منبر صعدتم وأيّ حديث تحدّثتم، بيّنوا للناس يزيد هذا العصر وشمر هذا العصر ومستعمري هذا العصر.
 
10
 

6

المحاضرة الأولى

 إحياء محرّم

الهدف: التعرّف على أهميّة أيّام عاشوراء عند أهل البيت عليهم السلام, وكيفيّة إحياء هذه المناسبة وبعض الوظائف والآداب والمراقبات التي ينبغي القيام بها ومراعاتها عند استقبال ودخول شهر محرّم الحرام, بما يخدم تعاليم الرسالة الإسلاميّة وأهدافها.
 
تصدير الموضوع


عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال لفضيل بن يسار: "تجلسون وتحدّثون؟" قال: نعم، جعلت فداك. قال: "إنّ تلك المجالس أحبّها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا. يا فضيل، من ذَكَرَنا أو ذُكِرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر"1.

1- قرب الإسناد ص 36.
 
19
 

7

المحاضرة الأولى

 المقدّمة: 
لا شكّ أنّ لإحياء مراسم شهر محرّم الحرام أسبابه وأهدافه التي يرجع إليها, بحيث يؤدّي الإحياء وظيفته في تكريسها وتعزيزها والإلفات إليها. كإظهار المودّة والمحبّة لأهل البيت عليهم السلام المنصوص عليها في الكتاب الكريم: ﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾1, وتعظيم شعائر الله كما قال تعالى: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾2, وإيصال صوت العدالة للإنسانيّة جمعاء, ومحاربة الظلم والفساد, وربط قلوب المحبّين والموالين بالنبيّ وأهل بيته عليهم السلام, إلى غير ذلك من غايات تهدف إليها هذا المراسم. وفيما يلي الإشارة إلى بعض ما ورد في الروايات من أمور حثّ عليها الأئمّة عليهم السلام في هذا المجال.
 
تصدير الموضوع
 
1- حرارة الدم الحسينيّ: عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "إنّ لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً"3.
وفي حديث للسيّدة زينب عليها السلام مع ابن أخيها الإمام زين العابدين عليه السلام تسكّن فيه آلامه وأحزانه في مصيبة أبيه الإمام الحسين عليه السلام لمّا رآه على الثرى بلا مواراة فاشتدّ الأمر عليه 

1- سورة الشورى الآية 23.
2- سورة الحجّ الآية 32.
3- مستدرك الوسائل ج 10 ص 318.
 
20
 

8

المحاضرة الأولى

 وصار يجود بنفسه, فذكرت له عليها السلام أنّه سيدفن وسيعلي الله شأن قبره ومدفنه, وممّا قالته له: "..لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيّام, وليجتهدّن أئمّة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلّا ظهوراً وأمره إلّا علواً"1.
 
2- عاشوراء أيّام الحزن والبكاء: عن الإمام الرضا عليه السلام: "إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهليّة يحرّمون فيه القتال، فاستحلّت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حرمتنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول الله صلى الله عليه و آله وسلم حرمة في أمرنا. إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا، بأرض كرب وبلاء، وأورثتنا الكرب والبلاء، إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام". ثمّ قال عليه السلام: "كان أبي صلوات الله عليه إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين صلوات الله عليه"2.
 
3- آداب ومستحبّات ومراقبات:
1- البكاء على الحسين عليه السلام: عن أمير المؤمنين عليه السلام:

1- كامل الزيارات ص 444- 445.
2- أمالي الصدوق ص 190.

21
 

9

المحاضرة الأولى

 "كلّ عين يوم القيامة باكية، وكلّ عين يوم القيامة ساهرة إلّا عين من اختصّه الله بكرامته، وبكى على ما ينتهك من الحسين وآل محمّد عليهم السلام"1.
 
وعن الإمام الرضا عليه السلام في حديثه للريّان بن شبيب أنّه قال: "يا بن شبيب، إن كنت باكياً لشيء، فابكِ للحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فإنّه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض شبيه".
وقال: "يا بن شبيب، إن بكيت على الحسين عليه السلام حتّى تصير دموعك على خدّيك غفر الله لك كلّ ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً"2.
 
2- إنشاد الشعر: عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: "من أنشد في الحسين بيتاً من شعر فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنّة, ومن أنشد في الحسين بيتاً فبكى وأبكى تسعة فله ولهم الجنّة، فلم يزل حتّى قال: [و] من أنشد في الحسين بيتاً فبكى- وأظنّه قال: أو تباكى- فله الجنّة"3.
 
3- لبس السواد وترك الزينة: وذلك من باب كونه شعاراً لأهل الحزن والعزاء. وعن عمر بن عليّ بن الحسين، قال: لمّا قتل 

1- الخصال للصدوق ص 625, حديث الأربعمائة.
2- أمالي الصدوق ص 192.
3- بحار الأنوار ج 44 ص 289.
 
 
22

10

المحاضرة الأولى

 الحسين بن عليّ عليه السلام لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح, وكنّ لا يشتكين من حرّ ولا برد, وكان عليّ بن الحسين عليه السلام يعمل لهن الطعام للمأتم1.
وفي حديث للإمام الصادق عليه السلام مع زرارة: ".. وما اختضبت منّا امرأة, ولا ادّهنت ولا اكتحلت ولا رجلت, حتّى أتانا رأس عبيد الله بن زياد, وما زلنا في عبرة بعده.. "2.
 
4- الإنفاق وبذل المال: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعة، ينصروننا و يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا أولئك منّا وإلينا"3.
 
وعن معاوية بن وهب، قال: استأذنت علىّ أبي عبد الله عليه السلام فقيل لي: ادخل، فدخلت، فوجدته في مصلّاه في بيته، فجلست حتّى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربّه وهو يقول: "اللهمّ يا من خصّنا بالكرامة، ووعدنا بالشفاعة، وخصّنا بالوصيّة، وأعطانا علم ما مضى وعلم ما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولإخواني، وزوّار قبر أبي عبد الله الحسين، الذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم، رغبة في برّنا، ورجاءً لما عندك في 

1- المحاسن للبرقي ج 2 ص 420.
2- كامل الزيارات 167- 168.
3- الخصال للصدوق ص 635, حديث الأربعمائة.
 
23
 

11

المحاضرة الأولى

 صلتنا، وسروراً أدخلوه على نبيّك، وإجابة منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدوّنا، أرادوا بذلك رضوانك. فكافهم عنّا بالرضوان، واكلأهم بالليل والنهار، واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا بأحسن الخلف.. "1.
 
5- إقامة العزاء والمشاركة فيه: عن الإمام الباقر عليه السلام في حديث له: "..ثمّ ليندب الحسين عليه السلام ويبكيه ويأمر من في داره بالبكاء عليه، ويقيم في داره مصيبته بإظهار الجزع عليه، ويتلاقون بالبكاء بعضهم بعضاً بمصاب الحسين عليه السلام.. "2
وعن الرضا عليه السلام: "من تذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكَّر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب"3.
 
6- التعزية بالإمام الحسين عليه السلام: وفي الحديث المتقدّم عن الإمام الباقرعليه السلام لمّا سئل عليه السلام: فكيف يعزّي بعضهم بعضاً، قال: "يقولون: عظّم الله أجورنا بمصابنا بالحسين عليه السلام، وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثاره مع وليّه الإمام المهديّ من آل محمّد صلى الله عليه و آله وسلم"4.

1- كامل الزيارات ص 228.
2- كامل الزيارات ص 326.
3- أمالي الصدوق ص 131.
4- كامل الزيارات ص 326.
 
24

 

12

المحاضرة الأولى

7- زيارة الحسين عليه السلام: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "من زار الحسين يوم عاشوراء وجبت له الجنّة"1.
 
8- ترك العمل يوم عاشوراء: وفي حديث الإمام الباقر عليه السلام المتقدّم: "..فإن استطعت أن لا تنتشر يومك في حاجة فافعل، فإنّه يوم نحس لا تقضى فيه حاجة, وإن قضيت لم يبارك له فيها ولم ير رشداً، ولا تدّخرن لمنزلك شيئاً، فإنّه من ادّخر لمنزله شيئاً في ذلك اليوم لم يبارك له فيما يدّخره ولا يبارك له في أهله.."2.

1- كامل الزيارات ص 324.
2- كامل الزيارات ص 326 327.
 
25
 

13

المحاضرة الثانية

 معرفة أهل البيت وعلاقتها بالعقيدة والإيمان
 
الهدف: معرفة أهل البيت ومعرفة مقامهم ومكانتهم والحثّ على إظهار المودّة لهم.
 
تصدير الموضوع
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال: "من ماتّ ولا يَعرِف إمامَهُ ماتَ ميتةً جاهليّة"1.

1- الكافي, ج 2 ص 20.
 
27
 

14

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
تعتبر معرفة أهل البيت عليهم السلام وولايتهم والإيمان بهم، وأنّهم آل بيت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم المطهّرون، وولاة الأمر وخلفاؤه على العباد والبلاد أساس وركيزة البنية الإيمانيّة والعقائديّة للإنسان المسلم، وقد حثّت الروايات على معرفتهم، وحذّرت من عدم معرفتهم.
 
محاور الموضوع
 
1- الحثّ على معرفة أهل البيت عليهم السلام:
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "من منَّ‏ الله عليه بمَعرِفةِ أهلِ بيتي وولايتهم فقد جمع الله له الخيرَ كُلّه"1
 
وقال سلمان الفارسيّ: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يوماً، فلمّا نظر إليّ قال: يا سلمان، إنّ الله عزَّ وجلّ لم يبعث نبيّاً ولا رسولاً إلّا جعل له اثني عشر نقيباً... قُلتُ: يا رسول الله، بأبي أنتَ وأمّي، ما لمن عرف هؤلاء؟ فقال: يا سَلمانُ، من عرَفَهم حقّ معرفتهم واقتدى بهم، فوالى وليَّهم وتبَرّأ من عدُوّهم فهُو والله مِنّا، يردُ حيثُ نرد، ويسكُن حيثُ نسكن"2.

1- أمالي الصدوق, ص 561.
2- بحار الأنوار, ج 25 ص 6.
 
28
 

15

المحاضرة الثانية

 وعن الإمام الباقرعليه السلام: "إنّما يعرف الله عزَّ وجلّ ويعبُده من عرف الله وعرف إمامَه منّا أهل البيت"1.
 
2 - ذمّ عدم معرفتهم عليهم السلام:
وعنه أيضاً صلى الله عليه و آله وسلم قال: "من مات وليس له إمامٌ من وُلدي ماتَ ميتةً جاهلية، ويُؤخذُ بما عمل في الجاهليّة والإسلام"2.
 
3 - أهمّ خصائص أهل البيت عليهم السلام:
 
أهل البيت عليهم السلام أفضل الخلق وأكملهم وأزكاهم وأطهرهم، وقد ذكرت أوصافهم في كثير من الآيات والروايات، نذكر أهمّها:
 
أ - الطهارة والعصمة:
 
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا3.
 
عنه صلى الله عليه و آله وسلم قال: "أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعةٌ من ولدِ الحسين مطهّرون معصومون"4.
 
وعنه صلى الله عليه و آله وسلم قال: "الأئمّة بعدي إثنا عشر عددُ نُقباء بني إسرائيل، كُلُّهم أمناء أتقياء معصومون"5.

1- الكافي, ج 1 ص 181.
2- بحار الأنوار, ج 23 ص 81.
3- سورة الأحزاب: آية 33.
4- مناقب آل أبي طالب, ج 1 ص 254.
5- أهل البيت في الكتاب والسنة, ص 120.
 
29
 

16

المحاضرة الثانية

 وقال الإمام عليّ عليه السلام: "إنّما أمَر الله عزَّ وجلّ بطاعةِ الرسول لأنّه معصومٌ مطهّر، لا يأمُر بمعصيته, وإنّما أمر بطاعة أولي الأمر لأنّهم معصومون مطهّرون، لا يأمُرون بمعصيته"1.
 
ب- عدلُ القران:
 
عن رسول اللهصلى الله عليه و آله وسلم: "إنّي تاركٌ فيكم الثقلين أحدُهما أعظمُ من الآخر: كتابُ الله عزَّ وجلّ حبلٌ ممدودٌ من السماء إلى الأرض، وعترتي أهلُ بيتي، فإنهما لن يزالا جميعاً حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلُفوني فيهما"2.
 
ج - خزنة علم الله وتراجمة وحيه:
 
عن الإمام الباقر عليه السلام قال: "نحن خزّان علم الله، ونحنُ تراجمَةُ وحي الله"3. وفي عدّة روايات أنّهم ورثة علم الأنبياء عليهم السلام.
 
د - عندهم علم الكتاب:
 
عن سلمان الفارسيّ عن الإمام عليّ عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ 

1- الخصال, ص 139.
2- كمال الدّين وتمام النعمة, ص 238.
3- الكافي, ج 1 ص 193.
 
30
 

17

المحاضرة الثانية

 عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾1: "أنا هو الذي عِندَه علم الكتاب"2.
 
هـ- أفضل الخلق:
 
"أنا وأهل بيتي صفوةُ الله وخيرته من خلقه"3.
 
و- معدن الرسالة:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "نحنُ أهلُ بيتِ شجرة النبوّة، ومعدن الرسالة، ليس أحدٌ من الخلائق يفضل أهل بيتي غيري"4.
 
ز - أبواب الله:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "نحنُ باب الله الذي يُؤتى منه، بنا يهتدي المهتدون"5.
 
ح - أركان العالم وأمان أهل الأرض:
 
عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم "النُجوم أمانٌ لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء, وأهلُ بيتي أمانٌ لأهل الأرض، فإذا ذَهبَ أهلُ بيتي جاء أهل الأرض"6.
 
4- ولايتهم ومودّتهم ووجوب طاعتهم:

1- سورة الرعد: آية 43.
2- بصائر الدرجات, ص 236.
3- مناقب آل أبي طالب, ج 1 ص 220.
4- أهل البيت في الكتاب والسنّة, ص 163.
5- بحار الأنوار, ج 39 ص 306.
6- كمال الدّين وتمام النعمة, ص 205.
 
31
 

18

المحاضرة الثانية

 لقد تحدّثت الروايات الواردة عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم وعترته الطاهرة عن فضل حبّهم، وأنّه كحبّ رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، وحثّ الناس على حبّهم، وأنّهم خلفاء الله، وأوصياء نبيّه صلى الله عليه و آله وسلم، وفي مودّتهم وولايتهم صراط النجاة وطريق الحقّ:
 
أ - خلفاء الله وأوصياء النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم:
 
عن الإمام الرضا عليه السلام: "الأئمّة خُلفاء الله عزَّ وجلّ في أرضه"1. وعن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم: "أنا سيّدُ النبيّين، وعليّ بن أبي طالب سيّدُ الوصيين، وإنّ أوصيائي بعدي إثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم القائم"2.
 
ب - الحثّ على تحبيبهم إلى الناس:
 
الإمام الصادق عليه السلام: "رحم الله عبداً حبّبنا إلى الناس ولم يُبّغضنا إليهم"3. وعن الإمام علي ّعليه السلام: "من أحبّ الله أحبّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم، ومن أحبّ النبيّ أحبّنا، ومن أحبّنا أحبّ شيعتنا"4.
 
ج - معرفة حقوق أهل البيت عليهم السلام:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "والّذي نفسي بيده لا ينفعُ عبداً عملُه

1- الكافي, ج 1 ص 193.
2- عيون أخبار الرضا, ج 3 ص 66.
3- الكافي, ج 8 ص 229.
4- بحار الأنوار, ج 35 ص 199.
 
32
 

19

المحاضرة الثانية

 إلّا بمعرفة حقّنا"1.
 
د - مودّة أهل البيت عليهم السلام:
﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾2.
 
هـ - موالاة أهل البيت وطاعتهم:
 
المودّة والحبّ والطاعة من العناوين التي ترتكز عليها الولاية, لذلك ورد الحثّ على الطاعة والولاية في الكثير من الروايات منها:
عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم: "تمسّكوا بطاعة أئمّتكم ولا تُخالفوهم، فإنّ طاعتهم طاعة الله، وإنّ معصيتهم معصية الله"3. وعن الإمام الرضا عليه السلام: "كمال الدّين ولايَتُنا والبراءة من عدوّنا"4.
 
5 - التحذير من الغلوّ في أهل البيت عليهم السلام:
 
تعتبر حركة الغلاة من أخطر الحركات ضرراً على الإسلام والمجتمع الإسلاميّ، لأنّها حركة عقائديّة تستهدف ضرب الإسلام من الداخل وبعناوين جذّابة، لهذا نجد أنّ مواجهة 

1- أمالي الطوسي, ص 187.
2- سورة الشورى: آية 23.
3- كنز العمّال, ج 6 ص 60.
4- بحار الأنوار, ج 27 ص 58.
 
33

20

المحاضرة الثانية

 عن الإمام عليّ عليه السلام: "إيّاكم والغلّوَّ فينا، إنّا عبيدٌ مربوبون، وقولوا في فضلنا ما شئتم"1
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إحذروا على شبابكم الغُلاة لا يُفسدونهم، فإنّ الغلاة شرّ خلق الله، يُصغّرون عظمة الله ويدَّعون الرّبوبيّة لعباد الله... "2.
 
وقد تبرّأ أهل البيت من الغلاة وحكموا بهلاكهم وكفرهم، قال الإمام عليّ عليه السلام: "لا تتجاوزوا بنا العُبوديّة، ثمّ قولوا ما شئتم ولن تبلُغوا، وإيّاكم والغلوّ كغلوّ النصارى، فإنّني بري‏ءٌ من الغالين"3, وعنه عليه السلام: "يهلِكُ فيّ رجلان: مُفرط غالٍ ومُبغضٌ قالٍ"4.
 
وقد حدّد أهل البيت عليهم السلام ميزان الحبّ والعلاقة معهم، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "يا عليّ، إنّ فيك مثلاً من عيسى بن مريم: أحبّه قومٌ فأفرطوا في حبّه فهلكوا فيه، وأبغضَهُ قومٌ فأفرطوا في بغضه فهلكوا فيه، واقتصد فيه قومٌ فنجوا"5.

1- الخصال, ص 614.
2- أمالي الطوسي, ص 650.
3- ميزان الحكمة, ج 3 ص 2296.
4- نهج الإيمان, ص 490.
5- أمالي الطوسي, ص 345.
 
34
 

 


21

المحاضرة الثالثة

 مفهوم التضحية والفداء في الإسلام‏
 
الهدف: شرح مفهوم التضحية سيّما ما ذكره القرآن الكريم في حادثة النبيّ إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل، وتضحيات الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه يوم عاشوراء.
 
تصدير الموضوع
 
قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾1.

1- سورة الصافات: آية 102.
 
35
 

22

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة:
لقد عزم إبراهيم الخليل عليه السلام، على ذبح ولده ثمرة فؤاده وسويداء قلبه بسبب رؤيا رآها في المنام يأمره الله فيها أن يذبح ولده، فلم يقل لماذا؟! وكيف؟! ومتى؟!... ولكنّه في الحال توجّه إلى ولده ودار بينهما حوار: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾.

إنّه لم يكن أمراً صريحاً من الله مباشرة، ولا عن طريق أمين الوحي جبريل عليه السلام، لكنّها رؤيا رآها في المنام، ورؤى الأنبياء وحي، فما كان منه إلّا الاستجابة السريعة لتلبية أمر الله وما كان من الولد إلّا الاستجابة الفورية الحاسمة لأمر الله (افعل ما تؤمر) فالأمر ليس أمرك فأنت الحنون الشفوق وأنت الرحيم الرقيق، والله أرحم منك وأشفق، وهو أكرم منك وأبرّ فما دام قد أمر بالذبح فهو الرحمة بعينها، وهو الشفقة والحنان عين الحنان.

من أجل ذلك فإنّ على المسلم أن ينظر إلى هذا الحدث بعين ملؤها العبرة والعظة وبعقل ملؤه التدبّر والتعقّل.
إنّ الأضحية هنا رمز والرمز يحمل في طيّاته الكثير من المعاني، فهي تمثّل لإبراهيم عليه السلام ذبح أغلى ما يملك وأفضل ما يحبّ من أجل الله تعالى، وذلك ليخرج من قلبه كلّ شهوة وكلّ حبّ 
 
36
 

23

المحاضرة الثالثة

 سوى الله تعالى، فهل نفطن إلى هذا الدرس، ونذبح كلّ شهواتنا وكلّ ما نحبّ إذا تعارض أيّ من ذلك مع مراد الله تعالى؟
 
محاور الموضوع:
 
أنواع التضحية وأشكالها:
ويتسع لفظ التضحية للكثير من الأنواع والأشكال، فالتضحية ألوان متعدّدة وأشكال متنوّعة بالمال والوقت والجهاد والأهل والعشيرة بل والنفس في سبيل نشر الدعوة وإقامة الدّين وحفظه؛ ومن أهمّ هذه الأنواع:
 
1 - التضحية بالنفس:
وهي أعلى أنواع التضحية، وفيها يجود المسلم بنفسه لله سبحانه وتعالى، يقول الله تعالى:
 
﴿ إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾1.
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *  وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ 

1- سورة التوبة: آية 111.
 
37
 

24

المحاضرة الثالثة

 حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾1.
 
وعن ابن عبّاس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وسلم يقول: "عينان لا تمسّهما النّار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله"2.
 
وعن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال: "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"3.
 
وقال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: " للشهيد عند الله ستّ خصال: يُغفر له في أوّل دفعة ويرى مقعده من الجنّة ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه"4.
 
2- التضحية بالمال:
وثاني هذه الأنواع من التضحية هو التضحية بالمال، سواء 

1- سورة الحجّ: آية 78.
2- ميزان الحكمة, ج 1 ص 449.
3- بحار الأنوار, ج 67 ص 199.
4- تفسير القرطبي, ج 4 ص 276.
 
38

 

25

المحاضرة الثالثة

 على سبيل الواجب المقدّر شرعاً في صور الخمس والزكاة وغيرها من الموارد، أو في صورة الصدقات التطوّعيّة التي يخرجها المسلم طائعاً مختاراً، طمعاً فيما عند الله تعالى.
 
يقول الله تعالى:
﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾1.
 
وبين سبحانه أنّ الإنفاق في سبيله قرض حسن فقال: ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾2.
 
﴿  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾3.
 
﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى* وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾4.

1- سورة البقرة: آية 261/262.
2- سورة البقرة: آية 245.
3- سورة الحجرات: آية 15.
4- سورة الليل: الآيات 5/ 11.
 
39
 

26

المحاضرة الثالثة

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى *  فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى *  لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى *  وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى *  الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى *  وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾1.
 
لقد رأى رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم ليلة الإسراء قوماً يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلّما حصدوا عاد كما كان فقال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم: يا جبريل ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة لسبعمائة ضعف، ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾2.
 
وفي حديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلّا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهمّ أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكاً تلفا"3.
 
وعن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "خلّتان يحبّهما الله، وخلّتان يبغضهما الله؛ فأمّا اللتان يحبّهما الله فالسخاء والسماحة، وأمّا اللتان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل، فإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله على قضاء حوائج الناس"4.

1- سورة الليل: الآيات 12/21.
2- سور سبأ: آية: 39.
3- كنز العمّال: ج 6 ص 351.
4- الدرّ المنثور, ج 6 ص 197.
 
40

27

المحاضرة الثالثة

 3 - التضحية بالأهل والأحبّة:
 
وهذا ما حدث مع الأنبياء عليهم السلام والأئمّة عليهم السلام سيّما أبي عبد الله الحسين عليه السلام في معركة كربلاء حيث قدّم الأهل والأحبّة والأصحاب أغلى ما يملكون في سبيل الله ودفاعاً عن دينه، وهذا هو حال من تبعهم من المسلمين إلى يومنا هذا، فقد هاجر الخليل إبراهيم بإسماعيل وهو ما يزال رضيعاً ضعيفاً لا يقوى على شي‏ء، ووضعه في صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا ضرع، ولا أنيس فيها ولا جليس.
 
وهاجر النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم وصحبه الكرام من مكّة وهي أحبّ بلاد الله إليهم، هاجروا طاعة لله تعالى، وقطعوا كلّ علاقاتهم بأهلهم وذويهم وأبنائهم وأحبّابهم استجابة لنداء الله تعالى:
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *  قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾1.
 
﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ 

1- سورة التوبة: الآيات 23/24.
 
41
 

28

المحاضرة الثالثة

 وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾1.
 
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾2.
 
﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾3.
 
وهكذا أقيم المجتمع المسلم الأوّل على أكتاف رجال ضحّوا بكلّ أنواعها إنفاقاً للمال ومفارقة للأهل والولد وبذل للوقت والجهد وتضحية بالنفس، كلّ ذلك في سبيل الله، وتبعهم بإحسان رجال واصلوا المسيرة من التابعين وتابعيهم وإلى يومنا هذا، بل وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلن تخلو الأرض يوماً من هذا الصنف المخلص ليكونوا جند الله على أرضه وتتحوّل بهم المبادئ والقيم والعقائد واقعاً على الأرض.

1- سورة المجادلة: آية 22.
2- سورة الأنفال: آية74.
3- سورة آل عمران: آية 195.
 
42
 

29

المحاضرة الأولى

 عاقبة الظلم وقتلة الحسين عليه السلام
 
الهدف: بيان مظلوميّة أهل البيت عليهم السلام وسوء عواقب الظلم في الدنيا والآخرة لا سيّما عاقبة قتلة الإمام الحسين عليه السلام.
 
تصدير الموضوع
﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾1.

1- سورة الشعراء، الآية: 227.
 
45
 

30

المحاضرة الأولى

 المقدّمة: 
 
إن ّزاد الإنسان الذي يرافقه في الآخرة هو ما يفعله سواء كان حَسَناً أو سيّئاً ، وإنّ أسوأَ ما يمكن أن يحمله الإنسان وينقله من الدنيا الفانية إلى الحياة الأبديّة الباقية ليكون مُخَّلداً معه هو الظلم لا سيّما ظلم العباد. وهو من الظلم الذي لا يُترك كما ورد عنه عليه السلام: "ألا وإنّ الظلم ثلاثة: فظلمٌ لا يُغفر، وظلمٌ لا يُترك وظلمٌ مغفور... وأمّا الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً"1.
 
محاور الموضوع
 
أعظم ظلم:
قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: "بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد"2.
لقد عبَّر أمير المؤمنين بأوجز عبارة عن حقيقةٍ قرآنيّة وهي أنّ الإنسان في هذه الدنيا عامل، وثمرة عمله تظهر في الآخرة.
وإذا حاولنا استعراض المسيرة البشريّة لا نجد ظلماً أفحش ولا أعظم من ما حدث في كربلاء يوم العاشر من المحرّم سنة 61هـ.
فهناك كانت أعظم الجرائم وأقبحها ليس فقط لأنّها لم تترك 

1- نهج البلاغة, ص 90. 
2- نهج البلاغة, ص 48.
 
46
 

31

المحاضرة الأولى

 وحشيّة إلّا اقترفتها من قتلٍ وتقطيع أوصالٍ، وسبيٍّ، وتعرّضٍ للنساء والأطفال بالقتل، وبما هو أفظع أحياناً من القتل. بل لأنّه كان ظلماً لا نبالغ إذا ما قلنا أنّه طال كلّ موجود بدءاً من أقدسهم النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله وسلم وعليّ وفاطمة عليهم السلام إلى كلّ عالم الوجود من أهل السموات والأرض وهذا ربما ما تشير إليه عبارات الزيارات لا سيّما زيارة عاشوراء.
 
إضافة إلى أنّه مصداق الحديث الشريف الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "يقول الله اشتدّ غضبي على ظلم من لا يجد ناصراً غيري"1.
ولقد كان الحسين عليه السلام وركبه في تلك الواقعة وفي تلك البقعة بلا ناصر أمام الحشد الهائل لجند الظالم.
وقد أظهر الإمام الحسين عليه السلام ذلك باستدعائه الناصر بقوله: "هل من ناصر ينصرنا".
 
الظالم لا يخاف الله:
 
إنّ للظلم أسباباً كثيرة ترجع في أغلبها إلى أمور منها:
حبّ الدنيا ومناصبها وجاهها وسلطانها, فملك الريّ دعا اللعين ابن سعد أن يقود الجيش الذي ارتكب الفظائع بحقّ أهل بيت الطهر والنبوّة عليهم السلام.

1- مجمع الزوائد, ج 4 ص 206.
 
47
 

32

المحاضرة الأولى

 عدم الشعور بالرقابة الإلهيّة:
 
عدم الإيمان بالآخرة وعلى الأقلّ التشكيك بها, فمن يؤمن بالله واليوم الآخر ويشعر بأنّ الله حاضر وناظرٌ مراقب لا يجرؤ على أن يظلم. وبالتالي فمن لا يؤمن بذلك لن يخاف من الله ليكون الخوف رادعاً له عن الظلم فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "من خاف ربّه كفّ ظلمه"1.
وكيف يجرؤ على الظلم من وصله قول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "بين الجنّة والعبد سبع عقاب (عقبات) أهونها الموت" قال أنس: قلت يا رسول الله فما أصعبها؟ قال صلى الله عليه و آله وسلم: "الوقوف بين يدي الله عزَّ وجلَّ إذا تعلّق المظلومون بالظالمين"2.
 
عاقبة الظلم في الدنيا:
 
قد يظنّ بعض الظلمة أنّ نتائج ظلمهم وعقوبتهم عليه مؤخّرة إلى يوم القيامة وهذا ما قد يغريهم بالإستمرار فيه والاستبداد أكثر إلّا أنّ هذا ليس حقيقة لأنّ الله وعَدَ بكتابه أن يدافع عن المؤمنين والمظلومين ولا يرضى بالظلم، ولذا فهو يؤدّب الظالم في الدنيا وهناك آثاراً كثيرة وعواقب للظلم في الدنيا نذكر منها:

1- الكافي, ج 8 ص 24.
2- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1771.
 
48

 

33

المحاضرة الأولى

 1ـ أعمار الظالمين قصار: عن الإمام عليّ عليه السلام: "من جَارَ قُصم عمره"1.
 
2ـ زوال النعمة: أو بمعنى آخر تعريض الملك للزوال: عن الإمام عليّ عليه السلام: "بالظلم تزول النعم"2 أو ما ورد بأنّ الحكم مع الكفر يبقى ومع الظلم لا يبقى.
 
3ـ استجابة دعاء المظلوم بحقّ الظالم: عن الإمام عليّ عليه السلام: "... فإنّ الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد"3.
وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم : "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً فإنّه ليس دونه حجاب"4.
 
4 ـ تعجيل النقمة: وعن الإمام عليّ عليه السلام: "ليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم"5.
 
عاقبة الظلم في الآخرة:
 
يقول الإمام عليّ عليه السلام: "ظلامة المظلومين يُمهلها الله ولا يَهملها"6 فالظلم غير متروك والظالم غير مُهمل وقد سبق فيما مرَّ من الروايات أنّ من عواقب الظلم هو تشديد الحساب، وفي

1- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1772.
2- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1772.
3- نهج البلاغة, ص 82. 
4- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1781.
5- نهج البلاغة, ص 82.
6- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1775.
 
49

34

المحاضرة الأولى

 ساحة المحشر وأمام الخلق جميعاً حيث يترك للمظلومين أن يمسكوا برقاب ظالميهم ليسوقوهم إلى الحساب وليقتصّوا منهم, وحينها كيف ستكون ساحة المحشر وكيف سيكون يوم القيامة بالنسبة للظالمين وما هي هيئتهم وكيف يشعرون؟
 
1 ـ الندم والحسرة: قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا )1.
وعن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: " الظلم ندامة"2.
 
2 ـ العذاب الأليم: ويقول عزَّ من قائل: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾3.
 
3 ـ السقوط عن الصراط: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزَّ وجلَّ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ قال عليه السلام: "قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة"4.
 
4 ـ ظلمات: ورد عن رسول الله قوله صلى الله عليه و آله وسلم: "... وإيّاكم والظلم فإنّ الظلم عند الله هو الظلمات يوم القيامة..."5.
والظلمات يوم القيامة قد تكون العمى كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾6.

1- سورة الفرقان، الآية: 27.
2- بحار الأنوار, ج 72 ص 322.
3- سورة الزخرف، الآية: 65.
4- الكافي, ج 2 ص 331.
5- الخصال, ص 177.
6- سورة الإسراء: آية 72.
 
50
 

35

المحاضرة الأولى

 وقد تكون بمعنى التقلّب في ألوان المهانة والعذاب والشدائد.
 
