رصاصات عاشقة


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-11

النسخة: 2015


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 الفهرس

7

المقدمة

9

الرّصاصة الأولى: أطيعوا اللّه

14

الرصاصة الثانية: علي عليه السلام أبو المجاهدين

20

الرصاصة الثالثة: حسينيّون حتى الشهادة

26

الرصاصة الرابعة: نحن أتباع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

31

الرّصاصة الخامسة: الجهاد بوّابة اللقيا

37

الرصاصة السادسة: فضل المجاهد

41

الرّصاصة السابعة: صفات المجاهد

45

الرصاصة الثامنة: الدعاء سلاح المجاهد

49

الرصاصة التاسعة: العزّة في شخصيّة المجاهد

55

الرّصاصة العاشرة: سيماء المخلصين

60

الرّصاصة الحادية عشر: نسيم الإخلاص

65

الرّصاصة الثانية عشرة: كن مع الصابرين

70

الرّصاصة الثالثة عشرة: مع إخوة الجهاد

76

الرصاصة الرابعة عشرة: قووا أنفسكم وأهليكم


 

 

 

 

 

 

5


1

الفهرس

  

81

الرصاصة الخامسة عشرة: التَّضحية والفداء في عالم الجهاد

88

الرصاصة السادسة عشرة: كن ثابتاً في الميدان!

94

الرصاصة السابعة عشرة: التحذير من الفرار

98

الرصاصة الثامنة عشرة: كيف تُحقِّق النَّصر؟

103

الرّصاصة التاسعة عشرة: الشهادة أمنية العاشقين

108

الرصاصة العشرون: التوفيق للشهادة

114

الرصاصة الواحدة والعشرون: الموت بوابة اللقاء

119

الرصاصة الثانية والعشرون: بدرُ النَّصر

125

الرصاصة الثالثة والعشرون: معركة أُحد والدرس المرير

132

الرّصاصة الرابعة والعشرون: اليهود أعداء اللّه

 

 

 

 

 

 

6


2

المقدمة

 المقدمة

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله علي سيّدنا محمّد وآله الطاهرين وبعد.
 
إنّ الرؤية القرآنية للإنسان تتمحور حول كونه خليفة الله في الأرض، إذ خلقه الله تعالى لعمارتها، وأوكل إليه بناء المجتمع الصالح فيها بعد أن هيّأ له أسباب ذلك، قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾1. وهذا ما يجعل الإنسان مهيّئاً للوصول إلى مقام الخلافة الإلهية. وعندما نتأمّل في واقع الإنسان منذ نشأته على هذه الأرض نجد أنّ الصراع والنزاع والقتال والقتل لم يفارق الحياة الإنسانية، ما أدّى إلى انحرافات سلبية كبرى في المجتمع البشري، ومنع من عمارة الأرض وديمومة الحياة فيها.
 
مع أنّنا بالمقابل نجد أيضاً، أنّ بداية الحياة الإنسانية كانت ضمن دائرة الأمّة الواحدة، حيث كانت البشرية تعيش في ظلِّ فطرة التوحيد التي فطرها الله تعالى عليها، والذي كان حاكماً فيها هو مفهوم الحرية والمحبّة والأخوّة والسلام. وإلى هذا المفهوم يشير القرآن الكريم حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ﴾2. ونجد في آية أخرى أنّ الهدف من بعثة الأنبياء هو رفع الاختلاف المستجدّ في حياة الإنسان، حيث يقول جلّ ذكره: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ 



1 سورة الملك، الآية 15.
2 سورة يونس، الآية 18.



 
 
 
 
7

3

المقدمة

 وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾1.

 
كما ويستدلّ الإمام الخميني قدس سره على الغرضَ من الحرب في سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والاستفادة منها ومن دروسها العظيمة، فيشير إلى الهدف من الحرب والجهاد بقوله: "لم يكن غرض الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلمأن يزيل مشركي مكّة والجزيرة العربية من الوجود، لقد كان الغرض هو أن ينشر دين الإسلام، وأن تكون الحكومة حكومة القرآن والإسلام، ولأنّ أولئك كانوا حاجزاً أمام تحقّق هذه الحكومة الإسلامية، انجرّ الأمر إلى الحرب والمواجهة: أولئك كانوا يعارضون الحكومة الإسلامية والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يواجههم. إنّ الحروب الكثيرة التي خاضها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كلّها وقعت لأجل هذا الغرض، وهو إزالة الموانع من طريق المقصد الإلهي".
 
وبهذا تكون الحرب في ثقافتنا الإسلامية وسيلة وفرع. ولكي نحفظ مجاهدين من التأثّر من آثار الحروب وسلبياتها النفسية والاجتماعية، لا بد من الخطاب المباشر معهم، فكان هذا الكتاب "رصاصات عاشقة" الذي يحوي سلسلة من الدروس الوجدانية التي تخاطب عقل المجاهد وروحه وقلبه، وتهدف إلى صقل شخصيته الجهادية وفق أصول الإيمان والقيم، وتحصّنه من تلك التأثيرات السلبية النفسية التي تنشأ من القتال والحروب.
 
والحمد لله ربّ العالمين



1 سورة البقرة، الآية 213.
 
 
 
 
 
 
 
8

4

الرّصاصة الأولى: أطيعوا اللّه

 الرّصاصة الأولى: أطيعوا اللّه

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
في الحرب القائمة بينك وبين الشيطان الممتدّ منذ بدأ وعيك بالتفتُّح في هذه الدنيا وحتى مماتك في الختام، هناك هدف واحد يسعى إليه الشيطان، بيديه ورجليه، ومتى وصل إليه وحقّقه فيك، فإنّه سيعلن انتصاره عاجلاً أم آجلاً، لأنّه لن تقوم لك قيامة - لا سمح الله - بعد ذلك إلا بمعجزة وعون إلهيّين. يجهد الشيطان محاولاً أن يجعلك مطيعاً له، ويُبعدك عن طاعة المولى عزّ وجلّ، عن الإمام عليّ عليه السلام: "جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدوّ عدوّه، وغالبها مغالبة الضدّ ضدّه، فإنّ أقوى الناس من قوي على نفسه"1. وأمّا من يرفض إطاعة الشيطان ومغالبة الشهوة والهوى فإنّ المصير عند الباري عزّ وعلا جميل ومحبوب مرغوب: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾2. وعن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "جهاد الهوى ثمن الجنّة"3.
 
ولكن كيف؟ كيف نبتعد عن طاعة الشيطان؟ لا يكون إلا بطاعة الله عزّ وجلّ، وطاعة من يريد الله سبحانه وتعالى أن نُطيعه، الرسول والأئمّة وأولو



1 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص222.
2 سورة النازعات، الآيتان 40-41.
3 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص221.
 
 
 
 
 
 
 
 
9

5

الرّصاصة الأولى: أطيعوا اللّه

 الأمر من صالح المؤمنين الأتقياء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾1.

 
وأنت يا أخي العزيز، تستطيع أن تجعل كلّ أمرٍ تريد فعله أمراً في طاعة المولى أو في طاعة النفس والهوى وشتَّان ما بين الطاعتين.
 
فاسمع يا أخي العزيز نداءات المولى عزّ وجلّ لك بطاعته ومخالفة هواك، واعلم أنّه لو لم يكن الأمر بهذه الدرجة من الخطورة، لما توجّه إليك المولى بخطاب حبيب قريب مشفق، يُحذّرك من اتّباع الهوى والاستماع للشيطان وللنفس الأمّارة. فانتبه إلى هذا الحبيب المشفق، ولا تجعله يغضب عليك ويُخرجك من قربه ومن بساط جوده وعنايته، ويُلقيك في أهوال أودية الشرك ومهاوي الضّلالة. واسمعه إذ يقول لك: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾2.
 
وفكِّر معي أخي العزيز، في طاعة الله، من هو المستفيد من هذه الطاعة، أنت أم الله؟ بالتأكيد أنت. ومن الخاسر حال عدم الإطاعة، أنت أم الله؟ باليقين أنت! وماذا سيربح الله إن أنت أطعته فصلّيت وصمت مثلاً أو جاهدت أو غير ذلك، وماذا يخسر إن أنت لا سمح الله كذبت أو سرقت أو زنيت! لا شيء. ألا تذكر كلام مولى المتّقين والزاهدين الإمام علي عليه السلام حيث يقول في خطبة المتّقين: "خلق الخلق حين خلقهم غنيّاً عن طاعتهم، آمناً من معصيتهم، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه"3.




1 سورة النساء، الآية 59.
2 سورة النساء، الآية69.
3 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص160.
 
 
 
 
 
 
 
10

6

الرّصاصة الأولى: أطيعوا اللّه

 وإيّاك واتّباع الهوى فإنّه يُضلّ المؤمن ويسلك به سبيلاً أوّلها المعصية وآخرها الخسران. واعلم يا أخي، أنّ أقسى عقاب قد يُنزله المولى على العاصي المصرّ على المعصية هو منعه من الهداية وسلبه الإرادة على الخير والتوبة: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾1. فاحذر المعصية لله، وكن على يقين بأنّ مخالفتك لهواك وانتصارك عليه آية بارزة على أنّ الله معك ولم يتركك لأنّك لم تتغلّب عليه بقدرتك الخاصة أبداً، إلا بعونه تعالى وتوفيقه. وعن سليمان عليه السلام: "إنّ الغالب لهواه أشدّ من الذي يفتح المدينة وحده"2. وعن الرسول الأكرمصلى الله عليه وآله وسلم لمّا مرّ بقوم فيهم رجل يرفع حجراً يُقال له حجر الأشدّاء، وهم يعجبون منه: "أفلا أُخبركم بما هو أشدّ منه، رجل سبّه رجل فحلم عنه فغلب نفسه، وغلب شيطانه وشيطان صاحبه"3.

 
وإذا رأيت يا أخي العزيز أنّ المولى عزّ وجلّ قد مدّ لك في المال والعلم والقوّة والسطوة، وأنّ الناس يأخذونك في الحسبان، فموقعك الاجتماعي ممتاز والمادّي ممتاز، فاعلم أنّ مظاهر القوّة هذه والعزّة، إنّما هي وسيلة لا غاية. وسيلة تقدر أنت أن تستغلّها إمّا في الطاعة وإمّا في المعصية. فعن الإمام علي عليه السلام: "إذا قويت فاقو على طاعة الله سبحانه، إذا ضُعفت فاضعف عن معاصي الله"4.
 
وإذا سألتني من أطيع؟! قلت الله، ومن أمرنا الله أن نطيعَه. واسمع




1 سورة الجاثية، الآية 23.
2 ابن أبي حديد المعتزلي، شرح السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج20، ص233.
3 ورّام بن أبي فراس المالكي الأشتري، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر، ج2، ص329.
4 الحر العاملي، وسائل الشيعة (آل البيت)، ج18، ص239، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، الثانية، 1414، مهر - قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث بقم المشرفة.




 
 
 
 
11

7

الرّصاصة الأولى: أطيعوا اللّه

 نداءَ الطَّاعة الإلهيَّة المفروضة علينا حيث يقول الباري مخاطباً المؤمنين، الذين هم من يلبُّون النِّداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾1. ففي دار الدُّنيا، نحن لا نستطيع إلا أنْ نهتديَ بنورِ الله عزّ وجلّ المتمثِّل بالوجود المقدَّس للرَّسول الأعظمصلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته سفينة نجاة المؤمنين والطاهرين، فهم أولو الأمر حقّاً حقّاً، وهم أهل الخبرة الحقيقية بالمصالح والمفاسد وحقيقة الدنيا البالية والآخرة الدائمة. وأعلم الناس بطرق محاربة الهوى وإطاعة المولى.

 
ولو تمعّنت في الآية الكريمة لرأيت أنّ الطاعة شرط الإيمان بالله، فالله يمتحن إيمانك أيُّها المؤمن المجاهد بطاعته، وبطاعة أوليائه، فغير المطيع لهم خارج عن دائرة الإيمان بالله واليوم الآخر والعياذ بالله. ولا تظنّ أنّ الأولياء فقط هم أهل البيت عليهم السلام، بل هم كلّ إنسان نصّبه الإمام المعصوم في موقع المسؤولية الإلهية، في الاهتمام بشؤون المسلمين ورعايتهم وفرض الحكم الشرعي الإلهي، ودرء الأخطار والأعداء عنهم. ويتبدّى هذا الحكم بوضوح في حالتنا الإسلامية المميّزة التي يقودها الوليّ الفقيه المنصّب من قِبَل الإمام المعصوم المغيَّب عليه السلام، فطاعة هذا الوليّ من طاعة الإمام، وطاعة الإمام من طاعة النبيّ، وطاعة النبيّ من طاعة الله: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾2، ومن أطاع الله عزّ وجلّ يكون قد كسب الآخرة والأولى.
 
فهذا الإمام علي عليه السلام يصرخ في قومه وأصحابه أن يطيعوه: "إن أطعتموني فإنّي حاملكم إن شاء الله على سبيل الجنّة، وإن كان ذا مشقّة 





1 سورة النساء، الآية59.
2 سورة النساء، الآية 80.
 
 
 
 
 
 
 
 
12

8

الرّصاصة الأولى: أطيعوا اللّه

 شديدة ومذاقة مريرة"1.. والموعد هو الجنّة مع الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

 
واسمعه أيضاً يأمر الناس باتباع من يُنصّبه هو في محلّ القيادة، وهو يعلم أنّه أهل لذلك. فمن كتاب له إلى أهل مصر لمّا ولىّ عليهم الأشتر: "أمّا بعد، فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله، لا ينام أيّام الخوف، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ، فإنّه سيف من سيوف الله!"2.
 
أيُّها المجاهد الحبيب
وأنت في ساحة جهادك، لا تعتبر أنَّ الأمرَ الذي تُعانيه هو أمرٌ مبغوضٌ ومتعبٌ، بل افرح، واشرح بالطَّاعة صدرك، لأنَّ ساحة الجهاد من أجمل وأقدس الساحات التي يقدر فيها المرء أن يختبر نفسه وطاعته لمولاه، وعصيانه لهواه!
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 



1 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص47.
2 م.ن، ج3، ص63.
 
 
 
 
 
 
 
 
13

9

الرصاصة الثانية: علي عليه السلام أبو المجاهدين

 الرصاصة الثانية: علي عليه السلام أبو المجاهدين



أيُّها المجاهد الحبيب:
في الجبهة الدامية بين الحقّ والباطل، تحلو الشهادة، فهي أمنية العاشقين، وحينما تُذكرُ الشهادة، يخشع القلب أمام حضرة أمير المؤمنين عليه السلام، الذي يقول في دعائه: "وارزقني شرف القتل في سبيلك، أنصرك وأنصر رسولك، أشتري به الحياة الباقية بالحياةالدنيا، وأغنى بمرضاة من عندك. وإنّي إلى لقاء الله لمشتاق"!

فهذا دعاء مولاك أمير المؤمنين بالشهادة ولقاء الله، يتمنّى الموت في سبيل ذلك، ولا يوجد دليل على خلوص نيّته سلام الله عليه، خير من جهاده الطويل في كلِّ أيّام حياته، بجنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي حياته هو، مع الكافرين والمارقين والقاسطين والناكثين. كلّ ذلك في عين الله عزّ وجلّ، وهو الإمام العظيم الذي خصّه الله بالمنزلة الرفيعة، وهو صهر الرسول وابن عمه، وزوج فاطمة الزهراء قدّيسة العصور قاطبة، والحسن والحسين عليهما السلام.

فيا أخي العزيز، إذا كان مولاك يتمنّى الموت قتلاً في سبيل الله، فما بالك أنت، وانت في جبهة القتال مع أعداء الله، وأبواب الجهاد والقتال مفتوحة أمامك، فما عليك إلا أن تقاتل وتقاتل. حتى يمنّ الله عليك بالنصر أو الشهادة..!
 
 
 
 
 
 
 
 
14
 

10

الرصاصة الثانية: علي عليه السلام أبو المجاهدين

 علي عليه السلام فتى الإسلام

لا يستطيع أحد أن ينسى صرخة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق في العالم أجمع، إذ نادى بعد مقتل عمرو بن ود العامري "لضربة علي يوم الخندق توازي عمل الثقلين إلى يوم القيامة"، لأنّها كانت ضربة الإسلام كلّه إلى الشرك كلّه، ولولاها لكان مُحق الإسلام وهو الدين السماوي الأخير. فانتبه أيُّها المجاهد، إلى أنّ الموقف الذي تقفه أنت على خطّ النار أمام أعداء الإسلام هو ذاته الذي وقفه مولاك أمام الكفَّار في ذاك الزمن الغابر. فهل تتزحزح من موقفك، أو هل تهرب؟ أم تبقى ثابتاً وتُنزل على الكفّار واليهود ضربتك القاضية، فتُقاتل مرحب العصر، وتفتح امام المسلمين خيبر من جديد.

وكيف هو شوقك للشهادة؟ هل تخشى مفارقة الأحبّة والأهل والديار، أم أنّك تنظر إلى الأمام الأمام؟! إلى آخر آفاق الحبّ والعشق الإلهيّين. وكيف يكون ذلك منك، وأنت موال لعلي ومن شيعته الذين يُمهّدون لظهور حفيده، منقذ الأمّة من الغمّة، تتحمّل مسؤولية الإسلام العظيمة. والمؤمن الحقيقي هو من يأنس بطلب الشهادة لأنّه ليس وراء هذه الدنيا إلا آخرة فيها ربٌّ رحيم ودود بالمؤمنين، فمن أيّ شيء تخاف؟ أم لقاء المولى تخاف، أم من نار يصلاها الكافرون والعاصون. وأنت يا أخي، إن شاء الله تكون بعيداً عن الذنوب. فأخلص قلبك، وصفِّ نيّتك، وتفكّر جيّداً في حال من سبقك من أئمّتك المعصومين عليهم السلام وأنّهم قد لاقوا القتل والشهادة في سبيل الله، محتسبين صابرين مستبشرين. وهم لنا القدوة والمثل الأعلى، وشهادتهم وجهادهم قدوة لنا، فلنكن إن شاء الله على دربهم ماضين صابرين.

فانظر يا أخي مثلاً، إلى ذاك الحديث اللطيف الذي جرى بين الرسولصلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام، حيث يروي الإمام سلام الله عليه أنّه سأل الرسول "أوليس قد قلت لي يوم أُحد، حيث استشهد من استشهد من المسلمين،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

11

الرصاصة الثانية: علي عليه السلام أبو المجاهدين

 وحيزت عنّي الشهادة، فشقّ ذلك عليّ، فقلت لي: "أبشر فإنّ الشهادة من ورائك" فقلت لي: "إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذاً". فقلت: "يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من البشرى والشكر"1!! فعلي عليه السلام لا يعتبر أنّ طلب الشهادة والجهاد، وما يستلزم ذلك من متاعب ومن مصاعب ومشاق يتحمّلها الإنسان المجاهد في سبيل الله، شيئاً يستلزم الصبر، بل الشكر والحمد لله تعالى، الذي وفّقه للجهاد ويسّر له سبل الشهادة، وعلي عليه السلام يعرف حقّاً أهمّية الشهادة ومنزلة الشهيد عند الله سبحانه وتعالى، وما أعدّه له الله من نعم وعطايا، ولعلّ أعظم النعم على الشهيد هي حشره يوم القيامة في منزلة الأنبياء والمقرّبين في منزلة يحسده عليه جميع أهل المحشر.

 
وعلي عليه السلام، لم يترك موقفاً من مواقف الجهاد إلا وكان فيه إلى جانب الرسول الأعظم يجاهد في سبيل الله، ففي ليلة المبيت كان علي في فراش الرسول يفديه بدمه وروحه في أوّل مشهد لعملية استشهادية في تاريخ الإسلام، حتى أنّ الله سبحانه باهى بعلي ملائكته في السماءْ. وربما في ذهن كلّ المؤمنين تلك المشاهد البطولية لعليّ في معارك الإسلام الأولى، في بدر وأحد والأحزاب وخيبر وغيرها، فعليّ هو أبو المجاهدين بحقّ في تاريخ الإسلام العظيم.
 
علي عليه السلام شهيد الله
انظر أيها الأخ العزيز إلى مولاك أمير المؤمنين، كيف كان يسعى خلف الشهادة طوال عمره، يطلبها في دعائه وليله وصلاته، يفتّش عنها في ساحات الجهاد، يندفع في القتال ويقتل الكفار والأعداء، والأمنية الوحيدة والغالية، هي الشهادة، والعشق الوحيد هو الشهادة.. والشيء الآخر الذي





1 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ص220.
 
 
 
 
 
 
 
 
16

12

الرصاصة الثانية: علي عليه السلام أبو المجاهدين

 يُبغضه عليّ هو الموت على الفراش، فانظر إلى كلامه عن هذا الموضوع: "إنّ أكرم الموت القتل، والذي نفس ابن أبيّ طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش في غير طاعة الله"1.

 
أو عندما يقول "نسأل الله منازل الشهداء ومعايشة السعداء ومرافقة الأنبياء"2.
 
وغير ذلك كثير من الأحاديث وربما أجملها ذاك المذكور في خطبة الجهاد، حيث يُبيّن الإمام فضيلة الجهاد، ومكانة المجاهد، ومن ثم يتغلغل عميقاً في تفسير الظروف النفسية للإنسان الذي لم يُربِّ نفسه على الجهاد والتشوّق للقتل والشهادة، إذا يقول ابتداء: "فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة، فتحه الله لخاصّة أوليائه، وهو درع الله الحصينة وجُنّته الوثيقة، فمن تخلّى عنه ألبسه الله ثوب الذلّ وشمله البلاء وسيم الخسف ومنع النصف.."3
 
فالجهاد مع منزلته العظيمة بحيث إنّه يُعدّ باباً من الأبواب التي يسّرها الله لعباده بحيث إذا دخلوه دخلوا الجنّة مباشرة، ولربما كان هذا الباب لخاصّة أولياء الله، لأنّ الجهاد وتحمُّل ابتلاءاته المادّية والمعنوية، وتسلّط النفس الأمّارة بالسوء على الإنسان، بحيث يحاول الشيطان أن يُثبط الإنسان ابتداءً عن السير في الجهاد، وأن يحرف له الرؤية الصحيحة المفترض وجودها لدى الإنسان بحيث يستطيع عبرها أن يقوم بتحديد الحقّ والباطل ويُشخّص تكليفه الجهادي اتجاهها. وهذا البلاء، نرى الكثير من الناس يقعون فيه، كما حصل مع الخوارج الذين قاتلوا الإمام مع اعتقادهم في





1 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص2.
2 م.ن، ص65.
3 م.ن، ص69.
 
 
 
 
 
 
 
17

13

الرصاصة الثانية: علي عليه السلام أبو المجاهدين

 البداية أنّهم أهل الحقّ! وهذا ما حصل مع بعض المؤمنين الذين كانوا يصلّون ويصومون حينما وقفوا بوجه المقاومة في بداياتها وقاتلوها وقضى بعض من شهدائنا في تلك الفتنة!

 
إذاً كون الجهاد باب الخاصة، يحتمل كما رأينا وجود ابتلاءات كثيرة يجب على المجاهد الالتفات إليها وتجاوزها حتى يُتاح له الوقوف في المكان والزمان الصحيحين، "لا يستوي من أسلم قبل الفتح وقاتل". ولذلك، لا يكون المجاهد إلا مجاهداً في سبيل الحقّ، صديقاً له، والحق أنيس دربه.. فالمتخلّي عن الجهاد، متخلٍّ عن الحقّ، والمتخلّي عن الحقّ هو مع الباطل، حيث لا يوجد طرف ثالث غير الحقّ والباطل. والواضح أنّ من يقف مع الباطل، يُلبسه الله ثوب الذلّ ويصبّ عليه البلاء والعذاب الدنيوي والأخروي، ولم يلحقه في هذه الدنيا سوى الظلم ومُنع عنه العدل والإنصاف.
 
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، على المجاهد الذي يعرف الحقّ، ويقاتل في ساحات العدالة والحقّ، أن يكون ثابتاً شجاعاً، واثقاً من نصر الله له في ختام المعركة، لأنّ الله سبحانه هو المنتصر ولا يجوز في حقّه الهزيمة، والمعركة هي معركة إلهية والدليل على ذلك كلام الله حيث يقول: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ﴾1، فالله سبحانه تُرجع إليه الأمور في الحقيقة، وأنت حينما تقتل عدوّك فإنّ يدك الحاملة للسلاح هي مسدّدة من قِبَل الله والله هو الذي يستخدمها ويقتل بها أعداءه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾2.





1 سورة الأنفال، الآية17.
2 سورة الأنفال، الآية17.
 
 
 
 
 
 
 
 
18

14

الرصاصة الثانية: علي عليه السلام أبو المجاهدين

 فانظر إلى كلام الأمير عليّ عليه السلام لابنه محمّد ابن الحنفيّة لمّا أعطاه الراية يوم الجمل: "تزول الجبال ولا تزُل، عَضّ على ناجذك. أعِر الله جُمجمتَك. تِدْ فى الأرض قدمَك. ارمِ ببصرك أقصى القومِ، وغُضّ بصرَك، واعلم أنّ النصر من عند الله سبحانه"1.

 
وعنه عليه السلام ممّا كان يقوله لأصحابه عند الحرب: "لا تَشتدّنّ عليكم فَرّةٌ بعدَها كَرّة، ولا جَولة بعدَها حَملة، وأعطوا السيوفَ حقوقَها. ووطِّئوا للجُنوب مصارعَها، واذمُرُوا أنفسكم على الطعن الدَّعسي والضرب الطِّلَحفي. وأميتوا الأصواتَ, فإنّه أطردُ للفشل"2.
 
وللأمير غير ذلك الكثير من الأقوال في الحرب والجهاد نكتفي منها بما ذكرناه، عسى أن تتمّ به الفائدة.
 

أيّها المجاهد الحبيب
هذا هو أمير المؤمنين الذي يذوب في حبّه المؤمنون. مجاهد هو من الطراز الرفيع، وهو قدوة المجاهدين. ومنذ أن كان فتى إلى وقت الشهادة المباركة، مجاهد وقائد الثوار والمجاهدين. ألا تسمع نداءه الأخير في كل حين، والدم النازف يُغطّي وجهه ولحيته المباركة، والناس حوله تبكي، والملائكة في العلا تنوحُ: "فزتُ.. وربِّ الكعبة"3!
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 



1 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام،ص11.
2 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام،ص374.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج20، ص148.
 
