البلاغة الميسرة


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2014-12

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه نبي الإسلام محمّد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين وبعد.

 

البَلاغةُ فنٌ مِنَ الفُنونِ, يَعتمِدُ عَلَى صَفَاءِ الاستعدادِ الفطريّ ودقَّةِ إدراكِ الجَمَالِ, وتَبينِ الفُروقِ الخفيةِ بينَ صُنوفِ الأسَاليبِ. وهي لفظٌ ومعنًى، وتأليفٌ للألفاظ يمنحُها قوةً وتأثيراً وحسناً، ثم دقةٌ في اختيارِ الكَلِماتِ والأساليبِ عَلَى حَسبِ مَواطنِ الكلامِ ومواقِعِهِ، وَمَوضُوعاتِهِ، وحالِ السَّامعينَ، ولا يخفى ما للبلاغة، من أهمية بالغة في دراسة العلوم الدينيّة، بخاصة القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة, لأنّ الدارس لعلوم البلاغة سوف يقف على الصور البيانيّة، وألوان من الفنون الأدبية، والصور الفنية، بغية الوصول إلى المعاني الدقيقة للآيات القرآنية والنصوص العربية بشكل عام، هذا إضافة إلى تكوين ذوق أدبي ناضج وسليم، لدى طالب العلم.

 

هذا الكتاب (البلاغة الميسّرة) عبارة عن متن تعليمي في البلاغة العربية في علومها الثلاثة (علم البيان، وعلم المعاني، وعلم البديع)، عالجنا فيه مجمل الموضوعات البلاغية المتعارفة، ومعاني المصطلحات البلاغية ودلالاتها، وكان ذلك من خلال التدرّج مع الطالب خطوة، خطوة حتى يصل إلى استنباط القاعدة بدقة ويسر. وقد اتكأت دروس هذا الكتاب على أمثلة من القرآن الكريم

 

11 


1

المقدمة

 والأحاديث الشريفة، وأقوال الأئمة الهداة، ثم النصوص الأدبية الملتزمة لكبار أدباء العربية قديماً وحديثاً. كما يتميّز هذا الكتاب بالجدة، والطرافة، والتيسير، وتقليل التقسيمات والفروع المتشعّبة والمتعارفة في كتب البلاغة، واعتماد الموضوعات البلاغية المهمة والواضحة.

 

ومن الخصائص التعليمية المهمّة لهذا الكتاب أنّه يعتمد على التطبيقات والتمارين المفصّلة والتي تركّز على فهم القواعد، وتذوّق روعة المعاني من الأمثلة التي تجمع بين آيات القرآن والشعر العربي القديم والمعاصر.

 

مركز نون للتأليف والترجمة

12


2

الدرس الأول: الفصاحة

 الدرس الأول: الفصاحة

 

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى معنى الفصاحة.

2- أن يدرك الطالب شروط فصاحة الكلمة.

3- أن يدرك الطالب شروط فصاحة الكلام.

13


3

الدرس الأول: الفصاحة

 معنى الفصاحة[1]:

الفَصَاحَةُ لُغَةً: تُطْلَقُ الفَصَاحَةُ فِي اللَّفْظِ عَلَى مَعَانٍ كثِيرَةٍ مِنْهَا: البَيَانُ، وَالظُّهُورُ، والانكِشَافُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي[2]. أيْ: أَبْيَنُ مِنِّي مَنْطِقَاً، وَأَظْهَرُ مِنِّي قَوْلاً.

 

يُقَالُ: أَفْصَحَ الصَّبِّيُّ فِي مَنْطِقِهِ، إِذَا بَانَ وَظَهَرَ كَلَامُهُ.

 

وَقَالَتِ العَرَبُ: أَفْصَحَ الصُّبْحُ: إِذَا أَضَاءَ.

 

يذكر علماء البلاغة عادةً انقسام الفصاحة إلى فصاحةٍ في الكلمة، وفصاحة في الكلام، وفصاحة في المتكلِّم، ثم يعرّفون الفصاحة في كل قسم من هذه الأقسام على حدة، ويعلّلون ذلك بأنّه يتعذّر جمع المعاني المختلفة غير المشتركة في أمرٍ يعمّها في تعريفٍ واحد.

 

الفَصَاحَةُ فِي الاصْطِلاَحِ: هِيَ الأَلفَاظُ البَيِّنةُ الظَّاهِرَةُ المُتَبَادِرة إِلَى الفَهْمِ، ومَأْنُوسَةُ الاسْتِعْمَالِ لِمَكَانِ حُسْنِهَا، وَهِيَ تَقَعُ وَصْفاً لِلكَلِمَةِ، أو الكَلَامِ والمُتَكَلِّمِ.



[1] ويستعمل بعض علماء البلاغة بين "البلاغة والفصاحة" استعمال الشيئين المترادفين على معنى واحد في تسوية الحكم بينهما، ومن هؤلاء العسكري في "الصناعتين"، والفخر الرازي في "نهاية الإيجاز" ويشهد لذلك قول الجوهري في "الصحاح": الفصاحة البلاغة. على أن معظمهم يرى أن الفصاحة: صفة للفظ، وأن البلاغة: صفة للمعنى مع اللفظ، والمعنى أن الكلام لا يكون بليغا إلا إذا كان فصيحا في الوقت نفسه. فلا بد لأيّ كلام بليغ أن تكون ألفاظه فصيحة، وقد يكون الكلام فصيحاً وهو غير بليغ إذا لم تتناسب الكلمات الفصيحة مع المقام الذي قيلت فيه.

[2] سورة القصص، الآية: 34.

15


4

الدرس الأول: الفصاحة

 فَصَاحَةُ الكَلِمَةِ:

 

مَا هِيَ شُرُوطُ الَّلفْظَةِ الفَصِيْحَةِ؟

أوْرَدَ العُلَمَاءُ شُرُوطَاً يَنْبَغِي تَوَافُرُهَا فِي الَّلفْظَةِ الوَاحِدةِ حَتَّى تَكُونَ فَصِيحَةً, وَمِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ:

- أَنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ مُتَبَاعِدَةَ المَخَارِجِ.

- أَنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ الفَصِيحَةُ غَيْرَ مُتَوَعِّرَةٍ.

- أَنْ لا تَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِ العَامَّةِ[1].

 

وَمِنَ الموانع التي تمنع تحقّق الفصاحة في المفرد.

 

1- تَنَافُرُ الحُرُوفِ فِيهَا:

كَيْفَ يَكُونُ تَنَافُرُ الحُرُوفِ؟

يَكُونُ بِتَتَابُعِ الحُرُوفِ المُتَقَارِبَةِ فِي المَخَارِجِ, فَتَكونُ الكَلِمةُ مُتَناهيَةً فِي الثِّقلِ عَلَى الِّلسَانِ وَيَكُونُ نُطْقُهَا عَسِيراً, وَلَا ضَابِطَ لِمَعرِفَةِ الثِّقلِ والصُّعُوبَةِ سِوَى الذَّوقِ السَّليِمِ المُكتَسَبِ بالنَّظَرِ فِي كَلامِ البُلَغَاءِ ومُمَارَسةِ أَسَاليِبهمْ.

 

ومِثَالُ ذَلِكَ:

أ- رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيَّاً سُئِلَ عَنْ نَاقَتِهِ فَقَالَ: "تَركتُها تَرْعَى الهِعْخِعَ"[2].

 

ب- وَقَولُ امرؤِ القَيْسِ:[3]

غَدائِرُها مُستَشزِراتٌ إِلى العُلا        تَضِلُّ العِقاصَ في مُثَنّىً وَمُرسَلِ




[1] العامة من الناس: خلاف الخاصة، والعاميُّ المنسوب إلى العامة. ومن الكلام: ما نطق به العامة على غير سنن الكلام العربي.

[2] قال الخليل في كتابه العين: سمعت كلمة شنعاء لا تجوز في التأليف الرباعيّ. سئل أعرابي عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهِعْخِعَ، فسألنا الثقات من علمائهم فأنكروا أن يكون هذا الاسم من كلام العرب. وقال الفذُّ منهم: هي شجرة يتداوى بورقها.

[3] الغدائر: جمع الغديرة، وهي الخصلة من الشَّعر.الاستشزار: الارتفاع.العقيصة: الخُصلة من الشَّعر والجمع عقص وعقائص وعِقاص.

16


5

الدرس الأول: الفصاحة

يقولُ: ذَوائِبُهَا وغَدَائِرُهَا مَرفُوعَاتٌ إلى فَوْقٍ، يُرَادُ بِهَا شَدّهَا عَلَى الرَّأسِ بِخيوُطٍ, ثمَّ قَالَ: تَغِيبُ عَقَائِصُها فِي شَعْرِهَا بَعضُهُ مُثنَّى وبَعْضُهُ مُرْسَلٌ.

 

نُلاحِظُ الثِّقلَ فِي: "الهِعْخِعَ - مستشزراتٌ" وصُعوبةَ النُّطْقِ بِهِمَا, لِذَا, فَهُمَا كَلِمَتانِ خَارِجَتانِ عَنِ الفَصَاحَةِ.

 

2- الغَرَابَةُ فِي الاسْتِعمَالِ:

بِحَيْثُ تَكُونُ الكَلِمَةُ وَحشِيَّةً لَا يَتَّضِحُ مَعْنَاهَا إلَّا بَعْدَ النَّظَر فِي كُتُبِ اللُّغَةِ.

 

فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِيسى بنِ عمرَ النَّحْويِّ أنَّه سَقَطَ عَنْ حِمَارٍ فاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمْ: مَا لَكُمْ تَكَأْكَأْتُم عَليَّ تَكَأْكُؤَكُم عَلَى ذِي جِنَّةٍ؟! افْرَنْقَعُوا عَنَّي![1]

 

وَمَعْنَى هَذَا الكَلامِ: مَا لَكُم اجتَمَعْتُم عليَّ اجتِمَاعَكُم عَلَى مَجْنُونٍ؟ تَنَحَّوا عنّي! فالكلمتان: "تَكَأْكَأَ - افْرَنْقَعَ" كلمتَانِ خَارِجَتَانِ عَنِ الفَصَاحَةِ لِغَرابَتِهِما.

 

وَمِنْ ذَلِكَ أيْضاً استِخْدامُ كَلِمة "عُسْلُوج" بَدَلَ "غُصْنٍ" و "حَقَلَّدٍ" بَدَلَ "البَخِيلِ".

 

3- مُخَاَلفَةُ القياسِ:

أيْ مخَالَفتَها لِقَواعِدِ القِيَاسِ الصَّرفيِّ

 

وَمِثَالُ ذَلِكَ: قَوْلُ أبِي النَّجْمِ[2]:

الحَمْدُ للهِ العَلِيِّ الأجْلَلِ           الواحِدِ الفَردِ القَدِيمِ الأوَّلِ




[1] تكأكأتم: اجتمعتم. ذي جِنَّة: جنون. افرنقعوا: انصرفوا

[2] الفضل بن قدامة العجلي، أبو النجم، من بني بكر بن وائل. 130 هـ، 747 م من أكابر الرجّاز ومن أحسن الناس إنشاداً للشعر.نبغ في العصر الأموي، وكان يحضر مجالس عبد الملك بن مروان وولده هشام. قال أبو عمرو بن العلاء: كان ينزل سواد الكوفة، وهو أبلغ من العجاج في النعت.

17

 

6

الدرس الأول: الفصاحة

 فَكَلِمَةُ "الأَجْلَلِ" هُنَا خَرَجَتْ عَنِ القِيَاسِ, إذِ الصَوَابُ أنْ يُقالَ: "الأجلّ" بالإدْغَامِ, ولا مسوِّغَ لِفَكِّهِ.

 

4- الكَرَاهَةُ فِي السَّمْعِ

بِأَنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ مَمْجُوجَةً، يَنْفِرُ مِنْهَا السَّامِعُ, كَقَولِ المُتَنَبي:

مُبارَكُ الاِسمِ أَغَرُّ اللَقَبْ           كَريمُ الجِرِشّى شَريفُ النَسَبْ

 

فَكَلِمَةُ الجِرِشَّى كَلِمَةٌ تَستَثقِلُهَا الأَسْمَاعُ, لِذَا هِي كَلِمَةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الفَصَاحَةِ.

 

فَصَاحَةُ الكَلَامِ:[1]

وَلِكَي يَكُونَ الكَلامُ فَصِيحاً, يَجِبُ أنْ يَخْلوَ مِنَ العُيُوبِ التَّالِيةِ:

1- ضَعْفُ التَّألِيفِ, وَعَدَمُ التِزَامِ القَواعِدِ الُّلغَويَّةِ فِيهِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ, نَصْبُ الفِعْلِ المُضَارِعِ بِلاَ نَاصِبٍ نَحوُ:[2]

انظُرَا قَبْلَ تَلُومَانِي إِلَى       طَلَلٍ بَيْنَ النَّقَا والمُنْحَنَى

 

وَمِنْهُ كَذَلِكَ: "ضَرَبَ غُلامُهُ زَيداً"

هنَا يُريدُ القائِلُ أنْ يَقولَ: "إنَّ زَيداً ضَرَبَه غلامُه"

ولكنَّه أَخطأَ فِي تَرتِيبِ الكَلِمَاتِ, فَجَعَلَ الضَّمِيرَ فِي "غُلامُهُ" يَعُودُ عَلَى مُتَأَخِّرٍ لَفظاً وَرُتبَةً, وَهَوَ المَفْعُولُ بِهِ "زيداً".

 

ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلى المفعولِ بِهِ المتَأخَّرِ لفْظاً وَرتبَةً, مُمتَنِعٌ عِنْدَ أَهْلِ الُّلغَةِ[3].




[1] كريم الجرشّى: أي كريم النفس، والبيت من قصيدة مطلعها:

فهمت الكتاب ابرَّ الكتب     فسمعاً لأمر أمير العربْ

[2] لم اعثر على قائله.

[3] ومن الشواهد على ضعف التأليف قول حسان بن ثابت: "ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا من الناس أبقى مجدُهُ الدَّهْرَ مُطْعِمَا"

18


7

الدرس الأول: الفصاحة

 2- تَنَافُرُ الكَلِمَاتِ:

 

بِحَيْثُ يسبِّبُ اتِّصالُ بعضها ببعضٍ ثِقَلَها على السَّمْعِ، وصُعوبةَ أدائِهَا بالَّلسَانِ، لِكَثْرَةِ الحُرُوفِ المُتَشابِهةِ فِيهَا, وتِكرارِهَا فِي التَركِيبِ الوَاحِدِ، كَقَولِ الشَّاعِرِ:[1]

وقبرُ حربٍ بمكانٍ قَفْرُ                     وليسَ قربَ قبْرِ حربٍ قبرُ

 

ومِنْ ذَلِكَ قَولُ أبِي تمَّام:

كَريمٌ مَتى أَمدَحْهُ أَمدَحْهُ وَالوَرى         مَعي، وَمَتى ما لُمتُهُ، لُمتُهُ وَحدي

 

فإنَّ فِي قَولِ "أمدَحْهُ" ثقلاً مَا، لِمَا بَيْنَ "الحَاءِ" و"الهَاءِ" مِن تَنَافُرٍ, ولَكِنَّه دُونَ البَيْتِ الأوَّلِ فِي التَّنافُرِ.

 

3- التَّعْقِيدُ:

أنْ لَا يَكونَ الكَلامُ ظاهرَ الدَّلَالَةِ عَلَى المُرادِ بِهِ, وعَدَمُ وُضُوحِ المَعنَى يَرجِعُ إِلَى سَبَبينِ:

أ- التَّعقِيدُ الَّلفْظيُّ: وَهُوَ أنْ تَكونَ الأَلْفاظُ مرتَّبةً لَا عَلَى وفْقِ تَرتِيبِ المَعَانِي, فَيَفسدُ نِظَامُ الكَلَامِ وتَأليفُهُ, بِسَببِ مَا يَحْصَلُ فِيهِ مِنْ تَقْديمٍ وتَأخِيرٍ, كَتَقْديمِ الخَبَرِ عَلَى المبتدَأِ فِي مَكَانٍ يُوجِبُ الَّلْبسَ, أَو فَصْلٍ بَيْنَ المُتلازِمَينِ, كالمُستَثْنَى وَالمُستَثْنَى مِنْهُ, أو المُضَافِ والمُضَافِ إِليْهِ, فَيصبِحُ الكَلَامُ حِينَهَا خَفِيَّ الدَّلَالَةِ عَلَى المَعْنَى المُرادِ, كَقَولِ أَبِى الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي:

أنَّى يكُونُ أبا البَرِيَّةٍ آدَمٌ     وأبُوكَ والثَّقَلانِ أنتَ محَمَّدُ؟

 

"والوضعُ الصحيحُ أن يقولَ: كيفَ يكونُ آدمُ أبَا البَرِيَّةِ، وَأَبُوْكَ مُحَمَّدٌ، وَأَنْتَ الثَّقَلاَنِ؟ يعنى أَنَّه قد جَمعَ مَا فِي الخَلِيقةِ مِنَ الفَضْلِ والكَمَالِ، فَقَد فَصَلَ



[1] لم يعرف قائله.

19


8

الدرس الأول: الفصاحة

 بَيْنَ المبتدأِ والخَبَرِ, وهُمَا "أبوك محمد"، وقدَّمَ الخَبَرَ عَلَى المُبتدأِ تَقديِماً قَدْ يَدعُو إِلَى الَّلبسِ فِي قولِهِ "والثَّقلانِ أنتَ"، عَلَى أنَّه بَعدَ التَّعسُّفِ لَمْ يَسلَمْ كَلَامُه مِنْ سُخفٍ وهَذَر"[1].

 

فَالكَلامُ الخَالِي مِنَ التَّعقيدِ الَّلفظيِّ مَا سَلِمَ نَظْمُهُ مِنَ الخَلَلِ, فَلَمْ يَكنْ فِيهِ مَا يُخالفُ الأصْلَ - مِنْ تقديمٍ أوْ تَأخِيرٍ أوْ إضمَارٍ أوْ غيرِ ذَلِكَ - إلَّا وَقَدْ قَامَتْ عَليهِ قَرينةٌ ظَاهِرةٌ - لفْظِيَّةٌ أوْ مَعْنَويَّةٌ -.

ب- التَّعقِيدُ المَعْنَويُّ: وَهُوَ أنْ يُوضَعَ المَعْنَى فِي مَوضِعٍ لَا يَفهمُ القَارئُ مقصودَ الكاتب مِنْهُ بِشَكلٍ صَحِيحٍ فَلَا يَكونُ انتِقَالُ الذِّهنِ مِنْ المَعنَى الأوَّلِ إِلَى المَعْنَى الثَّانِي - الَّذي هُوَ لازِمُهُ

 

والمُرَادُ بِهِ - ظَاهراً, كَقَولِ العبَّاسِ بنِ الأَحْنَفِ[2]:

سَأَطلبُ بُعْدَ الدَّارِ عَنْكُم لِتَقرَبُوا         وَتَسكُب عيَنَايَ الدُّمُوعَ لتجمُدَا

 

كنّى بسكْبِ الدَّمُوعِ عمَّا يُوجبُهُ الفِراقُ مِنَ الحُزنِ, لأنَّ مِنْ شّأنِ البُكاءِ أنْ يكونَ كِنايةً عنْهُ، ثمَّ أخطَأَ حِينَ طَرّدَ ذَلِكَ فِي نَقِيضِهِ، فَأرادَ أنْ يَكنِيَ دَوامَ التَّلاقِي مِنَ السُّرورِ بالجُمودِ, لظنِّهِ أنَّ الجُمودَ هُوَ خلوُّ العَيْنِ مِنَ البكاءِ مطلقاً, مِنْ غَيْرِ اعتبَارِ شيءٍ آخر, ولكنَّه أخطأَ لأنَّ الجمودَ هُوَ خلوُّ العَينِ مِنَ البُكاءِ فِي حَالِ إِرادةِ البكاءِ مِنهَا, أيْ أنْ يكونَ هناك موقفٌ يستدْعِي البُكَاءَ فَلَا يَستطيعُ البكاءَ, فالجُمُودُ فِي الحَقيقَةِ لا يكونُ كِنايةً عَنِ المسرَّةِ, بَل هُوَ كِنايةٌ عَنِ البُخلِ, كَمَا فِي




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص، ص9، جمعه ورتبه وعلق عليه ونسّقه علي بن نايف الشحود.

[2]  العبّاس بن الأحنف بن الأسود، الحنفيّ (نسبة إلى بني حنيفة)، اليماميّ، أبو الفضل. 192 هـ / 807 م شاعر غَزِل رقيق، قال فيه البحتريّ: أغزل الناس، أصله من اليمامة بنجد، وكان أهله في البصرة وبها مات أبوه ونشأ ببغداد وتوفي بها، وقيل بالبصرة. خالف الشعراء في طرقهم فلم يمدح ولم يَهجُ بل كان شعره كله غزلاً وتشبيباً، وهو خال إبراهيم بن العباس الصولي، قال في البداية والنهاية: أصله من عرب خراسان ومنشؤه ببغداد.

20


9

الدرس الأول: الفصاحة

 قَوْلِ أَحَدِ الشُّعراءِ[1]- وقَدْ أَجَادَ فِي وَضْعِ كَلِمَةِ "الجمود" في مكانِهَا الصَّحِيحِ -:

أَلَا إنَّ عَيْناً لَمْ تَجُدْ يومَ واسطٍ          عليكَ بِجَارِي دمعِهَا لَجَمُودُ

 

4- تَعَاقُبُ الأدَوَاتِ:

أ- مجيءُ بعضِهَا إِثْرَ بعضٍ, مَا يَجْعلُ الكلامَ ثَقيلاً، ومِثالُ ذَلِكَ قولُ أبِي تمَّامَ:

كأنَّه فِي اجتِمَاعِ الرُّوحِ فِيهِ لَهُ    فِي كلِّ جَارِحةٍ مِنْ جِسْمِهِ رُوحُ

 

فمجيءُ "في" بَعْدَ "لَهُ", أورَثَتْ فِي البيتِ ثِقلاً جَعَلَ الِّلسَانَ يَتَعَثَّرُ عِنْدَ النُّطْقِ بِهِمَا.

 

ب- كَثرةُ التَّكرَارِ, وتَتَابُعُ الإِضَافَاتِ الَّذي يَجعلُ الكَلامَ ثَقيلاً, وَمثَالُ كَثرةِ الإضَافَاتِ, قولُ ابنِ بَابَك[2]:

حَمَامَةَ جَرعَى حَوْمَةِ الجَنْدَلِ اسجَعِي        فَأنْتِ بِمرأَى مِنْ سعادَ ومَسْمَعِ[3]

 

مُلاحظةٌ: إنَّ كَثرةَ التَّكْرارِ, وتَتَابعَ الإِضَافَاتِ, إذَا أفضَتْ بالَّلفْظِ إِلَى الثِّقلِ عَلَى الِّلسَانِ فَقَدْ خَرَجَتْ عَنِ الفَصَاحةِ, وإلَّا فَلَا يُخلُّ التَّكرَارُ بالفَصَاحَةِ.

 

فَصَاحَةُ المُتَكَلِّمِ:

وأمَّا فَصَاحَةُ المُتَكَلِّمِ فَهِيَ: مَلَكَةٌ يُقتدرُ بِهَا عَلَى التَّعبِيرِ عَنِ المَقصُودِ بِلفظٍ فَصِيح.



[1] أبو عطاء السندي أفلح بن يسار السندي، أبو عطاء. 180 هـ / 796 م شاعر فحل قوي البديهة. كان عبداً أسود، من موالي بني أسد، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، نشأ بالكوفة، وتشيع للأموية، وهجا بني هاشم، وشهد حرب بني أمية وبني العباس، فأبلى مع بني أمية. قال البغدادي: مات عقب أيام المنصور (ووفاة المنصور سنة 158 هـ) وقال ابن شاكر: توفي بعد الثمانين والمئة. وكانت في لسانه عجمة ولغثة، فتبنى وصيفاً سماه (عطاء) وروّاه شعره، وجعل إذا أراد إنشاء شعر أمره فأنشد عنه، وكان أبوه سندياً عجمياً لا يفصح.

[2] عبد الصمد بن منصور بن الحسن بن بابك، أبو القاسم. 410 هـ /1020 م شاعر مُجِيد مُكْثِر. من أهل بغداد، له (ديوان شعر- خ). طاف البلاد، ولقي الرؤساء، ومدحهم، وأجزلوا جائزته. ووفد على الصاحب بن عباد فقال له: أنت ابن بَابَك؟ فقال: بل أنا ابن بابِك! توفي ببغداد.

[3] جرعى: تأنيث الأجرع، وهي الرملة لا تُنبت شيئا. والجندل: الحجارة. السجع: هديل الحمام.

21


10

الدرس الأول: الفصاحة

 القواعد الرئيسة

- الفَصَاحَةُ هِيَ الأَلفَاظُ البَيِّنةُ الظَّاهِرَةُ المُتَبَادِرةُ إِلَى الفَهْمِ، والمَأْنُوسَةُ الاسْتِعْمَالِ.

 

- تَقَعُ الفَصَاحَةُ وَصْفاً لِلكَلِمَةِ أو الكَلَامِ والمُتَكَلِّمِ.

 

- يَنْبَغِي تَوَافُرُ شُرُوطٍ فِي الَّلفْظَةِ الوَاحِدةِ حَتَّى تَكُونَ فَصِيحَةً:

1- تَنَافُرُ الحُرُوفِ.

2- الغَرَابَةُ فِي الاسْتِعمَالِ[1].

3- مُخَاَلفَةُ القياسِ[2].

4- الكَرَاهَةُ فِي السَّمْعِ.

 

- لِكَي يَكُونَ الكَلامُ فَصِيحاً, يَجِبُ أنْ يَخْلوَ مِنَ العُيُوبِ التَّالِيةِ:

1- ضَعْفُ التَّألِيفِ[3].

2- تَنَافُرُ الكَلِمَاتِ[4].

3- التَّعقِيدُ الَّلفْظيُّ والمَعْنَويُّ[5].

4- تَعَاقُبُ الأدَوَاتِ.



[1] الغرابة تعرف بكثرة الاطلاع على كلام العرب والاحاطة بالمفردات المأنوسة.

[2] مخالفة القياس تعرف بعلم الصرف.

[3] ضعف التاليف والتعقيد اللفظي يعرفان بعلم النحو.

[4] التنافر يعرف بالذوق السليم والحس الصادق.

[5] التعقيد المعنوي يعرف بعلم البيان.

22


11

الدرس الأول: الفصاحة

 تمارين

 

1- عرّف الفصاحةَ لغةً واصطلاحاً؟

 

2- متى تكون الكلمةُ فصيحةً؟

 

3- عدّد شروطَ فصاحةِ الكلمة وهاتِ مثالاً على كلٍّ منها.

 

4- متى يكون الكلام فصيحاً ؟

 

5- اذكر الوجه في عدم بلاغة قول الفرزدق:

    وما مثلُهُ في الناس إلا مُمَلَّكاً             أبو أمِّه حيٍّ أبوه يقارِبُه

 

6- التعقيدُ نوعان اذكرهما وهاتِ مثالاً على كلّ نوع.

 

7- ما هي مخلّات الفصاحة في الأمثلة التالية؟

أ- فلا يُبْرمُ الأمرُ الّذي هو حالِلُ ولا يُحْلَلُ الأمرُ الّذي هو يَبْرِمُ.

ب- خَلَتِ البلادُ من الغزالةِ ليلُها فأعاضهاك‏ الله كي لا تحْزَنا.

ج- أنّى يكونُ أبا البرايا آدمُ وأبوك والثقلانُ أنت محمدُ.

د- ومن جاهلٍ بي وهو يجهل جهلَهُ ويجهل علمي أنّه بي جاهلُ.

هـ- ولم أر مثل جـيراني ومثلي مثلهم مقام لمثلي عنـد.

و- وتسعدني في غمرة بعد غمرة         سبوح لها منها عليها شواهد.

ز- وازْور من كان له زائر                  وعاف عافي العُرف عرفانه.

23


12

الدرس الأول: الفصاحة

 للمطالعة

 

كلام ابن أبي الحديد في فصاحة أمير المؤمنين عليه السلام:

"... واعلم أنّنا لا يتخالجنا الشكّ في أنّه عليه السلام أفصح من كلّ ناطق بلغة العرب من الأوّلين والآخرين، إلّا من كلام الله سبحانه، وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لأنّ فضيلة الخطيب والكاتب في خطابته وكتابته تعتمد على أمرين هما: مفردات الألفاظ ومركّباتها. أمّا المفردات فأن تكون سهلة سلسة غير وحشية ولا معقّدة، وألفاظه عليه السلام كلّها كذلك، فأمّا المركّبات فحسن المعنى وسرعة وصوله إلى الأفهام، واشتماله على الصفات الّتي باعتبارها فُضّل بعض الكلام على بعض، وتلك الصفات هي الصناعة الّتي سمّاها المتأخّرون البديع، من المقابلة، والمطابقة، وحسن التقسيم، وردّ آخر الكلام على صدره، والترصيع، والتسهيم، والتوشيح، والمماثلة، والاستعارة، ولطافة استعمال المجاز، والموازنة، والتكافؤ، والتسميط، والمشاكلة. ولا شبهة أنّ هذه الصفات كلّها موجودة في خطبه وكتبه، مبثوثة متفرّقة في فرش كلامه عليه السلام، وليس يوجد هذان الأمران في كلام أحد غيره، فإن كان قد تعمّلها وأفكر فيها، وأعمل رويّته في رصفها ونثرها، فلقد أتى بالعجب العجاب، ووجب أن يكون إمام الناس كلّهم في ذلك، لأنّه ابتكره ولم يعرف من قبله، وإن كان اقتضبها ابتداء، وفاضت على لسانه مرتجلة، وجاش بها طبعه بديهة، من غير رويّة ولا اعتمال، فأعجب وأعجب! وعلى كلا الأمرين فلقد جاء مجلياً والفصحاء تنقطع أنفاسهم على أثره. وبحقّ ما قال معاوية لمحقن الضبيّ، لمّا قال له: جئتك من عند أعيا الناس: يا بن اللخناء ألعليٍّ تقول هذا؟ وهل سنّ الفصاحة لقريش غيره!؟. واعلم أنّ تكلّف الاستدلال على أنّ الشمس مضيئة يُتعب، وصاحبه منسوب إلى السفه، وليس جاحد الأمور المعلومة علماً ضرورياً بأشدّ سفهاً ممّن رام الاستدلال بالأدلّة النظريّة عليها"[1].




[1] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 6، ص 278 - 279، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم، الناشر دار إحياء التراث العربية، لاد، لاط، لات، فصل في ذكر القبر وسؤال الملكين.

24


13

الدرس الثاني: البلاغة

 الدرس الثاني: البلاغة

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى معنى البلاغة.

2- أن يدرك عناصر البلاغة.

3- أن يتعرّف إلى أقسام علم البلاغة.

4- أن يدرك لغاية من دراسة البلاغة.

25


14

الدرس الثاني: البلاغة

 البلاغةُ:

البَلاغَةُ لُغةً: الوصُولُ والانتِهاءُ إِلَى الشيءِ, يُقَالُ: بَلَغَ فُلانٌ مُرادَهُ إذَا انتَهَى إِليهِ. قَالَ تَعالَى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ[1] أيْ: وصَلَ، وبَلَغَ الرَّاكِبُ المَدِينَةَ: إذَا وَصَلَ إِليْهَا، ومَبْلغُ الشَّيءِ: مُنتَهَاهُ.

 

البَلاغَةُ اصطلاحاً: هِيَ مطابقةُ الكلامِ الفصيح[2] لمقتضى الحالِ. أوهِيَ سَوْقُ الكَلامِ الفَصِيحِ عَلَى مقتضَى الحَالِ بِحَسبِ المقَامَاتِ[3]. ولا تكون البلاغة وصفاً للكلمة.




[1]  سورة يوسف، الآية: 22.

[2] البلاغة أخص والفصاحة أعم.

[3] قيل لبشار: إنك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت، قال: وما ذاك؟ قال قلت: بينما تقول شعراً تثير به النقع وتخلع به القلوب، مثل قولك:

إذا ما غضبنا غضبة مضرية         هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدما

إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة        ذُرى منبرٍ صـلى عـلـينـا وسـلـمـا

تقول:

ربابة ربة البيت       تصب الخل في الزيتِ

لها عشر دجاجات  وديكٌ حسن الصوتِ

فقال: لكل وجه وموضع، فالقول الأول جد، وهذا قلته في ربابة جارتي، وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة هذه لها عشر دجاجات وديك فهي تجمع لي البيض وتحفظه عندهاً، فهذا عندها من قولي أحسن من: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل عندك.

ابي الفرج الاصفهاني، الأغاني، ج3، ص 114، بيروت، دار احياء التراث.

27


15

الدرس الثاني: البلاغة

 بَلاغةُ الكَلامِ[1]:

البلاغةُ في الكلامِ: مطابقتُه لما يقتضيه حالُ الخطابِ مَعْ فَصاحةِ ألفَاظهِ "مفردِها ومركَّبِها".

 

والكلامُ البليغُ: هو الذي يُصورِّهُ المتُكلِّمُ بصورةٍ تناسبُ أحوالَ المخاطبين.

 

وحالُ الخطابِ "ويسمَّى بالمقامِ" هوَ الأمرُ الحاملُ للمتكلِّم على أن يُوردَ عبارتَه على صورةٍ مخصوصةٍ دون أخرى.

 

بلاغةُ المتكلِّم[2]:

هي مَلَكة في النَّفس يقتَدرُ بِهَا صاحبُها عَلَى تَألِيفِ كلامٍ بليغٍ, مُطابقٍ لمقتَضَى الحال، مَع فصاحتهِ في أيِّ معنًى قَصَده، وتِلكَ غَايةٌ لَنْ يَصِلَ إِليْهَا إلاَّ من أحاطَ بأساليبِ العَربِ خُبراً، وعَرَفَ سُننَ تخاطُبهِم في مُنافراتِهِم، ومُفاخَراتِهِم، ومَدِيحِهِم، وَهجائهِم وَشكرهِم، واعتذارهِم، لِيلَبسَ لكلِّ حالةٍ لبُوسَها "ولكلِّ مقامٍ مَقالٌ".