5 ـ عقوبة الظالم أشدّ من الظلم: عن الإمام عليّ عليه السلام: "يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم"1.
لأنّ المظلوميّة تذهب بذهاب الألم الناتج عنها وعلى الأكثر بالموت بينما الإقتصاص من الظالم في الدار الآخرة يكون بعذاب أشدّ وأبقى وأدوم ولذا قال الإمام عليّ عليه السلام: "إيّاك والظلم فإنّه يزول عمّن تظلمه ويبقى عليك"2.
 
6 ـ الله خصم الظالم: عن الإمام عليّ عليه السلام: "من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده"3.
 
عاقبة ظالمي أهل البيت عليهم السلام 
 
لقد ذكرت الروايات أنّ الإمام الحسين عليه السلام وكذلك غيره من أصحابه وكذلك أخته العقيلة زينب عليها السلام قد صدر منهم ما يلفت إلى عواقب القتلة والمجرمين.
فقد أخبر الإمام الحسين عليه السلام ابن سعد أنّه لن يكون له ملك الريّ وقد حصل ذلك وأنّه سيذبح على فراشه وقد حصل ذلك على يدي المختار الثقفيّ الذي قتل أيضاً قتلة الإمام الحسين عليه السلام من ابن زياد إلى حرملة إلى شبث بن ربعي إلى آخرين.

1- نهج البلاغة, ص 54.
2- عيون الحكم والمواعظ, ص 97.
3- مستدرك الوسائل, ج 12 ص 100.
 
51
 

36

المحاضرة الأولى

 وقد أخبرت الحوراء زينب عليها السلام الطاغية في مجلسه بزوال ملكه وملك آل أبي سفيان عمّا قريب وعدم حصول مبتغاهم حيث أطلقت صرختها للتاريخ:
 
"كد كيدك واسع سعيك وناصب جَهدك فوالله لن تُميت وحينا، ولن تمحو ذكرنا..."1 وهكذا كان فبعد ما لا يزيد على سنوات ثلاث هلك يزيد وانتقل ملك آل أبي سفيان إلى آل مروان. وها هو ذكر آل محمّد صلى الله عليه و آله وسلم يملأ المحافل وينير الآفاق ويجلو الظلمة عن الأبصار والبصائر وفعلاً، "كذب الزمان فالحسين مخلّد".

1- بحار الأنوار, ج 45 ص 135.23- سورة آل عمران: آية 110.
 
52
 

37

المحاضرة الثانية

 دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حماية وتحصين المجتمع‏
 
الهدف: تعزيز الإيمان بالله، واحترام القيم والمقدّسات الدينيّة، وحماية المجتمع الإسلاميّ من الانحرافات الثقافيّة والأخلاقيّة.
 
تصدير الموضوع
 
قال الله تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ﴾1.

1- سورة آل عمران: آية 110.
 
53
 

38

المحاضرة الثانية

 ﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾1.
 
المقدّمة: 
يعتبر إصلاح المجتمع من خلال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو اختصار لرسالة الأنبياء عليهم السلام التي أرسلهم الله تعالى بها, وهو غاية ما تحمّلوه من عذاب وجهاد في مواجهة الطواغيت وإرشاد العباد, حتّى يصلوا إلى تحقيق المجتمع الصالح.
 
محاور الموضوع
 
1- أهميّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
 
أ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضروريّات الدّين:
وهما من أسمى الفرائض وأشرفها، وبهما تقام الفرائض، ووجوبهما من ضروريّات الدّين، ومنكره مع الإلتفات بلازمه والإلتزام به من الكافرين2.
 
ب- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الأمّة جمعاء:
فيجب الأمر والنهي على كلّ من تتوفِّر فيه الشرائط من 

1- سورة النحل: آية 125.
2- تحرير الوسيلة للإمام الخميني قدس سره.
 
54
 

39

المحاضرة الثانية

 العلماء وغيرهم من الرجال والنساء، قال الله تعالى: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾1.
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "لا تزال أمّتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلّط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء"2
وعن الإمام الرضاعليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يقول: إذا أمّتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله"3.
 
ج- الأمر والنهي واجب كفائي:
الأمر والنهي واجبان على نحو الوجوب الكفائي فإذا تصدّى له من به الكفاية لإنجاز المهمّة وتحقيق الواجب سقط التكليف عن الباقين، غير أنّ وجوبه مستمرّ في عموم حالات المنكر ما دام المنكر موجوداً والمعروف متروكاً.
 
2 - معنى الأمر والنهي:
المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قيام المكلّف 

1- سورة آل عمران: آية 104.
2- بحار الأنوار, ج 97 ص 94.
3- الكافي, ج 5 ص 59
 
55
 

40

المحاضرة الثانية

 بواجب التصدّي لتارك المعروف أو لفاعل المنكر، لحثّه على فعل المعروف وترك المنكر بواحد من الأساليب التي وضعتها الشريعة لذلك.
 
أ - معنى المعروف:
المراد بالمعروف كلّ فعل حسن أوجبَتْه الشريعة المقدّسة أو ندبت إليه، فإن كان واجباً كان الأمر به واجباً، وإن كان مستحبّاً كان الأمر به مستحبّاً.
 
ب - معنى المنكر:
المراد بالمنكر كلّ فعل كرهته الشريعة فحرّمت فعله أو حثّت على التنزّه عنه وتركه، فإن كان المنكر حراماً كان النهي عنه واجباً، وإن كان مكروهاً كان النهي عنه مستحبّاً وراجحاً.
 
3- كيفيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يجب أن يكون الأمر والنهي برفق ولين وهدوء، فقد روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم قوله لعليّ عليه السلام: "يا عليّ إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق"1.
فلا بدّ من عدم الإفراط في الأمر والنهي ممّا يستلزم الإثقال على المأمور وتزهيده في الدّين وتنفيره منه وانقلاب الأمر إلى ضدّه.

1- وسائل الشيعة, ج 1 ص 110.
 
56
 

41

المحاضرة الثانية

 أ - الأحكام والمراتب:
يمكن للمكلّف مع توّفر الشرائط، مهما كان موقعه في المجتمع أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويواجه العصاة والمنحرفين والمتمرّدين، بأساليب ثلاثة على نحو الترتيب، بمعنى أنّه لا يجوز التعدّي عن مرتبة إلى الأخرى مع إمكانيّة حصول المطلوب من المرتبة الدانية مع احتمال حصوله.
 
ب- المراتب بالترتيب: 
 
الأولى:
الإنكار والانزجار القلبيّ: وهو أن يأتي بعمل يُظهر به انزعاجه وكراهته للمعصية ولهذه المرتبة عدّة مظاهر مثل:
• الإعراض عن فاعل المنكر بالوجه والبدن ثمّ ترك الكلام معه. 
• عدم مصافحته أو السلام عليه. والعبوس والانقباض في الوجه. 
• المقاطعة والهجران. وعدم قبول الهدايا أو ردّها. 
ولا بدّ هنا من الاقتصار على الدرجة الدانية فالدانية والأيسر فالأيسر.
 
الثانية:
الأمر والنهي لساناً: وهو الأمر والنهي بالكلمة بالنحو المناسب والمؤثِّر.
 
57

42

المحاضرة الثانية

 وتتحقّق هذه المرتبة بعدّة أمور منها:
الإرشاد والقول اللّين، وليس من الضروريّ أن يكون بصيغة الأمر والنهي.
• بصيغة البيان والتوضيح وشرح الأهداف والآثار. 
• بصيغة الموعظة والتخويف من العقاب والترغيب في الثواب. 
• بالصيغة الشديدة القويّة الخالية من التهديد. 
• بالصيغة الشديدة القويّة المشتملة على التهديد والوعيد. 
 
الثالثة:
الإنكار باليد:
وهي إعمال القدرة للأمر والنهي. فإذا علم بأنّ المرتبتين لا تؤثّران، واحتمل التأثير بالثالثة انتقل إليها.
ويجب مراعاة الأيسر فالأيسر، فلو أمكنه المنع عن فعل المنكر بالحيلولة بينه وبين المنكر وجب الاقتصار إليه.
 
4- منهج ووسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
 
أ- منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال الله تعالى: ﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾1.

1- سورة النحل: آية 125.
 
58
 

43

المحاضرة الثانية

 وقال الله تعالى: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾1.
وقال الله تعالى: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾2.
عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لبعض أصحابه: "لا تحملوا على شيعتنا وأرفقوا بهم فإنّ الناس لا يحتملون ما تحتملون"3
عن الإمام الرضا عليه السلام "لا تبذل لإخوانك من نفسك ما ضرّه عليك أكثر من منفعته لهم"4.
 
ب - وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
لمّا كانت الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملاً إنسانيّاً يهدف إلى إصلاح الآخرين، فلا عجب أن يختلف باختلاف الأشخاص وأنواع الانحراف:
عن الإمام الباقرعليه السلام: "فأنكروا بقلوبكم والفظوا بألسنتكم وصكّوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم"5.

1- سورة طه: آية 43.
2- سورة آل عمران: آية 104.
3- الكافي, ج 8 ص 334.
4- وسائل الشيعة, ج 16 ص 316.
5- الكافي, ج 5 ص 56.36
 
59

 

44

المحاضرة الثانية

 5- المفاسد الشائعة في المجتمع وطرق معالجتها:
تنتشر في مجتمعاتنا الإسلاميّة الكثير من المفاسد الخطيرة ممّا يؤدّي إلى ضعف الإرتباط بالدّين والرسالة. 

أ- الأسباب:
• ضعف الثقافة الإسلاميّة والروح الإيمانيّة. 
• عدم قيام من تتوفَّر بهم الشرائط بواجباتهم كما يجب. 
• عدم وجود خطط وبرامج منظمة للأمر والنهي والإرشاد. 
• عدم كفاية البرامج والنشاطات الموجودة. 
• ضعف التأثير وجمود الأساليب المعتمدة. وانتشار وتطوّر وتعدد مراكز وعناوين الفساد والمنكر. 

ب- أنواع المفاسد:
تبرز المفاسد بين الناس في عناوين متنوّعة بلا فرق بين الأفراد والجماعات: 
• الشهوات والحاجات الجنسيّة للجنسين, والحفلات والاختلاط بشكل عامّ. 
• الاستماع إلى الموسيقى والغناء المحرّمين. 
• الاستفادة السلبيّة من الكمبيوتر والإنترنت ووسائل الإعلام والفضائيّات والمنشورات. 
 
60

45

المحاضرة الثانية

 ج- طرق المعالجة:
• بثّ روح الثقافة الإسلاميّة والإيمانيّة. 
• وضع خطط وبرامج منظّمة من لجان أو جمعيّات خاصّة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإشراف العلماء، والحوزات العلميّة والجمعيّات والمؤسّسات. 
• تنويع وتطوير البرامج الدينيّة والثقافيّة. 
• إيجاد بدائل عمليّة ووسائل فاعلة في عمليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 
• المواجهة العمليّة والجديّة لكلّ وسائل وبرامج ومفردات الإعلام المنحرف. 
• التوجيه الدائم للاستفادة الإيجابيّة من الوسائل الحديثة. وتنشيط الروحيّة الرساليّة والتربوية بين الناس. 
 
61

46

المحاضرة الثالثة

نصرة المظلوم في الشريعة الإسلاميّة
 
الهدف: إيضاح نظرة الإسلام من الظلم، وموقفه من الظالمين، وفلسفة وجوب نصرة ودعم المظلومين بمختلف الإمكانيّات والوسائل.
 
تصدير الموضوع
 
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "ما من مؤمن يعين مؤمناً مظلوماً إلّا كان أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلّا نصره الله في الدنيا والآخرة، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو 
 
63
 

47

المحاضرة الثالثة

 يقدر على نصرته إلّا خذله الله في الدنيا والآخرة"1
 
المقدّمة:
 
حذّرت الشريعة الإسلاميّة من أيّ شكل من أشكال الظلم أو الإعانة عليه, وأكّدت على ضرورة نصرة المظلوم والدفاع عنه, والظلم هو وضع الشي‏ء في غير موضعه المختّصّ به؛ إمّا بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته أو مكانه.. والظلم يقال في مجاوزة الحقّ الذي يجري مجرى نقطة في الدائرة ويقال فيما يكثر وفيما يقلّ من التجاوز2
 
محاور الموضوع
 
1- قبح الظلم عند البشر:
 
تشهد دراسة التاريخ البشريّ بأنّ الإنسان مهما كان دينه ومسلكه وانتماؤه، وأينما حلّ في بقاع الأرض، يُدرك بنفسه قُبح الظلم وحُسن العدل، كما يُدرك بنفسه حسن الوفاء بالعهد وقبح نقضه، وحُسن معونةِ المظلومين ونصرتهم، وقُبح إعانة الظالمين ونصرتهم.
فالعقل البشريّ السليم يدرك حسن الأفعال وقبحها، ويعتبر 

1- (وسائل الشيعة، ج‏ 12 ص 291).
2- (مفردات ألفاظ القران، للراغب الأصفهانيّ، 537).
 
64
 

48

المحاضرة الثالثة

 الفعلَ الحسَن علامة لكمال فاعله، والفعل القبيح علامة لنقصان فاعله.
 
أسباب الظلم:
 
• جهل الظالم بقبح الظلم. 
• سفاهة الظالم وعدم حكمته. 
• احتياج الظالم للظلم لحفظ مصالحه ومشاريعه. 
جاء في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام "إنّما يحتاج إلى الظلم الضعيف"1.
 
2- مكانة نصرة المظلوم في الإسلام:
 
جاء الإسلام والناس متفرّقون شيعًا وأحزابًا وقبائل، فجمع الله به الناس، وألَّف به بين قلوبهم, قال الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾2
وقد ربَّى الإسلام أبناءه على استشعار أنّهم أفراد في مجموعة وأنّهم أجزاء من هذه الجماعة الكبيرة، فالمسلم بشعوره أنّه جزء من الجماعة يحبّ للأجزاء الأخرى مثل ما يحبّ لنفسه. 
إنّ انتماء المسلم للجماعة يرتّب عليه حقوقاً وواجبات، ومن أعظمها واجب التناصر بين المسلمين. قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يقول 

1- الصحيفة السجّاديّة ص 278.
2- سورة آل عمران: آية 103.
 
65
 

49

المحاضرة الثالثة

 الله عزّ وجلّ: "وعزتي وجلالي لأنتقمنّ من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمّنّ ممّن رأى مظلوماً فقدر أن ينصره فلم ينصره"1.
 
وفي وصيّة الإمام عليّ عليه السلام لولديه الحسن والحسينعليه السلام يقول: "وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم عَوْناً"وقد ورد الحثّ على إعانة المظلوم في العديد من الأدعية والروايات.
فعن الإمام زين العابدين عليه السلام: "اللهمّ إنّي أعتذر إليك من مظلوم ظلم بحضرتي فلم أنصره..."3
 
وقال الإمام عليّ عليه السلام: "أحسن العدل نصرة المظلوم"4.
 
وعنه عليه السلام: "إذا رأيت مظلوماً فأعنه على الظالم"5.
 
3- أهميّة التناصر في حياة الأمّة:
 
للتناصر أهميّة عظمى في حياة الأمّة، وبدونه يصبح المجتمع الإسلاميّ مكشوفًا أمام أعدائه مُعَرَّضًا للهزيمة وعلى العكس من ذلك؛ فإنّ التزام أبناء المجتمع بنصر الله من ناحية ونصرة بعضهم البعض من ناحية أخرى، يؤدّي حتمًا إلى فوز المسلمين بكلّ خير، وظهورهم على عدوّهم تحقيقًا لوعد الله 

1- ميزان الحكمة, ج2 ص 1774.
2- نهج البلاغة 1 76.
3- الصحيفة السجّاديّة ص 189.
4- ميزان الحكمة, ج2 ص 1780.
5- ميزان الحكمة, ج2 ص 1780.
 
66
 

50

المحاضرة الثالثة

 عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ﴾1.
وتكون النصرة بتقديم العون له متى احتاج إليه، ودفع الظلم عنه إن كان مظلومًا، وردعه عن الظلم إن كان ظالمًا، تحقيقًا لقول الرسولصلى الله عليه و آله وسلم: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" فقال رجل: يا رسول الله! أنصره إن كان مظلومًا، أرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره"2.
 
وكان ممّا أمر به النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم أمّته نصر المظلوم بغضّ النظر عن لونه وجنسه، في الرواية: أمر رسول اللهصلى الله عليه و آله وسلم بسبع: "عيادة المريض، واتباع الجنائز، وتسميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم..."3
 
وكان يشحذ همم المسلمين ويحثّهم على نصرة المظلوم مبيّنًا أنّ الجزاء سيكون من جنس العمل: "ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلّا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلّا نصره الله في موطن يحبّ فيه نصرته"4.

1- سورة الحجّ: آية 40.
2- صحيح البخاري, ج8 ص 59.
3- بحار الأنوار، ج‏72، ص‏17.
4- مسند أحمد, ج 4 ص 28.
 
67

 

51

المحاضرة الثالثة

 4- ثواب نصرة المظلوم:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "من أخذ للمظلوم من الظالم كان معي في الجنّة مصاحباً"1.
 
5- خصوصيّة استجابة دعوة المظلوم:
 
المستفاد من عدّة روايات أنّ الله تعالى خصّ المظلومين بقبول دعوتهم ونصرتهم، وردّ كيد الأعداء، وما ذلك إلّا لأنّهم أصحاب حقّ، وإنّ الله تعالى لا يمنع ذا حقّ حقّه، ويحثّ عباده على نصرة المظلومين.
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم "اتقوا دعوة المظلوم فإنّها تحمل على الغمام، يقول الله: "وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين"2.
وعنه صلى الله عليه و آله وسلم قال: "اتقوا دعوة المظلوم، فإنّها تصعد إلى السماء كأنّها شرارة"3.
وعن الإمام عليّ عليه السلام لمّا سُئل كم بين الأرض والسماء؟: "بين السماء والأرض مدّ البصر ودعوة المظلوم"4.

1- بحار الأنوار، ج 72 ص 377.
2- ميزان الحكمة, ج2 ص 1781.
3- ميزان الحكمة, ج2 ص 1781.
4- ميزان الحكمة, ج2 ص 1781.
 
68
 

 


52

المحاضرة الأولى

 الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام
 
الهدف: التعرّف على أهمّ سمات شخصيّة الإمام الحسين عليه السلام، وموقعه في الإسلام من خلال نظرة رسول البشريّة صلى الله عليه و آله وسلم إليه، والاقتداء به.
 
تصدير الموضوع
 
عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم : "الحسن والحسين ابناي من أحبّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله الجنّة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النّار"1.

1- كنز العمال, ج12 ص 117.
 
71
 

53

المحاضرة الأولى

 محاور الموضوع
 
1- الإمام عليه السلام في سطور:
 
هو أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب ثالث أئمّة أهل البيت الطاهرين، وثاني سبطَي رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة، وريحانة المصطفى، وأحد الخمسة أصحاب العبا وسيّد الشهداء، واُمّه فاطمة بنت رسول الله (صلوات الله عليهم). أكّد أغلب المؤرّخين أنّه ولد بالمدينة في الثالث من شعبان في السنة الرابعة من الهجرة.
 
وضعت سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليها السلام وليدها العظيم، وزفّت البشرى الى الرسولصلى الله عليه و آله وسلم، فأسرع إلى دار عليّ والزهراء عليهم السلام، فقال لأسماء بنت عميس: "يا أسماء هاتي ابني"، فحملته إليه وقد لُفّ في خرقة بيضاء، فاستبشر النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم وضمّه إليه، وأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ وضعه في حجره وبكى، فقالت أسماء: فداك أبي وأمّي، ممّ بكاؤك؟ قال: "من ابني هذا". قالت: إنّه ولد الساعة، قال: "يا أسماء! تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي..."1.

1- روضة الواعظين, ص 153.
 
72
 

54

المحاضرة الأولى

 ثمّ إنّ الرسول صلى الله عليه و آله وسلم قال لعليّ عليه السلام: أيّ شي‏ء سمّيت ابني؟ فأجابه عليّ عليه السلام: "ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله". وهنا نزل الوحي على حبيب الله محمّداً صلى الله عليه و آله وسلم حاملاً اسم الوليد من الله تعالى، وبعد أن تلقّى الرسول أمر الله بتسمية وليده الميمون، التفت الى عليّعليه السلام قائلاً: "سمّه حسيناً"1.
 
2 - اهتمام النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم بالإمام عليه السلام:
 
لقد تضافرت النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم بشأن الحسين وهي تبرز المكانة الرفيعة التي يمثّلها في دنيا الرسالة والأمّة. ويمكن الوقوف عند عدّة نماذج منها:
 
إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم كان جالساً فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام، فلمّا رآهما النبيّ قام لهما واستبطأ بلوغهما إليه، فاستقبلهما وحملهما على كتفيه، وقال: "نعم المطيُّ‏ مطيّكما، ونعم الراكبان أنتما، وأبوكما خير منكما"2
 
رُوي عن ابن مسعود أنّه قال: كان النبيّ يصلّي فجاء الحسن والحسين فارتدفاه، فلمّا رفع رأسه أخذهما أخذاً رفيقاً، فلمّا عاد عادا، فلمّا انصرف أجلس هذا على فخذه الأيمن وهذا على فخذه الأيسر، ثمّ قال: "من أحبّني فَلْيُحبّ هذين "3.

1- الروض النضير في معنى حديث الغدير, ص 250.
2- بحار الأنوار, ج43 ص 284.
3- بحار الأنوار, ج43 ص 273.
 
73
 

55

المحاضرة الأولى

 "حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط"1.
"الحسن والحسين خير أهل الأرض بعدي وبعد أبيهما، وأمّهما أفضل نساء أهل الأرض"2
 
3 - سماة شخصيّة للإمام عليه السلام:
 
أ - عبادته وتقواه:
 
الإمام الحسين وهو أحد أعمدة البيت النبويّ الطاهر كان يقوم بين يدي الجبّار مقام العارف المتيقّن والعالم العابد، فإذا توضّأ تغيّر لونه وارتعدت مفاصله، فقيل له في ذلك فقال: "حقّ لمن وقف بين يدي الجبّار أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله" 3.
وحرص على أداء الصلاة في أحرج المواقف، حتّى وقف يؤدّي صلاة الظهر في قمّة الملحمة في اليوم العاشر من المحرّم وجيوش الضلالة تحيط به من كلّ جانب وترميه من كلّ صوب.
وكان عليه السلام يخرج متذلّلاً لله ساعياً الى بيته الحرام يؤدّي مناسك الحجّ بخشوع وتواضع، حتّى حجّ خمساً وعشرين حجّة ماشياً على قدميه. وإنّ نظرة واحدة الى دعائه في يوم عرفة تبرهن 

1- الإرشاد, ج2 ص 127.
2- بحار الأنوار, ج26 ص 267.
3- بحار الأنوار, ج 77 ص 341.
 
74
 

56

المحاضرة الأولى

 على عمق هذه المعرفة وشدّة العلاقة مع الله تعالى، من مقاطع هذا الدعاء العظيم: 
قال: "كيف يُستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهِر لك؟! متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك؟! ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً...
إلهي هذا ذُلّي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك. منك أطلب الوصول إليك، وبك استدلّ عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبوديّة بين يديك..."1.
وقد اشتهرت بين محدّثي الشيعة ومختلف طبقاتهم مواقفه الخاشعة في عرفات أيّام موسم الحجّ، ومناجاته الطويلة لربّه وهو واقف على قدميه في ميسرة الجبل والناس حوله.
 
ب- تواضعه: 
 
فقد نُقلت عنه مواقف كثيرة تعامل فيها مع سائر المسلمين بكلّ تواضع مظهراً سماحة الرسالة ولطف شخصيّته الكريمة، ومن ذلك:

1- بحار الأنوار, ج 46 ص 147.
 
75

 

57

المحاضرة الأولى

 إنّه قد مرّ بمساكين وهم يأكلون كسراً (خبزاً يابساً) على كساء، فسلّم عليهم، فدعوه الى طعامهم فجلس معهم وقال: لولا أنّه صدقة لأكلت معكم. ثمّ قال: قوموا الى منزلي، فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدراهم1
 
وروي: أنّه مرّ بمساكين يأكلون في الصُّفَة، فقالوا: الغداء، فقال: إنّ الله لا يحبّ المتكبّرين، فجلس وتغدّى معهم ثمّ قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم، فمضى بهم الى منزله وقال لزوجته: أخرجي ما كنت تدّخرين2.
 
ج- حلمه وعفوه:
 
تأدّب الحسين السبط بآداب النبوّة، وحمل روح جدّه الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله وسلم يوم عفا عمّن حاربه ووقف ضدّ الرسالة الإسلاميّة، فقد روي عنه أنّه قال: "لو شتمني رجل في هذه الأذن وأومأ إلى اليمنى واعتذر لي في اليسرى لقبلت ذلك منه، وذلك أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب حدّثني أنّه سمع جدّي رسول الله يقول: لا يرد الحوض مَن لم يقبل العذر من محقّ أو مبطل3

1- بحار الأنوار, ج44, ص 189.
2- الإمام الحسين سماته وسيرته, ص 30.
3- الأخلاق الحسينيّة, ص 275.
 
76
 

58

المحاضرة الأولى

 د - جوده وكرمه: 
 
عن أنس أنّه قال: كنت عند الحسين فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان فحيّته بها، فقال لها: أنت حرّة لوجه الله تعالى. وانبهر أنس وقال: جارية تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها؟! فقال: كذا أدّبنا الله، قال تبارك وتعالى:  ﴿ وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾، وكان أحسن منها عتقها1.
 
ووقف ذات مرّة سائل على باب الحسين عليه السلام وأنشد قائلاً:
 
لم يخب الآن من رجاك ومن                 حرّك من دون بابك الحلقة
أنت جواد وأنت معتمد                       أبوك قد كان قاتل الفسقة
 
 
فأسرع إليه الإمام الحسين وما أن وجد أثر الفاقة عليه حتّى نادى بقنبر وقال متسائلاً: ما تبقّى من نفقتنا؟ قال: مائتا درهم أمرتني بتفرقتها في أهل بيتك، فقال: هاتها فقد أتى مَن هو أحقّ بها منهم، فأخذها ودفعها إلى السائل معتذراً منه، وأنشد قائلاً:
 
خذها فإنّي إليك معتذر              واعلم بأنّي عليك ذو شفقة
لو كان في سيرنا الغداة عصاً         أمست سمانا عليك مندفقة 
لكنّ ريب الزمان ذو غِير             والكفّ منّي قليلة النفقة

1- كشف الغمّة, ج 2 ص 236.
 
77
 

59

المحاضرة الأولى

 فأخذها الأعرابيّ شاكراً وهو يدعو له بالخير، وأنشد مادحاً:
 
وأنتم أنتم الأعلون عندكم             علم الكتاب وما جاءت به السورُ
من لم يكن علويّاً حين تنسبه          فما له في جميع الناس مفتخر1
 
هـ - شجاعته وإباؤه:
 
فقد كان طوداً شامخاً لا يدنو منه العدوّ هيبةً وخوفاً رغم جراحاته الكثيرة في كربلاء حتّى شهد له عدوّه بذلك، فقد قال حميد بن مسلم: فوالله ما رأيت مكثوراً - أي تكاثروا عليه - قطّ قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً منه، إن كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فيكشفهم عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا اشتدّ عليها الذئب2.
 
وأكثر ما يبرز ذلك حين وقف ذلك الموقف الرساليّ العظيم يهزّ الأمّة ويشجّعها أن لا تموت هواناً وذلّاً، رافضاً بيعة الطليق ابن الطليق يزيد بن معاوية قائلاً: "إنّ مثلي لا يبايع مثله"3.
 
وها هو يصرّح لأخيه محمّد بن الحنفية مجسّداً ذلك الإباء بقوله: "يا أخي! والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية"4.

1- ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر, ص 231.
2- تاريخ الطبري, ج 4 ص 301.
3- بحار الأنوار, ج44, ص 147.
4- كتاب الفتوح, ج5 ص 21.
 
78
 

60

المحاضرة الأولى

 وكذا عندما وقف صارخاً بوجه جحافل الشرّ والظلم من جيوش الردّة الاُمويّة قائلاً: "والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ إقرار العبيد، إنّي عذت بربّي وربّكم أن ترجمون"1.
 
لقد كانت كلمات الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام تعبّر عن أسمى مواقف أصحاب المبادئ والقيم وحملة الرسالات، كما تنمّ عن عزّته واعتداده بالنفس، فقد قال:
 
"ألا وإنّ الدعيِّ ابن الدعيِّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلة، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأُنوف حميّة، ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام"2.

1- عوالم الإمام الحسين, ص 59.
2- مثير الأحزان لابن نما, ص 36.20- عوالم الإمام الحسين, العلامة البحراني,ص 159.
 
79
 

61

المحاضرة الثانية

 الإصلاح بين الناس
 
تعريف المجتمع بضرورة الإصلاح بين المسلمين وأهميّته للوصول إلى كمال المجتمع في ظلّ رعاية الله تعالى.
 
تصدير الموضوع
 
قال الإمام الحسينعليه السلام: "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً, وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي..."1.

1- عوالم الإمام الحسين, العلامة البحراني,ص 159.
 
81
 

62

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
يعتبر الإصلاح بين الناس من الضرورات الاجتماعيّة والدينيّة، التي أكّدت عليها الشريعة في الكتاب العزيز، والسنّة الشريفة، واعتبرتها القوانين الوضعيّة من أصول البنية الاجتماعيّة. وقد أولت الأحاديث موضوع الإصلاح بين الناس أو إصلاح ذات البين أهميّة فائقة، بحيث حثّت الناس على هذا الأمر وشجّعتهم عليه بمختلف العناوين.
 
محاور الموضوع:
 
1 - أهميّة الإصلاح في الشريعة الإسلاميّة:
 
يقول تعالى:  ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾1.
 
2- ذمّ التهاجر بين المسلمين:
 
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء ﴾2
عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم "أيُّما مُسلمَين تهاجرا فمكثا ثلاثاً لا يصطلحان إلّا كانا خارجَين من الإسلام ولم يكنْ بينهما 

1- سورة النساء, آية 114.
2- سورة المائدة, آية 91.
 
82

 

63

المحاضرة الثانية

 ولايةٌ، فأيُّهما سبق إلى كلامِ أخيه كان السابق إلى الجنّة يومَ الحساب"1.
 
وعنه صلى الله عليه و آله وسلم:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث, فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار"2.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "لا يفترق رجلان على الهجران إلّا استوجب أحدُهما البراءة واللعنة، ورُبما استحق ذلك كلاهما"3.
 
وقال الإمام الصادق عليه السلام: "لا يزالُ إبليسُ فرحاً ما اهتجر المُسلمانِ فإذا التقيا اصطكّت رُكبتاهُ وتَخلّعت أوصاله ونادى: يا ويله ما لقي من الثُّبور"4.
 
ومن دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام: "اللهمّ صلّ على محمد وآله وَحَلِّني بحِلية الصالحين وأَلبسني زينةَ المُتّقين في بسطِ العَدْلٍ وكَظمِ الغيظِ وإطفاءِ النّائرة وضمّ أهلِ الفُرقَةِ وإصلاح ذاتِ البينِ"5
 
3- سيرة الأئمّة المعصومين عليه السلام في الإصلاح:
 
يحظى الإصلاح بين المؤمنين بأهمية خاصة لدى أئمة أهل 

1- الكافي, ج2ص 344.
2- كنز العمال, ج9, ص 37.
3- الكافي, ج2 ص344.
4- الكافي, ج2 ص 346.
5- الصحيفة السجادية. ص99.
 
 
83

64

المحاضرة الثانية

 البيت عليهم السلام لذلك أوصى الإمام الصادق عليه السلام أحد أصحابه ويدعى المفضّل قائلاً: "إذا رأيتَ بين اثنينِ من شيعتنا مُنازعةً فافْتدِها من مالي"1.
 
وجاء في إحدى الروايات: "مرّ بنا المفضّل وأنا وختَني نتشاجرُ في ميراثٍ، فوقف علينا ساعةً ثمّ قال لنا: تعالوا إلى المنزل فأتيناهُ فأصلح بيننا بأربعمائة درهم فدفعها إلينا من عنده حتّى إذا استوثق كلّ‏ٌ واحدٍ منّا من صاحبه، قال: أما إنّها ليستْ من مالي ولكن أبو عبد الله عليه السلام أمرني: إذا تنازع رجُلان من أصحابنا في شيء أن أُصلحَ بينهما وأفتديها من مالِه. فهذا من مالِ أبي عبد الله الصادق"2.
 
4- الإصلاح أفضل العبادة:
 
من وصيّة أمير المؤمنين لولديه الحسن والحسين عليه السلام: "... إنّي سمعتُ جدّكماصلى الله عليه و آله وسلم يقول: صلاح ذاتِ البينِ أفضلُ من عامّة الصلاةِ والصيّام"3.
 
5- الإصلاح أفضل الصدقة:
 
عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم: "أفضل الصدقة إصلاح ذاتِ البين"4.