 
 
 
 
 
 
 
19

15

الرصاصة الثالثة: حسينيّون حتى الشهادة

 الرصاصة الثالثة: حسينيّون حتى الشهادة


أيُّها المجاهد الحبيب:
إنّ ليلة العاشر من محرّم، هي ليلة العاشقين لله تعالى، ولم يمرّ يوم على الكون أعظم من تلك الليلة في دنيا المجاهدين، لأنّ العشق هناك كان طعمه مختلفاً، والأنس بالله تعالى في حضرة الإمام المعصوم وسيد الشهداء هو أنسٌ أسرَ قلوب المجاهدين مدى الدهر.

لهف نفسي، أيّ شيء حصل في تلك الليلة فجعل من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام نادرة العصور، ورأى فيهم أوفى الأصحاب؟

وضوح الرؤية والبصيرة النافذة
لقد كان أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته أصحاب وعي عالٍ بالأهداف الشريفة التي قامت من أجلها ثورة الإمام الحسين عليه السلام، والتي تتمحور حول عدّة أمور:
الإصلاح في أمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذه الأمّة التي أنقذها النب يصلى الله عليه وآله وسلم من براثن الجاهلية وظلمتها إلى نور الإسلام وعظمته.

الأمر بالمعروف حيث بات المعروف في زمن حكم معاوية وابنه منكراً، فالناس تكاد تنسى رسم الصلاة وروحيّتها، وسائر أركان الدِّين وفروعه مهملة، بل إنّ من يأمر هؤلاء الظلمة بالمعروف فإنّه سيكون مهدّداً بالقتل.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

16

الرصاصة الثالثة: حسينيّون حتى الشهادة

 النهي عن المنكر وهو من مظاهر عزّة الإسلام وسؤدده، إذ يأبى المجتمع الإسلامي أن تسوده مظاهر الفساد بكافّة أنواعه وأشكاله، لأنّ سيادة المنكر يقابله اختفاء جملة من الأمور الأساسية التي تقوم عليها روح الإسلام ومظاهره، فمظاهر الفسق والفجور والمجون، وترك الصلاة والصيام، والظلم النازل على رؤوس الفقراء والمستضعفين، هي أمور لا يمكن أن يسكت عنها شخص مثل الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه.

 
ولذلك نجد الإمام عليه السلام يُحدّد مشروع ثورته فيقول: "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"1.
 
هذه المنطلقات العليا لثورة الإمام عليه السلام كانت واضحة لدى أصحابه وأهل بيته الأوفياء، وكانوا يسيرون معه في تلك الصحراء القاتلة، وهم يعلمون أنّ نهاية هذه المسيرة هي القتل في سبيل الله تعالى. كانوا يسيرون إلى القتل! إلى قومٍ طبع الله على قلوبهم فهم لا يعقلون، قوم هم: "عبيد الدنيا والدِّين لعق على ألستنهم يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون"2، ولذلك سفكوا دماء الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه من دون أن يرفَّ لهم جفن.
 
أوّل نموذج ولائي
ينقل المؤرّخون أنّ أوّل من أظهر الولاء الحقيقي للإمام الحسين عليه السلام هم العبّاس عليه السلام وإخوته، إذ جاء شمر ووقف على أصحاب الحسين عليه السلام فقال أين بنو أختنا يعني العباس وجعفر وعبد الله وعثمان أبناء علي عليه السلام، فقال الحسين عليه السلام: أجيبوه وإن كان فاسقاً فإنّه بعض أخوالكم، فقالوا له:





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج44، ص329.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج44، ص195.
 
 
 
 
 
 
 
21

17

الرصاصة الثالثة: حسينيّون حتى الشهادة

 ما تريد، فقال لهم: أنتم يا بني أختي آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين عليه السلام والزموا طاعة يزيد فقالوا: "لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟"1.

 
ليلة الوصال
أمّا عن حال تلك الليلة التي ستكون صبيحتها صبيحة الجهاد والقتال حتى النفس الأخير، فقد كانت ليلة من ليالي آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم!
 
ينقل الرواة أنّ العباس عليه السلام جاء إلى الإمام الحسين عليه السلام فقال له: "يا أخي أتاك القوم، فنهض، ثم قال: يا عباس اركب أنت حتى تلقاهم وتقول لهم: ما بالكم وما بدا لكم وتسألهم عمّا جاء بهم، فأتاهم في نحو عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر، فسألهم، فقالوا: قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم، قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم، فوقفوا، ورجع العباس إليه بالخبر ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفّونهم عن قتال الحسين عليه السلام، فلمّا أخبره العباس بقولهم، قال له: ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشية لعلّنا نُصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أنّي كنت أُحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار، وأراد الحسين عليه السلام أيضاً أن يوصي أهله فسألهم العباس ذلك، فتوقّف ابن سعد، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: سبحان الله والله لو أنّهم من الترك أو الديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم فكيف وهم آل محمّد وقال له قيس بن الاشعث بن قيس: أجبهم لعمري ليصبحنك بالقتال فأجابوهم إلى ذلك"!2





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج44، ص391.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج44، ص392.
 
 
 
 
 
 
 
 
22

18

الرصاصة الثالثة: حسينيّون حتى الشهادة

 إنّها آخر ليلة في الدنيا! وكانت أمنية الحسين عليه السلام أن يقضي هذه الليلة قائماً قاعداً تالياً داعياً مستغفراً منيباً، غير آبه بالموت، بل منتظراً له ومتشوّقاً إليه لأنّ فيه لقاء الله تعالى.

 
الاختبار!
لا يوجد اختبار أعظم من لحظة يكون فيها المرء مخيّراً بين الأمن والسلامة وبين الذبح على يدي الجلّاد! ولقد فعل الإمام الحسين عليه السلام ذلك إذ خيّر جميع من كان معه من أصحابه بين الرحيل عنه وتركه والفوز بالسلامة والنجاة من الذبح! بل لقد طلب منهم الإمام عليه السلام أن يرحلوا وهم في حلٍّ من كل التزام اتجاهه.
 
من يستطيع أن ينجو من هكذا اختبار؟ نعم، فقط من باع نفسه واشترى بها رضا الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يقف كالجبل ولا يتزحزح تاركاً مولاه في ميدان المعركة.
 
ينقل الرواة أنّ الحسين عليه السلام جمع أصحابه عند المساء ؟ وقال لهم: "اللهم إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة فاجعلنا لك من الشاكرين" أمّا بعد "فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإنّي لأظنّ يوماً لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم منّي ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وليأخذ كلّ واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرّقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم فإنّهم لا يريدون غيري"1.





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج44، ص393.
 
 
 
 
 
 
 
 
23

19

الرصاصة الثالثة: حسينيّون حتى الشهادة

 المواقف البطولية

أيُّها المجاهد الحبيب، تخيّل نفسك في ذلك الموقف المهيب، في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ الإسلام، ماذا سيكون ردّك؟

هل سيكون موقفك هو الهروب لا سمح الله؟

أم ستكون مثل أنصاره وأصحابه. فقد انتفض حينها أخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر وقالوا له: "ولم نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا الله ذلك أبداً".

ثم نظر الإمام عليه السلام إلى بني عقيل فقال: "حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم، قالوا: سبحان الله، فما يقول الناس لنا، وماذا نقول إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرب معهم بسيف ولا ندري ما صنعوا، لا والله ما نفعل، ولكنّا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى تَرِد موردك فقبّح الله العيش بعدك".

وقام إليه مسلم بن عوسجة الاسدي فقال: "أنحن نُخلّي عنك وقد أحاط بك هذا العدو، وبما نعتذر إلى الله في أداء حقّك، والله لا يراني الله أبداً وأنا افعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأُضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولم أفارقك أو أموت معك".

وكذلك قام سعيد بن عبد الله الحنفي فقال: "لا والله يا ابن رسول الله لا نُخلّيك أبداً حتى يعلم الله أنَّا قد حفظنا فيك وصية رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم والله لو علمت أنّي أُقتل فيك ثم أحيا ثم أُحرق حيّاً ثم أذرى يفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حمامي
 
 
 
 
 
 
 
 
24

20

الرصاصة الثالثة: حسينيّون حتى الشهادة

 دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً".

 
وقام من بعده البطل المقدام زهير بن القين وقال: "والله يا ابن رسول الله لوددت أنِّي قُتلت ثم نُشرت ألف مرّة وأنّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من إخوانك وولدك وأهل بيتك"1.
 
ختام
أخي أيُّها المجاهد الحبيب، تعال معي إلى سحر تلك الليلة العظيمة، إذ خفق الحسين عليه السلام برأسه خفقة ثم استيقظ فقال: "رأيت كأنّ كلاباً قد شهدت لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدّها عليّ وأظنّ أنَّ الذي يتولّى قتلي رجلٌ أبرص. ثم إنّي رأيت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول يا بني أنت شهيد آل محمد. وقد استبشر بك أهل السموات وأهل الصفيح الأعلى، فليكن إفطارك عندي الليلة عجّل ولا تتأخّر فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء. وهذا ما رأيت وقد أزف الأمر واقترب الرّحيل من هذه الدّنيا، لا شكّ في ذلك"2.
 
وكان الصباح هو صباح الشهادة، بعد ليلة قضاها سيّدنا الحسين عليه السلام وأصحابه في الصلاة والدعاء وقراءة القرآن.





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج44، ص391.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج45، ص3.
 
 
 
 
 
 
 
 
25

21

الرصاصة الرابعة: نحن أتباع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

 الرصاصة الرابعة: نحن أتباع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف


 
أيُّها المجاهد الحبيب:
بين أن يموت الإنسان على دين الإسلام، وأن يموت على دين الجاهلية، خطوة واحدة، اسمها: التعرُّف على إمام الزمان، إمام كلّ زمان، فقد ورد في الحديث الشريف: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية".

ولا توجد ميتة أصعب من هذه الميتة!
فهل سألنا أنفسنا، نحن الممهِّدون لظهور صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، والمشتاقون لرؤية محيّاه المبارك، هل نحن نعشقه وندّعي أنّنا أنصاره، هل نعرفه؟ هل نعرف إمام زماننا وحجّة الله علينا؟

هل أنّنا حقّاً نعيش حقيقة وجوده المبارك، ونشعر بفضله وبركات فيوضات الله (عزّ وجلّ) علينا من خلاله، ورحمة الله لنا بوجوده الشريف. أم أنّنا لا نكاد نذكر اسمه إلا في منتصف شعبان، وعند تعداد أسماء الأئمّة المعصومين عليهم السلام.

لقد جاء في أعمال ليلة النصف من شعبان، أنّه يُستحبُّ في هذه 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

22

الرصاصة الرابعة: نحن أتباع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

 الليلة قراءة هذا الدعاء: "اللهم بحقِّ ليلتنا هذه ومولودها، وحجّتك وموعودها، التي قرنت إلى فضلها فضلك فتمّت كلمتك صدقاً وعدلاً، لا مبدّل لكلماتك، ولا معقّب لآيتك، نورك المتألّق، وضياؤك المشرق، والعَلَمُ النّور في طخياء الديجور، الغائب المستور، جلّ مولده، وكرم محتده، والملائكة شهده، والله ناصره ومؤيّده إذا آن ميعاده، والملائكة أمداده، سيف الله الذي لا ينبو، ونوره الذي لا يخبو، وذو الحلم الذي لا يصبو"1.

 
أما نقرأ كثيراً في دعاء الندبة: "بنفسي أنت من عقيد عزٍّ لا يُسامى"، إنّه بلغ من السموّ والعلو حدَّاً بحيث لا يمكن لأيّة مفخرةٍ أو منقبةٍ أو فضيلة أن تبلغه، ولا لأيّ أحد أن يُدركه.
 
وهو "وجه الله الذي يتوجّه إليه الأولياء"، الأولياء لا عموم الناس يتوسّلون به إذا أرادوا التوجّه إلى الله عزّ وجلّ.
 
وهو: "السبب المتّصل بين الأرض والسماء"، وتفسيره ما ورد في الحديث: "بنا أطعمكم عشب الأرض، وبنا أنزل الله قطر السماء، وبنا آمنكم الله من الغرق في بحركم ومن الخسف في برّكم، وبنا نفعكم الله في حياتكم وفي قبوركم وفي محشركم وعند الصراط وعند الميزان وعند دخولكم الجنان"2.
 
هذا هو مقام إمامنا عليه السلام، فبأيّ طريقة يليق أن نُخاطب صاحب هذا المقام، فهل نُناديه بالإمام، أم بالمولى، أم بماذا نُناديه، يُجيب على ذلك مولانا الصادق عليه السلام فيما روي عنه حين سأله رجل: "عن القائم عليه السلام، يُسلّم عليه بإمرة المؤمنين؟ قال: لا، ذاك اسم سمّى به الله أمير المؤمنين





1 الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص273.
2 العلامة العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج26، ص241.
 
 
 
 
 
 
 
27

23

الرصاصة الرابعة: نحن أتباع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

 عليه السلام لم يُسمّ به أحد قبله ولا يتسمّى به بعده إلا كافر، قلت: جعلت فداك، كيف يسلّم عليه؟ قال: يقولون السلام عليك يا بقية الله، ثم قرأ: ﴿بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾1".

 
فأيّ نورٍ يفيض من وجهه المبارك، وأيّ ظهور تتجلّى به هذه الكمالات، يُخبرنا عن ذلك مولانا الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، يقول مخاطباً أحد الخلّص من أصحابه: "بأبي وأمّي، سميّ جدّي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران عليه السلام، عليه جيوب النور تتوقّد بشعاع ضياء القدس"2.
 
فمن يهتدي إلى نوره يُشرق قلبه بالحياة، ومن يضلّ عنه يموت في ظلمات الجاهلية.
 
فلا سبيل لنا إلّا الدعاء: "اللهمّ عرّفني نفسك فإنّك إن لم تُعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك، اللهمّ عرّفني رسولك فإنّك إن لم تُعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللهمّ عرّفني حجّتك فإنّك إن لم تُعرّفني حجّتك ضللت عن ديني"3.
 
الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يعرف حالنا
لقد ورد في بعض الروايات أنَّ الإمام عليه السلام لا تمنعه غيبته عن الاطلاع على أحوال شيعته، كما ورد في التوقيع الشريف: "فإنّا يُحيط علمنا بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم... إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم"4. وورد أنّ أعمال شيعته تُعرض عليه كلّ ليلة جمعة، فهل ينظر الواحد منّا لما سيطّلع عليه إمامه. هل نُدخل السرور على قلبه بحسن أعمالنا،





1 سورة هود، الآية 86.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج36، ص338.
3 الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص843.
4 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج53، ص175.
 
 
 
 
 
 
 
 
28

24

الرصاصة الرابعة: نحن أتباع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

 أم نزيد من غمّه ونؤذيه بالسيّئ منها. وورد أنّه عجل الله تعالى فرجه الشريف يدعو لشيعته، ويحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم، ويدفع عنهم كيد الأعداء: "ولولا ذلك -أي ذكره لنا- لنزل بكم البلاء واصطلمكم الأعداء"1.

 
فهل نحن نواسيه في غيبته وغربته؟ أمَا تحمّل مرارة الغياب والغربة لأجلنا؟ هل يتحسّر المؤمن المجاهد على غربة قائده ومولاه، فيقول: "ليت شعري، أين استقرّت بك النّوى، بل أيّ أرض تقلّك أو ثرى، أبرضوى وغيرها أم ذي طوى". 
 
فيهيم به الشوق إلى معشوقه، وتكويه نار العشق: "عزيزٌ عليّ أن أرى الخلق ولا تُرى ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى".
 
ويشعر بغربة إمامه ويحزن لهمومه وآلامه: "عزيز عليّ أن تُحيط بك دوني البلوى ولا ينالك منّي ضجيجٌ ولا شكوى".
 
أرأيت لو أنّ شخصاً كان في زمن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لا يتشوّق إلى لقائه، ولا يُفكّر به، ولا يشعر بأيّ علاقة قلبية به، فهل كان يُعتبر صادق الإيمان. أوليس من واجب المسلم أن يُحبّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر ممّا يُحبّ نفسه وأولاده. ثم أليس من واجب المسلم أن يُحبّ أهل البيت عليهم السلام كذلك عملاً بواجب المودّة في القربى.
 
والإمام المنتظر امتداد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمصداق الأوضح للالتزام بواجب المودّة في القربى في عصر الغيبة.
 
ولأنّ مقام صاحب الزمان مقام عظيم، ينبغي أن يُعظّم المؤمن إمامه بما يُناسب مقامه الأعظم، ويتأدّب ناصره بآداب تليق بصاحب النصرة، ويعمل على إعداد نفسه ليكون من أنصاره حينما يأذن له ربّ العزّة (جلّ جلاله) بالظهور، فإنّ أنصاره هم أفاضل أهل الأرض وساداتها.





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج53، ص175.
 
 
 
 
 
 
 
 
29

25

الرصاصة الرابعة: نحن أتباع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

 أيُّها المجاهد الحبيب:

فليكن لسانك هو لسان العشق للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، دوماً ناجيه، وناديه، تمنّى أن تكون بقربه، جهّز نفسك للّقاء، وقل بلسان كلّ العاشقين: "بنفسي أنت من مغيّب لم يخل منّا. بنفسي أنت من نازح ما نزح عنّا. بنفسي أنت أمنية شائق يتمنَّى. من مؤمن ومؤمنة ذكرا فحنّا. هل إليك يا بن أحمد سبيل فتلقى؟ هل يتّصل يومنا منك بعدّة فنحظى؟ متى ترانا ونراك وقد نشرت لواء النصر؟"1.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 



1 الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص772.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
30

26

الرّصاصة الخامسة: الجهاد بوّابة اللقيا

 الرّصاصة الخامسة: الجهاد بوّابة اللقيا

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
في هدأة الليل الحالك، القلوبُ والهةٌ تشدو بحنين! الجبهة مظلمة للعدو، ولك حديقةٌ غنَّاءُ مشرقة، الرصاص يُضيء لوهلة، بينما وجهك الدامع يتألّق بالنورِ، هناك حبٌّ دافئ يغزو الجبهات كلّها! هناك عشقٌ يريد الرحيل!
 
لا يوجد في هذه الحياة الفانية شيء يستحقّ الجهد والتعب والسهر، كما يستحقّه الحبّ، والحبّ حكاية لا يعرفها إلا الوالهون العاشقون الغارقون في بحر الحبّ اللامتناهي، والمجاهد في سبيل الله، لم يترك الدنيا وما فيها، من الأهل والأحبّة، واللذّات والمغريات، إلا من أجل حبٍّ عظيم قد سكن قلبه وفؤاده، "حبّ الله عزّ وجلّ"، حبٌّ سكنَ كلَّ القلب فطغى على كلِّ شيءٍ سواه، ولقد روي عن الرسولصلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "أحبّوا الله من كلِّ قلوبكم"1.
 
بداية
حبُّ الله، غاية كلّ مؤمن، نبيٌّ مرسل، إمام معصوم، أو وليٌّ مقرّب.. وكذا هو غاية سائر المؤمنين، وإن اختلف كلٌّ في شعلة وجده وشوقه



1 الطبرسي، الفضل بن الحسن: مجمع البيان، ج8، ص286، بيروت، دار الأعلمي، 1995م، ط1.
 
 
 
 
 
 
 
31

27

الرّصاصة الخامسة: الجهاد بوّابة اللقيا

 عن الآخرين، لكنَّه حبٌّ واحدٌ وهدفٌ واحدٌ، أن يطوي الإنسان الحياة الدنيا بمتاعبها ومصائبها، والأشراك المهلكة التي ينصبها الشيطان للإنسان فيها. ودار الحياة الدنيا دار متعبة مرهقة، لا يجد فيها الإنسان المؤمن -خاصة- راحته إلا بطاعة الله، واللوذ في زاوية العشق والإخلاص له وحده لا شريك له.

 
ألا تسمع نداء الإمام الباقر عليه السلام يُنادي حبيبه: "اللهم إنّي أسألك أن تملأ قلبي حبّاً لك، وخشية منك، وتصديقاً لك، وإيماناً بك، وفرقاً منك، وشوقاً إليك"1؟ هو نداءُ الشّوق والحنين لله عزّ وجلّ، الإلهُ الحبيبُ القريبُ الذي يهمسُ في سرِّ المحبّين: "من تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً"2. واسمع أيُّها المجاهد الحبيب، إمامك الصادق عليه السلام الذي يُناجي بحبٍّ وأرقٍ مولاه: "سيّدي أنا من حبِّك جائع لا أشبع، أنا من حبِّك ظمآن لا أروى، واشوقاه إلى من يراني ولا أراه"3!
 
من الذي يُحبّه الله؟
إنّ مجرّد شعور الإنسان بالحبّ ليس كافياً للتثبُّت من حقيقة وجود المحبّة والعشق في قلب الإنسان. فهناكَ علاماتٌ ودلائل لقياس هذا الحب، لأنّ هذا الحبّ ليس حبّاً عاديّاً، وليست ثماره بالثِّمار العادية الميسّرة لكلّ إنسان. فليسَ من السَّائغ في ميدان المحبّين ان يُدّعى الحبُّ بدون رقابة وبلا حساب، فأهل الحبّ غيارى على خلواتهم من الدخيل والغريب.



1 الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، ج2، ص586، عللي أكبر الغفاري (تصحيح وتعليق)، قم، دار الكتب الإسلامية، 1365 هـ.ش، ط4.
2 الشريف المرتضى: الأمالي، ج2، ص6، قم، منشورات مكتبة السيد مرعشي النجفي، 1970م، ط1.
3 ابن طاووس، رضي الدين علي بن موسى: إقبال الأعمال، ج1، ص35، جواد القيومي الأصفهاني (تحقيق)، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1414 هـ، ط1.
 
 
 
 
 
 
 
32

28

الرّصاصة الخامسة: الجهاد بوّابة اللقيا

 أيُّها المجاهد الحبيب، من علامات الحبّ:

أن تداوم على ذكر الموت، لأنّ الموت ههنا ليس رحيلاً مأساوياً عن الدنيا للعاشق، بل هو رحيل نحو المحبوب، كي يظلّ يدور حول نور حبيبه مثلما تدور الفراشة حول المصباح، فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من أكثر ذكر الموت أحبّه الله"1.
 
وأن تُبغض الدنيا، فمن المعيب أن يدَّعي الإنسان حبَّ ربِّه ومولاه، وقلبه مقسوم ما بين الله والدنيا! فمن يعلن المحبّة لله عليه أن يستبطن الخلوص من حبّ الدنيا بلا ريب، فعن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "كيف يدّعي حبّ الله من سكن قلبه حبّ الدّنيا؟"2 والحديث الآخر عنه عليه السلام: أيضاً: "كما أنَّ الشَّمس والليل لا يجتمعان، كذلك حبُّ الله وحبُّ الدُّنيا لا يجتمعان"3!
 
وأن تعبد الله عبادة حسنة، في المضمون والمظهر، لأنّها دليلٌ على أنَّ المحبَّ يُقدِّر ويُقدِّس صلاته وصومه وسائر عباداته لكونها درباً وطريقاً وطريقة يُحبّها الله، ويُحبّ أن يتقرَّب بها عبادُه المحبّون إليه. عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "إذا أحبّ الله عبداً ألهمه حسن العبادة"4.
 
وأن تهتمَّ بالأمانة، بأن تكون أميناً على الدِّين وعلى علاقة الإنسان بالله، وعلى الأمة من الضياع والتلف. ولذاك أشار الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بقوله: "إذا أحَبَّ اللهُ عبداً حبَّبَ إليه الأمانة"5.





1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج2، ص434.
2 النوري، الميرزا حسين: مستدرك الوسائل، ج12، ص14، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لتحقيق التراث، 1988م، ط2.
3 م.ن، ج12، ص42.
4 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص135.
5 م.ن.
 
 
 
 
 
 
 
33

29

الرّصاصة الخامسة: الجهاد بوّابة اللقيا

 وأن تتحلّى بالسكينة وبغض المال، وهما من علامات المحبّة الإلهية التي إذا كان الإنسان المؤمن حائزاً عليها، ظهرت عليه تلك العلامات، حيث يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أيضاً: "إذا أحبَّ الله عبداً زيَّنه بالسَّكينة والحلم"1. وعنه عليه السلام: "إذا أحبَّ الله سبحانه عبداً بغَّض إليه المال وقصَّر منه الآمال"2.

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
اعلم أنَّ الله عزّ وجلّ دائماً ما ينادينا، غير أنَّنا نعيش غفلة أهل الدنيا، وهو يريد أن يفتح أمامنا آفاق الحبّ، يريد أن يشدّنا إليه بجذبة تُذهِلنا عمّا سواه. يقول إمامنا الصادق عليه السلام: "فيما أوحى الله تعالى إلى موسى: كذب من زعم أنَّه يُحبّني فإذا جنَّه الليلُ نام عنِّي، أليس كلّ محبّ يُحبّ خلوة حبيبه؟! ها أنا ذا يا بن عمران مطَّلع على أحبَّائي، إذا جنَّهم الليل حوَّلت أبصارهم من قلوبهم، ومثَّلت عقوبتي بين أعينهم، يخاطبوني عن المشاهدة، ويكلّموني عن الحضور"3.
 
ومـمَّا في صحيفة إدريس عليه السلام: "طوبى لقومٍ عبدوني حبّاً، واتخذوني إلهاً وربّاً، سهروا الليل ودأبوا النَّهار طلباً لوجهي، من غير رهبةٍ ولا رغبةٍ، ولا لنارٍ ولا جنةٍ، بل للمحبّة الصحيحة، والإرادة الصريحة، والانقطاع عن الكلّ إليّ"4.
 
فإذا أردتَ الوصول إلى الله سبحانه، عليك أن تعرف أنَّه هناك بعض الأمور التي عليك أن تتخلَّى عنها مقابل الحصول على تلك المحبّة الإلهية مما يُتعلَّق به عادةً في هذه الحياة الفانية. روي عن الصَّادق عليه السلام: "لا





1 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص133.
2 م.ن.
3 الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين: الأمالي، ص438، قم، مؤسسة البعثة، 1417هـ، ط1.
4 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج92، ص467.
 
 
 
 
 
 
 
34

30

الرّصاصة الخامسة: الجهاد بوّابة اللقيا

 يمحض رجل الإيمان بالله حتَّى يكون الله أحبّ إليه من نفسه وأبيه وأمه وولده وأهله وماله ومن النَّاس كلّهم"1.

