دروس في أصول الدين


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2014-12

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدلله رب العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين وبعد

 

النظام العقائدي لكل دين هو رؤيته الشاملة التي يقدّمها عن العالم من أجل بناء تصوّر صحيح حوله. هذه الرؤية التي من المتوقّع أن تقدّم أجوبة منطقية وصحيحة حول أسئلة حساسة ومصيرية مرتبطة بفهم هذا الوجود التكويني والإنساني على حد سواء، ليكون هذا الفهم مقدمة لبناء منظومة فكرة وعقائدية متكاملة تمهّد الطريق لاحقاً أمام بناء إيماني قوي وراسخ في النفس، وأرضية صالحة للأعمال الصالحة.

 

فالعقيدة تكمن أهمّيتها الأساسية في أنّها مقدمة حتمية وضرورية للإيمان والعمل. بمعنى أنّه لا إيمان ولا عمل من دون معتقد. بل كل إيمان وعمل هو مسبوق حكماً باعتقاد راسخ وجازم بماهية هذا الإيمان ونوعيّة هذا العمل. من هنا تظهر الخطورة البالغة في عدم الاعتناء بهذا البناء والتأسيس العقادئي في النفس والعقل، لما سوف يتركه من تداعيات أكيدة على مصير الإنسان في الدنيا والآخرة. من هنا نفهم لماذا صنّفت العقيدة في خانة أصول ومبادئ هذا الدين وليس من فروعه, لأنّها وبكل بساطة تعتبر الأصل الذي تبتنى عليه كل الفروع والمسائل الدينية المتفرّعة عنها.

 

13


1

المقدمة

ولما كان هناك حاجة ماسة وأكيدة لتبيين الآراء العقائدية بشكل مبسّط، واختصار غير مخل من أجل إيصال الحقائق والمعارف المرتبطة بفهم هذا الوجود والكون بقدر المستطاع، وإيصالها إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس المتعطّشة إلى معرفة الحقيقة بحكم الفطرة التوّاقة إلى الكمال دوماً، كان هذا المتن الذي يعد محاولة في هذا المجال لتقديم رؤية عقائدية شاملة وعميقة بأسلوب مبسّط وسهل بعيداً عن التعقيدات اللغوية والاصطلاحات العلمية.

 

والمادة العلمية لهذا المتن مأخوذة بالأصل من كتاب: "العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت عليهم السلام" للشيخ العلامة المحقّق جعفر السبحاني، إضافة إلى بعض المراجع العقائدية حيث تدعو الحاجة، وما قمنا به هو إعادة ترتبيت وتبويب وعنونة المادة على شكل دروس متكاملة ومترابطة مع بعضها البعض، مع ما يلزم في بعض الأحيان من تقديم وتأخير في الفقر أو العناوين أو حتى حذف بعض المطالب التي تعتبر غير ضرورية في موردها. على أمل أن يحقّق هذا الجهد العملي الغرض الأساسي من طرحه والله ولي الوفيق.

 

والحمد لله رب العالمين

مركز نون للتأليف والترجمة

14


2

الدرس الأول: طرقُ المعرفة في الإسلام

  

الدرس الأول: طرقُ المعرفة في الإسلام

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يعدّد طرق وأنواع المعرفة.

2- يوضّح حجّيّة العقل والوحي.

3- يبيّن عدم التعارض بين الوحي والعقل.

15


3

الدرس الأول: طرقُ المعرفة في الإسلام

 مقدّمة

يتميّز الدين الإسلاميّ بدعوته الحثيثة نحو المعرفة، وبأن لا يكون المرء منقادًا إلى الإيمان بما يطرحه دون تعقّل وتفكّر، بل وحُكم في الشرع الإسلامي أنّ من أقرّ بالإسلام وبوجود الله عن تقليد بحت فإيمانه غير مقبول، ولهذا نجد المصادر الإسلامية الأساسيّة أكان من جهة القرآن الكريم أم أحاديث المعصومين نجدها مفعمة بتحريك العقل نحو التأمل والتفكر بأمور الكون والحياة والدين، وتدعو إلى ذلك بكلّ إصرار ووضوح.

 

طرق المعرفة

يستعين الإسلام لمعرفة الكون، وللوصول إلى الحقائق الدينيّة بثلاثة أنواع من الأدَوات مع أنّه يعتبر لكلّ واحدٍ منها مجالاً مختصّاً به.

 

وهذه الطرق هي:

1- الحِسّ، وأهّم الحواسّ هما حاسّتا السمع والبصر.

2- العقل الّذي يكتشف الحقيقة في مجالٍ محدودٍ وخاصّ، منطلِقاً في ذلك من أُصول ومبادئ خاصّةٍ.

3- الوحي الّذي هو وسيلة لارتباط ثُلّةٍ ممتازة ومميّزة من البشر بعالم الغيب.

17


4

الدرس الأول: طرقُ المعرفة في الإسلام

 وفي إمكان البشريّة جميعاً أن يستفيدوا من الطّريقين الأوَّلين في معرفة الكون وفي فهمِ الشّريعة كذلك، بينما الطريق الثالث خاصّ بمن شملتهُ العنايةُ الإلهيّة، وأبرز نموذج لهذا النمط من النّاس هم رسُلُ الله وأنبياؤه الكرام.

 

هذا مضافاً إلى أنّ أدَوات الحسّ وما يسمّى بالحواسّ الخمس، لا يستفاد منها إلاّ في مجال المحسوسات، كما لا يستفاد من أداة العقل إلاّ في مجال محدودٍ يملك العقلُ مبادئه.

 

على حين يكون مجال الوحي أوسع نطاقاً وأكثر شموليّة، كما أنّه نافذٌ في جميع الأصعدة سواء في مجال العقيدة أو في إطار الوظائف والتَّكاليف.

 

لقد تحدّث القرآنُ الكريمُ حولَ هذه الطرق الثلاث في آياتٍ متعددة نأتي هنا بنموذجَين منها:

 

فقد قال تعالى عنِ الحسّ والعقل: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[1].

 

والمراد من الأفئدةَ في الآية، وهي جمع فؤاد بقرينة لفظتَي: "السَّمع" و"البصر" هو العقل البشريّ.

 

على أنّ ذَيلَ الآية المذكورة الذي يتضّمن أَمراً بالشُكر يفيد أنّ على الإنسان أن يستفيد من هذه الأدَوات الثلاث, لأنّ الشّكر يعني صَرفَ كلّ نعمةٍ في موضِعِها المناسِب.

 

وحول "الوحي" قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾[2].



[1] سورة النحل، الآية 78.

[2] سورة النحل، الآية 43.

18


5

الدرس الأول: طرقُ المعرفة في الإسلام

 إنَّ الإنسان المتديّن يستفيد في معرفة الكون والحياة والعقيدة والدين، مِن الحسّ، ولكن غالباً ما تكون المدرَكات الحسيّة أَساساً ومنطلقاً لأحكامِ العقل، أي أنّ تلك المدرَكات تصنع الأرضيّة للفكر وحُكمه، كما أنّه قد يُستفاد من العقل والفكر في معرفة الله وصفاته وأفعاله وتكون حصيلةُ كلّ واحدة من هذه الطرق والأدَوات مقبولةً، ونافذةً ومعتبرة في اكتشاف الحقيقة ومعرفتها.

 

دعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام

تتلخّص دعوةُ الأنبياء والرسُل عليهم السلام في أمرين:

1- العقيدة.

2- العمل.

 

وتتمثّل مهمّتُهم في مجال "العقيدة" في الدعوة إلى الإيمان بالله، وصفاته الجماليّة والجلاليّة، وأفعاله.

 

بينما المقصود من "العمل" هو التّكاليف والأحكام التي يجب أن تَقوم الحياةُ الفرديّة والاجتماعيّة على أساسِها.

 

والمطلوبُ في مجال العقيدة إنّما هو العلم واليقين، ومن المسلَّم أنَّه لا يكون شيءٌ ما حجةً، (وبعبارة أُخرى: لا يَتّسِمْ بالحجيّة) إلاّ ما يؤدّي إلى هذا الأمر المطلوب.

 

ولهذا يجب على كلّ مُسلمٍ أنْ يصلَ في عقائده إلى اليقين، فليس له أن يكتفيَ في هذا المجال بمجرّد التقليد، فيأخذَ عقائدَه تقليداً، ويعتنِقها من غير تحقيقٍ.

 

وأمّا في مجال الوظائف والتّكاليف (العمل) فإِنّ ما هو المطلوب فيها هو تطبيق الحياة على أساسِها، والأخذُ بموازينها في جميع المَجالات الفرديّة والاجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة.

 

وفي هذا الصَعيد ثَمَّت بالإضافة إلى اليقين، طُرق أُخرى أيضاً قد أيَّدَتْها الشّريعةُ

19


6

الدرس الأول: طرقُ المعرفة في الإسلام

 وفرض علينا الاعتماد عليها للوصول إلى هذه التّكاليف والوظائف، والرجوع إلى المجتهد الجامع للشّرائط هو أَحدُ الطرق التي أيّدها وأقرّها صاحبُ الشريعة.

 

حجّية العقل والوحي

نحن نعتمد في أَخذ العقائد والأحكام الدّينيّة على حُجّتين إلَهيّتين هما: العقل والوحي.

 

وعمدة الفرق بينهما، هو أنّنا نستفيد مِن "الوحي" في جميع المجالات، بينما نستفيد مِن "العقل" في مجالات خاصّة.

 

والمقصود مِن "الوحي" هو كتابُنا السَّماوي "القرآن الكريم" والأحاديث التي تنتهي أسانيدها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

وأمّا أحاديث أئمّة أهل البيت عليهم السلام: فبما أنّها تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتنبع منه، تسمّى جميعُها بالإضافة إلى أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالسُّنة، وتُعتَبر من الحجج الإلهيّة.

 

إنّ العقل والوحي يؤيّد كلٌّ منهما حجيّةَ الآخر وإذا أثبتنا بحكم العقل القطعي حجيّة الوحي، فإنّ الوحي بدوره يؤيّد كذلك حجيّة العقل في مجاله الخاصّ به.

 

إنّ القرآن الكريم يَقُودُ في كثير من المواضع إلى حكم العقل وقضائه، ويدعو النّاس إلى التّفكر والتّدبر العقلي في عجائب الخلق، ويستعينُ هو كذلك بالعقل لإثبات مضامين دعوتهِ، وليس ثمَّتَ كتابٌ سماويٌ كالقرآن الكريم يحترِم المعرفةَ العقليَّة (والقضاياَ التي يُستدلّ عليها بالعقل السليم). فَالقرآن زاخرٌ بالبراهين العقلية في مجال العقائد، حتّى أنّها تفوقُ الحصرَ.

 

ولقد أكّد أئمّةُ أهل البيت عليهم السلام على حجيّة العقلِ وأحكامهِ في المجالات التي يحقُّ للعقل الحكمُ فيها، حتّى أنّ الإمام السّابع موسى بنَ جعفرٍ عليهما السلام عدّه إحدى

20


7

الدرس الأول: طرقُ المعرفة في الإسلام

 الحجج إذ يقول: "إنّ لله على الناس حجّتين: حجّةً ظاهرةً وحجّةً باطنةً، فأمّا الظّاهرةُ فالرُّسل والأنبياء والأئمة، وأمّا الباطنةُ فالعُقول"[1]

 

العقل والوحي لا يتعارضان

لمّا كانَ الوحيُ دليلاً قطعيّاً، وكان العقلُ مِصباحاً منيراً جعلهُ الله في كيان كلّ فردٍ من أفراد النَّوع الإنسانيّ، لذلك لَزِمَ أنْ لا يقع أَيُّ تعارُضٍ بين هاتين الحجّتينِ الإلَهيَّتين.

 

ولو بدا تعارضٌ بدائيٌ أحياناً بينَ هاتينِ الحجَّتينِ، فيجب أنْ يُعْلَم بأَنّه ناشئٌ من أحد أمرين: إمّا أنّ اسْتنباطنا مِن الدِّينِ في ذلك المورد غيرُ صحيحٍ، وإمّا أنّ هناك خطأً وقع في مقدّمات البرهانِ العقليّ, لأنّ الله الحكيم تعالى لا يدعُو النّاس إِلى طريقينِ متعارضينِ مُطلقاً.

 

وكما أنّه لا يُتصَوَّر أيّ تعارض حقيقيّ بين العقل والوحي، كذلك لا يحدثُ أَيُّ تعارضٍ بين "العلم" و"الوحي" مطلقاً، وإذا لُوحظَ نوعٌ مِن التعارض بين هذين في بعضِ الأحيان فإنّه أيضاً ناشئ من أحد أمرين: إمّا أَنْ يكونَ استنباطُنا من الدّين في هذا الموضع استنباطاً خاطئاً، وإمّا أنَّ العلمَ لَمْ يَصِل في هذا الموضوعِ إلى المرحلة القطعيَّة، وغالبًا ما يكون تصوّر التعارض ناشئ من الشقّ الثاني، فإنّ العقل الإنسانيّ قاصر عن إدراك جميع الأمور، فقد تخفى عليه تفاصيلها وعوارضها، بخلاف الوحي الذي يخبرنا بما هو من عند الله سبحانه، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماوات، وبالتالي فإنّنا نقدّم هنا حكم الوحي على حكم العقل لو ظهر لنا أن هناك تعارضًا.




[1] الكليني، الكافي، تحقيق: علي أكبر الغفاري، طهران - إيران، دار الكتب الإسلامية، ج 1، ص16، ح 12.

21


8

الدرس الأول: طرقُ المعرفة في الإسلام

 المفاهيم الرئيسة

- يستعين الإسلام لمعرفة الكون، وللوصول إلى الحقائق الدينيّة بثلاثة أنواع من الأدَوات هي الحِسّ والعقل والوحي.

 

- إنّ أدَوات الحسّ وما يُسمّى بالحواسّ الخمس، لا يستفاد منها إلاّ في مجال المحسوسات، كما لا يستفاد من أداة العقل إلاّ في مجال محدودٍ يملك العقلُ مبادئه.

 

- الوحي هو وسيلة لارتباط ثُلّةٍ ممتازة ومميّزة من البشر بعالم الغيب.

 

- نحن نعتمد في أَخذ العقائد والأحكام الدّينيّة على حُجّتين إلَهيّتين هما: العقل والوحي.

 

- إنّ العقل والوحي يؤيّد كلٌّ منهما حجيّةَ الآخر وإذا أثبتنا بحكم العقل القطعي حجيّة الوحي، فإنّ الوحي بدوره يؤيّد كذلك حجيّة العقل.

 

- إنّ القرآن الكريم يَقُودُ إلى حكم العقل وقضائه، ويدعو النّاس إلى التّفكر والتّدبّر العقليّ في عجائب الخلق.

 

- لأنّ الوحي دليل قطعيّ، والعقلُ مِصباح منير جعلهُ الله في كيان كلّ فردٍ من أفراد النَّوع الإنسانيّ، لذلك، لَزِمَ أنْ لا يقع أَيُّ تعارُضٍ بين هاتين الحجّتينِ الإلَهيَّتين.

 

 

 

 

 

أسـئلـة الـدرس

- تكلّم عن طرق المعرفة الثلاثة.