 

الغايةُ منَ البلاغةِ:

تَأدِيَةُ المعنى الجميلِ واضحاً بعبارةٍ صَحِيحةٍ فصيحة ٍ،لهَا فِي النَّفسِ أثرٌ ساحرٌ، مَع مُلاءَمَةِ كلِّ كلامٍ للموطنِ الذي يُقالُ فيهِ، والأشخاصِ الَّذينَ يُخاطَبوُنَ.

 

عناصرُ البلاغةِ:

هي لفظٌ ومعنًى، وتأليفٌ للألفاظ يمنحُها قوةً وتأثيراً وحسناً، ثم دقةٌ في اختيارِ الكَلِماتِ والأساليبِ عَلَى حَسبِ مَواطنِ الكلامِ ومواقِعِهِ، وَمَوضُوعاتِهِ،



[1] الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، ص11، الناشر دار الكتاب الاسلامي - بيروت، مطبعة أمير - قم، 1411هـ - 1990م.

[2] م. ن، ص14. م. ، ص11.

28


16

الدرس الثاني: البلاغة

 وحالِ السَّامعينَ، والنزعةِ النفسيَّةِ الَّتِي تَتَمَلَّكُهم،وتسيطرُ عَلَى نُفوسِهم.

 

أسَاسُ البَلاغةِ:[1]

البَلاغةُ فنٌ مِنَ الفُنونِ, يَعتمِدُ عَلَى صَفَاءِ الاستعدادِ الفطريّ ودقَّةِ إدراكِ الجَمَالِ, وتَبينِ الفُروقِ الخفيةِ بينَ صُنوفِ الأسَاليبِ, وللمَرَانَةِ يدٌ لَا تُجْحَدُ فِي تكوينِ الذَّوقِ الفنِّيِّ, وتنشِيطِ المَواهِبِ الفاتِرَةِ, ولَا بُدَّ للطَّالِبِ إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ مِنْ قِرَاءةِ طَرائِفِ الأَدَبِ, والتملُّؤِ مِنْ نَمِيرِهِ الفيَّاضِ, ونقدِ الآَثَارِ الأدبيَّةِ والمُوازَنَةِ بَيْنَهَا, وأنْ يَكونَ لَهُ مِنَ الثِّقةِ بِنفسِهِ مَا يَدفعُهُ إِلَى الحُكمِ بِحُسنِ مَا يَرَاهُ حسناً وبقبحِ مَا يَعُدُّه قبيحاً.

 

وليسَ هناكَ مِنْ فَرقٍ بَينَ البَلِيغِ والرَّسَامِ إلَّا أنَّ هَذَا يَتَناوَلُ المَسمُوعَ مِنَ الكَلامِ, وذَلِكَ يُشَاكِلُ بَينَ المرئيِّ مِنَ الألوانِ والأشْكالِ, فالرسَّامُ إذَا همَّ برسمِ صورةٍ فَكَّرَ فِي الألوانِ المُلائِمةِ لَهَا, ثمَّ فِي تأليفِ هَذِهِ الألوانِ بِحَيثُ تَخْتَلِبُ الأبصارَ وتُثِيرُ الوجْدانَ, والَبليغُ إذَا أرادَ أنْ يُنشئَ قَصيدةً أو مَقالَةً أو خطبةً فَكَّرَ فِي أجْزائِهَا, ثمَّ دَعَا إليهِ مِنَ الألفَاظِ والأَسالِيبِ أخفَّهَا عَلَى السَّمعِ, وأكثرَهَا اتصَالاً بموضوعِهِ, ثمَّ أقواهَا أثَراً فِي نُفوسِ سَامِعيهِ وأَروعَهَا جَمَالاً.

 

بَينَ الفَصَاحَةِ والبَلاغَةِ:

ربَّ كلمَةٍ حَسُنَتْ فِي مَوطِنٍ ثمَّ كانَتْ نَابِيةً مستكرهةً فِي غَيرِهِ, ورُبَّ كَلامٍ كَانَ فِي نَفسِهِ حَسَناً خَلاَّباً حَتَّى إذَا جَاءَ فِي غَيْرِ مَكانِهِ وسَقَطَ فِي غَيرِ مَسقَطِهِ خَرَجَ عَنِ حَدِّ البَلاغَةِ وكَانَ غَرَضَاً لِسِهامِ النَّاقِدينَ, فَقَدْ كرِهَ الأُدَبَاءُ كَلِمَةَ "أيْضاً" وعَدُّوهَا مِنْ




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص10.

29


17

الدرس الثاني: البلاغة

 ألفاظِ العُلمَاءِ فَلَمْ تَجْرِ بِهَا أقلامُهُم فِي شِعْرٍ أو نَثْرٍ, حَتَّى ظَهَرَ مِنْ بَيْنِهِم مَنْ قَالَ[1]:

رُبَّ وَرقاءَ هتوفٍ في الضُحى          ذاتِ شَجوٍ صَدَحت في فَنَنِ

ذكرت إِلفاً ودهراً صالحاً               فبكت حزناً وهاجت حَزني

فبكائي ربما أرَّقَها                      وبكاها ربما أرَّقَني

ولقد تشكو فما أفهمها              ولقد أشكو فما تفهمني

غير أنّي بالجوى أعرِفُها                وهي أيضاً بالجَوى تعرفُني

 

فَوَضَعَ "أيضاً" فِي مَكَانٍ لَا يَتَطَلَّبُ سِوَاهَا ولَا يَتَقبَّلُ غيرَهَا, وكانَ لَهَا مِنَ الرَّوْعَةِ والحُسْنِ فِي نفسِ الأدِيبِ مَا يَعجزُ عنْهَا البَيَانُ.

 

ومِنَ الأمثِلةِ الَّتِي تُسَاقُ فِي خُروجِ الكَلَامِ عَنْ حَدِّ البَلاغَةِ, حَتَّى وإنْ كَانَ فِي نَفسِهِ حَسَناً وجَميلاً قَولُ المُتَنَبِي فِي مَطْلَعِ قصيدةٍ مَدَحَ فِيهَا كَافورَ الإخشيديَّ:

كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا            وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا

 

وقولُهُ:

وَما طَرَبي لَمّا رَأَيتُكَ بِدعَةً                   لَقَد كُنتُ أَرجو أَن أَراكَ فَأَطرَبُ

 

وقولُ أبِي النَّجْمِ لمَّا دَخَلَ عَلَى هِشَام بنِ عَبدِ المَلِكِ:

حَتّى إِذا الشَمسُ اِجتَلاها المُجتَلي           بَينَ سِماطَىْ شَفَقٍ مُهَوِّلِ

فَهيَ عَلى الأُفقِ كَعَينِ الأَحوَلِ              صَغواءَ قَد كادَت وَلَمّا تَفعَلِ[2]




[1] أبو بكر الشبلي, دلف بن جحدر الشبلي. 247 - 334 هـ / 861 - 946 م, ناسك، كان في مبدأ أمره والياً في دنباوند (من نواحي رستاق الري)، وولي الحجابة للموفق العباسي, وكان أبوه حاجب الحجاب ثم ترك الولاية وعكف على العبادة، فاشتهر بالصلاح.

له شعر جيد، سلك به مسالك المتصوفة، أصله من خراسان، ونسبته إلى قرية (شبلة) من قرى ما وراء النهر، مولده بسر من رأى، ووفاته ببغداد، اشتهر بكنيته، واختلف في اسمه ونسبه، فقيل (دلف بن جعفر) وقيل (جحدر بن دلف) و(دلف بن جعترة) و(دلف ابن جعونة) (وجعفر بن يونس).

[2] ويروى ايضا بهذه الكيفية: "صفراء قد كادت ولما تفعل كأنها في الافق عين الاحول".

30


18

الدرس الثاني: البلاغة

 وكانَ هِشَامُ أحولَ فأمَرَ بِحَبسِهِ.

 

أقسامُ عِلمِ البلاغةِ:

ينقسمُ علمُ البلاغة إلى ثلاثةِ أقسِامٍ:

علمُ البيان: وهو علمٌ يعرَف به إيرادُ المعنَى الواحدِ بطُرُقٍ مختلفة ٍفِي وضوحِ الدلالةِ عليهِ.

علمُ المعاني: وهو علمٌ يعرَفُ به أحوال اللفظ العربيِّ التي بها يطابقُ مقتضَى الحالِ.

علمُ البديعِ: وهوَ علمٌ يُعرَفُ بِهِ وجوهُ تحسينِ الكلامِ، بَعدَ رِعَايةِ تطِبيقِهِ عَلَى مقتضَى الحالِ ووضوحِ الدلالةِ.

 

الهدفُ مِنْ دراسةِ البَلاغَةِ:

أ- معرفةُ إعجازِ[1] القرآن الكريمِ، من جهةِ ما خصَّهُ اللهُ به من جودةِ السبَّكِ، وحُسن الوصفِ، وبَراعةِ التَّراكيبِ، ولُطفِ الإيجاز، وما اشتملَ عليه من سُهولةِ الترَّكيبِ، وجزالةِ كلماتهِ، وعُذوبِة ألفاظهِ وسلامتِها، إلى غير ذلك من محاسنهِ التي أقعدتِ العربَ عن مناهضتِه، وحارتَ عقولهُم أمامَ فصاحتهِ وبلاغتهِ.

 

ب- معرفة أسرارِ كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، والائمة عليهم السلام فهم أبلغُ البلغاءِ، وأفضلُ من نطقَ بالضادِ، وذلك ليصارَ للعملِ بها، ولاقتفاء أثرهم في ذلكَ.

 

ج- الوقوفُ على أسرارِ البلاغةِ والفصاحةِ - في مَنثورِ كلامِ العرب ومنظومِه - كي نحتذيَ حذوهُ، وتننسُجَ على منوالهِ، ونفرِّقَ بين جَيِّدِ الكلام ورديئِهِ.




[1] روى أن الوليد بن المغيرة قال لبني مخزوم: والله، لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، والله لتصبأن قريش كلهم.

31


19

الدرس الثاني: البلاغة

 القواعد الرئيسة

 

البلاغةُ: مُطابَقَةُ الكلامِ لِمَا يقتضيهِ حَالُ الخِطابِ مَع فَصَاحَةِ أَلفَاظِهِ.

 

- عَنَاصِرُ البَلاغَةِ, لَفظٌ ومعنىً وتَألِيفٌ للأَلفَاظِ.

 

- تَنقسِمُ البَلاغَةٌ إِلَى ثَلاثَةِ أقسَامٍ: علمِ البيانِ وعلمِ المعانِي وعِلمِ البَدِيعِ.

 

- الهدفُ مِنْ دِراسَةِ البَلاغَةِ مَعرفةُ إِعجازِ القرآنِ الكَريمِ ومعرِفةُ أسرَارِ كَلَامِ المعصومينَ عليهم السلام والوقوفُ عَلَى أسرَارِ كلامِ العَرَبِ والتفريقُ بَينَ جيِّدِهِ ورَدِيئِهِ.

 

تمارين

1- عرِّف البلاغةَ لغةً واصطلاحاً.

 

2- ما الهدف من دراسة البلاغة؟

 

3- هل يمكن أن يكون الكلام فصيحاً غير بليغ؟ هاتِ مثالاً.

 

4- لماذا كان قول الشاعر أبي النجم غير بليغ؟

صفراء قد كادت ولما تفعل          كأنّها في الافق عين الأحولِ

32


20

الدرس الثاني: البلاغة

 للمطالعة

 

أمير المؤمنين عليه السلام بلسان خصمه:

".... دعا عمرو(بن العاص) غلامه وردان، وكان داهياً مارداً، فقال: ارحل يا وردان، ثمّ قال: احطط يا وردان ثمّ قال: ارحل يا وردان. احطط يا وردان. فقال له وردان: خلطت أبا عبد الله! أما إنّك إن شئت أنبأتك بما في قلبك، قال: هات ويحك! قال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: عليّ معه الآخرة في غير دنيا، وفي الآخرة عوض من الدنيا، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة، وليس في الدنيا عوض من الآخرة، وأنت واقف بينهما، قال: قاتلك الله ! ما أخطأت ما في قلبي، فما ترى يا وردان؟ قال: أرى أن تقيم في بيتك، فإن ظهر أهل الدِّين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك. قال: الآن لمّا أشهرت العرب سيري إلى معاوية! فارتحل وهو يقول:


يا قاتل الله وردانا وقدحته

لمّا تعرّضت الدنيا عرضت لها

نفس تعفّ وأخرى الحرص يغلبها

أما علي فدين ليس يشركه

فاخترت من طمعي دنيا على بصر

إنّي لأعرف ما فيها وأبصره

لكن نفسي تحبّ العيش في شرف

أبدى لعمرك ما في النفس وردان

بحرص نفسي وفي الأطباع إدهان

والمرء يأكل تبناً وهو غرثان

دنيا وذاك له دنيا وسلطان

وما معي بالّذي أختار برهان

وفيّ أيضاً لما أهواه ألوان

وليس يرضى بذل العيش إنسان


 

فسار حتّى قدم على معاوية، وعرف حاجة معاوية إليه، فباعده من نفسه، وكايد كلّ واحد منهما صاحبه. فقال له معاوية يوم دخل عليه: أبا عبد الله، طرقتنا في ليلتنا ثلاثة أخبار ليس فيها ورد ولا صدر، قال: وما ذاك؟ قال: منها أنّ محمّد بن أبي حذيفة كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه، وهو

33


21

الدرس الثاني: البلاغة

 من آفّات هذا الدِّين. ومنها أنّ قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب على الشام. ومنها أنّ عليّاً نزل الكوفة، وتهيأ للمسير إلينا. فقال عمرو: ليس كلّ ما ذكرت عظيماً، أمّا ابن أبي حذيفة، فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه أن تبعث إليه رجلاً يقتله أو يأتيك به، وإن قاتل لم يضرّك. وأمّا قيصر فأهد له الوصائف وآنية الذهب والفضّة، وسله الموادعة فإنّه إليها سريع. وأمّا عليّ فلا والله يا معاوية، ما يسوي العرب بينك وبينه في شيء من الأشياء، وإنّ له في الحرب لحظّاً ما هو لأحد من قريش، وإنّه لصاحب ما هو فيه إلّا أن تظلمه. هكذا في رواية نصر بن مزاحم عن محمد بن عبيد الله. وروى نصر أيضاً عن عمر بن سعد قال: قال: معاوية لعمرو: يا أبا عبد الله، إنّي أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الّذي عصى الله وشقّ عصا المسلمين، وقتل الخليفة وأظهر الفتنة، وفرّق الجماعة وقطع الرحم، فقال عمرو: من هو؟ قال: عليّ قال: والله يا معاوية ما أنت وعليّ بحملي بعير، ليس لك هجرته ولا سابقته، ولا صحبته ولا جهاده، ولا فقهه ولا علمه. ووالله إنّ له مع ذلك لحظّاً في الحرب ليس لأحد غيره، ولكنّي قد تعوّدت من الله تعالى إحساناً وبلاء جميلاً، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه، وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر؟ قال: حكمك، فقال: مصر طعمة. فتلكّأ عليه معاوية. قال نصر: وفي حديث غير عمر بن سعد: فقال له معاوية: يا أبا عبد الله، إنّي أكره لك أن تتحدّث العرب عنك أنّك إنّما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا، قال عمرو: دعني عنك، فقال معاوية: إنّي لو شئت أن أُمنّيك وأخدعك لفعلت، قال عمرو: لا، لعمر الله ما مثلي يخدع، لأنا أكيس من ذلك، قال معاوية: أدن منّي أسارّك، فدنا منه عمرو ليسارّه، فعضّ معاوية أذنه، وقال: هذه خدعة! هل ترى في البيت أحداً ليس غيري وغيرك!"[1].



[1] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 2، ص 63 - 65.

34


22

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 الدرس الثالث: الأسلوبُ

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى معنى الأسلوب.

2- أن يدرك أنواع الأسلوب ومميّزاتها.

3- أن يتمكّن من التمييز بين الأسلوب الأدبي وغيره.

35


23

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 معنى الأسلوبِ[1]:

هو المعنى المَصُوغُ في ألفاظٍ مؤلَّفةٍ على صورةٍ تكون أقربَ لنيل الغرضِ المقصود من الكلامِ، وأفعلَ في نفوسِ سامعيهِ.

أنواعُ الأسلوبِ: ينقسمُ الأسلوبُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:أسلوبٌ علميٌّ, وأسلوبٌ أدبيٌّ, وأسلوبٌ خطابيٌّ.

 

1- الأسلوبُ العلميُّ:

وهو أهدَأُ الأساليبِ، وأكثرُها احتياجاً إلى المنطقِ السَّليمِ، والفكرِ المُستقيم، وأبعدُها عن الخيال الشِّعْرِي, لأنه يخاطبُ العقلَ، ويُناجي الفكرَ، ويَشْرَحُ الحقائق العلميَّةَ التي لا تخلو من غموضٍ وخفاءٍ.

 

وأظهَرُ ميزاتِ هذا الأسلوبِ "الوُضُوحُ"، فيجبُ أن يُعنَى فيه باختيارِ الألفاظِ الواضحةِ الصريحةِ في معناها،الخاليةِ من الاشتراكِ، وأنْ تُؤَلَّفَ هذه الألفاظُ في سُهولةٍ وجلاءِ، حتى تكون ثَوباً شفَّافاً للمعنَى المقصودِ.

 

أهمُّ مميزاتِ الأسلوبِ العلميِّ:

1- هدفُه إظهارُ الحقائقِ وكشفُها للسامعِ أو القارئِ.




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 13.

37


24

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 2- يمتازُ بالوضوحِ والدقةِ والتحديد، والترتيبِ المنطقيِّ.

 

3- يمتازُ باستخدام الأدلةِ والبراهينَ، والبعدِ عن المبالغةِ.

4- يمتازُ بالابتعادِ عن الخيالِ والعاطفة.

5- تتخللُه مصطلحاتٌ علميةٌ متصلةٌ بالموضوع الذي يتناولهُ.

 

مثالُ الأسلوبِ العلميِّ:

وصفُ البركةِ في القصر:

"وفي فناءِ القصر بركةٌ كبيرة، يزيدُ اتساعها عن مائة متر طولاً في مثلِها عرضاً، وحولَها سورٌ متوسطُ الارتفاعِ، يستطيعُ الإنسانُ أن يجلسَ على حافتهِ، ويرى ماءَ البركةِ الذي يتدفقُ إليها بشدةٍ من النهرِ المجاور، وهو ماءٌ صافٍ، لا يحجبُ قرارَ البركةِ عن العينِ".

 

نوعا الأسلوبِ العلميِّ:

ينقسم الأسلوب العلمي الى قسمين:

1- أسلوبٌ علميٌّ بحتٌ: وهو الذي يُعنَى بعرضِ الحقائقَ العلميةِ دون انصرافٍ إلى جمالِ اللفظ، أو أناقةِ التعبيرِ.

 

مثالُ الأسلوبِ العلميِّ البحتِ:

"الثعابينُ زواحفُ معروفةٌ، تمتازُ باستطالةِ جسمِها وخلوِّهِ من الأطرافِ، وهيَ كثيرة الانتشارِ في جميع أنحاءِ المعمورةِ، ولا تخلو منها بقعةٌ في العالم إلا نيوزيلندة، وبعضُ الأجزاء الأخرى".

 

2- أسلوبٌ علميٌّ متأدبٌ: وهو الذي يضعُ الحقائقَ العلميةَ في عبارةٍ لا تخلو من أناقةٍ في اختيارِ ألفاظِها، وإنْ كانتْ لا تصلُ في ذلك إلى الأسلوبِ الأدبيِّ.

38


25

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 مثالُ الأسلوبِ العلميِّ المتأدِّبِ:

يقولُ أميرُ المؤمنينَ عليه السلام في وصفِ الطَّاووسِ: "... تَخالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ وَ مَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ وَ شُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ وَفِلَذَ الزَّبَرْجَدِ فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ[1] قُلْتَ جَنًى[2] جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ أَوْ كَمُونِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ[3] وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ[4] يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ[5] وَ يَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَ جَنَاحَيْهِ فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ وَ أَصَابِيغِ وِشَاحِهِ[6] فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلًا بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ وَ يَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلَاسِيَّةِ[7] وَ قَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ[8] وَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ[9] وَمَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ وَمَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ[10] أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةً ذَاتَ صِقَالٍ[11] وَكَأَنَّهُ




[1] القصب - جمع قصبة - هي عمود الريش. والمداري - جمع مدرى بكسر الميم - قال ابن الأثير المدرى والمدراة مصنوع من حديد أو خشب على شكل سن من أسنان المشط وأطول منه يسرح به الشعر المتلبد ويستعمله من لا مشط له. والدارات: هالات القمر. والعقيان: الذهب الخالص أو ما ينمو منه في معدنه. وفلذ - كعنب - جمع فلذة بمعنى القطعة. وما أنبت معطوف على قصبه. والتشبيه في بياض القصب والصفرة والخضرة في الريش.

[2] جنى أي مجتنى جمع كل زهر لأنه جمع كل لون.

[3] الموشى: المنقوش المنمنم على صيغة اسم الفاعل. والعصب - بالفتح - ضرب من البرود منقوش.

[4] جعل اللجين - وهو الفضة - منطقة لها. والمكلل: المزين بالجواهر. فكما تمنطقت الفصوص باللجين كذلك زين اللجين بها.

[5]  المرح - ككتف - المعجب والمختال الزاهي بحسنه.

[6] السربال: اللباس مطلقا أو هو الدرع خاصة والوشاح نظامان من لؤلؤ وجوهر يخالف بينهما ويعطف أحدهما على الآخر بعد عقد طرفه به حتى يكونا كدائرتين إحداهما داخل الأخرى كل جزء من الواحدة يقابل جزءا من قرينتها ثم تلبسه المرأة على هيئة حمالة السيف، وأديم عريض مرصع بالجواهر يلبس كذلك ما بين العاتق والكشح.

[7] زقا يزقو: صاح، وأعول فهو معول رفع صوته بالبكاء يكاد يبين أي يفصح عن استغاثته من كراهة قوائمه أي ساقيه. حمش - جمع أحمش - أي دقيق. والديك الخلاسي - بكسر الخاء - هو المتولد بين دجاجتين هندية وفارسية.

[8] وقد نجمت أي نبتت من ظنبوب ساقه أي من حرف عظمه الأسفل صيصية وهي شوكة تكون في رجل الديك. والظنبوب - بالضم - كعرقوب عظم حرف الساق.

[9] القنزعة - بضم القاف والزاي - بينهما سكون - الخصلة من الشعر تترك على رأس الصبي وموشاة: منقوشة.

[10] مغرزها: الموضع الذي غرز فيه العنق منتهياً إلى مكان البطن لونه كلون الوسمة وهي نبات يخضب به، أو هي نبات النيل الذي منه صبغ النيلج المعروف بالنيلة.

[11] الصقال: الجلاء.

39


26

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 مُتَلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ[1] إِلَّا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ الْأُقْحُوَانِ أَبْيَضُ يَقَقٌ[2] فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ[3] وَقَلَّ صِبْغٌ[4] إِلَّا وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ وَعَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَبَرِيقِهِ وَبَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ[5] فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ[6] لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ وَلَا شُمُوسُ قَيْظٍ[7] وَقَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ وَ يَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ فَيَسْقُطُ تَتْرَى[8] وَيَنْبُتُ تِبَاعاً فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ[9] ثُمَّ يَتَلَاحَقُ نَامِياً حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ لَا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ وَلَا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَ إِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً وَأَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً"[10].

 

2- الأسلوبُ الأدبيُّ:

الجمالُ أبرزُ صفاتهِ، وأظهرُ مُمَيزاتهِ، ومنشَأُ جمالِه، لما فيه من خيالٍ رائعٍ، وتصويرٍ دقيقٍ، وتلَمُّسٍ لوجوه الشّبهِ البعيدةِ بينَ الأشياء، وإلباسِ المعنويِّ ثوبَ المحسوسِ، وإظهارَ المحسوسِ في صورةِ المعنويِّ.




[1] المعجر - كمنبر -: ثوب تعتجر به المرأة فتضع طرفه على رأسها ثم تمر الطرف الآخر من تحت ذقنها حتى ترده إلى الطرف الأول فيغطى رأسها وعنقها وعاتقها وبعض صدرها وهو معنى التلفع ههنا. والأسجم الأسود.

[2] الأقحوان: البابونج. واليقق - محركا - شديد البياض.

[3] يلمع.

[4]  نصيب.

[5] علاه أي فاق اللون الذي أخذه نصيبا منه بكثرة جلائه. والبصيص: اللمعان. والرونق: الحسن.

[6] الأزاهير: جمع أزهار جمع زهر.

[7] لم تربها، فعل من التربية. والقيظ: الحر.

[8] يتحسر هو من حسرة أي كشفه، أي وقد يكشف من ريشه. وتترى أي شيئا بعد شئ.

[9]  ينحت: يسقط وينقشر.

[10]  ذهبية.

40


27

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 أهمُّ مميزاتِ الأسلوبِ الأدبيِّ:

1- يثير عاطفةَ السامع أو القارئِ ويؤثِّر في نفسه.

2- يمتازُ باختيارِ الألفاظ ِوالتأثيرِ فيها.

3- ويمتازُ بامتزاجِ الفكرةِ بالعاطفةِ والانفعالات.

4- ويمتازُ بالعنايةِ بصورِ البيانِ من تشبيهٍ واستعارةٍ وكنايةٍ... الخ.

5- ويمتازُ بالحرصِ على موسيقيةِ العبارةِ، لتصوِّرَ الإحساسَ وتهزَّ المشاعرَ.

 

نموذجٌ من الأسلوبِ الأدبيِّ:

في قصيدةٍ للمتنبي يصوِّرُ فِيهَا الحُمَّى الراجِعَةَ لا كَمَا يَرَاهَا الأَطباءُ أَثراً لجراثيمَ تَدْخلُ الجسمَ، فترفعُ حرارتَهُ، وتُسببُ رِعْدةً وقُشَعْرِيرةً. حتَّى إِذَا فرغتْ نوْبَتُها تَصبَّبَ الجسمُ عَرَقاً.

 

ولكنَّه يُصوِّرها كما ترَاهَا في الأَبياتِ الآتية:


وزَائِرتي كأَنَّ بها حياءً                   

بذَلتُ لَها المَطَارف والحَشَايَا          

يضيقُ الجلدُ عَنْ نَفسِي وعنها

كأَنَّ الصبحَ يطْرُدُها فتجري

أُراقِبُ وقْتَها مِنْ غَيْرِ شَوْقٍ

ويصْدُقُ وعْدُهَا والصِّدْقُ شرٌّ

أَبِنتَ الدَّهْر عِنْدِي كلُّ بنْتٍ

فلِيْس تَزُورُ إِلاَّ في الظَّلام

فَعَافتها وباتتْ في عظامي

فَتُوسِعُهُ بِأَنواعِ السَّقام

مَدَامِعُها بأَربعة سجام

مُرَاقَبَةَ المَشُوق الْمُسْتهَام

إِذا أَلْقاكَ في الكُرَب العِظام

فكيف وصَلتِ أَنتِ مِن الزِّحامِ


 

 

3- الأسلوبُ الخطابيُّ:

هنا تَبْرُزُ قوةُ المعاني والألفاظِ، وقوةُ العقلِ الخصيبِ، وهنا يتحدثُ الخطيبُ

41


28

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 إلى إرادةِ سامعيهِ، لإثارةِ عزائمهِم واستنهاضِ هممهِم، ولجمالِ هذا الأُسلوبِ ووضوحهِ شأْنٌ كبيرٌ في تأْثيره ِ ووصولهِ إلى قرارةِ النفوسِ، ومما يزيدُ في تأْثير هذا الأُسلوبِ منزلةُ الخطيبِ في نفوسِ سامعيهِ، وقوةُ عارضتِه، وسطوعُ حجَّتهِ، ونبَراتُ صوتهِ، وحسنُ إِلقائهِ، ومُحْكَم ُإِشارتهِ.

 

أهمُّ مميزاتِ الأسلوبِ الخطابيِّ:

1- يتميّزُ هذا الأُسلوبِ بالتكرارِ، واستعمالِ المترادفاتِ، وضربِ الأمثالِ.

2- يختارُ الكلماتِ الجزلةَ، ذاتَ الرنينِ.

3- تتعاقبُ ضروبُ التعبيرِ، من إِخبارٍ إلى استفهامٍ إلى تعجبٍ إلى استنكارِ...

4- تظهر فيه مواطنُ الوقفِ قويةً شافيةً للنفسِ.

 

مثال على الأسلوبِ الخطابيٍّ:

خطبة الجهاد لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام:

".... أَلَا وَ إِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا وَ نَهَاراً وَ سِرّاً وَإِعْلَاناً وَقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ[1] إِلَّا ذَلُّوا فَتَوَاكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ وَ مُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ وَ هَذَا أَخُو غَامِدٍ[2] (و(َ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبَارَ وَ قَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ وَ أَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا[3] وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَ قُلُبَهَا وَ قَلَائِدَهَا وَ




[1] عقر الدار بالضم وسطها وأصلها وتواكلتم وكل كل منكم الأمر إلى صاحبه أي لم يتوله أحد منكم بل أحاله كل على الآخر ومنه يوصف الرجل بالوكل أي العاجز لأنه يكل أمره إلى غيره. وشنت الغارات فرقت عليكم من كل جانب كما يشن الماء متفرقا دفعة بعد دفعة وما كان إرسالا غير متفرق يقال فيه سن بالمهملة.

[2] أخو غامد هو سفيان ابن عوف من بني غامد قبيلة من اليمن من أزد شنوءة بعثه معاوية لشن الغارات على أطراف العراق تهويلا على أهله. والأنبار بلدة على الشاطئ الشرقي للفرات ويقابلها على الجانب الغربي هيت.

[3] جمع مسلحة بالفتح وهي الثغر. والمرقب حيث يخشى طروق الأعداء.

42


29

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 رُعُثَهَا[1] مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ وَ الِاسْتِرْحَامِ[2] ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ وَلَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ[3] فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً، فَيَا عَجَبا عَجَباً - وَاللهِ - يُمِيتُ الْقَلْبَ وَ يَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وَ تَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلَا تُغِيرُونَ وَتُغْزَوْنَ وَ لَا تَغْزُونَ وَ يُعْصَى اللهُ وَ تَرْضَوْنَ.."[4].

 

 

 

القواعد الرئيسة

- الأسلوب هو المعنى المَصُوغُ في ألفاظٍ مؤلَّفةٍ على صورةٍ تكون أقربَ لنيل الغرضِ المقصود من الكلامِ، وأفعلَ في نفوسِ سامعيهِ.

 

- الأسلوبُ ثلاثةُ أنواعٍ: أسلوبٌ علميٌّ,وأسلوبٌ أدبيٌّ, وأسلوبٌ خطابيٌّ.

 

- ينقسمُ الأسلوب العلميُّ إلى: أسلوبٌ علميٌّ متأدبٌ, وأسلوبٌ علميٌّ بحتٌ.

 

أهمُّ مميزاتِ الأسلوبِ العلمي:

1- يمتازُ بالوضوحِ والدقةِ والتحديد، والترتيبِ المنطقيِّ.

2- يمتازُ باستخدام الأدلةِ والبراهينِ، والبعدِ عن المبالغة.

3- يمتازُ بالابتعادِ عن الخيالِ والعاطفة.




[1]  المعاهدة الذمية. والحجل بالكسر خلخالها. والقلب بالضم سوارها. والرعاث جمع رعثة بالفتح ويحرك بمعنى القرط ويروى رعثها بضم الراء والعين جمع رعاث جمع رعثة.

[2]  الاسترجاع ترديد الصوت بالبكاء. والاسترحام أن تناشده الرحم.

[3]  وافرين تأمين على كثرتهم لم ينقص عددهم والكلم بالفتح الجرح.

[4] ترحا بالتحريك أي هما وحزنا أو فقرا والغرض ما ينصب ليرمى بالسهام ونحوها فقد صاروا بمنزلة الهدف يرميهم الرامون وهم نصب لا يدفعون وقوله ويعصى الله يشير إلى ما كان يفعله قواد جيش معاوية من السلب والنهب والقتل في المسلمين والمعاهدين ثم أهل العراق راضون بذلك إذ لو غضبوا لهموا بالمدافعة.

43


30

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 أهمُّ مميزاتِ الأسلوبِ الخطابيِّ:

1- من أظهرِ مميزاتِ هذا الأُسلوبِ التكرارُ، واستعمالُ المترادفاتِ، وضربُ الأمثالِ.

2- اختيارُ الكلماتِ الجزلةِ، ذاتِ الرنينِ.

3- تعاقبُ ضروبِ التعبيرِ، من إِخبارٍ إلى استفهامٍ إلى تعجبٍ إلى استنكارِ.

 

 

 

 

تمارين

1- وضِّح مفهومَ الأسلوبِ.

2- بينْ أنواعَ الأسلوبِ.

3- عددْ أهمَّ خصائصِ الأسلوبِ العلميِّ.

4- عددْ أهمَّ ميزاتِ الأسلوبِ الأدبيِّ.

5- عدد أهمَّ خصائص الأسلوبِ الخطابيِّ.