 
وعلى كلّ الأحوال، نستطيع هنا أن نخرج بخلاصة مهمّة حول كيفية اكتساب المحبّة النورانية الإلهية، حيث يُسأل المسيح عليه السلام عن عمل واحد يرث محبة الله فيقول له المسيح عليه السلام: "أبغضوا الدنيا يُحببكم الله"2.
 
والجهاد ساحة لقاء الله وحبّه، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنّ علي بن الحسين عليه السلام كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من قطرة أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من قطرة دم في سبيل الله"3.





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج67، ص25.
2 المالكي الأشتري، ورام بن أبي فراس: تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام)، ج1، ص142، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1368هـ.ش، ط2. 
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص53.
 
 
 
 
 
 
 
 
35

31

الرّصاصة الخامسة: الجهاد بوّابة اللقيا

 وأمّا غاية الحبّ الأعظم فهو القتل في سبيل الله، وهو غاية كلّ العاشقين الذين قضوا الليالي والأيام يدعون ربّهم تضرُّعاً وخشية أن يمنّ عليهم بالموت بسيف الدم: و﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾1.

 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين



1 سورة الصف، الآية4.
 
 
 
 
 
 
 
 
36

32

الرصاصة السادسة: فضل المجاهد

 الرصاصة السادسة: فضل المجاهد

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
إنّ الجلوس بينكم هو فخر كبير، كيف لا، والمجاهدون خيرة أهل الأرض بإذن الله تعالى. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خير الناس رجل حبس نفسه في سبيل الله يجاهد أعداءه يلتمس الموت أو القتل في مصافه"1.
 
أيُّها الحبيب، أيُّها الأحبّة: أحبّاء الله عزّ وجلّ. أليس الله عزّ وجلّ: ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾2.
 
إنَّ قيمة كلِّ إنسان تساوي قيمة الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه.
 
وأيّ هدفٍ أسمى من الهدف الذي يحمله المجاهد ويسعى إليه.
 
من هو المجاهد؟
المجاهد ليس إنساناً عادياً، بل ليس كسائر المؤمنين، وإنّما هو إنسان اختاره الله عزّ وجلّ وشرّفه لينال هذا الوسام الرفيع، وسام المجاهدين.
 
والمجاهد إنسان زهد بكلّ دنياه حينما ناداه واجب الجهاد، فلبّى نداء



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج11، ص17.
2 سورة الصف، الآية4.

 
 
 
 
 
 
37

33

الرصاصة السادسة: فضل المجاهد

 المنادي العظيم، وعلم أنّ كلّ ما سوى الله عزّ وجلّ لا يساوي شيئاً، فهو كما قال مولاه أمير المؤمنين عليه السلام: "عظُم الخالق في أنفسهم، فصغُر ما دونه في أعينهم"1.

 
فباع نفسه لله عزّ وجلّ وترك كلّ شهوات الدنيا ورغائبها، فتخلّصت نفسه من كلّ متعلّقات الدنيا الدنيّة وتعلّقت بالحقّ تبارك وتعالى وحده، فارتقت بالمجاهد في سلّم الكمال إلى مقام يؤذن له فيه بالدخول إلى الجنَّة من بابٍ خاصٍّ، لا يدخله أيٌّ كان، إنّه الباب الذي يقول عنه أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه"2.
 
فالتوفيق للجهاد ليس أمراً عادياً، لأنّ الله عزّ وجلّ لا يختار لهذا المقام إلا من تنزّهت روحه عن كلّ صغائر الدنيا الفانية، وسمت إلى جنبه (جلّ وعلا).
 
المهاجر إلى الله عزّ وجلّ
إنّ المؤمن الموحِّد لا يعبد إلا الله عزّ وجلّ. والعبادة هي الطاعة المطلقة، فلا يُطيع أحداً غير الله عزّ وجلّ. لا يُطيع نفسه الأمّارة بالسوء، ولا يُطيع أيّ مخلوق في معصية خالقه. ولا يخضع إلا لله عزّ وجلّ لأنّه هو أهل الخضوع والطاعة، فلا يخضع للعدو مهما تعاظمت قوّته الزائفة، فالله هو القويّ القادر على قهر كلّ الجبابرة والطغاة. وهو يعلم بعقله وبقلبه أنّ الله هو المؤثِّر الوحيد في الكون، هو وحده يُحي، ويُميت، ويرزق، ويُطعم، ويشفي. فلا يخاف من العدو الذي لا تأثير له، فالعدو لا يُحي ولا يُميت.
 
فلا يرجو النصر والتوفيق والسداد إلا من الله عزّ وجلّ، فغير الله عزّ وجلّ غير قادر على شيء. وهو مهاجر في سبيل الله تعالى، والهجرة لا تقتصر على الانتقال من مكان إلى آخر، فأعظم المهاجرين من يترك أهله 





1 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص161.
2 م.ن، ج1، ص67.
 
 
 
 
 
 
38

34

الرصاصة السادسة: فضل المجاهد

 ودنياه ويهجر لذَّاته ورغد عيشه إلى ساحات الوغى والجهاد والحرب، وثغور المسلمين ومعسكراتهم.


هو يهاجر هذه الهجرة لينقذ إيمان المجتمع، وإيمان المجتمع هو دين الله عزّ وجلّ النظام الأصلح الذي به صلاح البشرية، وسيرها نحو الكمال والسعادة.

هكذا كان يقين سيّد شهداء المقاومة السيد عباس الموسوي رحمه الله: "أنا لا يُمكنني أن أُضحّي في خدمة شيء هو أقل من مستواي، ولكنّي أُضحّي بروحي ومالي وولدي وكلّ شيء في خدمة القضية إذا كانت عبادة في سبيل الله عزّ وجلّ".

ولكن لكلّ طائر هجرة، والطائر يُهاجر إلى حيث يطمئن ويستريح، ويشعر بالدفء والأمان، لا إلى الجهد والتعب والمشقّات والأهوال لأجل غيره.

وهذا عابس، عابس الذي أجنّه حبّ الحسين عليه السلام.

وفي ساحات اللقيا تسكن روح المجاهدين العاشقة الثائرة إلى معشوقها، فتطمئن، وتشعر بالدفء والأمن. وفي أعماقهم المطمئنة يتردّد صدى من صوت مولاهم سيد الشهداء عليه السلام: 
"تركت الخلق طراً في هواك    وأيتمت العيال لكي أراك 
 فلو قطّعتني في الحب إرباً    لما مال الفؤاد إلى سواك"

المجاهد وبعض فضله
إنّ من يكون بهذا القدر من التضحية أو أنّ روحه قد سمت إلى هذا المستوى، ليس كأيّ أحد عند الله عزّ وجلّ، فالله تعالى يمنّ عليه بفضائل يختصّه بها دون سواه، منها:
 
 
 
 
 
 
 
 
39

35

الرصاصة السادسة: فضل المجاهد

 أفضل من سائر الناس عند الله: قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾1.

 
أجره أعظم من أجر العباد: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أعمال العباد كلّهم عند المجاهدين في سبيل الله إلا كمثل خطّاف أخذ بمنقاره من ماء البحر"2.
 
يغضب الله عزّ وجلّ لغضبه: عن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: "اتقوا أذى المجاهدين في سبيل الله، فإنّ الله يغضب لهم كما يغضب للرسل، ويستجيب لهم كما يستجيب لهم"3.
 
لا يرضى الله بأذيّته: عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من اغتاب غازياً أو آذاه أو خلفه في أهله بخلافة سوء نصب له يوم القيامة علم، فليستفرغ لحسابه ويركس في النار"4.
 
هو في عين الله جلّ جلاله ورعايته: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من خرج في سبيل الله مجاهداً، وكان في ضمان الله بأيّ حتف مات كان شهيداً"5.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 



1 سورة النساء، الآية:95.
2 المتقي الهندي، كنز العمال، ج4، ص316.
3 م.ن، ص314.
4 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج97، ص50.
5 م.ن، ج73، ص372.
 
 
 
 
 
 
 
 
40

36

الرّصاصة السابعة: صفات المجاهد

 الرّصاصة السابعة: صفات المجاهد

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
لو يعلم الناس ما في داخلك من صفاتٍ وأنت على خطّ النار، خطّ الإخلاص لله، لتفاجؤوا!
 
وقد يهمس البعض أنّ المجاهد إرهابي، قاتل، لا يعرف إلا العنف، ولا يفقه إلا لغة الرصاص، ولا يعشق إلا لون الدم ورائحة البارود!
 
أيُّها المجاهد الحبيب:
أنت تحمل البندقية، ولكن ليس ضدّ الناس، وإنّما لأجلهم.
وإنّك كما تحمل السلاح والموادّ المتفجّرة فإنّك تحمل رسالات الله لإنقاذ العالم أيضاً. ولهذا، أصبحت ساحات الحرب لك أماكن مقدّسة تتعبّد فيها، وتنطلق فيها، وتعرج منها إلى جنان الخلد. وقد ورد عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّما رهبانيّة أمّتي الجهاد في سبيل الله"1.
 
إذا كان الجهاد "ذروة الإسلام وسنامه"2، فإنّ صفات المجاهدين أيضاً، ذروة الصفات وأعلاها. فما هي صفات المجاهد؟ ومن أين ينبغي أن ينطلق؟ هنا بعض اللمعات:



1 الشيخ الصدوق، الأمالي، ص133.
2 مستفاد من رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: الشيخ الكليني، الكافي، ج4، ص63.
 
 
 
 
 
 
 
41

37

الرّصاصة السابعة: صفات المجاهد

 الأولى: أيُّها المجاهد، كن ثابت الإيمان، ولا تتزلزل، ولا تخف من اجتماع الأعداء، لأنّ إيمانك بالله أقوى وأعظم من جمعهم، ألم يقل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾1.

 
الثّانية: كن صابراً، وتحمّل الصعاب، واستعن بالتدريب البدني والمعنوي لكي تواجه كلّ الشدائد، ألم يقل الله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾2.
 
الثالثة: أخي الحبيب، إنّ علامة الفلاح أن يكون عملك في سبيل الله، وكلّ من لا يكون هدفه الله فإنّه سيكون متعلّقاً بالدنيا، والدنيا دار الخسارة. فأعر الله جمجمتك! ألم يقل الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾3.
 
الرابعة: إنّ الرؤية الواضحة والتوكّل على الله تعالى هي ميزتك الفريدة، فلا تتخلّ عنها، ولا تُدخل الخوف إلى قلبك، ولا تتهيّب من الصعاب، ألم يقل الله عزّ وجلّ: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾4.
 
الخامسة: إنّ رؤيتك للعدوّ، ينبغي أن تكون عميقة، فلا تنخدع بظاهرهم وما يدّعونه من بأس، فوالله ما يخفي هذا الادعاء إلا الخوف منك 





1 سورة آل عمران، الآيتان 173-174.
2 سورة الأنفال، الآية 65.
3 سورة النساء، الآية 74.
4 سورة التوبة، الآية 51.
 
 
 
 
 
 
 
42

38

الرّصاصة السابعة: صفات المجاهد

 والتحدّي لله العزيز الجبار، وبالتّالي فلتضع يدك في يد الله، سلّم أمرك له، كن سلاحه المدمّر للأعداء، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾1.

 
السادسة: إنّ الله يُحبّك لأنّك لا تزال صابراً رغم هذه السنين الطويلة من الجهاد، وكيف لا يُحبّك؟ وبذل الجهد والتعب لم يزدك إلا إصراراً على المزيد من البذل والتضحية، يقول تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾2.
 
السابعة: إرهاب العدوّ، ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾3.
 
الثَّامنة: إنَّ ما يُميّزك أيُّها المجاهد عن باقي المقاتلين في العالم، أنَّك تحمل في قلبك رحمةً كبرى للإنسانية، هل تستطيع أنْ ترى ضعيفاً مسكيناً فلا تُساعده؟ أو يتيماً محتاجاً فلا تُعينه؟ نحن نعلم أنَّك اتَّخذت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لك أسوةً حسنةً، وأنَّه أُوذِيَ أكثرَ ممَّا أوذِيَ به أيّ نبي، غير أنّه كان يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون" ثمّ يمدّ يده بالمساعدة لهم!
 
وكذلك كان الإمام عليّ عليه السلام. لقد كان يحمل الجراب على ظهره، ويندفع في ظلام الليل البهيم، وهو يُفتّش عن الجوعى والمحرومين، لكي يُطعمهم ويكسيهم. وفي ليلة باردة ـ شديدة البرد ـ خرج في جولته التفقّدية كعادته في كلّ ليلة، فوصل إلى خيمة، سمع منها أنين أطفال وبكاء أمّ،





1 سورة الأحزاب، الآية 22.
2 سورة آل عمران، الآية 146.
3 سورة الأنفال، الآية 60.
 
 
 
 
 
 
43

39

الرّصاصة السابعة: صفات المجاهد

 اقترب من الخيمة، وسأل المرأة:


ما بال الأطفال يبكون؟ قالت: أضرّ بهم البرد، والجوع، لفت نظر الإمام نار مشتعلة، وعليها القدر فسأل المرأة: وماذا في القدر؟ أجابت: ماء، لا شيء غير الماء، أخدعهم به حتى يناموا، آه، كم كان موجِعاً للإمام أن يرى أطفالاً يبكون وأمّاً تحتال لجوعهم هكذا بطبخ الماء في القدر؟ أسرع هو، وخادمه قنبر إلى البيت. حمل جراباً من الطحين وشيئاً من الدهن، وعاد. في الطريق حاول قنبر أن يحمل الجراب عنه، ولكنّه أبى، إنّه صاحب العيال، الشعب كلّه عياله، وكما قال، إنّ صاحب العيال أحقّ بحمل الزاد إلى عياله، دخل الكوخ.

طلب من الأمّ أن تُسكّت الأطفال، بينما أخذ هو يصنع الخبز، وبعد لحظات كان كلّ شيء جاهزاً، جمع الأطفال حوله، وبكلّ لطف بدأ يضع في أفواههم اللقمة تلو الأخرى، والأم تنظر إلى هذا القادم المجهول الذي يُلاطف أبناءها اليتامى من دون أن تعرف من هو؟

لماذا هكذا يفعل بالأطفال؟ من تراه يمكن أن يكون؟ الإمام يُلقِّم الأطفال، لقمة لهذا ولقمة لذاك، وهو يقول: اغفر لعليَّ بن أبي طالب، وبعد أن شبعوا جميعاً، بدأ يُلاطفهم، يتصابى معهم، فكانوا يضحكون من ذلك. ثم خرج، فقال له قنبر: يا مولاي، لقد رأيت منك الليلة، أنّك أطعمت الجوعى وهذا دأبك، ولكن لم أفهم معنى تصابيك معهم؟

فأجابه الإمام: لقد دخلنا الكوخ، والأطفال جياع يبكون، فأردت أن نخرج وهم شبعى يضحكون.

إذن هكذا كان الأئمّة عليهم السلام أبطالاً في ميادين الحرب، وعنيفين ضدّ الباطل، ولكنّهم في نفس الوقت كانوا عطوفين رحماء. وكذلك أيضاً كلّ المجاهدين الحقيقيين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين


 
 
 
 
44

40

الرصاصة الثامنة: الدعاء سلاح المجاهد

 الرصاصة الثامنة: الدعاء سلاح المجاهد

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
في هذه الظروف العصيبة والقاسية التي تمرّ فيها أمُّتنا حيث أصبح الخناق مشدوداً عليها من كلّ جهة، تبقى أنت وإخوتك معقد آمال الأمّة وتطلّعاتها، وفي هذه الأجواء الحسّاسة، علينا أن نلجأ إلى أهمّ الأسلحة على الإطلاق، سلاح النّصر الدائم، منحه الله تعالى لكلّ مظلوم ومستضعف لينال به من الذين ظلموه واعتدوا عليه، إنّه سلاح الدعاء، السلاح الذي يُسقط الجبابرة والطغاة مهما بلغ طغيانهم وجبروتهم.
 
الدُّعاء يهزم الطواغيت
إنّ الجهاد في سبيل الله لا يُمكن أن يتمّ إلا إذا أظهر المجاهد كامل حاجته وفقره لله سبحانه وتعالى، وإنّ النصر إنّما هو من عنده تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾1
 
وهذا فرعون الذي بلغ من الطُّغيان والجبروت ما بلغ، حتى إنه استعبد أهل مصر كلّهم، وبلغ من طغيانه وغروره أنّه ادّعى الألوهية كما أخبر بذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي 



1 سورة آل عمران، الآية 126.
 
 
 
 
 
 
 
45

41

الرصاصة الثامنة: الدعاء سلاح المجاهد

 صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾1.

 
ولمّا وصل فرعون إلى هذا المستوى من الطغيان والاستكبار واجهه موسى بسلاح الدعاء فدعا عليه بدعاء سجّله القرآن الكريم لكي يبقى لنا درساً نستفيد منه ونعرف من خلاله قيمة الدعاء: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾2.
 
وقد استجاب الله تعالى لدعاء النبي موسى عليه السلام: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾3. إنَّه أثر الدعاء وخاصة إذا كان هذا الدعاء صادراً من جهة مظلومة، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اتقوا دعوة المظلوم، فإنّها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين"4.
 
ثمرات الدعاء
أيُّها المجاهد الحبيب، إنّ الدعاء في حدِّ ذاته عبادة عظيمة، بل هو لبّ العبادة وروحها، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قال: "الدعاء هو العبادة، وقرأ: 





1 سورة القصص، الآيتان 38-39.
2 سورة يونس، الآيتان 88-89.
3 سورة القصص، الآيات 40-42.
4 المتقي الهندي، كنز العمال، ج 3، ص499.

 
 
 
 
 
 
 
46

42

الرصاصة الثامنة: الدعاء سلاح المجاهد

 ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾"1.

 
والدعاء يُحقّق استحضار العبد صفات الله تعالى وأسمائه والشعور بعظمتها والتعبُّد بها، فهو إقرار من المؤمن بأنّ القوّة لله جميعاً، وأنّ العزّة لله جميعاً، وأنّ الله خالق كلّ شيء، ورازق كلّ دابة، وأنّ الناصر هو الله والقاهر هو الله، والضارّ النافع هو الله، والآمر الناهي هو الله، والظاهر الباطن هو الله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾2، والإحساس بهذه المعاني هو الذي يقود المسلمين إلى امتثال أمر الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾3.
 
وكذلك فإنَّ الدعاء على معسكر الكفر وأهله المحاربين، إذكاء لروح اليقين في حياة المسلمين، ليعلموا أنّ الأمر كلّه لله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾4، وأنْ: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾5، وأنّ الدعاء يستنزل إذن الله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ﴾6.
 
أيُّها المجاهد الحبيب:
إنَّنا حينما نتحدّث عن سلاح الدعاء في مواجهة الأعداء لا ينبغي أن نفهم أنّه يجب الاقتصار عليه وإغفال ما يُمكن فعله من الأعمال الأخرى، ولكن الدّعاء يظلّ أمراً ملحّاً في كلّ الأحوال وخاصَّة في حالة الضعف.





1 سورة غافر، الآية 60.
2 سورة آل عمران، الآية 26.
3 سورة آل عمران، الآية 175.
4 سورة محمد، الآية 7.
5 سورة التوبة، الآية14.
6 سورة البقرة، الآية 249.
 
 
 
 
 
 
 
47

43

الرصاصة الثامنة: الدعاء سلاح المجاهد

واعلموا أيُّها المجاهدون أنَّ الدّعاء الذي يستجيبه الله تعالى هو ذلك الذي يكون نابعاً من قلبٍ خاشعٍ متضرِّعٍ! فلتكن خاشعاً وأنت على خطّ النار، ولتجعل ذكر الله على لسانك وفي فؤادك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾1.
 
لقد كان من دعاء النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الجهـاد: "اللهم أنت عضدي، ونصيري، بك أحولُ وبك أصول وبك أُقاتل"2.
 
وكان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إذا سار إلى القتال ذكر اسم الله حين يركب، ثمّ يقول: "الحمد لله على نعمه علينا، وفضله العظيم، ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ *وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾3، ثمّ يستقبل القبلة، ويرفع يديه إلى الله، ثمّ يقول: "اللهمّ إليك نُقلت الأقدام، وأتعبت الأبدان، وأفضَت القلوب، ورُفعت الأيدي، وشَخصت الأبصار، ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾4 سيروا على بركة الله. ثمّ يقول: الله اكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله والله أكبر، يا الله، يا أحد، يا صمد، يا ربّ محمّد، بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلىّ العظيم، ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾5، اللهمّ كُفّ عنّا بأس الظالمين"6. وكان هذا شعاره بصفّين.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 



1 سورة الأنفال، الآية 45.
2 الريشهري، ميزان الحكمة، ج1، ص564.
3 سورة الزخرف، الآيتان 13-14.
4 سورة الأعراف، الآية 89.
5 سورة الفاتحة، الآيات 2-5.
6 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج97، ص36.
 
 
 
 
 
 
 
 
48

44

الرصاصة التاسعة: العزّة في شخصيّة المجاهد

 الرصاصة التاسعة: العزّة في شخصيّة المجاهد

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
هي فرصة رائعة أن يقوم الإنسان بصناعة العزّة لنفسه وللأمّة، فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما، أن نعيش العزّة، أو نكون أذلّاء، والله سبحانه وتعالى يأبى أن تعيش الأمّة أيّ مقدار من الذلّ طالما أنّها تنتمي لله تعالى، يقول عزَّ شأنه: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾1.
 
العزّة هي حالة تمنع الإنسان من أن يُغلب، وهي إحساسٌ يملأ القلب والنفس بالإباء والشموخ والاستعلاء والارتفاع. وهي ارتباطٌ بالله وارتفاعٌ بالنفس عن مواضع المهانة والتحرُّر من رِقِّ الأهواء ومن ذُلِّ الطمع وعدم السير إلا وفق ما شرّعه الله.
 
وأمّا الغاية منها، فأن يكون الإنسان متغلّباً على الأعداء، فكفاك فخراً أيُّها الحبيب أن تعمل تحت ظلّ وصفٍ من أوصاف الله تعالى وأسمائه (الْعَزِيز) أي: الغالب القوي الذي لا يغلبه شيء وهو أيضاً المعزّ الذي يهب



1 سورة المنافقون، الآية8.
 
 
 
 
 
 
 
49

45

الرصاصة التاسعة: العزّة في شخصيّة المجاهد

 العزّة لمن يشاء من عباده. والإيمان بهذا الوصف لا شكّ أنّه يهب المجاهد شجاعةً وثقةً كبيرةً به!

 
وفي الدعاء عن الإمام الحسين عليه السلام: "يا من خصّ نفسه بالسموّ والرفعة، وأولياؤه بعزّه يعتزُّون"1.
 
وعن الإمام عليّ عليه السلام: "من اعتزّ بغير الله أهلكه العزّ"2.
 
كيف أكون عزيزاً؟
أيُّها المجاهد الحبيب:
لقد أراد القرآن المجيد أن يهدي المؤمنين إلى الطريق الذي يصون لهم العزّة ويُحصّنهم ضدّ الرضا بالهوان أو السكوت على الضيم فأمرهم بالإعداد والاستعداد لحفظ الكرامة والذود عن العزّة فقال لهم: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾3 لأنّ القوّة تجعل صاحبها في موطن الهيبة والاقتدار فلا يسهل الاعتداء عليه من غيره من الضعفاء.
 
وعلّمهم الله في القرآن الإقدام والاحتمال والثبات في مواطن اليأس موقنين أنّه سبحانه معهم فقال لهم: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾4، وفي موطن آخر يقول لهم: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾5.
 
ولكن!



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج83، ص225.
2 الريشهري، ميزان الحكمة، ج2، ص983.
3 سورة الانفال، الآية 60.
4 سورة النساء، الآية 104.
5 سورة محمد، الآية 35.
 
 
 
 
 
 
 
 
50

46

الرصاصة التاسعة: العزّة في شخصيّة المجاهد

 ليست دعوتنا إلى السعي وراء العزّة، دعوة إلى بغيٍ أو طغيانٍ وإنّما يُعوِّدُ القرآن أتباعه أن يكونوا أوّلاً على حيطةٍ وحذرٍ فيقوّوا أنفسهم بكلّ وسائل التقوية والتحصين حتى يكونوا أصحاب رهبةٍ في نفوس أعدائهم وإلّا تطاولوا عليهم وعصفوا بهم, ومن هنا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا﴾1 ويقول: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾2.

 
ومتى شاء الله يوماً أن يلتقي المؤمنون في معركةٍ مع الكافرين فالواجب حينئذ على كلّ مؤمن أن يظلّ عزيزاً قويّاً وأن يثبت على مبادئه وعقائده لا يُخيفه الألم ولا التعب بل يبذل جهده وطاقته مستخدماً كلّ ما أعدّه قبل ذلك من سلاحٍ وعتادٍ واثقاً أنّه مربوط الأسباب بالله القوي القادر، وإذا شاء الله تعالى له لوناً من ألوان الاختبار والابتلاء تحمّله راضياً صابراً محتفظاً بعزّته وكرامته وشهامته موقناً بأن احتمال الألم خيرٌ ألف مرّةٍ من التخاذل والاستسلام: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾3.
 
وهذا مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب حين أراد أن يوطّد في نفس أبي ذرّ الغفاري قواعد العزّة فقال: "يا أبا ذرّ إنّك غضبت لله فارج من غضبت له, إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك, فاترك في أيديهم ما خافوك عليه, واهرب بما خفتهم عليه فما أحوجهم إلى ما منعتهم وما أغناك عمّا منعوك, وستعلم من الرابح غداً والأكثر حسداً،





1 سورة النساء، الآية71.
2 سورة النساء، الآية102.
3 سورة البقرة، الآيات 155-157.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

47

الرصاصة التاسعة: العزّة في شخصيّة المجاهد

 ولو أنّ السماوات والأرض كانتا على عبدٍ رتقاً ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً. لا يؤنسنّك إلا الحقّ ولا يوحشنّك إلا الباطل، فلو قَبِلت دنياهم أحبّوك ولو قرضت منها أمنوك. أي: لو ذللت ونلت من متاع الدنيا لما خافوك"1.

 
عزّ المؤمن من عزِّ الله
في دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام: "يا من خصّ نفسه بالسمو والرفعة وأولياؤه بعزّه يعتزّون، يا من جعلت له الملوك نير المذلّة على أعناقهم فهم من سطوته خائفون"2.
 
بينما هناك عزٌّ موهوم: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾3.
 