- اشرح كيف تكون حجيّة العقل والوحي؟

- لماذا لا يمكن التعارض بين الوحي والعقل؟

22


9

الدرس الأول: طرقُ المعرفة في الإسلام

 للمطالعة

 

أنواع الإدراك

الألفاظ المستعملة في القرآن الكريم في أنواع الإدراك كثيرة ربما بلغت العشرين، كالظن والحسبان، والشعور، والذكر، والعرفان، والفهم، والفقه، والدراية، واليقين، والفكر، والرأي، والزعم، والحفظ، والحكمة، والخبرة، والشهادة، والعقل، ويلحق بها مثل القول والفتوى والبصيرة ونحو ذلك.

 

والظن: هو التصديق الراجح وإن لم يبلغ حد الجزم والقطع، وكذا الحسبان، غير أن الحسبان كأن استعماله في الإدراك الظني استعمال استعاري، كالعد بمعنى الظن، وأصله من نحو قولنا: عدّ زيداً من الأبطال وحسبه منهم، أي ألحقه بهم في العد والحساب. والشعور: هو الإدراك الدقيق مأخوذ من الشعر لدقته، ويغلب استعماله في المحسوس دون المعقول، ومنه إطلاق المشاعر للحواس.

 

والذكر: هو استحضار الصورة المخزونة في الذهن بعد غيبته عن الإدراك، أو حفظه من أن يغيب عن الإدراك.

 

والعرفان: والمعرفة تطبيق الصورة الحاصلة في المدركة على ما هو مخزون في الذهن، ولذا قيل: إنه إدراك بعد علم سابق.

 

والفهم: نوع انفعال للذهن عن الخارج عنه بانتقاش الصورة فيه.

 

والفقه: هو التثبّت في هذه الصورة المنتقشة فيه، والاستقرار في التصديق.

 

والدراية: هو التوغّل في ذلك التثبّت والاستقرار حتى يدرك خصوصية المعلوم وخباياه ومزاياه ولذا يستعمل في مقام تفخيم الأمر وتعظيمه، قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ *

23


10

الدرس الأول: طرقُ المعرفة في الإسلام

 مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ[1]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ[2].

 

واليقين: هو اشتداد الإدراك الذهني بحيث لا يقبل الزوال والوهن.

 

والفكر: نحو سير ومرور على المعلومات الموجودة الحاضرة لتحصيل ما يلازمها من المجهولات. والرأي: هو التصديق الحاصل من الفكر والتروي، غير أنه يغلب استعماله في العلوم العملية مما ينبغي فعله وما لا ينبغي دون العلوم النظرية الراجعة إلى الأمور التكوينية، ويقرب منه البصيرة، والإفتاء، والقول، غير أن استعمال القول كأنه استعمال استعاري من قبيل وضع اللازم موضع الملزوم، لأن القول في شيء يستلزم الاعتقاد بما يدل عليه.

 

والزعم: هو التصديق من حيث إنه صورة في الذهن، سواء كان تصديقاً راجحاً أو جازماً قاطعاً والعلم كما مر: هو الإدراك المانع من النقيض.

 

والحفظ: ضبط الصورة المعلومة بحيث لا يتطرق إليه التغير والزوال.

 

والحكمة: هي الصورة العلمية من حيث إحكامها وإتقانها.

 

والخبرة: هو ظهور الصورة العلمية بحيث لا يخفى على العالم ترتب أي نتيجة على مقدماتها.

 

والشهادة: هو نيل نفس الشيء وعينه إما بحس ظاهر كما في المحسوسات، أو باطن كما في الوجدانيات نحو العلم والإرادة والحب والبغض وما يضاهي ذلك[3].



[1] سورة الحاقة، الآيات 1 - 3.

[2]  سورة القدر،الآيتان 1 و2.

[3] الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم - إيران، مؤسسة النشر الإسلامي التبعة لجماعة المدرسين بقم، ج2، ص247.

24


11

الدرس الثاني: الكون في نظر الإسلام

الدرس الثاني: الكون في نظر الإسلام

 

 

أهداف الدرس

 

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن كيف أنّ النظام الكونيّ ليس أبديًّا.

2- يشرح نظام العلّة والمعلول.

3- يبيّن الحكمة من خلق الكون.

25

 

12

الدرس الثاني: الكون في نظر الإسلام

 الكون مخلوق لله

الكون - أَيْ كلّ ما سِوَى الله - مخلوقٌ لله تعالى، وليس واقعُ الكونِ هذا سِوَى التعلّق، والرَّبط بالله تعالى، وليست الكائنات في غنىً عن الحقّ تعالى ولا لحظةً واحدة، ومعنى قولنا: إِنَّ الكون مخلوق لله، هو أَنَّ الكون خُلِقَ بإِرادة الله ومشيئته، وأنّ نسبته إلى الله ليس مِنْ نمطِ نسبة الوَلد إلى الوالد، فليست العَلاقة بين الكون وبين الله علاقة توْليد وَولادةٍ، يقول سبحانه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ[1].

 

نظام الكون الحالي ليس أبديّاً

النِّظام الحالي للكون ليس خالداً ولا أبديّاً، بل سينهدمُ ويندثر بعد زمانٍ يعلمه الله وحده على وجه التحديد، ويقوم مكانه نظامٌ آخر هو العالم الأخروي وما يسمّى بالمعاد، كما يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾[2]. وفي قوله سبحانه: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾[3] إِشارَة إلى هذه الحقيقة.

 

وبالتالي فإنّ خلق الكون بما أنّه خلق ذو أهداف تتبيّن في محلّها، يعني ذلك أنّه سوف يفنى ويزول، أمّا أنّه سيخلق الله كونًا جديدًا بعد انهدام هذا الكون الموجود، فهذا خارج عن تفكيرنا ولم يبيّنه الله سبحانه وتعالى.




[1] سورة الإخلاص، الآية 3.

[2] سورة إبراهيم، الآية 48.

[3] سورة البقرة، الآية 156.

27


13

الدرس الثاني: الكون في نظر الإسلام

 العلّة والمعلول

النِّظامُ الكونيّ الرّاهنُ قائمٌ على أَساس العلَّة والمعلول، وتقومُ بين ظواهرِهِ وأجزائه رابطةُ العليّة والمعلوليّة.

 

وتأثيرُ كلّ ظاهرة في ظاهرة أُخرى متوقّف على الإذن الإلهي وَالمشيئة الإلهيّة، وقد تَعلَّقت المشيئة الإلهيّة الحكيمة بتحقيق فيضه غالباً عن طريق النِّظام السببيّ، وعَبْرَ الأسباب والمسبّبات.

 

ومن الواضح أَنَّ الاعتقاد بتأثير الظّواهر بعضُها في بعض، لا يعني الاعتقاد بخالقيّتها قَطُّ، بل المقصود هو أنّ تلك الأسبابَ والعلل توفِّر - بإِذن الله ومشيئته - أرضيّة تحقّق ظواهر أُخرى، وأَنّ أيّ نوع من أَنواع التأثير والتأثر مظهرٌ من مشيئة الله وإِرادته الكلّيّة.

 

وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى كلا المطلبين المذكورَين ونعني خضوع الظواهر الطّبيعية لقانون العليّة وكذا توقُّفَ تأثيرِ كلّ علّة وسبب في الكون على الإذن الإلَهيّ الكلّيّ.

 

ففي المجال الأوّل نكتفي بذكر الآية التالية: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ[1].

 

وفي المَجالِ الثّاني نكتفي بالآيةِ التّالِيَة أَيْضاً: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ[2].




[1] سورة البقرة، الآية 22.

[2] سورة الأعراف، الآية 58.

28


14

الدرس الثاني: الكون في نظر الإسلام

 الوجود ليس مساوقاً للطبيعة المادية

الوجودُ ليس مساوِقاً للطبيعة المادّيّة، فهو لا ينحصرُ في المادّة وحدها بل هو أوسع من المادّة ومن ما وراءَها الَّذي أَطلقَ عليه القرآنُ اسْمَ "عالَمِ الغيبِ"، في مقابل عالَمِ الشَّهادةِ.

 

وكما أنّ الظواهر المادّيّة يؤثّر بعضُها في بعضٍ بإذن الله تعالى، كذلك تؤثّر الموجوداتُ الغيبيّة في عالَم الطبيعة بالإذن الإلَهيّ.

 

وبعبارة أُخرى: هي وسائط للفيض الاِلَهيّ.

 

ويتحدّث القرآنُ الكريمُ عن تأثير مَلائكةِ الله وتسَبّبِها لحوادثِ العالَمِ الطبيعيّ إذ يقول تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾[1]. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾[2].

 

نَستَنتجُ من الآيات الصَريحة السابقة:

إنّ عالَمَ الخلق بقسمَيْه: الطبيعة وما وراء الطبيعة مع ما يسوده من النظام السببي، قائمٌ برمَّته بمشيئة الله سبحانه ومرتبط به، بلا استثناءٍ.

 

خضوع الكون لهداية خاصة

إنَّ الكونَ حقيقةٌ تخضع لهدايةٍ خاصّةٍ، وإنّ جميع ذرّات العالم - كلٌّ في مرتبته - تتمتّع بحسب ما هي عليها بنورِ الهداية.

 

كما وإنّ مراتب هذه الهداية العامّة والشاملة تتكوّن من الهداية الطبيعيّة، والغريزيّة والتكوينيّة.

 

ولقد ذكَّر القرآنُ الكريمُ في آيات عديدةٍ بهذه الهداية التكوينيّة والعامّة، نأتي فيما يلي بواحدةٍ منها: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾[3].




[1] سورة النازعات، الآية 5. 

[2] سورة الأنعام، الآية 61.

[3] سورة طه، الآية 50.

29


15

الدرس الثاني: الكون في نظر الإسلام

 الكون نظام كامل

إنَّ نظامَ الخليقة الحاضر هو النظامُ الأكملُ والأحسنُ، وإنّ جهاز الوجود قد صُوِّر على أفضل صورة، فلا يمكن تصوّر ما هو أكمل وأفضل ممّا عليه الآن.

 

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾[1].

 

والدليلُ العقليُّ يدعمه، وذلك لأنّ فعلَ أيّ فاعل يتناسب من حيث الكمال والنقص، مع ما عليه الفاعلُ من حيث الصفات والكمالات، فإذا كان الفاعلُ منزَّهاً عن أيّ نقص من حيث الصفات الوجوديّة، كان فعلهُ كذلك عارياً عن أيّ نوع من أنواع النقص والعيب.

 

وحيث إنّ الله تعالى يُوصف بكلّ الكمالات الوجوديّة على وجهها الأتمّ الأكمل يكون فعله أيضاً - وبطبيعة الحال - أكملَ فعلٍ وأفضلَه. هذا مضافاً إلى أنّ كونَ اللهِ حكيماً يقتضي ما دام خلقُ العالمِ الأحسنِ ممكناً، أن لا يوجِدَ غيره.

 

والجدير بالذِكرِ أنّ ما في العالَم الطبيعيّ ممّا يسمّى بالشُّرور لا ينافي النظامَ الأحسنَ للوجود، وتوضيحُ هذه النقطة سيأتي في أبحاث "التوحيدِ في الخالقيّة".

 

الحكمة في خلق الكون

حيث إنَّ العالَمَ مَخلوقٌ لله - تعالى - وفعلهُ، فإنَّ مصنوعَه كذلك حقٌّ ويتَّسم بالحِكمة، فلا مجالَ للعبثيّة واللّاهدفيّة فيه. وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى هذا الموضوع في آياتٍ عديدةٍ نذكر واحدةً منها هنا: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ[2].

 

على أنّ غايةَ هذا العالم والإنسان إنّما تَتَحقّق عندما تقومُ القيامة، كما قال الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: "فإنّ الغاية القِيامة"[3].




[1] سورة السجدة، الآية 7.

[2] سورة الأحقاف، الآية 3.

[3] نهج البلاغة، الخطبة 190.

30


16

الدرس الثاني: الكون في نظر الإسلام

 المفاهيم الرئيسة

1- الكون مخلوقٌ لله تعالى، وليس واقعُ الكونِ هذا سِوَى التعلّق، والرَّبط بالله تعالى.

 

2- النِّظام الحاليّ للكون ليس خالداً ولا أبديّاً، بل سينهدمُ ويندثر بعد زمانٍ يعلمه الله وحده على وجه التحديد، ويقوم مكانه نظامٌ آخر هو العالم الأخروي.

 

3- النِّظامُ الكوني الرّاهنُ قائمٌ على أَساس العلَّة والمعلول، وتقومُ بين ظواهرِهِ وأجزائه رابطةُ العليّة والمعلوليّة.

 

4- الوجودُ ليس مساوِقاً للطبيعة المادّيّة، فهو لا ينحصرُ في المادّة وحدها بل هو أوسع من المادة ومن ما وراءَها.

 

5- إنَّ الكونَ حقيقةٌ تخضع لهدايةٍ خاصّةٍ، وإنّ جميع ذرات العالم - كلٌّ في مرتبته - تتمتّع بحسب ما هي عليها بنورِ الهداية.

 

6- إنّ عالَمَ الخلق بقسمَيْه: الطبيعة وما وراء الطبيعة مع ما يسوده من النظام السببي، قائمٌ برمَّته بمشيئة الله سبحانه ومرتبط به، بلا استثناءٍ.

 

7- غاية هذا العالم والإنسان إنّما تَتَحقّق عندما تقومُ القيامة.

 

 

اسئلة الدرس

1- بيّن نظام العلّة والمعلول.

2- ما هو المقصود بأنّ نظام الكون نظام كامل؟

3- ما هي الحكمة من خلق الكون؟

31


17

الدرس الثاني: الكون في نظر الإسلام

 للمطالعة

 

العلة والمعلول

إن العلة والمعلول قد يكونان مقترنين تماماً ومع ذلك ندرك علية أحدهما للآخر، كحركة اليد وحركة القلم حال الكتابة، فإن حركة اليد وحركة القلم توجدان دائماً في وقت واحد، فلو كان مردً الضرورة والعلية إلى استتباع احدى العمليتين العقليتين للأخرى بالتداعي لما أمكن في هذا المثال أن تحتل حركة اليد مركز العلة لحركة القلم، لأن العقل قد أدرك الحركتين في وقت واحد فلماذا وضع إحداهما موضع العلة والأخرى موضع المعلول؟

 

وبكلمة أخرى: إن تفسير العلية بضرورة سيكولوجية يعني أن العلة إنما اعتبرت علة لا لأنها في الواقع الموضوعي سابقة على المعلول ومولدة له، بل لأن إدراكها يتعقّبه دائماً إدراك المعلول بتداعي المعاني فتكون لذلك علة له، وهذا التفسير لا يمكنه أن يشرح لنا كيف صارت حركة اليد علة لحركة القلم مع أن حركة القلم لا تجيء عقب حركة اليد في الإدراك، وإنما تدرك الحركتان معاً فلو لم يكن لحركة اليد سبق واقعي وسببية موضوعية لحركة القلم لما أمكن اعتبارها علة[1].




[1] الصدر، محمد باقر، فلسفتنا، دار الكتاب الاسلامي، 1425هـ- 2004م، ط3، ص72.