6- اكتب فقرتين كل واحدة منها مؤلفة من ثلاثة أسطر، تستخدم في الأولى أسلوباً علمياً، وفي الثانية أسلوباً أدبياً، في الحديث عن الشمس؟

44


31

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 للمطالعة

 

زينب عليها السلام بطلة كربلاء.... ببيانها

عن ابي إسحاق عن خذيمة الاسدي قال: سمعت عليّ بن الحسين عليه السلام وهو يقول بصوت ضئيل قد نحل من شدّة المرض: يا أهل الكوفة، إنّكم تبكون علينا، فمن قتلنا غيركم؟! ورأيت زينب بنت عليّ عليه السلام فلم أر والله خَفِرَةً قطّ أنطق منها، كأنّها تنطق وتفرغ على لسان علي عليه السلام، وقد أشارت إلى الناس بأن أنصتوا فارتدّت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثمّ قالت - بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم - أمّا بعد يا أهل الكوفة يا أهل الخَتْل[1] والغَدْر، والخَذْل!! ألا فلا رقأت العبرة[2] ولا هدأت الزفرة، إنّما مثلكم كمثل الّتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً[3] تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم[4] هل فيكم إلّا الصلف[5] والعجب، والشنف[6] والكذب، وملق الإماء وغمز الأعداء[7] أو كمرعى على دِمْنَة[8] أو كفضة على ملحودة[9] ألا بئس ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون أخي؟! أجل والله فابكوا فإنّكم أحرى بالبكاء فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، فقد أبليتم بعارها، ومنيتم بشنارها[10] ولن ترحضوا أبداً[11] وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنّة،




[1] الختل: الخداع.

[2] رقأت: جفت.

[3] أي: حلته وأفسدته بعد إبرام.

[4] أي: خيانة وخديعة.

[5] الصلف: الذي يمتدح بما ليس عنده.

[6] الشنف: البعض بغير حقّ.

[7] الغمز: الطعن والعيب.

[8] الدمنة: المزبلة.

[9] الفضة: الجص. والملحودة: القبر.

[10] الشنار: العار.

[11] أي لن تغسلوها.

45


32

الدرس الثالث: الأسلوبُ

 وملاذ حربكم، ومعاذ حزبكم ومقرّ سلمكم، واسى كَلْمِكُم[1] ومفزعِ نازلتكم، والمرجع إليه عند مقاتلتكم ومدرة حججكم[2] ومنار محجّتكم، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم، وساء ما تزرون ليوم بعثكم، فتعساً تعساً! ونكساً نكساً! لقد خاب السعي، وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذِلّة والمَسْكَنَة. (...) ثمّ أنشأت تقول عليها السلام:

 

ماذا تقولون إذ قال النبيّ لكم               ماذا صنعتم وأنتم آخرُ الأممِ

بأهل بيتي وأولادي وتَكْرمتي               منهم أُسَارَى ومنهم ضُرِّجُوا بدم

ما كان ذاك جزائي إذ نصحتُ لكم         أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رَحِمي

إنّي لأخشى عليكم أن يحلَّ بكم             مثلَ العذابِ الّذي أودى على إرم

 

ثمّ ولّت عنهم[3].




[1] أي: دواء جرحكم.

[2] المدرة زعيم القوم ولسانهم المتكلّم عنهم.

[3] الشيخ الطبرسي، الاحتجاج، ج3، ص159، تحقيق شرح وترجمة أحمد غفاري مازاندراني، الناشر المكتبة المرتضوية لاحياء التراث الجعفري، لاد، لاط، لات.

46


33

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 الفصل الأوّل

علم البيان

 

 

الكفايات

1- التعرّف إلى حقيقة علم البيان.

2- التعرّف إلى معنى التشبيه وأقسامه المتنوِّعة.

3- التمييز بين الحقيقة والمجاز.

4- القدرة على تطبيق أنواع التشبيه والإستعارة والمجاز.

47


34

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى علم البيان في الإصطلاح.

2- أن يتعرّف الطالب إلى معنى التشبيه.

3- أن يعدّد الطالب أركان التشبيه.

4- أن يملك الطالب القدرة على معرفة وتطبيق أركان التشبيه.

49


35

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى علم البيان في الإصطلاح.

2- أن يتعرّف الطالب إلى معنى التشبيه.

3- أن يعدّد الطالب أركان التشبيه.

4- أن يملك الطالب القدرة على معرفة وتطبيق أركان التشبيه.

51


36

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 أحدَ علومِ البَلاغَةِ الثلاثةِ المعروفةِ: "البيانُ والمعانِي والبَديعُ".

 

وقَد تَداخَلَ علمُ "البيانِ" بادئَ الأَمرِ مَعْ عِلمِ "المعانِي"، واستوعَبَ بَعضَ مَباحثِهِ لَاحِقاً علومَ البَلاغَةِ كلَّها بعضَ الأَحيانِ.

 

وقد عَرَّفَ البيانَ مجموعةٌ مِنَ الأُدَبَاءِ:

فقال الجاحظ: "والِدَّلالة الظاهرةُ على المعنى الخفيِّ هو البيانُ الذي سمِعْتَ الله عزّوجلّ يمدحُه، ويدعو إليه ويحثُّ عليه، بذلك نَطَقَ القُرآنُ، وبذلك تفاخَرَت العَرب، وتفاضَلَتْ أصنافُ العَجَم، والبيان اسمٌ جامعٌ لكلِّ شيءٍ كشَفَ لك قِناعَ المعنى، وهتكَ الحِجَاب دونَ الضمير، حتّى يُفْضِيَ السّامعُ إلى حقيقته، ويَهجُم على محصولِهِ كائناً ما كان ذلك البيانُ، ومن أيِّ جنسٍ كان الدّليل,لأنّ مَدَارَ الأمرِ والغايةَ التي إليها يجرِي القائل والسّامع، إنَّما هو الفَهْمُ والإفهام,فبأيِّ شيءٍ بلغْتَ الإفهامَ وأوضَحْتَ عن المعنى، فذلك هو البيانُ في ذلك الموضع"[1].

 

وقد عرَّفه الخطيب القزويني بقوله: "علم يُعرَف به إيرادُ المعنى الواحدِ بطرقٍ مختلفةٍ في وضوحِ الدَّلالة عَليهِ"[2].

والبيان كما ترى ينصب على الدلالة، وهي عند المناطقة أنواع:

أ- دلالة المطابقة: وهي أن يدل اللفظ على المفهوم الذي وُضع له في اللغة من غير زيادة أو نقصان. فهي دلالة وضعيه كدلالة لفظ "البيت" على البيت.

ب- دلالة التضمن: وهي أن يدل اللفظ على مفهوم يتضمنه مدلوله الأصلي كأن يدل لفظ "البيت" على السقف.

ج- دلالة الالتزام: وهي أن يدل اللفظ على مفهوم يقتضيه مدلوله الأصلي عقلاً




[1] البيان والتبيين.

[2] الخطيب القزويني، الايضاح في علوم البلاغة، ص 215.

52


37

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 أو عرفاً، كأن يدل لفظ "الحائط" على السقف.

 

ودلالة التضمن والالتزام دلالتان عقليتان إذ يعتمد فيهما الذّهن على جملة من الوسائط في المرور من مدلول إلى آخر. وهذا المرور أو التجوز كثير في الكلام ولذلك انفرد علم البيان داخل علم البلاغة بدراسة وجوهه. فهو يشتغل بـ "الملازمات بين المعاني"[1].

 

وسوفَ نحصُرُ الحديثَ عَنْ هَذَا العلمِ فِي موضوعاتٍ, أهمُّهَا: التَّشبِيهُ بأَركانِهِ وأَنواعِهِ، والاستعارةُ بِبعضِ أنواعِها، والمجازُ المرسلُ بعلاقاتِهِ المتعدِّدةِ, والمجازُ العقليُّ, والكنايةُ.

 

التشبيه

تمهيدٌ:

للتّشبيهِ روعةٌ وجمالٌ، وموقعٌ حسنٌ في البلاغةِ، وذلكَ لإخراجهِ الخفيَّ إلى الجليِّ، وإدنائهِ البعيدَ منَ القريبِ، يزيدُ المعاني رفعةً ووضوحاً، ويكسبُها جمالاً وفضلاً، ويكسوها شرفاً ونُبلاً، فهو فنٌّ واسعُ النطاقِ، فسيحُ الخطوِ، ممتدُ الحواشي، مُتَشعبُ الأطرافِ، مُتوعرُ المسلكِ، غامضُ المدركِ، دقيقُ المجرَى،غزيرُ الجدَوى.

 

ومنْ أساليبِ البيانِ أنكَ إذا أردتَ إثباتَ صفةٍ لموصوفٍ، مع التوضيحِ، أو وجهٍ من المبالغةِ، عمدتَ إلى شيءٍ آخرَ، تكونُ هذه الصفةُ واضحةً فيه، وعقدتَ بين الاثنينِ مماثلةً، تجعلُها وسيلةً لتوضيحِ الصفةِ، أو المبالغةِ في إثباتها، لهذا كان التشبيهُ أولَ طريقةٍ تدلُّ عليهِ الطبيعةُ لبيانِ المعنَى.




[1] السكاكي، مفتاح العلوم، ص 118.

53


38

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 تعريفُ التشبيهِ:

التشبيهُ: لغةً التمثيل ُ، نقول: هذا شبهُ هذا ومثيلُه.

والتشبيهُ اصطلاحاً: هو مشاركة أمر لأمر في معنى بأدواتٍ معلومةٍ[1] أو هو عقدُ مماثلةٍ بينَ أمرينِ أو أكثرَ، قُصِدَ اشتراكهُما في صفةٍ أو أكثرَ، بأداةٍ, لغرضٍ يقصُدهُ المتكلِّمُ للعلمِ، كقول المَعَرِّيّ في الْمَديح:[2]

أَنْتَ كالشَّمْسِ في الضِّياءِ وإِنْ جا          وَزْتَ كيوانَ فِي عُلُوِّ المكانِ

 

حيث عَرَفَ الشاعِرُ أَن مَمْدُوحَه وَضِيءُ الوجهِ مُتَلألئُ الطلعة، فأَراد أن يأْتيَ له بمَثِيل تَقْوَى فيه الصفةُ، وهي الضياءُ والإشراقُ، فلمْ يجدْ أقوَى مِنَ الشَّمسِ، فضَاهَاهُ بِهَا، ولِبيَانِ المضاهاةِ أتَى بالكافِ.

 

وكقولِ الشاعرِ:

كأَنَّ أَخْلاقَكَ فِي لُطْفِها        ورقَّةٍ فِيها نَسِيمُ الصَّباحْ

 

فقد وجَدَ الشاعرُ أخلاقَ صَدِيقِه دمِثَةً لَطِيفَةً تَرتاحُ لها النفسُ، فَعملَ على أنْ يأْتي لها بنظيرٍ تَتَجَلَّى فيه هذه الصَّفةُ وتَقْوَى، فرأَى أنَّ نسيمَ الصباحِ كذلكَ، فَعَقَدَ المماثلة بينهما، وبيَّن هذه المماثلة بالحرف "كأنَّ".

 

ومِنْ هنَا نَرَى فِي كلِّ بيتٍ مِنَ البيتينِ السَّابقينِ أَنَّ شيئاً جُعِلَ مَثِيلَ شيءٍ فِي صفةٍ مشتركةٍ بينهما، وأَنَّ الَّذي دلّ عَلى هَذِهِ المُماثلةِ أَداةٌ هِي الكافُ أَو كأَنَّ، وهَذا ما يُسَمَّى بـ "التشبيهِ"، فَقَد رأَيتَ أَنْ لا بدَّ لهُ من أَركانٍ أَربعةٍ: الشيء الذي يُرادُ تشبيهُهُ ويسمَّى "المشبَّهَ"، والشيء الَّذي يُشَبَّه به ويُسمَّى "المشبَّه به"، والصفةُ المشتركة بَينَ الطَّرفين وتسمَّى "وجه الشَّبَه", و"أداةُ الَّتشبيهِ" وهي الكاف وكأَن ونحوهما.




[1] التفتازاني، مختصر المعاني، ص 188، الناشر: دار الفكر، مطبعة قدس - قم 1411 هـ.

[2] كيوان: زحل، وهو أحد الكواكب المعروفة في المجموعة الشمسية.

54


39

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 أركانُ التشبيهِ:

1- المُشبَّهُ: هو الأمر ُالذي يُرادُ إلحاقُهُ بغيرهِ، "وقد يكون المشبَّه محذوفاً للعلم به، ولكنَّه يُقَدَّرُ في الإِعرابِ، وهذا التقديرُ بمثابةِ وجودِهِ كَمَا إذا سُئِلت "كيفَ عليٌّ"؟ فقلتَ: "كالزهرة الذابِلةِ" فإِنَّ "كالزهرة" خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتقديرُ: "هو الزهرةُ الذابلةُ"[1].

 

2- المُشبَّهُ به: هو الأمرُ الذي يُلحَقُ بهِ المشبَّهُ، وهذانِ الركنانِ يسميانِ طرفي التشبيهِ.

 

3- وجهُ الشبهِ: هو الوصفُ المشترَكُ بينَ الطرفينِ، ويكونُ في المشبَّهِ به أقوَى منهُ في المشبَّهِ، وقد يُذكرُ وجهُ الشَّبهِ في الكلامِ، وقد يُحذَفُ كما سيأتي توضيحُه[2].

 

4- أداة ُالتَّشبيهِ[3]: هي اللفظُ الذي يدلُ على التشبيهِ، ويربطُ المشبَّهَ بالمشبَّهِ به، وقد تُذكرُ الأداةُ في التشبيهِ، وقدْ تحذف.




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 223.

[2] يأتي تفصيل ذلك في درس أقسام التشبيه.

[3] أداة التشبيه إمّا اسم، نحو شبه ومثل ومماثل وما رادفها، وإما فعل، يشبه ويماثل ويضارع ويحاكي ويشابه، وإما حرف، وهو الكاف وكان.

55


40

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 القواعد الرئيسة

البيانُ: أصولٌ وقواعدُ يُعرفُ بِهَا إيرادُ المَعنَى الواحد بطرقٍ مختلفةٍ.

 

البيانُ فِي الُّلغَةِ: مَعْنَاهُ الظُهُورُ والوضُوحُ والإِفْصَاحُ، وَمَا تَبيَّنَ بِهِ الشَّيءُ مِنَ الدَّلاَلةِ وغيرِهَا, نَقُولُ بَانَ الشيءُ بياناً: اتّضحَ، فهو بيّنٌ.

 

والبيان: الفصاحة واللَّسَن، وكلام بيّن: فصيحٌ، وفلانٌ أبْينُ مِنْ فلانٍ: أفصحُ وأوْضَحُ كلاماً منْهُ.

 

ثمَّ أَخَذَتْ كلمةُ "البيانِ" دلَالَاتِها الاصطلاحيَةَ فِي مَا بَعدُ فأصبَحَ "البيانُ" أحدَ علومِ البَلاغَةِ الثلاثةِ المعروفةِ: "البيانُ والمعانِي والبَديعُ".

 

تَداخَلَ علمُ "البيانِ" بادئَ الأَمرِ مَعْ عِلمِ "المعانِي"، واستوعَبَ بَعضَ مَباحثِهِ لَاحِقاً، وشَمِلَ علومَ البَلاغَةِ كلَّها بعضَ الأَحيان.

 

التَّشبيهُ: هو مشاركةُ أمرٍ لأَمرٍ فِي مَعنَى بأدواتٍ معلومةٍ.

 

أركانُ التَّشبيهِ أربعةٌ: المُشَبَّهُ، والمشُبَّهُ بهِ، "ويُسَمَّيان طَرَفَي التَّشبيهِ"، وأَداةُ التَّشْبيهِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ، وَيَجبُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى وَأَظْهَرَ فِي الْمُشبَّهِ بهِ مِنْهُ فِي الْمُشَبَّهِ.

56


41

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 تمارين

1- عرّف علم البيان في اللغة والاصطلاح.

 

2- عرّف التشبيهَ لغةً واصطلاحاً وهاتِ مثالاً عليه.

 

3- عدّد أركانَ التشبيهِ مع التمثيل.

 

4- بَيِّنْ أَركان التشبيه فيما يأتي:

أ- أَنْت كالبحْر في السَّماحةِ والشَّمْـ        ـسِ عُلُوًّا والْبدْر في الإِشراقِ

ب- العُمْرُ مِثْلُ الضَّيْفِ أَوْ كالطِيْفِ لِيْس لَهُ إِقامةْ

ج- كلامُ فلانٍ كالشَّهْدِ في الحلاوة.

د- الناسُ كأَسْنان المُشْطِ في الاستواء.

 

5- اشرح بإِيجاز قول المتنبي في المديح. وبيِّن جمال ما فيه من التشبيه:

كالبَدْرِ من حَيثُ التَفَتَّ رَأيْتَهُ             يُهْدي إلى عَيْنَيْكَ نُوراً ثاقِبَا

كالبَحْرِ يَقذِفُ للقَريبِ جَواهِراً           جُوداً ويَبْعَثُ للبَعيدِ سَحائِبَا

كالشّمسِ في كَبِدِ السّماءِ وضَوْؤها      يَغْشَى البِلادَ مَشارِقاً ومَغارِبَا

57


42

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 للمطالعة

 

مؤلّفات الشيعة في علم البلاغة

أوّل من وضعه وألّف فيه المرزباني أبو عبد الله محمّد بن عمران الكاتب الخراساني البغدادي يروي عنه السيد المرتضى في أماليه كثيراً قال ابن النديم: آخر من رأينا من الأخباريين المصنّفين واسع المعرفة بالروايات كثير السماع وعدّ من مؤلّفاته كتاب المفصّل في البيان والفصاحة نحو ثلاثمائة ورقة وقال السيوطي في الأوائل: أوّل من صنّف في المعاني والبيان الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ولكن المرزباني توفّي 378. والشيخ عبد القاهر الجرجاني توفّي 444 أو 471 فيكون المرزباني أقدم. نصّ على تشيّعه اليافعي في تاريخه وابن خَلِّكَان, فعن اليافعي أنّه أخذ عن ابن دريد وابن الأنباري العلوم الأدبية.

 

قال:وهو صاحب التصانيف المشهورة والمجاميع الغريبة ورواية الأدب وصاحب التأليفات الكثيرة ثقة في الحديث قائل بمذهب التشيّع. وقال ابن خَلِّكَان: كان راويةً للأدب صاحب أخبار وتآليفه كثيرة وكان ثقة في الحديث ومائلاً إلى التشيّع في المذهب. وبعده الشيخ ميثم بن علي ابن ميثم البحراني معاصر للسكّاكي صاحب المفتاح وأستاذ السيد الشريف الجرجاني، ينقل عنه الشريف في أوائل فنّ البيان من شرح المفتاح معبّراً عنه ببعض مشايخنا له كتاب تجريد البلاغة في المعاني والبيان ذكره في كشف الظنون. وللمقداد السيوريّ عليه شرح سمّاه تجريد البراعة في شرح تجريد البلاغة. والشيخ عماد الدِّين يحيى بن أحمد الكاشي. له شرح المفتاح للسكّاكي ذكره في كشف الظنون وذكره بعض تلامذة الشيخ عليّ الكركي في رسالته في أسامي علمائنا، وكذا عن صاحب تذكرة المجتهدين من الإماميّة، وذكرا له الشرح المذكور، ولكن صاحب رياض العلماء ظنّ أنّه من علماء أهل السنّة، ولم يستبعد كونه بعينه حسام الدِّين المُؤَذِّني

58


43

الدرس الرابع: علم البيان - التشبيه

 المشهور شارح المفتاح للسكاكي مجهول العصر. وأبو جعفر قطب الدِّين محمّد بن محمّد الرازي الدمشقيّ شارح الشمسيّة والمطالع له شرح المفتاح ذكره في أمل الآمل وتوفّي بصالحية دمشق 766.

 

علم البديع: أوّل من أكثر استعمال الأنواع البديعية في شعره إبراهيم بن عليّ بن هرمة الشاعر مادح أهل البيت وشاعرهم أواسط المائة الثانية. ثمّ جمع قدامة بن أعفر الكاتب البغدادي في كتابه نقد الشعر عشرين نوعاً من أنواع البديع قال صفي الدِّين الحلّي في خطبة شرح بديعيته: وكان جملة ما جمع ابن المعتز منها سبعة عشر نوعاً ومعاصره قدامة بن جعفر الكاتب فجمع منها عشرين نوعاً توارد معه على سبعة منها وسلّم له ثلاثة عشر فتكامل لهما ثلاثون نوعاً ثمّ اقتدى بهما الناس في التأليف وقال ابن المعتز في صدر كتابه - على ما حُكِيَ - أنّه ما جمع قبلي فنون الأدب أحد ولا سبقني إلى تأليفه مؤلّف. وحيث أنّ قدامة معاصر له كما سمعت، فلا يُعلم أيّهما السابق. وكيف كان، فقدامة أوّل من ألّف فيه من الشيعة حوالي 310. وأوّل من جعل أنواع البديع في مدح النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على وزن قصيدة البُرْدَة وقافيتها صفي الدِّين عبد العزيز بن سرايا الحلّي، فنظم بديعيّته وشرحها وطُبعت مع الشرح، واقتدى به ابن حجّة الحَمَوِيّ والمَوْصِليّ ومحمّد بن جابر الأندلسيّ وغيرهم. والسيّد عليّ خان الشيرازي صاحب السُّلَافة نظم فيه بديعيته وشرحها وطبعت مع الشرح واسمه أنوار الربيع 1120[1].




[1] السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج 1، ص 166، تحقيق حسن الأمين، الناشر دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لاط، لات.

59


44

الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى أقسام التشبيه.

2- أن يتذوّق بلاغة صور التشبيه المختلفة.

3- أن يملك القدرة على تمييز أقسام التشبيه في مواردها.

61


45

الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 أقسامُ التشبيهِ

تعَرَفْنَا فِي الدَّرسِ السَّابقِ عَلَى مَعنَى البَيَانِ, والتّشبيهِ, وأنَّ التَّشبيهَ لهُ أركانٌ أربعةٌ, ونَريدُ فِي هَذَا الدَّرسِ أنْ نَتَعرَّفَ عَلَى أقسامِ التَّشبيهِ كَمَا ذكرَهَا علماءُ البَيَانِ, ولأنَّ أركانَ التَّشبيهِ ليستْ عَلَى درجةٍ واحدةٍ مِنَ الأهميةِ, فبعضُهَا ضروريٌّ لَا يَقُوم التَّشبيهُ إلَّا بهِ[1]، وبعضُهَا يمكنُ حذفُهُ والاستغناءُ عَنْ ذكرِهِ, كأداةِ التَّشبيهِ ووجهِ الشَّبهِ, ولأنَّ أمثلَةَ التَّشبيهِ جميعُهَا تَشتَركُ دائماً فِي وجودِ طَرفَي التَّشبيهِ الَّلذين لا يمكنُ حذفُهما في بابِ التَّشبيهِ, فسيكونُ التَمايزُ بَينَ أقسامِ التَّشبيهِ تَبعاً للأداةِ ووجهِ الشَّبهِ مِنْ ذكرٍ أو حذفٍ.

 

تقسِيمُ التَّشبيهِ باعتِبارِ أداتِهِ:

أولاً: نقرأُ قَوْلَه تَعالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[2].

 

فِي هذهِ الآيةِ المباركةِ عدةُ تشْبيهَاتٍ نَأخُذُ منْهَا "مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا




[1] إن حذف أي من المشبّه والمشبّه به يخرجنا إلى باب آخر من أبواب البيان هو (الاستعارة) كما سيأتي.

[2] سورة النور، الآية: 35.

63


46

الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 مِصْبَاحٌ" فَنَرَى أنَّ الله - تَعَالَى- قَدْ شبَّهَ نورَه بالمشكاةِ, والمشكاةُ كوةٌ غيرُ نافذةٍ, فيها يُوضَعُ المصباحُ، واستُعِيرتْ لصَدرِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم, وشَبَّه اللطيفةَ القدسيةَ في صدرِهِ صلى الله عليه وآله وسلم بالمصباحِ، فقولُهُ: "كمشكاة فيها مصباح" أيْ كمصبَاحٍ فِي زجاجَةٍ فِي مِشْكاةٍ, وإذَا تَأمَّلنَا هَذَا التَّشبِيهَ, رأيْنَا أنَّ أداةَ التَّشبيهِ قَدْ أُرسِلَتْ فيه, وكلُّ تَشبيهٍ ذُكِرَتْ فيهِ الأداة سُمِّيَ "تشبيها مرسلاً".

 

ثانياً: نقرأُ قولَ الشاعرِ[1]:

انْتَ نجْمٌ في رِفْعةٍ وضِياءٍ       تجْتَليك[2] الْعُيُونُ شَرْقاً وغَرْبا[3]

 

يُشبِّهُ الشاعرُ مَمْدوحَهُ بـ "النجمِ في الرفعةِ والضياءِ", ولكنَّهُ لمْ يَذْكرْ أداةَ التَّشبيهِ, فكَانَ التَّشبيهُ أَوجزَ, وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِحذْفِ الأداةِ, وكانَ أيْضاً أبلغَ وأشدَّ وقْعَاً فِي النَّفسِ, وَمَا ذَلِكَ إلَّا لإيهامِهِ بأنَّ المشبَّهَ عينُ المشبَّهِ بِهِ, وَمَا كانَ مِنَ التَّشبِيهِ خالياً مِنْ أداةِ التَّشبِيهِ يُطلقُ عًليه "التَّشبيه المؤكَّد"[4].

 

ثالثاً: قالَ اللهُ - تَعَالَى-: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ[5] وَقَالَ: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا[6].

 

يشبِّه اللهُ - تَعَالَى- فِي الآيةِ الأُولَى كلاًّ مِنَ الرَّجُلِ والمرأةِ بالِّلبَاسِ, أيْ المَسكنَ، أوْ مِنَ المُلابَسَةِ, وهِيَ الاختلاطُ والاجتِمَاعُ، ولمَّا كانَ الرجلُ والمرأةُ يَشتَمِلُ كلٌّ منْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ, شُبِّهَ بالِّلباسِ، فالرجُلُ لِباسُ المرأةِ, والمرأةُ




[1] لم اعثر له على قائل.

[2] تجتليك: تنظر اليك.

[3] جواهر البلاغة.

[4] ومن المؤكدِ ما أضيفَ فيه المشبَّهُ به إلى المشبَّه، كقول الشاعر:

وَالرِّيحُ تَعبَثُ بِالْغُصُونِ، وقَدْ جَرَى... ذَهَبُ الأَصيلِ عَلى لُجَيْنِ الْمَاءِ

أي أصيلٌ كالذهبِ على ماءِ كاللجَين.

[5] سورة البقرة، الآية: 187.

[6] سورة النبأ، الآية: 20.

64


47

الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 لبَاسُهُ. وفِي هَذَا التَّشبِيهِ نَجِدُ أنَّ أداةَ التَّشبِيهِ لَا وجودَ لَهَا, وكَذَلِكَ وجهَ الشَّبَهِ. وفِي الآيةِ الثانيةِ يقولُ: إنَّ الجبالَ أُزِيلتْ عَنْ أَماكِنِهَا فَكَانَتْ كالسَّرَابِ يُظَنُّ أنَّها جبالٌ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ, ولكنَّنَا لمْ نرَ أثراً ظَاهِراً للأداةِ ووجهِ الشَّبهِ, بَلْ أُهملتِ الأَداةُ الَّتي تدلُّ على أَنَّ المشبَّه أَضعفُ في وجهِ الشَّبَهِ مِنَ المشبَّهِ بِهِ، وأَهملَ ذكرُ وجهِ الشّبهِ الَّذِي ينمُ عَنْ اشتراكِ الطَرَفَينِ فِي صِفَةٍ أوْ صفاتٍ دونَ غيرِهَا. ويسمَّى هَذَا النوعُ "التشبيهَ البليغَ"، وهُوَ مظهرٌ من مظاهرِ البَلاغَةِ, وميدانٌ فسيحٌ لتسابُقِ المُجِيدينَ مِنَ الشُّعراءِ والكتَّابِ"[1]. وسَببُ هَذِهِ التسميةِ أنَّ ذكرَ الطرفينِ فقط, أي "المشبَّهَ والمشبَّهَ بِهِ"، يوهمُ اتحادَهما، وعدمَ تفاضلهِما، فيَعْلو المشبَّهُ إِلَى مستَوى المشبَّهِ بهِ، وهَذِهِ هِيَ المبالغةُ في قوةِ التشبيهِ.

 

صورُ وقوعِ التشبيهِ البليغ:

يقعُ التشبيهُ البليغُ على الصورِ الآتيةِ:

1- أنَ يقعَ المشبَّهُ به خبراً، نحو: صدورُ الأحرارِ قبورُ الأسرارِ.

2- أنَ يقعَ مفعولاً ثانياً في بابِ علمتَ،نحو: علمتُ بذيءَ اللسانِ كلباً عقوراً.

3- أنَ يقعَ مصدراً مبيِّناً للنوعِ، كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ...[2].

4- أنْ يقعَ حالاً، نحوُ: كرَّ عليَّ أسداً.

5- أنْ يقعَ مبيِّناً للمشبَّهِ، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ[3].

6- أنَ يقعَ مضافاً إلى المشبَّهِ به، نحوُ: لبسَ فلان ثوبَ العافيةِ.




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 25.

[2]  سورة النمل، الآية: 88.

[3] سورة البقرة، الآية: 187.

65


48

الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 فإنَّ "ثوبَ" مشبهٌ بهِ مضافٌ, و"العافيةَ" مشبهٌ مضافٌ إليهِ.

 

رابعاً: عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّهُ قالَ: "أهلُ بيتِي كَسَفِينةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ"[1].

 

فِي هَذَا الحدِيثِ تشبيهٌ واضِحٌ, وهُوَ تشبيهُ أهلِ البيتِ عليهم السلام بسفينةِ نوحٍ, ولبَيَانِ هَذِهِ المماثلَةِ جَاءَ صلى الله عليه وآله وسلم بالكافِ, وبيَّن ايضاً أنَّ الصِّفَةَ المشتركةَ بَيْنَ الاثنينِ هِيَ النجاةُ فِي حَالِ الرُّكوبِ, والغرقُ فِي حالِ التَّخلُّفِ, يَعنِي أنَّ مَنْ رَكِبَ فِي سفينةِ أهلِ البيتِ عليهم السلام وَسَارَ عَلَى نَهجِهم أمِنَ مِنَ الغَرَقِ, وكُتِبَتْ لهُ النَّجَاةُ, كحَالِ الَّذينَ كانُوا فِي زمَنِ النبيِّ نوحٍ عليه السلام فَمَنْ رَكِبَ فِي سفينتِهِ أمِنَ, ومَنْ تخلَّفَ عنْهَا أدرَكَهُ الغَرقُ. وقَد رأيْنَا هَذَا التَّشبِيهَ قَد بُيِّنَ وفُصِّلَ, ومَا ذَلِكَ إلَّا لِذكْرِ وجهِ الشَّبَهِ فِيهِ, ولِذلكَ سُمِّيَ "التَّشبيهَ المُفصَّلَ".

 

فالتَّشبيهُ المُفصَّلُ مَا ذُكِرَ فيهِ وجهُ الشَّبهِ أوْ مَا كانَ لازماً وتَابِعاً لهُ.

 

والأولُ: (أيْ مَا ذُكرَ فِيهِ وجهُ الشَّبهِ), كالمثالِ السَّابِقِ.

والثاني: أيْ (ما كانَ لازماً وتابعاً لهُ), كقولِهِم للكلامِ الفَصِيحِ: "هو كالعسلِ فِي الحلاوةِ". فوجهُ الشَّبهِ ليسَ الحلاوةَ, لعدمِ اشتراكِهِ فِي الطَّرَفَيْنِ, بلْ تابعُها ولازمُها وهوَ ميلُ الطَّبعِ.

 

خامساً: يقولُ اللهُ - تَعَالَى-: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ[2], وقالَ أيضاً: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ[3] و[4].

 

فِي الآيةِ الأُولى يُشبِّهُ اللهُ - تَعَالَى - السفنَ فِي البَحْرِ بالجِبالِ الطِّوالِ فِي




[1] محمد بن الحسن، الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج27، ص 34، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث، الناشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث بقم، دار مهر - قم، ط2، 1414 هـ، باب تحريم الحكم بغير الكتاب والسنة.

[2] الجوار: السفن، الأعلام: جمع علم وهو الحبل الطويل على الأرض. سورة الرحمن، الآية: 24.

[3] كأنهم أصول نخل نخرة.

[4] سورة الحاقة، الآية: 7.

66


49

الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 البرِّ, ولكنَّهُ لمْ يَذكُرْ وجْهَ الشَّبَهِ الَّذي هُوَ العظمةُ والارتفاع, وفي الآيةِ الثَّانيةِ يُشبِّهُ حالَ قومِ عادٍ بَعْدَ تَسخِيرِ الرِّياحِ العاتيةِ عَلَيهم بأصولِ النَّخل الَّتي قُلِعتْ فَصَارَتْ نَخِرةً مُتآكِلَةَ الأجوافِ, وهُنَا لمْ يُذكَرْ أيضاً وجهُ الشَّبهِ الَّذي هُوَ الجفافُ واليَبَاسُ والبِلَى, ويُسَمَّى هَذَا النَّوعُ مِنَ التَّشبِيهِ, وهُوَ الَّذي لمْ يُذْكَرْ فِيهِ وجهُ الشَّبهِ تَشبِيهاً مُجْمَلاً.