كثير من الناس يطلب العزّة من مظاهر القوّة والتكنولوجيا الحديثة الموجودة عند الكافر، وقد يتّخذ ولياً يواليه ويُمالئه سواء كان على مستوى أفراد أم دول أم شعوب، وإنّما يعمل بعض المسلمين طمعاً في العزّ والنصر من عند الكافرين وهذا ليس إلا الذل والهوان إن عاجلاً أم آجلاً فيترك العزّ من الله ويطلب العزّ من أعداء الله. فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "من اعتزّ بغير الله أهلكه العزّ"4، و"العزيز بغير الله ذليل"5.
 
ومتى شاء الله يوماً أن يلتقي المؤمنون في معركةٍ مع الكافرين فالواجب حينئذ على كلّ مؤمن أن يظلّ عزيزاً قويّاً وأن يثبت على مبادئه وعقائده لا يُخيفه الألم ولا التعب بل يبذل جهده وطاقته مستخدماً كلّ ما أعدّه قبل 





1 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص13.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 98، ص 220.
3 سورة النساء، الآية139.
4 الآمدي، غرر الحكم رقم 8217.
5 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 78، ص 10.
 
 
 
 
 
 
 
 
52

48

الرصاصة التاسعة: العزّة في شخصيّة المجاهد

 ذلك من سلاحٍ وعتادٍ واثقاً أنّه مربوط الأسباب بالله القوي القادر وإذا شاء الله تعالى له لوناً من ألوان الاختبار والابتلاء تحمّله راضياً صابراً محتفظاً بعزّته وكرامته وشهامته موقناً بأنّ احتمال الألم خيرٌ ألف مرّةٍ من التخاذل والاستسلام: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾1.

 
والعزّة ليست تكبُّراً أو تفاخراً وليست بغياً أو عدواناً وليست هضماً لحقٍّ أو ظلماً لإنسانٍ وإنّما هي الحفاظ على الكرامة والصيانة لما يجب أن يُصان، ولذلك لا تتعارض العزّة مع الرحمة بل لعلّ خير الأعزّاء هو من يكون خير الرحماء، وهذا يُذكّرنا بأنّ القرآن الكريم قد كرَّرَ قوله عن ربّ العزّة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ تسع مرّات في سورة الشعراء ثم ذكر في كلٍّ من سورة يس والسجدة والدخان وصْفَي: الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ مرّة واحدة.
 
ثم أغلب المواطن التي جاء فيها وصف الله باسم (العزيز) قد اقترن فيها هذا الاسم باسم (الحكيم). والحكيم هو الذي يوجد الأشياء على غاية الإحكام والضبط فلا خلل ولا عيب.
 
وأولياؤه بعزّه يعتزّون
العزّة الحقيقية والعزّة المستمدّة من الله سبحانه وتعالى هي التي جعلت الإمام الحسين عليه السلام يقف ذلك الموقف في ساحات كربلاء، هي التي جعلت العبّاس عليه السلام يقف ذلك الموقف عند المشرعة، لا يوجد تفسير آخر يمكن أن نُفلسف من خلاله الحسين عليه السلام في عاشوراء، ولا يوجد أيّ تحليل في العالم نستطيع من خلاله فهم واقعة كربلاء أو معرفة عمق ثورة





1 سورة البقرة، الآيات 155-157.
 
 
 
 
 
 
 
 
53

49

الرصاصة التاسعة: العزّة في شخصيّة المجاهد

 الإمام الحسين عليه السلام إلا من خلال معرفة الله عزّ وجلّ هذه المعرفة هي التي تُنتج هذه المواقف البطولية الاستثنائية، فحينما يختزن قلب المرء معرفة راقية بالله عزّ وجلّ فإنّ هذه المعرفة تجعله يقف على شاطئ العلقمي وهو في أشدّ حالات العطش ويأخذ الماء بيده يُقرّبه إلى فمه يريد أن يشرب فيتذكّر عطش الحسين عليه السلام - هذه ليست قضيّة أخ وأخيه بل هي قضيّة إمام مُفتَرض الطاعة خليفة الله في الأرض - فيلقيه من يده ويردّد:

يا نفس من بعد الحسين هوني    من بعده لا كنت أن تكوني1
 
ثم حينما تقطع يمينه يرتجز:
والله إن قطعتموا يميني           إنّي أحامي أبداً عن ديني2
 
هذا الإنسان وهو مصاب بهذا الشكل في ساحة الحرب تجد في داخله مكامن قوّة يعجز الجميع عن تفسيره إلا إذا وجدت لها نسباً وسبباً إلى قوّة القوي العزيز "وأولياؤه بعزّه يعتزّون"3.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين




1 القاضي النعمان المغربي، شرح الأخبار، ج3، ص192.
2 السيد مرتضى العسكري، معالم المدرستين، ج 3، ص129.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ، ج 95، ص220.
 
 
 
 
 
 
 
 
54

50

الرّصاصة العاشرة: سيماء المخلصين

 الرّصاصة العاشرة: سيماء المخلصين

 
 أيُّها المجاهد الحبيب:
الساحة ساحتك، والمعركة معركة كبرى، فلا بدّ لك أن تتعرّف على علامات الإخلاص، لأنّ الادعاء بدون برهان لا يكفي، ولأنّ الشيطان دائماً ما يُصوِّر لك أنّك مخلصٌ تمام الإخلاص، والحقيقة ربما - لا سمح الله - تكون مختلفةً بالكلّية.
 
لا تُلقِ للآخرين بالاً
عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "العمل الخالص: الذي لا تُريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزّ وجلّ"1. فلو قيل لك، أحسنتَ وأُثني عليك، فيجب أنْ لا يَسُرَّك ذلك، ولا تحزن بالمقابل إذا لم يُثنَ عليك أو على عملٍ مهمٍّ عملته. فالمخلص لله لا يتوقَّع من أيِّ شخصٍ جزاءً ولا شكوراً. فإنْ أحسنت ووفَّقك الله للقتال وأبليتَ بلاءً حسناً، وساهمتَ في تحقيق النَّصر, فإنْ كُنْتَ جندياً فلا تنتظر من مسؤولك إشادةً، ولا تسمح للشيطان أنْ يوسوس لك، فتُخبر أهلك وأصدقاءك بتفاصيل عن المعركة توهمهم بها أنَّك كنتَ بطلاً وأنَّك فعلت كذا وكذا، لتكبر في أعينهم، طلباً للمديح



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص16.
 
 
 
 
 
 
 
 
55

51

الرّصاصة العاشرة: سيماء المخلصين

 والمكانة عندهم.

 
وإن لم يمدحوك أو ذمّوك، فالتزم الصمت، وحاول أن تحتفظ بسرِّ عملك، فإنْ نجحت بذلك، فأنت مخلصٌ وقد حقَّقت تلك المرتُبة السَّامية.
 
وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ لكلِّ حقٍّ حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص، حتى لا يُحِبَّ أنْ يُحمَدَ على شيءٍ من عمل الله"1. وجاء في القرآن الكريم: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾2.
 
قصّة
"ذهب بعض من الشخصيّات السياسية إلى الإمام الخميني، وتكلَّموا أمامه بأنّهم قاموا بالكثير من الأعمال من أجل الثورة الإسلامية، فما كان جواب الإمام إلا أن قال: "ألأجلي أنا قمتم بما قمتم أم لأجل الله؟! فإذا كان من أجلي أنا فلا قيمة لأعمالكم، وإذا كان من أجل الله تعالى فلماذا تتوقّعون منّي أنا الشكر؟"3.
 
ولذلك ترى الإمام الراحل الخميني قدس سره، يتوجّه إلى المجاهدين والقوى العسكرية للأمّة الإسلامية المباركة بالخطاب التّالي: "أيّ جنود مجهولين قد وُهبوا لهذا المجتمع"، وانظر في هذا التوصيف، الجنود المجهولون، مجهولون لماذا؟ لأنّهم صامتون، لا يفضحون إخلاصهم لا بحركات اللسان، ولا بإيحاءات الأفعال.
 
النصر والهزيمة في عين الله تعالى
يقول الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ 





1 الفتّال النيسابوري، روضة الواعظين، ص414.
2 سورة الكهف، الآية 110.
3 مظاهري، خصال الجهادين، ص 74، دار المحجة البيضاء، ط4، 1999، بيروت.

 
 
 
 
 
 
56

52

الرّصاصة العاشرة: سيماء المخلصين

 وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾1. هل ترى فرقاً بين الشهادة، والنصر؟.. في الحقيقة إنّما هو انتصار واحد يسعى وراءه المجاهد، وباقي الأمور من الشهادة والهزيمة وحتى النصر، إنّما هي أمور ظاهرية. الانتصار الأوحد للمكلّف هو بأن يقوم بتكليفه على أكمل وجه، أن يهزم الشيطان الذي يوسوس له بالفرار والهروب والغدر والخيانة. فمتى ما تحقّق ذلك وانتصر المكلّف على شيطانه، فإنْ منَّ الله بالنصر فرح المجاهد به، وإنْ منّ عليه بالشهادة والقتل في سبيله زادت فرحته أضعافاً، وإن كانت المعركة في الحقيقة قد كسبها الأعداء.

 
فالإنسان المخلص، يضع نفسه في هذا الميزان، ميزان النصر والهزيمة، فمتى ما شعر أنّه لو خسر المعركة فإنّ الناس سوف يتكلّمون عنه فيحزن لذلك، فليعتبر أنّ إخلاصه مصاب بخدش عظيم، ولو قاتل من أجل أن لا يعيره أحد بالهزيمة فقُتل أثناء ذلك، فإنّه لا يكون مقتولاً في سبيل المولى، بل في سبيل ذاته ونفسه وأنانيّته. وأيضاً متى شعر المجاهد بأنّه لو انتصر فإنّ الناس سيقدِّسونه ويُعظّمونه، فيفرحُ لذلك مسبقاً، ويبقى أمله وهو يحارب أن ينتصر لكي يفرح بفرح الناس به! ولو قُتِل هذا المجاهد وهو على هذه الحالة، مات كما مات صاحبه.
 
فالصحيح أن لا يكون عنده أيّ همٍّ بالربح والخسارة، وليهتم حصراً بأداء التكليف، لأنّ الهزيمة كما النصر، هما مقدّران من عند الله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾2 والأصحّ من ذلك أنّ الإنسان المؤمن منتصر دوماً لأدائه التكليف الشرعي، كما يقول الإمام الخميني 



1 سورة التوبة، الآية 52.
2 سورة الروم، الآية5.
 
 
 
 
 
 
 
 
57

53

الرّصاصة العاشرة: سيماء المخلصين

 قدس سره في كلمته المشهورة: "لا معنى ولا وجود للهزيمة بالنسبة لمن يعمل في سبيل الله تعالى".

 
كن زاهداً في المراتب
أيُّها المجاهد، هلَّا راقبت نفسك، هلّا سألتها إن هي حُرمت من المراتب والدَّرجات الظَّاهرية التي يسعى الناس وراءها في هذه الدُّنيا، ويكون جلّ جهدهم في سبيلها وتعبهم وأرقهم، هل إن هي حُرمت منها تأثَّرت وحزنت وقامت بما لا يُرضي المولى، من استغابة المؤمنين، والسَّعي لأذيّتهم للوصول إلى تلك المراتب.
 
إذا رأيت نفسك تجنح نحوها، فاسمع جيّداً ما يقوله أمير المؤمنين والمتّقين عليه السلام "ذو الشرف لا تُبطره منزلة نالها وإن عظُمت، كالجبل الذي لا تُزعزعه الرياح"1، وحديث الإمام الباقر عليه السلام "المؤمن أصلب من الجبل"2. فلا يجب أن يهتزّ المؤمن لمنصب ناله أو لم ينله. المهمّ أن يكون قد أدّى تكليفه، أمّا الجزاء والثواب فهو من لدن الخبير العليم، الذي يُقدّر كيف ومتى وبأيّ صورة يكون ثواب هذا الإنسان المؤمن بشرط أن يبقى على إخلاصه في العمل ولا يُجاهر به. ونُلفت هنا نظرك، إلى أنّ القيام بالعمل لوجه المولى سبحانه وتعالى أمر صعب، لكن الأصعب منه أن يُحافظ الإنسان على العمل صافياً من دون غشاوة الشرك والرياء، ولقد قال الإمام الصادق عليه السلام "الإبقاء على العمل حتى يخلص أشدّ من العمل"3، وقال الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام "تصفية العمل أشدّ من العمل، وتخليص النيّة عن الفساد أشدّ على العاملين من طول الجهاد"4.





1 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص257.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص241.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص16.
4 م.ن، ج8، ص24.
 
 
 
 
 
 
 
 
58

54

الرّصاصة العاشرة: سيماء المخلصين

 ومن الأمور المتفرّعة على هذه النقطة، أن لا يُسيء المجاهد استغلال المنصب والجاه والموقع والزيّ، فعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم "من لبس ثوباً فاختال فيه خسف الله به من شفير جهنّم يتخلخل فيه ما دامت السموات والأرض"1. وانتبه أن لا تُهين أحداً، وبالخصوص المجاهد في سبيل الله، والذي يُقاتل معك على خطّ الجبهة، فإنّ إهانته من الكبائر والعظائم، فعن الإمام الصادق عليه السلام عن الرسول الأعظم: "قال الله تبارك وتعالى من أهان لي وليّاً فقد أرصد لمحاربتي"2. هلّا رأيت كم هو عظيم وخطير أمر إهانة أخ مؤمن، فكيف بمجاهد في سبيل الله! وفي المقلب الآخر يُنقل عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من أسرَّ مؤمناً فقد سرّني ومن سرَّني فقد سرَّ الله"3، فإدخال السرور إلى قلبه أمر عظيم وجليل، خاصّة إذا كنت على جبهة القتال، فهلمّ دائماً إلى إدخال السرور إلى قلبه، عسى أن يرضى عنك المولى ويجبر ما عرى عملك من تقصير.

 
واعلم أنّ القدرة على عدم الإهانة، أو إدخال السرور، باستخدام الموقع أو المنصب، لا يتيسّر إلا لمن كان قلبه فارغاً من الشرك والرياء وممتلئاً بالمحبّة والإخلاص لله الحبيب القريب.
 
أيُّها المجاهد الحبيب، تلك كانت وقفة مع الإخلاص، أخذنا بها من وقتك مقطعاً، ونتركك الآن في راحة الخلاص4 في هذا اليوم الجهادي المبارك، والسلام.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 
 
 



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج5، ص44.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص351.
3 م.ن، ص188.
4 فعن الإمام علي عليه السلام: "في الإخلاص يكون الخَلاصُ".
 
 
 
 
 
 
 
59

55

الرّصاصة الحادية عشر: نسيم الإخلاص

 الرّصاصة الحادية عشر: نسيم الإخلاص

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
يُتعبك العمل المضني في ساحات الجهاد، ويؤرقك السهر والجهد والترقّب، منتظراً في الأفق هدير دبّابة. والخلق كلّهم وراءك، الأهل والعيال والأحبّة، وأمامك العدوّ، وروح تنتظر مرور قافلة الشهادة. هل تشعر بالله أكثر، هل يدخل عشقه المشتعل في قلبك؟ وأنّ عملك كلّه لله؟
 
ليس هناك في الحرب وساحات الجهاد مسألة أهمّ من مسألة الإخلاص، لأنَّ الجهاد هو ساحة اللقاء بالله، وساحة العمل. وكلّ شيء تحت نار القذائف والرصاص يظهر إلى الملأ، تظهر الشجاعة والجبن والخوف، والحبّ والكره، الثبات والفرار، والإخلاص والرياء.
 
من دعاء زين العابدين عليه السلام: "اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد، واجعلنا ممّن جاسوا خلال الديار، واستوحشوا من مؤانسة الجاهلين، وسموا إلى العلو بنور الإخلاص"1.
 
إنَّ الإنسان المؤمن هو إنسان لديه بالإضافة إلى هذه الحياة العادية، حياة أخرى مهمّة جدّاً، وهي الحياة الإيمانية الداخلية التي يعيشها الإنسان



1 الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، نسخة الأبطحي، ص472، قم، نمونه، 1411هـ، ط1.
 
 
 
 
 
 
 
60

56

الرّصاصة الحادية عشر: نسيم الإخلاص

 مع ربّه، حيث تكون جميع أعماله متوجّهة قبلتها نحو الحقّ، وحياته وتفكيره ووجدانه كلّه يدور حول كعبة وجوده المقدّس. والإخلاص أعلى الإيمان، كما عن أمير المؤمنين عليه السلام: "والإخلاص غاية الدِّين، وهو ملاك العبادة"1.

 
فيا أيُّها المجاهد العزيز، وأنت في ساحات الكفاح، ساحات الجهاد الأكبر والأصغر، هل تفكّرت جيّداً في هذا الجهد الذي تبذله، والتعب الذي تتحمّله، وكلّ المصاعب والمخاطر واحتمالات الشهادة والجراح الخطيرة التي من الممكن كثيراً حدوثها لك. هل فكّرت فيها جيّداً؟ هل ترى أنّك مخلص في جهادك، وهل ترى أنّ هذا الإخلاص يسمو بك إلى العلى كما يريد ذلك منك إمامنا السجّاد؟ هل هو كلّه لوجه الله؟!
 
أهمّية الإخلاص
الإنسان المخلص، هو من يملك الرؤية الواضحة في جميع الأمور الدنيويّة والأخرويّة، وخاصة حينما تتراكب سحب الفتن، ولا يعود الحقّ ظاهراً، وتأتي الشبهات من المشرق والمغرب، لأنّه عند ذلك يُفتقد كلّ من كان نور إيمانه ضعيفاً. ألم تر الناس حينما يحين وقت الجهاد، وتتلبّد السماء بالطائرات العسكرية، وتنفخ أبواق الشرّ، ألا يفزعون؟ ألا يهربون؟ ألا يتركون الحقّ وحيداً في كربلاء الحريّة؟
 
إذَنْ، أيُّها المجاهد الأعزّ، فليكن إخلاصك نور الحقّ، نورٌ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾2.
 
أيُّها المجاهد الحبيب، يعرف الإنسان المخلص أهمّية الإخلاص الذي





1 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص19.
2 سورة النور، الآية 35.
 
 
 
 
 
 
 
61

57

الرّصاصة الحادية عشر: نسيم الإخلاص

 يعيشه، والذي يسمو بروحه إلى العلى، لأنّه بهذا الإخلاص يكون دائماً على اتصال بالله عزّ وجلّ، يراه أمام كلّ عمل وفي كلّ عمل وبعد كلّ عمل، وأمّا من هو بعيد عن الإخلاص، فهل تعتقد أنّه قريب من الله، أو يسمح له الله بأن يتقرّب منه، وكيف يتقرّب منه هذا العبد غير المخلص وقلبه من الله فارغ، وأعماله هي من أجل فلان وعلّان أو لنفسه وأنانيّته. فهكذا إنسان بحسب ما يشرحه لنا أهل البيت هو إنسان بعيد عن الإنسان والإنسانية. عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "ولا بدّ للعبد من خالص النيّة في كلّ حركة وسكون، إذ لو لم يكن بهذا المعنى يكون غافلاً، والغافلون وصفهم الله بقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾1.

 
وانتبه أيضاً، إلى أنّ الإنسان المؤمن الذي يتمسّك بإيمانه، ويُسلّم أمره إلى الله، ويجتنب عن المحرّمات ويقوم بالواجبات، ويحيا حياة الطيّبين لا الأشقياء، هو إنسان فيما بينه وبين الله سببٌ قوي وحبلٌ متين، وما الإسلام إلا التسليم، وما التسليم إلا الإيمان بالله الواحد القهّار، وأن لا إله سواه، فمن كان بهذه الحال، فإنّ الله سبحانه الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور! وقد روي عن مولانا حبيب الله، محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "قال الله تعالى: لا أطّلع على قلب عبد فأعلم منه حبّ الإخلاص لطاعتي لوجهي، وابتغاء مرضاتي، إلا تولّيت تقويمه وسياسته"2. فلك أن تطمئنّ قليلاً أيُّها المجاهد في سبيل الله، بأنّك إذا أظهرت الإيمان لخالقك، فإنّه سيكون لك الحامي والمحامي ضدّ الشيطان وجنوده، وسيمنع عنك الزلل: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾3.





1 النوري، الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج1، ص99.
2 م.ن، ج4، ص483.
3 سورة الزمر، الآيتان 82-83.
 
 
 
 
 
 
 
62

58

الرّصاصة الحادية عشر: نسيم الإخلاص

 ولا بدّ لنا أن نتذكّر دائماً، في ليلنا ونهارنا، أنّ الله سبحانه وتعالى لا يريدُ من الإنسان المؤمن إلا ما كان خالصاً له، ولا ينظر الله إلى قومٍ ويشملهم برحمته الرحيمية وعنايته إلا إذا كان بينهم أناس يخلصون له، ولا يشركون في أعمالهم ونيّاتهم أحداً سواه، همُّهم الأوحد طاعة المولى، وجهادهم الفرد هو في سبيله. وفي ذلك كان دعاء مولانا السجّاد عليه السلام "واجعل جهادنا فيك، وهمَّنا في طاعتك، وأخلص نيّاتنا في معاملتك"1! وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّما نَصَرَ الله هذه الأمّة بضعفائها ودعوتهم وجهادهم وإخلاصهم وصلاتهم"2، فالضعفاء، والذين يصطلح عليهم الإمام الخميني قدس سره بالمستضعفين، هم زبدة الأمّة وخلاصة نورها وتعلّقها بالله، بدعوتهم لعبادة الله الواحد، وبجهادهم وتضحياتهم المادّية والمعنوية، وبإخلاصهم، وتمسّكهم بأهم فريضة - الصلاة - يمنّ الله على الأمة بالنصر والانتصار.

 
روضة الأنس (قصة)
كان شخص يتمنّى لو أنَّه كان حاضراً في واقعة كربلاء، فيستشهد مع سيد الشهداء عليه السلام، مردّداً دائماً: "يا ليتني كنت معك سيّدي فأفوز فوزاً عظيماً"، حتى شاهد في المنام أنّه في صحراء كربلاء وبين يدي الإمام الحسين عليه السلام، فقال له الإمام عليه السلام: "كثيراً ما تمنّيت أن تكون معي فتنال الشهادة، فهذا الفرس والسيف"، وأمره أن يحمل على الأعداء لينال الشهادة، فاضطرّب الرجل وارتعش بدنه.
 
وفي هذه الأثناء طلبت زينب عليها السلام أن تُكلِّم أخاها فالتفت إليها الإمام 





1 الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، نسخة الأبطحي، ص411.
2 الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء، ج8، ص125.
 
 
 
 
 
 
 
63

59

الرّصاصة الحادية عشر: نسيم الإخلاص

 عليه السلام، فانتهز الرجل الفرصة وهرب من الميدان، وهنا استيقظت زوجته وهي تحاول إيقاظه، لكنّه كان يركض في الغرفة مذعوراً، وهو يقول: "الهرب الهرب. فقالت له: ماذا بك يا رجل؟!، فقال لها: رحم الله زينب فلو لم تُشغل الحسين وتُكلّمه، لكانت استمرّت المعركة، وكنت فقدتِ زوجك الآن وجلستِ في عزائه"1.

 
فليس دائماً حينما يدَّعي الإنسان الإخلاص والإيمان، فإنَّه يكون واقعاً كذلك، والامتحان في وقت البلاء يُعرّي الإنسان مـمَّا يستره من قبيح الصِّفات والنَّوايا. فعلى الإنسان أن يَـجهد في كسب الإخلاص والمـحبَّة الحقيقيّين.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 
 



1 الكلبيكاني، علي: منهاج السرور، ص 172، بيروت، دار الهادي، 1994، ط1.
 
 
 
 
 
 
 
 
64

60

الرّصاصة الثانية عشرة: كن مع الصابرين

 الرّصاصة الثانية عشرة: كن مع الصابرين

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
تشتدّ الأزمات عليك، وأنت قابض على سلاحك، الجوع والعطش، وتعبُ جسدٍ يرهقه الترقّب والانتظار، الأرض حولك موحشة؟ تشتاق للأهل والأحباب؟ هل تفقد صبرك لحظة، ثم تستغفر من هذه البادرة؟
 
أيُّها المجاهد الحبيب: 
هل تعلم أنّ صبرك ثوابه ثواب ألف شهيد!1
ألم يحصل معك في ساح الجهاد والأمور مستتبّة جدّاً، والمكان مهيّأ للمعركة، والجميع قد أخذ موقعه، أنّ أحد الإخوة، لم يستطع الانتظار قليلاً لأخذ الإذن من المسؤول في البدء بالعملية أو الهجوم، فانطلق وحده ممّا أربك الجميع، وأدَّى ذلك إلى حدوث جراح في الإخوة واستشهاد آخرين.. ! أليست هذه صورة معقولة من صور الفشل التي سبّبها عدم الصبر؟! وقد تكون صورة أخرى مختلفة جدّاً، يهرب فيها الأخ المجاهد من ميدان المعركة لأنّ الأجواء العسكرية الخطيرة هي فوق طاقته، ففقد الصبر وهرب؟!
 
هذه حالة من حالات كثيرة قد تحدث، والمشكلة المشتركة هي عدم



1 الإمام الصادق عليه السلام: أيّما رجل اشتكى فصبر واحتسب، كتب الله له من الأجر أجر ألف شهيد !
 
 
 
 
 
 
 
 
65

61

الرّصاصة الثانية عشرة: كن مع الصابرين

 تربية الأخ المؤمن المجاهد نفسه على الصبر والاحتساب، وبسبب ذلك قد يقع في ابتلاءات خطيرة ومشاكل لا حصر لها، تتّضح الصورة بعدها بضعف إيمان الأخ أو عدم توفيقه في الحفاظ على جوهرة إيمانه. فما السبب؟! وكيف يمكن المعالجة؟! وما الأمور السلبية والإيجابية التي من الممكن الحديث عنها في رحاب الصبر؟!

 
أهمّية الصبر
ينُقل عن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام قوله: "الصبر في الأمور بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور"1
 
وعلى هذا المقياس ينسحب موضوع الصبر إلى كلّ الأمور المادّية والمعنوية، ففي الحياة المادّية اليومية مصاعب تُواجَه بالصبر، وفي الحياة الإيمانية المعنوية هناك مراحل ومراتب لا تُحصّل إلا بالصبر، فقد يوفّقك المولى للاستيقاظ لصلاة الليل، وتجد فيها لذّة وفرحة، لكن الاستيقاظ لصلاة الليل يحتاج إلى تهيئة مقدّمات، من النوم الباكر، وعقد النيّة للاستيقاظ، وشحذ الهمّة قبل النوم، وعدم التخمة في الأكل، والقيام من المخدع الدافئ إلى البرد القارس، ومن هناء النوم إلى تعب العبادة. فمن لا صبر له على ذلك كلّه، خسر صلاة الليل وما فيها من عبادة وأجر ولذّة!
 