32


18

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن: 

1- يبيّن نظرة الإسلام إلى الإنسان من حيث الفطرة والحرّيّة وقابليّته للتربية.

2- يوضّح العلاقة بين تقدّم الأمم أو تخلّفها وبين عقائدها وأخلاقها.

3- يشرح كيف يكون الانسجام بين الحرّيّة الفرديّة ومبدأ التكامل المعنويّ.

33


19

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 ماهيّة الإنسان

الإنسان كائنٌ مركّبٌ من الرّوح والجَسَد، وجَسَده يتلاشى بعد الموت وتتفرّق أَجزاؤه، إلاّ أنَّ روحه تواصل حياتها، وموت الإنسان لا يعني فناءَه، ولهذا فإنّه سيمرّ بحياةٍ برزخيّةٍ حتى تقومَ القيامة، ولقد أشار القرآن الكريم عند بيان مراتب خَلْق الإنسان وتكوّنه، إلى آخر مرحلةٍ من تلك المراحل، وهي التي تتحقّق بنفخ الرّوح في جسده، إذ يقول: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ[1]. كما أنّ القرآن أشار إلى حياة الإنسان البرزخيّة في عدّة آيات أيضاً، ومن تلك الآيات قوله: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[2].

 

خلق الإنسان بفطرة سليمة

يولَد كلّ إنسان بفطرةٍ نقيّةٍ توحيديّةٍ بحيث إذا بقي بعيداً عن تأثير العوامل الخارجيّة (كالتربية والصّداقةِ والإعلام) التي تُسبِّب انحرافَ عقيدتهِ، سَلَكَ طريقَ الحق.

 

فليس ثمّة شرّيرٌ بالولادة والخلقة، بل الشرور والقبائح أُمور ذات صفة عارضة وطارئة تنشأ بسبب العوامل الباطنيّة والاختياريّة.




[1] سورة المؤمنون، الآية 14.

[2] سورة المؤمنون، الآية 100.

35


20

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 ولهذا فإنَّ فكرةَ المعصية الذاتيّة في بني آدم، المطروحة من قِبل العقيدة المسيحيّة، لا أساس لها من الصحّة أبدًا. يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصدد: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا[1].

 

الإنسان كائن حرّ الإرادة

الإنسان كائنٌ حرُّ الإرادة، مخيّرٌ، يعني أنّه بَعد أن يدرسَ النواحي المختلفة لموضوعٍ مّا في ضوء العقل، يختار فعلَهُ أو تركَه، دون إجبار. يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا[2]. ويقول أيضاً: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾[3].

 

الإنسان مخلوق قابل للتربية والتأديب

حيث إنّ الإنسان يتمتّع بفطرةٍ سليمةٍ وقوّة تُمكِّنه من معرفة الخير والشرّ، كما أنّه كائن مخيّر غير مجبور، لذلك كلّهِ فهو موجودٌ قابل للتربية والتأْديب، قادرٌ على سلوك طريق الرّشد والتكامل، وباب العودة إلى الله مفتوحٌ عليه، اللّهم إلاّ أن يتوبَ إلى الله لحظة المعاينة، ومشاهدة الموت التي لا تُقبل فيها التوبة، ولا تنفع فيها العودة إلى الله. ومن أَجل هذا تكون دعوةُ الأنبياء موجَّهة إلى جميع البشر حتى نظير فرعون كما يقول تعالى: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾[4]. وعلى هذا الأساس يجب أن لا ييأس الإنسان من الرّحمةِ والمغفرةِ الإلَهيّتين كما يقول تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾[5].




[1] سورة الروم، الآية 30.

[2] سورة الإنسان، الآية 3.

[3] سورة الكهف، الآية 29.

 [4] سورة النازعات، الآيتان 18 و 19.

[5] سورة الزمر، الآية 53.

36


21

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 الإنسان كائن مسؤول

حيث إنّ الإنسان يتمتّع بنورِ العقل وموهبة الاختيار لذلك فإنّه كائنٌ مسؤُولٌ، مسؤولٌ أمام الله، وأمام الأنبياء، والقادة الإلَهيين، وأمام غيره من أبناء البشر الآخرين، وأمام العالَم. وقد صَرّحَ القرآن الكريم بهذه المسؤوليّة الّتي تَقَعُ على الإنسان في آيات عديدة يقول: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً[1].

 

ويقول كذلك: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى[2]. ويقول الرسولُ الأَكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "كُلُّكُمْ راعٍ وَكُلُّكُمْ مَسؤُولٌ عَنْ رَعِيّتهِ"[3].

 

كرامة الإنسان

يحظى الإنسان - حسب رؤية القرآن الكريم - بكرامةٍ خاصّة إلى دَرَجةِ سجود الملائكة له، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[4].

 

وحيث إنّ جوهر الحياة الإنسانيّة يكمنُ في حفظ الكرامة والعزّة، لهذا منَعَ الإسلام من أيّ عمل يضرُّ بهذه الموهبة، وبعبارة أكثر وضوحاً, إنّ أيّ نوع من التسلّط على الآخرين وكذا قبول السلطة من الآخرين ممنوعٌ من وجهة نظر الإسلام منعاً باتاً، فلا بدّ أن يعيش المرء حُرّاً كريماً بعيداً عن أيّ شكلٍ من أشكال الصَّغار والذلّ.

 

قال الإمام أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: "ولا تكُنْ عَبْدَ غيرِك وقدْ جَعَلك الله حُرّاً"[5].




[1] سورة الإسراء، الآية 34.

[2] سورة القيامة، الآية 36.

[3] ابن حنبل، المسند، بيروت- لبنان، دار صادر، ج2، ص54.

[4] سورة الإسراء، الآية 70.

[5] نهج البلاغة، الخطبة 31.

37


22

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 وكما قال الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله تبارَك وتعالى فَوَّض إلى المؤمن كلَّ شيء إلاّ إِذلالَ نفسهِ"[1]، ومن الواضح جداً أنّ الحكومات الإلهيّة المشروعة لا تنافي هذا الأصل كما سيأتي توضيحه مستقبلاً.

 

رؤية الإسلام للعقل الإنسانيّ

إنّ للعقل الإنسانيّ مكانةً خاصّةً في رؤية الإسلام ونظره، وذلك لأَنّ ما يميّز الإنسان عن سائر الأحياء بل ويجعله مفضّلاً عليها هو عقله ومدى قوّته في التفكير. من هنا دُعِيَ البشر - في آيات عديدة من القرآن الكريم - إلى التفكّر والتأمّل، والتدبّر والتعقّل، إلى درجة، عُدَّت تنمية القوّة العقليّة، والتفكّر في مظاهر الخلق، من علائم العقلاء وذوي الألباب قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾[2].

 

هذا وإنّ الآيات التي ترتبط بضرورة التفكّر والتأمّل في مظاهر الخلقة أكثر بكثير من أن يمكن سردها في هذا البيان المقتضب. وعلى أساس هذه الرؤية نجد القرآن الكريمَ ينهى الناس عن التقليد الأعمى، وعن الاتّباع غير المدروس للآباء والأجداد.

 

ملاك التفاضل بين الناس

لا فَضْلَ لإنسانٍ على إنسان آخر إلاّ بما يكسبه، ويحصل عليه من الكمالات المعنويّة، وأفضل هذه الكمالات التي هي ملاكُ التفوّق والأفضليّة هو التقوى كما يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[3].




[1] الكليني، الكافي، ج5، ص62، باب من أسخط الخالق في مرضاة المخلوق، ح3.

[2] سورة آل عمران، الآية 191.

[3] سورة الحجرات، الآية 13.

38


23

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 وعلى هذا الأساس لا تكون الخصائصُ العرقيّة والجغرافيّة وغيرها من وجهة نظر الإسلام سبباً للتمييز، ومبرِّراً للتفاخر والتكبّر، والاستعلاء على الآخرين.

 

ثبات الأسس الأخلاقية

الأسُسُ الأخلاقيّة التي تُمثّل - في الحقيقة - أُسُسَ الهويّة الإنسانيّة، ولها جذورٌ فطريّةٌ، أُسسٌ ثابتةٌ وخالدةٌ، وهي لا تتغيّر بسبب مُضِيّ الزمان وطروءِ التحوّلات والتطوّرات الإجتماعيّة. فمثلاً, حسنُ الوفاء بالعهد والعقد، أو حسن مقابلة الإحسان بالإحسان، قضيّةٌ خالدةٌ، وحقيقةٌ ثابتةٌ مطلقاً، وهذا القانون الاَخلاقيّ لا يتغيّر أبداً. وهكذا الحكمُ بقبح الخيانة وخُلف الوعد.

 

وعلى هذا الأساس فإنّ في الحياة البشريّة الاجتماعيّة طائفةً من الأصول والأسُس التي امتزجت بالفطرة، والطبيعة البشريّة وتكون ثابتةً وخالدةً. وقد أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى بعض هذه الأصول والأسُس العقليّة الأخلاقيّة الثابتة إذ قال:

﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾[1]. وقال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾[2].

 

وقال أيضًا: ﴿فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[3]. وقال: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[4].

 

والكلام عن الأسس الأخلاقية يختلف عن الآداب والعادات والتقاليد التي تكون لدى الناس، فالأخلاق ليست كالآداب، فإن الأولى كما ثبت لدينا أسس ثابتة لا تتغيّر، والثانية قابلة للتغيّر والتبدّل بفعل الزمان والمكان، ولا ضير في ذلك طالما أنّها لا تعبّر عن الثوابت الإنسانية، فعلى سبيل المثال والفرض إذا كان الناس في بلاد الصين لا يقفون للرجل إذا جاءهم، فإنهم في البلاد العربية يعتبر الوقوف للرجل




[1] سورة الرحمن، الآية 60.

[2] سورة التوبة، الآية 91.

[3] سورة يوسف، الآية90.

[4] سورة النحل، الآية 90.

39


24

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 من الاحترام، ولكن لا يعني ذلك أن تقاليد الصينيّين في عدم الوقوف غير أخلاقية إنما هي فقط تقاليد مختلفة، وهكذا في الكثير من العادات والتقاليد، فلا ينبغي الخلط بين الأخلاق والأداب.

 

الانسجام بين الحريّة الفرديّة ومبدأ التكامل المعنويّ

إنّ الحرّيّات الفرديّة (الشخصيّة) في المجالات الاقتصاديّة السياسيّة مقيّدة في الإسلام بأنْ لا تُنافي مبدأَ التكامل المعنويّ للإنسان كما هي مقيّدة بأن لا تضرّ بالمصالح العامة.

 

وفي الحقيقة إنّ حكمة التكليف بالوظائف والواجبات الدينيّة في الإسلام تكمن في أنّ الإسلام يريد بهذه الوظائف التي يُكلّف بها الإنسان أن يحافظ على كرامته الذاتيَّة، وفي الوقت نفسه يضمن سلامة واستمرار المصالح الاجتماعية.

 

إنّ مَنع الإسلام من الوثنيّة، ونهيه المؤكّد عن تعاطي ومعاقرة الخمر وما شابه ذلك إنّما هو للحفاظ على الكرامة الإنسانيّة (فرداً وجماعة). وبهذا تتضح حكمة التشريعات الجزائية في الإسلام أيضاً.

 

فالقرآن الكريم يعتبر القصاص ضماناً للحياة الإنسانيّة إذ يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ[1].

 

يقول النبيّ الأَكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ المعصيةَ إذا عَمِلَ بها العبدُ سرًّا لم تَضرّ إلاّ عامِلَها، فإذا عَمِل بها علانيّة، ولم يُغَيّر أضرّت بالعامّة"[2]. ويضيف الإمام جعفر الصادق عليه السلام بعد نقل هذا الحديث قائلاً: "ذلك أنّهُ يذلّ بعَملِه دين الله، وَيَقْتدي به أهلُ عَداوةِ اللهِ"[3].




[1] سورة البقرة، الآية 179.

[2] المجلسي، بحار الأنوار، تحقيق: محمد مهدي السيد حسن الموسوي والسيد ابراهيم الميانجي ومحمد الباقر البهبودي، بيروت- لبنان، مؤسسة الوفاء، ج97، ص68،ح15.

[3] الحر العاملي، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ج16، باب4، ح1، ص135.

40


25

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 لا إكراه في الدين

إنّ من مظاهر الحريّة الفرديّة في الإسلام هو أن لا يُجبرَ الشخصُ على قبول الدين واعتناقه كما قال تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾[1].

 

وذلك لأن الدّين المطلوب في الإسلام هو الاعتقاد والإيمان القلبيّان وهما لا يتحقّقان في قلب الإنسان بالعُنف والقهر، والقسر والإجبار، بل ينشئان بعد حصول مقدّمات أهمها اتّضاح الحقّ والباطل وتميّز أحدهما عن الآخر.

 

فإذا حَصَلت مثل هذه المعرفة اختار الإنسانُ الحقَّ في ظروف طبيعيّة قطعاً.

 

صحيح أنّ "الجهاد" هو أحد الفرائض والواجبات الإسلاميّة المهمّة جداً، ولكن لا يعني الجهادُ قط إجبارَ الآخرين على اعتناق الإسلام، بل المقصود منه إزالة الموانع والعراقيل عن طريق الدعوة الإسلاميّة وإبلاغ الرسالة الإلهيّة إلى مسامع الناس في العالم لكي يتبيّن الرّشد من الغيّ.

 

ومن الطبيعيّ إذا مَنَعَ أرباب الثروة والسلطة انطلاقاً من الدوافع المادّيّة والشيطانيّة من إبلاغ الرسالة الإلهيّة الهادية إلى مسامع الناس وأفئدتهم، اقتضت فلسفة النبوّة (وهي هداية البشريّة وإرشادهم) أن يقوم المجاهدون بإزالة هذه الموانع، والعراقيل، لتتوفّر الشروط والظروف اللازمة لإبلاغ دعوة الحقّ إلى أبناء البشرية.

 

اتّضح مّما سبق من الأبحاث، رؤية الإسلام حول الكون والإنسان والحياة، على أنّ هناك نقاطاً وأصولاً أُخرى أيضاً سنأتي بها في مكانها المناسب. وها نحن نشرع في استعراض مواقف الإسلام ورؤاه في صعيد المعتقدات والأحكام.



[1] سورة البقرة، الآية 256.

41


26

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 المفاهيم الرئيسة

- الإنسان كائنٌ مركّبٌ من الرّوح والجَسَد، وجَسَده يتلاشى بعد الموت وتتفرّق أَجزاؤه، إلاّ أنَّ روحه تواصل حياتها.

 

- يولَد كلّ إنسان بفطرةٍ نقيّةٍ توحيديّةٍ بحيث إذا بقي بعيداً عن تأثير العوامل الخارجيّة (كالتربية والصَداقةِ والإعلام) التي

تُسبِّب انحرافَ عقيدتهِ، سَلَكَ طريقَ الحق.

 

- الإنسان كائنٌ حرُّ الاِرادة، مخيّرٌ، يعني أنّه بَعد أن يدرسَ النواحي المختلفة لموضوعٍ مّا في ضوء العقل، يختار فعلَهُ أو تركَه، دون إجبار.

 

- الإنسان موجودٌ قابل للتربية والتأْديب، قادرٌ على سلوك طريق الرشد والتكامل، وباب العودة إلى الله مفتوحٌ عليه.