 

تنبيهٌ: بَعْدَ أنْ رَأيْنَا أنَّ اسمَ كلِّ تَشبِيهٍ إنَّمَا يُطلَقُ عَليهِ باعتِبَارِ مَا يُذْكَرُ أوْ يُحذَفُ, فإنَّنَا نَجِدُ أنَّ تشبيهاً واحداً يُحذَفُ منهُ شيءٌ ويُذكَرُ فيهِ شيءٌ, كمَا هُوَ الحَالُ فِي الأَمثلةِ السَّابقةِ, ولِذلكَ نُطلِقُ عَلَى التَّشبِيهِ الواحدِ اسمينِ فِي آنٍ واحدٍ, فَنَقُولُ: مرسلٌ مفصَّلٌ, إذَا مَا ذُكِرتِ الأداةُ ووجهُ الشَّبهِ, ومرسلٌ مجملٌ, إذَا ذُكِرَتِ الأداةُ وحُذِفَ وجهُ الشَّبَهِ, ومُؤكَّدٌ مفصَّلٌ, إذَا حُذِفَتْ الأداةُ وذُكِرَ وجهُ الشَّبَهِ, ولَا نَقُولُ: مؤكَّدٌ مجملٌ فِي التَّشبِيهِ الَّذي حُذِفَ منهُ الأَداةُ ووجهُ الشَّبهِ معاً, لأنَّه اصطُلِحَ عَلَى تسميتِهِ "بليغاً".

67


50

الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 القواعد الرئيسة

- التشبيهُ الْمُرْسَلُ ما ذُكِرَتْ فِيه الأداةُ.

- التشبيهُ الْمُؤَكَّد ما حُذِفتْ منهُ الأَداةُ.

- التشبيهُ الْمُجْمل ما حُذِف منه وجهُ الشبهِ وما يستلزمُه.

- التشبيهُ الْمُفَصَّلُ ما ذُكِرَ فيه وجهُ الشبهِ أو ملزومُهُ.

- التشبيه البليغُ ما حُذِفت منهُ الأَداةُ ووَجهُ الشبه.

- يُطلقُ عَلَى التَّشبِيهِ أكثرُ مِنْ اسمٍ إلَّا فِي البليغِ.

 

68


51

الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 تمارين

بيِّن كلَّ نوع من أَنواع التشبيه فيما يأْتي:

- قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ[1].

 

- يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "وإنما أنتم كَرَكْب وقوفٍ لا يدرون متى يؤمرون بالسير".

 

يقول الشاعر:

- يا شبيهَ البدرِ حُسْناً         وضياءً ومنالا

- وشبيهَ الغُصنِ لِيناً          وقواماً واعتدالا

 

ويقول أيضاً:

- إنما الدنيا بلاءٌ            ليس للدنيا ثبوتُ

- إنما الدنيا كبيتٍ           نسجتُه العنكبوتُ

- إنما يكفيك منها           أيها الراغبُ قوتُ

 

ويقول اخر:

- عزماتهُم قُضُبٌ، وفَيْضُ أَكُفِّهِمْ                سُحُبٌ، وَبِيضُ وجوهِهِمْ أقمارُ




[1] سورة إبراهيم، الآيات: 24-26.

69


52

الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 للمطالعة

 

دور علماء الشيعة في الأدب العربي واللغة العربية[1]

... أمّا في النثر والكتابة والخطابة وأدب الكاتب ونحو ذلك، فكفاهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إمام البلغاء وسيّد الكتّاب والخطباء في خُطَبه وكُتَبه وعهوده ووصاياه وكلماته القصيرة الّتي أعيت الفصحاء وأعجزت البلغاء أن تجاريها، وتعلّم منها كلّ كاتب وخطيب، وتلمّذ عليه فيها شيعته وأتباعه، واقتبسوا، وتعلّموا منها، وحذوا حذوها، ونهجوا نهجها، وارتضعوا من ثديها، وشربوا من منهلها، وإن لم يستطع أحد منهم ولا من غيرهم مباراتها ولا مجاراتها. ولا حاجة بنا إلى الإطناب في وصفها كما قال المتنبيّ:

وإذا استطال الشيء قام بنفسه      وصفاتُ ضوء الشمس تذهبُ باطلا

 

وقال بعض البلغاء: حفظت كذا وكذا من خطب الأصلع[2]، فغاضت، ثمّ فاضت (....) وزوجتُهُ الزهراء صاحبة الخُطَب الجليلة بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وآله وسلم، وابنُهُ الحسن عليه السلام الّذي به اقتدى، وله اقتفى، ومن خُطَبهِ المشهورة خُطْبَتُه بالكوفة بمحضر معاويةَ بعد الصلح، وأخوه الحسين عليه السلام الّذي خطب يوم الطفّ، فلم يُسمع متكلّم قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطقٍ منه، حتّى قال فيه عدوُّه ابن سعد: كلّموه، فإنّه ابن أبيه، والله لو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولما حُصِرَ. وخُطَبُ الحَسَنَيْنِ عليهما السلام ومواعظُهُمَا وكُتُبهما قد ملأ ذكرُها الأسفارَ واشْتَهرَت اشتهارَ الشمس في رائعةِ النهار. وابنتُهُ زينبُ بنتُ عليٍّ عليه السلام صاحبةُ الخُطَبِ الجليلةِ بالكوفة والشام. وزينُ العابدينَ صاحبُ الخطبِ المعروفة بالكوفة والشام والمدينة بعد قتلِ أبيه والأدعية المشهورة




[1] السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج 1، ص 184 - 185.

[2] كناية عن أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه كان أنزع الشعر.

70


53

الدرس الخامس: أقسام التشبيه

 ببلاغتها وفصاحتها في الصحيفة الكاملة الّتي عُرفت بـ "قرآن آل محمّد" وغيرِها. وتلميذُهُ عبد الله بن عبّاس صاحبُ المقامات المشهودة في الخطابةِ والكتابةِ وخُطَبُهُ وكلامه وكتبه أشهرُ من أن تعرف، ومحاوراتُه مع ابن الزُّبَيْرِ وغيرهِ وكتابُه إلى يزيدَ بعد قتل الحسين عليه السلام أقوى شاهدٍ على تقدّمه في البلاغة والبراعة. ولمّا ذكر ابن النديم أسماء الخطباء عدّه فيهم. وغيرهم من خطباء بني هاشم وبلغائهم وغيرهم كالأحنف بن قيس وصعصعةَ بن صَوْحَانَ، عدّه ابن النديم في الخطباء، إلى غير ذلك ممّن يتعذّر استقصاؤهم. ثمّ إن جُلّ كُتّاب الدنيا من الشيعة كأبي الفضل ابن العميد الّذي قيل فيه بُدئت الكتابة بعبدِ الحميدِ وخُتِمَتْ بابن العميد (الذي) كتب كتاباً عن ركن الدولة إلى ابن بلكا لمّا عصى عليه، كان سببَ عَوْدِهِ إلى الطاعة، فناب كتابه ببلاغته وحسن أسلوبه وبيانه وما فيه من ترغيب وترهيب عن الكتائب.

 

وكانت خزانة كتبه الّتي فيها كلُّ علم وكلُّ نوع من أنواع الأدب تحمل على مائة وقْر وزيادة. وابنُهُ أبو الفتح تلميذ أحمد بن فارس وخِرّيجُه. والصاحب بن عبّاد، وله كتاب "الكافي"، رسائل في فنون الكتابة، رتّبها على خمسة عشر باباً، وهي غير "ديوان رسائله" المرتّب على عشرين باباً. وأبو بكر الخوارزمي. وبديع الزمان الهمذاني أوّل من اخترع المقامات وسبق بها الحَرِيريَّ وغيرُهُمْ ممّن مرّ ذكرهم في كتاب الشيعة. وكانوا يَعُدُّون كُتّاب الدنيا في الصدر الأوّل أربعة: عبدَ الحميدِ وابنَ العميدِ والصاحبَ والصابِيَ ونصفُهُم من الشيعة. والصابي وإن لم يكن مسلماً إلّا أنّ الّذين فتحوا لهَاتِهِ بالأدب والكتابة إنّما هم ملوكُ الشيعة. وأبو بكر الصوليّ كان من مشاهيرِ الكُتّاب وله كتاب "أدب الكاتب" على الحقيقة، ذكره ابن النديم.

71


54

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

  

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

 

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى تشبيه التمثيل.

2- أن يدرك نوعي تشبيه التمثيل.

3- أن يتمكّن من تطبيق وتمييز تشبيه التمثيل.

73


55

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

 تَشْبيهُ التّمثيلِ:

إِذَا تَأَمَّلْنَا وَجْهَ الشَّبَهِ فِي كُلِّ تشبيهٍ مِنْ التشبيهاتِ الَّتي مرَّتْ معنَا سَابقاً, رَأيْنَا أنَّهُ صِفَةٌ أَو صِفَاتٌ اشتَرَكَتْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَيْسَ غير, ويُسَمَّى وجْهُ الشَّبَهِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ مُفْرَدًا، أمَّا مَا نَحْنُ الآنَ بِصَدَدِهِ مِنْ أَنْوَاعِ التَشْبِيهِ فيَحْتَاجُ مِنَّا إِلى إمْعَانٍ أكبرَ لِنَتَلَمَّسَ طَرَفَيْهِ, ونَتَذَوَّقَ مَعْنَاهُ، ولِنَسْتَوْضِحَ هَذَا النَّوعَ مِنَ التَشْبيهِ نَتَأمَّلُ مَعَاً بتمهُّلٍ قولَ اللهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[1].

 

نتأملُ فِي الآيةِ الكريمةِ, فنَجِدُ أنَّ هناكَ تشبِيهَاً, ولكنْ أينَ وجهُ الشَّبَهِ؟ وهلْ أرادَ اللهُ أنْ يُشبِّهَ الحياةَ الدنيا بماءٍ؟ كلَّا, أنَّه لمْ يردْ ذلكَ, بل المرادُ هو التشبيهُ بهيئةٍ مخصوصةٍ, أيْ تشبيهُ حالِ الدنيا فِي نَضَارَتِهَا وبَهْجَتِهَا وَمَا يَتَعَقبها مِنَ الهلاكِ والفناءِ بحالِ النباتِ الحاصِلِ مِنَ المَاءِ, يكونُ أخضرَ ناضراً شديدَ الخضرةِ ثم ييبسُ فتطيِّرُهُ الرِّياحُ كأنْ لمْ يكنْ, فوجهُ الشَّبهِ هنَا صورةٌ لَا



[1] سورة يونس، الآية: 24.

74


56

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

 مفردٌ, وهذِهِ الصورةُ مأخوذةُ او منتزعةُ مِنْ أشياءَ عدَّةٍ, والصورةُ المشتركةُ بَيْنَ الطَّرفينِ هِيَ وجودُ شيءٍ مبهِجٍ يبعثُ الأَمَلَ فِي النُّفوسِ فِي أوَّلِ أمرِهِ ثمَّ لَا يلبثُ أنْ يظهرَ فِي حالٍ تدعُو إِلَى اليأسِ والقنوطِ.

 

ولتتضحَ الفكرةُ أكثرَ نتأملُ مثالاً آخرَ من شعرِ أبِي فِراسٍ الحَمْدانيّ[1]:

 

وَالماءُ يَفصِلُ بَينَ زَهـ      ـرِ الرَوضِ في الشَطَّينِ[2] فَصلا

كَبِساطِ وَشيٍ جَرَّدَت        أَيدي القُيونِ[3] عَلَيهِ نَصلا[4]

 

يشبِّهُ أَبو فِراس حال ماء الجدول، وهو يجري بين روضتين على شاطئيه حلَّاهما الزَّهْر ببدائع ألوانه مُنْبثًّا بين الخُضرة الناضرة، بحال سيفٍ لماعٍ لا يزال في بريقِ جدَّته، وقد جرّدَه القُيُونُ على بساطٍ من حريرٍ مُطَرَّزٍ. فأَينَ وجهُ الشبهِ؟ أنظنُّ أَنَّ الشاعر يريد أنْ يَعْقِدَ تشبيهين: الأَولُ تشبيهُ الجدول بالسيفِ، والثاني تشبيهُ الروضة بالبِساط الْمُوَشّى؟ لا، إِنّه لم يرد ذلك، إِنما يريد أَنْ يشبّه صورةً رآها بصورة تخيّلها، يريدُ أنْ يشبِّه حال الجدول، وهو بين الرياض بحالِ السيف فوق البساط الموشَّى، فوجهُ الشبه هنا صورةٌ لا مفردٌ، وهذه الصورةُ مأخوذةٌ أَو مُنْتَزَعَةٌ من أَشياءَ عدَّةٍ، والصورة المشتركةُ بين الطرفين هي وجود بياضٍ مستطيلٍ حوله اخضرار فيه أَلوان مختلفةٌ.

 

فهذان التشبيهان اللذان مرّا بنا واللذان رأينا أنَّ وجهَ الشَّبهِ فيهما صورةٌ مكوَّنةٌ من أشياءَ عِدَّةٍ يسمَّى كلُّ تشبيهٍ فيهما تمثيلاً6.




[1] أبو فراس الحمداني (320 - 357 ه‍) الحارث بن أبي العلا سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة ابني حمدان قال الثعالبي في وصفه: كان فرد دهره وشمس عصره أدبا وفضلا وكرما ومجدا وبلاغة وبراعة وفراسة وشجاعة. وشعره مشهور بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة.. الخ.

[2]  الشط: جانب النهر.

[3] القيون جمع بين وهون العبد وكانت العبيد تشتهر بصناعة السلاح.

[4] الوشي: نوع من الثياب المنقوشة،وجرد السيف: سله، والقيون: جمع قين وهو صانع الأسلحة، والنصل: حديدة ا لسيف أو السهم أو الرمح أو السكين.

75


57

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

 تشبيهُ التمثيلِ نوعانِ:

الأولُ: ما كانَ ظاهرَ الأداةِ، نحو قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا[1]، فالمشبَّهُ: همُ الذين حُمّلوا التوراةَ ولم يعقلوا ما بها: والمشبَّهُ به (الحمارُ) الذي يحملُ الكتبَ النافعةَ، دونَ استفادتهِ منها، والأداةُ الكافُ، ووجهُ الشبَّهِ الهيئةُ الحاصلةُ منَ التعبِ في حملِ النافعِ دونَ فائدةٍ.

 

الثاني: ما كانَ خفيَّ الأداةِ: كقولكَ للذي يتردّدُ في الشيء بينَ أن يفعلَهُ، وألاّ يفعلَهُ (أراكَ تقدِّمُ رِجلاً وتُؤخِّرُ أخرَى)، إذِ الأصلُ أراكَ في ترددكَ مثلَ مَنْ يقدِّم ُرجلاً مرةً، ثم يؤخّرُها مرة ًأخرى، فالأداةُ محذوفةٌ، ووجهُ الشبهِ هيئةُ الإقدامِ والإحجامِ المصحوبينِ بالشَكِّ.

 

مواقعُ تشبيهِ التمثيلِ:

لتشبيهِ التمثيلِ موقعانِ:

الاول: أنْ يكونَ في مفتتحِ الكلامِ، فيكونَ قياساً موضِّحاً، وبرهانا مصاحِباً، وهو كثيرٌ جدًّاً في القرآن، نحو قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[2].

 

الثاني: ما يجيءُ بعد تمامِ المعاني، لإيضاحِها وتقريرِها، فيُشبهُ البرهانَ الذي تثبتُ بهِ الدَّعوى، نحو قول الشاعر لبيد[3]:




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 33.

[2] سورة الجمعة، الآية: 5.

[3] سورة البقرة، الآية: 261.

76


58

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

 وما المالُ والأَهْلوُنَ إلاّ وَدائِعٌ          ولا بدَّ يوماً أَنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ

 

ونحو قول الشاعر[1]:

لا يَنزِلُ المَجدُ إِلّا في مَنازِلنا                 وَمَنزل المَجد آل المُصطَفى وَعلِيْ

وَلَيسَ لِلمَجدِ مَأوى غَير ساحَتهِم         كَالنومِ لَيسَ لَه مَأوى سِوى المُقَلِ




[1] أبو عقيل، لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كِلَاب العامريّ، وكان يقال لأبيه: ربيعُ المقترينَ لسخائه، كان من شعراء الجاهليّة وفرسانهم، وأدرك الإسلام، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وفد بني كِلَاب، فأسلموا، ورجعوا إلى بلادهم، ثم قدم لبيد الكوفة، ومات بها، وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة وهو أحد أصحاب المُعَلّقات.

77


59

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

 فــــائـــدة

التمثيلُ يُكْسِبُ القولَ قوةً، فإنْ كان في المدح كانَ أهزَّ للعِطفِ، وأنبلَ في النفسَ، وإنْ كان في الذمِّ كان وقعُه أشدَّ، وإنْ كان وعظاً كان أشفَى للصدرِ، وأبلغَ في التنبيهِ والزجرِ، وإنْ كان افتخاراً كان شأوهُ أبعدَ، كقولِ الأزَرِيّ[1] يصفُ نُزُولَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام إلى عمروِ بنِ ودّ العامريّ فِي معركةِ الخندقِ:[2]

 

ومشَى يطلبُ الصفوفَ كَمَا          تَمْشِي خماصُ الحَشَا إلى مرعَاهَا

فـانتضَـى مشرفـيَّـهُ فـتلـقَّـى          ســاقَ عـمـروٍ بـضَـربةٍ فـبـرَاها

وإلى الحشرِ رِنَّةُ السيفِ منهُ         يمـلأُ الـخـافـقـيـن رجـعُ صـدَاها

يا لها ضربةً حوتْ مكرماتٍ         لَـْم يَــزنْ ثـقـلَ أجـرِها ثـَقَـلاهَا

هذِهِ مِن عُلَاهُ إحدَى المَعاَلي         وعـلى هـذَهَ فـقـسْ مـَـا سِــواهَا[3]

 




[1] المفتي عبد اللطيف بن علي فتح الله, اديب من أهل بيروت تولى القضاء والافتاء

[2] الشيخ كاظم ابن الحاج محمد ابن الحاج مراد التميمي البغدادي، شاعر معروف وأديب فاضل, صاحب القصيدة الأزرية التي يزيد عدد ابياتها على خمسمائة بيت في مدح أمير المؤمنين عليه السلام ولد في بغداد سنة 1143 ه‍ / 1730 م وتوفي سنة 1212 ه‍/1797 م.

[3] ديوان الأزري الكبير، ص 36.

78


60

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

 القواعد الرئيسة

1- يُسمَّى التشبيهُ تمثيلاً إِذا كان وجهُ الشَّبه فيهِ صورةٌ مُنْتَزَعَةٌ منْ متعددٍ، وغيْرَ تَمْثِيل إِذَا لم يَكُنْ وجْهُ الشَّبَهِ كذلك.

2- تَشبِيهُ التَمْثيِلِ نَوْعَان: إمَّا ظَاهِرُ الأداةِ وإمَّا خَفِيُ الأداةِ.

3- لِتَشْبِيهِ التَمْثيلِ مَوْقِعَان: إمَّا فِي صَدْرِ الكلامِ وإمَّا بَعْدَ تَمَامِ المَعَانِي.

 

 

تمارين

1- بيِّنِ المشبَّهَ والمشبَّهَ به فيما يأتي:

أ- وَالشَيبُ يَنهَضُ في السَوادِ كَأَنَّهُ لَيلٌ يَصيحُ بِجانِبَيهِ نَهارُ

ب- وَصَحِبتُ قَوماً لَستُ مِن نَظَرائِهِم فَكَأَنَّني في الطِّرْسِ سَطرٌ مُلحَقُ

ج- ما أنْسَ لا أنس خَبَّازًا مَرَرْتُ به يدْحُو الرُّقاقَة وشْكَ اللمْح بالبصر

ما ببْنَ رُؤيتِهَا في كَفِّهِ كُرَةً            وبَيْنَ رُؤيتِهَا قَوْراءَ كالقَمِر

إِلا بمقدَار ما تَنْدَاحُ دائِرةٌ            في صفْحَةِ الماءِ تَرْمى فِيهِ بالحجر

 

د - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ[1].

 

هـ- وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[2].




[1] سورة النور، الآية: 39.

[2] سورة الحديد، الآية: 20.

79


61

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

 2- ميِّزْ تشبيهَ التمثيل من غيره فيما يأتي:

 

- قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[1].

 

- وقال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ[2].

 

- وقال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[3].

 

- فالعيْش نوْمٌ والمنِيَّة يقظَةٌ                       والمرْءُ بينهما خيالٌ سارِ.

- والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على        حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم.



[1] سورة العنكبوت، الآية: 41.

[2] سورة المدثر، الآيات: 49-51.

[3] سورة البقرة، الآيات: 17-20.

80


62

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

 للمطالعة

دور الامامية في الأدب العربي واللغة العربية[1]

وأمّا في الشعر فقد كان منهم في صدر الإسلام من فحول الشعراء المُفْلِقِينَ الذائعي الصِّيتِ من خدم الأدب العربي واللغة العربية بمنظوماته المنتشرة في الأقطار أعظم خدمة مثل كعب بن زهير بن أبي سلمى صاحب: "بانت سعاد" الّتي شرحها كثير من علماء اللغة والأدب، وحُفظ بسببها قسم وافر من لغة العرب وطريقتهم في نظم الشعر، والنابغة الجعدي من مشاهير شعراء الصدر الأوّل أحد الرجلين الملقّبين بالنابغة في الشعراء لنبوغهما. وأبو دهبل الجُمَحِيّ من شعراء الحماسة، وشهرة شعره وجودته للغاية تُغني عن إطالة وصفه. والفَرَزْدَقُ الّذي اعترف له خصمه جَرٍيرٌ بأنّ نَبْعَةَ[2] الشعر في يده، والّذي كان يكرمه ملوك بني أميّة مع تظاهره بالتشيّع للعلويّين وعداوته لهم، ويهابون لسانه. وكُثَيِّرُ عَزَّة أوّل من أطال المديح, قال ابن رشيق كان ابن أبي إسحاق - وهو عالم ناقد ومتقدّم مشهور - يقول: أشعرُ الجاهليّين مُرَقِّش، وأشعر الاسلاميين كُثَيِّر, قال ابن رشيق: وهذا غلوّ مفرط، غيرَ أنّهم مجمعون على أنّه أوّل من أطال المديح اه‍. وكان بنو أميّة يقدّمونه ويكرمونه مع علمهم بتشيّعه لمكان تقدّمه في الشعر. والكُمَيْت قال ابن عكرمة الضبّيّ: لولا شعر الكميت لم يكن للغّة تَرْجُمَان، ولا للبيان لسان. وقال مُعاذ بن مسلم الهَرّاء لمّا سُئل عنه: ذاك أشعر الأوّلين والآخرين، وكفاه شهادة الفرزدق لمّا عَرَضَ عليه أوّلَ شعره واستشاره في إذاعته فقال: أذع يا ابن أخي ثمّ أذع. وأبو نواس وشهرته تُغني عن وصفه فليس في المولدين أشهر اسماً منه حتّى قال الشاعر:




[1] السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج 1، ص 185 - 186.

[2] النبعة: الشجرة.

81


63

الدرس السادس: تـَشـْبيهُ التـّمثيلِ

 إن تكن فارساً فكن كعليٍ               أو تكن شاعراً فكن كابنِ هاني

 

وقال الشريف الرضي فيه وفي البحتري وهو يصف قصيدة:

كأنّ أبا عبادة شَقَّ فاها                 وقَبَّلَ ثغرها الحسنُ بنُ هاني

 

وأبو تمّامٍ والبحتريُّ اللذان أخملا في زمانهما خمسمائة شاعر كلّهم مُجيد، كما في عمدة ابن رشيق. وأوّل من قيل فيه: "صَيْقَلُ المعاني" أبو تمّام، وأوّل من قيل في شعره: "سلاسل الذهب" البحتري. ودعبل الخزاعي. وديك الجن الحمصي الّذي شهد له دِعْبِل بأنّه أشعر الجنّ والأنس. وابن الرومي قال: ابن رشيق أكثر المُوَلّدين اختراعاً وتوليداً فيما يقول الحُذَّاق: أبو تمّام وابن الرومي. والسيّد الحِمْيَرِيّ أقدر الناس على نظم الأخبار والأحاديث والقَصَصِ، ولم يُسمع بشاعر مكثر مطيل مجيد غيره. قال ابن المعتز في التذكرة: كان للسيّد أربع بناتٍ كلُّ واحدة منهن تحفظ أربعمائة قصيدة لأبيها. نظم كلما سمعه في فضل عليٍّ ومناقبه ما مثله في نظم الحديث وكلُّ قصائده طوال.

82


64

الدرس السابع: التـَّشـْبيهُ الضمنيُّ

  

الدرس السابع: التـَّشـْبيهُ الضمنيُّ

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى التشبيه الضمني.

2- أن يدرك بلاغة التشبيه الضمني.

3- أن يملك القدرة على فهم التشبيه الضمني في النصوص الأدبية.

83


65

الدرس السابع: التـَّشـْبيهُ الضمنيُّ

 التَّشْبيهُ الضمنيُّ[1]:

إنَّ كلَّ مَا مرَّ مَعَنَا مِن أنواعِ التَّشبيهِ كانَ تشبِيهاً صريحاً، أيْ أنَّ مُنشِئَ العِبارةِ التَّشبِيهيَّةِ قَد عَمَدَ إِلى التَّشبِيهِ فِي عباراتِهِ بصراحةٍ ووضوحٍ، وجاءَ بمشبَّهٍ ومشبَّهٍ بهِ ظاهرَيْنِ يُمْكِنُ الإِشَارةُ إليهِمَا. ولكنه قدْ يَنْحو الكاتبُ أو الشاعر منْحًى منَ البلاغةِ يُوحِي فِيهِ بالتَّشبيهِ مِنْ غيرِ أنْ يُصرِّحَ بهِ في صورةٍ من صورهِ المعروفةِ[2]، يفعلُ ذلك نُزوعاً إلى الابتكارِ، وإِقامةً للدليلِ علَى الحكمِ الَّذي أَسندهُ إلى المشبَّه، ورغبةً في إخفاءِ التشبيهِ, لأَنَّ التشبيه كلمَّا دقَّ وخَفيَ كانَ أبلغَ وأفعلَ فِي النَّفسِ, ولمعرِفَةِ مَا فِي هذَا النَّوعِ مِنْ التَّشبيهاتِ مِنْ جَمَالٍ وروعةٍ لَا بدَّ مِنْ ذِكرِ بعضِ الأمثلةِ الَّتي جرتْ عَلَى ألسنةِ الشُّعراءِ والأدباءِ.




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 41.

[2] صور التشبيه المعروفة هي ما يأتي:

ما ذكرت فيه الأداة نحو الماء كاللُجَيْنِ. أوحذفت والمشبه به خبر نحو: الماء لجـين وكان الماء لجيناً. أو حال نحو سال الماء لجيناً. أومصدر مبيّن للنوع مضاف نحو: صفا الماء صفاء اللجين. أو مضاف إلى المشبه نحو: سال لجين الماء. أو مفعول به ثان لفعل من أفعال اليقين والرجحان نحو: علمت الماء لجيناً، أوصفة على التأويل بالمشتق نحو: سال ماء لجين، أو أضيف المشبه إلى المشبه به بحيث يكون الثاني بياناً للأول نحو: ماء اللجين، أي: ماء هو اللجين. أو بُيِّنَ المشبهُ بالمشبه به نحو: جرى ماء من لجين.

85


66

الدرس السابع: التـَّشـْبيهُ الضمنيُّ

 يقولُ أبو الطيِّب المتنبِّي[1]

مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ      ما لِجُرحٍ بِمَـيِّـتٍ إيلامُ[2]

 

يعني أنَّ الذي اعتادَ الهوانَ يسهلُ عليه تحمُّلهُ ولا يتأَلمُ لهُ، وليسَ هذَا الادعاءُ باطلاً, لأَنَّ المَيْتَ إذا جُرحَ لا يتأَلمُ، هلْ تجدُ فِي هَذَا البيتِ مِنَ الشِّعرِ تشبِيهَاً؟ إذا وجدتَهُ فَمَا هُوَ؟ وهَلْ يُمكنُكَ أنْ تشيرَ إليهِ بالإصبعِ؟ الجوابُ هو لا, لأنَّه لمْ يوضعْ فِي صُورةٍ مِنْ صورِ التَّشبِيهِ المعروفةِ, ولمْ يأتِ المتنبِّي بتشبيهٍ صريحٍ, فهُوَ لمْ يقلْ: إنَّ الشخصَ الَّذي اعتادَ الهَوَانَ والذُّلَ وصَارَ لَا يَشعُرُ بقسوةِ الإهانةِ, كالمَيْتِ الَّذي لَا يتألمُ حتَّى وإنْ أصابتْهُ الجراحُ, ولكنّنا نَرَى أنَّه يشبِّه ضمناً مَنْ هانَتْ عليهِ نفسُه, فهُوَ لَا يتأثَّرُ, كالمَيْتِ فاقدِ الشعورِ والإحساسِ, وأتَى بجملةٍ ضمَّنَها هَذَا المَعْنَى فِي صورةِ البرهَانِ.

 

وإلَى المِعْنِى نفسه وبالكيفيّةِ ذاتِها مِنَ التَّشبيهِ يشيرُ المتنبِّي فِي بيتٍ آخَرَ إلَى حالِ الواقِعِ فِي أسرِ الذّلِ مع سعةِ رزقِهِ ويُسرِ حالِهِ وحُسنِ مظهرِهِ, كالميِّتِ لَا يفرحُ بِمَا يُلفُّ به مِنَ الأكفانِ الحِسَانِ:

لا يُعْجِبَنَّ مَضيماً حُسْنُ بِزّتِهِ           وهَلْ تَرُوقُ دَفيناً جُودَةُ الكفَنِ[3]

 

وقالَ البُحتريُّ[4] فِي وصفِ أَخلاقِ ممدوحِهِ:




[1] أبو الطيب المتنبي ( 303 - 354 ه‍ = 915 - 965 م ) أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجُعْفِيّ الكوفيّ الكنديّ، أبو الطيب المتنبي: الشاعر الحكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي. له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة. وفي علماء الأدب من يعدّه أشعر الاسلاميين. ولد بالكوفة في محلة تسمى (كِنْدَة) وإليها نِسْبَتُه. ونشأ بالشام، ثم تنقل في البادية يطلب الأدب وعِلْمَ العربية وأيّامَ الناس.

[2] ديوان المتنبي.

[3] ديوان المتنبي.

[4] البحتري ( 206 - 284 ه‍ - 821 - 898 م ) الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي، أبو عبادة البحتريّ: شاعر كبير، يقال لشعره "سلاسل الذهب". وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم: المتنبي، وأبو تمام، والبحتري. قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر؟ فقال: المتنبيّ وأبو تمّام حكيمان، وإنما الشاعر البحتريّ. ولد بمنبج ( بين حلب والفرات ) ورحل إلى العراق، فاتصل بجماعة من الخلفاء أولهم المتوكل العباسي، ثم عاد إلى الشام، وتوفي بمنبج. له ديوان شعر وكتاب "الحماسة" على مثال حماسة أبي تمّام.

86


67

الدرس السابع: التـَّشـْبيهُ الضمنيُّ

 وَقَدْ زَادَهَا إفْرَاطَ حُسْنٍ جِوَارُهَا        خَلاَئقَ أصْفَارٍ[1] مِنَ المَجْدِ، خُيَّبِ

وَحُسنُ دَرَارِيِّ الكَوَاكِبِ[2] أنْ تُرَى      طَوَالِعَ في دَاجٍ مِنَ اللَّيلِ، غَيهَبِ[3]

 

شبَّهَ البُحتُريّ أخلاقَ ممدوحِهِ التي تزدادُ حسناً وتألُّقاً لوجودِهَا فِي جوارِ أخلاقٍ وضيعةٍ لأقوامٍ لَا فضلَ فيهِم ولَا مجدَ لهُم, بحالِ الكواكبِ العظامِ تزدادُ تلألؤاً في اللَّيلِ البَهيمِ, وقَد رأيْنَا أنَّه لمْ يصرِّح بالتَّشبيهِ, ولمْ يأتِ بطرفَيهِ عَلَى صورةٍ من صورِهِ المعروفةِ, فَلَا مشبَّهَ ولَا مشَبَّهَ بِهِ ظاهرانِ صريحانِ, وإنَّما لمّحَ إليهما, وضَمّنَهُما فِي الكلامِ, ورأينَا كذلكَ كيف أنَّه ضَمَّنَ التَّشبِيهَ برهاناً عَلَى أنَّ الحكمَ الَّذي أسندهُ إلَى المشبَّهِ - وهُوَ ظُهُورُ الأخلاقِ الحَسَنَةِ وازديادُ جمالِها لوجودِهَا إلَى جانِبِ قومٍ لَا أخلاقَ فِيهم- ممكن, والدَّليلُ عَلَى ذَلكَ أنَّ الكواكبَ المضيئَةَ يحسن منظرها ويزيدُ اشعاعها وتألقها إذا كانَ الَّليلُ شديدَ الظُّلمةِ. 

 

إذاً, فَفِي الأمثلةِ نجدُ أركانَ التَّشبيهِ ونلمحُهَا, ولكنَّنَا لَا نجدُها في صورةٍ مِنْ صورِهِ الَّتي عرفنَاهَا, وهَذَا يُسمَّى "التشبيه الضمني".

 

بلاغةُ التشبيهِ الضمنيِّ:

1- أنه دعوى مع البيِّنةِ والبرهانِ.

2- أنه إبرازٌ لما يبدو غريباً ومستحيلاً.

3- أنه جمعٌ بين أمرينِ متباعدينِ،وجنسينِ غيرِ متقاربينِ.

4- أنهُ دلالةٌ على التشبيهِ بالإشارةِ، لا بالوضوحِ والصراحةِ.




[1] الصفر مثلثة الصاد: الخالي.

[2] الدراري: النجوم العظام.

[3] الغيهب: المظلم.

87


68

الدرس السابع: التـَّشـْبيهُ الضمنيُّ

 استنتاج: بناءً على ما تقدّم نستنتجُ أنّ التشبيهَ الضمنيّ تشبيه يفهم من المشبّه والمشبّه به ضمناً من خلال السياق اللغوي، فهو يُفهم من سياق الكلام، ولا يأتي في صورة من صور التشبيه المعروفة، بل يُلمح من الكلام لمحاً من خلال السياق، ليفيد أنّ الحكم الذي أُسند للمشبّه ممكن.