1- الكافي, ج2 ص209.
2- الكافي, ج2 ص 209.
3- الكافي, ج7 ص 47.
4- جامع السعادات, ج 2 ص 216.
 
84
 

65

المحاضرة الثانية

 وعن الإمام الصادق عليه السلام: "لأنْ أُصلحَ بين اثنينِ أحبّ‏ُ إليّ من أنْ أتصدَّق بدينارَين"1.
 
وعنه عليه السلام: "صدقةٌ يُحبّها الله: إصلاحٌ بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارُبٌ بينهم إذا تباعدوا"2
 
6 - جواز الكذب من أجل الإصلاح:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "لا يُصلح الكذبُ إلّا في ثلاثة مواطنٍ... كذبُ الرجل يمشي بين الرجلين ليصلحَ بينهما"3.
 
الإمام الصادق عليه السلام لأحد أصحابه "إنّ المصلح ليس بكذّاب، إنّما هو الصَلحُ ليس بكذبٍ"4.
 
رغم ذمّ الكذب في القرآن والأحاديث وعدّه من الكبائر، إلّا إنّ الإسلام أجازه إذا أُريد به الإصلاح بين الناس؛ وفضّ النزاع بين الجانبين المتنازعين.

1- ثواب الأعمال, ص 148.
2- الكافي, ج2 ص 209.
3- مستدرك الوسائل, ج 13 ص 443.
4- الكافي, ج2 ص 210.36
 
85
 

66

المحاضرة الثالثة

 التوكّل
 
الهدف: التعرّف على الأبعاد الإيمانيّة والعقائديّة للتوكّل، ومدى انعكاس ذلك على السلوك الإنسانيّ، وتعزيز العلاقة والثقة المطلقة بالله تعالى.
 
تصدير الموضوع
 
قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً"1

1- بحار الأنوار، ج‏68، ص‏151.
 
87
 

67

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة:
 
يعتبر التوكّل من دلائل الإيمان، وسمات المؤمنين ومزاياهم الرفيعة، الباعثة على عزّة نفوسهم، وترفّعهم عن استعطاف المخلوقين، والتوكّل على الخالق في كسب المنافع ودَرء المضارّ.
معنى التوكّل: 
 
التوكّل على الله انقطاع العبد في جميع ما يأمُله من المخلوقين، والاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور، وتفويضها إليه، والإعراض عمّا سواه، وباعثه قوّة القلب واليقين، وعدمه من ضعفهما أو ضعف القلب، وتأثّره بالمخاوف والأوهام.
 
محاور الموضوع
 
1- التوكّل في الكتاب والسنّة:
 
وقد تواترت الآيات والآثار في مدحه والتشويق إليه: قال تعالى: ﴿  وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾1.
وقال: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾2
وقال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾3.

1- سورة الطلاق: آية 3.
2- سورة آل عمران: آية159.
3- سورة التوبة: آية 51.
 
88
 

68

المحاضرة الثالثة

 وقال: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾1.
 
وقال الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الغنى والعزّ يجولان، فإذا ظفرا بموضع التوكّل أوطنا"2
 
وقالعليه السلام: "أوحى الله إلى داود عليه السلام: ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيّته، ثمّ تكيده السماوات والأرض، ومن فيهن، إلّا جعلت له المخرج من بينهن، وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي، عرفت ذلك من نيّته، إلّا قطعت أسباب السماوات من يديه، وأسخت الأرض من تحته، ولم أبال بأيّ واد هلك"3
 
وقال عليه السلام: "من أعطي ثلاثاً، لم يمنع ثلاثاً: من أُعطي الدعاء أُعطي الإجابة، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة، ومن أعطي التوكّل أعطي الكفاية"4.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "كان فيما وعظ به لقمان ابنه، أن قال له: يا بني ليعتبر من قصر يقينه وضعفت نيّته في طلب الرزق، إنّ الله تبارك وتعالى خلقه في ثلاثة أحوال من أمره، وآتاه رزقه، ولم يكن له 

1- سورة آل عمران: آية 160.
2- أصول الكافي، ج‏2 ص‏65. 
3- وسائل الشيعة، ج 15 ص 212.
4- الكافي, ج 2 ص 65.
 
89
 

69

المحاضرة الثالثة

 في واحدة منها كسب ولا حيلة، إنّ الله تبارك وتعالى سيرزقه في الحال الرابعة: أمّا أوّل ذلك فإنّه كان في رحم أمّه، يرزقه هناك في قرار مكين، حيث لا يؤذيه حرّ ولا برد، ثمّ أخرجه من ذلك، وأجرى له رزقاً من لبن أمّه، يكفيه به، ويربيه وينعشه من غير حول به ولا قوّة. 
ثمّ فُطم من ذلك، فأجرى له رزقاً من كسب أبويه، برأفة ورحمة له من قلوبهما، لا يملكان غير ذلك، حتّى أنّهما يؤثرانه على أنفسهما في أحوال كثيرة، حتّى إذا كبر وعقل، واكتسب لنفسه، ضاق به أمره، وظنّ الظنون بربّه، وجحد الحقوق في ماله، وقتّر على نفسه وعياله، مخافة إقتار رزق، وسوء يقين بالخلف من الله تبارك وتعالى في العاجل والآجل، فبئس العبد هذا يا بني"1
 
2 - أركان التوكّل:
 
يذكر الإمام الخمينيّ قدس سره أربعة أركان للتوكّل:
 
أ - إنّ الحقّ تعالى عالم بحاجات العبادات.
ب - إنّه تعالى قادر على تلبية تلك الحاجات.
ج - إنّه ليس في ذاته المقدّسة بخل.
د - إنّ الله رحيم بالعباد رؤوف بهم2

1- الخصال، ص‏122.
2- الأربعون حديثاً الإمام الخميني, حديث التوكل.
 
90
 

70

المحاضرة الثالثة

 3- كيفيّة التوكّل:
ليس معنى التوكّل إغفال الأسباب والوسائل الباعثة على تحقيق المنافع، ودرء المضار، وأن يقف المرء إزاء الأحداث والأزمات مكتوف اليدين.

إنّما التوكّل هو: الثقة بالله عزَّ وجلّ، والركون إليه، والتوكّل عليه دون غيره من سائر الخلق والأسباب، باعتبار أنّه تعالى هو مصدر الخير، ومسبّب الأسباب، وأنّه وحده المُصرّف لأمور العباد، والقادر على إنجاح غاياتهم ومآربهم.

فالاعتماد التامّ على الأسباب والوسائل وحدها نوع من الشرك الناتج عن ضعف الإيمان والثقة بالله تعالى، ولا ينافي ذلك سعي الإنسان والاستفادة من الأسباب الطبيعيّة، والوسائل الظاهريّة لتحقيق أهدافه ومصالحه كالتزوّد للسفر، والتسلّح لمقاومة الأعداء، والتداوي من المرض، والتحرّز من الأخطار والمضار، فهذه كلّها أسباب ضروريّة لحماية الإنسان، وإنجاز مقاصده، وقد أبى الله عزَّ وجلّ أن تجري الأمور إلّا بأسبابها، فلا بدّ من الأخذ بأسباب الحياة والالتزام بقوانينها، ثمّ نتوكّل على الله تعالى ونطلب منه أن يمدّنا بالتوفيق والعناية والعطاء الغيبي.

بيد أنّه يجب أن تكون الثقة به تعالى، والتوكّل عليه، في إنجاح 
 
 
91

71

المحاضرة الثالثة

 الغايات والمآرب دون الأسباب، وآية ذلك أنّ أعرابيّاً أهمل عَقل بعيره متوكّلاً على الله في حفظه، فقال النبيّصلى الله عليه و آله وسلم له: " إعقل وتوكّل"1.
 
4 - درجات التوكّل:
 
سئل أبو الحسن الأوّل عليه السلام عن قول الله عزَّ وجلّ: ﴿  وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾، فقال: "التوكل على الله درجات منها أن تتوكّل على الله في أمورك كلّها فما فعل بك كنت عنه راضياً تعلم أنّه لا يألوك خيراً وفضلاً، وتعلم أنّ الحكم في ذلك له، فتوكّل على الله بتفويض ذلك إليه، وثق به فيها وفي غيرها"1.
 
فيتفاوت الناس في مدارج التوكّل تفاوتاً كبيراً، كتفاوتهم في درجات إيمانهم، فمنهم السبّاقون والمجلّون في مجالات التوكّل، المنقطعون إلى الله تعالى، والمعرضون عمّن سواه، وهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، ومن دار في فلكهم من الأولياء.
ومن أروع صور التوكّل وأسماه، ما روي عن نبيّ الله إبراهيم عليه السلام: أنّه لما ألقي في النّار، تلقّاه جبرائيل في الهواء، فقال: هل لك من حاجة؟ فقال عليه السلام: "أمّا إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل".
 
فاستقبله ميكائيل فقال: إن أردتَ أخمدتُ النّار فإنّ خزائن 

1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد, ج 11 ص 201.
2- أصول الكافي، ج‏2 ص 65.
 
92

 

72

المحاضرة الثالثة

 الأمطار والمياه بيدي، فقال عليه السلام: "لا أريد".
 
وأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيّرت النّار، فقال عليه السلام: "لا أريد"، فقال جبرائيل: فاسأل الله، فقال عليه السلام: "حسبي من سؤالي علمه بحالي"1.
ومن الناس من هو عديم التوكّل، لضعف إحساسه الروحيّ، وهزال إيمانه، ومنهم بين هذا وذاك على تفاوت في مراقي التوكّل.
 
5 - كيف تكسب التوكّل:
 
• الاستفادة من المفاهيم والمعاني العالية للتوكّل الواردة في الآيات والأخبار الناطقة بفضله وجميل أثره في كسب الطمأنينة والرخاء. 
• تقوية الإيمان بالله عزَّ وجلّ، والثقة بحسن صنعه، وحكمة تدبيره، وجزيل حنانه ولطفه، وأنّه هو مصدر الخير، ومسبّب الأسباب، وهو على كلّ شي‏ء قدير. 
• التنبّه إلى جميل صنع الله تعالى، وسموّ عنايته بالإنسان في جميع أطواره وشؤونه، من لدن كان جنيناً حتّى آخر الحياة، وأنّ من توكّل عليه كفاه، ومن استنجده أنجده وأغاثه. 
• الاعتبار بتطوّر ظروف الحياة، وتداول الأيّام بين الناس، 

1- بحار النوار, ج 68 ص 156.
 
93
 

 


73

المحاضرة الثالثة

 فكم فقير صار غنياً، وغني صار فقيراً، وأمير غدا صعلوكاً، وصعلوك غدا أميراً متسلّطاً. 
• التنبّه إلى عظمة القدرة الإلهيّة في أرزاق عبيده، ودفع الأسواء عنهم، ونحو ذلك من صور العبر والعظات الدالّة على قدرة الله عزَّ وجلّ، وأنّه وحده هو الجدير بالثقة، والتوكّل والاعتماد دون سواه. 
 
6- من آثار التوكّل:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "من أحبّ أن يكون أقوى الناس فليتوكّل على الله"1.
وفي رواية: "من أحبّ أن يكون أتقى الناس..."2.
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من وثق بالله أراه السرور، ومن توكّل عليه كفاه"3
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "من توكّل على الله لا يغلب، ومن اعتصم بالله لا يهزم"4.

1- أمالي الصدوق, ص 381.
2- بحار الأنوار، ج‏68 ص 151.
3- المصدر نفسه.
4- المصدر السابق.
 
94

74

المحاضرة الأولى

 التربة الحسينيّة
 
الهدف: التعرّف على الروايات الواردة في فضل التربة الحسينيّة والإضاءة على أهمّ خصائصها التي تميّزت بها عن غيرها, وصارت سبباً للتوسّل بها إلى الله تعالى.
 
تصدير الموضوع
 
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في بعض الزيارات: "..أشهد أنّك طهر طاهر مطهّر، من طهر طاهر مطهّر، طَهُرْتَ وطَهُرَتْ أرضٌ أنت بها، وطَهُرَ حرمك.. "1.

1- كامل الزيارات ص 410.
 
97
 

75

المحاضرة الأولى

 المقدّمة:
 
تعتبر التربة الحسينيّة جزءاً من المقدّسات التي ينشأ احترامها وتقديسها من خلال انتسابها إلى عنوان من العناوين الدينيّة, كما في انتساب المساجد إلى الله تعالى كونها بيوت الله, أو القرآن الكريم الذي هو كلام الله, وهكذا.. فإنّ هذه الأرض مدفن وليّ من أولياء الله وإمام من الأئمّة من آل بيت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم, طابت به وبدمائه الزكيّة: "طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم", وصارت تعرف بخصائص تمتاز بها عن غيرها, وفضائل لم يحظ بها سواها.
 
محاور الموضوع
 
1- تحديد تربته المباركة:
 
اختلفت الروايات في تحديد تربته التي يستحبّ التبرّك بها, ففي بعضها أنّها عشرون ذراعاً من جوانبه الأربعة, أو خمس وعشرون, أو سبعون, وفي بعضها أنّها ميل أو عشرة أميال أو فرسخ أو أربع فراسخ أو خمسة من أربع جوانب. وقد حملها العديد من العلماء- كالشيخ الطوسيّ رحمه الله - على اختلاف مراتب الفضل, وأنّ أفضلها ما جاور القبر الشريف فما قرب كان أكثر فضلاً وبركةً ممّا بعُد1.

1- لمراجعة الروايات الواردة في هذا الموضوع أنظر: الحرّ العامليّ: وسائل الشيعة كتاب الحجّ باب 67 من أبواب المزار.
 
98
 

76

المحاضرة الأولى

 2- خصائص التربة الحسينيّة:
 
الخصوصيّة الأولى: الشفاء في تربته:
 
عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام وجعفر بن محمّد عليه السلام يقولان: "إنّ الله (تعالى) عوّض الحسين عليه السلام من قتله أن جعل الإمامة في ذرّيّته, والشفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره، ولا تعدّ أياّم زائريه جائياً وراجعاً من عمره"1.
 
وعن زيد الشحّام، عن الصادق عليه السلام قال: "إنّ الله جعل تربة (جدّي) الحسين شفاءً من كلّ داء، وأماناً من كلّ خوف، فإذا أخذها أحدكم فليقبّلها وليضعها على عينه، وليمرها على سائر جسده، وليقل: أللهمّ بحقّ هذه التربة، وبحقّ من حلّ بها وثوى فيها وبحقّ أبيه وأمّه وأخيه والأئمّة من ولده، وبحقّ الملائكة الحافين به إلّا جعلتها شفاءً من كلّ داء، وبرءاً من كلّ مرض، ونجاة من كلّ آفة، وحرزاً ممّا أخاف وأحذر, ثمّ يستعملها". قال أبو أسامة: فإنّي استعملها من دهري الأطول كما قال ووصف أبو عبد الله عليه السلام، فما رأيت بحمد الله مكروهاً2.
 
وعن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يأخذ الإنسان من طين قبر الحسين عليه السلام فينتفع به ويأخذ غيره ولا 

1- الأمالي ص 317.
2- وسائل الشيعة كتاب الحجّ باب 70 من أبواب المزار الحديث 5.
 
99
 

77

المحاضرة الأولى

 ينتفع به؟ فقال: "لا والله الذي لا إله إلّا هو ما يأخذه أحد وهو يرى أنّ الله ينفعه به إلّا نفعه به"1
 
وعن يونس بن الربيع، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنّ عند رأس الحسين عليه السلام لتربة حمراء فيها شفاء من كلّ داء إلّا السامّ.. "2.
 
الخصوصيّة الثانية: جعلها مع الميّت في حنوطه وقبره: 
 
عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميريّ قال: كتبت إلى الفقيه عليه السلام أسأله عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب- وقرأت التوقيع ومنه نسخت-: "يوضع مع الميّت في قبره ويخلط بحنوطه إن شاء الله"3.
 
الخصوصيّة الثالثة: تحنيك الأولاد بها: 
 
عن الحسين ابن أبي العلاء، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "حنّكوا أولادكم بتربة الحسين عليه السلام، فإنّها أمان"4.
 
الخصوصيّة الرابعة: اتخاذ سبحة منها: 
 
عن بعض أصحاب أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال: دخلت إليه فقال: "لا تستغني شيعتنا عن أربع: خمرة5 يصلّى 

1- الكافي ج 4 ص 588.
2- الكافي ج 4 ص 588. والسامّ يعني الموت.
3- تهذيب الأحكام ج 6 ص 76.
4- كامل الزيارات ص 466.
5- الخمرة: بضمّ الخاء, سجّادة صغيرة تعمل من سعف النخل وتزمل بالخيوط.
 
100
 

78

المحاضرة الأولى

 عليها, وخاتم يتختّم به, وسواك يستاك به, وسبحة من طين قبر أبي عبد الله عليه السلام فيها ثلاث وثلاثون حبّة, متى قلبها ذاكراً لله كتب له بكلّ حبّة أربعون حسنة, وإذا قلبها ساهياً يعبث بها كتب له عشرون حسنة".
 
وعن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميريّ قال: كتبت إلى الفقيه عليه السلام أسأله هل يجوز أن يسبّح الرجل بطين قبر الحسين عليه السلام, وهل فيه فضل؟ فأجاب- وقرأت التوقيع ومنه نسخت-: "يسبّح به فما في شيء من التسبيح أفضل منه, ومن فضله أنّ المسبِّح ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له ذلك التسبيح"1.
 
الخصوصيّة الخامسة: اتخاذها حرزاً وأماناً: 
 
عن محمّد بن عيسى، عن رجل قال: بعث إليّ أبو الحسن الرضا عليه السلام من خراسان بثياب رزم وكان بين ذلك طين، فقلت للرسول: ما هذا، فقال: طين قبر الحسين عليه السلام ما يكاد يوجه شيئاً من الثياب ولا غيره إلّا ويجعل فيه الطين، وكان يقول: "هو أمان بإذن الله"2.
 
الخصوصيّة السادسة: السجود عليها: 
 
عن الصادق عليه السلام: "السجود على طين قبر الحسين عليه السلام ينوّر إلى الأرض السابعة"3.

1- تهذيب الأحكام ج 6 ص 75 76.
2- كامل الزيارات ص 466.
3- من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 268.
 
101
 

79

المحاضرة الأولى

 3- روايات أخرى في تربته عليه السلام:
 
اهتمام النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم بتربته قبل شهادته: 
 
عن أمّ سلمة - رضي الله عنها - أنّها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم من عندنا ذات ليلة فغاب عنّا طويلاً، ثمّ جاءنا وهو أشعث أغبر ويده مضمومة، فقلت: يا رسول الله، ما لي أراك شعثاً مغبراً؟! فقال: "أسري بي في هذا الوقت إلى موضع من العراق يقال له كربلاء، فأريت فيه مصرع الحسين ابني وجماعة من ولدي وأهل بيتي، فلم أزل ألقط دماءهم فها هي في يدي" وبسطها إليّ, فقال: "خذيها واحتفظي بها", فأخذتها فإذا هي شبه تراب أحمر، فوضعته في قارورة وسددت رأسها واحتفظت به، فلمّا خرج الحسين عليه السلام من مكّة متوجّهاً نحو العراق، كنت أخرج تلك القارورة في كلّ يوم وليلة فأشمّها وأنظر إليها ثمّ أبكي لمصابه، فلمّا كان في اليوم العاشر من المحرّم- وهو اليوم الذي قتل فيه عليه السلام- أخرجتها في أوّل النهار وهي بحالها، ثمّ عدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط، فصحت في بيتي وبكيت وكظمت غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة فيسرعوا بالشماتة، فلم أزل حافظة للوقت حتّى جاء الناعي ينعاه فحقّق ما رأيت1.

1- الإرشاد 2 ص 130.
 
102
 

80

المحاضرة الأولى

 أمير المؤمنين عليه السلام وتراب كربلاء:
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "خرج أمير المؤمنين عليه السلام يسير بالناس حتّى إذا كان من كربلا على مسيرة ميل أو ميلين فتقدّم بين أيديهم حتّى إذا صار بمصارع الشهداء قال: قبض فيها مائتا نبيّ ومائتا وصيّ ومائتا سبط شهداء بأتباعهم. فطاف بها على بغلته خارجاً رجليه من الركاب وأنشأ يقول: مناخ ركاب ومصارع شهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من كان بعدهم"1.

1- تهذيب الأحكام ج 6 ص 72 73.15
 
103
 

81

المحاضرة الثانية

 الحياءُ من الدّين
 
الهدف: بيان منزلة الحياء من الإنسانيّة والدّين، وبيان ثماره ومصادره وممّن يكون، ومنزلته من المكارم.
 
تصدير الموضوع
 
عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله وسلم أنّه قال: " استحيوا من الله حقّ الحياء فقيل: يا رسول الله وكيف نستحيي من الله حقّ الحياء؟ قال: من حفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وترك زينة الحياة الدنيا، وذكر الموت والبلى، فقد استحيى من الله حقّ الحياء "1.

1- تذكرة الفقهاء (ط.ج) العلامة الحلي ج 1 ص 336
 
105
 

82

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
الحياء خُلقٌ إنسانيّ يدخل في صلب الجبلَّة، وهو ممّا يختلف به الناس عن البهائم والحيوانات، إذ إنَّ الحياء مكوَّن ملازم للعقل وللدّين وللإيمان، وهو من شرائع الإسلام.
 
محاور الموضوع
 
أ - ما هو الحياء؟
 
عن أبي عبد الله الصادقعليه السلام: "الحياء نورٌ جوهره صدر الإيمان، وتفسيره التثبّت عند كلّ شي‏ء ينكره التوحيد والمعرفة"1.
 
وقد عرّفه الشريف المرتضى بالامتناع من الفعل مخافة أن يعاب عليه مع الفكر في وجدان ما لا يسلم به من العيب فلا يجده2.
 
إنّ المرء الذي يكثر من الاشتغال في تحصيل ما يريد المحبوب وما يكره ويجدّ في استقصاء ما يرضيه وما يسخطه، يؤرق جفنيه في التزام طاعته واجتناب معصيته، ولا يقدم على أمر إلّا بعد استبيان حاله ومعرفة مآله. 

1- مصباح الشريعة، ص 510. 
2- رسائل المرتضى,ج 2 ص 269
 
106

 

83

المحاضرة الثانية

 ب - منبع الحياء:
 
إنَّ للحياء أصولاً ومصدراً، فمن حرص على تثبيتها في نفسه، فقد حقّ له الطمع بوجود الحياء باعتباره تجلّياً إنسانيّاً صرفاً، رأس هذه الأصول هو الإيمان.
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "الحياء من الإيمان"1، وفي مقابل ذلك، فإنّ من ضعف عنده الحياء، فإنَّ ذلك دليل على قلّة الإيمان.
عنه صلى الله عليه و آله وسلم: "قلّة الحياء الكفر"2.
 
ولأنّ الحياء من الإيمان، فإنَّ كلّ أنواع السلوك المعبّرة عن الإيمان وأصناف الخُلق الإيمانيّة - إنَّ هذه كلّها - إذا التزمها الإنسان، فذلك دليل على وجود الحياء، بمقدار الالتزام، ويضعف الحياء بمقدار تنكّره لذلك السلوك وذلك الخُلق الإيمانيّين، لأنَّ الحياء من شرائع الإسلام.
عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم: "إنَّ الحياء من شرائع الإسلام"3.
 
وعنه صلى الله عليه و آله وسلم: "الحياء من الإيمان فمن لا حياء له لا خير فيه ولا إيمان له"4.
 
وعن الباقر أو الصادق عليهما السلام: "الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإن ذهب أحدهما تبعه صاحبه"5.

1- روضة الواعظين, ص‏460.
2- مجمع الزوائد للهيثمي، ج‏10، وص 480.
3- كنز العمال، ح‏5772.
4- إرشاد القلوب, ج‏2، ص‏220.
5- الكافي, ج‏2، ص‏106، ج‏4.
 
107
 

84

المحاضرة الثانية

 ج - الحياء ستر الإيمان:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم:
"الإيمان عريان ولباسه الحياء"1. فالإيمان يحتاج إلى ما يقيه عوامل الفساد من جهة وإلى ما يجمّله ويزيّنه ويظهر حسنه, وهذان الأمران يؤدّيهما الحياء للإيمان, فهو وقاية للإيمان حتّى لا يتهتّك ويتعرّض للتلف وهو مظهر لجماله ومحا سنه.
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أحسن ملابس الدّين الحياء"2.
 
وعنهعليه السلام : "منْ كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه"3.
 
د - الحياء رأس المكارم وأصل الخير:
 
إنَّ الحياء مكرمة تستولد منها المكارم كلّها، وهي رأسها.
فعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ خصال المكارم بعضها مقيَّد ببعض يقسِّمها الله حيث يشاء... ورأسهنَّ الحياء"4.
 
وعن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "الحياء لا يأتي إلّا بخير"5.
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "الحياء مفتاح كلّ الخير"6.

1- روضة الواعظين، ص‏460.
2- كنز العمال، ح‏5763.
3- غرر الحكم ودرر الكلم للقاضي الآمدي، الحكمة 2997.
4- أمالي الشيخ الطوسي، ص‏301، ح‏597.
5- بحار الأنوار, ج‏72، ص 287، ح‏1.
6- غرر الحكم، الحكمة 340.
 
 
108

85

المحاضرة الثانية

 بل الحياء سبب كلّ جميل.
فعن علي ّعليه السلام : "الحياء سبب إلى كلّ جميل"1.
 
هـ - أفضل الحياء:
 
وعن الإمام موسى الكاظم عليه السلام:
"رحم الله من استحيى من الله حقِّ الحياء، فحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى وذكر الموت والبلى، وعلم أنَّ الجنّة محفوفة بالمكاره والنّار محفوفة بالشهوات"2.
 
و - الحياء المذموم:
 
كما أنَّ الحياء مكرمةٌ إيمانيّة كبرى عندما يكون تجلّياً إنسانيّاً وتعبيراً عن التصاق صاحبه برضا المحبوب، فإنَّ الحياء من تحصيل المكارم وإدراك الغايات والقيام بالواجب، ممقوت ومذموم. فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "من استحيى من قول الحقّ فهو أحمق"3.
 
كذلك من استحيى عن طلب العلم والسؤال عمّا لا يعلم، حُرم المعرفة والعلم. فعن أمير المؤمنينعليه السلام: "قُرِنَ الحياء بالحرمان"4.

1- بحار الأنوار, ج‏77، ص‏211.
2- بحار الأنوار, ج‏78، ص 305.
3- غرر الحكم، الحكمة 8658.
4- غرر الحكم، الحكمة 6714.
 
109
 

86

المحاضرة الثانية

 ومن استحيى من السعي في طلب الرزق حُرم الرزق، فعنه عليه السلام: "الحياء يمنع الرزق"1.
 
ز - ممّن يكون الحياء؟
 
1 - الاستحياء من الملائكة الكتبة:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "ليستحي أحدكم من ملكيه اللذين معه، كما يستحي من رجلين صالحين من جيرانه، وهما معه بالليل والنهار"2.
وهذا يدلّ على وجوب الاستحياء من الصالحين، لا سيّما الذين هم على صلة أو معرفة به، بل هذا من مقتضيات طبع الإنسان.
 
2 - الاستحياء من الله تعالى:
 
أمير المؤمنين عليه السلام: "أفضل الحياء استحياؤك من الله"3.
 
وعنه عليه السلام: "الحياء من الله يمحو كثيراً من الخطايا"4.
 
وعن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "استحيى من الله استحياءك من صالحي جيرانك، فإنَّ فيها زيادة اليقين"5.

1- غرر الحكم، الحكمة 274.
2- كنز العمّال، ح 5751.
3- غرر الحكم، الحكمة 3112.
4- غرر الحكم، الحكمة 1548.
5- بحار الأنوار، ج‏78، ص‏200.38- سورة العنكبوت: الآيات 2/3.
 
110
 

87

المحاضرة الثالثة

الوقاية من الفتنة خير من علاجها
 
الهدف: فهم نظرة الإسلام إلى الفتنة، وكيفيّة مواجهتها واجتثاثها من واقع المجتمع والأمّة.
 
تصدير الموضوع
 
قال الله تعالى: ﴿  أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾1.

1- سورة العنكبوت: الآيات 2/3.
 
111
 

88

المحاضرة الثالثة

 عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: " ليغشين من بعدي فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل"1.
 
المقدّمة:
 
الفتنة مفهوم من المفاهيم القرآنيّة التي تعرّضت لها الآيات والروايات, وتحدّثت عنها إلى جانب العديد من المفاهيم الأخرى, كما تحدّثت إلى منشئها وتأثيرها على الفرد والمجتمع, وأرشدتنا إلى واجبنا تجاهها وسبل الوقاية منها.
 
محاور الموضوع
 
1 – معنى الفتنة:
 
الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضّة والذهب، أذبتهما بالنّار ليتميّز الردي‏ء من الجيّد، ومن هذا قول الله عزَّ وجلّ: ﴿  يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ 2أي يحرقون بالنّار3.

1- ميزان الحكمة, ج 3 ص 2366.
2- سورة الذاريات: آية 13.
3- تهذيب اللغة, ج 14 ص 296.
 
112
 

89

المحاضرة الثالثة

 2 – معاني الفتنة في القرآن: 
 
مفهوم الفتنة في القرآن مفهوم واسع ومتعدّد المعاني، ومن هذه المعاني التي تندرج تحت هذا المفهوم السعي في الأرض فساداً ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا ﴾1وعمليّات محاولة إيقاع الفتنة بين الناس وتخريب أمنهم وسلامهم ودفعهم إلى الصراع والعنف والاقتتال فهو من قبيل السعي في الأرض فساداً، هذا إلى جانب عدّة معان للفتنة ذكرت في آيات عدّة منها:
 
أ- الابتلاء والاختبار:
 
كما في قوله تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾2. أي وهم لا يبتلون. 
 
ب - الوقوع في المعاصي والنفاق: 
 
كما في قوله تعالى في حقّ المنافقين ﴿ وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ ﴾3, أي أوقعتموها في النفاق وأهلكتموها باستعمال المعاصي والشهوات.
 
ج – اشتباه الحقّ بالباطل:
 
كما في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ 

1- سورة المائدة: آية 33.
2- سورة العنكبوت: آية 2.
3- سورة الحديد: آية 14.
 
113
 

90

المحاضرة الثالثة

  تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾1, وتعني: "أنّ الولاية ممّا لا غنى عنها في مجتمع من المجتمعات البشريّة سيّما المجتمع الإسلاميّ الذي أسس على اتباع الحقّ وبسط العدل الإلهيّ كما أنّ تولّي الكفّار وهم أعداء هذا المجتمع يوجب الاختلاط بينهم فيسري فيه عقائدهم وأخلاقهم، وتفسد سيرة الإسلام المبنيّة على الحقّ بسيرهم المبنيّة على اتباع الهوى وعبادة الشيطان، وقد صدق جريان الحوادث في هذه الآونة ما أشارت إليه هذه الآية"2.
 
3 - كيف تنشأ الفتنة:
 
لقد عبّر الإمام علي عليه السلام عن الفتنة كيف تنشأ فقال:
"إنّما بدء وقوع الفتن، أهواء تُتَّبع وأحكام تُبتدع، يُخالَفُ فيها كتاب الله، ويتولّى عليها رجال على غير دين الله. فلو أنّ الباطل خلُص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل لانقطعت عنه ألسن المعاندين, ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى"3.

1- سورة الأنفال: آية 73.
2- تفسير الميزان, السيّد الطباطبائي ج 9 ص 142.
3- نهج البلاغة, ص 100.
 
114
 

91

المحاضرة الثالثة

 4 – تأثير الفتنة على الناس:
 
في يوم الفتنة تتمكن الفتنة من عقول الناس، وتغلب على نفوسهم وأفكارهم وتسلب منهم الرؤية والبصيرة فيلتبس عليهم الحق بالباطل، ويلتبس عليهم أهل الحق بأهل الباطل، فلا يميّزون هؤلاء عن أولئك، ولا هذا عن ذاك، ولكن الفتنة تفرز قلّة يعصمهم الله تعالى عنها ويرزقهم بصيرة نافذة، فيقفون إلى جانب الحقّ وإن قلّ أهله وروّاده، ويقارعون الباطل وإن كثر أهله.
 
والفتن على مرّ التاريخ لها أوجه كثيرة فقد كانت أيّام "الجمل" و"صفّين" و"النهروان" و"الطفّ" أيّام فتن في تاريخ الإسلام.
 