 

- لا فَضْلَ لإنسانٍ على إنسان آخر إلاّ بما يكسبه، ويحصل عليه من الكمالات المعنوية، وأفضل هذه الكمالات التي هي ملاكُ التفوّق والأفضليّة هو التقوى.

 

- الأسُسُ الأخلاقيّة التي تُمثّل أُسُسَ الهويّة الإنسانيّة، ولها جذورٌ فطريّةٌ، أُسسٌ ثابتةٌ وخالدةٌ، وهي لا تتغيّر.

 

- إنّ الحرّيّات الفرديّة (الشخصيّة) في المجالات الاقتصاديّة السياسيّة مقيّدة في الإسلام بأنْ لا تُنافي مبدأَ التكامل المعنويّ للإنسان.

 

 

أسئلة الدرس

1- اذكر الشواهد التي تبرز تكريم الإسلام للإنسان.

2- ما هو المقصود بثبات الأسس الأخلاقيّة؟

3- تكلّم عن الانسجام بين الحرّيّة الفردية ومبدأ التكامل المعنوي.

42


27

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

للمطالعة

 

الحرية

الحرية هي انعتاق الإنسان وتحرّره من أسر الرق والطغيان، وتمتعه بحقوقه المشروعة. وهي من أقدس الحقوق وأجلها خطراً، وأبلغها أثراً في حياة الناس.

 

لذلك أقر الإسلام هذا الحق وحرص على حمايته وسيادته في المجتمع الإسلامي. وليست الحرية كما يفهمها الأغرار هي التحلل من جميع النظم والضوابط الكفيلة بتنظيم المجتمع، وإصلاحه وصيانة حقوقه وحرماته، فتلك هي حرية الغاب والوحوش الباعثة على فساده وتسيبه. وإنما الحرية الحقة هي: التمتع بالحقوق المشروعة التي لا تناقض حقوق الآخرين ولا تجحف بهم. وإليك طرفاً من الحريات:

 

1- الحرية الدينية:

فمن حق المسلم أن يكون حراً طليقاً في عقيدته وممارسة عباداته، وأحكام شريعته. فلا يجوز قسره على نبذها أو مخالفة دستورها، ويعتبر ذلك عدواناً صارخاً على أقدس الحريات، وأجلها خطراً في دنيا الإسلام. والمسلمين. وعلى المسلم أن يكون صلباً في عقيدته، صامداً إزاء حملات التضليل التي يشنها أعداء الاسلام، لإغواء المسلمين وإضعاف طاقاتهم ومعنوياتهم.

 

2- الحرية المدنية:

ومن حق المسلم الرشيد أن يكون حراً في تصرفاته، وممارسة شؤونه المدنية، فيستوطن ما أحب من البلدان، ويختار ما شاء من الحرف والمكاسب ويتخصص فيما يهوى من العلوم، وينشئ ما أراد من العقود، كالبيع والشراء والإجارة والرهن ونحوها. وهو حر في مزاولة ذلك على ضوء الشريعة الإسلامية.

43


28

الدرس الثالث: الإنسان في نَظَر الإسلام

 3- حرية الدعوة الإسلامية:

 

وهذه الحرية تحض الأكفاء من المسلمين القادرين على نشر التوعية الإسلامية، وإرشاد المسلمين وتوجيههم وجهة الخير والصلاح. وذلك ما يبعث على تصعيد المجتمع الإسلامي ورقيه دينياً وثقافياً واجتماعياً، ويعمل على وقايته وتطهيره من شرور الرذائل والمنكرات.

 

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[1].

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء"[2].



[1] سورة آل عمران، الآية 104.

[2] المجلسي، بحار الأنوار، ج97، ص94.

44


29

الدرس الرابع: مراتب التوحيد (1) التوحيد في الذات والتوحيد في الصفات

 الدرس الرابع: مراتب التوحيد (1) التوحيد في الذات والتوحيد في الصفات

 

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يشرح طرق إثبات وجود الله من خلال القرآن.

2- يبيّن معنى التوحيد الذاتي.

3- يبيّن معنى التوحيد في الصفات.

45


30

الدرس الرابع: مراتب التوحيد (1) التوحيد في الذات والتوحيد في الصفات

 وجود الله تعالى

إنّ الاعتقاد بوُجود الله أصلٌ مشترك بين جميع الشرائع السماويّة، وأساساً يكمنُ الفارقُ الجوهريُّ والأساسيُّ بين الإنسان الاِلَهيّ المتديّنِ (مهما كانت الشريعة التي ينهجها) والفردِ الماديّ، في هذه المسألة. إنّ القرآنَ الكريمَ يعتبر وجودَ الله أمراً واضحاً وغنيّاً عن البرهنة، ويرى أنّ الشك والتردّد في هذه الحقيقة أمر غير مبرَّر، بل ومرفوضاً كما قال تعالى: ﴿أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ[1].

 

إلاّ أنّه رغم وضوحِ وجودِ الله وبداهته قد وضع القرآنُ الكريمُ أمام من يريدُ معرفة الله عن طريق التفكّر والبرهنة، وإزالة جميع الشكوك والاحتمالات المضادّة عن ذهنه، طرقاً تؤدّي هذه المهمّة وأبرزها هو:

 

1ـ إحساس الإنسان بالحاجة إلى كائنٍ أعلى، هذا الإحساس الذي يتجلّى في ظروف وحالاتٍ خاصّة، وهذا هو نداء الفطرة الإنسانيّة التي تدعوه إلى مبدأ الخلق يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾[2]. ويقول أيضاً: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾[3].




[1] سورة إبراهيم، الآية 10.

[2] سورة الروم، الآية 30.

[3] سورة العنكبوت، الآية 65.

47


31

الدرس الرابع: مراتب التوحيد (1) التوحيد في الذات والتوحيد في الصفات

 2ـ الدعوة إلى مطالَعة العالَم الطبيعيّ والتأمّل في عجائب المخلوقات التي هي آياتٌ واضحةٌ، ودلائلٌ قويةٌ على وجود الله. إنّها آيات تدلّ على تأثير ودور العلم والقدرة، والتدبير الحكيم في عالم الوجود: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾[1]. إنّ الآيات في هذا المجال كثيرة وما ذكرناه ليس سوى نماذج من ذلك.

 

 

ومن البديهيّ أن ما ذكرناه لا يعني بالمرّة أنّ الطريق إلى معرفة وجودِ الله وإثباته يختصّ في هذين الطريقين، بل هناك طرق

عديدة أُخرى لإثبات وجودِ الله أتى بها علماء العقيدة، والمتكلّمون المسلمون في مؤلفاتهم المختصّة بهذه المواضيع.

 

مراتب التوحيد

تقوم جميعُ الشرائع والمناهجِ السماوية على أساس التوحيد كما وأنّ الاعتقاد بالتوحيد هو أبرز أصلٍ مشتركٍ بين تلك الشرائع، وإن كان هناك شيء من الانحراف لدى أتباع بعض تلك الشرائع في هذه العقيدة المشتركة. وفيما يأتي مراتب التوحيد وأبعاده في ضوء القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، والبراهين العقلية:

 

التوحيد في الذات

إنّ أوّل مرتبة من مراتب التوحيد هو التوحيد الذاتيّ، وللتوحيد الذاتيّ معنيان:

1- إنّ الله واحدٌ، لا مثيل له ولا نظير ولا شبيهَ ولا عديل.

2- إن الذات الإلهيّة المقدّسة ذاتٌ بسيطةٌ لا كثرةَ فيها، ولا تركّب.

 

يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام حول كلا المعنيَين:

أ- "هُو وَاحدٌ لَيسَ له في الأشْياء شَبَهٌ".

ب- "وإنّه عزّ وجل أَحديّ المعنى لا ينقسم في وجودٍ ولا وَهمٍ ولا عقلٍ"[2].

 

وسورة "الإخلاص" التي تعكس عقيدة المسلمين في مجال التوحيد تشير إلى كلا القسمين:




[1] سورة آل عمران، الآية 190. 

[2] الصدوق، التوحيد، قم - إيران، مؤسسة النشر الإسلامي، ص 81، الباب 3، الحديث 3.

 48


32

الدرس الرابع: مراتب التوحيد (1) التوحيد في الذات والتوحيد في الصفات

 فقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ[1] إشارةٌ إلى القسم الأوّل.

 

وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[2] إشارةٌ إلى القسم الثاني.

 

وعلى هذا الأساس يكون "التثليث" باطلاً من وجهة نظر الإسلام، وقد صرّح القرآنُ الكريمُ في آيات عَديدة بعدم صحة ذلك.

 

كما أنّ هذه المسألة تَناولَتْها الكتبُ الكلاميّة (العقيديّة) بالبحث المُفَصَّل وفَنَّدَتْ التثليثَ بطرق مختلفة، ونحن نكتفي هنا بذكر طريق واحد: إنّ التثليث بمعنى كون الإلَه ثلاثاً لا يخلو عن أحد حالين:

 

أ- إمّا أن يكون لكلِّ واحدٍ من هذه الثلاثة وجودٌ مستقلٌّ، وشخصيّة مستقلّة، أي أنْ يكون كلُّ واحدٍ منها واجداً لكلّ حقيقةِ الألوهية، وفي هذه الصورة يتنافى هذا مع التوحيد الذاتيّ بمعناه الأوّل (أي كون الله لا نظير له).

 

ب- وإمّا أن تكون هذه الآلهة الثلاثة ذات شخصيّة واحدة، لا متعدّدة ويكون كلُ إلَهٍ جزءاً من تلك الحقيقة الواحدةِ، وفي هذه الصورة يكون التثليث كذلك مستلزماً للتركب، ويخالف المعنى الثانيَ للتوحيد الإلَهيّ (أي بساطة الذاتِ الإلهيّة).

 

التوحيد في الصفات

المرتبة الثانيّة من مراتب التوحيد هو: التوحيد في صفات الذات الإلهيّة.

 

نحن نعتقد أنّ الله تعالى موصوف بكلّ الصفات الكمالية، وأنّ العقلَ والوحيَ معاً يَدُلاّن على وجودِ هذه الكمالات في الذات الإلهيّة المقدسة. وعلى هذا الأساس فإنّ الله عالمٌ، قادرٌ، حيٌّ، سميعٌ، بصيرٌ وغيرها من الصفات...

 

وهذه الصفات تتفاوت فيما بينها من حيث المفهوم، فما نفهمه من لفظة "عالِم" غير ما نفهمه من لفظة: "قادر". ولكن النقطة الجديرة بالبحث هو أنّ هذه الصفات




[1] سورة الإخلاص، الآية 4.

[2] سورة الإخلاص، الآية 1.

49


33

الدرس الرابع: مراتب التوحيد (1) التوحيد في الذات والتوحيد في الصفات

 كما هي متغايرة من حيث المفهوم هل هي في الواقع الخارجيّ متغايرة أم متحدة؟

 

يجب القول في معرض الإجابة على هذا السؤال: حيث إنّ تغايرَها في الوجود، والواقع الخارجي، يستلزم الكثرةَ والتركّب في الذات الإلهيّة المقدسة، لذلك يجب القولُ حتماً بأنّ هذه الصفات مع كونها مختلفةً ومتغايرةً من حيث المعنى والمفهوم إلاّ أنّها في مرحلة العينيّة الخارجيّة، والواقع الخارجِيّ متحدةٌ.

 

وبتعبير أخر: إنّ الذات الإلهيّة في عين بساطتها، واجدةٌ لجميع هذه الكمالات، لا أنّ بعض الذات الإلهيّة "عِلم" وبعضها الآخر "قُدرة" والقسم الثالث هو "الحياة" بل هو سبحانه، كما يقول المحقّقون: علمٌ كلُّه وقدرةٌ كلّهُ وحياةٌ كلهُ... وعلى هذا الأساس فإنّ الصفاتِ الذاتية للهِ تعالى، مع كونها قديمةً وأزليةً فهي في نفس الوقت عين ذاته سبحانه لا غيرها.

 

وأمّا ما يقولهُ فريقٌ من أنّ الصفات الإلهيّة قديمةٌ وأزليةٌ ولكنها زائدةٌ على الذات غير صحيح، لأنّ هذه النظرة تنبع في الحقيقة من تشبيه صفات الله بصفات الإنسان وحيث إنّ صفات الإنسان زائدةٌ على ذاته فقَد تصوَّروا أنّها بالنسبة إلى الله كذلك.

 

يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "لم يَزلِ اللهُ - جلّ وعزّ - ربُّنا والعلمُ ذاتُه ولا معلومَ، والسَمعُ ذاتُه ولا مسموعَ، والبَصَرُ ذاتُه ولا مُبْصَرَ، والقدرةُ ذاتُه ولا مقدورَ"[1].

 

ويقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "وكمالُ الإخلاصِ له نفي الصفاتِ عنه، لشهادة كلِّ صفَةٍ أنّها غيرُ الموصوف، وشهادةِ كلّ موصوفٍ أنّه غير الصفة"[2] [3] .




[1] الصدوق، التوحيد، ص 139 الباب 211، الحديث 1.

[2] نهج البلاغة، الخطبة: 1.

[3] سمّى بعض من لا إلمامَ له بالمسائل الكلاميّة هذه النظرية بالتعطيل والمعتقدينَ بها بالمعطلة، في حين أنّ المعطّلة إنما يُطلَقُ على من لا يُثبت الصفات الجمالية للذات الإلهيّة، ويستلزم موقفُهم هذا خلوَّ الذات الإلهيّة من الكمالات الوجودية، وهذه العقيدة الخاطئة لا علاقة لها مطلقاً بنظرية (عينيّة الصفات للذات الإلهيّة ووحدتهما خارجاً) بل نظريةُ العينيّة هذه في عين كونها تُثبت الصفاتِ الجماليّة والكماليّة لله، مُنزَّهَة من الاِشكالات والاِعتراضات الواردةِ على نظريّة زيادةِ الصفاتِ على الذات.

50


34

الدرس الرابع: مراتب التوحيد (1) التوحيد في الذات والتوحيد في الصفات

 المفاهيم الرئيسة

- إنّ الاعتقاد بوُجود الله أصلٌ مشترك بين جميع الشرائع السماويّة.

 

- إنّ القرآنَ الكريمَ يعتبر وجودَ الله أمراً واضحاً وغنيّاً عن البرهنة، ويرى أنّ الشك والتردّد في هذه الحقيقة أمر غير مبرَّر.

 

- وضع القرآنُ الكريمُ أمام من يريدُ معرفة الله عن طريق التفكّر والبرهنة، طرقاً تؤدّي هذه المهمّة وأبرزها هو:

1- إحساس الإنسان بالحاجة إلى كائنٍ أعلى.

2- الدعوة إلى مطالَعة العالَم الطبيعيّ والتأمّل في عجائب المخلوقات.

 

- تقوم جميعُ الشرائع والمناهجِ السماوية على أساس التوحيد كما وأنّ الاعتقاد بالتوحيد هو أبرز أصلٍ مشتركٍ بين تلك الشرائع.

 

- إنّ أوّل مرتبة من مراتب التوحيد هو التوحيد الذاتيّ.