وما قلناه ههنا مثلٌ يصحّ انطباقه على باقي الأمور المعنوية، ومنها الجهاد في سبيل الله، والذي هو درب الصابرين المحتسبين، الذين يُلاقون المصاعب الجمّة، والمخاطر المهولة، خاصةً أنّ الثمن غال، ألا وهو النفس البشرية الساكنة بين جنبي الإنسان. ولأجل ذلك قال الإمام الصادق عليه السلام: "الصبر رأس الإيمان". ولربما إليه أشارت الآية الكريمة: 





1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص90.
 
 
 
 
 
 
 
 
66

62

الرّصاصة الثانية عشرة: كن مع الصابرين

 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾1 إذ وجّهت الخطاب إلى المؤمنين، فأمرتهم بالصبر أولاً ثم الصلاة، والله في الختام. مع الصابرين!

 
والأمر أخطر، فالإمام عليّ بن الحسين عليه السلام يجعل من الصبر مساوياً للإيمان، فيقول: "إنّه لا إيمان لمن لا صبر له"2.
 
فيا أيُّها المجاهد، دقّق قليلاً في روحيّتك وحالتك المعنوية، وابحث عن مواطن الغضب فيك أو الجبن والخوف لا سمح الله، ودقّق في كلّ أمرٍ، حتى تطمئن أنّ روحيّتك العالية ومعنويّاتك المطمئنة، ستقف في وقت الأزمة بالمرصاد أمام أيّ مشكلة، سلاحها الصبر وسيفها الإيمان.
 
من وحي الصابرين
وقد يحصل لك أن تشكّ في قدرتك على الصبر إن واجهت أمراً صعباً أو أزمة ما، فما عليك إلا أن تُراقب قليلاً هذه العلامات الثلاث كي ترى إن كنت ستستطيع الصبر. فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "علامة الصابر في ثلاث: أوّلها أن لا يكسل، والثانية أن لا يضجر، والثالثة أن لا يشكو من ربّه تعالى"3. فالكسل هو عدم وجود الهمّة لفعل معيّن، والضجر حالة نفسية تبعث على السكون وعدم الحماس للشيء، وأمّا الشكوى من الباري فهي من قبيل حسن الظنّ الذي تكلّمنا عنه آنفاً. ويُكمل الرسول في شرح هذه العلامات فيقول: لأنّه إذا كسل فقد ضيّع الحقّ، وإذا ضجر لم يؤدّ الشكر، وإذا شكا من ربّه عزّ وجلّ فقد عصاه. فلا يفكّرنّ أحد عند وقوع المصيبة في تحميل الله المسؤولية من باب عدم قدرته هو على الصبر،





1 سورة االبقرة، الآية 153.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص89.
3 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص23.
 
 
 
 
 
 
 
67

63

الرّصاصة الثانية عشرة: كن مع الصابرين

 فيكون ذلك بالإضافة إلى سوء الظنّ بالله علامة على عدم الإيمان الحقيقي بالتسليم الكامل لله تعالى والذي هو معنى الإسلام.. وهذا الأمر لا يصحّ للإنسان العادي، فكيف بالمجاهد الذي يُدافع بالروح وبالغالي عن هذا الإسلام العظيم؟!

 
ولربما، أيُّها المجاهد، تسأل عن نتيجة الصبر؟ وأمّا نتائجه، فليس لها حدود، لأنّ الصبر مطلوب في كلّ الأمور المادّية والمعنوية كما قلنا في البداية. فنتائج هذا الصبر على مدى تلك الأمور، ونحن نُقدّم لك أمراً واحداً من نتائج الصبر: الظفر! فمن يصبر لا بدّ أن يظفر بما صبر له، فمن يصبر في تجارته يربح المال، ومن يصبر في تعامله مع أهله وزوجته يظفر الحبّ والاحترام، ومن يصبر في أرض المعركة يظفر النصر المؤزّر بكلّ شرف وعزّة! ولقد روي عن الإمام عليّ عليه السلام في هذا المعنى: "من ركب مركب الصبر اهتدى إلى مضمار النصر"1. وإن طالت مدّة الصبر، فعن الإمام العظيم علي بن أبي طالب عليه السلام:" لا يعدم الصبور الظفر، وإن طال به الزمان"2. فلا تيأس لأنّ الظفر بعد الصبر هو وعد إلهي لا محيص عنه إذ يقول في كتابه المشرَّف: 
 
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾3! فتأمّل أيُّها المجاهد في هذا اللطف الإلهي المحيط بك، ولا تكن من الخاسرين بتركك فرصة شرطها الوحيد هو القيام بأمر واحد هو الصبر!
 
وإن سألتني عن الثواب، ثواب الصابر في الله عزّ وجلّ، فإنّ الأحاديث الكثيرة في ذلك تُطمئن الإنسان المؤمن المبتلى، فعن الإمام الصادق عليه السلام:



1 علي بن أبي فتح الأربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج3، ص138.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج15، ص246.
3 سورة المؤمنون، الآية 111.


 
 
 
 
 
 
68

64

الرّصاصة الثانية عشرة: كن مع الصابرين

 "من ابتُلي من شيعتنا فصبر عليه كان له أجر ألف شهيد"1. وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "عجبت للمؤمن وجزعه من السقم، ولو علم ما له في السقم لأحبّ أن لا يزال سقيماً حتى يلقى ربّه عزّ وجلّ"2. ويرفع الإمام الباقر عليه السلام السقف عالياً في ذلك فيقول: "لو يعلم المؤمن ما له في المصائب من الأجر لتمنّى أن ُيقرض بالمقاريض"3.

 
أيُّها المجاهد، فليكن حبّ الله ساكن قلبك، لأنّ حبّه يُنسيك الكون وكلّ هموم الدنيا، ولأنّ حبّه بلسم للروح، وشفاء للنفس. وأنت لمن تجاهد وفي سبيل من، أليس في سبيل الله عزّ وجلّ؟! فليكن سعينا دوماً أن نكون دائماً في المحلّ الذي يتوقّعنا الله أن نكون فيه، وأن لا يفتقدنا حيث أمرنا أن نكون. وتذكّر دائماً هذا الحديث العظيم في كلّ لحظة عسى أن يساعد قلبك في التعلّق بالمعشوق الأوحد عزّت أسماؤه، حيث يقول يعسوب الدِّين عليه السلام: "حبُّ الله نارٌ لا يمرُّ على شيء إلا احترق، ونور الله لا يطلع على شيء إلا أضاء"4.
 
وأنّه: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾5.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 



1 محمد بن همام الاسكافي، التمحيص، ص59.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج2، ص625.
3 حسين بن سعيد الكوفي، المؤمن، ص15.
4 الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء، ج8، ص7.
5 سورة البقرة، الآية249.
 
 
 
 
 
 
 
 
69

65

الرّصاصة الثالثة عشرة: مع إخوة الجهاد

 الرّصاصة الثالثة عشرة: مع إخوة الجهاد

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
تجتمع حولك الملائكة، وأنت تحرس الثغور، والأرض التي تحميها، أرض قدسية عزيزة. ولولا الباري عزّ وعلا، ولولا إخوتك المجاهدين، فإنَّك لا تستطيع وحدك أن تُحرز النصر، أو تمنع الهزيمة! إنّ المجاهدين بعضهم مع بعض، إخوة يحملون السلاح كتفاً بكتف، ويستقبلون الموت والشهادة بنحورهم. هم إخوان طيّبون، مقاومون، تركوا كلّ غالٍ خلفهم، ومضوا إلى الجهاد واثقين بنصرٍ من الله قريب، أو شهادة مظفّرة حمراء، فكيف تتعامل مع إخوتك في الجهاد؟!
 
أيُّها المجاهد الحبيب:
في كثير من الأحيان يصدف أن ينقل بعض المجاهدين خلافاتهم، أو مشاكلهم الشخصية أو النفسية معه إلى الجبهة. وفي الحقيقة، إنّ هذا الأمر حينما يحصل فإنّه يُشكّل كارثة للإخوة الموجودين معاً على خطّ النار، لماذا؟ لأنّ نداء الإسلام المحمّدي الأصيل هو نداء: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم  
 
 
 
 
 
 
 
70

66

الرّصاصة الثالثة عشرة: مع إخوة الجهاد

 مِّنْهَا﴾1، فتوحيد قلوب المؤمنين والتأليف بينها هو من شؤون الباري تعالى، فكيف يجوز لأحد من الناس أن يقوم بتفريق ما جمعه الباري، وأن يبثّ البغضاء والفرقة بين قلوب طهّرها الله بماء المحبَّة الربَّانية. فالله يُحذِّر بلسانِ القرآن من بثّ الفرقة والخلاف بين المؤمنين، حتَّى وإن كانت الدواعي الظَّاهرة للشَّخص المقصود دواعٍ مهمّة، فإنّها إن أثّرت على الألفة الموجودة بين المسلمين كان عمله هذا بخلاف إرادة الله عزّ وجلّ. وساحة المواجهة مع العدوّ، هي ساحة إلهية، وهي جنّة لقاء المؤمن بالله العزيز القدير، وهي مكان حيث إنّه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾2، فكلّ من يُدخل النزاع والفرقة بين الإخوة المؤمنين المجاهدين فهو في دائرة غضب الله، هو وكلّ من لا يُساهم في إطفاء نائرة الفتنة!

 
ما هي الأخوّة الحقيقيّة؟
أيُّها المجاهد، إنَّ للمتحابّين في الله، درجات سامية وعالية جدّاً عنده يوم القيامة، فاسعَ لتلك الدرجات، وأحبّ أخيك المجاهد محبّة في الله، تجاوز بها ما قد يبدر منه من تصرُّفات أو أخطاء اتجاهك قربة لله، وكن جنبه دائماً تُساعده وتمدّه بالعون متى احتاج قربة لله. وتذكّر دائماً حديث الإمام علي عليه السلام "إنّ المتحابّين في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد أضاء نورُ أجسادهم ونورُ منابرهم كلَّ شيء، حتى يُعرفوا به، فيقال: هؤلاء المتحابّون في الله"3!





1 سورة آل عمران، الآية 103.
2 سورة الأنفال، الآية 17.
3 البرقي، أحمد بن محمد بن خالد: المحاسن، ج1، ص265، طهران، دار الكتب الإسلامية، ط1، 1370هـ.ش.
 
 
 
 
 
 
 
71

67

الرّصاصة الثالثة عشرة: مع إخوة الجهاد

 ولأخيك المؤمن حقوق عليك، تذكّرها دائماً وحاول الحفاظ على أدائها، واجعل ذلك كلّه بنيّة القربة لله العزيز، وههنا بعض من تلك الحقوق كما يُقرّرها فقيه آل البيت الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ للمؤمن على أخيه حقوقاً سبعة:

- أن يُحبّ له ما يُحبّ لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه.
- أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره.
- أن يحفظه في نفسه وماله ويده ولسانه. أن تكون عينه ودليله ومرآته.
- أن لا تشبع ويجوع ولا تروى ويظمأ ولا تلبس ويعرى.
- أن تبرّ قسمه وتُجيب دعوته وتعود مريضه وتشهد جنازته.
- وإذا علمت أنّ له حاجة تُبادره إلى قضائها ولا تُلجئه أن يسألكها, ولكن تُبادره مبادرة فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك"1.
 
وانتبه أيضاً إلى أنّه هناك بعض الأمور والصفات التي يجب توافرها فيك أنت كي تكون أهلاً لاكتساب الإخوان، والحفاظ عليهم، وهذه المحدّدات والشروط متى ما وجدت وجد معها الصديق، فعن الإمام العسكري عليه السلام: "من كان الورع سجيّته، والكرم طبيعته، والحلم خلّته، كثر صديقه والثناء عليه"2. فالتقوى مطلوبة لأنّ المتّقي والورِع يخاف الله فلا يظلم أحداً ولا يؤذيه أو يُسيء إليه، ووجود صفة الكرم فيه راحة للمحيطين به ومدعاة إلى الالتفاف حوله واحترامه، وبإضافة الحلم وقدرته على التأنّي في التعاطي والعفو عند الإساءة، تجعل من هذا الإنسان نموذجاً للشخص





1 الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج2، ص469.
2 الديلمي، أعلام الدين، ص313.
 
 
 
 
 
 
 
72

68

الرّصاصة الثالثة عشرة: مع إخوة الجهاد

 المحبوب الذي تحسن صحبته والرفقة معه.

 
كما يجب عليك الالتفات إلى أنّ طول الزمن الذي تقضيه مجاهداً مع إخوتك في الجهاد، يوجب عليك الاحتياط في التعامل مع أخيك، لأنّه تنشأ مع المدّة علاقة ودٍّ ومحبّة تُذكّيها التجارب والمخاطر والأيام الحلوة والمرّة التي تمرّ عليكما. فالانتباه إلى حرمة الأخ واجب، وكذلك إلى حرمة نفسه وماله وعرضه، حرمة حالته المعنوية، فلا تُحزنه أو تُدخل الغمّ إلى قلبه، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام "كلّما طالت الصحبة تأكّدت الحرمة"1! فانتبه واحذر.
 
ومتى ما رأيت نفسك قد بدأت تميل إلى اتهام صديقك وأخيك الجالس معك في الحفرة أو الخندق والمغارة، بأنّه لا بدّ أنّه فعَل الأمر الفلاني، أو قال كذا وتصرّف كذا، وأنّ الشيء السيّئ الفلاني لا بدّ أنّه هو الذي فعله، فاعلم أنّ الشيطان قد بدأ يتربّع عرش المعركة، ووظيفتك أن تقتلعه من مكانه بأسرع وقت. فعن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام: "لا يغلبنّ عليك سوء الظنّ، فإنّه لا يدع بينك وبين صديق صفحاً"2. ولا بدّ وأن يُخفّف الإنسان من النقاش والجدال بينه وبين صديقه، فعن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال: "من ناقش الإخوان قلَّ صديقه"3.
 
وفي نفس سياق محاربة الشيطان، ينصح أئمّتنا بأنّه متى شعرت بميل وحبٍّ نحو أحد الإخوان، فعليك أن تُعلمه بأنّه قريب من قلبك ووجدانك، بأنّك تُحبّه وتُعزّه فعلاً. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أحبّ أحدكم صاحبه أو أخاه فليعلمه"4. وانتبه إلى صديق السوء، فلا تقترب منه، فما هو إلا كاللغم، لا يصحّ إلا الابتعاد عنه، وإلا كان المصير معروفاً! فعن الإمام عليّ عليه السلام: "احذر مجالسة قرين السوء، فإنّه يُهلك مقارنه، ويُردي مصاحبه"5!
 
خاتمة
وانظر أيُّها المجاهد في الختام، إلى هذه الأحاديث الشريفة التي تُبيّن أهمّية أخيك المؤمن، ومدى العلقة الوجدانية التي من الواجب أن تكون بينك وبينه، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "الأخ المكتسب في الله أقرب الأقرباء، وأرحم من الأمّهات والآباء"6.
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن قلب الظمآن إلى الماء البارد"7.



1 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص135.
2 السيد ابن طاووس، كشف المحجة لثمرة المهجة، ص167.
3 م.ن، ص437.
4 البرقي، المحاسن، ج1، ص266.
5 الليثي، عيون الحكم والمواعظ، ص103. 
6 م.ن، ص55.
7 الراوندي، فضل الله، النوادر، ص100.
 
 
 
 
 
 
 
73

69

الرّصاصة الثالثة عشرة: مع إخوة الجهاد

 وعن الإمام الصادق عليه السلام: "من لم يرغب في الاستكثار من الإخوان ابتُلي بالخسران"1.

 
وعن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا وإنّ المؤمنين إذا تحابّا في الله عزّ وجلّ وتصافيا في الله كانا كالجسد الواحد إذا اشتكى أحدهما من جسده موضعاً وجد الآخر ألم ذلك الموضع"2.
 
أيُّها المجاهد الحبيب، هل يوجد حساسية بينك وبين أخيك المؤمن، هل أسأت إليه وأحزنته، فسامحك وغضّ النظر؟! فإذا كان كذلك فاعلم أنّه هو الصديق الذي يجب عليك اتّخاذه من بين الناس، فعن الإمام جعفر 





1 الحراني، ابن شعبة: تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ص319.
2 أبو الفتح الكراجكي، كنز الفوائد، ص164.

 
 
 
 
 
 
 
74

70

الرّصاصة الثالثة عشرة: مع إخوة الجهاد

 الصادق عليه السلام أنّه قال: "من غضب عليك من إخوانك ثلاث مرّات فلم يقل فيك شرّاً، فاتّخذه لنفسك صديقاً"1.

 
فلا تجعل الأشياء الصغيرة تكبر بينك وبين إخوتك المجاهدين، وأبدِ لهم المحبّة، وتذكّر دائماً أنّك تُقاتل في سبيل الله تعالى بين يدي الإمام المهدي عليه السلام!
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
 
 
 



1 الشيخ الصدوق، الأمالي، ص767.
 
 
 
 
 
 
 
 
75

71

الرصاصة الرابعة عشرة: قووا أنفسكم وأهليكم

 الرصاصة الرابعة عشرة: قووا أنفسكم وأهليكم

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
في الجبهة المقدّسة كثيراً ما تحضر في نفس المرء صور أطفاله وأهله، هي صور تُمثّل أغلى ما في الوجود عند الإنسان، وأعزُّ شيء عنده. في تلك الناحية القريبة من الموت ولقاء الله سبحانه، يكون لهؤلاء الأشخاص حضورٌ قد يوجعك أحياناً، أو يزيد في شوقك لهم.
 
ولكن، هل نسأل أنفسنا عن حضورنا بينهم حينما نرجع من جبهات القتال والجهاد؟ هل نُعطيهم حقّهم؟ هل نمدّهم بالحبّ والدفء والتربية الصالحة؟
 
يقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾1.
 
وجاء في الحديث أنَّه عندما نزلت هذه الآية، جلس رجلٌ من المسلمين يبكي، وقال أنا عجزت عن نفسي وكُلِّفت أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك، وتنهاهم عمّا تنهى عنه نفسك"2. وفي رواية أخرى سأل أبو بصير الإمام الصادق عليه السلام: كيف نقي أهلنا؟ أجاب الإمام عليه السلام: "قال تأمرهم بما أمر الله، وتنهاهم عمّا نهاهم الله, فإن



1 سورة التحريم، الآية 6.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص148.
 
 
 
 
 
 
 
76

72

الرصاصة الرابعة عشرة: قووا أنفسكم وأهليكم

 أطاعوك كنت قد وقيتهم، وإن عصوك كنت قد قضيت ما عليك"1.

 
الصلاة وصية الأنبياء
إنَّ الاهتمام بالأهل والعيال، خاصة فيما يتعلّق بالشؤون العبادية، هو أمر درج عليه الأنبياء، ومن يقتدي بالأنبياء ينبغي أن يحاول القيام بما كانوا يفعلونه، فلقد مدح القرآن الكريم نبي الله إسماعيل عليه السلام: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾2. فكان أول ما أمر به النبي إسماعيل عليه السلام أهله هي الصلاة، لأنّ للصلاة دوراً محورياً في عقيدة الإنسان وسلوكه وعلاقته بالله تعالى وبالمجتمع. ألم يقل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾3؟
 
يروي الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه: "إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين"4.
 
إذن، أيُّها الحبيب، فليكن أوّل همّك عندما تعود إلى أهلك، أن تسألهم بلطف عن الصلاة، وأن تُحافظ عليها بسلوكك وأفعالك أمامهم، لأنّ ممارسة الصلاة بأدب وانتظام واحترام أمام الأهل يكاد يكون كفيلاً في حثِّهم عليها وترغيبهم بها. وشجّعهم بكافة أنواع التشجيع المعنوي والمادّي، ولا تظنّ أنّ في ذلك جهداً ضائعاً، وكلفةً خاسرة، بل إنّ هذه الصلاة كفيلة بدفع الحزن والمشاكل والقلق والخسارة المعنوية والمادّية التي قد يجلبها سلوك خاطئ لفردٍ من أفراد الأسرة لا سمح الله.



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص148.
2 سورة مريم، الآية 55.
3 سورة العنكبوت، الآية 45.
4 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج4، ص19.
 
 
 
 
 
 
 
77

73

الرصاصة الرابعة عشرة: قووا أنفسكم وأهليكم

 الكلمة الحلوة مفتاح القلوب

أيُّها الحبيب، لا تجعل وقتك يمرُّ هباءً حينما تعود من الجبهات، فالجلوس مع الأولاد والأهل، والحديث معهم وملاطفتهم أمرٌ بالغ الأهمية، بل قد يكون على السواء مع الجهد المبذول في ساحات القتال، فلماذا يُقاتل الإنسان؟ أليس من أجل دين الله؟ ومن سيقوم بأعباء هذا الدِّين غير الأبناء والأهل والناس الطيّبين؟
 
اجعل لنفسك مقتطعاً من الوقت في كلِّ مرَّة، واجلس وجهاً لوجه مع أولادك، وانصحهم وأرشدهم, فالموعظة تُجلّي القلب، وتُصفّيه، وتوفّر الأرضية المناسبة لتقبّل التعاليم الدينيّة عند الأبناء. يوصي الإمام عليّ عليه السلام، ابنه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام فيقول له: "وأحْيِ قلبك بالموعظة"1.
 
وينقل القرآن الكريم بعض وصايا لقمان لابنه, وهو يعظه، فيقول له: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ *  وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير﴾2.
 
ولا تُحمّلهم ما لا يُطيقونه، فإنّ لكلّ فردٍ طاقة وقدرة مختلفة عن الآخر. بل امزح معهم والعب معهم، فإنّها فرصةٌ لا تُعوّض للتقرّب إليهم، يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "من كان له صبيّ فليتصابَ له"3.
 
نصائح





1 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام،الخطبة 31.
2 سورة لقمان، الآيات 17-19.
3 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج15، ص203.
 
 
 
 
 
 
 
78

74

الرصاصة الرابعة عشرة: قووا أنفسكم وأهليكم

 تقدير الأبناء: إنّ تقدير الأبناء واحترامهم ومعاشرتهم بإحسان ومراعاة شخصيّاتهم من المسائل المهمّة في العمليّة التربويّة, فالأبناء الذين ينعمون بقدرٍ كافٍ من الإكرام والاحترام في العائلة، يتمتّعون بروحيّة سليمة وطبيعية وتوازنٍ نفسيّ، ولديهم استعدادٌ أكبر لتقبّل التربية الدينيّة والأخلاقيّة. والعكس صحيح. عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه كان يأمر أتباعه فيقول: "أكرموا أولادكم، وأحسنوا آدابهم, يُغفر لكم"1.

 
إلقاء السلام والتحيّة: من السُّنن الحسنة التي ثبّتها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم , إلقاء التحيّة والسلام على الأطفال، فقد كان بنفسه يُسلِّم دائماً على الأولاد. فمن المهم إلقاء التحية على الأطفال, لأنّ ذلك يعوّد الأطفال على احترام الكبار، ويساعدهم على الانخراط في المجتمع بكلّ احترام وأدب. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "خمس لست بتاركهنّ حتى الممات... تسليمي على الصبيان, لتكون سنّةً من بعدي"2.
 
مشاركتهم في اللعب: إنّ مشاركة الوالدين الأطفالَ في اللعب، يجعل روحهم مفعمةً بالفرح، ويُنمّي حسّ الاستقلال والثقة في باطنهم. فعن جابر الأنصاري أنّه قال: "دخلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والحسن والحسين على ظهره، وهو يجثو لهما، ويقول: نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما"3
 
الأخذ بعين الاعتبار شأنيّة الأولاد: ينبغي أن تُراعى شأنيّة الأولاد والشباب، وأن يُتَعَامل معهم بوصفهم أفراداً لهم استقلاليّتهم، فيتمّ تهيئة مقاعد خاصّة لهم أثناء السفر، وعند الضيافة يُوضع لهم صحون وشوك وملاعق مستقلّة، وأثناء النوم يُمدّ لهم فُرُش مستقلّة. وعندما يدخلون





1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج15، ص 195.
2 م.ن، ج12، ص63.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج43، ص285.

 
 
 
 
 
 
79

75

الرصاصة الرابعة عشرة: قووا أنفسكم وأهليكم

 المجالس يُفسح لهم المجال للجلوس في أمكنة خاصّة، وهكذا. فالأولاد يحاولون في كافّة المجالات إبراز وجودهم، ويُحبّون أن يلتفت إليهم الكبار، وأن يتفاعلوا معهم بنحو مناسب.

 
ختام
أيُّها الحبيب! من أهمّ الأعمال التي يُستعان بها على تربية الأبناء، هو الدعاء لهم، فقد ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "اللهمّ ومُنّ عليّ ببقاء ولدي، وبإصلاحهم لي، وبإمتاعي بهم، إلهي امدد لي في أعمارهم، وزد لي في آجالهم، وربّ لي صغيرهم، وقوّ لي ضعيفهم، وأصحّ لي أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم، وعافهم في أنفسهم وفي جوارحهم وفي كلّ ما عُنيت به من أمرهم، وأدرر لي وعلى يدي أرزاقهم، واجعلهم أبراراً أتقياء بُصراء سامعين مطيعين لك ولأوليائك محبّين مناصحين، ولجميع أعدائك معاندين ومبغضين آمين"1.
 
فكن لله تعالى من الدّاعين.. والحمد لله ربّ العالمين.
 





1 الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، ص120.
 
 
 
 
 
 
 
80

76

الرصاصة الخامسة عشرة: التَّضحية والفداء في عالم الجهاد

 الرصاصة الخامسة عشرة: التَّضحية والفداء في عالم الجهاد

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
أجمل صفة يجب أن يمتلكها المجاهد، هي استعداده الدائم للبذل والتضحية. فهو لن يستطيع أن يقوم بما عليه من الواجبات الجهادية إلا إذا كان مجبولاً على التضحية والفداء، في كلّ حركة ونقل قدمٍ في ساحة الجهاد هناك تضحية وبذل، في نقل المؤمن، وفي حمل الذخيرة، وفي التقدُّم للجبهة الأمامية، إنّها روحيّة من باع روحه لله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾1.
 