وكان أبلغ هذه الفتن وأقواها يوم الطفّ, حيث وقف الحسين عليه السلام ومعه كوكبة محدودة من أهل بيته وأصحابه في مقابل سلطان بني أميّة وملكهم الواسع ووقف معهم جماهير الناس يومئذ. ويَعجَب الإنسان أن تنفذ الفتن هذا النفوذ العميق في قلوب الناس. فلا يستجيب لدعوة الإمام الحسينعليه السلام إلى الخروج على سلطان بني أمية وغيّهم يومئذ غير اثنين وسبعين نفراً من المسلمين رغم حرص الحسين عليه السلام وإصراره على دعوة المسلمين إلى الخروج على يزيد وإنهاء هذه الفتنة التي عمّت العالم الإسلاميّ وأفسدت على الناس دينهم وأخلاقهم.
 
 
115

92

المحاضرة الثالثة

 فعند وقوع الفتن يختلط الحقّ بالباطل في نفس الإنسان، وهي تصيب مجتمعاً، وتخطئ آخر كما يقول أمير المؤمنين في الفتنة:
 
"إنّ الفتن تحوم كالرياح، يصبن بلداً ويخطئن أخرى"1.
 
وهذه الإصابة والعدول تتبع سنناً إلهيّة دقيقة وثابتة، فقد يعصم الله تعالى مجتمعاً عن الفتنة.
فإذا حلّت الفتنة بقوم سلبتهم بصائرهم إلّا مَن عصم الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسى كافراً إلّا من أحياه الله تعالى بالعلم"2.
 
6 – ما هو واجبنا عند وقوع الفتن: 
 
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب"3.
 
وابن اللبون عبارة عن جمل ذو سنتين، هذا الجمل لا يقوم بخدمة وليست له قوّة حمل الإنسان من بلدة إلى بلد، وليس له ضرع فيحلب، إنّما الإنسان يستبقي عنده ابن اللبون ليكبر يوماً من الأيّام ويصبح ظهراً أو يصبح ذا ضرع يحلب منه.
وليس معنى ذلك أن يعتزل الإنسان الساحة في الفتنة،

1- بحار الأنوار, ج 33 ص 367.
2- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1452.
3- شرح نهج البلاغة, ابن أبي الحديد, ج 18 ص 82.
 
116

 

93

المحاضرة الثالثة

 وليس السلامة من الفتنة بالانسحاب عن الساحة والعمل، وإنّما معنى ذلك أن لا يعطي الإنسان من نفسه شيئاً للفتنة.
 
وهذا أحد وجهي القضيّة، والوجه الآخر العمل لمكافحة الفتنة ومقارعتها، والوقوف إلى جنب أولئك الذين يقفون في وجه الفتنة, ومن لا يكافح الفتنة يؤيّدها ويسندها لا محالة، وليس للإنسان بدّ من واحد من هذين: إمّا مكافحة الفتنة أو الاستسلام لها. ولا يصح ما كان يرى بعض الضعفاء من المسلمين عندما اندلعت الفتنة أنّ: "المضطجع فيها خير من الجالس, والجالس خير من القائم..."فإنّ هؤلاء الجالسين لا محالة يقعون في شرك الفتنة عن علم أو عن غير علم. 
 
وإذا أقبلت الفتن انقلبت البصائر فلم يعد يبصر الانسان من حوله شيئاً من الحقّ والباطل إلّا من عصم الله، ويفقد الإنسان الرؤية.
 
يقول أمير المؤمنين عليه السلام وهو الخبير بالفتنة: "أيّها الناس، أمّا بعد, أنا فقأت عين الفتنة، ولم يكن أحد ليجترئ عليها غيري". 
 
فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين حدّثنا عن الفتن فقال: "إنّ الفتن إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبهت، يشبهن مقبلات، ويعرفن مدبرات"2. وهذه أهمّ خصوصيّة في الفتنة. إذا أقبلت 

1- كنز العمّال, ج 11 ص 112.
2- ميزان الحكمة, ج 3 ص 2366.
 
117
 

94

المحاضرة الثالثة

 يفقد الإنسان الرؤية، ويلتبس عليه الحقّ والباطل (شبهت)، فلا يميز أيّهما الحقّ وأيّهما الباطل، وإذا أدبرت انتبه الإنسان، وعاد إليه ما فقده من رشده ووعيه (نبهت).
 
7 – الوقاية من الفتنة خير من علاجها:
 
وللسلامة من مضلّات الفتن جعل الله تعالى للإنسان معاذاً يلوذ به من الفتنة، ويمكنه من التفريق بين الحقّ والباطل.
 
الله تعالى: فإنّ الله عزَّ وجلّ يعيذ عبده إذا استعاذ به من مضلّات الفتن. وقد ورد في الدعاء: "وأعوذ بك من مضلّات الفتن"1
 
فإذا استعاذ العبد بربّه، واعتصم به، هداه الله الصراط المستقيم قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا *  فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾2.
 
وقد أمرنا الله تعالى أن نعوذ به، ونلجأ اليه كلّما داهمتنا ظلمات الضلال والفتن.
يقول تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ *  وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾3.

1- المصباح للكفعمي, ص 36.
2- سورة النساء: الآيات 174/175.
3- سورة الفلق: الآيات 1/3.
 
118
 

95

المحاضرة الثالثة

 ب- التقوى: والتقوى معاذ وفرقان لمن يتحصّن به، فإذا حصّن الإنسان نفسه في حدود الله تعالى ولم يتجاوز حدود الله تعالى في قول أو فعل عصمته التقوى من الضلال والفتنة وطردت عنه الشيطان، وبصّره الله تعالى بكيد الشيطان ومكره فلا يتمكّن منه الشيطان ولا يستطيع أن يكيد به، أو أن يمكر به ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾1.
 
ويرزقهم الله تعالى بالتقوى نوراً يهتدون به في حياتهم وسعيهم، نوراً يمشون به في الناس، فيميّزون به الصادق عن الكاذب والمؤمن عن المنافق:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾2.
 
والتقوى في نفس الانسان فرقان بين الحقّ والباطل والهدى والضلال: ﴿ يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾3.
 
ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: "اعلموا أنّه من يتق الله يجعل له مخرجاً من الفتن ونوراً من الظلم"4.

1- سورة الأعراف: آية 201.
2- سورة الحديد: آية 28.
3- سورة الأنفال: آية 29.
4- نهج البلاغة, ص 110.
 
119
 

96

المحاضرة الأولى

 يا ليتنا كنّا معكم
 
الهدف: التعرّف على معنى ما ورد في الروايات والزيارات من قول: "يا ليتنا كنّا معكم", وربطها بمفاهيم أخرى من قبيل حركة الحقّ والباطل ومسيرة الولاء لأهل الحقّ والبراءة من أعدائهم.
 
تصدير الموضوع
 
عن الإمام الرضا عليه السلام في حديثة للريّان بن شبيب: "..يا بن شبيب، إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين عليه السلام فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً"1.

1- أمالي الصدوق: ص 193.
 
122

 

97

المحاضرة الأولى

 وفي بعض الزيارات ورد فيها مخاطبتهم: "بأبي أنتم وأمّي, طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم, وفزتم فوزاً عظيماً، فيا ليتني كنت معكم فأفوز معكم"1.
 
المقدّمة:
 
لا تقتصر مسيرة الحقّ والباطل على حدودها الزمانيّة والمكانيّة, بل تمتدّ عبر التاريخ لتصنّف الناس على أساس التأييد والرفض إلى صنفين: أنصار الحقّ وأنصار الباطل. لذا نجد أنّ اللعن في باب الزيارات لم يقتصر على أولئك الذين قتلوا الإمام الحسين عليه السلام بل شمل فئة أخرى وهم الراضون بذلك: "..لعن الله أمّة قتلتك ولعن الله أمّة ظلمتك ولعن الله أمّة سمعت بذلك فرضيت به..".
 
محاور الموضوع
 
الدخول في فعل الآخرين:
 
يستطيع الإنسان أن يكون شريكاً في عمل الآخرين, وذلك من خلال الرضا القلبيّ الذي يظهره في مقام العمل والتأييد لفعله وتولّيه حتّى وإن كان غائباً عنه أو سبقه بمئات السنين.
وقد دلّت العديد من الروايات على هذا الأمر:

1- المزار لابن المشهوي: ص 465.
 
124
 

98

المحاضرة الأولى

 عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وسلم: "من شهد أمراً فكرهه كان كمن غاب عنه, ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده"1.
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّما يجمع الناس الرضا والسخط، فمن رضي أمراً فقد دخل فيه، ومن سخطه فقد خرج منه"2.
 
وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام: "الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كلّ داخل في باطن إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضا به"3.
 
وعن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن علىّ عليه السلام، أنّه قال: "العامل بالظلم، والراضي به، والمعين عليه شركاء ثلاثة"4.
 
شواهد من الدخول السلبيّ في فعل الغير:
 
1- قوم نوح عليه السلام:
 
عن عبد السلام بن صالح الهرويّ عن الرضا عليه السلام، قال: قلت له: لأيّ علّة أغرق الله- عزَّ وجلّ- الدنيا كلّها في زمن نوحعليه السلام وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له؟ فقال عليه السلام: "ما كان فيهم الأطفال، لأنّ الله- عزَّ وجلّ- أعقم أصلاب قوم نوح وأرحام نسائهم أربعين عاماً فانقطع نسلهم فغرقوا ولا طفل فيهم،

1- تهذيب الأحكام, ج 6 ص 170.
2- المحاسن للبرقي, ج 1 ص 262.
3- نهج البلاغة, الحكمة 154.
4- وسائل الشيعة, كتاب الجهاد, باب 80 من أبواب جهاد النفس, ح 1.
 
125
 

99

المحاضرة الأولى

 ما كان الله ليهلك بعذابه من لا ذنب له، وأمّا الباقون من قوم نوح فأغرقوا بتكذيبهم لنبيّ الله نوح عليه السلام، وسائرهم أغرقوا برضاهم بتكذيب المكذّبين، ومن غاب عن أمرٍ فرضي به كان كمن شاهد وأتاه"1.
 
2- قوم ثمود عليه السلام:
 
وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أيّها الناس، إنّما يجمع الناس الرضا والسخط، وإنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمَّهم الله بالعذاب لمّا عمّوه بالرضا, فقال- سبحانه: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ﴾2.
 
3- أصحاب الجمل:
وفيه أيضاً في خطبة يذكر فيها أصحاب الجمل: "فوالله لو لم يصيبوا من المسلمين إلّا رجلاً واحداً معتمدين لقتله، بلا جرم جرّه، لحلّ لي قتل ذلك الجيش كلّه إذ حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا بيد، دع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدّة التي دخلوا بها عليهم"3
 
4- قتلة الإمام الحسين عليه السلام:
 
عن عبد السلام بن صالح الهرويّ قال: قلت لأبي الحسن 

1- الصدوق: التوحيد ص 392.
2- نهج البلاغة, الخطبة رقم 201.
3- نهج البلاغة, الخطبة رقم 172.
 
126
 

100

المحاضرة الأولى

 علي ابن موسى الرضا عليه السلام: يا بن رسول الله, ما تقول في حديث روي عن الصادق عليه السلام أنّه قال: "إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائها؟", فقال عليه السلام: "هو كذلك", فقلت: فقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ ما معناه؟ فقال: "صدق الله في جميع أقواله, لكنّ ذراري قتلة الحسين يرضون أفعال آبائهم ويفتخرون بها, ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه, ولو أنّ رجلاً قُتل في المشرق فرضي بقتله رجلٌ في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل, وإنّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم.. "1.
 
شواهد من الدخول الإيجابيّ في فعل الغير:
 
1- معركة الجمل:
 
لمّا أظفر الله تعالى أمير المؤمنين عليه السلام بأصحاب الجمل, قال له بعض أصحابه: وددت أنّ أخي فلاناً كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك. فقال له عليه السلام: "أهوى أخيك معنا؟" فقال: نعم، قال عليه السلام: " فقد شهدنا, ولقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء، سيرعف بهم الزمان, ويقوى بهم الإيمان"2.

1- الصدوق: علل الشرائع الباب 165 الحديث 1.
2- نهج البلاغة الخطبة رقم 13.
 
127
 

101

المحاضرة الأولى

 2- زيارة جابر بن عبد الله الأنصاريّ يوم العشرين من صفر:
 
فبعد أن خاطب الحسين عليه السلام بزيارته المعروفة تقول الرواية: ثمّ جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليكم أيّها الأرواح التي حلت بفناء قبر الحسين وأناخت برحله. أشهد أنّكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين، والذي بعث محمّداً بالحقّ لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه. قال عطيّة: فقلت لجابر: كيف؟ ولم نهبط وادياً، ولم نعل جبلاً، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فرّق بين رؤوسهم وأبدانهم وأولادهم وأرملت الأزواج؟ فقال لي: يا عطيّة, سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يقول: "من أحبّ قوماً حُشر معهم، ومن أحبّ عمل قوم أشرك في عملهم، والذي بعث محمّداً بالحقّ إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه.. "1.
 
وهكذا هو نداء الموالي في كلّ زمان, ما جاء في بعض الزيارات: ".. لبيك داعي الله، إن كان لم يجبك بدني عند استغاثتك, ولساني عند استنصارك، فقد أجابك قلبي وسمعي وبصري.."2.

1- المجلسي: بحار الأنوار ج 98 ص 196.
2- المجلسي: بحار الأنوار ج 98 ص 337.14- بحار الأنوار، ج‏78، ص‏321، ح‏19.
 
128
 

102

المحاضرة الثانية

 التفقُّه في الدّين
 
الهدف: التعريف بقيمة "التفقّه في الدّين"، وأين هو موضعه من شخصيّة المؤمن وحقيقة العمل الصالح، وآثار ذلك على صحّة العمل وعدم صحّته.
 
تصدير الموضوع
 
عن الإمام الكاظمعليه السلام: "تفقّهوا في دين الله فإنّ الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة والرُّتب الجليلة في الدّين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقّه في دينه لم يرضَ الله له عملاً"1.

1- بحار الأنوار، ج‏78، ص‏321، ح‏19.
 
129

 

103

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
إنّ ترك التفقّه في الدّين يؤدّي بالمرء إلى التغرّب عن الأحكام الشرعيّة، وبالتالي، إلى تحكيم المزاج والأهواء في تطبيق الدّين, بل في فهم الدّين، وهذا يفسح في المجال أمام الأعراف والعصبيّات والمصالح والاستحسانات، في سبيل فهم الدّين وتطبيقه، وبالمحصِّلة، يدفع إلى الابتعاد عن الأصول وتنكّب طريق الدّين القويم والصراط المستقيم، وإلى اتّباع طريق الجاهليّة, ولذلك أكّدت الشريعة وحثّت على التفقّه في الدّين, منعاً من تأثيرات الجهل والرجوع إلى الجاهليّة. 
 
محاور الموضوع
 
التفقّه تعلُّم الدّين:
التفقّه الوارد في آية : ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ ﴾1.
 
والفقه هو: "العلم في الدّين والتفقّه هو تعلّم الفقه"2.
 
فيكون معنى التفقّه دائراً بين "تعلّم أحكام الشريعة، وبين تعلّم الدّين" ومسائله وما يتعلّق به. وممّا يشير إلى هذا المعنى قول 

1- التوبة، 122. معناه "طلب التخصّص بالعلم بأحكام الشريعة" المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني.
 
130
16- ترتيب كتاب العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي، ج‏3، مادة فقه، ص‏1410.
 

104

المحاضرة الثانية

 الإمام الصادق عليه السلام: "سارعوا إلى طلب العلم، فوالّذي نفسي بيده، لحديث واحد في حلال وحرام تأخذه من صادق، خير من الدنيا وما حملت من ذهب وفضّة"1.
 
قيمته وبركات التفقّه في الدّين:
 
طلب العلم فريضة:
 
إنّ طلب العلم فريضة يتعبّد المسلمون بها ويطيعونه في السعي في سبيلها، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "اطلبوا العلم ولو بالصّين، فإنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم"2.
ومن خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام خطبها من على منبر مسجد الكوفة: "أيّها الناس, اعلموا أنّ كمال الدّين طلب العلم والعمل به، وإنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال"3.
 
والتفقّه في الدنيا هو أوجب من غيره من العلوم التي يحتاج إليها في المعاش وفي تطوير وسائل الحياة. 
 
2- من أفضل العبادات:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "ما عُبد الله تعالى بشي‏ء أفضل من الفقه في الدّين"5.

1- المحاسن للبرقي، ج‏1، ص‏356.
2- روضة الواعظين، ص‏11.
3- الكافي، ج‏1، ص‏30، ح‏4.
4- كنز العمّال، ح‏28752.
 
131
 

105

المحاضرة الثانية

 3- أساس بنيان الدّين:
 
وعنه صلى الله عليه و آله وسلم: "إنّ لكلّ شي‏ء دعامة، ودعامة هذا الدّين الفقه"1.
 
4- التفقّه في الدّين توفيق إلهيّ:
 
إنّ الله إنّما يحبّ عباده جميعاً، ويرحم جميع مخلوقيه ولكن قد نجد أنّ هناك نعمةً خاصّة يحبو الله تعالى بها بعض عباده دون سواهم، وهذا - دون شكّ - توفيق منه سبحانه.
وفي هذا المجال، يمكن أن نفهم ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "إذا أراد الله بعبدٍ خيراً، فقّهه في الدّين، وزهّده في الدنيا، وبصّره عيوبه"2
 
وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إذا أراد الله بعبدٍ خيراً، فقّهه في الدّين، وألهمه اليقين"3.
 
لا تكونوا كجفاة الجاهليّة:
 
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ليتأسَّ صغيركم بكبيركم، وليرأف كبيركم بصغيركم، ولا تكونوا كجفاة الجاهليّة: لا في الدّين يتفقّهون، ولا عن الله يعقلون"4.

1- كنز العمّال، ح 28768.
2- كنز العمّال، ح 28689.
3- غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي، الحكمة 4133.
4- نهج البلاغة، الخطبة 166.
 
132
 

106

المحاضرة الثانية

 وقد ذمّ النبيّ صلى الله عليه و آله وسلممن لا يخصّص وقتاً لتعلّم أحكام الشريعة والتفقّه في الدّين.
 
عنه صلى الله عليه و آله وسلم: "أفٍّ لكلّ مسلم لا يجعل في كلّ جمعة يوماً يتفقّه فيه أمر دينه، ويسأل عن دينه"1.
 
قال العلّامة المجلسيّ تعقيباً على الحديث: "المراد بالجمعة الأسبوع، تسميةً الكلّ باسم الجزء"2.
 
أي يجعل في كلّ أسبوع يوماً ليتعلّم فيه أحكام دينه ومسائله. وإلّا تحوّل إلى الجاهليّة وضلالتها، بعد أن حباه الله بنعمة الإيمان، وهداه ظلال رحمته.
 
وقال الشهيد الثاني: "إنّ مجرّد تعلّم هذه المسائل المدوّنة ليس هو الفقه عند الله تعالى، وإنّما الفقه عند الله تعالى بإدراك جلاله وعظمته، وهو الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع، ويحمل على التقوى ومعرفة الصفات المخوفة فيجتنبها والمحمودة فيرتكبها..."3.
 
وهذا يدلّ على أمرين:
 
1. أنّ الفقه لا يقتصر على تعلّم الأحكام الشرعيّة، بل هو تعلّم كلّ مسائل الدّين، وفي مقدّمتها العقيدة الحقّة والخصال الحميدة.

1- بحار الأنوار، ج‏1، ص‏176، ح‏44.
2- نفس المصدر.
3- كتاب "منية المريد في أدب المفيد والمستفيد للشهيد الثاني، ص‏157.
 
133

 

107

المحاضرة الثانية

 2. أنّه ليس فقط تعلّم الأحكام والمسائل، إنّما لا بدّ من تطبيقها أيضاً. 
 
حيث يصدّق الأمرين ما ورد عن أبي عبد اللهعليه السلام: "لا يقبل الله عملاً إلّا بمعرفة، ولا يقبل المعرفة إلّا بعمل، فمن عرف دلّته معرفته على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له، إنّ الإيمان بعضه من بعض"1.

1- المحاسن للبرقيّ، ج‏1، ص‏315، ح‏623.
 
 
134

108

المحاضرة الثالثة

 المرأة والحجاب الشرعيّ في الإسلام‏
 
الهدف: نشر ثقافة الحجاب المراعي للشرائط الشرعيّة والتحذير من الآثار السلبيّة الناتجة عن التبرّج.
 
تصدير الموضوع
 
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾1

1- سورة الأحزاب: آية 59.
 
135

 

109

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة:
 
لقد لقيت المرأة المسلمة من التشريع الإسلاميّ عناية فائقة كفيلة بأن تصون عفّتها، وتجعلها عزيزة الجانب، سامية المكان، وإنّ الشروط التي فرضت عليها في ملبسها وزينتها لم تكن إلّا لسدّ ذريعة الفساد الذي ينتج عن التبرّج بالزينة.
 
محاور الموضوع
 
1 - فضائل الحجاب:
 
أ – الحجاب طاعة لله عزَّ وجلَّ وطاعة للرسول صلى الله عليه و آله وسلم:
 
أوجب الله طاعته وطاعة رسول فقال: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ﴾1.
 
وقد أمر الله سبحانه النساء بالحجاب فقال تعالى: ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾2.
 
ب – الحجاب طهارة: 
 
قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء 

1- سورة الأحزاب: آية 36.
2- سورة النور: آية 31.
 
136
 

110

المحاضرة الثالثة

 حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾1.
 
فوصف الحجاب بأنّه طهارة لقلوب المؤمنين والمؤمنات لأنّ العين إذا لم تر لم يشته القلب، ومن هنا كان القلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر لأنّ الحجاب يقطع أطماع مرضى القلوب: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾2.
 
ج – الحجاب تقوى: 
 
قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾3.
 
د- الحجاب غيرة: 
 
يتناسب الحجاب أيضاً مع الغيرة التي جُبل عليها الرجل السويّ الذي يأنف أن تمتدّ النظرات الخائنة إلى زوجته وبناته، وكم من حرب نشبت في الجاهليّة والإسلام غيرة على النساء وحميّة لحرمتهن، قال الإمام عليّ عليه السلام: "بلغني أنّ نساءكم يزاحمن العلوج- أي الرجال الكفّار من العجم- في الأسواق ألا تغارون؟ إنّه لا خير فيمن لا يغار"4

1- سورة الأحزاب: آية 53.
2- سورة الأحزاب: آية 32.
3- سورة الأعراف: آية 26.
4- الشرح الكبير, ج 8 ص 144.
 
137
 

111

المحاضرة الثالثة

 2- قبائح التبرّج:
 
أ – التبرّج معصية لله وللرسول:
 
ومن يعص الله ورسوله فإنّه لا يضرّ إلّا نفسه، قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلّا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى"1.
 
ب – التبرّج يجلب اللعن والطرد من رحمة الله تعالى:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "سيكون في آخر أمّتي نساء كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنّهن ملعونات"2.
 
ج – التبرّج من صفات أهل النّار:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "صنفان من أهل النّار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات.."3.
 
د – التبرج تهتّك وفضيحة:
 
عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم: "أيّما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها، فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله عزَّ وجلّ"4

1- الغدير, ج 10 ص 118.
2- الدرّ المنثور, ج 6 ص 36.
3- ميزان الحكمة, ج 1 ص 530.
4- كنز العمّال, ج 16 ص 381.
 
138
 

112

المحاضرة الثالثة

 هـ - التبرّج من الجاهليّة:
 
قال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾1.
 
التبرّج يؤدّي إلى العواقب الوخيمة ومنها:
 
• فساد أخلاق الرجال خاصّة الشباب ودفعهم إلى الفواحش المحرّمة. 
• المتاجرة بالمرأة كوسيلة للدعاية أو الترفيه في مجالات التجارة وغيرها. 
• الإساءة إلى المرأة نفسها باعتبار التبرّج قرينة على سوء نيّتها ممّا يعرّضها لأذيّة الأشرار. 
• تسهيل معصية الزنا بالعين: قال صلى الله عليه و آله وسلم: "العينان زناهما النظر"2
 
3 – شروط الحجاب الشرعيّ هي:
 
أ – أن يكون ساتراً لجميع البدن:
تسالم أئمّة المسلمين كلّهم على أنّ ما عدا الوجه والكفّين من المرأة داخل في وجوب الستر أمام الأجانب، إلّا إذا دعت لذلك ضرورة كالطبيب المعالج، ونحوه...

1- سورة الأحزاب: آية 33.
2- رياض الصالحين, ص 640.
 
139
 

113

المحاضرة الثالثة

 ب – ألّا يكون زينة في نفسه، أو ذا ألوان جذّابة تلفت الأنظار، لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾1، فإذا كان في ذاته زينة فلا يجوز إبداؤه، ولا يسمّى حجاباً، لأنّ الحجاب هو الذي يمنع ظهور الزينة للأجانب. فيجب أن يراعى فيه أن يكون من لون بعيد عن الزينة والفتنة، كما يجب أن يكون خالياً ممّا يلفت النظر.
 
ج- أن يكون سميكاً لا يشفّ ما تحته من الجسم، لأنّ الغرض من الحجاب الستر، فإن لم يكن ساتراً لا يسمّى حجاباً لأنه لا يمنع الرؤية، ولا يحجب النظر.
 
د – أن يكون فضفاضاً غير ضيّق ولا يجسّم مفاتن البدن، ولا يظهر أماكن الفتنة في الجسم.
 
هـ - ألّا يكون الثوب فيه تشبّه بالرجال، أو ممّا يلبسه الرجال، فقد لعن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل، وقال صلى الله عليه و آله وسلم له: "لعن الله المخنّثين من الرجال، والمترجّلات من النساء"أي المتشبّهات بالرجال في أزيائهن وأشكالهن، كبعض نساء هذا الزمان.
 
و- ألّا يكون ثوب شهرة، لقوله صلى الله عليه و آله وسلم: "من لبس ثوب شهرة

1- سورة النور: آية 31.
2- الجامع الصغير, ج 2 ص 397.
 
140

 

114

المحاضرة الثالثة

 في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلّة يوم القيامة"وثوب الشهرة هو الثوب الذي إذا لبسته المرأة أشير إليها بالبنان.
 
4 – نصوص أصل الحجاب وتشريعه وآثاره:
 
ورد في القرآن الكريم آيات صريحة تدلّ على وجوب الحجاب منطوقاً ومفهوماً، قال تعالى:
 
﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ... ﴾2
 
ويقول سبحانه: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى...﴾, ﴿ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَات ِ﴾ إلى آخر الآيتين 32 و 33 من سورة الأحزاب، إلى العديد من آيات الكتاب العزيز التي تؤكّد على تشريع الحجاب ووجوبه على النساء باعتباره حكماً شرعيّاً ملزماً وجزءاً من الإسلام والإيمان، كما أنّ الإخلال به عمليّاً مبطل للصلاة والحجّ والطواف..
 
وفي مواجهة الأمراض النفسيّة والأخلاقيّة يأتي تحريم الخضوع بالقول واللين المريب والمغري بالريب، وفجور النفوس وأهوائها ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴾خالياً 

1- كنز العمّال, ج 15 ص 318.
2- إلى آخر الآيتين 30 و31 من سورة النور.
3- سورة الأحزاب: آية 32.
 
141
 

115

المحاضرة الثالثة

 من الميوعة، ورقّة المقول المؤدّية أو المغرية بالتجاوب المشبوه، مع التأكيد على الاستقامة ﴿ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴾1.
 
5 – أهداف الحجاب:
 
إنّ تشريع الحجاب في الإسلام معناه وهدفه السامي الحقيقي هو منع الخلاعة بكلّ ما لها من صور وأشكال، وبكلّ ما فيها من مفاسد وأضرار، وغلق كلّ منافذ الانحلال الأخلاقيّ، ووقاية المجتمع البشريّ من الانحدار إلى مهاوي الشرّ وحضيض الفساد المدمّر للحياة بكاملها، وقد أثبتت الشواهد بأنّ التبرّج والاختلاط الجنسيّ هو العامل الأكبر في حصول التمرّد الأخلاقيّ، والمزلق الخطر الذي طالما قاد الأفراد والجماعات لتدمير الأخلاق والقيم، وتدمير وتجاوز نفس القوانين الوضعيّة التي وضعها الإنسان بوحي من شهواته وفلسفاته الماديّة الجنسيّة المتمرّدة يقول تعالى: ﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾2.

1- سورة الأحزاب: آية 32.
2- سورة النور: آية 30.
 
142
 

116

المحاضرة الأولى

 حرّية الحرّ دروس وعبر
 
الهدف: التعرّف على أهمّ الأسباب التي خلّدت نهضة الإمام الحسين عليه السلام وكتبت لها الدوام والبقاء دون غيرها من الثورات والحركات.
 
تصدير الموضوع
 
عن أبي عبد الله عليه السلام، أنّه قال: "يسلك بالسّعيد في طريق الأشّقياء حتّى يقول النّاس: ما أشبهه بهم بل هو منهم ثمّ يتداركه السّعادة، وقد يسلك بالشّقي طريق السّعداء حتّى يقول النّاس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم ثمّ يتداركه الشّقاء, إنّ 
 
145
 

117

المحاضرة الأولى

  من كتبه الله سعيداً وإن لم يبق من الدنيا إلّا فواق ناقة1 ختم له بالسّعادة"2.
 
المقدّمة: 
 
لمّا وقع الحرّ بن يزيد الرّياحيّ على ثرى كربلاء, تقول الرّواية: احتمله أصحاب الحسينعليه السلام حتّى وضعوه بين يدي الحسين عليه السلام وبه رمق، فجعل الحسين يمسح وجهه، ويقول: أنت الحرّ كما سمّتك أمّك، وأنت الحرّ في الدنيا، وأنت الحرّ في الآخرة3
 
إنّه وسام الحرّية الذي أعطاه الإمام الحسين عليه السلام للحرّ في آخر لحظات حياته التي ختمها بالشّهادة, وأكرمه بها على قاعدة: "ليس للأحرار جزاء إلّا الإكرام", كما عن أمير المؤمنين عليه السلام4. فما هي أهمّ الدّروس والعبر التي تضمّنها موقفه هذا بحيث تصلح للتأسّي والاقتداء به؟
 
محاور الموضوع
 
هناك العديد من الدروس والعبر التي يمكن استفادتها من 

1- وهو مقدار ما بين الحلبتين حتّى يمتلأ الضرع.
2- الكافي للكليني ج 1 ص 154.
3- بحار الأنوار للمجلسي ج 45 ص 14.
4- ميزان الحكمة للريشهري ج 1 ص 584.
 
146
 

118

المحاضرة الأولى

 موقف الحرّ يوم العاشر من محرّم نشير إلى أهمّها:
 
1- تفكّر الحرّ: 
 
لقد أظهر موقف الحرّ الذي اختار فيه اللّحاق بالإمام الحسين عليه السلام عظمة التفكرّ ودوره في الوصول إلى الحقيقة والنّجاة من الهلكات, حيث وصل الحرّ إلى ذلك بعد أن فكّر فيما تكون إليه عاقبة أمره. تقول الرواية: لمّا رأى الحرّ بن يزيد أنّ القوم قد صمّموا على قتال الحسين عليه السلام قال لعمر بن سعد: أيْ عمر، أَمُقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرّؤوس وتطيح الأيدي، قال: أَفَمَا لكم فيما عرضه عليكم رضىً؟ قال عمر: أَمَا لو كان الأمر إليّ لفعلت، ولكن أميرك قد أبى. فأقبل الحرّ حتّى وقف من النّاس موقفاً، ومعه رجل من قومه يقال له: قرّة بن قيس، فقال: يا قرّة هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: فما تريد أن تسقيه؟ قال قرّة: فظننت والله أنّه يريد أن يتنحّى فلا يشهد القتال، ويكره أن أراه حين يصنع ذلك، فقلت له: لم أسقه وأنا منطلق فأسقيه، فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه، فوالله لو أنّه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين بن عليّ عليه السلام؟ فأخذ يدنو من الحسين قليلاً قليلاً، فقال له المهاجر بن أوس: ما تريد يا ابن يزيد، أتريد أن تحمل؟ فلم يجبه وأخذه مثل الأَفكَل- وهي الرّعدة- فقال له المهاجر: إنّ 
 
 
147

119

المحاضرة الأولى

 أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقفٍ قطّ مثل هذا، ولو قيل لي: من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟! فقال له الحرّ: إنّي والله أخير نفسي بين الجنّة والنّار، فوالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطِّعت وحرِّقت. ثمّ ضرب فرسه فلحق بالحسين عليه السلام1.
 
وهذا من ثمار التفكّر الذي ورد فيه: عن أبي عبد الله عليه السلام، أنّه قال: "تفكّر ساعة خيرٌ من عبادة سنة"2.
 