 

- نحن نعتقد أنّ الله تعالى موصوف بكلّ الصفات الكمالية، وأنّ العقلَ والوحيَ معاً يَدُلاّن على وجودِ هذه الكمالات في الذات الإلهيّة المقدسة،وعلى هذا الأساس فإنّ الله عالمٌ، قادرٌ، حيٌ، سميعٌ...

 

- إنّ الذات الإلهيّة في عين بساطتها، واجدةٌ لجميع هذه الكمالات.

 

أسئلة الدرس

1- ما هي الطرق التي وضعها القرآن الكريم لإثبات وجود الله؟

2- ما هو المقصود من التوحيد في الذات؟

3- ما هو المقصود من التوحيد في الصفات؟

51


35

الدرس الرابع: مراتب التوحيد (1) التوحيد في الذات والتوحيد في الصفات

 للمطالعة

 

أهل التوحيد

عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "والذي بعثني بالحقّ بشيراً لا يعذّب الله بالنار موحّداً أبداً، وإنّ أهل التوحيد لَيشْفَعون فيشفَّعون، ثمّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنّه إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى بقوم ساءت أعمالهم في دار الدنيا إلى النار، فيقولون يا ربّنا كيف تدخلنا النار وقد كنّا نوحّدك في دار الدنيا؟ وكيف تحرق بالنار ألسنتنا وقد نطقت بتوحيدك في دار الدنيا؟ وكيف تحرق قلوبنا وقد عقدت على أن لا إله إلّا أنت؟ أم كيف تحرق وجوهنا وقد عفّرناها لك في التراب؟ أم كيف تحرق أيدينا وقد رفعناها بالدعاء إليك, فيقول الله جلّ جلاله: عبادي ساءت أعمالكم في دار الدنيا فجزاؤكم نار جهنّم، فيقولون: يا ربّنا عفوك أعظم أم خطيئتنا؟ فيقول عزّ وجلّ: بل عفوي، فيقولون: رحمتك أوسع أم ذنوبنا؟ فيقول عزّ وجلّ: بل رحمتي، فيقولون: إقرارنا بتوحيدك أعظم أم ذنوبنا؟ فيقول عزّ وجلّ: بل إقراركم بتوحيدي أعظم، فيقولون: يا ربّنا فليسعنا عفوك ورحمتك التي وسعت كلّ شيء، فيقول الله جلّ جلاله: ملائكتي وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ من المقرين لي بتوحيدي وأن لا إله غيري، وحقٌّ عليّ أن لا أُصلي بالنار أهل توحيدي، أدخلوا عبادي الجنّة"[1].




[1] الصدوق، التوحيد، ص31، ح31.

52


36

الدرس الخامس: مراتب التوحيد (2) التوحيد في الخالقية والتوحيد في العبادة

 الدرس الخامس: مراتب التوحيد (2)  التوحيد في الخالقية والتوحيد في العبادة

 

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن المقصود من التوحيد في الخالقيّة.

2- يبيّن المقصود من التوحيد في العبادة.

3- يوضح الفرق بين العبادة والتكريم.

53


37

الدرس الخامس: مراتب التوحيد (2) التوحيد في الخالقية والتوحيد في العبادة

 التوحيد في الخالقية

المرتبة الثالثة من مراتب التوحيد هي التوحيد في الخالقية، بمعنى انّه لا خالق إلاَّ الله، وأنّ الوجود برمته مخلوقُه، وقد أكّد القرآن الكريم على هذه الحقيقة إذ قال: ﴿قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[1].﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾[2].

 

وليس الوحي وحده يثبت ذلك بل يقول به العقل ويؤكّده، لأنّ كلّ ما سوى الله ممكنٌ محتاجٌ، وترتفع حاجته ويتحقّق وجوده من جانب الله.

 

إنّ التوحيد في الخالقيّة لا يعني نفي أصل السببيّة والعليّة في عالم الوجود، لأنّ تأثيرَ كلِّ ظاهرة مادّيّة في مثلها منوطٌ بإذن الله، ووجودُ السبب وسَبَبيّتُه كلاهُما من مظاهر المشيئة الإلهيّة، فالله سبحانه هو الذي أعطى النور، والضوء للشمس والقمر، وإذا أراد سَلْبَه عنهما فعل ذلك دون مانع ومنازع، ولهذا كان الخالق الوحيد بلا ثان.

 

وقد أيّد القرآن الكريم - كما أسلفنا سابقًا - قانون العليّة ونظام السببيّة في الكون كما قال الله: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء[3]. فقد صَرَّحَتِ الآيةُ المذكورة بتأثير الرّياح في تحريك السحابِ وسَوْقها.




[1] سورة الرعد، الآية 16.

[2] سورة غافر، الآية 62.

[3] سورة الروم، الآية 48.

55


38

الدرس الخامس: مراتب التوحيد (2) التوحيد في الخالقية والتوحيد في العبادة

 إنّ تعمِيم خالقيّة الله على جميع الظواهر الطبيعيّة لا يستلزم أبداً أن ننسب أفعال البشر القبيحة إلى الله تعالى، لأنّ كلّ ظاهرة من الظواهر الكونيّة لكونها كائناً إمكانيّاً وإن كان مستحيلاً أن ترتدي ثوب الوجود من دون الاستناد إلى القدرة، والإرادة الإلهيّة الكليّة.

 

ولكن في مجال الإنسان يجب أن نضيف إلى ذلك، أنّ الإنسان لكونهِ كائناً مختاراً، وموجوداً ذا إرادة، فهو يفعلُ أو يترك بإرادته واختيارِهِ بحكم التقدير الإلهيّ أي إنّ الله قدّر وشاء أن يفعلَ الإنسان ما يريد فعلهُ بإرادته، ويترك ما يريد تركه بإرادته، لهذا فإنّ اصطباغ الفعل البشري من حيث كونه طاعة أو معصية لله تعالى ناشئ مِن نوعيّة إرادته واختيار الإنسان نفسهِ.

 

وبعبارة أُخرى: إنّ الله واهبُ الوجود، والوجود مطلقاً مستند إليه، ولا قبح في الأمر من هذه الناحية كما قال: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾[1]. ولكنّ جَعْلَ وجود هذا الفعل مطابقاً أو غير مطابق لمعايير العقل والشرع، نابعٌ في الحقيقة من كيفيّة اختيار الإنسان وإرادته، وعزمه. ولإيضاح المقصود نأتي بمثال: إنّ الأكل والشرب من أفعال الإنسان بلا ريب فيقال أكل فلان وشرب، ولكنّ كلاً من الفعلين يشتملان على جهتين:

 

الأولى: الوجود، وهو الأصل المشترك بينه وبين سائر الموجودات.

 

الثانيّة: تحديد الوجود وصبّه في قالب خاص وانصباغه بعنواني الأكل والشرب، فالفعل من الجهة الأولى منسوب إلى الله سبحانه، فلا وجود في الكون إلاّ وهو مفاض منه تعالى، ولكنّه من الجهة الثانيّة منسوب إلى العبد إذ هو الذي باختياره وقدرته صَبَغ الوجود بصبغة خاصة وأضفى عليه عنواني الأكل والشرب، فهو بفمه يمضغ الغذاء ويبلع الماء.



[1] سورة السجدة، الآية 7.

 56


39

الدرس الخامس: مراتب التوحيد (2) التوحيد في الخالقية والتوحيد في العبادة

وبعبارة أُخرى: إنّ الله سبحانه هو الذي أقدر العبد على إيجاد الفعل، وفي الوقت نفسه أعطى له الحرّيّة لصرف القدرة في أيّ نحو شاء، وهو صرفها في مورد الأكل والشرب.

 

التوحيد في العبادة

إنّ التوحيدَ في العبادة هو الأصل المشترك والقاعدة المتّفق عليها بين جميع الشرائع السماويّة. وبكلمة واحدة: إنّ الهدف الأسمى من بَعث الأنبياء والرُسُل الإلَهيّين هو التذكير بهذا الأصل كما يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ[1]. إِنّ جميع المسلمين يعترفون في صلواتهم اليوميّة بهذا الأصل ويقولون: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾[2].

 

وعلى هذا الأساس فإنّ وجوبَ عبادة الله وحده، والاجتناب عن عبادة غيره أَمرٌ مسلَّمٌ لا كلامَ فيه، ولا يخالف أحد في هذه القاعدة الكلّيّة أبداً، وإنّما الكلام هو في أنّ بعض الأعمال والممارَسات هل هي مصداق لعبادة غير الله أم لا؟ وللوصُول إلى القولِ الفصلِ في هذا المجال يجب تحديد مفهوم العبادة تحديداً دقيقاً، وتعريفها تعريفاً منطقياً، بغية تمييز ما يدخل تحت هذا العنوان ويكون عبادة، ممّا لا يكون كذلك، بل يُؤتى به من باب التعظيم والتكريم.

 

لا شكّ ولا ريبَ في أنّ عِبادةَ الوالدين والأنبياء والأولياء حرامٌ وشركٌ، ولكن مع ذلك يكون احترامهم واجباً وعينَ التوحيد: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا[3].




[1] سورة النحل، الآية 36. 

[2] سورة الفاتحة، الآية 5.

[3] سورة الإسراء، الآية 23.

57

 

40

الدرس الخامس: مراتب التوحيد (2) التوحيد في الخالقية والتوحيد في العبادة

والآن يجب أن نرى ما هو العنصر الذي يميّز "العبادةَ" عن "التكريم"؟ وكيف يكون العملُ الواحدُ في بعض الموارد (مثل سجود الملائكة لآدم، وَسُجود يعقوب وأولاده ليوسف) عينَ التوحيد، ولكن نفسَ العمل يكونُ في مواردَ أُخرى عينَ الشرك والوثنيّة.

 

إنّ العبادَة (التي نُفيت عَنْ غير الله ونُهي عنها) عبارة عن خضوع إنسانٍ أمام شيء أو شخصٍ باعتقاد أنّ بيده مصير العالم كلّهِ أو بعضه، أو بيده اختيار الإنسان ومصيره، وأنّه مالك أمره، وبتعبير آخر: ربّه.

 

أمّا إذا كان الخضوع أمام كائن مّا لا بهذا الاعتقاد، إنّما من جهة كونه عَبداً صالحاً لله، وصاحبَ فضيلةٍ وكرامة، أو لكونه منشأَ إحسان، وصاحب يدٍ على الإنسان، فإنّ مثل هذا العمل يكون مجردَ تكريم وتعظيم لا عبادةً له.

 

ولهذا السبب بالذات لا يوصف سجود الملائكة لآدم، أو سجود يعقوب وأَبنائه ليوسف بصفة الشرك والعبادة فهذا السجود كان ينبع من الاعتقاد بعبوديّة آدم ويوسف إلى جانب كرامتهما ومنزلتهما عند الله، وليس نابعاً من الاعتقاد بربوبيّتهما أو أُلوهيّتهما.

 

بالنظر إلى هذه الضابطة يمكن الحكم في ما يقوم به المسلمون في المشاهد المشرَّفة من احترام وتكريم لأولياء الله المقرَّبين، فإنَّ من الواضح أنّ تقبيل الضرائح المقدّسة، أو إظهار الفَرَح والسُرور يوم ميلادِ النبيّ وبعثته صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطوي إلاّ على تكريم النبي الكريم ولا يُقصَد منه إلاّ إِظهار مودّته ومحبته ولا تكون ناشئةً من أُمورٍ مثل الاعتقاد بربوبيته قط.

 

وهكذا الحال في الممارسات الأخرى مثل إنشاء القصائد والأشعار في مدح أولياء الله أو مراثيهم، وكذا حفظ آثار الرسالة، وإقامة البناء على قبور عظماء الدين، فإنّها ليست بشركٍ ولا بدعة. وأَمّا كونها ليست بشركٍ فلأنّها تنبع من مودَّة

58

 

41

الدرس الخامس: مراتب التوحيد (2) التوحيد في الخالقية والتوحيد في العبادة

أَولياء الله (لا الاعتقاد بربوبيّتهم). وأمّا كونها ليست ببدعَة أيضاً فلأنّ جميع هذه الأعمال تقومُ على أساسٍ قرآنيّ ورِوائيٍ، وينطلق من أصل وجوب محبّة النبيّ وآله.

 

فأَعمال التكريم هذه مَظْهَرٌ من مظاهِر إبراز هذه المودّة والمحبّة التي حثّ عليها الكتاب والسنّة (وسيأتي توضيح هذا الموضوع في الفصل المتعلّق بالبدعة لاحقاً).

 

وفي المقابل يكون سجودُ المشركين لأصنامهم مرفوضاً ومردوداً لكونه نابعاً من الاعتقاد بربوبيّتها ومدبريَّتها وأنّ بيدها قسماً من شؤون الناس... أو على الأقل لأنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ العزّة والذِلّة، والمغفرة والشفاعة بأَيدي تلك الأصنام!!.

59


42

الدرس الخامس: مراتب التوحيد (2) التوحيد في الخالقية والتوحيد في العبادة

 المفاهيم الرئيسة

- المرتبة الثالثة من مراتب التوحيد هي التوحيد في الخالقية، بمعنى انّه لا خالق إلاَّ الله، وأنّ الوجود برمته مخلوقُه.

 

- إنّ التوحيد في الخالقيّة لا يعني نفي أصل السببيّة والعليّة في عالم الوجود، لأنّ تأثيرَ كلِّ ظاهرة مادّيّة في مثلها منوطٌ بإذن الله.

 

- إنّ تعمِيم خالقيّة الله على جميع الظواهر الطبيعيّة لا يستلزم أبداً أن ننسب أفعال البشر القبيحة إلى الله.

 

- المرتبة الرابعة: التوحيد في العبادة وهو الأصل المشترك والقاعدة المتّفق عليها بين جميع الشرائع السماويّة.

 

- إنّ وجوبَ عبادة الله وحده، والاجتناب عن عبادة غيره أَمرٌ مسلَّمٌ لا كلامَ فيه، ولا يخالف أحد في هذه القاعدة الكلّيّة أبداً.

 

- إنّ العبادَة (التي نُفيت عَنْ غير الله ونُهي عنها) عبارة عن خضوع إنسانٍ أمام شيء أو شخصٍ باعتقاد أنّ بيده مصير العالم كلّهِ أو بعضه.

 

- إنّ ما يقوم به المسلمون في المشاهد المشرَّفة من احترام وتكريم لأولياء الله المقرَّبين، لا ينطوي إلاّ على تكريم النبي وليس ناشئاً من أُمورٍ مثل الاعتقاد بربوبيته قَطْ.

 

 

أسئلة الدرس

1- هل يستلزم التوحيد في الخالقية نفي أصل السببيّة؟ ولماذا؟.