 

 

 

 

القواعد الرئيسة

 

التشبيهُ الضِّمنيُّ: تشبيهٌ لا يُوضعُ فيه الْمُشَبَّهُ والمشبَّهُ بهِ في صورةٍ من صُورِ التشبيهِ المعروفةِ، بَلْ يُلْمَحان فِي الترْكِيبِ. وهذا النوع يُؤْتَى به لِيُفيدَ أن َّالحُكم الذي أُسْنِدَ إلَى المشَبَّهِ مُمكنٌ[1].

 

يفهم التشبيه الضمني من سياق الكلام، ولا يأتي في صور التشبيه المعروفة.

 

إنَّ مُنشِئَ العِبارةِ التَّشبِيهيَّةِ تارةً يعَمَدَ إِلى التَّشبِيهِ فِي عباراتِهِ بصراحةٍ ووضوحٍ، ويأتي بمشبهٍ ومشبهٍ بهِ ظاهرَيْنِ يُمْكِنُ الإِشَارةُ إليهِمَا.وتارةً يَنْحو الكاتبُ أو الشاعر منْحًى منَ البلاغةِ يُوحِي فِيهِ بالتَّشبيهِ مِنْ غيرِ أنْ يُصرِّحَ بهِ في صورةٍ من صورهِ المعروفةِ, يفعلُ ذلك نُزوعاً إلى الابتكارِ، وإِقامةً للدليلِ علَى الحكمِ الَّذي أَسندهُ إلى المشبَّه، ورغبةً في إخفاءِ التشبيهِ، وهذا الثاني هو التشبيهُ الضِّمنيُّ، وذلك لأَنَّ التشبيه كلمَّا دقَّ وخَفيَ كانَ أبلغَ وأفعلَ فِي النَّفسِ.



[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 43.

88


69

الدرس السابع: التـَّشـْبيهُ الضمنيُّ

 تمارين

1- بيِّنِ المشبَّهَ والمشبَّهَ به ونوعَ التشبيه فيما يأْتي مع ذكر السببِ:

أ- ومِنَ الخَيرِ بُطْءُ سَيْبِكَ عني               أسرَعُ السُّحْبِ في المَسيرِ الجَهامُ

ب- وما أنا مِنْهُمُ بالعَيشِ فيهم            ولكنْ مَعدِنُ الذّهَبِ الرَّغامُ

ج- سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ        وفي الليلة ِ الظلماءِ، يُفتقدُ البدرُ

د- تَرْجو النَّجاةَ ولَمْ تَسلكْ مسالِكَها       اِنَّ السَّفينَةَ لا تجْري على اليَبَس

هـ فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنهُمْ فإنّ           المسكَ بَعضُ دَمِ الغزالِ

و - كأنّ مُثارَ النَّقعِ فوقَ رُؤُّوسنا           وأسيافَنا ليلٌ تهاوَى كواكبُه

 

2- بيّنِ التشبيهَ الصَّريحَ ونوعَه والتشبيهَ الضمنيَّ فيما يأْتي:

أ - حِبْرُ أبي حفصٍ لعابُ الليلِ                  كأنهُ ألوانُ دُهْمِ الخيلِ

يجري إلى الإخوانِ جَريَ السَّيلِ                     بغيرِ وزنٍ وبغير كيلِ

ب- ويْلاهُ إنْ نَظَرتْ وإن هِيَ أعْرضتْ           وقْعُ السِّهام ونَزْعُهُنَّ أليم

ج- ليسَ الحِجابُ بِمُقْضٍ عنكَ لي أملاً          إنَّ السماءَ تُرَجَّى حينَ تحتَجبُ

د- واللَّيلُ تجري الدَّراري في مجرَّته                 كالرَّوضِ تطفو على نهرٍ أزاهرُهُ

 

3- حول التشبيهات الضمنية الآتية إلى تشبيهات صريحة:

أ- قال أبو تمام:

اصبر عبى مضض الحسو         د فإنّ صبرك قاتلُهْ

النار تأكل بعضها               إنْ لم تجدْ ما تأكلُهُ

 

ب- قال المتنبي:

فإن تَفقِ الأنام وأنت منهم          فإنّ المسْكَ بعضُ دَمِ الغَزالِ

89


70

الدرس السابع: التـَّشـْبيهُ الضمنيُّ

 للمطالعة

 

من شعرائنا: السيّد حيدر الحلّي[1]

ولد بالحلّة في شعبان سنة 1240 أو 42 أو 46 هـ،وتوفّي فيها تاسع ربيع الثاني سنة 1304، وحُمل إلى النجف، فدفن في الصحن الشريف أمام الرأس الشريف. كان شاعراً مُجِيداً من أشهر شعراء العراق أديباً ناثراً جيّد الخطّ، نظم فأكثر، ولا سيّما في رثاء الحسين عليه السلام ومدائح أهل البيت عليهم السلام ومراثيهم.

 

فاق شعراء عصره في رثاء الحسين عليه السلام (...) كان شاعراً بارعاً غير منازع، وله إلمام بالعربية، مصنّفاً تقيّاً ناسكاً ويتقرّب إلى الله - تعالى - من مدح أهل البيت عليهم السلام بالسبب الأقوى.

 

بعض ما يُحكى عنه: أخبرني السيّد حسن بن السيّد هادي الكاظمي قال: أخبرني السيّد حيدر الحلّي قال: رأيت في المنام فاطمة الزهراء عليها السلام فأتيت إليها مسلّماً عليها مقبّلاً يديها فالتفتتْ إليّ وقالتْ:

أَنَاعيَ قتلى الطفِّ لا زلتَ ناعيا             تهيجُ على طول الليالي البواكيا

 

فجعلتُ أبكي وانتبهتُ وأنا أُردّد هذا البيت فجعلت أتمشّى وأنا أبكي وأريد التتميم ففتح الله عليّ أن قلت:

أعد ذكرهم في كربلا إنّ ذكرهم            طوى جزعاً طيّ السِّجِلِّ فؤاديا

 

إلى آخر القصيدة. قال: ثمّ أوصى أن تُكتب وتوضع معه في كفنه. وقيل إنّه لمّا نظم قصيدته العينية في رثاء الحسين عليه السلام الّتي أوّلها:

قد عهِدنا الربوعَ وهي ربيعُ                 أينَ لا أينَ أُنسها المجموعُ

 

أنشدها بعض أدباء الحلّة فلمّا وصل فيها إلى قوله:




[1] السيد محسن الأمين, أعيان الشيعة, ج 6, ص 266 - 267.

90


71

الدرس السابع: التـَّشـْبيهُ الضمنيُّ

 سبق الدمعُ حين قلت سقتها                 فتركتُ السما وقلت الدموعُ

 

قال له ذلك الأديب لو قلت الحيا بدل السما لكان أنسب فقال له إذاً أكون مِثْلَكَ فأخجله.

 

مؤلّفاته: 1- ديوان شعره كبير مطبوع 2- العقد المفصّل في قبيلة المجد المؤثل يعني آل كبّة وهو كتاب أدبي ألّفه باسم الحاج محمّد حسن ابن الحاج محمّد صالح.[1]

 

من شعره قوله:



[1] التيرة الوِتر: اي انا موتور منهم وعندهم ثأري.

91


72

الدرس السابع: التـَّشـْبيهُ الضمنيُّ

 إن لم أقف حيثُ جيش الموت يزدحمُ

لا بدَّ أن أتداوى بالقنا فلقد

عندي من العزمِ سِرٌّ لا أبوحُ به

لا أرضعتْ لِيْ العلا ابناً صفو درَّتِها

إليةً بضبا قومي الّتي حَمِدت

لأحلِبنَّ ثديَ الحربِ وَهْيَ قناً

مالي أُسالم قوماً عندهم تِرَتي

مَن حامِلٌ لوليّ الأمرِ مألكةً

يا بن الأُلى يُقعِدون الموتَ إن نهضت

الخيلُ عندك ملَّتها مرابطها

هذي الخدور ألا عدَّاءَ هاتكةً

لا تطهرُ الأرضُ من رجسِ العدى أبداً

بحيثُ موضعُ كلٍّ منهُمُ لكَ في

أُعيذ سيفَكَ أن تصدا حديدتهُ

فلا مشتْ بِيَ في طُرْقِ العلا قدمُ

صبرتُ حتَّى فؤادي كُلُّه ألمُ

حتّى تبوحَ به الهنديَّة الخُذُمُ

إنْ هكذا ظلَّ رُمحي وهو مُنفَطِمُ

قدماً مواقعَها الهيجاءُ لا القِممُ

لِبانُها من صدور الشوسِ وَهْوَ دمُ

لا سالمتني يدُ الأيَّام إن سَلِموا

تُطوى على نفثاتٍ كلّها ضَرم

بهم لدى الروعِ في وجه الظُبا الهِممُ

والبِيضُ منها عَرى أغمادَها السأمُ

وذي الجباه ألا مشحوذةً تسمُ

ما لم يَسِل فوقها سيل الدمِ العَرِمُ

دماه تغسِله الصمصامةُ الخذَمُ

ولم تكن فيه تُجْلَى هذه الغُممُ


92


73

الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى أغراض التشبيه.

2- أن يستخدم التشبيه في أغراضه المختلفة.

93


74

الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 أغراضُ التشبيهِ[1]:

الأغراضُ جمْعُ غرَضٍ والمرادُ به الأمرُ الباعثُ للمتكلِّمِ في استعمالِ التشبيهِ، حيثُ إنَّ لكلِّ تشبيهٍ مرَّ مَعَنَا هَدَفاً يُريدُ المتكلمُ الوصولَ إليهِ وغَرَضَاً يُريدُ بيانَهُ, وقَدْ قُسِّمَتْ أَغراضُ التَّشبِيهِ إِلَى قِسمَينِ: أحدُهما أنْ يكونَ غَرَضاً عائداً إلى المُشبَّهِ, والثاني يكونُ عائداً إلى المُشبَّهِ بهِ[2]، وسنذكرُ - هنَا - أهمَّ الأغراضِ الَّتِي تَعُودُ إِلَى المشبَّهِ[3]:

أوَّلاً: بيانُ إمكانِ المشبَّهِ، وذلكَ حينَ يسنَدُ إليهِ أمرٌ مستغرب ٌ لا تزولُ غرابتُه إلَّا بذكرِ شبيهٍ لهُ، معروفٍ واضحِ مسلَّمٍ بِهِ، ليثبتَ في ذهنِ السامعِ ويُقَرِّرَ، كقولِ الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ[4] حيثُ اعترضَ قومٌ عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فِي شأنِ ولادةِ عيسى عليه السلام, وقالوا: كيفَ يمكنُ أنْ يَكونَ ولدٌ ولَا يكونُ له والدٌ؟! فجاءتِ الآيةُ الكريمةُ لتقولَ من خلالِ هَذَا التَّشبِيهِ: إنَّ هَذَا الأمرَ ممكنٌ, حيثُ لَا ينكرُ أحدٌ أنَّ آدمَ عليه السلام مخلوقٌ مِن غيرِ أبٍ, ومَنْ كانَ قادراً عَلَى أنْ يَخلُقَ آدمَ مِن غيرِ أبٍ وأمٍّ، قادرٌ عَلَى خَلْقِ المَسِيحِ مِن غيرِ أبٍ, فشبَّهَ شَأنَ عيسى وحالَتَهُ العجيبةَ بشأنِ آدمَ




[1] وقد تسمى فوائد التشبيه، السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة، ص 238.

[2] وهو ما يكون في التشبيه المقلوب.

[3] أغراض التشبيه في الغالب تعود الى المشبه.

[4] سورة آل عمران، الآية: 59.

95


75

الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 الَّذي يَعتَقِدُ الجميعُ أنَّه خُلِقَ مِن غَيرِ أبٍ ولا أمّ، فكانَ الغرضُ مِنَ التَّشبِيهِ بيانَ إمكانيةِ المشبَّهِ بتشبيهه بما هو مماثل من جهة، وأبعد منه في التحقق - مع التسليم بحصوله - من جهة أخرى.

 

ثانياً: بيانُ حالِ المشبَّهِ: حيثُ يكونُ المشبَّه مبهماً غيرَ معروفِ الصفةِ الّتي يُرادُ إثباتُها لهُ قبلَ التشبيهِ، ويكونُ المشبَّهُ بِهِ معلوماً عندَ السَّامعِ بتلكَ الصِّفةِ الَّتي يُقصَدُ اشتراكُ الطرفين فِيها، فيفيدُه التشبيهُ الوصفَ، ويوضِّحُه المشبَّهُ بِه،ِ كمَا فِي قولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: "مثلُ المؤمنين في توادِّهِم وتراحُمِهِم وتعاطُفِهِم مثلُ الجَسَدِ، إِذَا اشتَكَى مِنهُ عضوٌ تداعَى لهُ سائرُ الجسدِ بالسَّهر والحُمَّى"[1]، حيث أرادَ أنْ يُبَيِّنَ حالَ المؤمنِينَ في مودّة بعضهم لبعض وتراحمهم, وهُوَ أمْرٌ مُبْهَمٌ لَا يعرفُهُ المُخاطَبُونَ آنَذاكَ, فجاءَ بمشبَّه بِهِ معلومٍ لديهِم وهُوَ الجسدُ الَّذي يَتَألَّمُ جميعُهُ بِتَأَلُّمِ بعضِهِ، وهَذَا هُوَ الغَرَضُ مِنَ التَّشبِيهِ.

 

ثالثاً: بيانُ مقدارِ حالِ المشبَّهِ في القوةِ والضعفِ، والزيادةِ والنقصانِ، وذَلِكَ إذَا كانَ المشبَّهُ معلوماً معروفَ الصفةِ الّتي يرادُ إثباتُها لهُ معرفةً إجماليةً قبلَ التَّشبيهِ، بحيثُ يرادُ مِنْ ذَلِكَ التَّشبيهِ بيانُ مقدار نصيبِ المشبَّهِ من هذه الصفةِ، وذلك بأنْ يعمدَ المتكلِّمُ إلى بيان ما يعنيهِ من هذا المقدارِ، كقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً[2]، فشبَّهَ قلوبَهم بالحجارةِ فِي الصَّلابَةِ والقَسوةِ، فَلو لمْ يرِدِ اللهُ تعالى أنْ يبيِّنَ مقدارَ قساوةِ قلوبِهِم لقالَ: "قلوبُهم قاسيةٌ", ولكنَّه أرادَ تَبْيينَ مقدارِ هَذِهِ القَسوةِ وبيان شدتِّهَا, فَجَاءَ بِهَذا التَّشبيهِ لأجلِ ذَلِكَ, ومثلُ ذَلِكَ قولُ المتنبِي[3] فِي وصْفِ أسدٍ:




[1] الريشهري، ميزان الحكمة، ج4، ص2837.

[2] سورة البقرة، الآية: 74.

[3] شرح ديوان المتنبي، ج 1، ص 116.

96


76

الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 ما قُوبِلَتْ عَيْناهُ إلاّ ظُنّتَا     تَحْتَ الدُّجَى نارَ الفَريقِ حُلُولا[1]

 

فإنَّه "يصفُ عَيْنَي الأَسدِ في الظلام بشدةِ الاحمرار والتوقّدِ، حتى إِنَّ من يراهما من بُعْدٍ يظنَّهما ناراً لقومٍ حُلول مقيمين، فلو لم يعْمدِ المتنبي إِلى التشبيه لقال: إِنَّ عَيْنَي الأَسدِ محمرّتانِ, ولكنه اضْطُرَّ إِلى التشبيه لِيُبَيِّنَ مقدارَ هذا الاحمرار وعِظَمه، وهذا منْ أغراض التشبيه أيضاً"[2].

 

رابعاً: تقريرُ حالهِ وتقويةُ شأنِها، و تمكينُه في ذهن السامعِ، بإبرازِها فيما هي فيه أظهرُ، كما إذا كان ما أسنِدَ إلى المشبَّهِ يحتاجُ إلى التثبيتِ والإيضاحِ، ويأْتي هذا الغرضُ حينما يكون المشبَّهُ أمرًا معنويًّا, لأَنَّ النفسَ لا تجزم بالمعنوياتِ جزمَها بالحسيَّات، فهي في حاجةٍ إلى الإقناعِ، فتأتي بمشبَّهٍ به حسيٍّ قريبِ التصوُّرِ، يزيدُ معنى المشبِّهِ إيضاحاً لما في المشبَّهِ به من قوةِ الظهورِ والتمامِ،كقولِهِ - تَعَالَى-: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ[3].

 

تتحدث الآية "في شأن مَنْ يعْبدونَ الأوثانَ، وأنَّهم إذَا دَعَوْا آلهتَهم لا يستجيبونَ لهُم، ولَا يرجِعُ إِليهِم هَذَا الدعاءُ بفائدةٍ، وقدْ أرادَ الله - جل شأْنه - أنْ يُقرِّر هذه الحالَ ويُثَبتَها في الأَذهانِ، فشبَّهَ هؤلاءِ الوثنيّينِ بمن يبسُط كفَّيْهِ إلى الماء ليشربَ فلا يصلُ الماءُ إلى فمِهِ بالبداهةِ, لأنَّه يَخْرُجُ من خلالِ أصابِعِهِ مَا دامتْ كفَّاهُ مبسوطتينِ ولأنهما مبسوطتان فلا تجمعان ماء، وينزلق الماء عنهما. فالغرضُ منْ هذا التشبيه تقريرُ حالِ المشبَّهِ"[4].




[1] الدجى: جمع دجية وهي الظلمة، والفريق: الجماعة، وحلولا: أي مقيمين وهو حال من الفريق.

[2] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 48.

[3] سورة الرعد، الآية: 14.

[4] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 49.

97


77

الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 خامساً: مدحهُ وتحسينُ حالهِ، ترغيباً فيه، أو تعظيماً له، بتصويرهِ بصورةٍ تهيِّجُ في النفسِ قوى الاستحسانِ، بأنْ يعمدَ المتكلِّمُ إلى ذكر مشبَّهِ بهِ مُعجبٍ، قد استقرَّ في النفسِ حُسنُه و حبُّه، فيصوِّرُ المشبَّهَ بصُورتِه، كقولِهِ - تَعَالَى - فِي وَصْفِ الحُورِ العِينِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ[1].

 

وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ هَذَا النَّوْعُ فِي المَدِيحِ والرِّثَاء والفَخْرِ وَوَصْفِ مَا تَمِيلُ إِليهِ النُّفُوسُ, وأمثلتُهُ فِي الشِّعرِ العربيِّ كثيرةٌ, منهَا مَا قالَه أحمدُ شوقي[2] في مدحِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم:

تَجَلّى مَولِدُ الهادي وَعَمَّت        بَشائِرُهُ البَوادي وَالقِصَابا

وَأَسدَتْ لِلبَرِيَّةِ بِنتُ وَهْبٍ         يَداً بَيضاءَ طَوَّقَتِ الرِقابا

لَقَد وَضَعَتهُ وَهّاجاً مُنيراً           كَما تَلِدُ السَماواتُ الشِّهَابا

فَقامَ عَلى سَماءِ البَيتِ نوراً         يُضيءُ جِبالَ مَكَّةَ وَالنِّقَابا[3]

 

سادساً: تشويهُ المشبَّهِ وتقبيحُه، تنفيراً منه أو تحقيراً له، بأنْ نصوِّرَه بصورةٍ تَمَجُّها النفسُ، ويشمئزُّ منها الطبعُ، كقولِ اللهِ - تَبَارَكَ وتَعَالَى-: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[4] ضَرَبَ اللهُ مثلَ اللَّاهِثِ



[1] سورة الواقعة، الآيتان: 22-23.

[2] أحمد بن علي بن أحمد شوقي. 1285 - 1351 هـ / 1868 - 1932 م أشهر شعراء العصر الأخير، يلقب بأمير الشعراء، مولده ووفاته بالقاهرة،عالج أكثر فنون الشعر: مديحاً، وغزلاً، ورثاءً، ووصفاً، ثم ارتفع محلقاً فتناول الأحداث الاجتماعية والسياسية في مصر والشرق والعالم الإسلامي وهو أول من جود القصص الشعري التمثيلي بالعربية وقد حاوله قبله أفراد، فنبذهم وتفرد. وأراد أن يجمع بين عنصري البيان: الشعر والنثر، فكتب نثراً مسموعاً على نمط المقامات فلم يلق نجاحاً فعاد إلى الشعر.

[3] الشاهد في البيتين الاخيرين.

[4] سورة الأعراف، الآيتان: 175-176.

98


78

الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 وراءَ الدُّنيا, العادل عن آياتِ اللهِ وهُوَ عارفٌ بِهَا, بأخسِّ مثلٍ فِي أخسِّ أحوالِهِ، فشبَّهَهُ بالكلبِ, لأنَّ كلَّ شئٍ يلهثُ فإنما يلهثُ فِي حالِ الإعياءِ والتعبِ إلَّا الكلب، فإنَّه يلهثُ في حالِ الرَّاحةِ وحال التَّعبِ، وحالِ الصّحّةِ وحالِ المرضِ. وحالِ الرّيّ وحالِ العطشِ، وفي جميعِ الأحوالِ، فقالَ تَعاَلى: إنْ وعظتَهُ، فهُوَ ضالّ، وإنْ لمْ تعظْهُ، فهُو ضالّ, كالكلبِ, إنْ طردتَه وزجرتَه، فإنِّه يلهثُ، وإنْ تركتَه، يلهثُ.والغرضُ مِنْ هَذَا التَّشبيهِ التقبيحُ، وأكثرُ ما يكونُ في الهجاءِ ووصفِ ما تنفِرُ منه النفسُ. وهذا الغرضُ أيضاً لهُ أمثلةٌ كثيرةٌ مشهورةٌ في كلامِ العربِ.
99


79

الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 القواعد الرئيسة

 

أَغْرَاضُ التشبيهِ كثيرةٌ منها ما يأْتي:

1- بيانُ إِمْكان المشبَّه: وذلك حِينَ يُسْنَدُ إِليْهِ أمْرٌ مُسْتغْرَبٌ لا تزول غرابتُه إلا بذكر شبيهٍ له.

2- بيانُ حالِهِ: وذلك حينما يكونُ المشبَّهُ غيرَ معروف الصفةِ قَبْلَ التشبيه، فَيُفيدُهُ التشبيهُ الوصفَ.

3- بيانُ مقدار حالِهِ: وذلك إذا كان المشبَّهُ معروفَ الصفةِ قَبْلَ التشبيهِ مَعْرفَةً إِجْماليَّةً، وكان التشبيه يُبَيِّنُ مقدارَ هذه الصفةِ.

4- تَقْريرُ حالِهِ: كما إذا كانَ ما أُسْنِدَ إِلى المشبَّه يحتاج إِلى التثبيت والإِيضاح بالمثال.

5- تَزْيينُ الْمُشَبَّهِ.

6- تَقْبيحُ المشبهِ.

100


80

الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 تمارين

 

بيِّنِ الغرضَ منْ كلِّ تشبيهٍ فيما يأتي:

أ- دَنَوْتَ تَوَاضُعاً، وَبَعدتَ قَدراً             فشَأناكَ انْحِدارٌ، وارْتِفَاعُ

كذاكَ الشّمسُ تَبعَدُ إنْ تَسامى              وَيَدْنُو الضّوْءُ مِنْهَا، والشّعاعُ

 

ب- أُحِبكِ يا لوْنَ الشَّبابِ لأنني           رأيْتُكما في القلْبِ والعينِ تَوْأما

سَكَنْتِ سوادَ القَلْب إِذ كنْتِ شِبههُ         فلمْ أدر منْ عِزٍّ من القَلْبُ منْكما

 

ج- وَإذا أشَارَ مُحَدّثاً فَكَأنّهُ                 قِرْدٌ يُقَهْقِهُ أوْ عَجوزٌ تَلْطِمُ

 

د- لي منزلٌ كَوِجارِ الضَّبِّ أَنزِلُه            ضَنْكٌ تَقارَبَ قُطراهُ فقد ضاقَا

أراه قَالَبَ جسمي حينَ أَدخُلُه              فما أَمُدُّ به رجلاً و لا سَاقا

 

هـ- وأَنا ابْنُ سوْداءِ الجبين كأَنَّها            ضَبُعٌ تَرعْرَع في رُسومِ المنْزل

الساق منها مثلُ ساق نعامةٍ               والشَّعرُ منها مثْلُ حَبِّ الفُلْفُل

101


81

الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 للمطالعة

 

من شعرائنا: الشيخ البهائي[1]

الشيخ بهاء الدِّين محمّد بن الحسين بن عبد الصمد بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن صالح الحارثيّ الهَمْدَانيّ العامليّ الجبعيّ نزيل أصفهان: نسبتُهُ الحارثيّ الهمدانيّ نسبة إلى الحارث الهَمْداني صاحب أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، والهَمْدَانيّ نسبةٌ إلى هَمْدان القبيلة العربية المشهورة، وهم حيّ من اليمن. والحارث الهمداني هو الّذي قال له أمير المؤمنين عليه السلام شعراً له:

يا حار هَمْدَان من يمت يَرَني          من مؤمن أو منافق قبلا

 

ولد بـ (بَعلبك) يوم الخميس لثلاث عشرة بقين من المحرّم سنة 953. وقال أبو المعالي الطالوي: إنّه ولد بقزوين، والله أعلم. وتوفّي بأصفهان 12 شوال سنة 1030هـ. على ما ذكره تلميذه السيد حسين ابن السيّد حيدر الحسيني الكركي العاملي والمجلسي الأوّل الّذي حضر وفاته والصلاة عليه، فهما أعرف بتاريخ وفاته. ثمّ نُقل قبل الدفن إلى مشهد الرضا عليه السلام، ودفن هناك في داره بجانب الحضرة المقدّسة الرَّضَويّة، وقبره هناك مشهور مزور إلى اليوم. حاله في الفقه، والعلم، والفضل، والتحقيق، والتدقيق، وجلالة القدر، وعظم الشأن، وحسن التصنيف، ورشاقة العبارة، وجمع المحاسن أظهر من أن يُذكر، وفضائله أكثر من أن تُحصر. وكان ماهراً متبحراً، جامعاً، كاملاً، شاعراً، أديباً، منشئاً، عديم النظير في زمانه في الفقه، والحديث، والمعاني، والبيان، وغيرها.

 

له شعر كثير بالعربيّة والفارسيّة, فمن شعره قصيدته الّتي يمدح بها صاحب الزمان وسمّاها: "وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان"، كما في شرح




[1] السيد محسن الأمين, أعيان الشيعة, ج 9, ص 234.

102


82

الدرس الثامن: أغراضُ التشبيهِ

 المنيني عليها، وبعضهم يقول اسمها: "روح الجنان" كما في ديوان الشيخ جعفر الخطّي، وهي الّتي شرحها الشيخ أحمد بن عليّ المنيني الدمشقي بطلب السيّد محمّد هاشم قاضي دمشق الشام، وطبعت مع شرحها في آخر الكشكول وأوّلها:

سرى البرق من نجد فهيّج تذكاري     عهوداً بحزوى والعَذِيبِ وَذي قَارِ

وهيّج من أشواقنا كلَّ كامنٍ              وأجّج في أحشائنا لاعجَ النارِ

 

ومن شعره في الوعظ:


ألا يا خائضاً بحرَ الأماني             

أضعتَ العمر عصياناً وجهلا         

مضى عصرُ الشباب وأنت غافلْ     

إلى كم كالبهائم أنت هائمْ             

وطرفك لا يرى إلّا طموحا           

وقلبك لا يفيق عن المعاصي         

بِلالُ الشيب نادى في المفارقْ       

هداك الله ما هذا التواني

فمهلاً أيّها المغرورُ مهلا

وفي ثوب العمى والغيّ رافلْ

وفي وقت الغنائم أنت نائمْ

ونفسك لم تزل أبداً جموحا

فويلك يوم يؤخذ بالنواصي

بِحَيَّ على الذهابِ وأنتَ غارقْ

103

 

 



83

الدرس التاسع: التشبيهُ المقلوبُ

 الدرس التاسع: التشبيهُ المقلوبُ

 

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى التشبيه المقلوب.

2- أن يدرك بلاغة التشبيه المقلوب.

105


84

الدرس التاسع: التشبيهُ المقلوبُ

 التشبيهُ المقلوبُ[1]:

الأصلُ في التشبيهِ أنْ يكونَ وجهُ الشبهِ في المشبهِ بهِ أتمَّ وأظهر, كما هوَ الحالُ في الأمثلةِ التي مرَّتْ علينا سابقاً, فكانَ المشبهُ بهِ هوَ الاصلَ, والمشبهُ هوَ الفرعَ, ولكنْ قَدْ يُجْعَلُ مَا كانَ الأصلُ فيهِ أنْ يكونَ مشبهاً بهِ مشبهاً، ومَا كَانَ الأصلُ[2] أنْ يكونَ مشبَهَاً مشبَهَاً بِهِ قَصْداً إلى إيهَامِ أنَّ مَا صَارَ مشبَهَاً بِهِ أتمُّ في وجهِ الشبَهِ مِنَ الذي صَارَ مشبَهَاً، حَتَّى صَارَ هوَ الأصلَ، والآخرُ الفرعَ. ومِنْ أمْثِلَةِ ذَلِكَ فِي القرآنِ الكَرِيمِ قولُهُ - تَعَالَى - حِكَايةً عَنِ الكُفَّارِ: ﴿قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا...[3] ، في مقامِ دعوى أنَّ الرِّبا مثلُ البيعِ, وإنَّمَا عَكَسُوا ذَلِكَ لإيهامِ أنَّ الرِّبا عندهمْ أحلُّ من البيعِ، لأنَّ الغرضَ هو الربحُ، وهو أثبتُ وجوداً في الرّبا منه في البيعِ، فيكونُ أحقَّ بالحلِّ على حدِّ زعمِهم.

 

وقَد جَرَتْ ألسنةُ الشُّعراءِ والأُدَبَاءِ والمُتكلِّميِنَ بكثيرٍ مِنَ التَّشبيهاتِ الَّتي جَرَتْ عَلَى غيرِ العَادَةِ فِي التَّشبيهِ, ومنهم الشَّاعرُ محمَّدُ بنُ وهيبٍ الحِمْيَرِيّ[4], حيثُ يقولُ:




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 53.

[2] أطلق عليه ابن الاثير في كنز البلاغة اسم: "غلبة الفروع على الأصول".

[3] سورة البقرة، الآية: 275.

[4] محمد بن وهيب الحميري، أبو جعفر 225 هـ - 840 م، شاعر مطبوع مكثر، من شعراء الدولة العبّاسيّة، أصله من البصرة، عاش في بغداد وكان يتكسب بالمديح، ويتشيّع، وله مراث في أهل البيت، وعهد إليه بتأديب الفتح بن خاقان، واختصّ بالحسن بن سهل، ومدح المأمون والمعتصم، وكان تيّاهاً شديد الزهو بنفسه، عاصرِ دعبلاً الخزاعيّ وأبا تمّام.

107


85

الدرس التاسع: التشبيهُ المقلوبُ

 وبَدا الصباحُ كأن غُرَّتهُ           وَجهُ الخليفة حينَ يُمْتَدحُ

 

اعتدْنَا فِيمَا مَضَى أنْ نَقرأَ أو نُحلِّل تَشبِيهاً يكونُ فِيهِ وجهُ الشَّبهِ فِي المشبَّه بِهِ أجلَى وأظهرَ مِنهُ فِي المشبَّهِ, فيُشَبَّهُ الوجْهُ المشرقُ بغرَّةِ الصَّباحِ, والوضاءُ بالشَّمسِ, والمنيرُ بالبدرِ, لأنَّ وجهَ الشَّبَهِ فِي هَذِهِ أَقوَى, أمَّا فِي هَذَا البيتِ الَّذي يقولُ فِيهِ الحِمْيَريّ: "إِنَّ تباشيرَ الصَّباحِ تُشبِهُ فِي التلألؤِ وجهَ الخليفةِ عندَ سَمَاعِهِ المديحَ، فإنَّنا نَرَى هنَا أنَّ هذا التَّشبيهَ خَرَجَ عَمَّا كانَ مستقرًّا فِي نفوسِنَا مِنْ أنَّ الشيءَ يُشَبَّه دائماً بِمَا هُو أَقوَى منه في وجهِ الشَّبهِ، إذِ المألوفُ أَنْ يقال إِنَّ الخليفةَ يُشبهُ الصَّباحَ، ولكنَّهُ عَكَسَ وقَلَبَ للمبالغَةِ والإغراقِ, بادعاءِ أَنَّ وجهَ الشبه أَقوَى في المشبَّهِ، وهذا التشبيهُ مظهرٌ من مظاهرِ الافتنانِ والإبداعِ"[1].

 

وللبُحْتُريّ[2] أيضاً يدٌ فِي إبداعِ هَذَا النَّوعِ مِنَ التَّشبيهاتِ, فيقولُ فِي تشبيهِ بركةٍ:

كأنّهَا حِينَ لَجّتْ في تَدَفّقِهَا            يَدُ الخَليفَةِ لَمّا سَالَ وَادِيهَا

 

فقد شبَّهَ الشُّعَراءُ اليَدَ بالجَدولِ أو النَّهرِ والينبُوعِ فِي كثرةِ التَّدفُّقِ, فاليدُ الَّتي تتدفَّقُ بالإحسانِ والعطاءِ والخيرِ, كالجدولِ يتدفَّقُ بالماءِ الَّذي هُوَ حياةُ النُّفوسِ, إلَّا أنَّ للبُحتُريّ رأياً فِي أنَّ يَقلِبَ التَّشبيهَ, حيثُ شَبَّهَ البركةَ وتدفقَهَا بيدِ الخليفةِ, مدَّعِيَاً أنَّ تدفُّقَ العطاءِ فِي يدِ الممدوحِ أقوَى مِن تدفُّقِ الماءِ فِي البركةِ, وهَذَا أيضاً مظهرٌ مِن مظاهرِ الإبداعِ, ومَا جَاءَ عَلَى هَذِهِ الشَّاكلةِ مِنَ التَّشبيهِ هُوَ مَا يُسمَّى بـ"التَّشبيهِ المقلوبِ".