2- التضحية بالجاه والمقامات:
 
إنّ الحرّ بن يزيد هو تميميّ يربوعيّ رياحيّ, قالوا فيه أنّه: كان شريفاً في قومه جاهليّةً وإسلاماً، وأنّه كان في الكوفة رئيساً ندبه ابن زياد لمعارضة الحسين عليه السلام، فخرج في ألف فارس3. ولا شكّ أنّ مثل هذه الأمور تقيّد الإنسان وتكبّله في مثل هذه المواقف الحرجة, وتمنعه من سلوك طريق الحقّ أحياناً إذا ما استسلم لها ولم يمكنه الخلاص منها. إلّا أنّ الحرّ لم تأسره كلّ هذه العناوين الزّائلة ولم تقيّده رئاسة أو زعامة أو جاه أو نحوه, وهذا هو معنى الحريّة كما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من ترك الشّهوات كان حرّاً"4.

1- الإرشاد للمفيد ج 2 ص 99.
2- مستدرك الوسائل ج 11 ص 183, عن تفسير العياشي.
3- إبصار العين للسماوي ص 203.
4- ميزان الحكمة للريشهري ج 1 ص 583.
 
148
 

120

المحاضرة الأولى

 3- عدم الاكتراث بالمخاوف والتّهديدات:
 
لقد كانت الأجواء في الكوفة يسودها الخوف من عبيد الله بن زياد, حيث كان يهدم الدّور ويسجن ويقتل وينفي, ومن الطبيعي أن يرد مثل هذا الخوف على الإنسان في مثل هذه اللّحظات المصيريّة فيخاف على عياله أو ماله وأملاكه, أو لا أقل تزيّن له نفسه الأمّارة بالسّوء ذلك كما صنع عمر بن سعد حينما ألقى الإمام الحسين عليه السلام عليه الحجّة في طلب نصرته: فقال عليه السلام له: ويحك أما تتّقي الله الذي إليه معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ يا هذا! ذَرْ هؤلاء القوم وكن معي، فإنّه أقرب لك من الله. فقال له عمر: أخاف أن تهدم داري! فقال الحسين عليه السلام: أنا أبنيها لك! فقال عمر: أخاف أن تؤخذ ضيعتي! فقال عليه السلام: أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز. فقال: لي عيال أخاف عليهم! فقال: أنا أضمن سلامتهم. ثمّ سكت فلم يجبه عن ذلك، فانصرف عنه الحسين عليه السلام، وهو يقول: ما لك؟ ذبحك الله على فراشك سريعاً عاجلاً, ولا غفر لك يوم حشرك ونشرك، فوالله! إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلّا يسيراً. فقال له عمر- مستهزءاً-: يا أبا عبد الله! في الشّعير عوض عن البرّ! ثمّ رجع عمر إلى معسكره1.

1- موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام ص 468.
 
149
 

121

المحاضرة الأولى

 لم يشأ الحرّ أن يقدّم كلّ هذه الأعذار والحجج الواهية, فتحرّر من كلّ ما يشغله عن مصيره الحتميّ وعاقبته النّهائيّة, ولم ينكسر أو يضعف أو يهن أمام كلّ تلك التحدّيات الصعبة وهذا هو الحرّ كما عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الحرّ حرّ على جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكّت عليه المصائب لم تكسره وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسراً، كما كان يوسف الصدّيق الأمين صلوات الله عليه لم يضرر حرّيته أن استعبد وقهر وأسر"1.
 
4- نبل الحرّ وأخلاقه:
 
كان الحرّ يتحلّى بالعديد من الصّفات الأخلاقيّة التي ساهمت في نجاته وتحوّله, فقد كان نبيلاً صاحب خلق, كما ظهر ذلك حينما التقى بالإمام عليه السلام وأراد الإمام أن يصلّي فقال للمؤذّن: "أقم" فأقام الصّلاة فقال للحرّ: "أتريد أن تصلّي بأصحابك؟" قال: لا، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك. فصلّى بهم الحسين بن عليّ عليه السلام 2.
 
فمثل هذا الموقف من الحرّ وهو الخارج ليمنع الحسين عليه السلام من دخول الكوفة ومعه ألف فارس, لا شكّ أنّه يدل على عمل أخلاقي رفيع.

1- ميزان الحكمة للريشهري ج 1 ص 582.
2- الإرشاد للمفيد ج 2 ص 79.
 
150
 

122

المحاضرة الأولى

 وكذلك حينما قال له الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك، ألّا نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على عبيد الله. فقال له الحسين عليه السلام: "الموت أدنى إليك من ذلك" ثمّ قال لأصحابه: "قوموا فاركبوا" فركبوا وانتظر حتّى ركب نساؤهم، فقال لأصحابه: "انصرفوا" فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف، فقال الحسين عليه السلام للحرّ: "ثكلتك أمّك، ما تريد؟" فقال له الحرّ: أَمَا لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها، ما تركت ذكر أمّه بالثّكل كائناً من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلّا بأحسن ما يقدر عليه..1. فإنّ هذا الاحترام من الحرّ للصّديقة الزهراءعليها السلام كان له الأثر الطيّب في حسن عاقبته, وليس من البعيد أن يكون قول الإمام له بعد ذلك: "أنت الحرّ كما سمّتك أمّك", فيه نوع تطييب لخاطره بجميل صنعها بعد أن دعا على الحرّ في موقفه الأوّل بأن تبكيه وتثكل به, والله العالم.
 
5- توبة الحرّ:
 
يعلّمنا الحرّ كيف يجب علينا أن نقف مع أنفسنا وخصوصاً في اللّحظات الحاسمة التي نخيّر فيها أنفسنا بين الجنّة والنّار, لنرجع فيها إلى الله تعالى ونتوب من ذنوبنا ولا نختار على الجنّة شيئاً 

1- الإرشاد للمفيد ج 2 ص 80.
 
151
 

123

المحاضرة الأولى

 ولو قطّعنا وحرّقنا, فـ "ما خيرٌ بخيرٍ بعده النّار, وما شرٌّ بشرٍّ بعده الجنّة" كما عن أمير المؤمنين عليه السلام 1. ومهما عظمت المعصية فإنّ باب رحمة الله تعالى وعفوه يبقى مفتوحاً ولا ينبغي أن ييأس الإنسان من رحمة الله تعالى.
 
وحينما أراد الحرّ التوبة لم يخترع لنفسه طريقاً للتوبة كما قد يصنع بعضهم, فكان باستطاعته أن يترك القتال ويذهب إلى أهله وعياله, أو إلى مكان آخر يضمن معه سلامته وبقاءه حيّاً, ويمنّي نفسه بعد ذلك بالتوبة من خلال العبادة والصلاة والدعاء والاستغفار ونحو ذلك.. إلّا أنّ عظمة الحرّ أنّه اختار الطريق الصحيح للتوبة "من أراد الله بدأ بكم", فجاء إلى الإمام الحسين عليه السلام ليسأله عن التوبة وعن إصلاح ما أفسده, ولكن بحالةِ المنكسر, قالباً ترسه, واضعاً يده على رأسه, حياءً من آل الرسول صلى الله عليه و آله وسلم وهو يقول: أللهمّ إليك أنيب فتب عليّ فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك، يا ابن رسول الله هل لي من توبة؟ قال: نعم, تاب الله عليك..

1- نهج البلاغة الحكمة رقم 387.
 
152

 

124

المحاضرة الثانية

 محمّد المصطفى صلى الله عليه و آله وسلم رحمة للعالمين
 
الهدف: التعرّف على عظمة نبي الإسلام محمّد صلى الله عليه و آله وسلم وعلى قبس من سلوكه الشخصيّ للإقتداء به.
 
تصدير الموضوع
 
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "لما عُرج برسول الله صلى الله عليه و آله وسلم انتهى به جبرائيل إلى مكان فخلّى عنه، فقال له: يا جبرائيل تخلّيني على هذه الحالة؟ فقال: امض، فوالله لقد وطئت مكاناً ما وطئه بشرٌ، وما مشى فيه بشر قبلك"1.

1- الكافي, ج 1 ح 12.
 
153
 

125

المحاضرة الثانية

 ولادته وتسميته صلى الله عليه و آله وسلم: 
 
تتحدّث جملة من المصادر التاريخيّة والحديثيّة عن وقوع حوادث عجيبة يوم ولادته صلى الله عليه و آله وسلم مثل: انطفاء نار فارس، وزلزال أصاب الناس حتّى تهدّمت الكنائس والبيَع وزال كلّ شيء يُعبد من دون الله عزَّ وجلّ عن موضعه، وتساقط الأصنام المنصوبة في الكعبة على وجوهها حتّى عُمّيت على السحرة والكهّان أُمورهم، وطلوع نجوم لم تُر من قبل هذا. وقد ولد صلى الله عليه و آله وسلم وهو يقول: "الله أكبر، والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرةً وأصيلاً"1. وأمّا عن يوم ميلاده صلى الله عليه و آله وسلم، فقد حدّده أهل بيته عليهم السلام – وهم أدرى بما في البيت- فقالوا: هو يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأوّل بعد طلوع الفجر، كما هو المشهور بين الإماميّة، وعند غيرهم أنّه ولد في يوم الاثنين الثاني عشر من الشهر نفسه.
 
واشتهر النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم بـاسمين: "محمّد" و"أحمد" وقد ذكرهما القرآن الكريم، وروى المؤرّخون أنّ جدّه عبد المطلب قد سمّاه محمّداً، وأجاب من سأله عن سبب التسمية قائلاً:" أردت أن يحمد في السماء والأرض"2. كما أنّ أُمّه آمنة سمّته قبل جدّه بـ : أحمد. وروي عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أنّه قال: "إنّ الله خلقني 

1- تاريخ اليعقوبي, ج 2 ص 8.
2- السيرة الحلبيّة, ج 1 ص 128.
 
154
 

126

المحاضرة الثانية

  وعليّاً من نور واحد، وشقّ لنا اسمين من أسمائه، فذو العرش محمود وأنا محمّد، والله الأعلى وهذا عليّ"1.
 
طهارة النسب: 
 
قال الطبرسيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾: ومعناه وتقلبّك في أصلاب الموحّدين من نبيّ إلى نبيّ حتّى أخرجك نبيّاً... وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: "في أصلاب النبيّين، نبيّ بعد نبيّ حتّى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم عليه السلام"2.
 
الله تعالى يصف النبيّ محمّداً ونبوّته صلى الله عليه و آله وسلم: 
 
يمكن الإشارة إلى بعض ما ورد في القرآن الكريم حول شخصيّة رسول الله، وعظمة نبوّته ورسالته، وموقع النبيّ محمّد في السماء والأرض:
 
هدف بعثته ورسالته:
 
الرحمة بالبشر والتزكية والتربية لهم، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..﴾3. وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾4.

1- بحار الأنوار, ج 16 ص 97.
2- مجمع البيان في تفسير القرآن، ج19، ص189.
3- سورة الجمعة: آية 2.
4- سورة الأنبياء: 107.
 
155

 

127

المحاضرة الثانية

 الأسوة الحسنة وصاحب الخلق العظيم:
 
قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾1. ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾2
 
سيّد الرسل وأعظمهم وخاتمهم:
 
قال تعالى: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾3. وقال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم لعليّ عليه السلام: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي".
 
تخصيصه بالإسراء والمعراج:
 
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى...﴾4
 
الأمر الإلهيّ بوجوب طاعته واحترامه:
 
قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾5

1- سورة الأحزاب: آية 21.
2- سورة القلم:آية 4.
3- سورة الأحزاب: آية 40.
4- سورة الإسراء: آية 1.
25- سورة الأنفال: آية 46.
 
156
 

128

المحاضرة الثانية

 بشارات الأنبياء برسالة محمّد بن عبدا لله صلى الله عليه و آله وسلم:
 
• لقد نصّ القرآن الكريم على بشارة إبراهيم الخليل عليه السلام برسالة خاتم النبيّين صلى الله عليه و آله وسلم بأسلوب الدعاء قائلاً- بعد الكلام عن بيت الله الحرام في مكّة المكرّمة ورفع القواعد من البيت والدعاء بقبول عمله وعمل إسماعيلعليه السلام: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾1
 
• وصرّح القرآن الكريم بأنّ البشارة بنبوّة محمّد صلى الله عليه و آله وسلم الأمّيّ كانت موجودة في العهدين القديم (التوراة) والجديد (الإنجيل). قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ... ﴾2
 
• وقد بشّر به الإنجيل على لسان عيسى عليه السلام- كما أخبر القرآن الكريم بذلك وصدّقه علماء أهل الكتاب- وقد حكاه قوله تعالى: ﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾. ولا مانع من أن يعرف الشخص باسمين ولقبين وكنيتين في عرف الجزيرة العربيّة وغيرها. 

1- سورة البقرة: آية 129.
2- سورة الأعراف: آية 157.
 
157

129

المحاضرة الثانية

 قبس من سلوكه وصفاته الشخصيّة:
 
محمّد صلى الله عليه و آله وسلم العبد الذي يخاف ربّه: 
 
عن أبي جعفرعليه السلام قال: "وكان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يقوم على أطراف أصابع رجله فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿ طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾1.
 
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ما كان شيء أحبّ إلى رسول الله من أن يظلّ خائفاً جائعاً في الله عزَّ وجلّ"2. وقد تجلّت عبوديّته في قوله وسلوكه حتّى قال: قرّة عيني في الصلاة.
 
وكان ينتظر وقت الصلاة ويشتدُّ شوقه للوقوف بين يدي الله تعالى.
 
وكان كثير الدعاء، حتّى قال: "الدعاء مخّ العبادة"3. وعن أبي جعفر عليه السلام: "كان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله، لِمَ تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: يا عائشة ألا أكون عبداً شكوراً؟"4
 
وفي الخبر عنه عليه السلام: "وإنّ درعه - عند وفاته - مرهونة عند يهوديّ من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير استلفها نفقة لأهله"5

1- سورة طه: الآيات 1 / 2. الكافي, ج 2 ص 6.
2- روضة الكافي، ج12 ص 188.
3- المحجّة البيضاء, ج2 ص 282.
4- أصول الكافي، ج8، ص 294.
5- بحار الأنوار، ج 16، ص 219.
 
 
158

130

المحاضرة الثانية

 جلوسه وأكله:
 
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يأكل أكل العبد، ويجلس جلسة العبد، ويعلم أنّه عبد"1
 
علاقته بأصحابه:
 
قال تعالى:﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾. وعن أبي عبد اللهعليه السلام قال: " كان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يقسّم لحظاته بين أصحابه، فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسويّة"؛ وقال:" ولم يبسط رسول الله رجليه بين أصحابه قطّ، وإن كان ليصافحه الرّجل فما يترك رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يده من يده حتّى يكون هو التارك... "2.
 
الجود والحلم:
 
قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾3. وقد روي أنّه: "ما سُئل النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم شيئاً قطّ فقال: لا"، وأنّه عفا عن قريش التي عتت عن أمر ربّها وحاربته بكلّ ما لديها، وهو في ذروة القدرة قائلاً لهم: "اللهمّ اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون... اذهبوا فأنتم الطلقاء".

1- الكافي، ج6، ح3.
2- الكافي، ج2، ح1.
3- سورة التوبة: آية 128.
 
159
 

131

المحاضرة الثانية

 ورُوي: أنّ رجلاً كلّم النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم فأرعد، فقال: "هَوّن عليك فإنّي لستُ بملِك إنّما أنا ابن امرأةٍ تأكل القديد"1.
 
شجاعته:
 
قال الله تعالى ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾2.
 
زهده:
 
عن النبي ّصلى الله عليه و آله وسلم قال: "عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة ذهباً، قلت: لا يا ربّ ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك, وإذا شبعت شكرتك وحمدتك"3. ويذكر المؤرّخون أنّه كان صلى الله عليه و آله وسلم يرقّع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويأكل مع العبد، ويجلس على الأرض، ولا يمنعه الحياء أن يحمل حاجته من السوق إلى أهله، ويصافح الغنيّ والفقير...

1- ميزان الحكمة, ج 4 ص 3226.
2- سورة الأحزاب: آية 39.
3- سنن الترمذي، 2 حديث 2377.
 
160
 

132

المحاضرة الثالثة

 الاختلاط المحرّم
 
الهدف: تسليط الضوء على إحدى أكثر الآفات الاجتماعيّة خطورة على الرجل والمرأة والأسرة، التي هي آفّة الاختلاط المحرّم، وبيان بعض آثارها. دون التعرّض إلى وخامة الآثار الفعليّة الحاصلة.
 
تصدير الموضوع
 
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ليس في البدن شيء أقلّ شكراً من العين، فلا تعطوها سؤلها، فتشغلكم عن ذكر الله عزَّ وجلَّ".

1- الخصال، ص629، ح 10.
 
161
 

133

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة:
 
يعتبر تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار العلاقة الزوجيّة من الأمور الهامّة التي نبّهت عليها الشريعة الإسلاميّة, واعتبرت أنّ ظاهرة الاختلاط المحرّم هي مدعاة للوقوع في الكثير من المفاسد الأخلاقيّة والسلوكيّة والاجتماعيّة والتي قد لا يقتصر أثرها المدمّر على الفرد بل قد يتعدّاه إلى كافّة المجتمع.
 
محاور الموضوع
 
تحقيق معنى الاختلاط:
 
الاختلاط من الخلط، وهو جمع الأجناس المتباينة في ظرف واحد من الزمان والمكان. والاختلاط من الافتعال، وهو في المصطلح عبارة عن اجتماع أفراد متعدّدين من الذكور والإناث في مجلس واحد. منه ما لا إشكال فيه، كاجتماع أفراد الأسرة الواحدة من المحارم، إخوة وأخوات، وآباء وأبناء، وفروع هؤلاء جميعاً.
ومنه ما قد ترافقه الكثير من الاشكالات لدى اجتماع أفراد من غير المحارم في محلّ واحد ومجلس واحد.
 
الاختلاط والشيطان:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أنّه نهى عن محادثة النساء - يعني غير 
 
162

134

المحاضرة الثالثة

 ذوات المحارم - وقال: "لا يخلونّ رجل بامرأة فما من رجل خلا بامرأة إلّا كان الشيطان ثالثهما"1.
 
إنّ تجاور الجنسين فلا يؤمن أنْ يحصل نظر كلٍّ من أفراد الجنسين إلى الآخر دون رعاية أحكام النظر والكلام فيما يجوز وفيما لا يجوز.
 
اللوازم المدمّرة للاختلاط:
 
إنّ طول الوقت الذي يقضيه كلّ من الرجل والمرأة الأجنبيين، يستلزم تردّد النظر مرات عديدة كلّ منهما إلى الآخر ما قد يتعدى معه النظر عن الوجهين والكفين ولذا حذرت الأحاديث المأثورة عن المعصومين عليهم السلام من الآثار التي قد تكون مدمّرة ومهلكة للرجل وللمرأة وكذلك للأسرة والمجتمع.
عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة"2.
 
ومن لوازم النظر المحرّم: 
 
1- يشغل عن ذكر الله تعالى:
 
فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "ليس في البدن شيء أقل شكراً من العين، فلا تعطوها سؤلها فتشغلكم عن ذكر الله عزَّ وجلَّ"3.

1- جامع أحاديث الشيعة السيّد البروجرديّ, ج 20 ص 309.
2- من لا يحضره الفقيه, ج 4 ص 18.
3- الخصال ، ص629، ح10.
 
163
 

135

المحاضرة الثالثة

 2- يبذر الهوى ويولد الغفلة:
 
فعن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "إيّاكم وفضول النظر، فإنه يبذر الهوى، ويولّد الغفلة"1.
 
3- عمى القلب عن العاقبة:
 
فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إذا أبصرت العين الشهوة عمي القلب عن العاقبة"2.
 
4- دوام الحسرة:
 
وعن عليّ عليه السلام: "من أطلق ناظره أتعب حاضره، من تتابعت لحظاته دامت حسراته"3.
 
5- مصيدة الشيطان وسهم من سهامه:
 
فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "العيون مصائد الشيطان"4.
 
وعن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم أنّه قال لعليّ عليه السلام: "يا عليّ لا تتبع النظرة فإنّ الأولى لك والثانية عليك وآخر النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله تعالى"5.

1- بحار الأنوار ، ج72، ص199.
2- غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي، الحكمة 4063.
3- البحار، ج 104، ص38.
4- غرر الحكم، الحكمة رقم 950. 
5- شرح الأزهار, ج 4 ص 113.
 
164
 

136

المحاضرة الثالثة

 6- العذاب في النار:
 
فعن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "من ملأ عينه من الحرام، ملأ الله عينه يوم القيامة من النار، إلاّ أن يتوب"1.
 
وهذا ما يدعو أهل القرب إلى تمنّي زوال نعمة النظر إذا كانت تؤدّي إلى زوال نعمة القرب. فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "عمى البصر خير من كثير النظر"2.
 
وذلك، لأنّ كثرة تركيز النظر يؤدي إلى الشهوة والريبة واستثارة الغريزة. فعن الإمام الصادق عليه السلام في وصيّته لابن جندب: "يا ابن جندب، إنّ عيسى بن مريم عليه السلام قال لأصحابه:... إيّاكم والنظرة، فإنّها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه، ولم يجعل بصره في عينه"3.

1- بحار الأنوار، ج 76، ص234.
2- تحف العقول، ص95.
3- تحف العقول، ص305.
 
165
 

137

المحاضرة الأولى

 العبّاس عليه السلام
الهدف: التعرّف على جوانب من حياة أبي الفضل العبّاس عليه السلام وبعض مواقفه ومنزلته عند الأئمّة عليهم السلام. 

تصدير الموضوع

ورد في بعض الزيارات: "السلام عليك يا أبا الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين، السلام عليك يا ابن سيّد الوصيين، السلام عليك يا ابن أوّل القوم إسلاماً، وأقدمهم إيماناً، وأقومهم بدين الله، وأحوطهم على الإسلام, أشهد لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك فنعم الأخ المواسي، فلعن الله أمّة 
 
169

138

المحاضرة الأولى

 قتلتك ولعن الله أمّة ظلمتك، ولعن الله أمّة استحلّت منك المحارم وانتهكت حرمة الإسلام, فنعم الصابر المجاهد، المحامي الناصر، والأخ الدافع عن أخيه، المجيب إلى طاعة ربّه، الراغب فيما زهد فيه غيره، من الثواب الجزيل، والثناء الجميل فألحقك الله بدرجة آبائك في دار النعيم"1.
 
المقدّمة:
 
إنّ الإطلالة على حياة شهداء الطفّ لها أثرها وفائدتها الخاصّة, حيث تعطينا دروساً خاصّة في الاقتداء بهم والسير على نهجهم. وتمتاز حياة أبي الفضل العبّاس عليه السلام من بين شهداء كربلاء أنّها سيرة أعظم شهيد بين يدي سيّد الشهداء عليه السلام, وسوف يغبطه على شهادته يوم القيامة جميع الشهداء- كما جاء في بعض الروايات الآتية-, ما يدفعنا إلى التعرّف على حياة هذا الرجل العظيم وبعض مواقفه الهامّة, وأهمّ صفاته ومزاياه علّها تكون دروساً لنا في الوفاء والعطاء والبذل والإنفاق وغيرها من الصفات الإنسانيّة الكريمة.

1- بحار الأنوار ج 98 ص 218.
 
170
 

139

المحاضرة الأولى

 تصدير الموضوع
 
الولادة والنشأة:
 
ولد عليه السلام في اليوم الرابع من شعبان سنة 26 هجرية, فيكون عمره الشريف يوم الطفّ 34 سنة.
 
أبوه: الإمام عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام.
 
أمّه: فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر بن كلاب.. المعروفة بأمّ البنين, وكانت من النساء العارفات بفضل أهل البيت عليهم السلام, وليس في العرب أشجع من آبائها وإخوانها, وكان آباؤها من سادات العرب وزعمائهم, وهي من بيت كرم وشجاعة وفصاحة ومعرفة.
 
وقد روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام بعد شهادة الصدّيقة الزهراء عليها السلام قال لأخيه عقيل بن أبي طالب - وكان نسّابة عارفاً بالعرب وبيوتهم وأنسابهم- : "ابغني امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها فتلد لي غلاماً فارساً", فقال له عقيل: أين أنت عن فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابيّة.
 
إخوته من أمّه: عبد الله, وعثمان, وجعفر.
 
والعبّاس أوّل مولود للإمام عليعليه السلام من أمّ البنين, والعبّاس من أسماء الأسد الغضبان, لعلّ أمير المؤمنينعليه السلام سمّاه بذلك تفاؤلاً بشجاعته وصولته في الحروب.
 
 
171
 

140

المحاضرة الأولى

 كنيته وألقابه: 
 
أمّا كنيته فأبو الفضل, وهي الكنية المعروفة والمشهورة.
 
وأمّا ألقابه: فقد عرف عليه السلام بألقاب كثيرة منها ما كان يلقّب به في زمانه قبل واقعة الطفّ, ومنها ما لقّب به في كربلاء, ومنها ما عرف به بعد شهادته:
 
قمر بني هاشم: ولعلّه لقّب بذلك لجمال هيأته ووسامة صورته, فقد قال عنه المؤرّخون: إنّه كان وسيماً جميلاً يركب الفرس المطهّم ورجلاه يخطّان في الأرض.
 
السّقاء: وساقي العطاشى, ولذلك لاهتمامه بسقي الماء خصوصاً يوم السابع من محرّم. قالوا: بعد أن ضيّق الأعداء على الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأطفاله ومنعوا وصول الماء إلى المخيّم, دعا العبّاس بن عليّ بن أبي طالب أخاه عليه السلام فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً وبعث معهم بعشرين قربة، فجاءوا حتّى دنوا من الماء ليلاً، واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجمليّ، فقال عمرو بن الحجّاج الزبيديّ: من الرجل.. ما جاء بك؟ قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، قال: فاشرب هنيئاً، قال: لا والله لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن ترى من أصحابه, فطلعوا عليه، فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنّما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء، فلمّا دنا منه أصحابه قال لرجاله: املؤوا قربكم فشدّ الرجالة فملأوا قربهم 
 
172

141

المحاضرة الأولى

 وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العبّاس بن عليّ عليه السلام ونافع بن هلال فكفوهم، ثمّ انصرفوا إلى رحالهم.
صاحب اللواء: روي عن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال له يوم العاشر من المحرّم حينما طلب منه الرخصة: "أنت صاحب لوائي, وإذا مضيت تفرّق عسكري".

العبد الصالح: ففي زيارة له عن الإمام الصادق عليه السلام: "السلام عليك أيّها العبد الصالح المطيع لله ولرسوله.. ".

باب الحوائج: لكثرة من استجيبت حوائجهم بالتوسّل إليه والدعاء عند قبره. رحم الله السيّد صالح الحلّي إذ يقول فيه:

باب الحوائج ما دعته مروعة                      في حاجة إلّا ويقضي حاجها

ثناؤه على لسان الإمام زين العابدين عليه السلام:

عن ثابت بن أبي صفيّة، قال: نظر سيّد العابدين عليّ بن الحسين عليه السلام إلى عبيد الله بن العبّاس بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام فاستعبر، ثمّ قال: "ما من يوم أشدّ على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم من يوم أحد، قتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالب". ثمّ قال عليه السلام: "ولا يوم كيوم الحسين عليه السلام ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنّهم من هذه الأمّة كلّ يتقرّب إلى الله عزَّ وجلّ بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون، حتّى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً".
 
 
173

142

المحاضرة الأولى

 ثمّ قال عليه السلام: "رحم الله العبّاس، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتّى قطعت يداه، فأبدله الله عزَّ وجلّ بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة"1.
 
ثناؤه على لسان الإمام الصادق عليه السلام:
 
عن الإمام الصادق عليه السلام: "كان عمّنا العبّاس بن عليّ نافذ البصيرة صلب الإيمان, جاهد مع أبي عبد الله وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً".
 
وفي بعض الزيارات المرويّة عنه: "أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبيّ المرسل والسبط المنتجب..".
 
وفي زيارة أخرى: "أشهد أنّك بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود.. ".
 
ثناؤه على لسان الإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف:
 
في زيارة الناحية المقدّسة: "السلام على أبي الفضل العبّاس المواسي أخاه بنفسه الآخذ لغده من أمسه, الوافي له, الساعي إليه بمائه.. ".

1- الأمالي للصدوق, ص 547.
 
 
174


 

143

المحاضرة الأولى

 من مظاهر وفائه:
 
1. حينما ملك الشريعة يوم الطفّ- وهو في أشدّ حالات العطش- أبى أن يشرب الماء مواساة لعطش أخيه الحسين عليه السلام وأهل بيته وأطفاله. 
 
وأثر عنه قوله في رجزه:
 
يا نفس من بعد الحسين هوني               وبعده لا كنت أن تكوني
هذا حسين وارد المنون                        وتشربين بارد المعين
                       تالله ما هذا فعال ديني
 
2. ولمّا جمع الإمام الحسين عليه السلام أهل بيته وأصحابه ليلة العاشر من المحرّم وخطبهم فقال في خطبته: "أمّا بعد فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي, ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي, وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً, وليأخذ كلّ واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي, وتفرّقوا في سواد هذا الليل, وذروني وهؤلاء القوم فإنّهم لا يريدون غيري"، قام إليه العبّاس عليه السلام فبدأهم فقال: ولم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً, ثمّ تكلّم أهل بيته وأصحابه بمثل هذا ونحوه1
 
3. ولمّا نادى شمر: أين بنو أختنا؟ أين العبّاس وإخوته؟ فلم 

1- أعيان الشيعة ج 7 ص 430.
 
175
 

144

المحاضرة الأولى

 يجبه أحد, فقال لهم الحسين عليه السلام: "أجيبوه وإن كان فاسقاً فإنّه بعض أخوالكم", قال له العبّاس: ما تريد؟ فقال: أنتم يا بني أختي آمنون, فقال له العبّاس: لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟! وتكلّم إخوته بنحو كلامه ثمّ رجعوا1
 
منزلته عند الإمام الحسين عليه السلام:
 
لقد كان للعبّاس عليه السلام منزلة عظيمة عند أخيه الإمام الحسين عليه السلام, فهو صاحب لوائه والمنتدب للمهمّات من قبله, وقد تولّى العديد من هذه المهمّات من قبل الإمام عليه السلام:
 
منها: أنّه في اليوم السادس من المحرّم حينما كلّم الإمام الحسين عليه السلام عمر بن سعد بين المعسكرين في جوف الليل, رافقه في هذه المهمّة التي لم يرافقه فيها سوى العبّاس وولده عليّ الأكبر عليهما السلام.
ومنها: في اليوم السابع من المحرّم حيث انتدبه الإمام لجلب الماء إلى المخيّم كما تقدّم.
 
ومنها: في اليوم التاسع من المحرّم حينما زحف الجيش على مخيّم الإمام الحسين عليه السلام انتدبه للتفاوض مع القوم فقال له: "اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم وتقول لهم: ما لكم وما بدا لكم؟".

1- المصدر السابق.
 
176

 

145

المحاضرة الأولى

 ومنها: في ليلة العاشر من المحرّم- بل في كلّ ليالي كربلاء- كان هو المضطلع بحراسة المخيّم ورفع الوحشة والخوف عن عائلة النبوّة والإمامة, وكان الإمام يرسله وولده عليّ الأكبر عليهما السلام  حينما يسمع بكاء النساء والأطفال ويأمرهما بإسكاتهم وتطمين نفوسهم.
 
فليس عجباً أن يكون العبّاس آخر قتيل من أهل بيته وأصحابه إذ لم يسمح له الحسين عليه السلام بالرخصة للمبارزة, وكفاه فخراً أنّ سيّد الشهداء عليه السلام قال فيه عند شهادته: "الآن انكسر ظهري, وقلّت حيلتي, وشمُت بي عدوّي"1.

1- أخذناه بتصرّف من هامش كتاب مقتل الحسين عليه السلام للسيّد محمّد تقيّ آل بحر العلوم, تعليق: نجله السيّد الحسين, ص 309 وما بعده, بتصرّف وإضافة. 
 
177
 

146

المحاضرة الثانية

 الحلم والغضب وأثرهما في السلوك‏
 
الهدف: فهم صفتي الغضب والحلم وأثرهما على سلوك الإنسان، واستقرار المجتمع.
 
تصدير الموضوع
 
عن الإمام الصادقعليه السلام أنّه قال: "ما من عبد كظم غيظاً، إلّا زاده الله عزَّ وجلَّ عزّاً في الدنيا والآخرة، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وأثابه مكان غيظه ذلك"1.

1- الكافي, ج6 ص 109.
 
 
179

147

المحاضرة الثانية

 وعنه عليه السلام: "سمعت أبي يقول: أتى رسول الله رجل بدويّ، فقال: إنّي أسكن البادية، فعلّمني جوامع الكلام, فقال: آمرك أن لا تغضب. فأعاد الأعرابي عليه المسألة ثلاث مرّات، حتّى رجع إلى نفسه، فقال: لا أسأل عن شي‏ء بعد هذا، ما أمرني رسول الله إلّا بالخير..."1.
 