ربما يتبادر إلى أذهان الكثيرين أنّ صفة التضحية هي من البديهيّات التي لا يلتفت إليها المقاوم أو المجاهد، فمن من المجاهدين لا يُضحّي بوقته وجهده ونفسه؟ فهو في كلّ لحظة يتوقّع الشهادة أو الإصابة في الجسد، بل هو يتحمَّل الكثيرَ من الضُّغوط النَّفسيَّة والاجتماعيَّة في سبيل العمل. لكن وكما سوف نرى، أنّ مجرّد وجود وإحساس المجاهد بهذه





1 سورة التوبة، الآية111.
 
 
 
 
 
 
 
81

77

الرصاصة الخامسة عشرة: التَّضحية والفداء في عالم الجهاد

 الخاصّية لديه، فهذا لا يعني مباشرة أنّه قد حقّقها بشروطها أو أنّه قد وفّق تماماً في تضحيته هذه. إنّ المسألة أعمق ممّا قد يتصوّره البعض حول صفة التضحية.


فمن الأمور الضرورية التي يجب أن يلتفت إليها المجاهد والمؤمن أنّ مجرّد وجود همّة للقتال أو استعداد للتضحية - مع أنّه أمر محبوب ومرغوب - غير أنّه ليس بكافٍ في نظر الإسلام، لأنّه وفي الحقيقة يجب على هذا الفرد أن يكون قد حقّق في شخصيّته جملة من الأمور والشرائط التي بتحقُّقها جميعاً يكون هذا الفرد قد اقترب إلى تحقيق المعنى الأسمى لفضيلة التضحية.

وهذه الشرائط كما سوف يأتي في الرواية التالية، تتمثّل في تحقيق الإنسان لعدّة مراتب، منها: أن يكون تائباً، عابداً، متوجّهاً إلى أماكن ذكر الله (سائحاً)، حامداً الله على نعمه، صابراً عند نقمته، راكعاً ساجداً، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، حافظاً لحدود الله. فعندما يُحقّق الإنسان هذه المراتب فإنّه يكون لائقاً حينها بالجهاد، وتكون التضحية بنفسه وماله وكلّ ما يملك من أجمل الأمور على قلبه، لأنّ هذا القلب أصبح خليّاً من حبّ النفس والدنيا والمال والأهل والعيال، ولا مجال فيه إلا لله، فما أيسر أن يتخلّى عن الدنيا كلّها لأجل الله.

فعن علي بن إبراهيم عن أبيه عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "لقي عبّاد البصري عليّ بن الحسين صلوات الله عليهما في طريق مكّة، فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهادَ وصعوبته وأقبلتَ على الحج ولينته؟ إنّ الله عزّ وجلّ يقول: "إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يُقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقّاً في التوراة والإنجيل والقرآن
 
 
 
 
 
 
 
 
82

78

الرصاصة الخامسة عشرة: التَّضحية والفداء في عالم الجهاد

 فمن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم" فقال له علي بن الحسين عليه السلام: أتمّ الآية، فقال: "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشّر المؤمنين"، فقال علي بن الحسين عليه السلام: إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم، فالجهاد معهم أفضل من الحج1.

 
ونرى في الآية إشارة لطيفة إلى ما يريده الله من هذه التضحية، إذ أنّه بيّن أنّ أمر المقاتل في سبيل الله ينتهي إلى إحدى عاقبتين محمودتين:
- أن يُقتل في سبيل الله
- أو يغلب عدوّ الله وله على أيّ حال أجر عظيم
 
ولم يذكر ثالث الاحتمالين وهو الانهزام تلويحاً إلى أنّ المقاتل في سبيل الله لا ينهزم.
 
وقدّم القتل على الغلبة، لأنّ ثوابه أجزل وأثبت، فإنّ المقاتل الغالب على عدوّ الله وإن كان يُكتب له الأجر العظيم إلا أنّه على خطر الحبط باقتراف بعض الأعمال الموجبة لحبط الأعمال الصالحة واستتباع السيّئة بعد الحسنة، بخلاف القتل إذ لا حياة بعده إلا حياة الآخرة، فالمقتول في سبيل الله يستوفي أجره العظيم حتماً، وأما الغالب في سبيل الله فأمره مراعى في استيفاء أجره. وهذه هي الغاية الشريفة من تدريب الإنسان على التضحية عبر تهذيب نفسه وإعداده للجهاد والنصر والشهادة.
 
ومثال على معنى التضحية، وأنّها عبارة عن تخلية الفؤاد، ما ذكره 





1 السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج10، ص178-179.
 
 
 
 
 
 
 
83

79

الرصاصة الخامسة عشرة: التَّضحية والفداء في عالم الجهاد

 القرآن حول قصّة الأضحية بين إبراهيم وإسماعيل، فإنّ الأضحية في القصّة رمز والرمز يحمل في طيّاته الكثير من المعاني، فهي تُمثّل لإبراهيم عليه السلام ذبح أغلى ما يملك وأفضل ما يُحبّ من أجل الله تعالى، وذلك ليخرج من قلبه كلّ شهوة وكلّ حبّ سوى الله تعالى، فهل نفطن إلى هذا الدرس، ونذبح كلّ شهواتنا وكلّ ما نُحبّ إذا تعارض أيٌّ من ذلك مع مراد الله تعالى؟

 
1- التضحية بالنفس:
وهي أعلى أنواع التضحية، وفيها يجود المسلم بنفسه لله سبحانه وتعالى، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾1.
 
وفي حديث شريف لطيف عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم "للشهيد عند الله ستّ خصال: يُغفر له في أوّل دفعة، ويرى مقعده من الجنّة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويُشفّع في سبعين من أقربائه"2.
 
2- التضحية بالمال:
ومن المعاني الأخرى التي يواجهها المجاهد في عمله الرسالي، اضطّراره أحياناً كثيرة إلى البذل المالي في سبيل تغطية الكثير من التكاليف المادّية للعمل الجهادي والرسالي. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى لفتة، وهي أنّ بذل المال،





1 سورة التوبة، الآية 111.
2 المتقي الهندي، كنز العمال، ج4، ص405.

 
 
 
 
 
 
 
84

80

الرصاصة الخامسة عشرة: التَّضحية والفداء في عالم الجهاد

 ومع كونه واجباً شرعاً في أغلب أحواله، يرجع - وحتى في حالة عدم وجوبه الشرعي- إلى مسألة التوحيد والمحبّة لله تعالى. وسُئل الإمام الصادق عليه السلام "في كم تجب الزكاة من المال؟ فقال: أمّا الزكاة الظاهرة، ففي كلّ ألف خمسة وعشرون، وأمّا الباطنة، فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك"1.

 
يقول الله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾2.
 
وبيّن سبحانه أنّ الإنفاق في سبيله قرض حسن فقال: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾3.
 
لقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء قوماً يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلّما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يا جبريل ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة لسبعمائة ضعف، ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾4.
 
وفي حديث "عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنّ الشمس لتطلع ومعها أربعة أملاك: ملك يُنادي يا صاحب الخير أتمّ وأبشر، وملك يُنادي يا صاحب الشرّ أنزع وأقصر، وملك ينادي أعط منفقاً خلفاً وآت ممسكاً تلفاً، وملك ينضحها بالماء ولولا ذلك اشتعلت الأرض"5.





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ، ج 71، ص396.
2 سورة البقرة، الآيتان 261-262.
3 سورة البقرة، الآية 245.
4 سورة سبأ، الآية 39.
5 الشيخ الكليني، الكافي، ج4، ص42.
 
 
 
 
 
 
 
 
85

81

الرصاصة الخامسة عشرة: التَّضحية والفداء في عالم الجهاد

 التضحية بالأهل والأحبّة:

وهذا ما حدث مع الأنبياء عليهم السلام والأئمة عليهم السلام "سيما أبي عبد الله الحسين عليه السلام في معركة كربلاء، حيث قدّم الأهل والأحبّة والأصحاب أغلى ما يملكون في سبيل الله ودفاعاً عن دينه، وهذا هو حال من تبعهم من المسلمين إلى يومنا هذا، فقد هاجر الخليل إبراهيم بإسماعيل وهو ما يزال رضيعاً ضعيفاً لا يقوى على شيء، ووضعه في صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا ضرع، ولا أنيس فيها ولا جليس.
 
وهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه الكرام من مكة وهي أحبّ بلاد الله إليهم، هاجروا طاعةً لله تعالى، وقطعوا كلّ علاقاتهم بأهلهم وذويهم وأبنائهم وأحبابهم استجابة لنداء الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾1.
 
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾2.
 
وهكذا أُقيم المجتمع المسلم الأول على أكتاف رجال ضحّوا بكلّ أنواع





1 سورة التوبة، الآيتان 23 - 24.
2 سورة آل عمران، الآية 195.
 
 
 
 
 
 
 
86

82

الرصاصة الخامسة عشرة: التَّضحية والفداء في عالم الجهاد

 التضحية إنفاقاً للمال ومفارقة للأهل والولد وبذلاً للوقت والجهد وتضحية بالنفس، كلّ ذلك في سبيل الله، وتبعهم بإحسان رجال واصلوا المسيرة من التابعين وتابعيهم وإلى يومنا هذا، بل وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلن تخلو الأرض يوماً من هذا الصنف المخلص ليكونوا جند الله على أرضه وتتحوّل بهم المبادئ والقيم والعقائد واقعاً على الأرض.

 

 

 

 

 

 

87


83

الرصاصة السادسة عشرة: كن ثابتاً في الميدان!

 الرصاصة السادسة عشرة: كن ثابتاً في الميدان!

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
إنّ عدم ثبات قدميك في أرض الميدان، هو سببٌ لدخول المفسدين والجهلة إلى بلاد المسلمين، سيكون سبباً لقتل الأبرياء وهتك الأعراض، ودمار دور العبادة. إنّ ثباتك في الميدان، هو ثبات للدِّين والمؤمنين! الثبات قرين الإيمان.
 
وقد جعل الله تبارك وتعالى الثبات صفة كريمة من صفات المؤمنين, تتحقّق لهم عن طريق الاهتداء بهدي القرآن المجيد, وبالإقبال على طاعة الله والاعتصام بحبله وهداه, فقال في سورة النحل: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾1، وقال في سورة محمد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾2.
 
فحينما تعرف أنّك على حقٍّ فما عليك إلاّ أن تثبت. وحينما تعرف أنّ خصومك على ضلال فما عليك إلاّ أن لا تتنازل لهم. ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾3.



1 سورة النحل، الآية 102.
2 سورة محمد، الآية 7.
3 سورة ابراهيم، الآية27.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
88

84

الرصاصة السادسة عشرة: كن ثابتاً في الميدان!

 - هل تعرف ثبات أبي ذرّ، وميثم التمّار وحجر بن عدي؟

 
- كيف نثبت؟
 
لقد ثبت أبو ذرّ، لقد أربكهم، حتى اضطرّوا إلى نفيه للربذة، الخالية من الناس والخالية من القوت، ولكن شيئاً من ذلك لم يمنعه عن الحقّ، والصراخ في وجوه الظالمين. ولقد قال له عليّ عليه السلام ساعة توديعه وهو راحل إلى الربذة: "يا أبا ذرّ إنّك غضبت لله، فارجُ من غضبت له. إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك"1.
 
ولقد ثبت ميثم التمّار، ولم يعبأ أن تُقطع يداه ورجلاه. وهو مشدود إلى جذع نخلة، ولم ينقطع عنه نزيف الدم، إلا أنّه كان يفضح الباطل، ويُشهّر بحكم الطواغيت، ويُعرّف الناس بالحقّ. ويُلقّنهم درساً في الثبات والنضال، حتى اضطرّ خصومه لأن يقطعوا لسانه فيكفّ عن الكلام. وأنت تعرف حجر بن عدي، بطل من أبطال جبهة عليّ عليه السلام.
 
هؤلاء كيف ثبتوا؟ لقد وثقوا أنّ الحقّ معهم، والحقّ لا يعدله شيء، والهزيمة عن الحقّ ارتماء في أحضان الضلال، وجرم ليس مثله جرم. ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾2.
 
الممهّدون للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هم الثابتون
لقد شرح لنا الإمام الحسين عليه السلام قيمة الثبات، وهو في معرض الحديث عن القائد المنتظر، فقال: "له غيبة يرتدّ فيها أقوام، ويثبت على الدِّين آخرون، ويُقال لهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ أما أنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين





1 الامام علي عليه السلام، السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص12.
2 سورة البقرة، الآية217.
 
 
 
 
 
 
 
89

85

الرصاصة السادسة عشرة: كن ثابتاً في الميدان!

 يدي رسول الله"1.

 
وفي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد.. ثمّ قال: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله عبد وليتمسّك بدينه"2.
 
والثبات يتطلّب منّا جهداً. فعلينا أن نعرف مواقع العدّو، وخدع العدّو. وعلينا أن نُحصّن أنفسنا بالسلاح الكافي للحماية، والكافي للهجوم في ذات الوقت. علينا أن نعرف عقيدتنا معرفة كاملة، لنملك حينذاك الثقة التامّة بها، والقدرة على الدفاع عنها، فإنّ العقل الفارغ مغارة إبليس، كما ورد في الحديث الشريف. علينا أن نكتشف باستمرار زيف التشكيلات التي يُقدّمها أعداؤنا.
 
ثم علينا أن نعرف أنّ القضية قضية نفس لا بدّ أن نعوّدها الصبر، والعزّ، والإقدام، والتضحية, والشجاعة. يجب أن نُصبح على مستوى قضيّتنا، فكلّ شيء إزاءها رخيص وكلّ شيء من أجلها يهون. ولنتمثّل جيّداً منطق المقداد حين استشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمأصحابه للحرب، فقام إليه وقال: "يا رسول الله: امض لما أراك الله فنحن معك. والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون"3.
 
وفي هذه الأزمنة المتأخّرة التي كثُرت فيها الفتن وتوالت فيها المغريات وأقبلت الدنيا حاشدة رجلها وخيلها وعسكرها مغرّرة بالقلوب ومغرية للأنفس بنعيم الدنيا الزائف ومتاعها المرجف الراجف، في هذه الأزمنة 





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 36، ص386.
2 م.ن، ج 52، ص111.
3 ابن هشام، السيرة، ج1، ص614.
 
 
 
 
 
 
 
90

86

الرصاصة السادسة عشرة: كن ثابتاً في الميدان!

 ما أحوجنا إلى ذلك الصوت النبويّ الحاني: "يا عباد الله اثبتوا".

 
إنّ الثبات أمام الشدائد والمحن والخطوب وأمام تلوّن الدنيا ومغرياتها سمة من سمات عباد الله الصالحين الذين يعلمون أنّ الفتن إنّما هي تمحيص للمؤمنين وفتنة للغافلين اللاهين، والفئة المؤمنة لا تُغيّر من إيمانها الكروب سلباً، بل إنّ الكروب تزيدها قناعة بنصاعة الطريق الذي تسير عليه, ولذا تجد في محطّات الألم والغربة والكربة والابتلاء جلاء لما صدأ من إيمانها.
 
لقد ذكر الله عزّ وجلّ في محكم التنزيل صوراً متعدّدة للثبات في حياة المسلم وما ذلك إلا لكي يستشعر المسلم خطورة هذه القضية وأهمّيتها، ومن تلك الصور التي ذكرها القرآن العظيم صورة الثبات في المعركة أمام جحافل أعداء الله ورسوله، فالربّانيّون لا يزيدهم صليل السيوف وزمجرة الموت إلا ثباتاً وتضحية واطراحاً بين يدي الواحد الأحد مؤمّلين عونه ومدده ومغفرته: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾1.
 
نعم في أحلك ساعات الخوف والشدّة والكربة ثبات على الحقّ وإيمان عميق يقود إلى تماسك وتمسّك وعبودية مطلقة للواحد الأحد، وهكذا هم رجال الموقف ورجال الحسم الذين لا تعصف بهم الرياح كما تعصف بغيرهم من أصحاب الإيمان الواهن الضعيف: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾2، لقد





1 سورة آل عمران، الآيتان 146-147.
2 سورة البقرة، الآية250.
 
 
 
 
 
 
 
 
91

87

الرصاصة السادسة عشرة: كن ثابتاً في الميدان!

 كانت نتيجة ذلك الصبر والثبات حميدة سعيدة في الدنيا مع ما ينتظر أصحابها من حسن الجزاء في الآخرة.

 
لقد كانت مسألة الثبات على دين الله عزّ وجلّ الشغل الشاغل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت هي القضية التي تشغل فكر أصحابه من بعده وهي القضية التي كدّت أذهان العلماء والصلحاء والفضلاء، فلقد كان رسولنا كثيراً ما يدعو: "يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك" ويُروى أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمكان يدعو في صلاته: "أللهم إنّي أسألك الثبات في الأمر وأسألك عزيمة الرشد".
 
ذكر الله تعالى يُثبّت القلوب
أيُّها المجاهد الحبيب, إنّ أعظم وسيلة تُساعدك في أرض المعركة، هو أن يكون الله حاضراً في قلبك وذكره على لسانك، لأنّ أيّ شيء آخر غير الله سبحانه لا يمكن أن يُفيدك في شيء! 
 
أليس هو الضارّ والنافع؟
تأمّل في هذا الاقتران بين الأمرين في قوله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾1. فجعله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهاد.
 
فذكر الله تعالى، عقلاً وقلباً ولساناً وعملاً، هو سبيل الفلاح!
 
وسنحتاج إلى الثبات كثيراً عند تأخُّر النَّصر، حتَّى لا تزلّ قدمٌ بعد ثبوتها، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ





1 سورة الأنفال، الآية 45.
 
 
 
 
 
 
 
92

88

الرصاصة السادسة عشرة: كن ثابتاً في الميدان!

 يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾1.

 
فهلمّ أيُّها المجاهد الحبيب، إلى كتاب الله تعالى واجعل تلاوته على لسانك دائماً، وإذا أحسست بوحشة وضيق، فلا تبخل على نفسك بالدعاء، وأمسك سبّحة في يدك، حرّك حبّاتها في ذكر الله تعالى. وليكن اتجاه قلبك دائماً نحو الله تعالى، هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو على كلّ شيء قدير.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 
 



1 سورة آل عمران، الآيات 146- 148.
 
 
 
 
 
 
 
93

89

الرصاصة السابعة عشرة: التحذير من الفرار

 الرصاصة السابعة عشرة: التحذير من الفرار

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
قد تُحَدِّثك هذه النفس الجزوع بكلمات الضعف والهوان: انج بنفسك، لا تُقدم، فرّ من الحرب، لا ترمِ نفسك بالتهلكة، انسحب إلى الخلف، وغيرها من كلمات. ولكن، هل تفعل ذلك وأنت تعلم أنّ الله أشترى منك نفسك ومالك أنّ لك الجنّة؟ بل كيف يفرُّ من علم أنَّ الشَّهيد يُغفر له عند أول قطرة من دمه؟
 
عن مولى المجاهدين عليّ عليه السلام: "فعاودوا الكرَّ، واستحيوا من الفرِّ فإنَّه عارٌ في الأعقاب ونارٌ يوم الحساب"1. والإمام عليه السلام يأمر بالاستقامة والثبات وطرد فكرة الفرار من الذهن إطلاقاً، لأنّ الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر العظام، لما فيه من الخذلان البيّن والخطر العظيم على الإسلام والمسلمين.
 
الثبات في الميدان علامة الفلاح
أيُّها المجاهد العزيز، إنّ قتال أعداء الله ومقارعتهم بالسيف والقتال وعدم الفرار هو أمر له مكانة عليا في الإسلام، لأنّ الفرار من أرض المعارك ينتهي 



1 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج1، ص115.

 
 
 
 
 
 
94

90

الرصاصة السابعة عشرة: التحذير من الفرار

 إلى هزيمة المؤمنين والقضاء على الدِّين، وقد صنَّف القرآن الكريم الفارّين من الجهاد في عداد المغضوب عليهم، ولهذا ورد فيه من التغليظ والتهديد ما ورد، ومنها آية النهي عن الفرار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾1.

 
وقد أنّب مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام الفارّين من معركة صفّين من جيشه كاليعافير (الجواد السابق): "وأيم الله لئن فررتم من سيف العاجلة، لا تسلموا من سيف الآخرة وأنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم، إنّ في الفرار موجدة الله والذلّ اللازم والعار الباقي وإن الفارَّ لغير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه"2.
 
وخذ أيُّها المجاهد خصلة من مولاك الذي كان في ساحة القتال ثابتاً كالجبل الراسخ ولذا كان افتخاره عليه السلام: "فإنّي لم أفرّ من الزحف قطّ ولم يُبارزني أحد إلا سقيت الأرض من دمه"3.
 
وعنه عليه السلام أيضاً: "فعاودوا الكرّ، واستحيوا من الفرّ، فإنَّه عارٌ في الأعقاب، ونارٌ يوم الحساب. وطيبوا عن أنفسكم نفساً، وامشوا إلى الموت مشياً سجحاً"4.
 
الهروب من المعركة هروب من الله!
أخي الحبيب، ساحةُ الجبهةِ العسكرية هي ساحة صعبة وفيها متاعب ومشاق أحياناً تكون عسيرة جداً، ومع ذلك فهي ساحةٌ لنيل رضا الله تعالى


 

1 سورة الأنفال، الآيتان 15 - 16.
2 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام،خطبة 124.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ، ج 31، ص445.
4 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج1، ص115.
 
 
 
 
 
 
 
95

91

الرصاصة السابعة عشرة: التحذير من الفرار

 وطريقٌ ذو شوكةٍ لا يسير فيه إلا من باع جمجمته لله تعالى، والهروب من هناك هو هروب من رضا الله إلى سخطه، يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ليعلم المنهزم بأنّه مسخطٌ ربّه، وموبق نفسه، إنّ في الفرار موجدة الله، والذلّ اللازم، والعار الباقي، وفساد العيش عليه. وإنّ الفارّ لغير مَزيد فى عمره، ولا محجوز بينه وبين يومه، ولا يُرضي ربّه. ولَموت الرجل محقّاً قبل إتيان هذه الخصال خيرٌ من الرضى بالتلبيس بها، والإقرار عليها"1.

 
لا بدّ وأن نسأل أنفسنا هذا السؤال: إلى أين الفرار؟ فهل الإقدام في حرب العدوّ والثبات في الصف لن يُقدّم الأجل؟ وهل الفرار من ذلك لا يُؤخّره؟ فقد حرّض أمير المؤمنين صلوات الله عليه الناس بصفّين فقال: "رحم الله امرأً واسى أخاه بنفسه، ولم يكِل قِرْنَه إلى أخيه، وأيم الله، لَئِنْ فَرَرْتُـم من سيوف العاجلة لا تَسْلَمُونَ من سُيوف الآجلة، فاستعينوا بالصَّبر والصِّدق، فإنّما ينزل النصر بعد الصبر، فجاهدوا في الله حقّ جهاده ولا قوّة إلاّ بالله"2.
 
ومن باب المناسبة نتعرَّض لرواية عن الإمام الرضا عليه السلام لبيان علّة تحريم الفرار من الزحف فعن الإمام الرضا عليه السلام: "حرّم الله الفرار من الزحف، لما فيه من الوهن في الدِّين والاستخفاف بالرسل والأئمة العادلة وترك نصرتهم على الأعداء والعقوبة لهم على ترك ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبيّة، وإظهار العدل وترك الجور وإماتة الفساد، لما في ذلك من جرأة العدوّ على المسلمين وما يكون ذلك من السبي والقتل وإبطال دين الله عزّ وجلّ وغيره من الفساد"3.





1 الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص41.
2 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص4.
3 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج15ص87.

 
 
 
 
 
 
96

92

الرصاصة السابعة عشرة: التحذير من الفرار

 واعلم أيُّها المجاهد أنّه لا فرق في هذا بين أن يكون الجهاد فرض عين أم كفاية، الفرار من الزحف من أكبر الكبائر، وأعظم العظائم، وهو من المهلكات الموبقات، طالما أنّ المرء شهد القتال، ووقف في الصف.

 
فتوكَّل على الله واطرد كلّ الوساوس الشَّيطانية التي تحوم حول قلبك الطاهر وتمثَّل منطق مسلم بن عوسجة حينما أذن له الإمام الحسين عليه السلام بالانصراف: "أما والله لو قد علمت أنّي أُقتل ثم أُحيا ثم أُحرق ثم أحيا ثم أُذرى، ثم يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً"1.
 
اللهم إنّا نسألك عيش السعداء، وموت الشهداء، ومرافقة الأنبياء، والنصر على الأعداء، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
 



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ، ج 44، ص393.
 
 
 
 
 
 
 
97

93

الرصاصة الثامنة عشرة: كيف تُحقِّق النَّصر؟

 الرصاصة الثامنة عشرة: كيف تُحقِّق النَّصر؟

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
إنَّ الجهاد كلّه حلوٌ، والنَّصر الذي يُحقِّقُه المجاهدون على جبهات القتال والمعارك، هو من الأمنيات الغالية على قلوبهم.
 
لقد مرَّت عليك لحظاتٌ في هذه الأيام شعرت فيها، ومن كُلِّ قلبك، أنَّه لا ينفعك شيء في جبهة الجهاد إلا الله!
 
قد لا ينفع الاحتماء بصخرة، أو في حفيرة، أو خلف ساتر، وقد لا تشعر بأنّ سلاحك الرشّاش هو الردّ الكافي. إلا أنّه ينبغي أن لا يذهب من بالك أنّ هناك فوق كلّ قدرة في هذا الوجود، قدرة عظمى اسمها الله، وخلف كلِّ أمانٍ وسترٍ هناك درعٌ حصينٌ اسمه الله تعالى.
 
النّصر، يعني أنْ تُحقِّقَ الأهداف مستعيناً بقدرة الله تعالى، ويكون هدفك إلهيّاً، وعشقك إلهيّاً، وإرادتك إلهيّة، والنَّصر هو من "عند الله العزيز الجبّار".
 
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾1



1 سورة محمد، الآية 7.
 
 
 
 
 
 
 
98

94

الرصاصة الثامنة عشرة: كيف تُحقِّق النَّصر؟

 الهزيمة مستحيلة

إذا كنت من حزب الله، وجهّزت روحك وبدنك وسلاحك بكلّ قوّة ربّانية، فاعلم أنّ قدرك الوحيد هو النّصر، والغلبة، لأنّ النصر الحقيقي الذي له قيمة في هذا الوجود، هو أن يؤدّي الإنسان تكليفه وواجبه على أتمّ الوجوه، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾1.
 