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 53.

[2] مرّت ترجمته.

108


86

الدرس التاسع: التشبيهُ المقلوبُ

 القواعد الرئيسة

التشبيهُ المقلوبُ هو جعل المشبَّهِ مشبَّهاً به بادِّعاءِ أَنَّ وجه الشبه فيه أَقوَى وأَظهرُ.

 

جَرَتْ ألسنةُ الشُّعراءِ والأُدَبَاءِ والمُتكلِّميِنَ بكثيرٍ مِنَ التَّشبيهاتِ الَّتي جَرَتْ عَلَى غيرِ العَادَةِ فِي التَّشبيهِ, ومنهم الشَّاعرُ محمَّدُ بنُ وهيبٍ الحِمْيَرِيّ, حيثُ يقولُ:

وبَدا الصباحُ كأن غُرَّتهُ       وَجهُ الخليفة حينَ يُمْتَدحُ

 

فالملاحظ فِي هَذَا البيتِ الَّذي يقولُ فِيهِ الحِمْيَريّ: "إِنَّ تباشيرَ الصَّباحِ تُشبِهُ فِي التلألؤِ وجهَ الخليفةِ عندَ سَمَاعِهِ المديحَ، فإنَّنا نَرَى هنَا أنَّ هذا التَّشبيهَ خَرَجَ عَمَّا كانَ مستقرًّا فِي نفوسِنَا مِنْ أنَّ الشيءَ يُشَبَّه دائماً بِمَا هُو أَقوَى منه في وجهِ الشَّبهِ، إذِ المألوفُ أَنْ يقال إِنَّ الخليفةَ يُشبهُ الصَّباحَ، ولكنَّهُ عَكَسَ وقَلَبَ للمبالغَةِ والإغراقِ, بادعاءِ أَنَّ وجهَ الشبه أَقوَى في المشبَّهِ، وهذا التشبيهُ مظهرٌ من مظاهرِ الافتنانِ والإبداعِ".

 

تمارين

ميِّزِ التشبيهَ المقلوبَ منْ غير المقلوبِ فيما يأتي وبيّنِ الغرضَ منْ كلِّ تشبيهٍ:

- كأنَّ سوادَ الليلِ شعرٌ فاحمٌ.

- يَزُورُ الأعادي في سَمَاءِ عَجَاجَةٍ           أسِنّتُهُ في جانِبَيْها الكَواكِبُ

- كأَنَّ النَّبْلَ كلامُه، وكأنَّ الوَبْل نوالُه.

- كلماتي قلائدُ الأعناقِ                      سَوْفَ تَفنى الدُّهُورُ وَهْيَ بَواقِ

 

 

قَدْ بعَثْنَا بِجوَادٍ                                  مِثلُهُ لَيْس يُرامُ

فَرَسٌ يُزْهَى بِهِ لِلـ                                ـحُسْنِ سرْجٌ ولِجامُ

وجْههُ صُبْحٌ ولكنْ                             سائرُ الجسْم ظَلامُ

والذِي يصْلح لِلمَوْ                            لَى على العبْدِ حرامُ

والصُّبحُ في طُرَّة لَيْلٍ مُسْفِرِ                     كأنَّهُ غُرَّةُ مُهْرٍ أشقَر

في حُمرَةِ الوَرْدِ شَكْلٌ من تَلَهّبِها               وللقَضِيبِ نَصِيبٌ مِنْ تَثَنّيهَا

109


87

الدرس التاسع: التشبيهُ المقلوبُ

 للمطالعة

بلاغةُ التشبيهِ وبعضُ ما أُثِرَ منه عن العرب والمُحْدَثين[1]

تنْشأُ بلاغةُ التشبيه منْ أنّه ينتقل بكَ منَ الشيء نفسِه إلى شيءٍ طريفٍ يشبهه، أو صورةٍ بارعة تمثِّله. وكلّما كان هذا الانتقالُ بعيدًا قليلَ الخطورة بالبال، أو ممتزجاً بقليل أو كثيرٍ من الخيال، كان التشبيهُ أروعَ للنفس وأدعَى إلى إعجابها واهتزازها.

 

فإذا قلتَ: فلانٌ يُشبه فلاناً في الطول، أو إِنَّ الأرضَ تشبهُ الكرة في الشكل، أو إنَّ الجزرَ البريطانية تشبهُ بلادَ اليابان، لم يكنْ لهذه التشبيهاتِ أثرٌ في البلاغةِ, لظهورِ المشابهةِ وعدم احتياج العثور عليها إلى براعةٍ وجهْدٍ أدبيٍّ، ولخلوّها منَ الخيال.

 

وهذا الضربُ منَ التشبيه يُقصَدُ به البيانُ والإيضاح وتقريبُ الشيء إلى الأفهام، وأكثر ما يستعمل في العلوم والفنون.

 

ولكنّكَ تأخذكَ رَوْعةُ التشبيه حينما تسمعُ قول المعرّيّ يَصِف نجماً:

يُسرِعُ اللّمح في احمرارٍ كما تُس        رِعُ في اللّمحِ مُقلةُ الغَضبانِ

 

فإنَّ تشبيهَ لمحات النجم وتأَلّقِه مع احمرارِ ضوئه بسرعةِ لمحةِ الغضبان من التشبيهاتِ النادرة الّتي لا تنقادُ إلّا لأَديب. ومنْ ذلك قولُ الشاعر:

وكأنَ النُّجُومَ بينَ دُجاها                سُننٌ لاحَ بينهُنَّ ابتداعُ

 

فإِنَّ جمال هذا التشبيه جاء من شعورك ببراعة الشاعر وحذقه في عقد المشابهة بين حالتين ما كان يخطر بالبال تشابههما، وهما حالةُ النجوم في




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص58 - 59.

110


88

الدرس التاسع: التشبيهُ المقلوبُ

 رُقْعةِ الليل بحال السُّننِ الدينية الصحيحة متفرّقةً بين البدعِ الباطلةٍ. ولهذا التشبيه روْعةٌ أخرى جاءَت منْ أَنَّ الشاعر تخيّل أنَّ السنن مضيئةٌ لمَّاعةٌ، وأَنَّ البدعَ مظلمةٌ قاتمةٌ.

 

ومنِ أبدع التشبيهاتِ قولُ المتنبيّ:

بَليتُ بِلى الأطْلالِ إنْ لم أقِفْ بها             وُقوفَ شَحيحٍ ضاعَ في التُّرْبِ خَاتَمُهْ

 

يدعو على نفسه بالبِلى والفناءِ إِذا هو لم يقفْ بالأَطلال ليذكرَ عهد مَن كانوا بها، ثمّ أَراد أَنْ يصوِّرَ لك هيئةَ وقوفه، فقال:كما يقفُ شحيِحٌ فقد خاتَمُهُ في التراب، مَنْ كان يُوفَّقُ إلى تصوير حال الذاهلِ المتحيّر المحزون المُطْرِقِ برأسه المنتقل منْ مكان إِلى مكان في اضطراب ودهشة بحال شحيحٍ فقد في التراب خاتمًا ثميناً؟ ولو أردنا أن نورد لك أمثلة منْ هذا النوع لطالَ الكلامُ.

 

 

111


89

الدرس العاشر: الحقيقةُ والمجازُ - المجاز اللغوي

 الدرس العاشر: الحقيقةُ والمجازُ - المجاز اللغوي

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى معنى الحقيقة في الاستعمال اللغوي.

2- أن يتعرّف الطالب إلى معنى المجاز وهدفه في الاستعمال اللغوي.

3- أن يتقن استخدام الحقيقة والمجاز.

113


90

الدرس العاشر: الحقيقةُ والمجازُ - المجاز اللغوي

 تعريفُ الحقيقةِ و المجازِ اللغوي[1]:

الحقيقةُ فِي الأصلِ: (فعيل) بمعنى فاعل من حقَّ الشيءُ إذا ثَبتَ، أو بمعنَى (مفعول) من قولِهم: حَقَّقْتُ الشَّيء، إذا أثبتّهُ.

 

وفِي الاصطلاحِ: "استعمالُ الَّلفظ فيمَا وُضِعَ لهُ، فِي اصطلاحِ التَّخاطُبِ"[2].

 

والمجاز في الأصل: (مفعل) من جاز المكان يجوزه، إذا تعدّاه، نقل الى الكلمة الجائزة ـ المتعدية ـ معناه الأصلي، أو المجوز بها عن معناها الأصلي، فعلى الأول هي اسم فاعل، و على الثاني اسم مفعول.

 

وفي الاصطلاحِ: "استعمالُ الَّلَّفظ فِي غيرِ مَا وُضِعَ لَهُ، فِي اصطلاحِ التَّخاطُبِ، عَلَى وجَهِ يصحُّ، مَعْ قرينةٍ[3] مَانِعةٍ مِن إرادةِ مَا وضعَ لَهُ"[4].




[1] في مقابل المجاز العقلي.

[2] فاللفظ قبل الاستعمال، وبعد الوضع لا يتصف بالحقيقة والمجاز. وقولنا "فيما وضع له" مخرج للمجاز والغلط، وقولنا: "في اصطلاح التخاطب" مخرج لمثل الصلاة إذا استعملت عند أهل الشرع في الدعاء فإنها مجاز في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب، وإن كانت حقيقة باصطلاح تخاطب أهل اللغة.

[3] القرينة الحالية تعرف من الأحوال المتعلقة بمقام الكلام، ولا تعرف من اللفظ المتكلَم به، أما القرينة اللفظية فلا تعرف إلا من اللفظ نفسه.

[4] يفهم من هذا التعريف أن المجاز يتقوم بأمور ثلاثة:

أ- استعمال اللفظ في غير ما وضع له.

ب- وجود علاقة ومناسبة بين المعنى الموضوع له اللفظ، والمعنى المستعمل فيه. وفهم ذلك من قولنا: "على وجه يصح"، وبهذا الأمر يخرج الغلط عن كونه مجازا, لأنه استعمال في غير ما وضع له، بلا وجه يصح.

ج- القرينة الدالة على إرادة غير ما وضع له، والمانعة من إرادة ما وضع له.

115


91

الدرس العاشر: الحقيقةُ والمجازُ - المجاز اللغوي

 والمجازُ مِنْ أحسنِ الوَسَائِلِ البيانيَّةِ الَّتي تَهدِي إليهَا الطبيعةُ، لإيضاحِ المَعْنَى، إذْ بِهِ يَخْرُجُ المَعْنَى متصِّفاً بصفةٍ حسّيَّةٍ تكادُ تعرضُهُ عَلَى عيانِ السَّـامِعِ لِهَذَا شغفتِ العَرَبُ بالمَجَازِ، وآثـرتْهُ عَلَى الحقيقةِ فِي الاستعمالِ, لمَيْلِهَا إلَى الاتِّساعِ فِي الكـلامِ، وإلَى الدَّلالةِ عَلَى كَثْـرةِ معاني الألفاظِ، ولِمَا فِيهِ مِنَ الدِّقَةِ فِي التَّعبيرِ، فيحصلُ للنَّفسِ بِهِ سرورٌ وأريحيَّةٌ[1].

 

ثمّ إنّ المجازَ على قسمينِ:

لغويُّ: وهو استعمالُ اللفظِ فِي غيرِ مَا وُضعَ لهُ لعلاقةٍ، لمناسبةٍ بين المَعْنَى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ - مع وجود قرينة مانعةٍ من إرادةِ المعنى الحقيقيِّ، وهي قد تكون لفظيّةً، وقد تكون حاليّةً، وكلّما أُطلقَ المجازُ، انصرفَ إلى هذا المجازِ، وهو المجازُ اللغويُّ. والمجازُ المرسلُ.

 

عقليٌّ: وهو يجري في الإسنادِ، بمعنى أن يكونَ الإسنادُ إلى غير من هوَ لهُ، نحو: ليل العابد قائم ونهاره صائم، إسناد الوصف وهو اسم الفاعل قائم وصائم الى فاعلهما المستتر مجاز عقلي بعلاته الزمانية، والقرينة واضحة فالليل لا يقوم والنهار لا يصوم.

 

وفي هذا الدرسِ سنتعرضُ للمجازِ بِمَا هُوَ مجازٌ بغضِّ النَّظر عَنْ تقسيماتِهِ باعتبارِ العلاقةِ الَّتي تكونُ إمَّا علاقةَ مشابهةٍ[2] أو غيرَ مشابهةٍ[3].

 

يقولُ ابنُ العميد[4]:

قَامَتْ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ         نَفْسٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي




[1] الصور البيانية، ص 222.

[2] وهو ما يسمى بالاستعارة.

[3] وهو ما يسمى بالمجاز المرسل.

[4] هو الوزير أبو الفضل محمد بن العميد نبغ في الأدب وعلوم الفلسفة والنجوم، وقد برز في الكتابة على أهل زمانه حتى قيل: "بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد" توفى سنة 360هـ.

116


92

الدرس العاشر: الحقيقةُ والمجازُ - المجاز اللغوي

 قامَتْ تُظَلِّلُنِي ومِنْ عجَبٍ         شَمْسٌ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمْسِ

 

مَا الَّذي نلاحظُهُ فِي هَذَينِ البيتينِ مِنَ الشِّعرِ؟ نلاحظُ أنَّ كلمةَ الشَّمسِ قد استُعمِلتْ فِي معنيين: أحدُهما المعنَى الحقيقيّ للشَّمسِ الَّتي نَعرفُهَا، وهِيَ الَّتي تظهرُ فِي المشرقِ صبْحاً وتختفِي عندَ الغروبِ مساءً، والثانِي إنسانٌ وَضّاءُ الوجهِ يشبِهُ الشَّمسَ في التلأْلؤِ، وهَذَا المَعنَى غيرُ حقيقيّ. وإِذَا تأمَّلنَا رأيْنَا صِلَةً وعلاقةً بين المعنَى الأصليِّ للشَّمسِ والمعنَى العارضِ الَّذي اسْتُعْمِلَتْ فيه. وهذه العلاقة هي المشابهةُ, لأَنَّ الشخصَ وضيءَ الوجهِ يُشْبِهُ الشَّمسَ فِي الإِشراقِ، ولا يمكنُ أنْ يلتبسَ علينا الأَمرُ فنَفْهَم منْ "شمس تظللني" المعنى الحقيقيّ للشَّمسِ, لأَنَّ الشمسَ الحقيقيّة لا تُظَلِّل، فكلمة "تظللني" - إذن - تمنعُ مِنْ إِرادةِ المَعنَى الحقيقيّ, ولِهَذَا تسمَّى قرينةً دالةً على أَنَّ المعنى المقصودَ هو المعنى الجديدُ العارضُ.

 

وقالَ أبو تمّام[1]:

وما ماتَ حتّى مات مَضْرِبُ سَيْفِهِ[2]          مِن الضَّرْبِ واعْتَلَّتْ عليه القَنا السُّمْرُ[3]

 

الموتُ مِنْ شأنِ الأحياءِ، فلا يموتُ إلَّا مَنْ كانَ حياً. وهَذا حقيقيّ فِي لفظة




[1] حبيب بن أوس بن الحارث الطائي188 - 231 هـ / 803 - 845 م. أحد أمراء البيان، ولد بجاسم (من قرى حوران بسورية)، ورحل إلى مصر، واستقدمه المعتصم إلى بغداد، فأجازه وقدّمه على شعراء وقته، فأقام في العراق، ثم ولي بريد الموصل، فلم يتم سنتين حتى توفي بها. اختُلِفَ في التفضيل بينه وبين المتنبي والبحتريّ، له تصانيف، منها فحول الشعراء، وديوان الحماسة، ومختار أشعار القبائل...

[2] مضرب السيف: حدّه، والقنا: الرماح، والسمر: الرماح أيضاً، أي لم يمت في ساحة الحرب حتى تَثَلّم سيفه وضعفت الرماح عن المقاومة.

[3] يقول ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة: سمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلويّ البصريّ، يقول: كأن أبيات أبي تمّام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين عليه السلام:

وقد كان فوتُ الموت سهلاً فردّه      إليه الحِفَاظُ المُرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ

ونفسٌ تعافُ الضيمَ حتى كأنه هو    الكفرُ يوم الرَّوْعِ أو دونه الكفرُ

فأثبتَ في مستنقعِ الموت رِجله       وقال لها: من تحت أخمَصك الحشر

تَرَدّى ثياب الموت حمراً فما أتى      لها الليلُ إلا وهي من سُنْدسٍ خُضْرِ

117


93

الدرس العاشر: الحقيقةُ والمجازُ - المجاز اللغوي

 "مات" الأولى ولكنَّ الشَّاعر يقولُ: إنَّ مضربَ السَّيفِ قَد مَاتَ, ومضربُ السَّيفِ جمادٌ لَا حياةَ فيهِ, فكيفَ يصيرُ ميتاً؟ ألَا نَرَى أنَّ استعمالَ لفظةِ "مات" الثانية فِي السَّيفِ هُوَ استعمالٌ فِي غيرِ مَا وضعَ لهُ لوجودِ علاقةٍ هِيَ المشابهةُ بَينَ اللفظتينِ حيثُ إنَّ مَا قصدَه الشَّاعرُ بموتِ السَّيفِ هُوَ انكسارُهُ وعدمُ النَّفعِ منهُ فَهُو كالميِّت, ولكنْ كيفَ عرفْنَا أنَّ اللفظَةَ استُعمِلَتْ في غيرِ معناهَا الحقيقيّ ومَا الَّذي دلَّنَا عَلَى ذَلكَ؟ إنَّها كلمةُ "مضربُ سيفه" فهي قرينةٌ تدلُّ على أنَّ المعنَى المرادَ في "مات" الثانية ليسَ المعنَى الحقيقيَ للموتِ وتُسمَّى هَذِهِ القرينةُ لفظيةً.

 

 

يقولُ المتنبِّي حينَمَا رَأَى مطراً يهطلُ على سيفِ الدولةِ[1]

لِعَيني كُلَّ يَومٍ مِنكَ حَظٌّ                تَحَيَّرُ مِنهُ في أَمرٍ عُجابِ[2]

حِمالَةُ ذا الحُسامِ عَلى حُسامٍ           وَمَوقِعُ ذا السَحابِ عَلى سَحابِ[3]

 

نستطيعُ بعدَ الأمثلةِ الَّتي ذكرنَاهَا أنْ ندركَ في البيتِ الثانِي للمتنبّي أنَّ كلمةَ "حسام" الثانيةَ استُعملتْ في غيرِ معناهَا الحقيقيّ لعلاقةِ المشابهةِ بينَ سيفِ الدولةِ والحسامِ فِي تَحمُّلِ الأَخطارِ. إلَّا أنَّ الفارقَ أنَّه في الأمثلةِ السابقةِ كانتْ القرينةُ الدالّةُ على عدمِ إرادةِ المَعنَى الحقيقيّ لفظيةً إلَّا أنَّ القرينةَ هنا تُفهمُ مِنَ المقامِ, فهي حالِيّةٌ، وكذلكَ الحالُ في كلمةِ "سحاب" الأَخيرة فإِنَّها استُعملتْ لتدلَّ على سيفِ الدولةِ لعلاقةِ المشابهةِ بينه وبينَ السَّحابِ في الكرمِ، والقرينةُ حالِيَّةٌ أيضاً[4].



[1] علي بن عبد الله بن حَمْدان التغلبيّ الربعيّ، أبو الحسن، سيف الدولة الأمير، صاحب المتنبي وممدوحه. 303 - 356 هـ / 915 - 967 م، يقال: لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ العلم ونجوم الدهر! ولد في ميافارقين (بديار بكر)، ونشأ شجاعاً مهذباً عالي الهمة.وملك واسطاً وما جاورها، ومال إلى الشام فامتلك دمشق، وعاد إلى حلب فملكها سنة 333هـ، وتوفي فيها، ودفن في ميافارقين.

[2]  تَحَيَّرَ: أصلها تتحير حذفت منها إحدى التاءين. يقول كل يوم ترى عيني منك شيئاً عجيباً تتحير منه.

[3]  الحِمَالة التي يحمل بها السيف وهي المحمل - أيضاً - يقول سيف حمل سيفا وسحاب يمطر على سحاب هذا هو العجاب.

[4] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص (بتصرّف)

118


94

الدرس العاشر: الحقيقةُ والمجازُ - المجاز اللغوي

 ومما ذكرنا يتَّضحُ أنَّ الكلماتِ: شمسٌ، وماتَ، وحُسامٌ، وسحابٌ،استُعملت في غير معناها الحقيقيّ لعلاقةٍ وارتباطٍ بين المعنى الحقيقيّ والمعنى العارضِ. وتسمَّى كلُّ كلمة من هذه مجازاً لغويًّا.

 

 

القواعد الرئيسة

المَجَازُ اللّغَويُّ: هُوَ اللفظُ المُسْتعْمَلُ في غير ما وُضِعَ لَه لِعَلاقة مع قَرينةٍ مانِعةٍ مِنْ إِرادَةِ المعْنَى الحقيقي. والعَلاقةُ بَيْنَ الْمَعْنَى الحقيقي والمعنى المجازيِّ قدْ تكونُ المُشَابَهةَ، وقد تكونُ غيرَها، والقَرينَةُ قد تكونُ لفظيةً وقد تكونُ حَالِيَّةً.

 

 

تمارين

في الأبيات الآتيات كلمات متكررة أو مثنّاة أو مجموعة بعضها أو بعض أفرادها مجاز وبعضها حقيقية,بيَّنِ المجاز مع ذكر العلاقةِ والقرينةِ لفظيةً أَو حاليَّةً.

 

- قال أبو الطيب حين مرض بالحمَّى بمصر:

فإنْ أمرَضْ فما مَرِضَ اصْطِباري         وَإنْ أُحْمَمْ فَمَا حُمَّ اعتزَامي

 

وقال حينما أنْذر السحابُ بالمطر وكان مع ممدوحه:

تَعَرّضَ لي السّحابُ وقد قَفَلْنا               فقُلتُ إليكَ إنّ مَعي السّحابَا

 

- وقال آخر:

119


95

الدرس العاشر: الحقيقةُ والمجازُ - المجاز اللغوي

 بِلادي وإِنْ جارتْ على عزِيزهٌ             وقومي وإنْ ضَنُّوا عليَّ كِرامُ

 

- قال المتنبي في المديح:

فيَوْماً بخَيْلٍ تَطْرُدُ الرّومَ عنهُمُ              وَيَوْماً بجُودٍ تطرُدُ الفقرَ وَالجَدْبَا

 

- وقال أيضاً:

فَلا زَالَتِ الشّمسُ التي في سَمَائِهِ          مُطالِعَةَ الشّمسِ التي في لِثَامِهِ

 

- وقال أيضاً:

عَيْبٌ عَلَيكَ تُرَى بسَيفٍ في الوَغى        مَا يَصْنَعُ الصّمْصَامُ بالصّمصَامِ

 

- وقال أيضاً:

إذا اعتلَّ سيفُ الدوْلةِ اعتلّتِ الأرْضُ     وَمَنْ فوْقَها والبأسُ وَالكرَمُ المَحضُ

 

- وقال يَرثي أخت سيف الدولة:

فَلَيْتَ طالِعَةَ الشّمْسَينِ غَائِبَةٌ               وَلَيتَ غائِبَةَ الشّمْسَينِ لم تَغِبِ

 

- قال الشاعر:

وَقدْ نَظَرتْ بدْرُ الدُّجَى ورأَيْتُهَا           فَكان كِلانا ناظِرًا وَحْدَه بَدْرَا

 

- قال المتنبي:

نَشَرَتْ ثَلاثَ ذَوائِبٍ من شَعْرِها          في لَيْلَةٍ فَأرَتْ لَيَاليَ أرْبَعَا

 

- قال المتنبي:

واستَقْبَلَتْ قَمَرَ السّماءِ بوَجْهِها           فأرَتْنيَ القَمَرَينِ في وقْتٍ مَعَا

120


96

الدرس العاشر: الحقيقةُ والمجازُ - المجاز اللغوي

 للمطالعة

 

من شعرائنا: الشيخ محمد نجيب مروة [1]

الشيخ محمّد نجيب مروة ابن الشيخ باقر ابن الشيخ محمّد حسين الشهير بالحافظ. ولد في قرية الزرارية حوالي سنة 1299 وتوفي سنة 1376 هـ. في قرية عيثا الزط (الجبل) من جبل عامل ودفن فيها. نشأ وترعرع في قرية سلعا العامليّة، فما دخل مدرسة ولا قرأ عند معلّم، غير أنّ والدته عّلمته مبادئ القراءة والكتابة، أمّا والده فكان مشغولاً عنه بأسفاره الكثيرة، ولمّا شبّ تتبّع الكتب والشيوخ، فأتقن اللغة وقواعدها، وسلك طريق الشعر الفُكَاهِيَ حتّى غدا علماً فيه. ولقد كان محدّثاً طلق اللسان وراويةً مُتْقِناً يحفظ الكثير من الأخبار والنوادر، ويرويها بأسلوب شيّق ما جعل الناس على اختلاف طبقاتهم يتشوّقون إلى مجالسته ويتسابقون إلى الاستمتاع بأحاديثه وأشعاره، على أنّه في مواقف الجدّ يكون في شعره جادّاً صارماً كما سترى في قصيدته الفلسطينية الميميّة الآتية، وفي هذه الأبيات الّتي نظمها إبان اشتداد المظالم التركية في الحرب العامّة الأولى مخاطباً العرب:

ألا فليُفِقْ بعد الرُّقَادِ وينثني               إلى الحرب من غلمانِكَمْ كلّ نائمِ

فحتّى متى هذا القعودُ وقد سقت        بنو الترك من أَوْدَاجِكُم كلّ صَارِمِ

 

وله أيضاً:

لعمري لو جلست مكان شوقي         لفاض الشعر من تحتي وفوقي

ولكنَّ النوائب فوق طوقي              تكلّفني فتسلبني الشعورا




[1] السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج 9، ص 214.

121


97

الدرس العاشر: الحقيقةُ والمجازُ - المجاز اللغوي

 ومن طرائفه قوله[1]:

رُبَّ شيخٍ قد غدا مُفْتَتِناً                  بفتاةٍ عقلُهُ منها انبَهَرْ

قد حكتْ سُمْرَ القنا قامَتُهَا              صاحَ لكنْ عقلُهَا يشكو القِصَرْ

وإذا أبصرْتَهَا يوماً ترى                   جسمَهَا أشبَهُ شيءٍ بالبقرْ

قد رَمَتْهُ بسهامِ اللحْظِ من               مقلةٍ حَوْلَا كميزانِ الجَزَرْ

ليتَ شِعرِيْ ما الّذي قد شاقَهُ           عندها حتّى رآها كالقَمَرْ

سألتْهَا البعضُ من جاراتِهَا               أتحبّينَ "عَلِيْ" قالت: "فَشَرْ"

 




[1] "فشر": لغة عامية، ومعناها "خابَ".

122


98

الدرس الحادي عشر: الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ

  

الدرس الحادي عشر: الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ

 

 

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى الاستعارة بقسميها.

2- أن يميّز بين الاستعارة التصريحية والمكنية.

3- أن يتعرّف إلى بلاغة الاستعارة المكنية وجمالها.

123


99

الدرس الحادي عشر: الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ

 الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ:

 

تعريفُهَا: الاستعارةُ لغةً: مِن قولهِم، استعارَ المالَ: إذا طلبَه عاريةً.

 

الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ هي استعمالُ اللفظُ في غيرِ مَا وُضِعَ لَهُ لعلاقةِ المشابهةِ بَينَ المَعنَى الحقيقي والمعنى المستعملِ فيهِ، مع قرينةٍ صارفةٍ عن إرادةِ المعنَى الأصليِّ.

 

ومعنى تصريحية أي مصرح فيها بلفظ المشبه به الذي استعمل في المشبه وأريد به المشبه، ومعنى مكنية أي مخفي فيها لفظ المشبه به استغناء بذكر شيء من لوازمه، فلم يذكر فيها من أركان التشبيه سوى المشبه.

 

وقد سبقَ أنَّ التشبيهَ أولُ طريقةٍ دلتْ عليها الطبيعةُ، لإيضاحِ أمرٍ يجهلُه المخاطبُ، بذكر شيءٍ آخر، معروفٍ عندَه، ليقيسَه عليه، وقد نتجَ من هذه الطريقة، طريقة أخرى في تراكيبِ الكلامِ، تَرى فِيهَا ذكرَ المشبَّهِ به أو المشبَّهِ فقط[1] وترى الاستعارة تشبيهاً حذف أحد طرفيه.

 

وتُسمَّى هذه بـ "الاستعارةِ"، وقد جاءتْ هذه التراكيبُ المشتملةُ عَلَى الاستعارةِ




[1] فالاستعارةُ ليست إلا تشبيهاً مختصراً، لكنها أبلغُ منهُ كقولك: رأيتُ أسداً في المدرسةِ، فأصلُ هذه الاستعارةِ "رأيتُ رجلا ًشجاعاً كالأسدِ في المدرسةِ" فحذفتَ المشبهَّ " لفظُ رجلٍ" وحذفتَ الأداةَ ــ الكاف - وحذفتَ وجهَ الشبهِ "الشجاعةَ" وألحقتهُ بقرينةٍ "المدرسةِ" لتدلَّ على أنكَ تريدُ بالأسدِ شجاعاً.

125


100

الدرس الحادي عشر: الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ

 أبلغَ مِن تراكيبِ التشبيهِ، وأشدَّ وقعاً في نفسِ المخاطَبِ, لأنَّه كلَّمَا كانَتْ داعيةً إِلَى التحليقِ في سماءِ الخَيَالِ، كانَ وقعُها في النفسِ أشدَّ، ومنزلتُها في البلاغةِ أعلَى.

 

وما يبتكرُهُ أُمراءُ الكلامِ من أنواع ِصور الاستعارةِ البديعةِ، الّتي تأخذُ بمجامعِ الأفئدةِ، وتملكُ على القارئ والسامعِ لبَّهما وعواطفهُما هو سرُّ بلاغةِ الاستعارةِ.

 

فمنَ الصورِ المجملةِ الّتي عليها طابعُ الابتكار وروعةُ الجمالِ قولُ أمير المؤمنين عليه السلام:

"أَيُّهَا النَّاسُ: لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَ جُوعُهَا طَوِيلٌ. أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَ السُّخْطُ، وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا، فَقَالَ - سُبْحَانَهُ -: "فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ.."[1].

 

نَأخُذُ مِنْ كلامِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام استعمالَه لفظَةَ المائِدةِ استعمالاً مجازياً, فإنَّ المرادَ مِنَ المَائِدَةِ "الدنيا"، والعلاقَةُ بينهُمَا هِيَ المشابَهَةُ والقَرٍينَةُ لفظيةٌ[2]. وإذَا تَأَمَّلنَا هَذَا المَجَازَ، رَأيْنَا أنَّه تضمَّن تشبيهاً حُذِف منْهُ لفظُ المشبَّهِ "الدنيا"، واستُعِيرَ له لَفْظُ المشبَّهِ بهِ "المائدة" ليقومَ مقامَه بادِّعاءِ أنَّ المشبَّهَ بِهِ هُوَ عَينُ المشبَّهِ، وهَذَا أبعدُ مدىً فِي البَلاغَةِ، وأدخَلُ في المُبالَغَةِ، ويُسمَّى هَذَا المجازُ "استعارةً"، ولمَّا كانَ المشبَّهُ بِهِ مصرّحاً بِهِ فِي هَذَا المَجَازِ سمّيَ استعارةً تصريحيةً.

 

ومن كلام لأمير المؤمنين عليه السلام "..فَاتَّعِظُوا - عِبَادَ اللهِ - بِالْعِبَرِ النَّوَافِعِ، وَاعْتَبِرُوا بِالْآيِ السَّوَاطِعِ، وَازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوَالِغِ، وَانْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ




[1] نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام ج2، ص181.

[2] مر معنى ذلك في درس المجاز.

126


101

الدرس الحادي عشر: الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ

 وَالْمَوَاعِظِ، فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ.."[1].

 

حيثُ إنَّ المَنِيّةَ لَا مَخَالِبَ لَهَا, فيَعنِي أنَّ هَذَا الَّلفظَ استُعمِلَ فِي غيرِ معنَاه الحقيقيّ لعلاقةٍ هِي المشابهةُ كذلكَ, وبقرينةٍ لفظيَّةٍ, اذاً فَهُوَ مَجَازٌ, وقَدْ شُبِّهتْ فيهِ المنيةُ بالمفترِسِ بجامعٍ القَتلِ، فإنَّ الَّذي يُفهَمُ منهُ أَنْ يشبِّه المنيةَ بالوحشِ المفترِسِ، فأَصلُ الكلامِ قَد علقتْكُم المنيَّةُ كالوحشِ ينهشُكُم بمخالِبِهِ، ثمَّ حُذِفَ المشبّهُ بِهِ فصَارَ "قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ"، على تخيُّلِ أنَّ المنيةَ قَد تمثَّلتْ فِي صورةِ وحشٍ قاتِلٍ ذي مخالبٍ، ورُمزَ للمشبَّهِ بهِ المحذوفِ بشيءٍ مِنْ لَوازِمِهِ وهُوَ "مخالبُها"، ولمَّا كانَ المشبَّهُ بِهِ فِي هَذِهِ الاستعارةِ محْتجَباً سُمِّيت "استعارة ًمكنيةً"، ومثلُ ذَلكَ يُقَالُ فِي هَذَا البيتِ مِنَ الشِّعرِ:

وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها       أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ[2]

 

فقد شبَّهَ المنيةَ، بالسَّبُعِ، بجامعِ الاغتيالِ في كلٍّ، واستعارَ السَّبُعَ للمنيةِ وحذفَه، ورمزَ إليه بشيءٍ من لوازمهِ، وهو الأظفارُ على طريق الاستعارةِ المكنيةِ.