2- ما هو المقصود من التوحيد في العبادة؟

3- ما هو الفرق بين التكريم والعبادة؟

60


43

الدرس الخامس: مراتب التوحيد (2) التوحيد في الخالقية والتوحيد في العبادة

 للمطالعة

 

أوّل ما خلق الله

عن جابر الجُعْفي، قال: جاء رجل من علماء أهل الشام إلى الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام، فقال: جئت أسألك عن مسألة لم أجد أحداً يفسّرها لي، وقد سألت ثلاثة أصناف من الناس، فقال كلّ صنف غير ما قال الآخر، فقال أبو جعفر عليه السلام: "وما ذلك"؟ فقال: أسألك، ما أوّل ما خلق الله عز وجل من خلقه؟ فإنّ بعض من سألته قال: القدرة، وقال بعضهم: العلم، وقال بعضهم: الروح، فقال أبو جعفر عليه السلام: "ما قالوا شيئاً، أخبرك أنّ الله علا ذكره كان ولا شيء غيره، وكان عزيزاً ولا عزّ لأنّه كان قبل عزّه وذلك قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[1] وكان خالقاً ولا مخلوق فأوّل شيء خلقه من خلقه الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء"، فقال السائل: فالشيء خلقه من شيء أو من لا شيء؟ فقال: "خلق الشيء لا من شيء كان قبله، ولو خلق الشيء من شيء إذاً لم يكن له انقطاع أبداً، ولم يزل الله إذاً ومعه شيء ولكن كان الله ولا شيء معه، فخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه، وهو الماء"[2].




[1] سورة الصافات، الآية 180.

[2] الصدوق، التوحيد، ص65، ح20.     

61


44

الدرس السادس: مراتب التوحيد (3) التوحيد في الربوبية والتوحيد في الحاكمية

 الدرس السادس: مراتب التوحيد (3) التوحيد في الربوبية والتوحيد في الحاكمية

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن: 

1- يبيّن معنى التوحيد في الربوبيّة.

2- يبيّن معنى التوحيد في الحاكمية.

3- يشرح لماذا يجب التوحيد في الحاكميّة والتقنين.

62


45

الدرس السادس: مراتب التوحيد (3) التوحيد في الربوبية والتوحيد في الحاكمية

التوحيد في الربوبيّة

المرتبة الخامسة من مراتب التوحيد هو: التوحيد في الربوبيّة وتدبير الكون والإنسان.

 

والتوحيد الربوبيّ يكون في مجالين:

1- التَدبير التكوينيّ

2- التَدبير التشريعيّ.

 

إنّ تاريخ الأنبياء يشهد بأنّ مسألة التوحيد في الخالقية لم تكن قط موضع نقاش في أُممهم وأقوامهم، وانما كان الشرك - لو كان - في تدبير الكون وإدارة العالم الطبيعي الذي كان يتبعه  الشرك في العبادة.

 

فمشركو عصر النبيّ إبراهيم الخليل عليه السلام كانوا يعتقدون بوحدة خالق الكون، إلاّ أنّهم كانوا يعتقدون خطأً بأنّ النجوم والكواكب هي الأرباب والمدبّرات لهذا الكون، وقد تركّزت مناظرة إبراهيم لهم على هذه المسألة كما يتّضح ذلك من بيان القرآن الكريم[1].

 

وكذا في عهد النبيّ يوسف عليه السلام الذي كان يعيش بعد النبيّ إبراهيم الخليل عليه السلام فإنّ الشرك كان في مسألة الربوبيّة، وكأنَّ الله بعد أن خلقَ الكون، فوّض أمر تدبيره وإدارته إلى الآخرين.




[1] راجع سورة الأنعام، الآيات 76 - 87.

64


46

الدرس السادس: مراتب التوحيد (3) التوحيد في الربوبية والتوحيد في الحاكمية

 ويتّضح هذا جليّاً من الحوار الذي دار بين يوسف الصدِّيق عليه السلام وأصحابه في السجن إذ يقول: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾[1].

 

كما ويُستفاد من آيات القرآن الكريم أن مشركي عصر الرسالة كانوا يعتقدون بأنّ بعض مصيرهم إنّما هو بإيدي معبوداتهم إذ يقول: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا[2]. ويقول أيضاً: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾[3].

 

إنّ القرآنَ الكريم يحذّر المشركين في آياتٍ عديدة بأنّ ما يعبدونه من الأرباب المختلفَة غير قادرةٍ على جلب نفعٍ إلى عابِدِيها ولا دفعِ ضررٍ عنهم أبداً. إنّ هذه الآيات تكشف عن أنّ مشركي عصر الرسالة المحمّديّة كانوا يعتقدون بأنّ تلكَ المعبودات تضرُ أو تنفع عُبّادها[4]، وهذا الذي كان الدافع لهم إلى عِبادتها.

 

إنّ هذه الآيات ونظائرَها ممّا يعكس ويصوّر عقائد المشركين في عصر الرسالة، تحكي عن أنّه رغم أنّهم كانوا يعتقدون بالتوحيد في الخالقيّة، إلاّ أنّهم كانوا مشركين في بعض الأمور المتعلّقة بربوبيّة الحق تعالى، إذ كانوا يعتقدون بأنّ معبوداتهم مؤثرة - على نحو الاستقلال - في الأمور والأشياء، أي إنَّها فاعِلة في صفحة الكون من دون إذنِ الله ومشيئته بل بصورة مستقلّةٍ وحسب مشيئتها وإرادتها لا غير، وهي من صفات الربِّ الحقيقيّ.

 

ولقد عَمَدَ القرآنُ الكريمُ - بهدف منع أُولئك المشركين عن عبادة الأصنام بصورة جذرية - إلى إبطال هذا الاعتقاد الفاسد وهذا التصوّر الخاطئ، وقال بأنّ هذه الأصنام لا تضرّ ولا تنفع ولا مثقال ذرّة، فليس لهم أيّ تدبير وربوبيّة.




[1] سورة يوسف، الآية 39.

[2] سورة مريم، الآية 81.

[3] سورة يس، الآيتان 74 و 75.

[4] راجع: سورة يونس، الآية 18، وسورة الفرقان، الآية 55.

 

65


47

الدرس السادس: مراتب التوحيد (3) التوحيد في الربوبية والتوحيد في الحاكمية

 ففي بعض الآيات يندّد القرآنُ بالمشركين لكونهم يتّخذون لله تعالى نظيراً وندّاً، وشبيهاً ومثيلاً، إذ يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾[1].

 

وقد ورد تقبيح اتّخاذ الندّ للهِ في آيات قرآنيّة أُخرى أيضًا[2]، ويتّضح من الآيات المذكورة أنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ لتلك الأصنام شؤوناً مثل شؤون اللهِ سبحانه، ثم انطلاقاً من هذا التصوّر كانوا يحبّون تلك الأصنام ويودّونها بل ويعبدونها!!.

 

وبعبارة أُخرى: لقد كان المشركون يعبدون تلك الأوثان والأصنام لكونها - حسب تصوّرهم وزعمهم - "أنداداً" و "نظراء" لله سبحانَه في التدبير. إنّ القرآن الكريم ينقل عن المشركين يومَ القيامة بأنّهم يقولون تنديداً بأَنفسهم وبأَصنامهم:

 

﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِين ٍ* إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ[3]، أجل إنّ دائرةَ ربوبيّة الله واسعة، ومن أجل هذا كان مشركو عصر الرسالة موحّدين في أُمور هامّة، كالرزق والإحياء والإماتة والتدبير الكلي للكون كما يقول القرآن الكريم: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ[4].

 

﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ[5].




[1] سورة البقرة، الآية 165.

[2] راجع سور: البقرة، الآية21، إبراهيم،الآية30، سبأ، الآية33، الزمر، الآية 8، فصّلت، الآية9.

[3] سورة الشعراء، الآيتان 97 و 98.

[4] سورة يونس، الآية 31.

[5] سورة المؤمنون، الآيات 84 -87.

66


48

الدرس السادس: مراتب التوحيد (3) التوحيد في الربوبية والتوحيد في الحاكمية

 وَلكنَّ هؤلاء الأفراد أنفسَهم - كما مرّ في آيات سورة مريم - ينسبون بعض الأمور والشؤون مثل النَصر في القتال والحفْظ في السَفَر، وَما شابهَ ذلك، إلى مَعْبُوداتهم وأصنامِهمْ ويَعْتَقدون بتأثيرها الذاتيّ والمُستقلِّ في مصائرهم.

 

وأبْرزُ من كل ذلك, الشفاعةُ التي كانوا يرون أنّها حقٌّ طلْقٌ لتلك الأصنام وكانوا يَعتقدون بأنّها تشفع من غير إذن الله، وأنّ شفاعَتها مفيدةٌ لا مَحالة ومؤثّرة قطعاً وجزماً.

 

وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون بعض الأفراد يعتقدون بتدبير اللهِ لبعض الأمور دون سواه فيكونون موحّدين في هذا المجال، بينما يعتقدون بتدبير الأصنام والأوثان لأمور وجوانب أُخرى من مصائرهم وشؤونهم كالشفاعة والإضرار والإنفاع والإعزاز والمغفرة، فيكونون مشركين في هذه المجالات وَلكنّ "التوحيد في الربوبيّة" يفنّد كلَّ لونٍ من ألوان تصوّر الاستقلال، والتأثير المستقلّ عن الإذن الإلَهيّ كليّاً كان، أو جزئياً.

 

فهو يُبطل أيّ إسنادٍ، لتأثير غير الله في مصير الإنسان والكون، وتدبير شؤونها بمعزلٍ عن الإذن الإلَهيّ وبهذا يُبطل ويرفُضُ عبادةَ غير اللهِ تعالى.

 

إنَّ الدّليل على التوحيد الربوبيّ واضحٌ تمامَ الوضوح، لأنّ تدبيرَ عالمِ الخلق، في مجال الإنسان والكون، لا ينفصل عن مسألة الخَلْقِ، وليس شيئاً غير عمليّة الخَلق. فإذا كانَ خالقُ الكونِ والإنسان واحداً، كان مدبّرهما بالطبع والبداهة واحداً كذلك، لوضوح العلاقة الكاملة بين عمليّة التدبير وعملية الخَلْق للعالم.

 

ولهذا فإنّ الله تعالى عندما يصف نفسَه بكونه خالِقَ الأشياء يصف نفسَه في ذاتِ الوَقتِ بأنّه مدبّرُها ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ[1].



[1] سورة الرعد، الآية 2.

67


49

الدرس السادس: مراتب التوحيد (3) التوحيد في الربوبية والتوحيد في الحاكمية

 وفي آية أُخرى يعتبر التناسقَ والانسجام السائد والحاكم على الكون دليلاً على وحدة مدبر العالم إذ يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا[1].

 

إنَّ التوحيد في التدبير لا ينافي وجودَ مدبّراتٍ أُخرى تقومُ بوظائفها بإذن الله في صفحة الكون، فهي بالحقيقةِ مظاهِر لِربوبيّة الحقّ تعالى. ولهذا فإنَّ القرآن الكريم مع تأكيده الشديد على التوحيد في الربوبيّة والتدبير يصرّح بوجود مدبّراتٍ أُخرى في صفحة الكون إذ يقول: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا[2].

 

التوحيد في الحاكميّة والتقنين

بعد أن ثبت سابقًا أنّ للكون مدبّراً حقيقيّاً واحداً هو الله تعالى وأنّ تدبير العالم وحياة الإنسان بيده دون سواه، كان تدبير أمر الإنسان في صعيد الشريعة - سواء في مجال الحكومة أو التقنين أو الطاعة أو الشفاعة أو المغفرة - برمّته بيده تعالى، ومن شؤونه الخاصّة به، فلا يحقّ لأحد أن يتصرّف في هذه المجالات والأصعدة من دون إذن الله تعالى، ولهذا يُعتبر التوحيدُ في الحاكميّة، والتوحيد في التشريع، والتوحيد في الطاعة، والتوحيد في الشفاعة والمغفرة.. من فروع التوحيد في التدبير وشقوقه ولوازمه. فإذا كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حاكماً على المسلمين فإنّ هذا نابعٌ من اختيار الله تعالى إيّاه لهذا المنصب. وانطلاقاً من هذه العلّة ذاتها تجب إطاعتهُ صلى الله عليه وآله وسلم بل إنّ إطاعته نفس إطاعة الله، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ[3]. وقال أيضاً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ[4].




[1] سورة الأنبياء، الآية 22.

[2] سورة النازعات، الآية 5.

[3] سورة النساء، الآية 80.

[4] سورة النساء، الآية 64.

68


50

الدرس السادس: مراتب التوحيد (3) التوحيد في الربوبية والتوحيد في الحاكمية

 فلو لم يكن الإذنُ الإلهيّ ما كانَ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حاكماً ولا مُطاعاً، فحكومتهُ وطاعتهُ مظهرٌ لحاكميّة الله وطاعته. كما أنّ تحديدَ الوظيفَة وتشخيص التكليف بما أنّه من شُؤون الربوبيّة، لم يَحِقّ ولا يحقّ لأحدٍ أن يحكم بغير ما أمر اللهُ به، وأن يقضيَ بغير ما أنزل: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[1].

 

وهكذا تكون الشفاعة ومغفرة الذنوب من حقوق الله الخاصة به فلا يقدر أَحَدٌ أنْ يَشْفَعَ لأحدٍ من دُون إذنهِ تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ[2].

 

وَعَلى هذا الأساس يكونُ شراء صُكوك الغفران وبَيعُها، تصوّراً بأنّ لأحدٍ غير المقام الربوبيّ أن يَهبَ الجنّة لأحَدٍ، أو يخلّصَ أحداً من العذاب الأخروي كما هو رائجٌ في المسيحيّة، أمراً باطلاً لا أساس له من الصحَّة في نظر الإسلام كما جاء في القرآن الكريم: ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ[3].

 

فالموَحِّدُ - في ضوء ما قلناه - يجب أن يعتقِدَ في مجال الشريعة بأنّ الله وحده لا سواه هو الحاكم والمرجَع، إلاّ أنْ يعيّن الله شخصاً للقيادة، وبيانِ الوظائف الدينيّة.




[1] سورة المائدة، الآية 44.

[2] سورة البقرة، الآية 255.

[3] سورة آل عمران، الآية 135.

69


51

الدرس السادس: مراتب التوحيد (3) التوحيد في الربوبية والتوحيد في الحاكمية

 المفاهيم الرئيسة

- المرتبة الخامسة من مراتب التوحيد هو: التوحيد في الربوبيّة وتدبير الكون والإنسان.

 

- التوحيد الربوبي يكون في مجالين:

1- التَدبير التكوينيّ.

2- التَدبير التشريعيّ.

 

-  إنّ التوحيدَ في العبادة هو الأصل المشترك والقاعدة المتفق عليها بين جميع الشرائع السماوية.

 

- وجوب عبادة الله وحده، والاجتناب عن عبادة غيره أَمرٌ مسلَّمٌ لا كلامَ فيه، وإنّما الكلام هو في أنّ بعض الأعمال والممارَسات هل هي مصداق لعبادة غير الله أم لا.

 

- المرتبة السادسة من مراتب التوحيد هي التوحيد في الحاكميّة والتقنين.

 

- يُعتبر التوحيدُ في الحاكمية، والتوحيد في التشريع، والتوحيد في الطاعة، والتوحيد في الشفاعة والمغفرة.. من فروع التوحيد في التدبير وشقوقه ولوازمه.

 

- فالموَحِّدُ يجب أن يعتقِدَ - في مجال الشريعة - بأنّ الله وحده لا سواه هو الحاكم والمرجَع، إلاّ أنْ يعيّن الله شخصاً للقيادة، وبيانِ الوظائف الدينيّة.