إنّ النصر في معركة بدر والهزيمة في معركة أُحد، بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الخُلَّص، هما أمرٌ واحدٌ، لأنّ عمقهما يحمل روحية أداء التكليف، رغم أنّ المشهد الخارجي الذي رآه الناس كان هزيمةً عسكرية في أُحد، إلا أنّ العنوان هو نجاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخُلّص أصحابه بأداء التكليف، الذي قلَب الهزيمة إلى عزَّةٍ للإسلام والمسلمين في السَّنوات التي تلت. كن مطمئناً بالنصر. النصر أن ترفع رأسك أمام أعداء الله تعالى، واجعل الأمور تجري بإرادة منه تعالى، وضع يدك في يده: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾2.
 
الإيمان بالله تعالى
هناك عامل مهمّ كان وما يزال يُساهم في انتصار المسلمين في اللحظة التي يريدون فيها القيام بالحرب من أجل الله ورسوله، وهذا العامل بالتحديد هو ما لم يقدر الأعداء على فهمه أو حتى الاعتراف بوجوده، نعم هم يرون أنّ شباب المقاومة يُقاتلون قتالاً عنيفاً يهزؤون بالموت، ويعرفون أنَّ اندفاعهم هذا وقوّتهم وخوضهم للمعارك بلا خوف نتيجة لشيء ما في ثقافتهم وتفكيرهم. وأمّا نحن، فنحن نُدرك أنَّ السَّبب الحقيقي وراء قوَّة كلِّ مقاوم وعزَّة كلِّ مقاتلٍ هو أنَّه يؤمن بأنَّه ليس هو الذي يُقاتل بل الله يقاتلُ معه بجنودٍ لا يراها.





1 سورة الصافات، الآية 173.
2 سورة الأنفال، الآية 17.
 
 
 
 
 
 
 
99

95

الرصاصة الثامنة عشرة: كيف تُحقِّق النَّصر؟

 إذاً هذا العاملُ هو تأييد الله تعالى لجنده بنصره المبين تحقيقاً لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وتأكيداً للشرط والجواب في قوله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾1 ولأنَّهم حقَّقوا معيَّة الله التي طلبها منهم فكان النصر الأكيد لهم كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾2 وهذا عنصر لا يحتاج إلى تزكية للنفس فالله أعلم بخلقه ويُعطي عباده لما علم من إيمانهم لأنّ ذلك وعده الذي تكرّم به يقول سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾3.

 
العقيدة السليمة والقوية
ونلاحظ أهمّية هذا العنصر في أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ظلّ بين قومه يُبلّغهم دعوته قرابة ثلاث عشرة سنة وكان أصحابه يلاقون الذلّ والهوان وأشكال العذاب وصنوف البلاء من أعدائهم طوال بقائهم في مكة، وكانوا يتحمّسون لردّ العدوان الواقع عليهم، ولكن القرآن لم يأذن لهم في ذلك لأنّها كانت فترة تربية على العقيدة وترسيخ لمبادئ الإيمان في نفوسهم حتى إذا ما تغلغل اليقين الذي لا يخالجه شكّ، واطمأنّت نفوسهم بالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر أذن لهم بعد ذلك بالقتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾4.





1 سورة محمد، الآية 7.
2 سورة النحل، الآية 128.
3 سورة غافر، الآية 51.
4 سورة الحج، الآيتان 39-40.
 
 
 
 
 
 
 
100

96

الرصاصة الثامنة عشرة: كيف تُحقِّق النَّصر؟

 وحينما ثبت الإيمان في قلوبهم وثبتت العقيدة في صدورهم رأينا الإيمان يعمل عمله حينما التقوا بأعدائهم فما ثبتت للكفر قوّة أمام هذا اليقين الراسخ، بل صار الكفّار أمامهم كالهباء المنثور، ولقد كان الجيش الإسلامي لا يعتمد على كثرة العدد، لأنّه لم ينظر إلى الكمّ بل كانت نظرته إلى يقين المؤمنين به والداخلين فيه، إذ كانوا يندفعون إلى المعركة بدافع من إيمانهم سواء في ذلك الشباب والشيوخ والرجال والنساء، لأنّهم كانوا جند الله الذين تخاذلت أمامهم قوّات أعدائهم، فكانوا جميعاً مضرب المثل في القوّة والشجاعة والإقدام وكان لواؤهم لا يسقط من يد حامله حتى يأخذه من خلفه، وبهذه العقيدة وبهذا الإيمان كان كلّ جندي مسلم معجزة من معجزات الحرب، وبهذا كان رجل منهم يحسب بألف رجل.

 
وأمثلة الإيمان وصمود أصحابه أمام خصومهم في المعارك الإسلامية أكثر من أن تُحصى في يوم بدر وغيرها من المعارك، ففي بدر مثلاً التقى الآباء بالأبناء والإخوة بالإخوة والأهل بالأهل خالفت بينهم المبادئ ففصلت بينهم السيوف، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾1.
 
اثبتوا عند لقاء العدو واذكروا الله تعالى
كيف لا يثبت من علم أنّ الله اشترى من نفسه وماله بأنّ له الجنّة؟ بل كيف يفرُّ من علم أنّ الشهيد يُغفر له من أول دفعة من دمه ويرى مقعده في الجنّة ويحيا حلية الإيمان ويزوّج من حور العين، ويُجار من عذاب النَّار، وبعد أنْ عدّ رسول الاسلام الفرار يوم الزحف من السبع الموبقات.
 
لقد روي أنّ الإمام علي عليه السلام كان مكتوباً على درعه:





1 سورة الأحزاب، الآية 22.
 
 
 
 
 
 
 
 
101

97

الرصاصة الثامنة عشرة: كيف تُحقِّق النَّصر؟

 "أيّ يومي من الموت أفرّ

يوم لا يُقدَّر أو يوم قُدِّر
يوم لا يُقدَّر لا أخشى الوغى
يوم قد قُدِّر لا يُغني الحذر"1.
 
ومن أعظم وأقوى عوامل النصر الاستغاثة بالله وكثرة ذكره, لأنّه القويّ القادر على هزيمة أعدائه ونصر أوليائه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾2. وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾3
 
وقال - عزّ وجلّ -: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾4.
 
وقد أمر الله بالذكر والدعاء عند لقاء العدوّ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾5, لأنّه سبحانه النصير فنعم المولى ونعم النصير.
 
فالدعاء هو سلاحك، لأنّ الدعاء لله يعني قطع الأمل عن غيره، والتمسُّك بذيل جوده وكرمه، والدعاء يعني تسليم الأمر كلّياً لله تعالى اعترافاً بالفقر والفاقة والحاجة إليه. فليكن الدعاء أنيسك في ليلك، والله خير ناصر ومعين.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ، ج 42، ص58.
2 سورة البقرة، الآية 186.
3 سورة غافر، الآية 60.
4 سورة الأنفال، الآية 9.
5 سورة الأنفال، الآية 45.
 
 
 
 
 
 
 
102

98

الرّصاصة التاسعة عشرة: الشهادة أمنية العاشقين

 الرّصاصة التاسعة عشرة: الشهادة أمنية العاشقين

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
لو لم تكن الشهادة في سبيل الله أمنية العاشقين لله، لما طلبها الإمام الحسين عليه السلام، ولما سعى لها سعيها، ولما كانت لشهادته العظيمة تلك ذلك الأثر الكبير في تدمير عروش السلاطين عبر التاريخ.
 
عشقُنا، هو عشق حسيني، وشهادُتنا هي الشهادة الحسينية التي طالما ردّدها المجاهدون عبر الزمن.
 
فما هي الشهادة؟
هي بذل النفس في سبيل الله، وبذل النفس في هذا السبيل هو ذروة العطاء الإنساني ففي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فوق كلّ ذي برٍّ برّ حتى يُقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله فليس فوقه برّ"1.
 
وهي بذل للنفس بدافع الحبّ الإلهي، بحيث لا يكون للشهيد أكثر من نفسه يستطيع أن يُقدّمها في سبيل الله، وبذل النفس بهذه الدواعي لا يُتصوّر إلا في نفس متكاملة في أفعالها متكاملة في نموها الروحي وقيمتها الإنسانية، لذا ترى أنّه لا يُقدم على الشّهادة كلُّ إنسان بل الخُلّص منهم من ذروة البشر.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص348.
 
 
 
 
 
 
 
103

99

الرّصاصة التاسعة عشرة: الشهادة أمنية العاشقين

 فالذي يعيش بين الآخرين ويُبادلهم مصالحهم في الأفعال والأقوال لمصالح ذاتية يصعب عليه أن يكون شهيداً, لأنَّ المؤهَّل للشَّهادة هو المبادر في الأفعال والأقوال بدافع التقرُّب.

 
والإيثار هو قوام الشَّهادة، وهو تقديمٌ للغير على النَّفس, وليس هو إيثار بما يملك بل هو إيثار في حقيقة كيانه وفي بذل نفسه, فهي إعطاءٌ للنَّفس وليس لما تملك النَّفس ففي الرواية: "أجود الناس من جاد بنفسه في سبيل الله عزّ وجلّ"1.
 
والشهادة في قاموسنا ليست حادثاً دامياً منغّصاً أو موتاً يفرضه العدوّ على (المجاهد) بل الشهادة اختيار واعٍ يُقدم عليه المجاهد بكلِّ طواعيةٍ ووعي وإدراكٍ، ويختارُه بدافعٍ ذاتيٍّ بعيدٍ!
 
تلك كربلاء تمثَّلت الشَّهادة بالوعي على لسان مسلم بن عوسجة رضوان الله عليه حين قال: "والله لو علمت أنّي أُقتل ثم أُحيا ثمّ أُحرق حيّاً ثم أُذرّ, يُفعل بي ذلك سبعين مرّة, ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، وكيف لا افعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً"2.
 
من خصائص الشهيد
الحياة الحقيقية:
فقد دلَّت عليها الآيات القرآنية، ومنها: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾3.
 
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾4.





1 القاضي النعماني المغربي، شرح الأخبار، ج1، ص327.
2 الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص92.
3 سورة آل عمران، الآية 169.
4 سورة البقرة، الآية 154.
 
 
 
 
 
 
 
104

100

الرّصاصة التاسعة عشرة: الشهادة أمنية العاشقين

 والله سبحانه وتعالى يُعلِّمنا التأدُّبَ أمام عظمة تلك الدِّماء، ففي الوقت الذي نَـجِدُ فيه أنَّ الموتَ حقٌّ كونه أمراً طبيعياً لكلِّ النَّاس: فـ  ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾، فإنّنا نجد أنّ القرآن الكريم يرفض أنْ نُطلق كلمة (ميت) على الشهيد لأنّه لم يمت واقعاً، ولأنّ قضيّته لا تزال تملأ السماء والأرض بعطر (حبّ الله) وتقديس قيم العدل والحرية والاستقلال.

 
الحياة والرزق:
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾1.
 
في هذه الآية يُتابعنا القرآن الكريم إلى زوايا ذاتنا وخفايا أنفسنا فيُحذّرنا أن نحسب مجرّد حساب بسيط أنّ الشهيد قد مات، بل هو حيّ وأكثر من ذلك يُرزق وأكثر من هذا عند ربّه الكبير المتعال، عند مليك مقتدر. فكيف يجوز لنا أن ننسى الشهيد طرفة عين، مهما تعاظمت المشاكل وتشابكت أطراف الصراع والنزاع؟ وكذلك كلمة يُرزقون تدلّ على استمرار الرزق في عالم البرزخ بحيث إنّ النعم الإلهية تتوالى على الشهيد في برزخه.
 
وهم يستبشرون بأيّ شهيد يأتي من بعدهم، وهو تأكيد على حياتهم عند ربّهم مع النهي عن القول بأنّهم أموات بل النهي عن الظنّ بموتهم، ويفرحون لمرافقة الأنبياء والصدّيقين والأولياء، مما يكشف عن علوّ المنزلة. وكذلك فإنّه لا خوف عليهم من ناحية أحوال الآخرة وأهوالها لأنّ الله يحفظهم في أهله وولده مع دخول البهجة على قلوبهم لتزايد النعم عليهم.





1 سورة آل عمران، الآيات 169-171.
 
 
 
 
 
 
 
 
105

101

الرّصاصة التاسعة عشرة: الشهادة أمنية العاشقين

 سيّئاته"1، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "كلّ حسنات بني آدم يُحصيها الملائكة إلا حسنات المجاهدين فإنّهم يعجزون عن إحصائها"2.

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
إنّ المؤمن المعتقد بزوال الدنيا وطلب الآخرة ونصرة الحقّ فمصيره لا يخلو من حالين: الشهادة أو النصر، وفي كلتا الحالتين ينال الأجر العظيم، فهو حتى لو استشهد المهمّ هو بقاء المبدأ. وحسبنا في ذلك أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان جهاده من أجل إعلاء كلمة الإسلام، وكذلك شهادته كانت من أجل تلك الكلمة، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّه لما أنزل الله سبحانه قوله ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ علمتُ أنَّ الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الفتنة التي أخبرك الله تعالى بها؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا عليّ، إنَّ أمتي سيُفتنون من بعدي. فقلت: يا رسول الله، أو ليس قد قلت لي يوم أحد، حيث استشهد من استشهد من المسلمين، وحيزت (ابتعدت) عنّي الشهادة، فشقّ عليّ ذلك، فقلت لي: أبشر فإنَّ الشهادة من ورائك! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ذلك كذلك، فكيف صبرك إذن؟ فقلت: يا رسول الله، ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر"3.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 





1 م.ن.
2 م.ن.
3 ابن ابي الحديد، شرح السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص50.
 
 
 
 
 
 
 
 
107

102

الرّصاصة التاسعة عشرة: الشهادة أمنية العاشقين

 يقول الإمام الخميني قدس سره: "كلّ ما للدنيا فانٍ وكلّ ما لله يبقى، وهؤلاء الشهداء أحياء عند ربِّهم يُرزقون: لقد نالوا الرزق المعنويّ الأبديّ لدى ربّهم, لأنّهم قدّموا كلّ ما وهبه الله إليهم وسلّموا إليه الأمانة. ولقد قبلهم الله تبارك وتعالى ويقبل الآخرين، وأمّا نحن فلنأسف على أنفسنا إذ لم نكن معهم لنفوز معهم. إنّهم سبقونا ووصلوا إلى السعادة ونحن بقينا في الوحل ولم نُدرك القافلة لنسير في هذا المسير".

 
جوائز الشهادة:
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "للشهيد سبع خصال من الله: أوّل قطرة من دمه مغفور له كلّ ذنب، والثانية يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه، وتقولان: مرحباً بك ويقول هو مثل ذلك لهما، والثالثة: يُكسى من كسوة الجنّة، والرابعة: تبتدره خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة أيّهم يأخذه معه، والخامسة: أن يرى منزله، والسادسة: يُقال لروحه: اسرح في الجنّة حيث شئت، والسابعة: أن ينظر إلى وجه الله وإنّها لراحة لكلّ نبي وشهيد"1.
 
أنّه لا يُعذّب في قبره:
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما بال الشهيد لا يُفتن في قبره، قال كفى ببارقة السيف فوق رأسه فتنة"2.
 
غفران الذنوب وزيادة الحسنات:
عن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من قُتل في سبيل الله لم يُعرِّفه الله شيئاً من





1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج15، ص16.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص54.
 
 
 
 
 
 
 
 
160

103

الرصاصة العشرون: التوفيق للشهادة

 الرصاصة العشرون: التوفيق للشهادة

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
إنّ الشهيد صاحب مسؤولية عظمى، تتجلّى في كونه صاحب وعي وبصيرة جعلتاه يرى الصراع بين الحقّ والباطل بشكل واضح ومشخّص، وتدفعه إلى نصرة الحقّ بكلّ ما أوتي من قوّة.
 
فالشهيد هو قدوة المؤمنين، بسبب هذا التوفيق الذي ناله في رؤية الحقّ، والتوفيق الثاني الذي ناله في نصرته.
 
لقد صبغت الشهادة في الإسلام، بعمق الإسلام وشموليّته فرُبطت بالعقيدة والفكر والأخلاق، وأُعطيت معناها في الدِّين والآخرة، وهي من أعظم الأعمال وأشرفها على الإطلاق، لأنّ الشهيد هو الذي قام بالدفاع عن الحقّ والدعوة إليه، والوطن والمقدّسات والحرمات, وقدّم الأغلى لأنّه آمن بالمبدأ, وكان كاملاً لأنَّه وعى شؤون عصره وعياً صحيحاً, ولأنَّه أنموذجٌ أخلاقي كامل، إذ باع نفسه لله بدافع الحبّ الإلهي. ولمّا كان المبدأ الذي آمن به حيّاً لا يزال باقياً، فالشهيد يبقى حيّاً باقياً ببقاء المبدأ, الذي ينتعش في المحيط الذي عاش فيه من مريدين ومحبّين، وهو الملاحظ في أحوال الشهداء, وما سبَّبه من أثر واسعٍ حين ارتحاله بسبب الميّزات الربّانية المتحلّي بها. فتكون الشهادة فعلاً بشريّاً، ولكنّها اختيار إلهي ﴿ 
 
 
 
 
 
 
 
108

104

الرصاصة العشرون: التوفيق للشهادة

 وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء﴾1.

 
لقد علم الشهداء الأحياء كيف ينبغي أن يعيشوا في الحياة، وكيف عليهم أن يموتوا، وما هو السبيل إلى الرفعة والتقدّم وصناعة الحياة الإنسانية الكريمة على الأرض، فعلى الأحياء أن يحملوا مشاعل النور التي أشعلها لهم الشهداء الأبرار، وأن يسيروا في طريقهم طريق الحقّ والعدل والحرّية والعزّة والكرامة والفضيلة والنور، وأن يقاوموا كلّ قوى الباطل والشّر والظلم والظلام والانحراف والفساد والاستبداد والاستكبار والتخلُّف، وأن يحموا تراث الشهداء النوراني العظيم ومكتسباتهم وأهدافهم العظيمة، من أجل صناعة واقع أفضل للإنسان في الحياة.
 
كيف أوفّق للشهادة؟
أيُّها المجاهد الحبيب، إنّ أمنية الشهادة أمنيةُ العاشقين لله تعالى، ولكن كيف السبيل إلى نيلها؟
هناك صفات يجب أن يتحلّى بها الإنسان حتى يكون مستعدّاً للفيض الإلهي ومستحقّاً لمنصب الشهادة، ومنها:
1- إخلاص النيّة:
فالنيّة هي أساس العمل كما في قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّما الأعمال بالنيّات"2، فمن الطبيعي أن يكون أول أمر يجب توفّره هو خلوص النيّة لله سبحانه وتعالى بحيث يُضحّي الإنسان بنفسه من أجل الهدف لا من أجل الهوى.
 
2- حبّ لقاء الله وتمنّي الشهادة:
إنَّ من صفات المتّقين التي أكّدت عليها الروايات وذكرها أمير المؤمنين 





1 سورة آل عمران، الآية 140.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج1، ص48.
 
 
 
 
 
 
 
109

105

الرصاصة العشرون: التوفيق للشهادة

 عليه السلام في خطبة المتّقين، حبّ لقاء الله حتى كادت أرواحهم تخرج من أجسادهم: "ولولا الأجل الذي كُتِب لهم، لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب"1.

 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "فو الله إنّي لعلى الحقّ، وإنّي للشهادة لمحبّ"2.
 
وفي دعاء الإمام السجّاد عليه السلام: "وليلة القدر وحجّ بيتك الحرام وقتلاً في سبيلك فوفّق لنا"3.
 
3- الزهد بالدنيا:
قيمة الدُّنيا أنـَّها مزرعةُ الآخرة ومسجدُ أولياءِ الله، وطريقُ الوصول إلى ساحةِ رضاه، فلو نظرنا إليها نظرة مادّية، فلن يكون لها أيّ قيمة على الإطلاق، كما أخبر عنها أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: "كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. بلى والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها. أما والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز"4.
 
هكذا يجب أن يكون المجاهد في سبيل الله، زاهداً بالدنيا عارفاً بمقام





1 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص161.
2 ابراهيم بن محمد الثقي الكوفي، الغارات، ج1، ص321.
3 السيد ابن طاووس، إقبال الأعمال، ج1، ص143.
4 السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج1، ص37.


 
 
 
 
 
110

 


106

الرصاصة العشرون: التوفيق للشهادة

 الشهادة: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾1.

 
4- الارتباط بمدرسة عاشوراء والشهداء العظام:
عاشوراء هي القادرة على صنع الشهداء بكلّ ما يحتاجه الشهيد من مواصفات إلهية، وقد استطاعت هذه المدرسة أن تُخرّج ببركتها قوافل الشهداء على مرّ التاريخ وبالإضافة إلى الارتباط بهذه المدرسة التاريخية العظيمة، يجب الاستفادة من أنوار شهداء هذا العصر أيضاً وزيادة الارتباط بهم، والتعرّف على روحيّتهم ومسلكيّتهم وقراءة وصاياهم، لأنّ ذلك كلّه يُقرّب روحية الإنسان من روحيّتهم، حتى يصير واحداً منهم، جاهزاً لتلقّي هذا الفيض الإلهي الذي تلقّوه، وهو الشهادة وقد قال الإمام قدس سره: "إنَّ ثورتنا هذه شعاع من ثورة عاشوراء. إنّهم لا يُدركون أنّ البكاء على الحسين هو المحافظة على ثورته وعلى قيام فئة قليلة بمواجهة امبراطورية ظالمة. إنّه النهج الذي خطّه الإمام الحسين عليه السلام، إنّه نهج للجميع: (كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء) أي ينبغي أن نُحارب الظلم أينما كان وفي أيّ زمان ونتابع ثورة الحقّ هذه"2.
 
5- اتباع القيادة الحكيمة:
إنّ أحد عوامل الحصول على النصر والشهادة في سبيل الله تعالى هو طاعة القيادة الحكيمة والصالحة، أيضاً ومن مقوّمات الهزيمة عدم الطاعة, وهو البلاء الذي ابتُلي به الأنبياء والأولياء. عن الإمام الصادق عليه السلام حينما سأله سدير: "وما يسعك عن القعود, فقال عليه السلام: ولِمَ يا 





1 سورة آل عمران، الآية157.
2 صحيفة الإمام، ج10، ص230.
 
 
 
 
 
 
111

107

الرصاصة العشرون: التوفيق للشهادة

 سدير؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك، فقال: يا سدير وكم عسى أن يكونوا؟ قلت: مائة ألف، مائتي ألف، نصف الدنيا، فسكت عنّي، فمشينا حتى وصلنا إلى مكان للصلاة، فقال: والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود... فعددتها فإذا هي سبعة عشر"1.

 
6- الاقتداء بشوق أهل البيت عليهم السلامن للشهادة:
إذ يروى عن أمير المؤمنين عليه السلام في الليلة التي ضربه ابن ملجم في صبيحتها، أنّه "أقبل حتى استتر برابية, ثم صفّ قدميه للمناجاة, وكان فيما يقول: اللهم إنّي سرت فيهم ما أمرني رسولك وصفيّك فظلموني, فقتلت المنافقين كما أمرتني فجهلوني وقد مللتهم وملّوني، وأبغضتهم وأبغضوني, ولم تبق خلّة أنتظرها إلا المرادي، اللهم عجِّل له الشقاوة وتغمّدني بالسعادة"2.
 
وعن سيّد الشهداء قاطبة الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال في خطبة له أثناء خروجه إلى كربلاء: "الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي وأوصالي يتقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين، لن تشذّ على رسول الله لحمته وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه





1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص243.
2 المالكي الاشتري، ورام بن أبي فراس: تنبيه الخواطر ونزهة النواظر، ج2، ص321، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1368 هـ.ش، ط2.
 
 
 
 
 
 
 
112

108

الرصاصة العشرون: التوفيق للشهادة

 وينجز بهم وعده، من كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله"1.

 
أيُّها المجاهد الحبيب، هذه هي روحيّة أهل البيت عليهم السلام في طلب الشهادة، هي عيشهم وأملهم، ومرتبة يطلبون من الله سبحانه وتعالى أن يُحقّقها لهم. ونسأل الله سبحانه أن يُلحقنا بهم وبقافلة الشهداء، إنّها أمنية غالية، يقول الإمام الخميني قدس سره بألم بالغ: "طبعاً لم ينل جميع المشتاقين والطالبين مراد الشهادة. (و) كيف لي أن أصف قافلة سادة الوجود؟ أنا وأمثالي، لم نسمع من هذه القافلة غير صوت الأجراس فحسب‏!"2.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
 



1 الحلي، ابن نما: مثير الأحزان، ص29.
2 صحيفة الإمام، ج‏21، ص251.

 
 
 
 
 
 
113

109

الرصاصة الواحدة والعشرون: الموت بوابة اللقاء

 الرصاصة الواحدة والعشرون: الموت بوابة اللقاء

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
أنت أقدر الناس على فهم معنى الموت، لأنّك تعيش على احتماله كلّ وقتك في الجبهات.
 
قد تأتي بالموت قذيفة، أو طلقة، أو شظيّة، أو غير ذلك، من دون إذن ولا ميعاد. في الجبهة المباركة، يُصبح للموت لغة أخرى، وحضور آخر، لأنّك تشعر به هناك أكثر من أيّ مكان آخر.
 
وهذا الكلام، هو نصف الحقيقة، ونصف الحقيقة أيضاً، أنّ كلّ الناس تعيش هذه الاحتمالات في أيّامها العاديّة. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً﴾1. فهو يحصل لسائق السيَّارة في المدينة، ولمن ينامُ في فراشه، ولمن يكون على شرفته أو في حقله. أعداد من يموت في بلادنا في حوادث السير أكثر من عدد من يموت قتلاً على الجبهات!
 
فلا السجن، ولا التعذيب، ولا الحرق، ولا التهجير، ولا خوض الجهاد يمكن لها أن تُحدِّد توقيت الموت بالنسبة للإنسان. إنّما هو بيد الله، ويقول



1 سورة ال عمران، الآية145.
 
 
 
 
 
 
 
114

110

الرصاصة الواحدة والعشرون: الموت بوابة اللقاء

 جلَّ اسمه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾1

 
فلا الدور، ولا القصور، ولا الحرس ولا الوقاية الصحيّة القصوى، يُمكن لها أن توصد الأبواب أمام ملك الموت حينما يأتي لانتزاع الروح.
 