[1] نهج البلاغة,خطب الامام علي عليه السلام ج1، ص 148.

[2] أبو ذُؤَيب الهذلي 27 هـ / 648 م خُوَيلد بن خالد بن محرِّث أبو ذُؤيب من بني هُذَيل بن مُدْرِكَةَ المُضَرِيّ. شاعر فحل، مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وسكن المدينة واشترك في الغزو والفتوح، وعاش إلى أيام عثمان فخرج في جند عبد الله بن سعد بن أبي السرح إلى إفريقية سنة (26 هـ) غازياً.

فشهد فتح إفريقية وعاد مع عبد الله بن الزبير وجماعة يحملون بشرى الفتح إلى عثمان، فلما كانوا بمصر مات أبو ذؤيب فيها.

وقيل مات بإفريقية.

أشهر شعره عينية رثى بها خمسة أبناء له أصيبوا بالطاعون في عام واحد مطلعها:

"أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تتوجّعُ".

قال البغدادي: هو أشعر هذيل من غير مدافعة. وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة وفاته، فأدركه وهو مسجّى وشهد دفنه.

له (ديوان أبي ذؤيب).

127


102

الدرس الحادي عشر: الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ

 القواعد الرئيسة

الاسْتِعارَةُ مِنَ المجاز اللّغَويَّ، وهيَ تَشْبيهٌ حُذِفَ أحَدُ طَرفَيْهِ، فَعلاقتها المشابهةُ دائماً، وهي قسمانِ:

1- تَصْريحيّةٌ، وهي ما صُرِّحَ فيها بلَفظِ المشبَّه بهِ.

2- مَكنِيَّةٌ، وهي ما حُذِفَ فيها المشَبَّهُ بهِ ورُمِزَ لهُ بشيء مِنْ لوازمه.

 

128


103

الدرس الحادي عشر: الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ

 تمارين

1- عيِّنِ التصريحيةَ والمكنيةَ من الاستعارات الآتية مع بيان السبب:

قال دعبِل الخُزَاعِيُّ:

لا تَعجَبي يا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ        ضحكَ المشيبُ برأسهِ فبكى

 

قال الشاعر:

وإِذا السعادةُ لاحظتْك عيونُها     نَمْ فالمخاوِفُ كلُّهُنَّ أَمانُ

 

قال المتنبي يَصِفُ دخول رسولِ الرّوم على سيف الدولة:

وَأقْبَلَ يَمشِي في البِساطِ فَما درَى إلى البَحرِ يَسعَى أمْ إلى البَدْرِ يرْتَقي

 

وقال تعالى على لسان زكريا عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا[1].

 

وقال البحتري:

فَمَا قَاتَلَتْ عَنْهُ المَنَايَا جُنُودُهُ             وَلاَ دَافَعَتْ أمْلاَكُهُ وَذَخَائِرُهْ

 

2- ضع الأسماء الآتية في جمل بحيث يكون كلُّ منها استعارة تصريحية مرة، ومكنية أخرى:

الشمس - البلبل - البحر - الأزهار - البرق.




[1]  سورة مريم، الآية:4.

129


104

الدرس الحادي عشر: الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ

 للمطالعة

 

بلاغةُ الاستعارةِ[1]:

سبق لك أَنَّ بلاغة التشبيه آتيةٌ من ناحيتين: الأُولى تأْليف أَلفاظه، والثانية ابتكار مشبَّه به بعيد عن الأَذهان، لا يجولُ إِلّا في نفس أديبٍ وهب الله له استعدادًا سليماً في تعرُّف وجوه الشَّبه الدقيقة بين الأَشياء، وأودعه قدْرةً على ربْطِ المعاني وتوليدِ بعضها من بعض إلى مدىً بعيدٍ لا يكاد ينتهي.

 

وسرُّ بلاغة الاستعارة لا يتعدَّى هاتين الناحيتين، فبلاغتها من ناحية اللفظ، أنَّ تركيبها يدلّ على تناسي التشبيه، ويحمْلُكَ عمدًا على تخيُّل صورة جديدة تُنْسيك رَوْعَتُها ما تضمَّنه الكلام من تشبيه خفيٍّ مستور.

 

انظر إِلى قول البُحْتُرِيِّ في الفتح بن خاقان:

يَسمُو بكَفٍّ، على العافينَ، حانيَةٍ             تَهمي، وَطَرْفٍ إلى العَلياءِ طَمّاحِ

 

ألستَ ترى كفَّه وقد تمثَّلتْ في صورة سحابةٍ هتَّانةٍ تصُبُّ وَبْلَهَا على العافينَ السائلين، وأنَّ هذه الصورة قد تملّكتْ عليك مشاعرك، فأذْهلتْكَ عمّا اختبأَ في الكلام من تشبيه؟

 

وأمَّا بلاغةُ الاستعارة من حيثُ الابتكارُ ورَوْعَة الخيال، وما تحدثه من أثرٍ في نفوس سامعيها، فمجالٌ فسيحٌ للإبداع، وميدانٌ لتسابق المُجِيدين من فُرسان الكلام.

 

انظر إلى قوله - عزَّ شأْنه - في وصف النار: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ[2]، ترتسمْ أمامك النار في صورة مخلوقِ




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 95 - 96.

[2] سورة الملك، الآية: 8.

130


105

الدرس الحادي عشر: الاستعارةُ التصريحيةُ والْمَكنيَّةُ

 ضَخْمٍ بطَّاشٍ مُكْفَهِرِّ الوجه عابسٍ يغلي صدرُه حقدًا وغيظاً.

 

ثمّ انظر إلى قول أبي العتاهية في تهنئةِ المهديِّ بالخلافة:

أتتْهُ الخِلاَفَةُ مُنْقادَةً    إلَيْهِ تُجَرِّرُ أذْيالَها

 

تجدْ أنَّ الخِلافة غادةٌ هيفاءُ مُدَلَّلَة مَلُولٌ فُتِنَ الناس بها جميعاً، وهي تأْبى عليهم وتصدُّ إِعراضاً، ولكنها تأْتي للمهدي طائعة في دلال وجمال تجرُّ أَذيالها ذلاً وخفرًا.

 

هذه صورة لا شكّ رائعة أَبْدع أَبو العتاهية في تصويرها، وستبقى حُلوة في الأسماع حبيبةً إِلى النفوس ما بقي الزمان".

 

وانظر إلى قول الشريف الرَّضِيِّ في الودَاع:

نَسرِقُ الدّمعَ في الجُيوبِ حَياءً     وَبِنَا مَا بِنَا مِنَ الأشواقِ

 

هو يسرق الدمع حتّى لا يُوصمَ بالضعف والخَور ساعةَ الوداع، وقد كان يستطيع أن يقول: "نَستُر الدمع في الجيوب حياءً", ولكنّه يريد أن يسمو إِلى نهاية المُرْتقَى في سحر البيان، فإنَّ الكلمة "نسْرِقُ" ترسُم في خيالك صورةً لشدّة خوفه أَنْ يظهر فيه أثرٌ للضعف، ولمهارته وسرعته في إِخفاء الدمع عن عيون الرقباء.

131


106

الدرس الثاني عشر: الاستعارة التمثيلية

  

الدرس الثاني عشر: الاستعارة التمثيلية

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى الاستعارة التمثيلية.

2- أن يُحسن استخدام الاستعارة التمثيلية.

133


107

الدرس الثاني عشر: الاستعارة التمثيلية

 الاستعارة التمثيلية:

يقسّم البلاغيون الإستعارة من جهة الإفراد والتركيب إلى قسمين: مفردة، ومركبة.

 

الاستعارة المفردة: وهي ما كان المستعار فيها لفظاً مفرداً، كما هو الحال في الإستعارة التصريحية والمكنيّة، وقد سبقت الإشارة إليهما.

 

الاستعارة (المركبة) التمثيلية: وهي ما كان المستعار فيها مثلاً، أو تركيباً، استعمل في غير ما وضع له مع وجود علاقة مشابهة بين المستعار منه والمستعار له. وهذا النوع من الاستعارة فيه روائع التعبير الفني يستخدمه الأديب عن طريق قول مأثور، أو حكمة، أو مثل مضروب.

 

تأمّل الأمثلة التالية:

قال الله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ[1].

 

قال المتنبي:

إذا رأيتَ نيُوب الليث بارزةً        فلا تظنَّنَّ أنّ الليثَ يبتسمُ




[1] سورة الحشر، الآية: 2.

135


108

الدرس الثاني عشر: الاستعارة التمثيلية

 قال الشاعر:

أُعلّمه الرِّماية كلَّ يومٍ         فلما اشتدَّ ساعدُه رماني

 

روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يلدغ المؤمن من جُحرٍ مرتين"[1].

 

جاء في المثل: "لكلّ جواد كبوة، ولكل صارم نبوة".

 

بالتأمّل بالأمثلة السابقة، تجد أنّ كلّاً منها يتّصل بمناسبة خاصة بعينها، يرتبط بها ارتباطاً وثيقاً، بحيث يصبح كل مقال ومناسبته، كطرفي التشبيه، لا تتم المشابهة إلا بهما.

 

وليس من الضروري أن تعرف المناسبة التي يرتبط بها المثال، فمعناه يفرض عليك المناسبة التي يمكنك أن تربطه بها.

 

ففي الآية الكريمة، في المثال الأول ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ﴾، هؤلاء هم اليهود، الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجلاء عن المدينة، فصاروا يخربون بيوتهم قبل الخروج منها، ولكن هذا التعبير يمكن أن يطلق على كلِّ حالة تشبه الحالة التي قيل فيها لأوّل مرة، فمثلاً، ربُّ الأُسرة، الذي يبذّر أمواله فيما لا نفع فيه لأسرته، ويترك ما فيه تربيتهم وسعادتهم, تقول عنه ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ﴾، والطالب الذي يهمل دروسه ويشغل نفسه باللّعب، ويهمل القيام بواجباته، تقول عنه: "يخربون بيوتهم بأيديهم" كأنّما صارت العبارة مثلاً يطلق على كل حالة تشبه الحالة التي قيل فيها من قبل، فالتعبير يشبّه حالاً بحال، حال من يهمل دروسه، أو من يترك تدبير شؤون أُسرته، بحال من يخرب بيته بيده، فالتعبير إذاً مجازي، وقد نقل التركيب الدال على المشبّه به للمشبّه على سبيل الاستعارة، والعلاقة بين الطرفين هي المشابهة، ولكنّ أحد الحالين محذوف دائماً، ولأنّها




[1] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج110، ص 10.

136


109

الدرس الثاني عشر: الاستعارة التمثيلية

 حالاً بحالة سمّيت (الاستعارة تمثيلية)، مع قرينة حالية تفهم من السياق مانعة من إرادة المعنى الأصلي.

 

وفي المثال الثاني: يقول المتنبي: إذا رأيت الأسد، فاغر الفم، بارز الأنياب، فلا تظنَّ أنه يبتسم لك، فلو ظننت ذلك، فأنت مقضيٌ عليك، وهذا المعنى تُشبّه به حال من يخدعك مظهره عن حقيقة أمره، وعندئذٍ يكون استعمال اللّيث في مثل هذه الحال مجازاً، وقد نقل التركيب الدال على المشبّه به، للمشبّه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والعلاقة بين الطرفين المشابهة، وهي ظهور الأنياب لغير الضحك، والقرينة حالية.

 

وفي المثال الثالث: يقول الشاعر: إنّه يعلّم الرماية بالسهام لمن يتوقع معاونته والوقوف إلى جانبه، ولكن ما إنْ أتْقَنْ هذا التلميذ الجاحد الرماية حتى وجه سهامه إلى معلمه، ويقال هذا المعنى حينما يريد أن يشبّه حال مَن يأخذ بيد إنسان ويعلمه ويدرّبه على أمور تنفعه في حياته، فلا يلبث أن ينقلب عليه مستخدماً ما تعلّمه في الكيد لأُستاذه وولي نعمته.

 

والعلاقة بين الطرفين هي المشابهة كما هو واضح.

 

وانظر في المثال الرابع: الحديث الشريف، تجده سار مسار الأمثال، فقد شبهت به حال من يخطئ مرة، ويستفيد من هذا الخطأ، فلا يعود ثانية إليه، بحال المؤمن الذي لدغ مرة من ثعبان مختبئ في حجره فلم يَعُد يقترب من الجحر أو من غيره ثانية، فتقول لهذا الإنسان: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. والحديث لا يريد هذا المعنى بل قصد المعنى المجازي الذي بيّناه.

 

ولاحظ المثلين المشهورين في المثال الخامس (لكلّ جواد كبوة، ولكلّ صارم نبوة) يضربان لتصوير حال من يصدر منه الخطأ بالرغم منه في مجال غير معروف عنه الخطأ فيه، فهو كالجواد الأصيل الذي تعوّد الجري والسبق وربما

137


110

الدرس الثاني عشر: الاستعارة التمثيلية

 أتى عليه يوم فتعثَّر، أو هو كالسيف القاطع ربما يأتي عليه يوم فينبو ويكلّ عن القطع.

 

فكلُّ مثلٍ هو (استعارة تمثيلية). وذلك لاستعارة الصورة المركبة للمشبّه به ونقلها إلى المشبّه. والقرينة الحالية تمنعك من أنْ تظنَّ أنّ التعبير يعني حقيقةً أنّ الحصان كبا أو أنّ السيف نبا. وتدرك أنّه مثلٌ فقط للحال الذي تشاهده.

 

القاعدة:

1- الاستعارة التمثيلية: تركيب لغوي من قول مأثور، أو حكمة، أو مثل استعمل في غير ما وضع له، مع وجود علاقة مشابهة بين المستعار منه والمستعار له.

 

2- لا بدّ في الاستعارات بأنواعها من وجود قرينة (حالية أو مقالية) مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.

 

3- ملاحظة: هناك أنواع أُخرى من الاستعارة أعرضنا عنها, لغرض التركيز على أشهرها، وأكثرها نفعاً واستخداماً.

138


111

الدرس الثاني عشر: الاستعارة التمثيلية

 القواعد الرئيسة

1- الاستعارة التمثيلية هي ما كان المستعار فيهما مثلاً، أو تركيباً استعمل في غير ما وضع له مع وجود علاقة مشابهة.

2- لا بدّ في الاستعارة التمثيلية من وجود قرينة حالية أو مقالية مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.

 

 

تمارين

افرض حالاً، تجْعَلُها مشبهاً لكُل من التراكيب الآتية، ثم أجرِ الاستعارة في ثلاثة تراكيب.

1- إنَّك لا تَجْني من الشَّوْكِ العنبَ.

2- يبتغي الصَّيْدَ في عرِّيسَة الأسد[1].

3- أخذ القوْسَ باريها.

4- استسمنت ذا ورم.

5- أنت تضرب في حديد بارد.

6- هو يبني قصوراً بغير أساس.

7- المورد العذب كثير الزحام.

8- اعقلها وتوكل[2].



[1] العريسة: مأوى الأسد.ل

[2]  الضمير في اعقلها يعود على الناقة: أي قيدها ثم توكل على الله، أمّا أنْ تتركها بلا عقال ثم تتوكل على الله في حفظها فلا يجوز.

139


112

الدرس الثاني عشر: الاستعارة التمثيلية

 9- أنت تحصد ا زرعت.

 

10- ألق دلوك في الدِّلاء

 

بيِّن نوع كلّ إستعارة من الإستعارات الآتية وأجرها:

قال المتنبي:

غاض الوفاء فما تلقاهُ في عِدّة ٍ           وأَعْوز الصّدقُ في الأخبار والقسمِ[1]

 

قال البحتري:

إذا ما الجرحُ رُمَّ على فَساد ٍ               تبيّن فيه إهمال الطّيبِ[2]

 

وقال الشاعر:

متى يبلغُ البنيانُ يوماً تمامَهُ                إذا كنت تبنِيهِ وغيرُكَ يهدمُ

 

وقال تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾[3].

 

وقال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا[4].

 

وَمَنْ مَلك البلاد بغير حرْبٍ          يهونُ علَيْه تسليمُ البلاد



[1] غاض الماء: قل ونقص، واعدة: الوعد. وأعوز: عز وقل.

[2] رم الجرح: أصلح وعولج.

[3] سورة الفاتحة، الآية: 6.

[4] سورة الكهف، الآية: 99.

140


113

الدرس الثاني عشر: الاستعارة التمثيلية

 للمطالعة

 

من شعرائنا: الشاعر العبدي الكوفي

وهو أبو محمَّد سفيان بن مصعب العبدي الكوفي. من شعراء أهل البيت الطاهرين، المتزلِّفين إليهم بولائه وشعره، المقبولين عندهم لصدق نيَّته وانقطاعِهِ إليهم، وقد تضمّن شعره غير يسيرٍ من مناقب مولانا أمير المؤمنين الشَّهيرة، وأكثرَ من مدحِه ومدحِ ذريَّته الأطيبين وأطاب، وتفجَّع على مصائبهم ورثاهم على ما انتابهم من المحن، ولم نجدْ في غير آلِ الله له شعراً. استنشده الإمام الصادق صلوات الله عليه شعره كما في رواية ثقة الإسلام الشيخ الكليني، بإسناده عن أبي داود المسترقّ عنه قال: "دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: قولوا لأم فروة: تجيءُ فتسمع ما صنع بجدها.

 

قال: فجاءت فقعدت خلف الستر ثم قال: فأنشدنا. قال: فقلت: فر وجودي بدمعك المسكوب.

 

قال: فصاحت وصحن النساء.

 

عده شيخ الطايفة في رجاله من أصحاب الإمام الصادق ولم يك صحبته مجرد ألفة معه، أو محض اختلاف إليه، أو أن عصرا واحدا يجمعهما لكنه حظي بزلفة عنده منبعثة عن صميم الود وخالص الولاء، وإيمان لا يشوبه أي شائبة حتى أمرالإمام عليه السلام شيعته بتعليم شعره أولادهم وقال: إنه على دين الله. كما رواه الكشي في رجاله بإسناده عن سماعة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا معشر الشيعة علموا أولادكم شعر العبدي فإنه على دين الله.

 

وينم عن صدق لهجته، واستقامة طريقته في شعره، وسلامة معانيه عن أي مغمز، أمر الإمام عليه السلام إياه بنظم ما تنوح به النساء في المأتم كما رواه الكشي في رجاله (ص 254). وكان يأخذ الحديث عن الصادق عليه السلام في مناقب العترة

141


114

الدرس الثاني عشر: الاستعارة التمثيلية

 الطاهرة فينظمه في الحال ثم يعرضه عليه كما رواه ابن عياش في "مقتضب الأثر" عن أحمد بن زياد الهمداني قال: حدثني علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حدثني أبي عن الحسن بن علي سجاده عن أبان بن عمر ختن آل ميثم قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه سفيان بن مصعب العبدي قال: جعلني الله فداك ما تقول في قوله تعالى ذكره: وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم؟! قال: هم الأوصياء من آل محمد الإثني عشر لا يعرف الله إلا من عرفهم وعرفوه. قال: فما الأعراف جعلت فداك؟! قال: كتائب من مسك عليها رسول الله والأوصياء يعرفون كلا بسيماهم. فقال سفيان: أفلا أقول في ذلك شيئا؟! فقال من قصيدة:

أيا ربعهم هل فيك لي اليوم مَربعُ؟!     وهلْ لليالٍ كُنَّ لي فيكَ مرجعُ؟!

 

يقول فيها:

وأنتم ولاةُ الحشرِ والنشرِ والجزاءِ         وأنتمْ ليومِ المفزعِ الهولِ مفزعُ

وأنتم على الأعراف وهي كثائب        من المسك ريّاها بكم يتضوّعُ

ثمانيةٌ بالعرش إذ يحملونه ومن           بعدهم في الأرض هادون أربعُ

 

إن الواقف على شعر شاعرنا (العبدي) وما فيه من الجودة. والجزالة. والسهولة. والعذوبة. والفخامة. والحلاوة. والمتانة. يشهد بنبوغه في الشعر، وتضلعه في فنونه، ويعترف له بالتقدم والبروز[1].

 




[1] الشيخ الأميني، الغدير، ج2، ص 294، الناشر دار الكتاب العربي - بيروت، لاد، 1977م، ترجمة العبدي الكوفي.

142


115

الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 

 

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى المجاز المرسل.

2- أن يدرك علاقات المجاز المرسل.

3- أن يحسن استخدام المجاز المرسل.

143


116

الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 المجازُ المرسلُ:

عرفْنَا فيما مضَى أنَّ المجازَ الّلغويّ، إمّا أن تكون علاقته المشابهة فهو الاستعارة، وإمّا أن تكون علاقته غير المشابهة فهو المجاز:

 

يقولُ المتنبّي:

لَـهُ أَيـادٍ إِلَيَّ سابِـقَةٌ     أُعَـدُّ مِنها وَلا أُعَـدِّدُهـا

 

انظرْ إِلى الكلمةِ "أيادٍ" فِي قولِ المتنبّي, أَتَظُنُّ أنَّه أَرادَ بها الأياديَ الحقيقيّةَ؟ لَا. إِنَّه يُريدُ بِهَا النِّعَمَ، فكَلِمَةُ أَيادٍ هنَا مجازٌ، ولكنْ هلْ تَرَى بَينَ الأَيدي والنِّعَمِ مشابهةً؟ لَا. فَمَا العلاقَةُ إِذاً, بَعدَ أَنْ عَرَفْتَ فِيمَا سَبَقَ مِنَ الدُّروسِ أَنَّ لكلِّ مجازٍ علاقةً، وأَنَّ العربيَّ لا يُرسل كلمةً في غيرِ معنَاهَا إِلَّا بَعْدَ وجودِ صلةٍ وعلاقةٍ بَينَ المعنيين؟ تأَمَّلْ تجدْ أَنَّ اليَدَ الحقيقيّةَ هِيَ الَّتي تَمنحُ النِّعَمَ, فهيَ سببٌ فِيهَا، فالعلاقة - إِذاً- السببيةُ، وهَذَا كَثيرٌ شائِعٌ فِي لُغَةِ العَرَبِ[1].

 

1- يقولُ اللهُ - تَعَالَى -: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ[2].

 

مَا الَّذي يُنزِّلُهُ - تَعَالَى - مِنَ السَّماءِ عَلَى عِبَادِهِ حقيقةً؟ الرزقُ أمِ الغيثُ؟ ومَا




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 97.

[2] سورة غافر، الآية: 13.

145


117

الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 العَلَاقَةُ بَيْنَ لَفْظِ "رزقاً" المذكورِ فِي الآيةِ والغيث؟ نحنُ نَعْلمُ أنَّ السَّماءَ لَا تُمطرُ ذهباً ولَا فضَّةً, ولَا تُمطِرُ طَعَامَاً، ونعلمُ بأنَّ اللهَ يُكرِمُ عبادَهُ بإنزالِ الغيثِ مِنَ السَّماء، فالمقصُودُ - إذن - مِنْ لفظِ "رزقاً" هُوَ المَاءُ المنهمِرُ مِنَ السَّماءِ. ولمَّا كانَ الرِّزقُ مسبَّباً عنِ الغيثِ، بِمعنَى أنَّ الغَيثَ سببٌ فِي الِّرزقِ، كانتِ العلاقةُ بينهُمَا علاقةَ المسبّبِ بالسَّببِ، والمجازُ الَّذي يُذكَرُ فيهِ المسبَّبُ ليدلَّ عَلَى السَّبَبِ هوَ مَجَازٌ مُرسَلٌ علاقتُهُ المسَبَّبيَّةُ.

 

2- يقولُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ[1].

إنَّ كلمَةَ "رقبةٍ" فِي الآيةِ يُرَادُ بِهَا الإنسَانُ، ومِنَ السَّهل أنْ نَفهَمَ أنَّ استعمالَها فِي الآيةِ مجازيٌّ، فإنَّه لَا يمكنُ أنْ يكونَ المقصودُ تحريرَ جزءٍ مِنَ الإنسانِ وتركَ الباقِي, وليسَ بينَهَا وبَيْنَ الإنسانِ أيُّ مشابَهَةٍ, فلَا بدَّ مِنْ وجُودِ علاقةٍ أخرَى, فَمَا هِيَ؟ إنَّ الرَّقبةَ جزءٌ مِنْ جَسَدِ الإنسانِ ولَهَا شأنٌ كبيرٌ فيهِ، فأُطلقَ الجزءُ وأُرِيدَ الكلُّ, ولِذَلكَ يُقَالُ: إِنَّ العلاقةَ هنَا الجزئيَّةُ.

 

ومثلُ الآيةِ الكريمةِ فِي الدَّلالةِ عَلَى العلاقَةِ الجزئيَّة بَيْنَ المَعنَى الحقيقيّ والمَعنَى المجازيّ قولُ الشاعرِ[2] يَتَحدَّثُ عَنْ شَخصٍ أسْدَى لهُ الشَّاعرُ معروفاً فقابَلَ معروفَهُ بالجحودِ والعدَاءِ:

أُعَلِّمُه الرمايَةَ كُلَّ يَومٍ          فَلَمّا اشتدَّ ساعِدهُ رَماني[3]

وَكَمْ علّمتُه نظمَ القوافي        فَلما قالَ قافيةً هجاني




[1] سورة النساء، الآية: 92.

[2] مالك بن فهم الأزدي، 480 ق. هـ - 157 شاعر، أول من مُلِّكَ على العرب بأرض الحيرة، أصله من قحطان، هاجر من اليمن بعد سيل العَرِم في جماعة من قومه، فنزل بالعراق وابتنى بستاناً في موقع الحيرة وامتدت أيدي رجاله بحكم تلك الأنحاء فلم يكن عليها سلطان غير سلطانه. وعاش فيها نحو عشرين سنة. قتله ابنه سليمة بن مالك غِيلة، و قيل خطأً (وكان مالكا أراد اختبار يقظة ابنه في أثناء الحراسة ومقدار احترازه في الظلام، في ليلة نوبته، فرماه سليمة خطأ، وهو يظنه عدوّاً، فخاف أن يقتله أخوه معن جزاء ما فعل، فرحل إلى فارس.) ومن أولاده جَذِيمة الوَضَّاح (نحو 366 ق. هـ، 268م) المعروف بالأبرش ثالث ملوك الدولة التنوخية في العراق، وعمرو بن مالك بن فهم، وعوف بن مالك بن فهم، وهناءة بن مالك بن فهم.

[3] استد الشيء: أي استقام.

146


118

الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 وكمَا نَعلمُ أنَّ القافِيَةَ تُطْلقُ عَلَى الجزءِ الأخيرِ مِنَ بيتِ الشِّعرِ, ومِنَ البَدِيهيّ أنَّ الشَّاعِرَ لمْ يُرِدْ هَذَا المَعنَى لِلَفظةِ القَافِيَةِ، إذ إنَّ نَظْمَ الشِّعرِ ومَا يُعبَّرُ عَنهُ مِن هِجَاءٍ أو غيرِهِ، لَا يكونُ بالقافيةِ وحدَهَا، بل بالبيتِ أو أكثرَ مِنَ الشِّعرِ، فالشَّاعِرُ أرَادَ هنَا بلفظةِ "قافيةً" بيتاً أو أكثرَ مِنَ الشَّعرِ، معْ أنَّ لفظةَ "قافيةً" لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى الجزءِ الأخِيرِ مِنْهُ، إذاً، فإنَّ العَلاَقَةَ بَيْنَ الَّلفظِ المذكورِ "قافيةً" والمَعنَى المرادِ "الشِّعْر" هِيَ علاقةُ الجزءِ بالكلِّ, والمجازُ الَّذي يُذكَرُ فيهِ الجزءُ ليدلَّنَا عَلَى الكلِّ هُوَ مَجَازٌ مرسلٌ علاقَتُهُ الجزئيّةُ.

 

3- يقولُ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا[1].

 

نَنْظُرُ فِي قولِهِ - تَعَالَى -, فَهَل مَا يُوضَعُ فِي الأذُنِ ليَسُدَّهَا هُوَ الإصبعُ كلُّهَا؟ لا, لأنَّ الإنسانَ لَا يَستطيعُ أنْ يَضَعَ إِصبعَهُ كلَّهَا فِي أُذنِهِ، بَلْ بعضاً منهَا وهِيَ الأَنَامِلُ, ولِهَذَا نقولُ: إنَّ الأصابعَ فِي الآيةِ الكريمةِ أُطلقتْ وأُريدَ أطرافُهَا, والأطرافُ جزءٌ والأصابِعُ كلٌّ, والمَجَازُ الَّذي يُذكَرُ فيهِ الكلُّ ليدلَّ عَلَى الجزءِ هوَ مجازٌ مرسلٌ عَلاقتُهُ الكليَّة. ومثلُ الآيةِ الكريمةِ آياتٌ أخرَى نَذْكُرُ مِنْهَا قولَه - تَعَالَى -: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا[2] حيثُ أَطلقَ الكُلَّ "الأيدي" وَارَادَ الجزءَ "الأكفَّ"[3].

 

4- قالَ اللهُ - تَعَالَى -: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا[4].

 




[1] سورة نوح، الآية: 7.

[2] سورة المائدة، الآية: 38.

[3] ولهذه العلاقة شواهد في الشعر العربي كقول احمد شوقي في قصيدة بعنوان (نكبة دمشق) يتحدث فيها عن الكفاح ضد المستعمرين:

بلادٌ ماتَ فِتْيَتُها لتَحْيى   وزالوا دونَ قومِهم ليبقوا

فمن المؤكد أن الشاعر لم يرد أن الموت قد اصاب الفتية كلَّهم، وإنما عمّم الموت عليهم ليصور مبالغتهم في طلب الموت دفعا للاستعمار، فذكر "الفتية" كلهم قاصدا بذلك بعضهم بقرينة معنوية هي استحالة موت الفتية جميعهم، فالعلاقة بين اللفظ المذكور "فتيتها" وبين ما أراده الشاعر "بعضهم" هو علاقة الكل بالجزء. والمجاز الذي يذكر فيه الكل ليدل على الجزء هو مجاز مرسل علاقته الكلية.

[4] سورة النساء، الآية: 2.

147


119

الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 اليَتَامَى هُمُ الَّذينَ مَاتَ آباؤهُم وهُم صغَارٌ، وقدِ اختصَّ هَذَا الاسمُ بمَنْ لمْ يبلغْ منْهُم مبلغَ الرِّجالِ، فهلْ يُعقَلُ أنَّ اللهَ يأمُرُ أنْ يُعطَى هؤلاءِ أموالَ آبائِهِم وهُمْ مَا زَالُوا بحاجةٍ إلَى كَافِلٍ يكفلُهم وقيِّم يقومُ بأمورِهم؟, أبداً، فالآيةَ تأمُرُ بإعطاءِ الأموالِ إلى مَنْ وصَلوا سِنَّ البلوغ والرُّشدِ منهُم بَعدَ أنْ كانُوا يَتامَى، فكلمةُ "اليتامى" هنَا مجازٌ, لأنَّها استُعمِلتْ فِي البالغين الرَّاشِدينَ, والعَلاقَةُ "اعتبار ما كانَ" وهِيَ إحدَى علاقاتِ المجازِ المرسلِ.

 

5- قالَ – تَعَالَى - عَنْ لسَانِ نوحٍ عليه السلام: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا[1].

 

فَهَلْ قَصَدَ نوحٌ عليه السلام أنَّ أطفالَ قومِهِ يولدُونَ فجَّاراً وكفَّاراً منذُ السَّاعةِ الأُولى مِنْ ولادتِهِم، أم أنَّ فجورَهُم سيكونُ بعدَ بلوغِهم سنَّ الرُّشدِ؟ ومَا الاعتبارُ الَّذي أُقيمتْ بِهِ العلاقةُ بَينَ الفاجرِ الكافرِ و المولودِ؟ يولدُ المَولودُ عَلَى الفطرةِ بريئاً لا ذنبَ لهُ ولَا إثْمَ عليهِ، ولكنَّ مَنْ يحيطونَ بِهِ يأخذونَهُ نَحوَ الإيمانِ أو يدفعونَهُ نَحوَ الكفرِ، ولمَّا كانَ الفجَّارُ والكفَّارُ هُم أكثرُ المحيطين بمواليدِ قومِ نوحٍ، عَرَفَ نُوحٌ عليه السلام أنَّ هؤلاءِ الأطفالَ سيكونونَ بَعدَ بلوغِهِم سنَّ الرُّشدِ صورةً لِمَن يحيطونَ بِهِم، فدَعَا نوحٌ عليهِم جميعَاً. وقَدْ ذَكَرَ اللهُ - عزَّ وجلَّ - عَلَى لسَانِ نوحٍ لفظَي "فاجرًا كفَّارا" قاصِداً بِهِمَا المولودَ باعتبارِ مَا سَيَكونُ عليهِ، وهَذَا مجازٌ مرسلٌ علاقتُهُ "اعتبارُ مَا سَيَكُونُ".

 

6- قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَه[2].




[1] سورة نوح، الآيتان: 26-27.

[2] سورة العلق، الآيات: 15-17.

148


120

الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 هَذَا وعيدٌ مِنَ اللهِ - تَعَالَى -، أيْ فليدعُ أهلَ نادِيهِ ومجلسِهِ, يَعنِى عشيرتَهُ, فلينتصِرْ بِهِم إذَا حلَّ عقابُ اللهِ بِهِ, والأَمرُ - هنَا - للسُّخريةِ والاستخفافِ، فإِنَّنَا نَعرِفُ أنَّ مَعنَى النادِي مكانُ الاجتماعِ، ولكنَّ المقصودَ بِهِ فِي الآيةِ الكريمةِ مَنْ فِي هَذَا المكانِ مِنْ عشيرتِهِ ونُصرائِهِ، فِهُوَ مجازٌ أُطلقَ فيهِ المحلُّ وأريدَ الحالُّ، فالعلاقةُ "المحلِّيَّةُ", وهِيَ إحدَى عَلاقاتِ المَجَازِ المُرسَلِ.