المقدّمة:
 
يواجه الإنسان في سلوكه الشخصيّ والعامّ الكثير من المثيرات والانفعالات التي توقعه في الغضب، والخطأ والمعصية أحياناً، ولأن الغضب قوّة مودعة في الإنسان لفلسفة خاصّة، فاحتاج الإنسان إلى منظّم لهذه القوّة، فكان الحلم وكظم الغيظ أحد أهمّ الصفات التي تحلّى بها النبيّ وأهل بيته عليهم السلام.
 
محاور الموضوع
 
1 - مفهوم الحلم وكظم الغيظ:
 
وهما: ضبط النفس إزاء مثيرات الغضب. وهما من أشرف السجايا، وأعزّ الخصال، ودليلا سموّ النفس، وكرم الأخلاق، وسببا المودّة والإعزاز، وقد مدح الله الحلماء والكاظمين الغيظ، وأثنى عليهم في محكم كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ

1- الكافي, ج6 ص 307.
 
180
 

148

المحاضرة الثانية

 الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾1
 
وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾2.
 
وقال تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾3.
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "إنّ الله عزَّ وجلَّ يحبّ الحيي الحليم"4.
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "أوّل عوض الحليم من حلمه، أنّ الناس أنصاره على الجاهل"5.
 
وقال الصادق عليه السلام: "إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان، فيقولان للسفيه منهما: قلت وقلت، وأنت أهل لما قلت، ستجزى بما قلت؛ ويقولان للحليم منهما: صبرت وحلمت، سيغفر الله لك، إن أتممت ذلك؛ قال: فإن رد الحليم عليه ارتفع الملكان"6
 
وعنه عليه السلام: "اصبر على أعداء النعم، فإنّك لن تكافئ من 

1- سورة الفرقان, آية 63.
2- سورة فصّلت, آية 35.34.
3- سورة آل عمران, آية 134.
4- الكافي, ج6 ص 111.
5- نهج البلاغة, ص 45.
6- الكافي, ج 6 ص 113.
 
181

 

149

المحاضرة الثانية

 عصى الله فيك، بأفضل من أن تطيع الله فيه"1
 
وأحضر عليه السلام ولده يوماً فقال لهم: " يا بَنِي إنّي موصيكم بوصيّة، فمن حفظها لم يضع معها، إن أتاكم آت فأسمعكم في الأذن اليمنى مكروهاً، ثمّ تحوّل إلى الأذن اليسرى فاعتذر وقال: لم أقل شيئاً فاقبلوا عذره"2.
 
2 – الحلم صفة قوّة لا ضعف: 
 
وقد يحسب السفهاء أنّ الحلم من دلائل الضعف، ودواعي الهوان، ولكن العقلاء يرونه من سمات النبل، وسموّ الخلق، ودواعي العزّة والكرامة، فكلّما عظم الإنسان قدراً، كرمت أخلاقه، وسمت نفسه، عن مجاراة السفهاء في جهالاتهم وطيشهم، معتصماً بالحلم وكرم الإغضاء، وحسن العفو، ما يجعله مثار الإكبار والثناء.
 
يقال: إنّ رجلا شتم أحد الحكماء، فأمسك عنه، فقيل له في ذلك قال: (لا أدخل حرباً الغالب فيها أشرّ من المغلوب). ومن أروع ما نظمه الشعراء في مدح الحلم، ما رواه الإمام الرضا عليه السلام، حين قال له المأمون: أنشدني أحسن ما رويت في الحلم، فقال:

1- الأمالي, ص158.
2- بحار الأنوار, ج 64 ص 474.
 
182
 

150

المحاضرة الثانية

 إذا كان دوني من بليت بجهله
                           أبيت لنفسي أن تقابل بالجهل
وإن كان مثلي في محلّي من النهى
                            أخذت بحلمي كي أجلّ عن المثل
وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجى
                             عرفت له حقّ التقدّم والفضل‏
 
فقال المأمون: ما أحسن هذا، هذا مَنْ قاله؟ فقال: بعض فتياننا1.
 
3 - مفهوم الغضب وبواعثه وطريقة علاجه: 
 
أ - مفهومه: 
 
هو حالة نفسيّة، تبعث على هياج الإنسان، وثورته قولاً أو عملاً. وهو مفتاح الشرور، ورأس الآثام، وداعية الأزمات والأخطار، وهو غريزة هامّة، تلهب في الإنسان روح الحميّة والإباء، وتبعثه على التضحية والفداء، في سبيل أهدافه الرفيعة، ومثله العليا، كالذود عن العقيدة، وصيانة الأرواح، والأموال، والكرامات. ومتى تجرّد الإنسان من هذه الغريزة صار عرضة للهوان والاستعباد، كما قيل: من استغضب فلم يغضب فهو حمار.
 
فيستنتج من ذلك: أنّ الغضب نوعان:

1- عيون أخبار الرضا, ج1 ص 187.
 
183
 

151

المحاضرة الثانية

 • الغضب المذموم وهو ما أفرط فيه الإنسان، وخرج به عن الاعتدال، متحدّياً ضوابط العقل والشرع. 
 
• والغضب الممدوح وهو من الفضائل المشرّفة، التي تعزّز الإنسان، وترفع معنويّاته، كالغضب على المنكرات، والذنوب والمعاصي. 
 
وقد كثرت الآثار في ذمّه والتحذير منه:
 
قال الصادق عليه السلام: "الغضب مفتاح كلّ شرّ"1.
 
وإنّما صار الغضب مفتاحاً للشرور، لما ينجم عنه من أخطار وآثام، كالاستهزاء، والتعيير، والفحش، والضرب، والقتل، ونحو ذلك من المساوئ.
وقال الباقر عليه السلام : "إنّ الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتّى يدخل النّار"2.
 
وقال أمير المؤمنين: "واحذروا الغضب، فإنّه جند من جنود إبليس"3.
 
ب- بواعثه:
 
لا يحدث الغضب عفواً واعتباطاً، وإنّما ينشأ عن أسباب وبواعث عديدة أهمّها:

1- الخصال, ص 7.
2- الكافي, ج6 ص 307.
3- نهج البلاغة, ص 47.
 
184
 

152

المحاضرة الثانية

 قد يكون منشأ الغضب انحرافاً صحيّاً، كاعتلال الصحّة العامّة، أو ضعف الجهاز العصبيّ، ممّا يسبّب سرعة التهيّج.
 
وقد يكون المنشأ نفسيّاً، منبعثاً عن الإجهاد العقليّ، أو المغالاة في الأنانيّة، أو الشعور بالإهانة، والاستنقاص، ونحوها من الحالات النفسيّة، التي سرعان ما تستفزّ الإنسان، وتستثير غضبه. 
 
وقد يكون المنشأ أخلاقيّاً، كتعوّد الشراسة، وسرعة التهيّج، ممّا يوجب رسوخ عادة الغضب في صاحبه.
 
ج - علاج الغضب:
 
• يمكن معالجة الغضب وتكريس مبدأ الحلم وكظم الغيظ بعدّة أساليب, منها: 
 
• إذا كان منشأ الغضب اعتلالاً صحيّاً، فعلاجهم توفير دواعي الراحة النفسيّة والجسميّة لهم، إلى جانب العلاج الطبّي. 
 
• الابتعاد عن مثيرات الغضب وأهمّها: المغالاة في الأنانيّة، الجدل والمراء، الاستهزاء والتعيير، المزاح الجارح. وعلاجه في هذه الصورة باجتناب أسبابه. 
 
• تذكر مساوئ الغضب وأخطاره وآثامه، وأنّها تحيق بالغاضب، وتضرّ به أكثر من المغضوب عليه، فربّ أمر تافه أثار غضبة عارمة، أودت بصحّة الإنسان وسعادته. 
 
185

153

المحاضرة الثانية

 إنّ سطوة الغضب ودوافعه الإجراميّة، تعرّض الغاضب لسخط الله تعالى وعقابه، قال الصادق عليه السلام: "أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: يا ابن آدم اذكرني في غضبك أذكرك في غضبي، لا أمحقك فيمن أمحق، وأرضَ بي منتصراً، فإنّ انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك"1
 
من الخير للغاضب إرجاء نزوات الغضب وبوادره، والتروّي في أقواله وأفعاله عند احتدام الغضب، فذلك ممّا يخفّف حدّة التوتّر والتهيّج، ويعيده إلى الرشد والصواب، قال أمير المؤمنين عليه السلام: "إن لم تكن حليماً فتحلّم، فإنّه قَلّ من تشبّه بقوم إلّا أوشك أن يكون منهم"2.
 
ومن علاج الغضب: الاستعاذة من الشيطان الرجيم، وجلوس الغاضب إذا كان قائماً، واضطجاعه إن كان جالساً، والوضوء أو الغسل بالماء البارد، ومسّ يد الرحم إن كان مغضوباً عليه، فإنّه من مهدّئات الغضب.

1- الكافي, ج2 ص 307.
2- شرح أصول الكافي, ج8 ص 378.
 
186
 

154

المحاضرة الثالثة

 الشهادة
 
الهدف: التعرّف على فلسفة الشهادة، ومكانة الشهيد ومنزلته في الإسلام، وتكريس ثقافة الشهادة في حفظ الحقوق، وعزّة الإسلام والمسلمين.
 
تصدير الموضوع
 
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: فوق كلّ ذي برٍّ برّ حتّى يقتل الرجل في سبيل الله فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه برّ"1.

1- الكافي, ج 6 ص 348.
 
187
 

155

المحاضرة الثالثة

 و عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفرعليه السلام يقول: "إنّ عليّ بن الحسين عليه السلام كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: ما من قطرة أحبّ إلى الله عزَّ وجلّ من قطرة دم في سبيل الله"1.
 
المقدّمة:
 
إنّ بلوغ الأهداف الكبرى في الحياة يستلزم تضحيات كبرى مكافئة لها, ولا ريب أنّ سموّ الأهداف ونبل الغايات تقتضي سموّ التضحيات وشرفها ورقي منازلها, وإذا كان أشرف التضحيات وأسماها هو ما كان ابتغاء رضوان الله تعالى ورجاء الحظوة بالنعيم المقيم في جنات النعيم, فإنّ الذود عن حياض هذا الدّين والدفاع عن مقدّساته يتبوّأ أرفع درجات هذا الرضوان, ثمّ إنّ للتضحيات ألوانًا كثيرة ودروبًا متعدّدة, لكن تأتي في الذروة منها التضحية بالنفس, وبذل الروح رخيصة في سبيل الله لدحر أعداء الله ونصر دين الله.
 
محاور الموضوع
 
فضل الجهاد والشهادة:
 
ورد عن الإمام الحسينعليه السلام: "بينما أمير المؤمنين عليّ عليه السلام يخطب الناس ويحثّهم على الجهاد، إذ قام إليه شاب، فقال: يا 

1- الكافي, ج 5 ص 53.
 
188
 

156

المحاضرة الثالثة

 أمير المؤمنين، أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله. فقال: كنتُ رديف رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، ونحن منقلبون من غزوة ذات السلاسل، فسألته عمّا سألتني عنه فقال: الغزاة إذا همّوا بالغزوة كتب الله لهم براءة من النّار، فإذا تجهّزوا لغزوهم، باهى الله بهم الملائكة، فإذا ودّعهم أهلوهم، بكت عليهم الحيطان، والبيوت، ويخرجون من الذنوب كما تخرج الحيَّة من سلخها، ويوكل الله بكلّ رجل أربعين ملكاً، يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ولا يعمل حسنة إلّا ضعف له، ويكتب له كلّ يوم عبادة ألف رجل،... وإذا صاروا بحضرة عدوّهم، انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إيّاهم، فإذا برزوا لعدوّهم، وأشرعت الأسنَّة،.. حفّتهم الملائكة بأجنحتها، يدعون الله بالنصرة والتثبيت. فينادي منادٍ: الجنّة تحت ظلال السيوف، فتكون الطعنة والضربة على الشهيد، أهون من شرب الماء البارد، في اليوم الصائف، وإذا زال الشهيد من فرسه، بطعنة أو ضربة، لم يصل إلى الأرض، حتّى يبعث الله إليه زوجته من الحور العين، فتبشّره بما أعدّ الله له من الكرامة، فإذا وصل إلى الأرض، تقول له الأرض: مرحباً بالروح الطيّبة، الذي أخرج من البدن الطيّب، أبشر، فإنّ لك: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.... (إلى أن قال): فإذا كان يوم القيامة، فوالّذي نفسي بيده، لو كان الأنبياء على طريقهم، لترجّلوا لهم، لما يرون من بهائهم، حتّى يأتوا إلى 
 
 
189

157

المحاضرة الثالثة

 موائد من الجوهر، فيقعدون عليها، ويشفع الرجل في سبعين ألفاً من أهل بيته وجيرانه... فيقعدون معي، ومع إبراهيم، على مائدة الخلد"1.
 
2- ترسيخ معنى الشهادة:
 
حرص النبيّ وأهل بيته عليه السلام على ترسيخ مفهوم الشهادة: سالكًين في ذلك مسالك عديدة منها: 
 
التضحية بالأرواح والأنفس المقدّسة والغالية، دفاعاً عن مقدّسات الإسلام، ويشهد تاريخهم الجهاديّ الطويل على ذلك.
 
التصريح بحبّ الشهادة والشهداء: فورد عنه صلى الله عليه و آله وسلم قال: "والذي نفسي بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل, ثمّ أغزو فأقتل, ثمّ أغزو فأقتل"2، وعن عليّ عليه السلام:"...فوالله إنّي لعلى حقّ وإنّني للشهادة لمحبّ"3.
 
بيان صفة حياة الشهداء عند ربّهم: قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾4. وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ﴾5.

1- مستدرك الوسائل, ج 11 ص 7.
2- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1513. 
3- بحار الأنوار, ج 20 ص 7.
4- سورة آل عمران: آية 169.
5- سورة البقرة: آية 154.
 
 
190

158

المحاضرة الثالثة

 3 - خصال وخصوصيّات الشهيد: 
 
وهي عديدة منها: قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "للشهيد عند الله ستّ خصال: يغفر له في أوّل دفعة, ويرى مقعده من الجنّة, ويجار من عذاب القبر, ويأمن من الفزع الأكبر, ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها, ويُزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين, ويشفع في سبعين من أقاربه - وفي لفظ- من أهل بيته"1.
 
ومنها: أنّه يخفّف عنه مسّ الموت حتّى إنّه لا يجد من ألمه إلّا كما يجد أحدنا من مسّ القرصة, عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "ما يجد الشهيد من مسّ القتل إلّا كما يجد أحدكم من مسّ القرصة"2,
 
ومنها أنّ باب الشهداء في الجنّة أحسن الدور وأفضلها, عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "رأيت الليلة رجلين أتياني فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل, لم أرَ قطّ أحسن منها قالا لي: أمّا هذه فدار الشهداء"3
 
- ومنها: ما عن الإمام السجّاد عليه السلام: "..ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرتين: قطرة دم في سبيل الله وقطرة دمعة في سواد 

1- مسند الطبراني, ج 2 ص 189.
2- كنز العمّال, ج 4 ص 397.
3- رياض الصالحين, ص 522.
 
191
 

159

المحاضرة الثالثة

 الليل لا يريد بها عبد إلّا الله عزَّ وجلّ"1.
 
ومنها: ما عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم: "ما من أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلّا الشهيد، فإنّه يتمنّى أن يرجع فيقتل عشر مرّات لما يرى من الكرامة"2
 
4- الشهادة و الشّهيد في فكر الإمام الخمينيّ قدس سره:
 
لقد أوضح الإمام الخميني قدس سره فلسفة الشهادة في مناسبات عدّة ونشير إلى بعض منها:
 
• دروس الشهادة: شهادة أبطال ميادين الجهاد الإلهيّ، أوج كمال نضالهم وصمودهم وتضحياتهم، وختم قبولٍ من الرّب حتّى يحضروا في زمرة مخلصيه". 
 
• "الدّرس الكبير الذي يعطينا الشهداء الأعزّاء وعلينا أن لا ننساه أبداً هو أنّه في مواقع الضّرورة علينا أن نفدي حياتنا وكلّ ما هو غال لدينا في سبيل إحياء القيم الإسلاميّة". 
 
• تكـريم الشّهــداء: "واجب التكريم والتّقدير للمناضلين خاصّة الشهداء، فريضةٌ عينيّةٌ وتعيينيّة ودائمة". 
 
• ثقافة الشهادة: "حقّ الشهداء الكبير علينا أن نوضّح للجميع ثقافة الشّهادة ومكانة الجهاد في سبيل الله".

1- وسائل الشيعة, ج 4 ص 1121. 
2- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1515.
 
192

160

المحاضرة الثالثة

 5- رسالة وعظمة الشهادة عند الإمام الخامنئي دام ظله:
 
قال القائد دام ظله  : "الشهيد معنى كبير، وحقيقة تثير الدهشة... إنّ حقيقة الشهادة حقيقة عظمى... إنّ للشهداء حركتان وموقفان في منتهى الروعة والعظمة، وكلّ واحد منهما يحمل نداء عميقاً؛ أحدهما، موقف من الإرادة الإلهيّة المقدّسة، وإزاء دين الله وعباده الصالحين، والموقف الآخر أمام أعداء الله.
 
كما أنّ الإيمان درجات، وأصحاب الجنّة درجات، وأهل النّار درجات، كذلك التضحية بالأموال درجات، والتضحية بالأنفس درجات، والشهادة التي هي أمّ التضحيات، وأشرف الطاعات، وأهمّ العبادات، وأفضل الدرجات، وأقصى غاية الجود... هي الأخرى منازل ودرجات متفاوتة.
 
ورسالة الشهيد، تبدأ من حيث الشهادة! فبالشهادة، قد يحقّق الشهيد هدفه السياسيّ، وهذا لا يعني انتهاءه، فآثار الشهيد ستبقى حيَّة، تستثير الضمائر الحرّة، والقلوب الواعية وقد تؤول إلى صناعة أجيال ثائرة، تحمل هموم الشهداء، وتعمل لتحقيق أهدافهم.
 
ورسالتهم هي أنّ من يبتغي مرضاة الله، ويطمح لأن يكون وجوده نافعاً في سبيل الله على طريق تحقيق الغايات الإلهيّة السامية في عالم الوجود، فعليه أن ينكر ذاته في مقابل الأهداف ذات الطابع الإلهيّ، وليس هذا من نوع التكليف الذي لا يطاق.
 
193

161

المحاضرة الثالثة

 حيثما تمسّكت فئة مؤمنة بهذه السمة (الإيثار) انتصرت كلمة الله، وحيثما ارتعدت فرائص المؤمنين، كانت الغلبة بلا جدال لكلمة الباطل.
 
ينبغي للشهادة أن تكون في سبيل الله، لكي تكون شهادة على الحقيقة.
 
لا شي‏ء في الدنيا من الأمور الفانية يمكن أن يستحقّ بذل الدماء، لا عصبيّة عشائريّة أو طبقيّة أو حزبيّة... الخ؛ لأنّه لا شي‏ء من ذلك يمكن أن يعطي للقتل معنى "الشهادة" فقط شي‏ء واحد، هو الذي يعطي للقتل معنى الشهادة، ومضمون الشهادة، أن تكون في سبيل الله تعالى.
 
يقول رسول الله مؤكِّداً دور النيَّة في الشهادة: "كم ممَّن أصابه السلاح ليس بشهيد ولا حميد، وكم ممَّن قد مات على فراشه حتف أنفه عند الله صدِّيق شهيد"1.
 
وعنه: "إنّما يبعث الله المقتتلين على النيّات"2.
 
وجاء أعرابيّ‏ُ النبي صلى الله عليه و آله وسلم فقال: يا رسول الله، الرجل يُقاتل للمغنم، والرجل يُقاتل ليُذكر، والرجل يُقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقالصلى الله عليه و آله وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله"3.

1- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1516.
2- ميزان الحكمة, ج 4 ص 3415.
3- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1248.
 
194
 

162

المحاضرة الثالثة

 عظمة الشهادة:
 
يقول الإمام القائد دام ظله  : "لمَ للشهادة هذا القدر من العظمة والأهميّة؟ السبب هو أنّ الإنسان الذي يقدِّم روحه في سبيل الله، هو في الحقيقة قد قام بالعمل اللازم في لحظة الحاجة وفي الوقت الذي يحتاج فيه الدّين وسبيل الله إلى الأشخاص الذين يعطونه ذلك الرونق. الشخص الذي يجهد في سبيل الله ويصرف نظره عن طلب الراحة، والمرأة والأولاد، والمتاعات العاديّة، سيكون له الأجر الإلهيّ وهو نفس الشهادة، فهذا وسام يدلّ على عظمة مجاهداته، لذا ذكرت مراراً أنّ الشهادة هي أفضل ثواب وأجر للجهاد في سبيل الله".
 
وفي أجر الشهادة يقول الإمام القائد دام ظله  : "هؤلاء الأشخاص هم الذين باعوا أرواحهم أيضاً، الشهادة بالنسبة لكلّ إنسان هي نوع من الامتياز. وحقّاً إذا استجاب الله دعاء الشخص بأن يجعل موته بالشهادة، فإنّه يكون قد وهبه أعظم كرامة وامتياز ويعطيه مقابل جوهره الذي رحل الجنّة ورضاه".
 
195
 

163

المحاضرة الأولى

 خلود النهضة الحسينيّة
 
الهدف: الإطلالة على موقف الحرّ بن يزيد الرّياحيّ في كربلاء وأبعاد كلمة الإمام الحسين عليه السلام بحقّه, وأهمّ الدّروس والعبر التي يمكن استخلاصها من مواقفه الخالدة عبر التّاريخ.
 
تصدير الموضوع
 
عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم أنّه قال: "إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً"1.

1- مستدرك الوسائل ج 10 ص 312.
 
199
 

164

المحاضرة الأولى

 المقدّمة:
 
تختصر هذه الرواية قصّة الإمام الحسين عليه السلام ونهضته لتبيّن أنّها نهضة كُتِبَ لها البقاء والدوام والخلود, فكثيرة هي الثورات التي لم يكتب لها البقاء ولم يبق لها ذكر إلّا في مطاوي الكتب وذاكرة التاريخ.
 
محاور الموضوع
 
ولعلّ أهمّ ما يمكن الإشارة إليه كسبب لبقاء وخلود هذه النهضة هو عدّة أمور:
 
شخصيّة الإمام الحسين عليه السلام الاستثنائيّة: 
 
حيث امتاز هذا الإمام العظيم- كبقيّة أئمّة أهل البيت عليهم السلام- بصفات ومؤهّلات لا توجد في بقيّة أفراد هذه الأمّة, ما جعله امتداداً لخطّ النبوّة دون سواه, كيف؟ وقد قال فيه النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم: "حسين منّي وأنا من حسين"1, وفيما قاله الإمام الحسين عليه السلام للوليد بن عتبة: "أيّها الأمير إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة, بنا فتح الله وبنا ختم الله.. "2.
 
ومن هنا خوطب عليه السلام بأنّه وارث أنبياء الله تعالى: آدم ونوح 

1- كامل الزيارات ص 117.
2- اللهوف في قتلى الطفوف ص 17.
 
200
 

165

المحاضرة الأولى

 وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم, وأنّه وارث أمير المؤمنين والسيّدة الزهراء عليهما السلام
.
أهل بيته وأنصاره:
 
فإنّ ما اجتمع له من أهل بيت وأنصار وأصحاب كانوا أيضاً استثنائيّين, وهذا ما جاء في وصفهم على لسان الإمام الحسين عليه السلام نفسه: "فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي, فجزاكم الله عنّي جميعاً خيراً"1.
 
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً فيما قاله فيهم حين مرّ بكربلاء: ".. ومصارع عشّاق شهداء، لا يسبقهم من كان قبلهم, ولا يلحقهم من بعدهم"2.
 
الشعارات الخالدة التي تظهر الدوافع والأهداف لهذه النهضة: 
 
والتي لا ترتبط بظرفٍ خاصّ ولا بحالة خاصّة, وإنّما تنصبّ على حركة المجتمع وإصلاحه وهدايته نحو السعادة الحقيقيّة, ويمكن أن نلاحظ ذلك بوضوح إذا نظرنا إلى كلمات الإمام الحسين عليه السلام, أمثال قوله:
1. "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت 

1- تاريخ الطبريّ ج 4 ص 317.
2- بحار الأنوار ج 41 ص 295.
 
201
 

166

المحاضرة الأولى

 لطلب الإصلاح في أمّة جدّي صلى الله عليه و آله وسلم أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ ابن أبي طالب عليه السلام فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ.. "1
 
2. وقوله عليه السلام: "ألّلهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك.."2
 
3. وقوله عليه السلام: "ألا إنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون.. "3, إلى غير ذلك من نصوص وكلمات. 
 
ما أفرزته هذه الثورة والنهضة من تصنيف على مستوى النتائج:
 
فقد وضعت حركة الإمام عليه السلام هذه الأمّة أمام امتحانٍ عظيم, اختصره عليه السلام بسطرين لمّا فصل متوجّهاً إلى العراق ودعا بقرطاس وكتب فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ إلى بني هاشم، أمّا بعد، فإنّه من لحق بي استشهد، ومن تخلّف عنّي لم يبلغ الفتح والسلام"4, ففاز بنصرته فريق 

1- بحار الأنوار ج 44 ص 330.
2- بحار الأنوار ج 97 ص 80, ويروى ذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً, وكلّهم نور واحد.
3- لواعج الأشجان ص 131.
4- دلائل الإمامة ص 188.
 
202
 

167

المحاضرة الأولى

 وتخلّف آخرون..
 
طبيعة العدوّ الذي قام الإمام الحسين عليه السلام في مواجهته:
 
وما كان يحمله من غايات تستهدف أصل الدّين وأسسه, وهذا ما أوضحته بعض الزيارات الواردة عنهم عليهم السلام كزيارته عليه السلام في يوم عرفة التي جاء فيها: "السلام عليك يا صريع العبرة الساكبة, وقرين المصيبة الراتبة, لعن الله أمةً استحلّت منك المحارم وانتهكت فيك حرمة الإسلام, فقتلت صلّى الله عليك مقهوراً, وأصبح رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم بك موتوراً, وأصبح كتاب الله بفقدك مهجوراً"1. وعن النضر بن مالك، قال: قلت للحسين بن عليّ عليهما السلام: يا أبا عبد الله! حدّثني عن قول الله عزَّ وجلّ: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾2، قال: "نحن وبنو أميّة اختصمنا في الله عزَّ وجلّ، قلنا: صدق الله، وقالوا: كذب الله، فنحن وإيّاهم الخصمان يوم القيامة"3.
 
فظاعة الخطب وعظم الجريمة:
 
إنّ الطريقة التي قتل فيها الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته 

1- راجع: مفاتيح الجنان للمحدّث الشيخ عبّاس القمّي رحمه الله, زيارة الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة.
2- سورة الحجّ الآية 19.
3- بحار الأنوار ج 31 ص 517.
 
 
203

168

المحاضرة الأولى

 وأصحابه أوجبت بقاء حرارة مقتله في قلوب المؤمنين إلى يوم القيامة, وعظمت لذلك مصيبته في السموات والأرض.
 
فعن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام: "أنّ الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام دخل يوماً إلى الحسن عليه السلام، فلمّا نظر إليه بكى، فقال له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكي لما يصنع بك. فقال له الحسن عليه السلام: إنّ الذي يؤتى إليّ سمّ يدسّ إليّ فأقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدعون أنّهم من أمّة جدّنا محمّد صلى الله عليه و آله وسلم، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحلّ ببني أميّة اللعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كلّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار"1.
 
وعن الإمام زين العابدين عليه السلام- في حديث له-: "ولا يوم كيوم الحسين عليه السلام ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنّهم من هذه الأمّة كلّ يتقرّب إلى الله عزَّ وجلّ بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون، حتّى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً"2.
وعن إمامنا الرضا عليه السلام- في حديث له-: "إنّ يوم الحسين 

1- أمالي الصدوق, 177.
2- المصدر السابق ص 547.
 
204

 

169

المحاضرة الأولى

 أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا، بأرض كربٍ وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء، إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء (عليه) يحطّ الذنوب العظام"1.
 
ويمكن لنا أن نتلمّس عظم هذه الجريمة وفظاعة الخطب وحجم الرزيّة من الروايات التي تتحدّث عن الحزن الذي أثّر في سائر الموجودات, حتّى بكاه كلّ شيء ممّا خلق ربنا وما يُرى وما لا يُرى.

1- المصدر السابق ص 190.
 
205
 

170

المحاضرة الثانية

 سوء الظنّ بالخلق
 
الهدف: بيان ما لآفّة سوء الظنّ بين المؤمنين وترتيب الأثر عليه، من آثار مدمّرة على مجتمع المؤمنين وعلى حقيقة معنى الدّين والإيمان.
 
تصدير الموضوع
 
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾1.
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "من أساء الظنّ بأخيه، فقد أساء الظنّ برّبه، إنّ الله تعالى يقول: ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ ﴾2.

1- سورة الحجرات، الآية: 12.
2- كنز العمّال، ح 7587.
 
207

 

171

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
لا شكّ أن سوء الظن كخصلة سيئة له أسبابه التي ينشأ منها, وهو يستدعي منّا الوقوف عندها ومعالجتها, كما إنّ له آثاره التي ينبغي التعرّف عليها لما في ذلك من باعث على تركها واجتنابها.
 
محاور الموضوع
 
ما هو الظنّ المنهي عنه؟:
 
"المراد بالظنّ المأمور بالاجتناب عنه هو ظنّ السوء، والمراد بالاجتناب عن الظنّ الاجتناب عن ترتيب الأثر عليه، كأنْ يظنّ بأخيه المؤمن سوءاً فيرميه به ويذكره لغيره، ويرتّب عليه سائر آثاره.
وعليه، فكون بعض الظنّ إثماً، من حيث كون ما يترتّب عليه من الأثر إثماً، كإهانة المؤمن المظنون به وقذفه وغير ذلك من الآثار السيّئة المحرّمة"18.
 
- ظنّ السوء بالأخ سوء ظنّ بالله:
 
إنّ في العواقب المذكورة في الروايات على سوء الظنّ دليلاً كافياً على وخامة هذا الأمر. وإنّ لسان الروايات والموقع الذي تجعل فيه سوء الظنّ دليلٌ آخر على ذلك.

1- الميزان في تفسير القرآن، ج18، ص323، بتلخيص.
 
208
 

172

المحاضرة الثانية

 فعن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "إيّاكم والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الكذب" 1 ومعلوم ما للكذب من مكانة سيّئة، فكيف بأسوأ الكذب.
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إيّاك أنّ تغلبك نفسك على ما تظنّ ولا تغلبها على ما تستيقن، فإنّ ذلك من أعظم الشرّ"2.
 
إنّ الإنسان يدرك أنّ النفس أمّارة بالسوء إدراكاً لا شكّ فيه ولا ريب، وهذا مؤيَّد بقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾3, وقد وصفه الإمام عليه السلام بأعظم الشرور.
 
وقد ورد عن عيسى عليه السلام قوله: "يا عبيد السَّوء، تلومون الناس على الظنّ ولا تلومون أنفسكم على اليقين"4.
 
ولكن أعظم منزلة سوء تذكرها الأحاديث ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وضع سوء الظنّ بالأخ المؤمن سوء ظنٍّ بالله تعالى.
 
فعنه صلى الله عليه و آله وسلم: "من أساء بأخيه الظنّ، فقد أساء الظنّ برّبه، إنّ الله تعالى يقول: ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ ﴾5.

1- بحار الأنوار، ج75، ص195، ح8.
2- غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي، الحكمة 2708.
3- سورة يوسف: آية 53.
4- تحف العقول، ص501.
5- كنز العمّال، الحديث رقم 7587.
 
209
 

173

المحاضرة الثانية

 أسباب سوء الظنّ:
 
1- خصال أخلاقيّة تولد سوء الظنّ
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "إنّ الجبن والبخل والحرص غريزة واحدة، يجمعها سوء الظنّ"1.
 
وقد أضاف إليها أمير المؤمنين عليه السلام الجور، فقال في عهده لمالك الأشتر لمّا ولاّه على مصر:
 
"إنّ البخل والجور والحرص غرائز شتّى، يجمعها سوء الظنّ بالله"2.
 
2- كلّ إناء ينضح بما فيه:
 
فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "الرجل السوء لا يظنّ بأحد خيراً، لأنّه لا يراه إلّا بوصف نفسه"3.
 
وفي حديث آخر لأمير المؤمنين عليه السلام: "الشرّير لا يظنّ بأحدٍ خيراً، لأنّه لا يراه إلّا بطبع نفسه"4.
 
إنّ سوء الطّويّة في نفس الظانّ هي ما يحكم على سلوك المؤمن، فتجعله يتعجّل إبرام الأحكام المبنيّة على الظنون والأوهام.