هل هناك مشكلة بين "الموت" والحالة الجهادية
لقد أوضح الإسلامُ أنَّ الموت لا علاقة له بالجهاد، فالآيات القرآنية تؤكِّدُ أنَّ الموت بيد الله، ولا علاقة للسِّجن والحرب وغيرها به، تماماً كما أنَّ درء الموت بأيَّة وسيلةٍ وطريقةٍ لا يُجدي. وخير دليل على أنّ الحرب والجهاد، لا علاقة لهما بالموت، حياة الإمام عليّ عليه السلام، التي قضى جلّها بين الأسنة والرماح والسيوف، وفي نهاية عمره الشريف، قُتل في محراب صلاته، لا ميدان حربه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، من قال أنّ الشهيد يموت؟ لقد قال عنه الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾2.
 
الجهاد فرصة عظمى لنيل إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة، ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ * قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾3.





1 سورة النساء، الآية 78.
2 سورة آل عمران، الآية 169.
3 سورة التوبة، الآيات 50-52.
 
 
 
 
 
 
 
115

111

الرصاصة الواحدة والعشرون: الموت بوابة اللقاء

 الخوف من الموت سبب للبلاء

قد يترك إنسان الجهاد، لأنّه يخاف من الموت، ويُحبّ أن يسكن بوداعة بين أهله وأحبّته، ولكن ينبغي العلم أنّ ترك الجهاد - لمن وجب عليه - من الكبائر، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلّاً في نفسه، وفقراً في معيشته، ومحقاً في دينه، إنّ الله سبحانه وتعالى أعزّ أمّتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها"1.
 
ويقول الإمام عليّ عليه السلام "أمّا بعد، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة، فتحه الله لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنّته الواقية، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذلّ وشمله البلاء وديّث بالصغار (أي الحقارة) والقماءة وضرب على قلبه بالإسهاب وأديل الحقّ منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف ومنع النصف"2.
 
وهكذا هو مصير التاركين للجهاد.
 
كيف تعالج الخوف من الموت؟
لقد صوّر القرآن الكثير من المواقف التي يرينا فيها حالة الذين قعد بهم الجبن عن الجهاد، إذ يقول تعالى: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِين * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾3.
 
هنا يكشف القرآن حقيقة الذين جاؤوا لرسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم يستأذنونه في الجهاد، هؤلاء يكشف القرآن حقيقة داء التردُّد عندهم فيقول: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ 





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ، ج97، ص9.
2 الامام علي عليه السلام، السيّد الرضي، نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج1، ص68.
3 سورة التوبة، الآيتان 44-45.
 
 
 
 
 
 
 
116

112

الرصاصة الواحدة والعشرون: الموت بوابة اللقاء

 فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. أو أنّهم كما في تفسير الميزان، هم أصلاً لا يستأذنون النبيّ في الجهاد، بل في ترك الجهاد، وهذا التفسير يؤكّد أكثر على طبيعة الجبن الداخلي الذي تغلغل في قلوبهم وشخصيّاتهم.

 
والمصابون بالخوف من الموت، يُلاحقهم مرضهم حتَّى في خضم المعركة، ويحاولون الإفادة من كلِّ موقفٍ لكي يؤكِّدوا تشكيكهم وتردُّدهم وهؤلاء أقربُ حالة إلى المنافقين من المؤمنين ولنقرأْ هذه الصورة الرائعة التي يصوّرها القرآن عن هؤلاء المرضى، في المعركة.
 
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾1.
 
ويقول أيضاَ: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا *  وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا * قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾2.
 
ومن هنا فإنّ قدوم هؤلاء مع المسلمين إلى المعركة، لا يزيد المسلمين إلا خبالاً كما يُعبّر القرآن الكريم، إذ إنّهم والمنافقين، يشيعون جوّاً من التشكيك في نصرة الله وقيادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيكونون بمثابة الطابور الخامس في جيش المسلمين.





1 سورة الأحزاب، الآية9.
2 سورة الأحزاب، الآيات 10-16.
 
 
 
 
 
 
 
 
117

113

الرصاصة الواحدة والعشرون: الموت بوابة اللقاء

 هؤلاء كشفتهم الآيات الكريمة، وعرّت تبريراتهم، وقالت إن يريدون إلا فراراً، فلا بيوتهم بعورة ولا أهليهم بحاجة إليهم، ولكنّه الجبن الذي ران على قلوبهم.

 
يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "أيُّها الناس أوصيكم بما أوصاني به الله في كتابه، من العمل بطاعته والتناهي عن محارمه، ثم إنّكم اليوم بمنزل أجر ودخر لمن ذكر الذي عليه ثم وطّن نفسه على الصبر واليقين والجد والنشاط، فإنّ جهاد العدوّ شديد كريه قليل من يصبر عليه إلا من عزم له رشده، إنّ الله مع من أطاعه وإنّ الشيطان مع من عصاه، فاستفتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد والتمسّك بذلك ما وعدكم، وعليكم بالذي أمركم به فإنّي حريص على رشدكم"1.
 
فالإسلام لا يغفل حقيقة الجهاد، لكنّه يدعو للتوسّل بالصبر واليقين والجدّ والنشاط، لكي يواجه المسلم هذا الموقف بكلّ عزيمة وصلابة.
 
أيُّها المجاهد الحبيب:
الجهاد بوّابتك الخاصة للقاء الله تعالى، لقاءٌ عابق بطيب النصر، أو أريج الشهادة، إنّه أجمل لقاء يحدث في الحياة، مع الحبيب الأوحد الذي لا حبيب مثله، ومع الدائم الباقي الذي لا يفنى، ومع الجميل الكريم الذي لا يبخل. كن وردة أنسٍ في بستان العشق، ولا تلتفت إلى الخلف، ولا ترهب من الموت، الموت على تراب العشق حياةٌ أبدية.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ، ج20، ص126.
 
 
 
 
 
 
 
118

114

الرصاصة الثانية والعشرون: بدرُ النَّصر

 الرصاصة الثانية والعشرون: بدرُ النَّصر

 
أيُّها المجاهد الحبيب:
أفضل المجاهدين أبد الدهر، هم الذين هاجروا في سبيل الله تعالى، تاركين خلفهم عيالهم ونساءهم وبيوتهم وأموالهم، ثم قاتلوا الأعداء الظالمين، دفاعاً عن الإسلام وكلمة التوحيد. والبدريّون، المسلمون الذين جاهدوا في معركة بدر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا ثلة مستضعفة مؤمنة بالله تعالى وبرسوله، وترى نصر الله أمامها.
 
قوّة المجاهد المؤمن
المجاهد القويّ، هو الإنسان الذي يملك معنويّاتٍ عاليةً، أساسُها الارتباطُ بالله تعالى. فها هم المسلمون في بدر تحدّث الله إليهم في البداية طالباً منهم تحصيل خصلة الصبر التي تشدّ من عزيمة الإنسان في مواجهة التحديات الصعبة والعقبات الخطيرة، فتُصبح قوّته مماثلة لقوةّ عشرة رجال، لأنّ القوّة لا تخضع للكمّ ولا لضخامة الجسد وقوّة العضلات، بل هي خاضعة لقوّة الإرادة والقدرة على التحمّل في ما يفرضه الصراع من آلامٍ ومشاكل وتحديات، فإذا ارتفع الإنسان بإيمانه وصبره إلى هذا المستوى، أمكنه أن يُجابه عشرة أضعاف قوّته، وهذا ما عبّرت عنه الآية الكريمة: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن
 
 
 
 
 
 
 
119

115

الرصاصة الثانية والعشرون: بدرُ النَّصر

 مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾1.

 
وإذا كان هذا المستوى صعب المرتقى، إذ يمكن أن يكون المجاهدون لم يخوضوا تجربة الصراع بعد، فقد أراد الله لهم وهم في موقع الضعف أن يستنفروا طاقاتهم كلّها، لتتضاعف القوّة في المواقع الحاسمة الصعبة، وذلك حتى يمكن الاستجابة للتحدّي بحجم أكبر منه، وذلك قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾2.
 
وهذا ما نحتاجه، أخي المجاهد الحبيب، أن نكون صابرين ثابتين في الميدان، لا ننهزم معنويّاً ولا نفسيّاً، ولا نتراجع، حتى نُحقّق الأهداف الإلهيّة لمسيرة النبوّة. كما فعل البدريّون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان نصرهم فاتحة الانتصارات المجيدة.
 
يد الغيب والانتصارات الحتمية
لقد عاشت معركة بدر جوّاً من أجواء الغيب الذي أراده الله ليكون عنصراً نفسيّاً للمقاتلين المؤمنين يوحي لهم بالسكينة والقوّة، فالآيات القرآنية أوضحت أنّ الله قد أنزل النُّعاس الذي يبسط الأمن والاسترخاء والراحة، وأرسل إليهم المطر الخفيف الذي يلبّد لهم الأرض ويذهب عنهم رجز الشيطان المفسّر بحالات الاحتلام التي تعرض لهم فيحتاجون معها إلى الغسل، ليذهب من داخلهم الأثر النفسي السلبي الذي تُحدثه هذه الحالات.
 
وكذلك إمدادهم بالملائكة في أجواء المعركة، إذ أراد الله سبحانه للمقاتلين قليلي العدد والعدّة أن يعيشوا الشعور العميق بأنّهم ليسوا وحدهم



1 سورة الأنفال، الآية 65.
2 سورة الأنفال، الآية 66.
 
 
 
 
 
 
 
120

 


116

الرصاصة الثانية والعشرون: بدرُ النَّصر

 في المعركة، فالله معهم يؤيّدهم بالنصر، والملائكة معهم. فالنّصر هو من عند الله ينصر من يشاء.

 
إنّ نصر الله، أيُّها المجاهد، يكون بما ذكرناه قبل قليل، وكذلك يكون بالرعب الذي يُثيره الله في نفوس الأعداء.
 
ولتكن دائماً هذه الآيات على لسانك وأنت في مواجهة العدوّ، يقول تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ *  وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *  ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾1.
 
النصر معقود بيد المجاهد
لقد كان في معركة بدر لحظات حسّاسة جداً حكى عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾، وجاء في بعض الروايات أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يستغيث ويدعو ربّه مع بقيّة المسلمين، وقد رفع يديه نحو السماء قائلاً: "اللهمّ أنجز لي ما وعدّتني، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض". وعند ذلك فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين. 
 
وكلمة (مردفين) من (الإرداف) بمعنى اتخاذ محلّ خلف الشيء، فيكون مفهومها أنّ الملائكة كانت تُتابع بعضها بعضاً في النزول لنصرة المسلمين.





1 سورة الأنفال، الآيات 9-14.
 
 
 
 
 
 
 
121

117

الرصاصة الثانية والعشرون: بدرُ النَّصر

 ولكن لا ينبغي أن يعتقد بعضٌ بأنّ النصر كان بيد الملائكة فحسب، فإنّ الآية تقول: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. لأنّ الله عزيز ومقتدر لا يستطيع أحد الوقوف مقابل إرادته، وحكيم لا ينزل نصرته إلا للأفراد الصالحين والمستحقّين لذلك.

 
ثم، أليس من العجب والغرابة أن ينهار جيش قريش القوي أمام جيش المسلمين القليل، وأن تذهب معنويّاتهم - كما ينقل التاريخ - بصورة يخاف معها الكثير منهم من منازلة المسلمين. ولا شكّ أنّ هذا الرعب الذي أصاب قلوب المشركين، والذي كان من عوامل النصر، لم يكن جزافاً، فلقد أثبت المسلمون شجاعتهم وأقاموا صلاة الجماعة، وكانت شعاراتهم قوية. فإظهار المؤمنين الصادقين وفاءهم وخطبة بعضهم مثل سعد بن معاذ نيابة عن الأنصار أمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: "بأبي أنت وأمي، يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّنا قد آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله، فمرنا بما شئت وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منه ما شئت، والذي أخذت منه أحبّ إليّ من الذي تركت منه، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضنا معك... إنّنا لنرجو أن يقرّ الله عزّ وجلّ عينيك بنا"1.
 
مثل هذا الحديث سرعان ما انتشر بين الأعداء والأصدقاء، أضف إلى ذلك ما رآه المشركون من ثبات راسخ عند المسلمين يوم كانوا في مكة رجالاً ونساء.
 
اجتمعت كلّ هذه الأمور لترسم صورة الخوف عند المشركين.





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ، ج19، ص248.
 
 
 
 
 
 
 
122

118

الرصاصة الثانية والعشرون: بدرُ النَّصر

 ثم الريح العاتية التي كانت تهبّ على المشركين والمطر الشديد عليهم، وغيرها من العوامل التي كانت تبعث فيهم الخوف والهلع الشديد.

 
ثم إنّ القرآن يُذكّر المسلمين بالأمر الذي أصدره النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين بأنّ عليهم اجتناب الضرب غير المؤثّر في المشركين، حال القتال لئلّا تضيع قوّتهم فيه، بل عليهم توجيه ضربات مؤثّرة وقاطعة فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان.
 
و(البنان) جمع (البنانة) بمعنى رؤوس أصابع الأيدي أو الأرجل، أو الأصابع نفسها، وفي هذه الآية يمكن أن تكون كناية عن الأيدي والأرجل أو بالمعنى الأصلي نفسه، فإنّ قطع الأصابع من الأيدي يمنع من حمل السلاح، وقطعها من الأرجل يمنع الحركة، ويحتمل أن يكون المعنى هو إذا كان العدوّ مترجّلاً، فيجب أن تكون الأهداف رؤوسهم، وإذا كان راكباً فالأهداف أيديهم وأرجلهم.
 
الصراع بين الحقّ والباطل
أيُّها المجاهد الحبيب، إنّ السير في درب الهوى والشيطان يؤدّي بالإنسان حتماً إلى مواجهة الحقّ وجنوده، وهي مواجهة خاسرة تماماً، ذلك أنّ من طبع الشيطان التخلّي عن أوليائه وأصحابه والتبرّي منهم، لأنّه يعلم حقيقةَ أنّ النصر هو من عند الله، وأنّه لا قوّة له في مواجهة إرادة الله تعالى. لقد أشار القرآن الكريم في هذا السياق إلى دور الشيطان في هزيمة الكفّار يوم بدر فهو الذي أغراهم وخذلهم عند اللقاء، يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾1. وأمّا المؤمن





1 سورة الأنفال، الآية 48.
 
 
 
 
 
 
 
123

119

الرصاصة الثانية والعشرون: بدرُ النَّصر

 المجاهد فإنّه الله هو حسبه، وهو سنده، و ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ...﴾.

 
إنّ مواجهتك للعدوّ، هي مواجهة لعدوٍّ شيطانيّ، ليس في قلبه رحمة، ولا لعهده ذمّة، وهذا كان حال المشركين عندما أتوا إلى بدر لمواجهة المسلمين وما كانت تنطوي عليه نفوسهم، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾1.
 
كما ويعزى هزيمتهم إلى سبب رئيس وحقيقي وهو مشاققة الله ورسوله إذ يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾2.
 
فكن أنت الذي ينصر الله تعالى، ويُعلي راية الإيمان به والتسليم له، ولتكن كذلك ثابت الخطى سلاحك بيدك، جسدك مدرَّبٌ على التحمُّل، وروحك عاشقة لله، يكن النصر حليفك! كن بدرياً كما كان أهل بدر في حبّهم لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
 



1 سورة الأنفال، الآية 47.
2 () سورة الأنفال، الآية 13.
 
 
 
 
 
 
 
 
124

120

الرصاصة الثالثة والعشرون: معركة أُحد والدرس المرير

 الرصاصة الثالثة والعشرون: معركة أُحد والدرس المرير


أيُّها المجاهد الحبيب:
هناك قاعدة أساس في الحياة، وهي في الحروب أمُّ القواعد: من يتخلّى عن طاعة الله تعالى ويتّبع هواه، فإنّ مصيره سيكون الفشل، ويجلب الويلات للأمّة!

والذي يتمسّك بحبل الله وطاعة أوليائه يكون إحراز النصر أمراً مفروغاً منه، ويجلب العزّة لنفسه وأمّته.

أيُّها الحبيب! إنّ التاريخ ينقل لنا مشاهد العزّ ومشاهد الانكسار، وقد حصل هذان الأمران في بدء الدعوة الإسلامية في جيش المسلمين وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فكان أوّل الانتصارات في بدر، وأول الهزائم في أُحد، وبين المعركتين فترة لا تتعدّى سنة واحدة! فكيف تبدّل الحال بالمسلمين من نصر إلى هزيمة؟ وما هو السبب!؟

إنّ قريشاً لمّا رجعت من بدر إلى مكة وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر، إذ قُتل منهم سبعون شخصاً وأُسر سبعون شخصاً، فقال أبو سفيان: "يا معشر قريش لا تدعوا نساءكم يبكين على قتلاكم فإنّ الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والعداوة لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم" وأخذ أبو سفيان على نفسه العهد على أن لا يقرب فراش زوجته ما لم ينتقم لقتلى بدر.
 
 
 
 
 
 
 
125

121

الرصاصة الثالثة والعشرون: معركة أُحد والدرس المرير

 وهكذا ألّبت قريش الناس على المسلمين وحرّكتهم لمقاتلتهم وسرت نداءات "الانتقام الانتقام" في كلّ نواحي مكة. وبدأ التجهيز لمعركة "أُحد".

 
النصر تحت ظلال راية الحقّ
يقول تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾1.
 
إنّ روح التضحية والإيثار وترك حبّ الدعة والاسترخاء والراحة هي روح محمّدية نبويّة، والذين كانوا مع النبيّ محمّد، والذين هم معه إلى يوم القيامة، ينبغي أن يتزيّنوا بهذه الروح النبويّة الشريفة، فهذا رسول الله قد ترك أهله وعياله طلباً للجهاد في سبيل الله، وأخذ يُنظّم صفوف المجاهدين والمقاتلين لكي يدفع كيد قريش وبغيها.لقد قام رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم باستشارة أصحابه2 فأجمع أغلبهم على الخروج من المدينة المنوّرة لملاقاة قريش، غير أنّ جماعتين من الأوس والخزرج من الأنصار ("بنو



1 سورة آل عمران، الآيات121-128.
2 وهو رأي الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قالوا له: "اخرج بنا إلى عدوّنا، وقام سعد بن معاذ وغيره من الأوس فقالوا: يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب ونحن مشركون نعبد الأصنام فكيف يطمعون فينا وأنت فينا، لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم فمن قُتل منّا كان شهيداً، ومن نجا منّا كان قد جاهد في سبيل الله".
 
 
 
 
 
 
 
 
126

122

الرصاصة الثالثة والعشرون: معركة أُحد والدرس المرير

 سلمة" من الأوس و "بنو حارثة" من الخزرج)، تردّدتا في بداية القتال وكادتا ترجعان إلى المدينة، غير أنّ رسول الله أعاد إليهم الثقة بالله سبحانه وتعالى، وأنّ النصر سيكون حليفهم فيما لو أعاروا لله جماجمهم.

 
لقد بدأت المعركة الحامية بمبارزة بين المسلمين والمشركين انتهت بقتل أبطال المشركين ومصرعهم، ثم التحم الجيشان في معركة عظيمة مهولة، وبدأت تنقلب الكفّة لصالح المسلمين، وتلوح رايات النصر. ويذكر التاريخ أنّ النبيّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم كان قد جعل في سفح جبل "أُحد" مجموعة تبلغ حوالي الخمسين من الرماة، وطلب منهم أن لا يتركوا أماكنهم مهما كانت وضعية المعركة، وقال لهم: "إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم".

 
ومن جانب آخر، وضع أبو سفيان "خالد بن الوليد" في مأتي فارس كميناً يتحيّنون الفرصة للتسلُّل من ذلك الشعب ومباغتة المسلمين من ورائهم وقال لهم: "إذا رأيتمونا قد اختلطنا فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا وراءهم"1.
 
لقد انتصر المسلمون على المشركين في الجولة الأولى، وفرّ أبو سفيان بمن معه، فتفرّغ المسلمون لجمع الغنائم من أرض المعركة، مما دفع أغلب من كان على ذلك السفح للنزول لكي يجمعوا الغنائم فيمن يجمع غير عابئين بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبنداءات قائدهم الشهيد عبد الله بن جبير. وبذلك فتحت ثغرة في ظهر المسلمين، تسلّل من خلالها قائد تلك السريّة من المشركين خالد بن الوليد وأعملوا السيف في رقاب المسلمين، فانقلب المشهد من مشهد النصر، إلى الهزيمة.





1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ، ج20، ص49.
 
 
 
 
 
 
 
127

123

الرصاصة الثالثة والعشرون: معركة أُحد والدرس المرير

 لقد فرّ المسلمون! وتركوا وراءهم النبيّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وعليّاً عليه السلام وحيدين في أرض المعركة، وكان عليّ عليه السلام يحاول صدّ الفارّين، وكان يتبعهم وهو يقول لهم: "شاهت الوجوه، وقطت، ولطت، وبطت، إلى أين تفرّون؟ إلى النار؟ ويقول: بايعتم، ثم نكثتم، فوالله لأنتم أولى بالقتل ممن أقتل"1.

 
وبقي عليّ عليه السلام يدافع عن الرسولصلى الله عليه وآله وسلم ويردّ عنه الكتيبة تلو الكتيبة، حتى سمع مناد من السماء:
لا سيـــــف إلا ذو الفقار ولا فــتـــى إلا علـــــي2
 
وقد نزل قوله تعالى في الهاربين: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ *  وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾3. ثم عاد المسلمون بعد نداءات عليّ عليه السلام وصموده هو والنبي ّصلى الله عليه وآله وسلم في أرض الميدان إلى أن انقلبت الأمور إلى كفّة المسلمين وتقهقرت قريش عائدة إلى مكة.
 
لماذا يُهزم المجاهد؟
أيُّها المجاهد الحبيب: إنّ أوّل سبب جعل المسلمين ينهزمون هو عدم إطاعتهم لأوامر القيادة. لقد حاول رفقاؤهم أن ينبّهوهم على هذا الأمر





1 العلامة السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، 7، ص197.
2 شرح النهج للمعتزلي، ج 14، ص 251.
3 سورة آل عمران، الآيات 140 – 144.
 
 
 
 
 
 
 
128

124

الرصاصة الثالثة والعشرون: معركة أُحد والدرس المرير

 فقالوا: "لا نخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"، ثم تنازعوا لأنّ بعضهم كان يريد الدنيا، وبعضهم يريد الآخرة، ففشلوا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾1.
 
الغرور: لقد كان لاغترارهم بأنفسهم، وبكثرتهم، أثر كبير في حلول الهزيمة بهم، فقد قالوا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "قد كنت في بدر في ثلاثمئة رجل، فأظفرك الله بهم، ونحن اليوم بشر كثير"، فقد تحوّل التوكّل من التوكّل على الله تعالى إلى الاتّكال على النفس وكثرة العدد وغيرها من الأسباب التي لا تضرّ ولا تنفع من دون الله.
 
الطمع في الدنيا، وإيثارها على الآخرة. لأنّهم عندما شاهدوا من مكان استقرارهم أنّ المسلمين يجمعون الغنائم وبسبب طمعهم بالحياة الدنيا خافوا أن يفوتوا شيئاً منها فتركوا مواقعهم ممّا هيّأ لاختراق العدوّ لثغورهم الخلفية ومباغتتهم فكان لا بدّ في هذه الحالة من إعادة التمحيص لهم، وابتلائهم، ليرجعوا إلى الله تعالى، وليميّز الله المؤمن من المنافق، وليزداد الذين آمنوا إيماناً، لأنّ الإنسان ربما يغفل عن حقيقة العنايات الإلهية، والإمدادات الغيبية، حين يرى الانتصارات تتوالى، فينسب ذلك إلى قدرته الشخصية. ولأجل ذلك نجد: أنّهم حين غلبوا شكّوا في هذا الأمر، وقالوا: ﴿هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾؟ فجاءهم الجواب القاطع: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. نعم، لا بدّ إذن من إعادتهم إلى الله تعالى، وتعريفهم بحقيقة إمكاناتهم، وقدراتهم.
 
الجبن وعدم الشجاعة في القتال، لأنّ عناية الله تعالى ليست أمراً 





1 سورة آل عمران، الآية152
 
 
 
 
 
 
 
129

125

الرصاصة الثالثة والعشرون: معركة أُحد والدرس المرير

 مطلقاً غير مشروط، فهي لا تعني إلغاء جميع الأسباب الطبيعية، بل هي مشروطة قطعاً بالسعي نحو الهدف الأسمى، وبالبذل والتضحيات التي تؤهّل المقاتلين لأن يكونوا موضعاً لعنايات الله وألطافه، ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. أو على الأقل لا بدّ لاستمرار هذه العناية الإلهية من حفظ الحدّ الأدنى من الارتباط بالقيادة، وتنفيذ أوامرها.

 
إنّ الذين تركوا مراكزهم قد ظنّوا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيغل، أي يخونهم، فلا يقسم لهم. وهذا يدلّ على أنّ من بين هؤلاء من لم يكن على درجة حسنة من المعرفة والوعي، ولربما الإيمان أيضاً. ولو كان كذلك، فلا أقلّ من أنّ أخلاقيّاته وروحيّاته، بما في ذلك الإعراض عن الدنيا والإيثار، لم تكن بالمستوى المطلوب، ولعلّ الآية تشير إلى ظنّهم السيّء هذا: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾1.
 
خاتمة!
أيُّها الحبيب، إنّ هزيمة أُحد هي درسٌ لكلّ الذين ينتمون إلى الخطّ الإلهي، والدروس التي نستفيدها من هذه المعركة عظيمة جدّاً، ولا بدّ أن يُراقب المجاهد مسار تلك المعركة ويدرس حيثيّاتها، وينتبه جيّداً إلى أمر هام يدخل في صميم عمله الجهادي، ألا وهو ضرورة الصبر والحفاظ على روحيّة الصابرين في العمل الجهادي، إذ إنّ الله تعالى لا يُعطي النصرَ إلا لقوم أظهروا الصبر الجميل على الرزايا والبلايا بل والصبر حتى عن جرّ الإمكانات والفرص إلى النفس رغم احتمال حصول تهديد للأمّة. إذا كانت الأمور هكذا، فإنّ النصر سيكون قريباً جدّاً، والعاقبة ستكون الدخول إلى جنّات النعيم، يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾2.





1 سورة آل عمران، الآية 161
2 سورة آل عمران، الآية 142.
 
 
 
 
 
 
130

126

الرصاصة الثالثة والعشرون: معركة أُحد والدرس المرير

 وقال أيضاً: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾1.

 
كن بدرياً في انتصارك، وأُحدياً في امتناعك عن خذلان المؤمنين والقادة الربّانيّين، والله سبحانه ولي التوفيق.
 
 





1 سورة آل عمران، الآية 146.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

127
رصاصات عاشقة