 

 

أسئلة الدرس

1- ما هو المقصود من التوحيد في الربوبيّة؟

2- ما هو الربط بين التوحيد في الربوبيّة والتوحيد في الخالقيّة؟

3- عرّف التوحيد في الحاكميّة والتقنين.

70


52

الدرس السادس: مراتب التوحيد (3) التوحيد في الربوبية والتوحيد في الحاكمية

 للمطالعة

 

التوحيد

عن محمّد بن أبي عمير، قال: دخلت على سيّدي موسى بن جعفر عليهما السلام فقلت له: يا ابن رسول الله علّمني التوحيد فقال: "يا أبا أحمد لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى ذكره في كتابه فتهلك واعلم أنّ الله تعالى واحد، أحد، صمد، لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، ولم يتّخذ صاحبة ولا ولداً ولا شريكاً، وإنّه الحيّ الذي لا يموت، والقادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يغلب، والحليم الذي لا يعجل، والدائم الذي لا يبيد، والباقي الذي لا يفنى، والثابت الذي لا يزول، والغنيّ الذي لا يفتقر، والعزيز الذي لا يذلّ، والعالم الذي لا يجهل، والعدل الذي لا يجور، والجواد الذي لا يبخل، وإنّه لا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، ولا تحيط به الأقطار، ولا يحويه مكان، ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا[1] هو الأوّل الذي لا شيء قبله، والآخر الذي لا شيء بعده، وهو القديم وما سواه مخلوق محدث، تعالى عن صفات المخلوقين علوّاً كبيراً"[2].




[1] سورة المجادلة، الآية 7.

[2] الصدوق، التوحيد، ص74، ح32.

71


53

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهية هذا الدرس أن:

1- يفهم الطرق التي يستفاد منها في معرفة صفات الله الجماليّة والجلاليّة.

2- يفرِّق بين الصفات الذاتيّة والصفات الفعليّة.

3- يبيّن الصفات الثبوتيّة مع أمثلة لها.

73


54

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

 طرق معرفة الصفات الإلهيّة

لقد أسلفنا في بحث المعرفة أنّ أبرز طرق المعرفة بالحقائق تتمثّل في: الحسّ، والعقل، والوحي.

 

ويمكن لمعرفة الصفات الإلهيّة الجماليّة والجلاليّة الاستفادة من الطريقين التاليين:

 

1- طريق العقل:

إنّ التأمّل في عالم الخَلق، ودراسة الأسرار الكامنة فيه والتي تدل برمّتها على أنّها مخلوقة لله، تقودنا إلى كمالات الله الوجودية، فهل يمكن أن يتصوّر أحدٌ أنّ بناء الكَون الشاهق قد تمّ من دون عِلمٍ وقدرةٍ واختيارٍ.

 

إنّ القرآن الكريم يدعو - تأْييداً لحكم العقل في هذا المجال - بالتدبّر في الآيات التكوينيّة في صعيد الآفاق والأنفس إذ يقول: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ[1]. أي أُنظُروا نظرة تدبّر وتأمل لتكتشفوا الحقائق العظيمة.

 

على أَنّ من البديهيّ أنّ العقلَ يسلك هذا الطريق بمعونة الحسّ، أي أنّ الحس يبدأ أوّلاً باكتشاف وإدراك الموضوع بصورةٍ عجيبةٍ، ثم يعتبر العقل عظمة الموضوع، وتكوينه العجيب، دليلاً على عظمة الخالق وجماله.




[1] سورة يونس، الآية 101.

75


55

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

 2ـ طريق الوحي:

 

فبعد أن أثبتت الأدلّة القاطعةُ النبوّةَ والوحيَ، واتّضح أنّ الكتاب الذي أتى به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكذا قوله كان برمّته من جانب الله، كان من الطبيعيّ أن يكون في مقدور الكتاب والسُّنّة أن يساعدا البشريةَ في معرفة صفات الله، فقد ذُكِرت صفات الله الجماليّة والجلاليّة في هذين المصدرين بأفضل نحو.

 

ويكفي أن نعرف أنّه جاء بيان قرابة 140 صفة لله تعالى في القرآن الكريم، ونكتفي هنا بذكر آية واحدة تذكر بعض تلك الصفات: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[1].

 

هذا والجدير بالذكر أنّ هناك من احتج بعجز البشر عن معرفة الموجودِ الأعلى فترك البحثَ عن صفات الله، ونهى عن ذلك، وهؤلاء في الحقيقة هم "المعطِّلة" لأنَّهم حَرَموا الإنسان من المعارف السامية التي أرشد إليها العقلُ والوحيُ معاً.

 

ولو كانَ البحثُ والنّقاش حولَ هذه المعارف مَمنُوعاً حقاً لكان ذِكرُ كّلِ هذه الصفات في القرآن الكريم، والأمرُ بالتدَبر فيها غيرَ ضروريّ بل لغواً.

 

ويجب أن نقول مع بالغ الأسف إنّ هذا الفريق حيث إنّه أوصد على نفسه بابَ المعرفة، وقع نتيجةً لتعطيل البحث العلميّ في ورطة "تجسيم الله وتشبيهه وإثبات الجهة له سبحانه".




[1] سورة الحشر، الآيتان 23 و 24.

76


56

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

أقسام الصفات الإلهيّة

تنقسم الصفات الإلهيّة إلى ثلاثة أقسام وهي:

1- الصفات الثبوتيّة: ومنها الصفات الذاتيّة والصفات الفعليّة.

2- الصفات السلبيّة.

3- الصفات الخبريّة.

 

الصفات الثبوتيّة

حيث إنّ الذاتَ الإلهيّة لا مثيلَ لها ولا نظير، ولا يُتصوّر لله عديل ولا شبيه، فهو سبحانه أعلى من أن يعرفه الإنسان بالكُنْه، أي ليس للإنسان سبيلٌ إلى معرفةِ حقيقة الذات الإلهيّة، على حين يمكن معرفته تعالى عن طريق صفاته الجماليّة والجلاليّة.

 

والمقصود من الصفات الجماليّة هي الصفات التي تدلّ على كمالِ الله في وجوده وذلك كالعلم والقدرة، والحياة، والإرادة والاختيار وما شابه ذلك. وتُسمّى بالصفات الثبوتية أيضاً.

 

والمقصود من الصفات الجلاليّة هي الصفات التي يجلّ الله تعالى عن وصفه بها، لأنّ هذه الصفات تدلّ على نقص الموصوف بها وعجزه، والله تعالى غنيٌّ غِنىً مطلقاً، ومنزّه عن كلِّ نقص وعيب.

 

والجسمانيّة، والاحتياج إلى المكان والزمان، والتركيب وأمثاله من جملة هذه الصفات، وتسمّى هذه الصفات أيضاً بالصفات السلبية في مقابل الصفات الثبوتية (التي مرَّ ذكرها أوّلاً) والمقصود في كلتا التسميتين واحد. والصفات الثبوتيّة بدورها تنقسم الي قسمين:

الأول: صِفات الذات.

الثاني: صِفات الفِعل.

77

 

57

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

 والمقصودُ من (صفات الذات) هي الصفات الّتي تنتزع من مقام الذات الإلهية مباشرة، كالعلم والقدرة والحياة، وإن لم يصدر منه سبحانه فعلٌ من الأفعال.

 

والمقصود من (صفات الفِعل) هي الصفات التي تُوصف الذات الإلهيّة بها بملاحظة صدور فعل مّا منه تعالى، كالخالقية، والرازقية وما شابَهَ ذلك من الصفات التي تنتزَعُ من مقام الفعل، ويوصَف بها اللهُ تعالى بعد ملاحظة ما صدر منه من الأفعال.

 

وبعبارةٍ أُخرى ما لم يصدر من الله فعل كالخالقيّة والرازقيّة والغفاريّة والراحميّة لا يمكن وصفه فعلاً بالخالق والرازق وبالغفّار والرحيم، وإن كان قادراً ذاتاً على الخلق والإرزاق والمغفرة والرحمة.

 

ونذكّر بأنّ كلَّ صفات الفعل التي يوصف بها اللهُ تعالى نابعةٌ من كماله الذاتي، وأن الكمال الذاتي المطلق له تعالى هو مبدأ جميع هذه الكمالات الفعلية ومنشؤها. وفيما يلي سوف نتحدّث عن الصفات الذاتيّة، وأما الصفات الفعليّة فسوف تكون في الدرس اللاحق.

 

الصفات الذاتية

1- العلمُ الأزَليّ:

عِلمُ الله - لكونه عينَ ذاته - أزليٌّ، كما أنّه مثل ذاته مطلقٌ، ولا نهاية له. إنّ الله تعالى - مضافًا إلى علمه بذاته - يعلم بكل شيء ممّا سوى ذاته، كليّاً كان أم جزئياً، قبل وقوعه وتحقّقه، وبَعد وقوعه وتحقّقه. ولقد أكّد القرآنُ الكريمُ على ذلك تأكيداً كبيراً إذ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[1]. وقال أيضاً: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[2].




[1] سورة العنكبوت، الآية 62. 

[2] سورة الملك، الآية 14.

78


58

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

 ولقد وَرَدَ مثل هذا التأكيد المكرّر والقويِّ على أزليّة العلمِ الإلَهيّ، وسعته وإطلاقه في الأحاديث المرويّةَ عن أئمة أهل البيت عليهم السلام: مثل قول الإمام جَعْفَرِالصادق عليه السلام: "لَمَ يَزَل عالِماً بالمَكانِ قَبْلَ تَكوينه كَعِلْمِهِ به بَعْدَ ما كوَّنَهُ وَكَذلِكَ عِلمُهُ بِجَمِيِعِ الأشياءِ"[1].

 

2- القُدرةُ الواسِعَةُ:

إنّ قدرةَ الله مثلُ عِلمه أَزَليّةٌ، وَلكونها عينَ ذاته فهي مثلُ عِلمِهِ تعالى، مطلقةٌ وغير محدودة. إنّ القرآن الكريم يؤكّد على سِعةِ قدرة الله ويقول: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا[2]. ويقول: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا[3]. وقالَ الإمام جعفرُ الصّادق عليه السلام: "الأشياءُ لَهُ سَواءٌ عِلماً وقُدْرةً وَسُلْطاناً، ومُلْكاً وإحاطةً"[4].

 

وأمّا إذا كان إيجاد الأشياء المستحيلة والممتنِعة ذاتاً خارجة عن إطار القُدرة الإلهيّة، فليس ذلك لأجْل نقصٍ في القدرة الإلهيّة، بَلْ لاجل عدم قابليّة الشيء الممتنع، للتحقّق والوجُود (فهو نَقْصٌ في جانب القابل لا في جانب الفاعل).

 

يقول الإمام عليٌّ عليه السلام في الردّ على من سَألَ حول إيجاد الممتنعات: "إنّ الله تباركَ وتعالى لا يُنسَبُ إلى العَجز، والّذي سَألْتنِي لا يَكُونُ"[5].

 

3- الحياة:

إنّ اللهَ العالِمَ القادرَ حيٌّ كذلك قطعاً، لأنّ الصفتين السابقتين من خصوصيات الموجود الحي وتوابعه، ومن هذا تتضح دلائل الحياة الإلهيّة أَيضاً.




[1] الصدوق، التوحيد، ص 137، الباب 10، الحديث 9.

[2] سورة الأحزاب، الآية27.

[3] سورة الكهف، الآية 45.

[4] الصدوق، التوحيد، ص128، الباب 9، الحديث 15.

[5] م.ن، ص 125، باب القُدرة، ح9.

79


59

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

 على أنّ صِفة الحياة التي يُوصف بها الحقُّ تعالى هي مثل سائر الصفات الإلهيّة منزَّهةٌ عن كلّ نقص، ومن كل خصوصيّات هذه الصّفة في الإنسان وما شابهه (كعروض الموت)، وحيث إنّ اللهَ حيّ بالذات لهذا لا سبيلَ للموت إلى ذاته المقدّسة كما يقول: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ[1].

 

4- الإرادةُ والاختيار:

إنَّ الفاعلَ الواعي لفعله أكملُ من الفاعِلِ غير الواعي لفعله، كما أنّ الفاعلَ المريدَ لفعلِهِ المختار فيه (وهو الّذي إذا أراد أن يفعلَ فَعَل، وإذا لم يُردْ أن يفعَلَ لم يفعل) أكمل من الفاعل المضطرّ المجبور، أي الذي ليس أمامَه إلاّ أحد أمرين: إمّا الفعل وإمّا الترك.

 

وبالنظر إلى ما قلناه، وكذلك نظراً إلى أنّ الله أكملُ الفاعلين في صفحة الوُجود، فإنَّ من البديهي أن نقول إنَّ اللهَ فاعلٌ مختارٌ، وليس تعالى بمجبورٍ من جانب غيرهِ، ولا بمضطرٍ من ناحية ذاته. والمقصود من قولنا: إن اللهَ مريدٌ، هو أنّه تعالى مختارٌ وليس بمجبورٍ ولا مضطَرّ.

 

إنّ الإرادة - بمعناها المعروف في الإنسان والذي هو أمر تدريجي وحادث - لا مكان لها في الذات الإلهيّة المقدسة.

 

من أجل هذا وُصِفت الإرادة الإلهيّة في أحاديث أهل البيت: بأنّها نفسُ إيجاد الفعل وعينُ تحقّقه، مَنعاً من وقوع الأشخاص في الانحراف والخطأ في تفسير هذه الصفة الإلهيّة وتوضيحها.




[1] سورة الفرقان، الآية 58.

80


60

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

 على أنّ صِفة الحياة التي يُوصف بها الحقُّ تعالى هي مثل سائر الصفات الإلهيّة منزَّهةٌ عن كلّ نقص، ومن كل خصوصيّات هذه الصّفة في الإنسان وما شابهه (كعروض الموت)، وحيث إنّ اللهَ حيّ بالذات لهذا لا سبيلَ للموت إلى ذاته المقدّسة كما يقول: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ[1].

 

4- الإرادةُ والاختيار:

إنَّ الفاعلَ الواعي لفعله أكملُ من الفاعِلِ غير الواعي لفعله، كما أنّ الفاعلَ المريدَ لفعلِهِ المختار فيه (وهو الّذي إذا أراد أن يفعلَ فَعَل، وإذا لم يُردْ أن يفعَلَ لم يفعل) أكمل من الفاعل المضطرّ المجبور، أي الذي ليس أمامَه إلاّ أحد أمرين: إمّا الفعل وإمّا الترك.

 

وبالنظر إلى ما قلناه، وكذلك نظراً إلى أنّ الله أكملُ الفاعلين في صفحة الوُجود، فإنَّ من البديهي أن نقول إنَّ اللهَ فاعلٌ مختارٌ، وليس تعالى بمجبورٍ من جانب غيرهِ، ولا بمضطرٍ من ناحية ذاته. والمقصود من قولنا: إن اللهَ مريدٌ، هو أنّه تعالى مختارٌ وليس بمجبورٍ ولا مضطَرّ.

 

إنّ الإرادة - بمعناها المعروف في الإنسان والذي هو أمر تدريجي وحادث - لا مكان لها في الذات الإلهيّة المقدسة.

 

من أجل هذا وُصِفت الإرادة الإلهيّة في أحاديث أهل البيت: بأنّها نفسُ إيجاد الفعل وعينُ تحقّقه، مَنعاً من وقوع الأشخاص في الانحراف والخطأ في تفسير هذه الصفة الإلهيّة وتوضيحها.