1- البحار، ج73، ص304، ح21.
2- نهج البلاغة، عهد الأشتر، رقم 53.
3- غرر الحكم، الحكمة 2175.
4- غرر الحكم، الحكمة 1903.
 
 
210

174

المحاضرة الثانية

 من آثار سوء الظنّ:
 
إنّ لسوء الظنّ آثاراً مدمرّة لا تسلم معها النفس من المُرديات، ومن أهمّ هذه الآثار:
 
1 ـ عدم ثقة الناس به:
 
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أسوأ الناس حالًا من لم يثق بأحد لسوء ظنّه، ولم يثق به أحد لسوء فعله"1.
 
2 ـ انفضاض الناس من حوله:
 
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من غلب عليه سوء الظنّ، لم يترك بينه وبين خليل صلحاً"2.
 
3 ـ يهون على الناس:
 
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من كَثُرَت ريبته، كَثُرَت غيبته"3.
 
4 ـ ليس له صاحب:
 
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من لم يحسُن ظنّه، استوحش من كلّ أحد"4.
 
وعنه عليه السلام: "مَنْ ساءت ظنونه اعتقد الخيانة بمن لا يخونه"5.

1- كنز الفوائد لأبي الفتح الكراجكي، ج2، ص182.
2- غرر الحكم، الحكمة 8950.
3- غرر الحكم، الحكمة 8094.
4- غرر الحكم، الحكمة 9084.
5- غرر الحكم، الحكمة 8837.
 
 
211

175

المحاضرة الثانية

 5 ـ ضياع الدّين:
 
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إيّاك أن تُسيء الظنَ، فإنّ سوء الظنّ يفسد العبادة"1.
 
وعنه عليه السلام: "لا دين لمسيء الظنّ"2.
 
وعنه عليه السلام: "لا إيمان مع سوء الظنّ"3.

1- غرر الحكم، الحكمة 5575.
2- غرر الحكم، الحكمة 10511.
3- غرر الحكم، الحكمة 10534.
 
212
 

176

المحاضرة الثالثة

 قيمة العمل‏ في الشريعة الإسلاميّة
 
الهدف: نشر وتكريس ثقافة السعي والجدّ في تحصيل الرزق الحلال من خلال الحرص على العمل وفق الأصول والقوانين ومراعاة الضوابط الشرعيّة.
 
تصدير الموضوع
 
قيل لأبي عبد الله عليه السلام: رجل قال لأقعدنّ في بيتي ولأصلينّ ولأصومنّ ولأعبدنّ ربّي، فأمّا رزقي فسيأتيني، فقال أبو عبد الله عليه السلام: "هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم"1

1- وسائل الشيعة ج‏12 ص‏4.
 
 
213
 

177

المحاضرة الثالثة

 وعن الشيباني قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام وبيده مسحاة، وعليه إزار غليظ، يعمل في حائط له، والعرق يتصابّ عن ظهره، فقلت: جعلت فداك، أعطني أكفك، فقال لي: "إنّي أحبّ أنْ يتأذّى الرجل بحرِّ الشمس في طلب المعيشة"1.
 
المقدّمة:
 
للعامل أهميّة خاصّة في الشريعة الإسلاميّة، فقد ندب الإسلام إلى طلب الرزق بالعمل، وجعل له أجراً كبيراً، وقرّر له حقوقاً وواجبات، وإذا لم يكفه ما حصّل، وجب على الوالي إعطاؤه كفايته من مسكن ومأكل وسائر الحوائج، حتّى يغنيه الله من فضله، وهذا ما يستفاد من النصوص الكثيرة في هذا المجال:
 
قال تعالى: ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾2.
 
محاور الموضوع
 
مفهوم العمل في الشريعة:
 
لا يقتصر العمل في الشريعة الإسلاميّة على النظرة الشائعة التي تنظر إلى العمل على أنّه مجرّد تقديم كدّ بدني مقابل أجرة زهيدة.
بل الشريعة تنظر إلى مفهوم العمل وتربطه بعمل الدنيا 

1- وسائل الشيعة ج‏12 ص‏23.
2- سورة الذاريات: آية 19.
 
214
 

178

المحاضرة الثالثة

  والدّين معاً. أي العمل الدنيويّ بشتّى أشكاله وأنواعه من جهد بدنيّ وفكريّ واستثمار الأموال لتنمية وتشغيل البطّالين وسدّ حاجة المحتاجين. وقد ورد تعبير العمل ومعناه في حوالي 360 آية قرآنيّة. 
 
1 - اقتران العمل بالإيمان والإتقان:
 
في مجال الربط بين العمل والإيمان، يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...﴾1، وفي آية أخرى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾2.
 
وأمّا السنّة النبويّة فقد أشادت هي الأخرى قولاً وعملاً بالعمل حاثّة عليه وعلى إتقانه. قال صلى الله عليه و آله وسلم: "ما أكل أحد طعاماً قطّ خيراً من أن يأكل من عمل يده"3. وفي مجال ربط العمل بالإتقان جاء عنهصلى الله عليه و آله وسلم أنّه قال: "إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً فليتقنه"4.
 
لأنّ إتقان الأعمال والإخلاص فيها من أهمّ عوامل التطوّر والرقيّ والازدهار والتقدّم.

1- سورة التوبة: آية 105.
2- سورة الجمعة: آية 10.
3- ميزان الحكمة, ج3 ص 7699.
4- ميزان الحكمة, ج 3 ص 2131.
 
 
215

179

المحاضرة الثالثة

 وكما حثّ الإسلام العمّال على الكدّ والجدّ حثّ أيضاً أصحاب العمل على إنصاف العمّال وإعطائهم حقوقهم كاملة غير منقوصة فقد جاء عنه صلى الله عليه و آله وسلم أنّه قال: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه"1.
 
2 - العمل عبادة وفريضة:
 
يعتبر الإسلام العمل عبادة، بشرط أن تكون النيّة لله تعالى، فالعامل في أيّ حقل يعمل، سواء كان معلّماً أو أستاذاً أو مهندساً أو طبيباً أو مزارعاً أو تاجراً أو... له أجر العمل وثوابه، فقد روي عن الرسول صلى الله عليه و آله وسلم قوله: "العبادة عشرة أجزاء تسعة أجزاء في طلب الحلال"2، وعنه صلى الله عليه و آله وسلم قال: "الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله"3. وطلب الرزق الحلال فريضة وجهاد، فقد روي عن الرسول صلى الله عليه و آله وسلم قوله: "طلب الحلال فريضة على كلّ مسلم ومسلمة"4، وعنه صلى الله عليه و آله وسلم قال: "طلب الحلال فريضة بعد الفريضة"5، وقوله صلى الله عليه و آله وسلم: "طلب الحلال جهاد"6

1- ميزان الحكمة, ج1 ص 76.
2- بحار الأنوار, ج 74 ص 21.
3- وسائل الشيعة, ج17, ص 66.
4- بحار الأنوار, ج 100 ص1.
5- ميزان الحكمة, ج2 ص 1075.
6- ميزان الحكمة, ج2 ص 1075.
 
216
 

180

المحاضرة الثالثة

 3 - التأكيد على تعلّم الحرفة:
 
كان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم إذا نظر إلى الرجل فأعجبه، قال لأصحابه: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا، قال: "سقط من عيني"، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟! قال: "لأنّ المؤمن إذا لم تكن له حرفة يعيش بدينه"1، وقال صلى الله عليه و آله وسلم: "إنّ الله تعالى يحبّ العبد المؤمن المحترف"2، ونقل عن الإمام عليّ عليه السلام قوله: "إنّ الله يحبّ المحترف الأمين"3.
 
4- مكانة العمل والعامل في الإسلام:
 
عن أبي جعفر عليه السلام قال: "من طلب الدنيا استعفافاً عن الناس وسعياً على أهله وتعطّفاً على جاره، لقي الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر"4.
 
وعن أيّوب قال: كنّا جلوساً عند أبي عبد الله عليه السلام إذ أقبل علاء بن كامل، فجلس قدّام أبي عبد الله عليه السلام فقال: ادع الله أنْ يرزقني في دعة، قال عليه السلام: "لا أدعو لك، اطلب كما أمرك الله عزَّ وجلَّ"5.
 
وعن موسى بن بكير قال: قال لي أبو الحسن موسى عليه السلام:

1- سنن النبيّ, ص 176.
2- الخصال, ص 610.
3- الكافي, ج5 ص 313.
4- وسائل الشيعة: ج‏12 ص‏11 الباب‏4 ح‏5.
5- وسائل الشيعة: ج‏12 ص‏10 الباب‏4 ح‏3.
 
217
 

181

المحاضرة الثالثة

 "من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله، كان كالمجاهد في سبيل الله"1
 
وعن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: "اقرؤوا من لقيكم من أصحابكم السلام، وقولوا لهم إنّ فلان بن فلان يقرئكم السلام وقولوا لهم: عليكم بتقوى الله، وما ينال به ما عند الله، إنّي والله، ما آمركم إلّا بما نأمر به أنفسنا، فعليكم بالجدّ والاجتهاد، وإذا صلّيتم الصبح فانصرفتم فبكِّروا في طلب الرزق واطلبوا الحلال، فإنّ‏َ الله سيرزقكم ويعينكم عليه"2
 
وعن العلاء قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: "أيعجز أحدكم أنْ يكون مثل النملة، فإنّ النملة تجرّ إلى حجرها"3
 
وعن الصدوق قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يخرج في الهاجرة في الحاجة قد كفيها، يريد أنْ يراه الله يتعب نفسه في طلب الحلال4.
 
وعن أبي حمزة قال: رأيت أبا الحسن عليه السلام يعمل في أرض له قد استنقعت قدماه في العرق، فقلت: جعلت فداك، أين الرجال؟ فقال: "يا عليّ، قد عمل باليد من هو خير منّي ومن أبي في أرضه"، فقلت: ومن هو؟ فقال: "رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، وأمير 

1- وسائل الشيعة: ج‏12 ص‏11 الباب 4ح‏4
2- وسائل الشيعة: ج‏12 ص 12 الباب‏4 ح‏8.
3- وسائل الشيعة: ج 12 ص‏2 الباب 4 ح‏9.
4- وسائل الشيعة, ج 17, ص 19.
 
218

 

182

المحاضرة الثالثة

 المؤمنين عليه السلام، وآبائي كلّهم كانوا قد عملوا بأيديهم، وهو من عمل النبيّين والمرسلين والأوصياء والصالحين"1
 
5 - حق العامل وواجبه:
 
"العمل" شعار رفعه الإسلام لمجتمعه وحدّد حقوق العامل وواجباته:
 
أ - حقّ العامل:
 
• أن يوفّى أجره المكافى لجهده دون حيف عليه أو مماطلة له، "اعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ‏َ عرقه". 
 
• أن توفَّر له حياة كريمة تتناسب مع ما يبذله من جهد وعرق، قال سبحانه: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾2
 
• أن يُمنح ما هو جدير به من تكريم المجتمع كلّه له، قال سبحانه: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾3
 
• أن يجد الحماية التي تحول دون غبنه واستغلال ظروفه، قال سبحانه في الحديث القدسيّ الجليل: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثمّ غدر، ورجل باع حرّاً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره"4.

1- وسائل الشيعة ج‏12 ص‏23. 
2- سورة الأنعام: آية 132.
3- سورة التوبة: آية 105.
4- مستدرك الوسائل, ج14 ص 37.
 
219

183

المحاضرة الثالثة

 ب- واجبات العامل:
 
• أن يؤدّي عمله على الوجه الأكمل، وهو ما عُبِّر عنه في الروايات بالإتقان. 
 
• أن يتّبع توجيهات إدارة العمل. 
 
• أن يحافظ على أسرار المهنة والعمل. 
 
• أن يأخذ في اعتباره مصلحة صاحب العمل. 
 
• أن لا يتعاون بأيّ بشكل مع المؤسّسة المنافسة للمؤسّسة التي يعمل بها بما يخالف أنظمة عمله. 
 
6- مبدأ تحصيل الرزق والتعامل معه:
 
لقد وضعت الشريعة ضوابط دينيّة وأخلاقيّة في كيفيّة تحصيل الرزق، والتعامل معه، أهمّها:
 
أ- ألاَّ يكتسب المال من غير حلّه، كالخمر والقمار والأشياء الضارّة.
 
ب- ألاَّ ينفق المال في غير حلّه، كالمحرّمات، ومنه الإسراف والتبذير.
 
ج - أنْ يعطي المال لأجل الضروريّات الإسلاميّة، إذا توقّف عليه بأنْ لم يكن للدولة مورد آخر، ومن ذلك شؤون الدفاع والجهاد، قال سبحانه: ﴿ وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ﴾1.

1- سورة التوبة: آية 41.
 
220
 

184

المحاضرة الثالثة

د - ندب الإسلام إلى الصدقات والخيرات والمبرّات، كما ندب ألاَّ يربح المؤمن من المؤمن إلاّ بقدر، وأن يوسّع على عياله، وأن تظهر النعمة عليه، دون تبذير أو إسراف.

7 - الفوائد والآثار الفرديّة والاجتماعيّة للعمل:

أ - إشباع الحاجات النفسيّة:

يساهم العمل في إشباع الحاجات النفسيّة للإنسان كالحاجة إلى الاحترام والتقدير، والحاجة إلى إثبات الذات. والعمل يقوّي كيان الإنسان المعنويّ وينمّي الروح الاجتماعيّة، ويصنع الإرادة القويّة.

ب- توفير المتطلّبات الماديّة:

العمل هو الذي يجعل الإنسان قادراً على توفير حاجاته الماديّة.

ج - تنشيط الاقتصاد:

إنّ توظيف الشباب يحقّق تنشيطاً للاقتصاد، إذ إنّ الاقتصاد عبارة عن دورة ماليّة متكاملة.

د - الحفاظ على الأمن الاجتماعيّ: 

يؤدّي توفير فرص وظيفيّة للشباب إلى خلق حالة من الأمن الاجتماعيّ، في حين أنّ البطالة وعدم قدرة الشباب في الحصول على الوظائف والأعمال المناسبة يساهم في انتشار الجرائم، وكثرة السرقات، ممّا يؤدّي إلى الإخلال بالأمن الاجتماعيّ العامّ.
 
 
221

185

المحاضرة الأولى

 آفاق الفتح الحسينيّ
 
الهدف: التعرّف على معالم الفتح الذي قام به الإمام الحسين عليه السلام وأهمّ دلالاته على مستوى التغيير الذي أحدثته نهضته على مدى العصور, وصولاً إلى عصر ظهور الإمام الحجّة عجل الله فرجه الشريف.
 
تصدير الموضوع
 
في الرواية أنّ الإمام الحسين عليه السلام بعث برسالة إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة ومن قبله من بني هاشم يقول فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم, من الحسين بن عليّ إلى محمّد بن عليّ ومن قبله من بني هاشم, أمّا بعد: فإنّ من لحق بي استشهد, ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح, والسلام"1.

1- ابن قولويه: كامل الزيارات ص 75.
 
225
 

186

المحاضرة الأولى

 المقدّمة:
 
يمهّد الشهداء عادةً للفتح بدمائهم الزاكية, إلّا أنّ الإمام الحسين عليه السلام امتاز بأنّ شهادته تلازمت مع الفتح في الدّين, فكان: "الشهيد الفاتح", فما هو هذا الفتح الحسينيّ؟ وما هي آثاره وتداعياته على المقاطع الزمانيّة المختلفة؟ 
 
محاور الموضوع
 
ما هو الفتح الحسينيّ؟
 
لقد أخبرعليه السلامالأسرة النبويّة بأنّ من لحقه منهم سوف يظفر بالشهادة, ومن لم يلحق به فإنّه لا ينال الفتح, فأيّ فتح هذا الذي عناه الإمام؟ إنّه الفتح الذي لم يحرزه غيره من قادة العالم وأبطال التاريخ, فقد انتصرت مبادؤه, وانتصرت قيمه, وتألّقت الدنيا بتضحيته, وأصبح اسمه رمزاً للحقّ والعدل, وأصبحت شخصيّته العظيمة ليست ملكاً لأمّة دون أمّة ولا لطائفةٍ دون أخرى, وإنّما هي ملك للإنسانيّة الفذّة في كلّ زمان ومكان, فأيّ فتح أعظم من هذا الفتح وأيّ نصر أسمى من هذا النصر1.
 
فلم يرد بالفتح إلّا ما يترتّب على نهضته وتضحيته من نقض دعائم الضلال وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المطهّرة وإقامة أركان العدل والتوحيد, وأنّ الواجب على الأمّة القيام 

1- القرشي: حياة الإمام الحسين بن عليعليهما السلام ج 3 ص 4445.
 
226
 

187

المحاضرة الأولى

 في وجه المنكر. وهذا معنى كلمة الإمام زين العابدين عليه السلام لإبراهيم بن طلحة بن عبيد الله لمّا قال له حين رجوعه إلى المدينة: من الغالب؟ فقال السجّاد عليه السلام: "إذا دخل وقت الصلاة فأذّن وأقم تعرف الغالب"1.
 
الفتح الحسينيّ في مقاطعه الزمانيّة:
 
1- مقطع عصر عاشوراء: وفي هذا المقطع هناك آفاق فتح حسينيّ أهمّها:
 
أ- الفصل بين الأمويّة والإسلام: فقد قدّم معاوية الإسلام الأمويّ للناس وحاول أن يقنعهم بأنّه هو الإسلام, وقد حطّم الإمام الحسين عليه السلام بدمائه الزكيّة هذا الإطار المزيّف.
 
ب- عاشوراء بداية نهاية الحكم الأمويّ: وتمثّل ذلك بالعديد من الثورات والانتفاضات التي قامت ضدّ الحكم الأمويّ وأدّت إلى زواله وانتقاضه, وكان لعاشوراء الأثر المباشر أو غير المباشر فيها, ويظهر ذلك بوضوح من خلال شعار: "يا لثارات الحسين" الذي رفعته العديد منها.

 
2- مقطع ما بعد عاشوراء:
 
حيث يتجلّى في هذا المقطع معنى ما قيل إنّ: "الإسلام محمّديّ الوجود حسينيّ البقاء", فقد صار هناك وحدة بين الدعوة إلى 

1- المقرّم السيد عبد الرزاق: مقتل الحسين عليه السلام ص 66.
 
227

188

المحاضرة الأولى

 الإسلام المحمّديّ والدعوة إلى الحسين عليه السلام, ومن هنا يتضح سرّ من أسرار تأكيد الأئمّة عليهم السلام على عزاء الحسين عليه السلام وزيارته.
 
3- مقطع عصر الظهور:
 
صاحب الفتح العالميّ من ذريّة الحسين عليه السلام:
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "ومن ذرّية هذا - وأشار إلى الحسين عليه السلام - رجل يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.."1.
 
وعن الإمام الحسين عليه السلام: "منّا اثنا عشر مهديّاً، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحقّ، يحيى الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ على الدّين كلّه ولو كره المشركون.. "2.
 
امتداد المواجهة في فصول بين أهل الحقّ وأهل الباطل:
 
عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله، قلنا: صدق اللّه. وقالوا: كذب اللّه. قاتَلَ أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، وقاتَلَ معاوية عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقاتَلَ يزيد بن معاوية الحسين بن عليّ عليهما السلام، والسفيانيّ يقاتل القائم عليه السلام"3.

1- أمالي الطوسي ص 499 500.
2- كمال الدين وتمام النعمة ص 317.
3- معاني الأخبار ص 346.
 
228

189

المحاضرة الأولى

 المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الثائر للحسين عليه السلام:
 
عن الإمام الصادق عليه السلام: "لما ضُرب الحسين بن عليٍّعليهما السلام بالسيف ثمّ ابتُدِر ليُقطع رأسه نادي منادٍ من قبل ربّ العزّة تبارك وتعالى من بطنان العرش فقال: ألا أيّتها الأمّة المتحيّرة الظالمة بعد نبيّها، لا وفّقكم الله لأضحى ولا فطرٍ. قال: "ثمّ قال أبو عبد الله عليه السلام: لا جرم والله ما وفّقوا ولايوفّقون أبداً حتّى يقوم ثائر الحسين عليه السلام"1.
 
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "لمّا قُتل جدّي الحسين عليه السلام ضجّت الملائكة إلى الله عزَّ وجلّ بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيّدنا، أتصفح عمّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك؟ فأوحى الله عزَّ وجلّ إليهم قرّوا ملائكتي، فوعزّتي وجلالي، لأنتقمنّ منهم ولو بعد حين. ثمّ كشف الله عزَّ وجلّ عن الأئمّة من ولد الحسين عليه السلام للملائكة، فسرَّتِ الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يصلّي، فقال تعالى: بذلك القائم أنتقم منهم"2.
 
القائم عجل الله فرجه الشريف الطالب بدم المقتول في كربلاء:
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾: "إنّ العامّة يقولون نزلت في رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم لمّا أخرجته قريش من مكّة، وإنّما 

1- أمالي الصدوق ص 142.
2- دلائل الإمامة ص 451 452.
 
229
 

190

المحاضرة الأولى

 هي للقائم عليه السلام إذا خرج يطلب بدم الحسين عليه السلام، وهو قوله: نحن أولياء الدم، وطلاّب الدِّية.."1.
 
خروج القائم عجل الله فرجه الشريف يوم عاشوراء:
 
عن الإمام الباقر عليه السلام: "يخرج القائم عليه السلام يوم السبت، يوم عاشوراء، يوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام"2.
 
الشعار: (يا لثارات الحسين):
 
ورد في بعض الروايات أنّ الملائكة تخرج عند ظهور الحجّة عجّل الله تعالى فرجه من عند قبر الإمام الحسين عليه السلام وشعارهم: يا لثارات الحسين عليه السلام3
 
القائم عجل الله فرجه الشريف يقتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام لرضاهم بفعال آبائهم:
 
عن عبد السلام بن صالح الهرويّ قال: قلت لأبي الحسن عليٍّ بن موسى الرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله، ما تقول في حديث رُوي عن الصادق عليه السلام أنّه قال: "إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين عليه السلام بفعال آبائها؟", فقال عليه السلام: "هو كذلك". فقلت: فقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ ما معناه؟ فقال: "صدق الله في جميع أقواله، لكنّ ذراري قتلة الحسين يرضون أفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان 

1- تفسير القمي ج 2 ص 84 85.
2- كمال الدين وتمام النعمة ص 653 654.
3- أمالي الصدوق ص 112.
 
230
 

191

المحاضرة الأولى

 كمن أتاه، ولو أنّ رجلاً قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل، وإنّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم.."1 2

1- علل الشرائع ص 229.
2- هذا الموضوع أخذناه - بتصرف - من كتاب مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة، ج1.
 
231
 

192

المحاضرة الثانية

مقدّسات المسلمين‏ وقدسيّة الدفاع عنها
 
الهدف: معرفة مقدّساتنا وأنّ واجبنا تجاهها تعظيمها واحترامها والدفاع عنها بكلّ الوسائل حتّى الأرواح والدماء.
 
تصدير الموضوع
 
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ...﴾1.

1- سورة المائدة: آية 21.
 
233
 

193

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
هناك في مختلف الأديان والمذاهب مجموعة من الأمور التي تعتبر مقدّسة تبعاً لعلاقة تلك الأشياء بالدّين أو المذهب وارتباطها بالخالق أو الأنبياء أو الكتب السماويّة أو الأماكن الدينيّة. 
 
محاور الموضوع
 
1 - معنى المقدّس والقداسة:
 
القدس والقداسة والتقديس في اللغة والكتاب والاستعمال العرفي بمعنى التطهير، والتنزيه عن النقص والعيب، ولازم هذا كمال المقدّسات، واحترامها وتعظيمها، ووجوب الدفاع عنها بالغالي والنفيس لأنّها تمثّل الكيان المعنويّ والإيمانيّ للبشر.
فقد ورد في اللغة العربية: 
 
قَدُسَ قدْساً وقُدُساً طَهُر وتبارك، وتقدّس أي تطهّر، والقداسة الطهارة، يقال: قدّس الله فلاناً: طهّره وبارك عليه، والقدوس من أسماء الله الحسنى، أي المنزّه عن كل نقص وعيب1.. والتقديس: التطهير الإلهيّ الوارد في قوله تعالى: ﴿ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾2.

1- أقرب الموارد, ج2 ص 792.
2- سورة الأحزاب: آية 33.
 
234
 

194

المحاضرة الثانية

 وقد ورد في الكتاب العزيز ما يؤكّد هذا المعنى، قال تعالى: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ ﴾.
 
قيل: إنّها الجنّة، وقيل: الشريعة، وكلاهما صحيح، فالشريعة حظيرة منها يُستفاد القدُس، أي الطهارة، وقال تعالى: ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾1، أي نطهّر الأشياء ارتساماً لك، وقيل نقدّسك، أي نصفك بالتقديس2.
 
2 - المقدّسات في الإسلام والشرائع السماويّة:
 
تشترك الشرائع السماويّة في أصولها ومبانيها، وتتفق على قداسة هذه الأصول وحرمتها ووجوب الدفاع عنها، ولمّا كانت الشريعة الإسلاميّة هي خاتمة الرسالات، والنبيّ محمّدصلى الله عليه و آله وسلم هو سيّد الرسل وخاتمهم، سنكتفي بتحديد المقدّسات من خلال ما جاء في الشريعة الإسلاميّة مع الالتفات إلى أن المقدّسات لا تنحصر في الأصول دائماً، بل فقد يكون المسّ‏ُ ببعض الفروع أحياناً هتكاً للمقدّسات.
 
يمكن تصنيف المقدّسات في الإسلام إلى الأصناف الآتية:
 
أ - قداسة الإله (الله تعالى):
 
فيما يتعلّق بذاته وتوحيده سبحانه وصفاته وعدله... الخ.

1- سورة البقرة: آية 30.
2- مفردات ألفاظ القران، للراغب الأصفهاني.
 
235
 

195

المحاضرة الثانية

 قال تعالى: ﴿ اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ...1.
 
والآيات والروايات والمصنّفات كثيرة ومفصّلة في هذا المجال.
 
ب - قداسة الشريعة والدّين:
 
بمعنى قداسة وخصوصيّة الدّين الإسلاميّ بكلّيته وكيانه الكامل، وأنّه دين إلهيّ من عند الله تعالى.
 
قال الله تعالى: ﴿...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا...2
 
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ...3.
 
وقال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 4.
 
ج - قداسة القرآن الكريم:
 
وأنّه كلام الله الموحى على نبيّه محمّد صلى الله عليه و آله وسلم: قال الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 5﴾. ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي 

1- سورة البقرة: آية 255.
2- سورة المائدة: آية 3.
3- سورة آل عمران: آية 19.
4- سورة الروم: آية 30.
5- سورة البقرة: آية 2.
 
236
 

196

المحاضرة الثانية

 الَّتِي هِيَ أَقْوَمُ 1﴾. ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾2.
 
د - قداسة الوحي والرسل والأنبياء والأئمّة عليهم السلام:
 
فالوحي واسطة بين الله ورسله، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ﴾3. ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾4.
 
والأنبياء والرسل يمثّلون النبوّة التي هي سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده وقد بعثهم الله تعالى لهداية البشريّة وتعليمها.
 
قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾5. وقال تعالى: ﴿...فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ..﴾6.

1- سورة الإسراء: آية 9.
2- سورة الحجر: آية 87.
3- سورة فصّلت: آية 6.
4- سورة الأحقاف: آية 9.
5- سورة الحديد: آية 25.
6- سورة البقرة: آية 213.
 
237
 

197

المحاضرة الثانية

 خصوصيّة النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله وسلم بين الأنبياء والرسل:
 
لا يمكن فصل الحديث بين قدسيّة وعظمة شخصيّة النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم وبين عظمة نبوّته ورسالته العالميّة الخالدة؛ وموقعه في السماء والأرض قبل وبعد الإسلام، ونشير فيما يلي إلى بعض خصوصيّات النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله وسلم، الذي عرف قبل الإسلام، بالصادق الأمين. 
 
هدف بعثته ورسالته: الرحمة بالبشر والتزكية والتربية لهم، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة َ﴾1. وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾2
 
الأسوة الحسنة وصاحب الخلق العظيم: قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾3. ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾4.
 
سيّد الرسل وأعظمهم وخاتمهم: قال تعالى: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾5. وقال النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم لعليّ عليه السلام "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي"6.

1- سورة الجمعة: آية2.
2- سورة الأنبياء: آية 107.
3- سورة الأحزاب: آية 21.
4- سورة القلم: آية 4.
5- سورة الأحزاب: آية 40.
6- الكافي, ج8 ص 107.
 
238
 

198

المحاضرة الثانية

 تخصيصه بالإسراء والمعراج: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى...﴾1
 
الأمر الإلهيّ بوجوب طاعته واحترامه، قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ...﴾2
 
هـ - الأماكن المقدّسة عند المسلمين:
 
هي المساجد بشكل عامّ، والمسجد الحرام، ومسجد النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم والمسجد الأقصى، ومسجد الكوفة بشكل خاصّ، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾3
 
وأيضا المقامات المقدّسة للأئمّة المعصومينعليهم السلام وأبنائهم.
 
3 - ما هو واجب المسلمين تجاه مقدّساتهم:
 
أجمع فقهاء الإسلام بالإجمال على وجوب الدفاع عن بيضة الإسلام، بل إنّ فلسفة تشريع الجهاد في الشريعة الإسلاميّة قائمة على مبدأ الدفاع عن الشريعة وحفظ مقدّساتها وكيانها من كلّ ما يهدّده بالخطر أو التشويه ونحوه، ولهذا:
 
• على المسلمين أنفسهم المحافظة على كلّ مقدّساتهم بالقول والعمل الدؤوب والدائم، وعدم الإساءة إليها من خلال احترام مقدّسات الآخرين وخصوصيّاتهم. 

1- سورة الإسراء: آية 1.
2- سورة الأنفال: آية 46.
3- سورة الجنّ: آية 18.
 
239
 

199

المحاضرة الثانية

 • عليهم مواجهة كلّ من يمسّ المقدّسات الإسلاميّة أيّاً كان موقعه أو الجهة التي ينتمي إليها ضمن الضوابط الشرعيّة. 
 
• تنويع وسائل المواجهة والردع، من ثقافيّة، إعلاميّة، سياسيّة، قانونيّة، إداريّة، اقتصاديّة، إلى حدّ الجهاد والشهادة. 
 
• تربية مجتمعاتنا على احترام المقدّسات، والسعي الدائم لنقل هذه الثقافة إلى الآخرين. 
 
خاتمة:
 
إنّ المسّ بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم وتصويره بالرسوم الكاريكاتوريّة المهينة، أو الأفلام المسيئة فيه إساءة لكلّ الأديان السماويّة والأنبياء والكتب المقدّسة، فضلاً عن الإساءة إلى مليار وأربعمائة مليون مسلم في العالم.
 
240

200

المحاضرة الثالثة

 شروط النصر
 
الهدف: التعرّف إلى شروط النصر في الإسلام وقيمته.
 
تصدير الموضوع
 
قال الله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾1

1- سورة النور: آية 55.
 
241
 

201

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة:
 
إنّ صناعة النصر بالتضحية والدم والشهادة، ثقافة محمّديّة علويّة حسينيّة تعلّمها المجاهدون من بدر وخيبر وعاشوراء حيث القوّة والثبات، والعزيمة والشجاعة؛ وانتصار الدم على السيف، والعزّة على الذلّة، والثبات والإرادة على الهزيمة والانقياد أمام الظالمين.
 
محاور الموضوع
 
الثوابت الفكريّة لصناعة النصر: 
 
تعتمد هذه الثقافة في مواجهة الظالمين والمستكبرين على مجموعة من الثوابت أهمّها:
 
الأوّل: الإيمان بالله وطاعته:
 
يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾1
 
ويقول: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾2
 
ويقول الله تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾3.
 
ويقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾4

1- سورة محمّد: آية 7.
2- سورة الحج: آية40.
3- سورة الروم: آية 47.
4- سورة آل عمران: آية 200.
 
242

202

المحاضرة الثالثة

 الثاني: قوّة العقيدة وسلامتها:
 
تلاحظ أهمّيّة هذا العنصر في الوقت الذي كان فيه رسول اللهصلى الله عليه و آله وسلم بين قومه يبلّغهم دعوته قرابة خمس عشرة سنة وكان أصحابه يلاقون الذلّ والهوان وأشكال العذاب وصنوف البلاء من أعدائهم طوال بقائهم في مكّة، وكانوا يتحمّسون لردّ العدوان الواقع عليهم ولكن القرآن لم يأذن لهم في ذلك لأنّها كانت فترة تربية على العقيدة وترسيخ لمبادئ الإيمان في نفوسهم، حتّى إذا ما تغلغل اليقين الذي لا يخالجه شكّ واطمأنّت نفوسهم بالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر أذن لهم بعد ذلك بالقتال ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ *  الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾1
 
وحينما ثبت الإيمان في قلوبهم وثبتت العقيدة في صدورهم رأينا الإيمان يعمل عمله حينما التقوا بأعدائهم فما ثبتت للكفر قوّة أمام هذا اليقين الراسخ بل صار الكفار أمامهم كالهباء المنثور. ولقد كان الجيش الإسلاميّ لا يعتمد على كثرة العدد لأنّه لم ينظر إلى الكمّ بل كانت نظرته إلى اليقين المؤمنين به 

1- سورة الحجّ: آية39 , 40.
 