 

7- يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[1].

بِخِلافِ العَلاقَةِ فِي الحَالَةِ السَّابِقَةِ تَأتِي هَذِهِ الآيةُ الكريمَةُ, فالرَّحمَةُ أمرٌ معنويُّ ومَعنَى مِنَ المعانِي لَا يُحَلُّ فِيهِ, وإنَّمَا يُحَلُّ فِي مَكَانِهِ, فاستعمالُهُ - هُنَا - هُوَ استعمالٌ مجازيٌّ, قَدْ أُطلقَ فيهِ الحالُّ وأُرِيدَ المَحَلُّ, وإذَا ذُكِرَ الحالُّ وأُرِيدَ المَحَلُّ، فالعلاقَةُ "حالّيّة"، وهِيَ كَذَلِكَ إِحْدَى هَذِهِ العَلاَقَاتِ.

 

استنتاج: مِنْ خِلالِ الأمثلَةِ السَّابِقَةِ رأيْنَا أنَّ كلَّ مَجَازٍ مِمَّا سَبَقَ كانَت لَهُ علاقةٌ غيرُ المشابهةِ مَع قرينةٍ مانعةٍ مِنْ إرادةِ المَعنَى الأصليّ، وَهَذَا النَّوعُ مِنَ المَجَازِ الُّلغَويّ يُسمَّى "المجازُ المرسلُ". وقَد ذَكَرنَا بَعْضَ العَلاقَاتِ وأعرَضنَا عَن ذِكرِ بعضِهَا الآَخَرِ الذي يُمكنُ إرجَاعُه إلَى مَا مَرَّ ذِكرُهُ.



[1] سورة آل عمران، الآية: 107.

149


121

الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 القواعد الرئيسة

1- المجازُ الْمُرسَلُ: كلمةٌ اسْتُعْمِلَتْ في غَيْر مَعناها الأَصْليِّ لعلاقةٍ غير المشابهةِ مَعَ قرينةٍ مانعةٍ من إِرادةِ المعنَى الأصْليِّ.

2- مِنْ عَلاقات المجاز المُرْسَل: السَّببيَّةُ - المسَبَّبيَّةُ - الجُزئيةُ - الكليَّةُ - اعْتبَارُ ما كانَ - اعتبارُ ما يكونُ - المَحَليِّةُ - الحالِّيَّةُ.

 

تمارين

بيِّنْ كلَّ مجازٍ مرسَلٍ وعلاقتَه فيما يأتي:

قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[1].

 

قال تعالى في شأْن موسى عليه السلام: ﴿..فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ..﴾[2].

 

وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ[3].

 

وقال تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ[4].

 

قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا...﴾[5].

 

قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ[6].

 



[1] سورة آل عمران، الآية: 107.

[2] سورة طه، الآية: 40.

[3] سورة الصافات، الآية: 101.

[4] سورة آل عمران، الآية: 167.

[5] سورة يوسف، الآية: 36.

[6] سورة يوسف، الآية: 82.

150


122

الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 قال ابن الزَّيات في رثاءِ زوْجه:

أَلاَ منْ رأى الطِّفْلَ المُفارقَ أمَّه          بَعِيدَ الكَرى عَيْنَاهُ رويت

 

ويُنسبُ إلى السموأل:

تسِيلُ على حدِّ السُّيوفِ نُفوسُنَا           وَلَيْسَ على غَيْر السُّيُوف تَسيلُ

 

وقال الشاعر:

أَلِمَّا على مَعْنٍ وَقولاَ لِقبرهِ               سَقتْك الغواديَ مربعاً ثُمَّ مَرْبعا

 

وقال الشاعر:

لا أركبُ البحرَ أخشى                    عليَّ منهُ المعاطبْ

طينٌ أنا وَهْوَ ماءٌ                         والطينُ في الماء ذائبْ

 

وقال آخر:

وما مِنْ يدٍ إلا يَدُ اللهِ فَوْقَها                  ولاَ ظَالم إِلاَّ سيُبْلى بأَظْلَمِ

 

وقال المتنبي في ذم كافور:

إنّي نَزَلْتُ بكَذّابِينَ، ضَيْفُهُمُ                عَنِ القِرَى وَعَنِ الترْحالِ محْدُودُ

 

وقال أيضاً:

رَأيتُكَ محْضَ الحِلْمِ في محْضِ قُدرَةٍ       وَلوْ شئتَ كانَ الحِلمُ منكَ المُهنّدَا

151


123

الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 للمطالعة

 

الشاعر العبدي الكوفي

الشريف وهو أبو محمَّد سفيان بن مصعب العبدي الكوفي. من شعراء أهل البيت الطاهرين عليهم السلام، المتزلِّفين إليهم بولائه وشعره، المقبولين عندهم لصدق نيَّته وانقطاعِهِ إليهم، وقد تضمّن شعره غير يسيرٍ من مناقب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام الشَّهيرة، وأكثرَ من مدحِه ومدحِ ذريَّته الأطيبين وأطاب، وتفجَّع على مصائبهم ورثاهم على ما انتابهم من المحن، ولم نجدْ في غير آلِ الله له شعراً.

 

عدّه شيخ الطائفة في رجاله من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ولم يك صحبته مجرّد ألفة معه، أو محض اختلاف إليه، أو أن عصراً واحداً يجمعهما لكنه حظي بزلفة عنده منبعثة عن صميم الود وخالص الولاء، وإيمان لا يشوبه أي شائبة حتى أمرالإمام عليه السلام شيعته بتعليم شعره أولادهم وقال: إنّه على دين الله. كما رواه الكشي في رجاله بإسناده عن سماعة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا معشر الشيعة علّموا أولادكم شعر العبدي فإنّه على دين الله.

 

وينم عن صدق لهجته، واستقامة طريقته في شعره، وسلامة معانيه عن أي مغمز، أمر الإمام عليه السلام إياه بنظم ما تنوح به النساء في المأتم كما رواه الكشي في رجاله (ص 254). وكان يأخذ الحديث عن الصادق عليه السلام في مناقب العترة الطاهرة فينظمه في الحال ثم يعرضه عليه كما رواه ابن عياش في "مقتضب الأثر" عن أحمد بن زياد الهمداني قال: حدثني علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حدثني أبي عن الحسن بن علي سجاده عن أبان بن عمر ختن آل ميثم قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه سفيان بن مصعب العبدي قال:

152


124

الدرس الثالث عشر: المجاز المرسل

 جعلني الله فداك ما تقول في قوله تعالى ذكره: وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم؟! قال: هم الأوصياء من آل محمد الإثني عشر لا يعرف الله إلا من عرفهم وعرفوه. قال: فما الأعراف جعلت فداك ؟ ! قال: كتائب من مسك عليها رسول الله والأوصياء يعرفون كلا بسيماهم. فقال سفيان: أفلا أقول في ذلك شيئا؟! فقال من قصيدة:

أيا ربعهم هل فيك لي اليوم مَربعُ؟!      وهلْ لليالٍ كُنَّ لي فيكَ مرجعُ؟!

 

يقول فيها:

وأنتم ولاةُ الحشرِ والنشرِ والجزاءِ        وأنتمْ ليومِ المفزعِ الهولِ مفزعُ

وأنتم على الأعراف وهي كثائب      من المسك ريّاها بكم يتضوّعُ

ثمانيةٌ بالعرش إذ يحملونه ومن         بعدهم في الأرض هادون أربعُ

 

إن الواقف على شعر شاعرنا (العبدي) وما فيه من الجودة. والجزالة. والسهولة. والعذوبة. والفخامة. والحلاوة. والمتانة. يشهد بنبوغه في الشعر، وتضلعه في فنونه، ويعترف له بالتقدم والبروز[1].

 

 



[1] الغدير، الأميني، ج2، ص300-301.

153


125

الدرس الرابع عشر: المجازُ العقليّ

  

الدرس الرابع عشر: المجازُ العقليّ

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى المجاز العقلي.

2- أن يدرك علاقات المجاز العقلي.

3- أن يكتسب مهارة استخدام المجاز العقلي.

155


126

الدرس الرابع عشر: المجازُ العقليّ

 المجازُ العقليّ[1]:

المجازُ العَقليُّ أسلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ الُّلغَةِ العَرَبِيَّةِ, يُعَبِّرُ عَنْ سَعَةِ هَذِهِ الُّلغَةِ, وقُدرتِهَا عَلَى تَجَاوزِ حدودِ الحقيقةِ إِلَى الخَيَالِ. وقَدْ قَالَ فِيهِ عبدُ القاهِرِ الجرجانيّ[2]: "هَذَا الضَّربُ مِنَ المَجَازِ عَلَى حدَّتِهِ, كَنْزٌ مِنْ كنُوزِ البَلاغَةِ, ومادةُ الشَّاعر المفلقِ, والكاتبِ البَليغِ فِي الإبداعِ والإحسَانِ والاتِّساعِ فِي طَريقِ البَيَانِ"[3].

 

والمَجَازُ العقليُّ غير اللغويّ، لأن الأخير يُستعمل فيه اللفظ في غير ما وُضع له ويراد غير ما وُضع له، بينما يُستعمل اللفظ في المجاز العقليّ فيما وُضع له.

 

فلو قلنا "بنى وزير التعليم العالي جامعةٌ" استعملنا فعل بنى في معناه، وكذلك كلمة الوزير، وأردنا منها دلالتهما الموضوعة، ولكننا سلكنا مسلك مجاز آخر هو الموسوم بالمجاز العقلي والذي يكون فيه المجاز في إسناد وبناء




[1] ويسمّيه بعض البلاغيين بالمجاز الحُكْمي او الاسناد المجازي.

[2] عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، أبو بكر. 471 هـ - 1078 م واضع أصول البلاغة، كان من أئمة اللغة، من أهل جرجان (بين طبرستان وخراسان) له شعر رقيق. من كتبه (أسرار البلاغة- ط)، و(دلائل الإعجاز- ط)، و(الجمل- خ) في النحو، و(التتمة- خ) نحو، و(المغني) في شرح الإيضاح، ثلاثون جزءاً، اختصره في شرح آخر سماه (المقتصد- خ) الجزء الثاني منه، و(إعجاز القرآن- ط)، و(العمدة) في تصريف الأفعال، و(العوامل المائة- ط).

[3] دلائل الاعجاز ص 228

157

 


127

الدرس الرابع عشر: المجازُ العقليّ

 الجامعة إلى الوزير، أي أنّنا ادّعينا في العقل أنّه الوزير, لأنّه الآمر بالبناء مسبِّبهُ هو الباني مع أنه ليس الباني حقيقة. وهذا يختلف عما لو استعملنا لفظ السبب في المُسَبّب وأردنا منه المُسَبِّب كما في المجاز اللغوي المرسل، حيث لا يعود الوزير مستعملاً في الموضوع له.

 

والعقل هو القرينة على هذا المجاز العقلي وهذا الادعاء والتنزيل، وهذا المجاز في الإسناد, لأن الوزير يستحيل في العادة أن يبنيَ جامعةً وحده، بل هو لا يشارك في بنائها في العادة إلا رمزياً بوضع حجر الأساس، بل رجاله من مهندسين وعُمال هم الذين قاموا بهذا العمل، وإسناد البناء إليه مجاز عقليّ وإسناد للفعل إلى غير صاحبه. ولِهَذَا النَّوعِ مِنَ المَجَازِ علاقاتٌ مختلفةٌ باختلافِ الإسنادِ سنوضِّحُهَا مِنْ خِلَالِ الأمثِلَةِ الآتيةِ:

1- علاقة السببية: يقولُ اللهُ سبحانَهُ حِكَايَةً عَنْ فِرعَونَ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ[1].

 

فِي هَذِهِ الآيةِ نجدُ يُشبه في تحليله المثل السابق, فالفعلُ "ابنِ" أسنِدَ إلَى غيرِ فاعِلِهِ الحقيقيّ, فإنَّ هَامَانَ - وهُوَ الوزيرُ والمستشارُ - لَا يَقومُ بِفعلِ البِنَاءِ بنفسِهِ, وإنَّمَا مَنْ يَقُومُ بالفعلِ هُمُ العمَّالُ والبنَّاؤونَ, وهُوَ مَنْ يُعطِي الأَمرَ, ولكنْ لمَّا كانَ هَذَا الوزيرُ سَبَباً فِي بِنَاءِ الصَّرحِ, أُسنِدَ الفعلُ إليهِ, فعلاقَةُ هَامَانَ بالبِنَاءِ علاقَةٌ سَبَبِيَّةٌ, ولأنَّ الفِعلَ - هنَا - أُسنِدَ إِلَى سَبَبِهِ, وَهَذَا الإِسنَادُ غيرُ حقيقيّ, لأنَّ الإسنَادَ الحقيقيّ هُوَ إسنَادُ الفِعْلِ إلَى فَاعِلِهِ الحقيقيّ, فالإسنادُ هَذَا مَجَازِيٌّ, ويُسَمَّى بـ "المجاز العقلي".




[1] سورة غافر، الآية: 36.

158


128

الدرس الرابع عشر: المجازُ العقليّ

 2- علاقة الفاعلية: يقولُ الشَّاعِرُ[1]:

 

سَتُبدي لَكَ الأَيّامُ ما كُنتَ جاهِلاً وَيَأتيكَ بِالأَخبارِ مَن لَم تُزَوِّدِ

فِي هَذَا البيتِ إسنادُ الإبداءِ إلَى الأيَّامِ, ونَحنُ نَعلمُ أنَّه لَا يُمكنُ للأيَّامِ أنْ تُبدِيَ وتُظهِرَ, وإنَّمَا هِيَ زمانٌ لِحُصولِ الإبْدَاءِ, وقَد أرادَ الشَّاعرُ حقيقةً أنْ يقولَ لمُخَاطَبِهِ: إنَّ حَوادِثَ الأيَّامِ ستُبدِي لَكَ, فإسنادُهُ الإبْدَاءَ إلَى الأيَّامِ, مجازٌ عقليٌّ, وبِمَا أنَّ الأيَّامَ جزءٌ مِنَ الزَّمَانِ, ومَحَلٌّ لِوقُوعِ الإبداءِ, تكونُ العلاقَةُ علاقَةً "زمانيّة".

 

ومثلُ هَذَا لَو قُلنَا: "نهارُ الزَّاهِدِ صائمٌ وليلُهُ قائِمٌ", فإنَّ الصَّومَ أُسنِدَ إلَى النَّهارِ, والنّهارُ لَا يصومُ, وإنَّمَا هُوَ زمانٌ للصِّيامِ, وأُسنِدَ القِيَامُ إلَى الَّليلِ, والَّليلُ لَا يَقُومُ, وإنما يقامُ فِيهِ, ونُلاحِظُ فِي هَذَا المثالِ أنَّه لَا يُوجَدُ فعلٌ يُسنَدُ إليهِ وإنَّمَا اسمُ فاعلٍ, وهَذَا جائزٌ, لأنَّ اسمَ الفاعِلِ شبيهُ الفِعلِ فِي قُوّتِهِ وَكَذَلِكَ اسمُ المفعولِ والمَصْدَرِ.

 

3- علاقة المكانية: يقولُ الحَيصَ بِيص[2]:

مَلكْنا فكان العَفْوُ منَّا سَجيَّةً              فلمَّا مَلَكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ[3]

 

لَقَدْ أُسْنِدَ سَيَلانُ الدمِ إلَى أبطحَ, أيْ إلَى غَيرِ فَاعِلِهِ لأنَّ الأبطَحَ مكانُ سَيَلانِ الدَّمِ وهُوَ لَا يَسِيلُ، وإنَّمَا يَسِيلُ مَا فيهِ وهُوَ الدَّمُ, ولمَّا كانَ الإسنادُ إلَى مَكانِ جَرَيانِ الدَّمِ صَارَ الإسنادُ مجَازِيَّا عَلاقَتَه "المكانيةُ".



[1] طُرَفَةٌ بن العبد بن سفيان بن سعد، أبو عمرو، البكري الوائلي. 86 - 60 ق. هـ/ 539 - 564 م شاعرٌ جاهليٌ من الطبقة الأولى، كان هجاءً غير فاحش القول، تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره، ولد في بادية البحرين وتنقّل في بقاع نجد. اتصل بالملك عمرو بن هند فجعله في ندمائه، ثم أرسله بكتاب إلى المكعبر عامله على البحرين وعُمان يأمره فيه بقتله، لأبيات بلغ الملك أن طرفة هجاه بها، فقتله المكعبر شابّاً.

[2] سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي أبو الفوارس. 492 - 574 هـ / 1098 - 1178 م شاعر مشهور من أهل بغداد كان يلقب بأبي الفوارس نشأ فقيهاً وغلب عليه الأدب والشعر وكان يلبس زي أمراء البادية ويتقلد سيفاً ولا ينطق بغير العربية الفصحى.

وتوفي ببغداد عن 82عاماً. له (ديوان شعر -ط) الجزء الأول منه ببغداد ورسائل أورد ابن أبي أصيبعة نتفاً منه.

[3] الابطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى.

159


129

الدرس الرابع عشر: المجازُ العقليّ

 4- علاقة المصدرية: يقولُ أبُو فِراسٍ الحَمْدَانِيُّ:

 

سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم وَفي اللَيلَةِ الظَّلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ

فقد أسندَ الجِدَّ إلى الجِدِّ، أي الاجتهادِ، وهو ليسَ بفاعلِ له، بل فاعلُه الجادُّ - فأصله جدَّ الجادُّ جدًّا، أي اجتهدَ اجتهاداً، فحذفَ الفاعلَ الأصليَّ وهو الجادُّ، وأسندَ الفعلَ إلى الجِدِّ وهو مصدرُ الفاعلِ الحقيقيّ, ولِهَذَا كانت علاقة الإسنادَ المجازيَّ هُنَا هي "المصدريةٌ".

 

5- علاقة الفاعلية: يقولُ اللهُ - تَعَالَى-: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾[1].

 

الحِجَابُ فِي أَصلِهِ سَاتِرٌ, وليسَ مَستُوراً, وهنا نقولُ: أُسنِدَ الوَصْفُ المبنيُّ للمَفعولِ إلَى الفَاعِلِ, وكان حقّه أن يُسْنَدَ الى المفعول: لأن اسم المعفول يطلب نائب فاعل أي: مفعولاً، لا فاعلاً، فإذا أُسند إلى الفاعل كانَ هَذَا مَجَازاً عَقليَّاً عَلاقَتُهُ "الفاعليَّةُ". ومثلُ الآيةِ المبارَكَةِ قولُهُ - تَعَالَى-: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا[2].

 

6- علاقة المفعولية: يقول الله -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا[3].

الحرمُ لَا يكونُ آمِنَاً, لأنَّ الإحسَاسَ بالأمنِ مِنْ صفاتِ الأحياءِ, وإنَّمَا هُوَ مأمونٌ فيه, فاسمُ الفَاعِلِ - هنَا - أسنِدَ إلَى المفعولِ, وهَذَا مَجَازٌ عَقليٌّ عَلَاقَتُهُ "المفعوليَّةُ"[4].



[1] سورة الإسراء، الآية: 45.

[2] سورة مريم، الآية:61.

[3] سورة القصص، الآية: 57.

[4] الفعلُ المبنيُّ للفاعلِ واسمِ الفاعلِ إذَا أُسندا إلى المفعولِ فالعلاقةُ "المفعوليةُ"، والفعلُ المبنيُّ للمجهولِ واسمُ المفعولِ إذ أُسندا إلى الفاعلِ فالعلاقةُ الفاعليةُ، واسمُ المفعولِ المستعمَلُ في موضعِ اسمِ الفاعلِ مجازٌ، علاقتُه "المفعوليةُ"، واسمُ الفاعل المستعمل في موضع اسمِ المفعول ِمجازٌ، علاقتُه "الفاعليةُ".

 160


130

الدرس الرابع عشر: المجازُ العقليّ

 القواعد الرئيسة

1- المجاز العقلي هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي.

2- الإسناد المجازي يكون إلى سبب الفعل أو زمانه أو مكانه أو مصدره أو بإسناد المبني للفاعل إلى المفعول أو المبني للمفعول إلى الفاعل.

 

 

تمارين

وضّح المجاز العقلي فيما يأتي وبين علاقته وقرينته:

- قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا[1]

 

كان المنزلُ عامراً            وكانَت حجرُهُ مضيئةً

عظمتْ عظمَتُهُ                وصَالتْ صولتُه

 

لقد لمتِنَا يا أمَّ غيلانَ فِي السُّرَى         ونمتِ وما لَيْلُ المَطّيِّ بنائِمِ

ضربَ الدهرُ بينهم                      وفرَّق شملَهم

والهمُّ يَختَرِمُ الجسيمَ نحافةً                ويُشيبُ ناصيةَ الصبيِّ ويُهرِمُ

فبتُّ كأنِّي ساوَرَتنِي ضئيلةٌ               مِنَ الرُّقشِ فِي أنيابِها السُّمُّ ناقعُ

 

- وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ[2].

 




[1] سورة القصص، الآية: 57.

[2] سورة القصص, الآية:4.

161


131

الدرس الرابع عشر: المجازُ العقليّ

 اعطِ مثالاً في كلٍّ من هذه الموارد:

- مجاز عقلي علاقته السببية.

- مجاز عقلي علاقته المفعولية.

- مجاز عقلي علاقته المكانية.

- مجاز عقلي علاقته الزمانية.

- وقال أيضاً: ﴿لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ[1].

 




[1] سورة هود، الآية: 43.

162


132

الدرس الرابع عشر: المجازُ العقليّ

 للمطالعة

 

بلاغةُ المجازِ المرسلِ والمجازِ العقليِّ[1]

فوائد بلاغية للمجازين المرسل والعقلي:

إنَّ للمجازِ المرسل، على أنواعه، وكذلك العقليِّ، على أقسامه، فوائدَ كثيرةً منها:

1- الإيجاز، فإنَّ قوله: بنَى الأميرُ المدينةَ أوجزُ من ذكر البَنّائينَ والمهندسينَ ونحوهِما، ونحوه غيره.

2- سعةُ اللفظِ وطرق التعبير، فإنه لو لم يجزْ إلا جرَى ماءُ النهرِ كان لكلِّ معنَى تركيبٌ واحدٌ، وهكذا بقيّةُ التراكيب.

3- إيرادُ المعنى في صورةٍ دقيقةٍ قريبة إلى الذهنِ، إلى غير ذلك من الفوائدَ البلاغيةِ.

4- المبالغة الموجودة، ففي إسناد بناء الجامعة إلى الوزير، مبالغة لطيفة.

5- جمالية الدقة في اختيار العلاقة.

 

إذا تأمّلت أنواع المجاز المرسل والعقلي رأيت أنّها في الغالب تؤدّي المعنَى المقصود بإيجاز، فإذا قلت: "هزمَ القائدُ الجيشَ" أو "قرّرَ المجلس كذا" كان ذلك أوجزَ من أنْ تقول: "هزمَ جنودُ القائد الجيش"، أو "قرّر أهل المجلس كذا"، ولا شكَّ أنَّ الإيجاز ضربٌ من ضروب البلاغة. وهناك مظهر آخر للبلاغة في هذين المجازين هو المهارة في تخيّر العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازيِّ، بحيث يكون المجاز مصوّراً للمعنى المقصود خير تصوير




[1] علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، ص 103 - 104.

163


133

الدرس الرابع عشر: المجازُ العقليّ

  كما في إطلاق العين على الجاسوس، والأذن على سريع التأثّر بالوشاية. والخفِّ والحافر على الجمال والخيل في المجاز المرسل، وكما في إسناد الشيء إلى سببه أو مكانه أو زمانه في المجاز العقلي،فإنّ البلاغة توجبُ أنْ يختار السبب القوي والمكان والزمان المختصّين.

 

 

وإذا دقّقتَ النظر رأيت أنَّ أغلب ضروب المجاز المرسل والعقلي لا تخلو من مبالغة بديعة ذات أثر في جعل المجاز رائعاً خلّاباً، فإطلاقُ الكلِّ على الجزء مبالغة ومثله إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، كما إذا قلت: "فلان فم" تريد أنّه شره يلتقم كلَّ شيء. أو "فلانٌ أنفٌ" عندما تريد أن تصفه بعظم الأنف فتبالغ فتجعله كلّه أنفاً. وممّا يؤثر عن بعض الأدباء في وصف رجل أنافيٍّ[1] قوله: "لست أدري أهو في أنفه أمْ أنفهُ فيه".




[1] رَجُلٌ أُنافِيٌّ بِالضَّمِّ أَي: عَظِيمُ الأنْفِ.

164


134

الدرس الخامس عشر: الكنايةُ

 الدرس الخامس عشر: الكنايةُ

 

 

 

أهداف الدرس:

1- أن يتعرّف الطالب إلى معنى الكناية لغةً واصطلاحاً.

2- أن يدركَ أقسام الكناية.

3- أن يتقن استخدام الكناية في كتابته الأدبية.

165


135

الدرس الخامس عشر: الكنايةُ

 الكنايةُ[1]:

الكنايةُ لغةً: مَا يَتَكلَّمُ بِهِ الإِنسَانُ ويُرِيدُ بِهِ غَيرَهُ وهِيَ مَصْدَرُ "كَنَيْتُ" أو "كَنَوْتُ" بكَذَا إذَا تَرَكْتُ التَّصرِيحَ بِهِ.

 

واصطلاحاً: لفظٌ أُرِيدَ بِهِ غيرُ معنَاه الَّذي وُضِعَ لَهُ، مَعْ جَوَازِ إِرَادَةِ المَعْنَى الأصليِّ لِعَدمِ وجودِ قرينةٍ مانعةٍ مِنْ إرادَتِهِ.

 

وحتَّى نقفَ عَلَى مفهومِ الكِنَايَةِ تعالَوا بِنَا ننظرُ فِي شَكوَى أعرابيَّةٍ إلَى أَحَدِ الوُلاةِ، فَقَد جَاءَتْ أعرابيَّةٌ إلَى قَيسِ بنِ سَعد[2] فقالَتْ لَهُ: أَشكُو إليكَ قلَّةَ الفَئرَانِ فِي بَيْتِي.

 

فَمَا كانَ مِنْ ذَلكَ الوَالِي إلَّا      أنْ مَلَأَ بيتَهَا طَعَامَاً وكِسَاءً.

 

ولَا يَخفَى عَلى فَهمِنَا أنَّ تِلكَ الشَّاكيَةَ لمْ تُردْ أنْ تملأَ بيتَهَا فِئْرَانَاً, وإنَّما أرادتْ أنْ تَشكوَ للوالِي شدَّةَ فقرِهَا، حتَّى أنَّ الفئرانَ هَجَرَتْ بيتَهَا, لأنَّها لَا تَجِدُ مَا تَقتَاتُ بِهِ، وقَد فَطِنَ الوالِي لمُرادِهَا مِنْ عبارتِهَا تِلكَ، فَفَعَلَ مَا فَعَلَ لِمعرِفَتِهِ أنَّه يَلزَمُ مِنْ قلَّةِ الفئرانِ فِي بيتِ تِلكَ الأعرابيَّةِ الشَّاكيَةِ فقرُهَا وحاجتُهَا, مَعْ أنَّهُ




[1] توضيح: إذا أطلق لفظ وكان المراد منه غير معناه فلا يخلو إمَّا: أن يكون معناه الأصلي مقصودا أيضا، ليكون وسيلة إلى المراد. وإمَّا: ألا يكون مقصودا - فالأول - الكناية و - الثاني - المجاز.

[2] هو من كبار صحابة أمير المؤمنين عليه السلام وكان أبوه من كبار صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً.

167


136

الدرس الخامس عشر: الكنايةُ

 مِنَ الجائزِ أنْ يكونَ بيتُهَا قليلَ الفئرانِ عَلَى الحقيقةِ.

 

وتنقسمُ الكنايةُ بحسبِ المعنَى الَّذي تُشيرُ إليهِ إِلَى ثلاثةِ أقسامٍ:

والكناية وسط بين الحقيقة والمجاز، فليست مجازاً وليست حقيقة, وذلك لأنها يُستعمل فيها اللفظ في معناه الحقيقي الموضوع، أو الالفاظ - إن كانت الكناية مركبة من ألفاظ - في معانيها الموضوعة لها، فتختلف بهذا عن المجاز اللغوي، ولكننا لا نريد من هذه الألفاظ معانيها الحقيقية، بل نريد لازم تلك المعاني، وبهذا تختلف الكناية عن الحقيقة.

 

أولاً: الكناية عن صفة: نَقْرَأُ كلامَ الخنساءِ[1], تِلكَ الشَّاعرةَ البَاكِيَةَ المفجوعَةَ تَرثِي أخَاهَا بأعذَبِ الأَبيَاتِ, وتَختَصِرُ مآثِرَهُ ببيتٍ حَمَلَ الكَثِيرَ, فَتَقُولُ:

طويلُ النِّجادِ رَفِيعُ العِمَادِ          كثيرُ الرَّمَادِ إذا مَا شَتَا

 

لَقَد وَرَدَ فِي بيتِ الخَنْسَاءِ ثلاثَةُ أوصَافٍ لصَخْرَ هي: طويلُ النِّجادِ, ويَعنِي فِي الأصلِ أنَّ مَحمِلَ سيفِهِ طويلٌ، ورَفِيعُ العِمَادِ, ويَعنِي فِي الأصَلِ أنَّ عَمودَ بَيتِهِ مرتَفِعٌ، وكثيرُ الرَّمَادِ, ويَعنِي فِي الأصلِ أنَّ مُخَلَّفَاتِ نارِهِ كثيرةٌ.

 

والأسئلةُ الَّتي تُلحُّ عَلَيْنَا، ونُرِيدُ أنْ نُجِيبَ عَلَيهَا:

1- مَاذَا قَصَدَتِ الخَنْسَاءُ مِنْ وَرَاءِ وَصفِ كلٍّ مِنْ الأوصَافِ السَّالِفَةِ؟

2- ومَا عَلاقَةُ المَعنَى الأصِيلِ لكلِّ وصفٍ مِنَ الأَوصَافِ السَّالفةِ بالمَعنَى الَّذي قصدتْهُ الخَنْسَاءُ؟



[1] الخَنساء, ( 24 هـ/ 644 م) تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، الرِّيَاحِيّة السُلمية من بني سُليم من قَيْس عيلان من مُضَر. أشهر شواعر العرب وأشعرهن على الإطلاق، من أهل نجد، عاشت أكثر عمرها في العهد الجاهليّ، وأدركت الإسلام فأسلمت. ووفدت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع قومها بني سُلَيم. فكان رسول الله يستنشدها ويعجبه شعرها،أكثر شعرها وأجوده رثاؤها لأخويها صخر ومعاوية وكانا قد قُتلا في الجاهلية. لها ديوان شعر فيه ما بقي محفوظاً من شعرها. وكان لها أربعة بنين شهدوا حرب القادِسيّة فجعلت تحرضهم على الثبات حتى استُشْهِدُوا جميعاً فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم.

168


137

الدرس الخامس عشر: الكنايةُ

 3- وهَلْ مِنَ الجَائِزِ لَنَا إرادةُ المعانِي الحقيقيَّةِ الواردةِ للأوصافِ السَّالِفةِ؟

 

 

كثيراً مَا يَعرُضُ لَنَا عِبَارةٌ أو أكثرُ لَا نَأخذُهَا بمعنَاهَا الأصيلِ، وإنَّما نَستَدِلُّ بِهَا عَلَى معنىً آخرَ, لأنَّ قائِلَهَا إنَّما أرادَ أنْ يُومِئَ لَنَا بعبارَتِهِ تِلكَ عَنْ معنىً مكنونٍ فِي نفسِهِ.

 

وهَذَا مَا نَجِدُهُ عندَ الخَنْسَاءِ فِي رِثَاءِ أخِيهَا، عندَمَا أرادَتْ أنْ تَذْكُرَ مَحَامِدَهُ، فكانَ مِمَّا وَصَفَتْهُ بِهِ أنَّ مَحْمِلَ سَيفِهِ طويلٌ (طويل النِّجَاد) وهَذَا يقتضِي أنَّ صَاحِبَهُ طويلُ القامَةِ, إذْ ليسَ مِنَ المُنَاسِبِ أنْ يكونَ مَحْمِلُ سيفِ المَرءِ طِويلاً وهُوَ قَصِيرُ القَامَةِ، وهَكَذَا فإنَّ المُرَادَ بقولِهَا (طويل النِّجَاد) أَنَّ صَخْراً طويلٌ يملأُ العينَ.

 

ووصفتْهُ بأنَّ عَمُودَ بيتِهِ مرتفِعٌ (رفيع العِمَاد) قاصدةً بِذَلكَ أنَّهُ وجيهٌ عظيمُ المَنْزِلَةِ، كَمَا وصَفَتْهُ بأنَّ مخلَّفَاتِ نارِهِ كثيرةٌ (كثير الرماد) ولمْ تقصدْ بِذَلِكَ إلَّا أنَّهُ كريمٌ مضيافٌ.

 

ولكنْ ثمَّةَ علاقةٌ تَظْهَرُ بَينَ المَعنَى الأصِيلِ والمَعنَى المقصودِ، فطولُ النَّجادِ فِي قَولِ الخَنسَاءِ لعل المراد منه أنّه كلما ارتفع عماد الخيمة ووسطها اتّسعت وامتدت أطرافها لطول الخطوط المنحنية الواصلة إلى أطرافها حينئذٍ، وهذا لازم له لازم، فسعة البيت لكثرة الضيوف، وكثرة الضيوف تدل على الوجاهة وعلوّ المركز.

 

كَمَا أنَّ مِنْ مستلزَمَاتِ كَثرةِ الرَّمَادِ كثرةَ حرقِ الحَطَبِ للطبخِ، ما يلازم كثرةَ الضيوفِ، وهَذَا دليلُ الكرمِ.