243
 

203

المحاضرة الثالثة

 والداخلين فيه إذ كانوا يندفعون إلى المعركة بدافع من إيمانهم سواء في ذلك الشباب والشيوخ والرجال والنساء لأنّهم كانوا جند الله الذين تخاذلت أمامهم قوّات الكفر.
 
الثالث: التوكل على الله والأخذ بالأسباب: 
 
التوكل على الله مع إعداد القوّة من أعظم عوامل النصر؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾1 وقال سبحانه: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾2
 
وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾3
 
وقال تعالى عزَّ وجلَّ: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾4
 
ولا بدّ في التوكّل من الأخذ بالأسباب؛ لأنّ التوكّل يقوم على ركنين عظيمين:
 
الركن الأوّل: الاعتماد على الله والثقة بوعده ونصره تعالى.
 
الركن الثاني: الأخذ بالأسباب الطبيعيّة كالتخطيط والتدريب والتجهيز ومعرفة العدوّ وخططه وتقنيّاته، والاستفادة من مختلف التقنيّات العسكريّة الممكنة قال الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّواْ 

1- سورة المائدة: آية 11.
2- سورة آل عمران: آية 160.
3- سورة آل عمران: آية 159.
4- سورة الأحزاب: آية 3.
 
244
 

204

المحاضرة الثالثة

 لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾1. والقوّة هنا تشمل القوّة الماديّة، والقوّة العلميّة، والقوّة الروحيّة، والقوّة الأخلاقيّة، حتّى يكون أهل الإيمان أقوى من أعدائهم لِيُرْهِبُوا أولئك الأعداء.
 
الرابع: استشعار روح الجهاد والشهادة:
 
بالاعتقاد بأنّ الجهاد والدفاع واجب كبقيّة الواجبات، بل من أهمّها، وقد فرضه الله على كلّ قادر دفاعًا عن المقدَّسات والحرمات، وعن العقيدة والمبدأ، وعن الحِمَى والوطن، عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم "مَنْ قُتل دون ماله فهو شَهيدٌ، ومَنْ قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومَنْ قُتل دون دمه فهو شهيد"2 وقد جاء في القرآن آياتٌ كثيرة تحثُّ على استشعار روح هذا الجهاد فقال: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾3
 
وقال: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ ﴾4
 
ولا بدّ من الاعتقاد التامّ بأنّ الشهادة حياة وأنّ الشهداء أحياء عند ربّهم: قال الله تعالى:﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ 

1- سورة الأنفال: آية 60.
2- المحلى, لابن حزم, ج 11 ص 108.
3- سورة العنكبوت: آية 69.
4- سورة البقرة: آية 218.
 
245
 

205

المحاضرة الثالثة

 أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾1. وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ﴾2
 
كما ينبغي إضافة للإيمان والاعتقاد النظريّ، تربية النفس وتهيئتها للشهادة، وقد صرّح النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم وأمير المؤمنين بحبّ الشهادة والقتل في سبيل الله, ورد عنه صلى الله عليه و آله وسلم أنّه قال: (والذي نفسي بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل, ثمّ أغزو فأقتل, ثمّ أغزو فأقتل)2. وعن عليّ عليه السلام "...فوالله إنّي لعلى حقّ وإنّي للشهادة لمحبّ". 
 
الخامس: الاعتقاد بالوعد الإلهيّ بالنصر:
 
وعد الله المؤمنين بالنصر المبين على أعدائهم، وذلك بإظهار دينهم، وإهلاك عدوّهم وإن طال الزمن، قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ *  يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾وقال سبحانه: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾والمؤمنون الموعودون بالنصر هم الموصوفون بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى 

1- سورة آل عمران: آية169.
2- سورة البقرة: آية 154.
3- ميزان الحكمة, ج2 ص 1513.
4- سورة غافر: آية 51، 52.
5- سور الروم: آية 47.
 
 
246

206

المحاضرة الثالثة

 رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾1. وقال الله تعالى: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾2
 
السادس: نصر دين الله تعالى:
 
من أعظم أسباب النصر: نصر دين الله تعالى والقيام به قولاً، واعتقادًا، وعملاً، ودعوة. قال الله تعالى: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾3. وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ *  وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾4.
 
السابع: الشجاعة والبطولة والتضحية:
 
من أعظم أسباب النصر: الاتصاف بالشجاعة والتضحية بالنفس والاعتقاد بأنّ الجهاد لا يقدّم الموت ولا يؤخّره، قال الله تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾5

1- سورة الأنفال: آية 4,3,2.
2- سورة النساء: آية 141.
3- سورة الحج: آية40، 41.
4- سورة محمّد: آية 7، 8.
5- سورة النساء: آية 78.
 
247

207

المحاضرة الثالثة

 قال الشاعر:
 
من لم يمت بالسيف مات بغيره                 تعدّدت الأسباب والموت واحد
 
ولهذا كان أهل الإيمان الكامل هم أشجع الناس وأكملهم شجاعة هو إمامهم النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله وسلم، وقد ظهرت شجاعته في المعارك الكبرى التي قاتل فيها ومنها على سبيل المثال:
 
أوّلاً: شجاعته البطوليّة الفذّة في معركة بدر، قال الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام: "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وهو أقربنا إلى العدوّ، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأسًا"
 
وقال عليه السلام: "كنّا إذا حمي البأس ولقي القوم اتقينا برسول اللهصلى الله عليه و آله وسلم فلا يكون أحد أدنى إلى القوم منه".
 
ثانيًا: في معركة أحد قاتل قتالاً بطوليًّا لم يقاتله أحد من البشر.
 
248
 

208

المحاضرة الأولى

 الحوراء زينب عليها السلام بعد كربلاء إلى الشهادة
 
الهدف: التعرّف إلى مواقف السيّدة زينب عليها السلام بعد كربلاء وقيادتها للثورة على الطغاة والظالمين.
 
تصدير الموضوع
 
ممّا قالته العقيلة في توبيخ يزيد: ".. فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، ونَاصِبْ جَهْدَكَ، فَوَاللهِ لاَ تَمْحُو ذِكْرَنَا، ولاَ تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلاَ تُدْركُ أَمَدَنَا، وَلاَ تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا..."1.

1- بحار الأنوار, ج 45 ص 135.
 
251
 

209

المحاضرة الأولى

 المقدّمة:
 
من أعظم بطولات الحوراء زينب عليها السلام أنّ واقعة السبي والأسر لم تفرض عليها التكيّف مع الواقع كيفما كان, ولم يدفعها الخوف من إيثار السلامة والدّعة على المواجهة والتحدّي, ولم يمنعها انكسار السيف في كربلاء من مواجهة الانحراف بل بقي صوتها العالي شاهد صدق في محكمة التاريخ, على عظم الجريمة التي جرت في كربلاء, وعظيم المواجهة التي واجهت بها قوى الظلام قائلة: فوالله لا تمحو ذكرنا, ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا.
 
محاور الموضوع
 
العقيلة زينب في سطور:
 
ولدت السيّدة زينبعليها السلام، في الخامس من جمادى الأولى، في السنة الخامسة -أو السادسة- للهجرة, وقيل في غرّة شعبان في السنة السادسة. وتكنّى بأمّ كلثوم، وأمّ الحسن، وتلّقب: بالصدّيقة الصغرى، والعقيلة، وعقيلة بني هاشم، وعقيلة الطالبيّين.
 
عفّتها عليها السلام:
 
حدّث يحيى المازنيّ قال: كنت في جوار أمير المؤمنين في 
 
252

210

المحاضرة الأولى

المدينة مدّة مديدة، وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصاً ولا سمعت لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدّها رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم تخرج ليلاً والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها وأمير المؤمنين عليه السلام أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين عليه السلام فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن عليه السلام مرّة عن ذلك فقال عليه السلام: أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك زينب1.
 
عبادة زينب عليها السلام:
 
كانت تقضي عامّة لياليها بالتهجّد وتلاوة القرآن، قالت فاطمة بنت الحسينعليها السلام: وأمّا عمّتي زينب فإنّها لم تزل قائمة في تلك الليلة - أي العاشرة من المحرّم- في محرابها، تستغيث إلى ربّها، فما هدأت لنا عين ولا سكنت لنا رنّة. وفي رواية: أنّ الحسين عليه السلام لمّا ودّع أخته زينب وداعه الأخير قال لها: يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل...2
 
إيثارها عليها السلام:
 
وروي عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال: "إنّ عمّتي زينب كانت تؤدّي صلواتها من الفرائض والنوافل عند سير القوم 

1- وفيات الأئمّة، ص436.
2- وفيات الأئمّة، ص 441.
 
253
 

211

المحاضرة الأولى

 بنا من الكوفة إلى الشام من قيام، وفي بعض المنازل كانت تصلّي من جلوس فسألتها عن سبب ذلك فقالت: أصلّي من جلوس لشدّة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال، لأنّها كانت تقسّم ما يصيبها من الطعام على الأطفال لأنّ القوم كانوا يدفعون لكلّ واحد منّا رغيفاً واحداً من الخبز في اليوم والليلة"1
 
2- القيادة الزينبيّة للثورة:
 
تحرَّك موكب سبايا أهل البيت عليهم السلام من كربلاء المقدّسة نحو مدينة الكوفة وهو يقطع الصحاري، في الحادي عشر من المحرّم سنة 61 هـ، وقد حمل جيش عمر بن سعد السبايا على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء ولا غطاء، وساقوهم كما يساق سبي الترك والروم في أشدّ المصائب، وتتقدّمهم الرؤوس على الرماح، حتّى دخل الركب الكوفة في اليوم الثاني عشر من المحرَّم سنة 61 هـ، واقتسمت القبائل الرؤوس بينها...2.
 
عظمة الصبر وتحمّل المصيبة في عين الله: حينما حدثت الفاجعة الكبرى بمقتل أخيها الحسين عليه السلام خرجت السيّدة زينب تعدو نحو ساحة المعركة، تبحث عن جسد أخيها الحسين بين القتلى غير عابئة بالأعداء المدجّجين بالسلاح، فلمّا وقفت على جثمان أخيها الحسين وضعت يدها تحت جسده الطاهر 

1- المصدر نفسه.
2- اللهوف في قتلى الطفوف, ص 84.
 
254
 

212

المحاضرة الأولى

 المقطّع ورفعته نحو السماء وهي تدعو الله قائلة "اللهمّ تقبّل منّا هذا القربان"1.
 
ويلكم يا أهل الكوفة: لمّا دخل موكب السبايا الكوفة، توجّه نحو قصر الإمارة، مُخترقاً جموع أهل الكوفة المحتشدين في الشوارع وهم يبكون لما حلَّ بالبيت النبويّ الكريم، قال بشير بن خزيم الأسدي: ونظرت إلى زينب بنت عليّ يومئذٍ، ولم أر خفرة والله أنطق منها، كأنّها تفرع من لسان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدّت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثمّ قالت: " الْحَمْدُ للهِ، وَالصَّلاَةُ عَلىَ جَدِّي مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَخْيَارِ,أمّا بَعْدُ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، يَا أَهْلَ الْخَتْلِ والْغَدْرِ، أَتَبْكُونَ؟! فَلَا رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ، ولَا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ، إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً، تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ...َأتَبْكُونَ وَتَنْتَحِبُونَ؟! إِيْ وَاللهِ فَابْكُوا كَثِيراً، واضْحَكُوا قَلِيلاً، فَلَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِعَارِهَا وَشَناَرِهَا...وَيْلَكُمْ يَا أَهلَ الْكُوفَةِ، أَتَدْرُونَ أَيَّ كَبِدٍ لِرَسُولِ اللهِ فَرَيْتُم؟! وَأيَّ كَرِيمَةٍ لَهُ أبْرَزتُمْ؟! وَأَيَّ دَم لَهُ سَفَكْتُمْ؟! وَأّيَّ حُرْمَةٍ لَهُ انتَهَكْتُمْ؟! لَقَدْ جِئْتُمْ بِهَا صَلعَاءَ عَنْقَاءَ سَوْدَاءَ فَقُمَاءَ...أَفَعَجِبْتُمْ أَنْ مَطَرَتِ السَّمَاءُ دَماً، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزىَ وَأَنْتُمْ لاَ تُنْصَرُونَ.."2.

1- حياة الإمام الحسين عليه السلام للقرشي, ج 2 ص 301.
2- لواعج الأشجان, ص 201.
 
255
 

213

المحاضرة الأولى

 وخلاصة ما أرادت إيصاله إليهم:
 
إيضاح الصورة للرأي العامّ وإثارتهم على الأمويّين، وإظهار المصيبة الكبرى التي داهمت العالم الإسلاميّ بقتل ريحانة رسول الله صلى الله عليه و آله وسلموتحميل الكوفيّين مسؤوليّة هذه الجريمة النكراء.
 
شجاعة عليّ وثبات الحسين في مواجهة ابن زياد: لمّا سأل ابن مرجانة عنها، فقال: مَن هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟ أعرضت عنه احتقاراً واستهانة به، وكرّر السؤال فلم تجبه، فأجابته إحدى السيّدات: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم. فقال لها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأبطل أحدوثتكم.
 
فأجابته عليها السلام بشجاعة أبيها محتقرة له قائلة: "الحمْدُ للهِ الَّذي أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ، وَطَهَّرَنَا مِنَ الرِّجْسِ تَطْهِيراً، إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا يَا بْنَ مَرْجَانَة"1.
 
ما رأيت إلّا جميلاً: وكذلك عندما خاطبها مستهزئاً: كيف رأيت صنع الله بأخيك؟ فأجابته حفيدة الرسول بكلمات الظفر والنصر لها ولأخيها قائلة: "ما رَأَيْتُ إِلّا جَمِيلاً، هؤُلاَءَ قَوْم كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْقَتَلَ، فَبَرَزُوا إِلى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمعُ اللهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلَجُ يَومَئِذٍ، ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ يا بْنَ مَرْجَانَةَ.."2.

1- بحار الأنوار, ج 45 ص 116.
2- المصدر السابق.
 
256
 

214

المحاضرة الأولى

 الدفاع عن الإمام والإمامة: وأدار ابن مرجانة بصره في بقيّة الأسرى من أهل البيت فوقع بصره على الإمام زين العابدين، وقد أنهكته العلّة فسأله: مَن أنت؟ فقال عليه السلام: عليّ بن الحسين.. - بعد حوار مع الإمام - فالتفت إلى بعض جلّاديه فقال له: خذ هذا الغلام واضرب عنقه, فانبرت العقيلة بشجاعة لا يرهبها سلطان، فاحتضنت ابن أخيها، وقالت لابن مرجانة: " يَا بْنَ زِيَادٍ, إِنَّكَ لَمْ تُبْقِ مِنّا أَحَداً، فَإنْ كنت عَزَمْتَ عَلى قَتْلِهِ فَاقْتُلْني مَعَهُ.."1. وبهر الطاغية وانخذل، وقال متعجّباً: دعوه لها، عجباً للرحم ودَّت أن تقتل معه.
 
أَمِنَ العدل يا ابن الطلقاء: (المواجهة مع رأس الظلم): لمّا وصلت قافلة السبايا إلى مجلس الطاغية يزيد بن معاوية في الشام...، أظهر الطاغية فرحته الكبرى بإبادته لعترة رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وأخذ يهزّ أعطافه جذلان وراح يترنّم بالأبيات التي مطلعها:
 
لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدرٍ شهدوا                     جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِـنْ وَقْعِ الأَسَلْ
 
ولمّا سمعت العقيلة هذه الأبيات ألقت خطبتها الشهيرة بفصاحة وشجاعة أبيها عليّ عليه السلام وقد ضمّنتها أعنّف المواقف لفرعون عصره يزيد وممّا قالته عليها السلام: "الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،

1- كتاب الفتوح, ج 5 ص 123.
 
257
 

215

المحاضرة الأولى

 وَصَلَّى اللهُ عَلىَ مُحَمّدَ وآلِهِ أَجْمَعِيَن، صَدَقَ اللهُ كَذَلكَ يَقُولُ: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون ﴾1..
 
وَلَئِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ، إِنِّي لأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وَأَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ، وَأَسْتَكْثِرُ تَوْبِيخَكَ، لَكِنِ الْعُيُونُ عَبْرىَ، وَالصُّدَورُ حَرّىَ.أَلاَ فَالعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِقَتْلِ حِزْبِ اللهِ النُّجبَاءِ بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ الطُّلَقَاء.
 
أَمِنَ الْعَدْلِ يَا بْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإمَاءَكَ وَسوقَكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ سَبَايَا؟! قدْ هَتَكْتَ سُتورَهُنَّ، وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ، تَحْدُو بِهِنَّ الأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدِ إلى بلدٍ،.. وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالبَعِيدُ..
 
أَللهُمَّ خُذْ بِحَقِّنَا، وَانتَقِمْ مِمَّنْ ظَلَمَنَا، وَاحْلُلْ غَضَبَكَ بِمَنْ سَفَكَ دِمَاءَنَا وَقَتَلَ حُمَاتَنَا. فَوَاللهِ مَا فَرَيْتَ إِلاَّ جِلْدَكَ، وَلا حَزَزْتَ إِلاَّ لَحْمَكَ، وَلَتَرِدَنَّ عَلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه و آله وسلم بِمَا تَحَمَّلْتَ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ ذُرّيَّتِهِ، وَانْتَهكْتَ مِنْ حُرْمَتِهِ فِي عِتْرَتِهِ وَلُحْمَتِهِ..2.

1- سورة الروم: آية 10.
2- بحار الأنوار, ج 45 ص 134.
 
258
 

216

المحاضرة الثانية

 الصدق فعل المتقين
 
الهدف: إظهار مكانة الصدق من الشخصيّة الإيمانيّة، وكونه تجسيداً لحقيقة انطباق الاعتقاد.
 
تصدير الموضوع
 
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "الإيمان أنْ تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك"1.

1- نهج البلاغة، ص766، ح452.
 
259
 

217

المحاضرة الثانية

 المقدّمة:
 
من الخصال التي فُطر الإنسان عليها وعلى حبّها، ومن الشمائل التي تزيّن صاحبها وتعبّر عن علوّ همّته وسموّ مروءته، الصدق فهي معشوقة القلوب وممدوحة العقول، لأنّها تعبّر عن صفاء السريرة، ونقاوة الباطن؛ وهي زينة اللسان، لأنّها مرآة الفؤاد، وقد قال العلّامة المجلسيّ رحمه الله: "الصدق هو القول المطابق للواقع، ويطلق أيضاً على مطابقة العمل للقول والاعتقاد، وعلى فعل الجوارح والقلب، المطابقين للقوانين الشرعيّة والموازين العقليّة. ومنه الصّدّيق، وهو مَنْ حصل له ملكة الصدق في جميع الأمور، ولا يصدر منه خلاف المطلوب عقلاً ونقلاً، كما صرّح به المحقّق الطوسيّ في أوصاف الأشراف"1.
 
محاور الموضوع
 
الصدق دعامة الإيمان:
 
وهو أحد دعائم الإيمان السبع، التي تتكوّن منها شخصيّة المؤمن، والتي بها تتجسّد حقيقة الإيمان.
 
فعن أبي عبد الله عليه السلام: "إنّ الله عزَّ وجلَّ وضع الإيمان على سبعة أسهم: على البرّ، والصدق، واليقين، والرضا، والوفاء، 

1- مرآة العقول، ج7، ص272، باب درجات الإيمان، ج1.
 
260
 

218

المحاضرة الثانية

 والعلم والحلم. ثمّ قسّم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الأسهم، فهو كامل"1.
 
وهو علامة الإيمان:
 
ففي الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام: "لا تغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربّما لهج بالصلاة والصوم حتّى لو تركه استوحش, ولكن، اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة"2.
 
الصدق قربٌ من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم:
 
ومعنى ذلك الحظوة عنده صلى الله عليه و آله وسلم والمكانة والاهتمام، فقد كان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم يسمّى قبل أن يبعثه الله تعالى بالصادق الأمين, وبمقدار استحواذ الصدق على شخصيّة المؤمن، بمقدار ما يكون قرباً من صفات رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وهذا ما يقرّبه منه صلى الله عليه و آله وسلم:
 
عن زيد بن عليّ بن الحسين عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "إنّ أقربكم منّي غداً وأوجبكم عليّ شفاعة، أصدقكم للحديث، وأدّاكم للأمانة، وأحسنكم خُلقاً، وأقربكم من الناس"3.
 
وعن أبي كَهْمَس قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: عبد الله بن أبي يعفور (أحد أصحابه) يُقرئك السلام.

1- مرآة العقول، ج7، ص272.
2- الكافي, ج2، ص85، ح2.
3- وسائل الشيعة، ج12، ص163، باب 108، من العشرة، ح8.
 
261
 

219

المحاضرة الثانية

 يهدي النّار, وما زال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتّى يُكتب عند الله كذّاباً"1.
 
الصدق وصيّة العقل:
 
إنّ العقول السويّة تدعو إلى الصدق، وإلى الأخذ بأمر الله تعالى ووصيّته. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾2.
 
وقال تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾3.

1- جامع الأصول، ج7، ص291.
2- سورة التوبة، الآية: 119.
3- سورة الأحزاب، الآية: 23.
 
264
 

220

المحاضرة الثانية

 قال: عليك وعليه السلام, إذا أتيت عبد الله، فاقرأه السلام، وقل له: إنّ جعفر بن محمّد يقول لك: "انظر ما بلغ به عليّ عليه السلام عند رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، فالزمه, فإنّ عليّاً عليه السلام إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم بصدق الحديث وأداء الأمانة"1.
 
الصدق مروءة:
 
إنّ الصدق والتزامه والثبات عليه وتحمّل كلفته يشكّل امتحاناً لإيمان الإنسان، فإنّ الصدّق تعبير عن استقامة صاحبه، وعن إيثاره للفضيلة، لا سيّما إذا كان في الصدق مجانبة للمصلحة, فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "قدر الرجل على قدر همّته، وصدقه على قدر مروءته، وشجاعته على قدر أنفته، وعفّته على قدر غيرته"2.
 
وقال عليه السلام: "الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك، وأنْ لا يكون في حديثك فضلٌ عن عملك، وأنْ تتقي الله في حديث غيرك"3.
 
وهذا- إضافة إلى تعبيره عن المروءة-، إنّما يعبّر انطباق الأقوال على الأفعال، والدقّة في تناول ونقل أحاديث الآخرين. وهذا من أوثق مصاديق ونماذج الصدق، التي تجعل صاحبها من أهل 

1- الكافي، ج2، ص85، ح5.
2- نهج البلاغة، ص673، ح47.
3- نهج البلاغة، ص766، ح452.
 
262
 

221

المحاضرة الثانية

 القرب والوثاقة.
 
الصدق منجاة لصاحبه:
 
فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "جانبوا الكذب، فإنّه مجانب للإيمان، الصادق على شفا منجاة وكرامة، والكاذب على شفا مهواة ومهانة"1.
 
وقال أبو الحوراء السعديّ ربيعة بن شيبان: قلت للحسن بن عليّ عليهما السلام: ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم؟ قال: حفظت منه: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنّ الصدق طمأنينة، والكذب ريبة"2.
 
وكفانا اعتباراً من عاقبة الصدق، وأنّها خلاصة الخير والمنفعة عند الله، وإنْ كان فيه أحياناً ضرر بحسب الظاهر، قوله تعالى: ﴿ يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾3.
 
وفي رواية عن رسول اللهصلى الله عليه و آله وسلم أنّه قال: "عليكم بالصدق، فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة, وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتّى يُكتب عند الله صدّيقاً. وإيّاكم والكذب، فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور

1- تصنيف نهج البلاغة للدكتور لبيب بيضون، ص956.
2- جامع الأصول لابن الأثير الشافعيّ، ج7، ص292.
3- سورة المائدة، الآية: 119.
 
263
 

222

المحاضرة الثالثة

 انتظار الفرج مفهومه وحقيقته‏
 
الهدف: التعريف بواجبات المؤمن تجاه الإمام المهديّعجل الله فرجه الشريف في زمن الغيبة وكيفيّة الإنتظار.
 
تصدير الموضوع
 
عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنّه سأل النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم هل ينتفع الشيعة بالقائم عليه السلام في غيبته؟
 
فقال صلى الله عليه و آله وسلم: "إي والذي بعثني بالنبوّة إنّهم لينتفعون به، ويستضيئون بنور ولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس، وإن جلّلها السحاب"1.

1- بحار الأنوار, ج 52, ص93.
 
265
 

223

المحاضرة الثالثة

 المقدّمة:
 
الانتظار الذي اعتبرته الروايات من أفضل العبادات, هو الانتظار الذي يدفع صاحبه للعمل والتمهيد والشوق لتعجيل الفرج بكلّ ما يقدر عليه ويعدّ العدّة بقدر المستطاع, والثبات على إمامته والمضيّ في مشروعه من أوجب الواجبات التي ينبغي الالتزام بها مهما علت التضحيات.
 
محاور الموضوع
 
1- وجود الإمام أمان لأهل الأرض:
 
الإمام المهديّ عجل الله فرجه الشريف الذي شبّهه رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: بالشمس من وراء السحاب، هو الذي بوجوده يتنّعم البشر، وتنتظم حياتهم، وتتفجّر منه الخيرات والبركات والألطاف الخفيّة والفيوضات المعنويّة إلى الناس، وكلّ ذلك من فضل الله تعالى على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، ولهذا تطابق أفعاله الحكمة والمصلحة، وقد أكَّدت الروايات على أنّه: "لو خَلَت الأرض طرفة عين من حجّة لساخت بأهلها"1.
 
وورد عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أنّه قال: " النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت أتاهم ما يوعدون،... وأهل بيتي أمان لأمّتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون"2.

1- بحار الأنوار, ج23 ص 39.
2- خلاصة عبقات الأنوار, ج 4 ص 317.
 
266
 

224

المحاضرة الثالثة

وفي عدّة روايات عنه صلى الله عليه و آله وسلم: "أهل بيتي أمان لأهل الأرض..."1.
 
وقد ورد في رسالة الإمام المهديّعجل الله فرجه الشريف إلى إسحاق بن يعقوب: "... وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء..."2.
 
يمّثل الاعتقاد بالإمام المهديّ عجل الله فرجه الشريف عنوان الأمل في حياة المسلمين، والمستضعفين، لارتباط قضيّة المهدويّة بمستقبل الحياة الإنسانيّة، من خلال إقامة دولة الحقّ على امتداد العالم، حيث يسود العدل، ويأخذ كلّ ذي حقّ حقّه.
 
معنى الانتظار:
 
الانتظار يعني الاستعداد التامّ والشامل للأفراد والمجتمع وكلّ الأمّة، ومن مختلف الجوانب العقائديّة والروحيّة، والعلميّة، والعسكريّة والسياسيّة وغيرها ممّا تحتاجه الدولة والأمّة.
 
ولهذا نجد بأنّ الروايات قد وصفت الانتظار بالعبادة، والمنتظرين بالمجاهدين والشهداء بين يدي رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم.
 
عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج من الله عزَّ وجلّ‏"3.

1- بحار الأنوار, ج 23 ص 19.
2- كمال الدّين وتمام النعمة, ص 485.
3- كمال الدّين وتمام النعمة, ص 645.
 
267
 

225

المحاضرة الثالثة

 وفي رواية: "أفضل العبادة انتظار الفرج"1.
 
2 - منزلة المنتظرين:
 
سأل رجل الإمام الصادق عليه السلام: ما تقول فيمن مات على هذا الأمر منتظراً له؟
 
قال عليه السلام: "هو بمنزلة من كان مع القائم في فسطاطه" ثمّ سكت هنيئة ثمّ قال: "هو كمن كان مع رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم"2.
 
وفي روايات أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه: "بمنزلة الضارب بسيفه في سبيل الله"3.
 
أو "كمن قارع مع رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم".
 
أو "بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم".
 
أو "بمنزلة من استشهد مع رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم"4.
 
3 - كيف نربّي أنفسنا على الانتظار؟
 
إنّ المنزلة الرفيعة والخاصّة للمنتظرين في الأخبار والروايات ترتبط بالوظيفة الملقاة على عاتقهم والتكاليف الواجبة عليهم تجاه الرسالة والمجتمع والأمّة؛ لناحية التمهيد، وحفظ الدّين، والدفاع عن الأعراض والأموال والكرامات والأوطان. وهي 

1- بحار الأنوار, ج 52 ص 125.
2- بحار النوار, ج 52 ص 135.
3- الكافي, ج 8 ص 146.
4- تفسير الأمثل, ج 6 ص 22.
 
268
 

226

المحاضرة الثالثة

 أ - الصبر والتضحية عند البلاء:
 
"الصبر من الإيمان، بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان"1و"لا إيمان لمن لا صبر له"2, كما ورد في الأخبار والروايات العديدة، التي اعتبرت الصبر ركناً ركيناً من الإيمان، وذلك لصلته الوثيقة بالعقيدة والدّين، وفق مقتضيات الشريعة في مختلف الظروف، ولهذا كان الصبر على النوازل والمكاره وشظف العيش، وفقدان الأعزّة، والأحبّة، والبيوت والأملاك... وغيرها ممّا يصيب الناس ويتعرّض له المؤمنون, يرتبط بالإيمان، ومستوى تحمّل الناس للآلام والبلاءات التي تقع عليهم، فلا تزلزل ولا ارتداد، ولا قنوط بل مزيداً من الشعور بالحاجة إلى الله، وعناداً في الحقّ، دفاعاً عن عقيدتهم وكرامتهم مهما غلت التضحيات.
 
قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴾3.
 
فالمؤمن عند المصيبة والبلاء، لا يحزن ولا يهن، ولا يضعف، بل على العكس يصبر، وينتصر، ويرضى بقضاء الله وقدره، 

1- الكافي, ج 2 ص 88.
2- الخصال, ص 315.
3- سورة البقرة: آية 156.
 
 
269
 

227

المحاضرة الثالثة

 ويزداد ثباتاً وإيماناً، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾1.
 
وورد في الرواية عن الإمام الصادق أنّه قال: "لو يعلم المؤمن ما له من الأجر على المصائب لتمنّى أنّه قرّض بالمقاريض"2
 
"المؤمن أصلب من الجبل، الجبل يستقلّ منه والمؤمن لا يستقلّ من دينه شي‏ء"3
 
ب - الاستعداد الشامل:
 
إنّ انتظار مصلح عالميّ كالإمام المهديّ يتطلّب تربية تنسجم في مبادئها ومعاييرها مع هذه العالميّة والشموليّة، لأنّ أكثر ما يحتاجه هذا التحوّل إلى بناء العناصر الإنسانيّة التي يجب أن تتصف بأمور:
 
• قوّة الإيمان والعقيدة. 
 
• المستوى الفكريّ والعلميّ الكبيرين. 
 
• الاستعداد النفسيّ والروحيّ للتضحية. 
 
• الاستعداد الجهاديّ والعسكريّ والسياسيّ. 

1- سورة آل عمران: آية 173.
2- الكافي, ج 2 ص 255.
3- الكافي, ج 2 ص 241.
 
270
 

228

المحاضرة الثالثة

 • إصلاح وبناء المجتمع، وتماسكه وتآلفه وإحياء روح الجماعة في مختلف المجالات. 
 
الطاعة والتسليم: 
 
عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: "إنّ للقائم منّا غيبتين، إحداهما أطول من الأخرى،... فلا يثبت عليه إلّا من قوي يقينه، وصحّت معرفته, ولم يجد في نفسه حرجاً ممّا قضيناه, وسلّم لنا أهل البيت"1. ويلازم الثبات على الإمامة الطاعة للإمام عليه السلام ولنائبه في عصر الغيبة الوليّ الفقيه الذي يتمتّع بصلاحيّة إدارة شؤون البلاد والعباد، وحفظ ورعاية المصالح العليا للإسلام والمسلمين تمهيداً لقدومه الشريف، ولا بدّ لهذه الولاية والطاعة من الارتباط الفكريّ لناحية الاعتقاد والعمليّ لناحية الممارسة الوثيق بالوليّ.

1- مكيال المكارم, ج 1 ص 114.
 
271
 

229
زاد عاشوراء للمحاضر الحسيني 1434 هـ