[1] سورة الفرقان، الآية 58.

81


61

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

 المفاهيم الرئيسة

- حيث إنّ الذاتَ الإلهيّة لا مثيلَ لها ولا نظير، ولا يُتصوّر لله عديل ولا شبيه، فهو سبحانه أعلى من أن يعرفه الإنسان بالكُنْه، أي ليس للإنسان سبيلٌ إلى معرفةِ حقيقة الذات الإلهيّة.

 

- المقصود من الصفات الجمالية هي الصفات التي تدلّ على كمالِ الله في وجوده وذلك كالعلم والقدرة، والحياة، والإرادة والاختيار وما شابه ذلك.

 

- المقصود من الصفات الجلالية هي الصفات التي يجلّ الله تعالى عن وصفه بها.

 

- يمكن لمعرفة الصفات الإلهيّة الجمالية والجلاليّة الاستفادة من الطريقين التاليين: طريق العقل وطريق الوحي.

 

- تنقسمُ الصِفات الإلهيّة إلى قسمين:

1- صِفات الذات: وهي الصفات الّتي يلازم تصوُّرها تصوّرَ الذات الإلهيّة، كالعلم والقدرة.

 

2- صِفات الفِعل: وهي الصفات التي تُوصف الذات الإلهيّة بها بملاحظة صدور فعل مّا منه تعالى، كالخالقية، والرازقية...

 

 

أسـئلـة الـدرس

1- ما هي الطرق التي يستفاد منها في معرفة الصفات الإلهية؟ وتكلم عنها.

2- ما هي الصفات الثبوتية؟ وإلى ماذا تنقسم؟

3- ما هو المقصود من الصفات الفعليّة؟

82


62

الدرس السابع: الصفات الإلهية (1) صفات الذات

 للمطالعة

 

علم الله بالأشياء

حدّثنا عبد الله بن محمّد بن عبد الوهاب، قال: حدّثنا أحمد بن الفضل بن المغيرة، قال: حدّثنا أبو نصر منصور بن عبد الله بن إبراهيم الإصفهاني، قال: حدّثنا عليّ بن عبد الله، قال: حدّثنا الحسين بن بشّار، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام قال: سألته أيعلم الله الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون أو لا يعلم إلّا ما يكون؟ فقال: إنّ الله تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[1] وقال لأهل النار: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[2] فقد علم الله عز وجل أنّه لو ردّهم لعادوا لما نهو عنه، وقال للملائكة لمّا قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[3] فلم يزل الله عز وجل علمه سابقاً للأشياء قديماً قبل أن يخلقها، فتبارك ربّنا تعالى علوّاً كبيراً خلق الأشياء وعلمه بها سابق لها كما شاء، كذلك لم يزل ربّنا عليماً سميعاً بصيراً[4].



[1] سورة الجاثية، الآية 29.

[2] سورة الأنعام، الآية 28.

[3] سورة البقرة، الآية 30.

[4] الصدوق، التوحيد، ص132، باب العلم، ح8.

83


63

الدرس الثامن: الصفات الإلهية (2) الصفات الفعلية

 الدرس الثامن: الصفات الإلهية (2) الصفات الفعلية

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يشرح صفة التكلّم.

2- يبيّن مسألة خلق القرآن وقدمه وربطها بصفة التكلّم.

3- يشرح صفات الفعل التالية: الصدق والحكمة.

85


64

الدرس الثامن: الصفات الإلهية (2) الصفات الفعلية

 بعد أن اطَّلعنا على أُمّهات المطالب المتعلّقة بصفات الذات ينبغي التعرّف على بعض صفات الفعل. وندرس هنا ثلاث صفات فقط من صفات الفِعل:

1- التكلّم.

2- الصِدق.

3- الحِكمة.

 

كون الله متكلّماً

إنّ القرآن الكريم يصفُ الله تعالى بصفة التكلّم إذ يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا[1]. وقال أيضاً: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا[2]. وعَلى هذا الأساس لا شكّ في كون التكلّم إحدى الصّفات الإلهيّة.

 

إنّما الكلام هو في حقيقة التكلّم وأنّ هذه الصِفة هل هي من صِفات الذات أم من صفات الفعل؟ إذْ مِنَ الواضح أنّ التكلّم بالشَكل الموجود عند الإنسان لا يجوزُ تصوّرُهُ في الحقّ تعالى.

 

وحيث إنّ صفَةَ التَكلّم ممّا نطق بها القرآن الكريم، وَوَصَف بها الله، لذلك يجب الرّجوع إلى القرآنِ نفسه لِفَهم حقيقته كذلك. إنّ القرآن يقسّم تكلّم اللهِ مع عباده -




[1] سورة النساء، الآية 164.

[2] سورة الشورى، الآية 51.

87


65

الدرس الثامن: الصفات الإلهية (2) الصفات الفعلية

 كما عرفنا - إلى ثلاثةِ أنواع، إذ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[1]. إذَن فلا يمكن للبشر أن يكلّمهُ الله إلاّ من ثلاث طرق:

1- "وَحْياً" وهو الإلهام القلبيّ.

2- "أو مِنْ وَراءِ حِجابٍ" كأن يكلّم اللهُ البشرَ من دون أن يراه كتكلّم اللهِ مع موسى عليه السلام.

3- "أو يُرسِلَ رسولاً" أي مَلَكاً يوحي إلى النبيّ بِإذنِ الله تعالى.

 

ففي هذه الآية بَيَّنَ القرآنُ تكلُّمَ اللهِ بأنّه تعالى يوجدُ الكَلامَ تارةً من دون واسطةٍ، وَأحْياناً مع الواسطةِ، عَبر مَلك من الملائكة.

 

كما أنّ القِسمَ الأوّل تارةً يكون عن طريقِ الإلقاء والإلهام إلى قلب النبي مباشرةً، وتارةً بالإلقاء إلى سَمْعِهِ ومنه يصلُ الكَلامُ إلى قلبه. وعلى كلّ حال يكونُ التكلّم بِصُوره الثلاث بمعنى إيجاد الكلام وَهَو من صِفات الفعل. إنّ هذا التَفْسير والتحليل لصفة التكلّم الإلَهيّ هو أحدُ التفاسير التي يمكن استفادتها بمعونةِ القرآنِ وإرشاده وهدايته.

 

وهناكَ تفسيرٌ آخرٌ لهذه الصفة وهو: أنَّ اللهَ اعتبر مخلوقاتهِ من كلماتِه فقال: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾[2].

 

فالمقصودُ من "الكلمات" في هذه الآية هو مخلوقات الله الّتي لا يقدرُ شيءٌ غيرُ ذاته سبحانه على إحصائها وعدّها، ويدعم هذا التفسيرَ للكلمة وصفُ القرآن الكريم المسيحَ ابنَ مريم عليه السلام بأنّه "كلمة الله" إذ قال: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ[3].




[1] سورة الشورى، الآية 51.

[2] سورة الكهف، الآية 109.

[3] سورة النساء، الآية 171.

88


66

الدرس الثامن: الصفات الإلهية (2) الصفات الفعلية

 إنّ الإمام أميرَ المُؤْمنين عليه السلام فسّر تَكَلّم الله تعالى في إحدى خُطَبِه وأحاديثه بأنّه إيجادٌ وفِعلٌ، فقال: "يَقُولُ لِمَنْ أرادَ كَوْنَهُ, كُنْ، لا بصَوتٍ يَقرَعُ، ولا بنداءٍ يُسْمَعُ وَإنّما كَلامُهُ سُبحانَه فِعلٌ منه، أنشَأهُ وَمَثَّله"[1].

 

فإذا كان الكلام اللفظيّ معرباً عمّا في ضمير المتكلّم، فما في الكون من عظائم المخلوقات إلى صغارها يعرب عن علم الله تعالى وقدرته وحكمته.

 

هل القرآن مخلوق أم قديم؟

اتّضح مِنَ البَحْث المتَقَدّم الذّي تضمّن تفسيراً لِحقيقة كلامِ الله، بنحوين، أنَّ التفسيرَ الثاني لا يخالف التفسير الاَوّل، وانّه سبحانه متكلم بكلا الوجهين. كما ثَبَتَ أنَّ كلامَ اللهِ حادثٌ وليس بقديمٍ، لأنّ كلامَهُ هو فِعْلُه، ومن الواضح أنّ الفِعلَ حادثٌ، فَيَنتُجُ من ذلك أنّ "التكلّم" أمرٌ حادِثٌ أيضاً.

 

ومع أنّ كلامَ الله حادثٌ قطعاً فإنّنا رعايةً للأدب، وكذا دَرءاً لسوءِ الفهم لا نقول: إنّ كلام الله (القرآن) مخلوق إذ يمكن أن يصفه أحدٌ في ضوء ذلك بالمجعول والمختلق وإلاّ فإنّ ما سوى اللهِ مخلوقٌ قطعاً.

 

يقول سليمان بن جعفر الجعفري: سألت الإمام عليَ بن موسى بن جعفر عليه السلام: يا اْبن رسول الله أخبِرني عن القرآن أخالقٌ أو مخلوقٌ؟ فأجاب عليه السلام قائلاً: "ليس بخالقٍ ولا مخلوقٍ، ولكنّه كلامُ الله عزّ وجلّ"[2].

 

وهنا لا بدّ من التذكير بنقطةٍ تاريخيةٍ في هذا المجال وهي أنّه طُرحت في أوائل القرن الثالث الهجري، في عام 212 هـ في أوساط المسلمين مسألة ترتبط بالقرآن الكريم، وهي: هل القرآنُ حادثٌ أو قديمٌ؟




[1] نهج البلاغة، الخطبة: 186.

[2] الصدوق، التوحيد، ص 223، باب القرآن ما هو، الحديث 2.

 89


67

الدرس الثامن: الصفات الإلهية (2) الصفات الفعلية

 وقد صارت هذه المسألة سبباً للفرقة والاختلاف الشديدين، في حين لم يمتلك القائلون بِقدَم القرآن أيَّ تبرير صحيح لمزعمتهم، لأنّ هناك احتمالات يكون القرآنُ حسب بعضها حادثاً، وحسب بعضها الآخر قديماً.

 

فإذا كان المقصود من القرآن هو كلماته التي تُتلى وتُقرَأ، أو الكلمات التي تلقّاها الاَمينُ جبرائيل، وأنزلها على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ كل ذلك حادثٌ قطعاً ويقيناً.

 

وإذا كان المقصود هو مفاهيم الآيات القرآنيّة ومعانيها، والتي يرتبط قسمٌ منها بقصص الأنبياء، وغزوات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فهي أيضاً لا يمكن أن تكون قديماً.

 

وإذا كان المقصودُ هو علم الله بالقرآن لفظاً ومعنى فإنّ من القطعيّ والمسلَّم به هو أنّ علم الله قديمٌ، وهو من صفات الذات، ولكن العلِمَ غيرُ الكلام كما هو واضحٌ.

 

كون الله صادقاً

ومن صفاته سبحانه "الصدقُ" وهو القول المطابق للواقع في مقابل الكذب الذي هو القول المخالف للواقع. فاللهُ تعالى صادقٌ لا سبيلَ للكذب إلى قوله، ودليلُ ذلك واضحٌ تمام الوضوح، لأنّ الكذبَ شيمةُ الجَهَلة، والعَجَزة والجُبَناء. والله منزّهٌ عن ذلك كُلّه. وبعبارة أُخرى, إنَّ الكذبَ قبيحٌ والله منزّهٌ عن القبيح.

 

كون الله حكيماً

ومِنَ الصّفات الكماليّة الإلهيّة "الحكمةُ" كما يوحي بذلك تسميتهُ تعالى بالحكيم. والمقصود من كون الله حكيماً:

أوّلاً: أنّ أفعال الله تعالى تتسم بمنتهى الإتقان والكمال.

ثانياً: أنَّ الله تعالى منزّهٌ عن الأفعال الظالمة، والعابثة.

90


68

الدرس الثامن: الصفات الإلهية (2) الصفات الفعلية

 ويدل نظامُ الخلق الرائع العجيب على المعنى الأوّل حيث أُقيم صرحُ الكَون العظيم على أتمّ نظامٍ وأحسن صورةٍ، إذ يقول: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾[1]. ويشهد بالمعنى الثاني قولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾[2]. وهو أمرٌ يَدْعَمُه العلمُ والعقْلُ كلَّما تقدَّم بهما الزمنُ، وَوَقفنا على أَسرارِ الكونِ وقوانينه.



[1] سورة النمل، الآية 88.

[2] سورة ص، الآية 27.

91


69

الدرس الثامن: الصفات الإلهية (2) الصفات الفعلية

 المفاهيم الرئيسة

- إنّ القرآن يقسّم تكلّم اللهِ مع عباده، إلى ثلاثةِ أنواع، إذ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.

 

- لا يمكن للبشر أن يكلّمهُ الله إلاّ من ثلاث طرق:

 

1- "وَحْياً".

 

2- "أو مِنْ وَراءِ حِجابٍ".

 

2- "أو يُرسِلَ رسولاً...".

 

- إذا كان المقصود من القرآن هو كلماته التي تُتلى وتُقرَأ، أو الكلمات التي تلقّاها الأمينُ جبرائيل، وأنزلها على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ كل ذلك حادثٌ قطعاً ويقيناً.

 

- إذا كان المقصود هو مفاهيم الآيات القرآنيّة ومعانيها، والتي يرتبط قسمٌ منها بقصص الأنبياء، وغزوات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فهي أيضاً لا يمكن أن تكون قديماً.

 

- إذا كان المقصودُ هو علم الله بالقرآن لفظاً ومعنى فإنّ من المسلَّم به هو أنّ علم الله قديمٌ، وهو من صفات الذات، ولكن العلِمَ غيرُ الكلام كما هو واضحٌ.

 

- مِنَ الصّفات الكماليّة الإلهيّة "الحكمةُ" كما يوحي بذلك تسميتهُ تعالى بالحكيم.

 

 

 

أسـئلـة الـدرس

1- كيف تُفسر صفة التكلم لله سبحانه وتعالى؟

2- ما هو المقصود من خلق القرآن وقدمه؟

3- ما هو المقصود من صفة الحكمة؟

92


70

الدرس الثامن: الصفات الإلهية (2) الصفات الفعلية

 للمطالعة

معرفة الله

عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "اسم الله غير الله، وكلّ شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا الله، فأمّا ما عبّرت الألسن عنه أو عملت الأيدي فيه فهو مخلوق والله غاية من غاياه، والمغيّى غير الغاية، والغاية موصوفة، وكلّ موصوف مصنوع، وصانع الأشياء غير موصوف بحدّ مسمّى، لم يتكوّن فتعرف كينونته بصنع غيره، ولم يتناه إلى غاية إلّا كانت غيره، لا يذلّ مَنْ فَهِم هذا الحكم أبداً وهو التوحيد الخالص، فاعتقدوه وصدّقوه وتفهّموه بإذن الله عز وجل، ومن زعم أنّه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأنّ الحجاب والمثال والصورة غيره وإنّما هو واحد موحّد، فكيف يوحّد من زعم أنّه عرفه بغيره، إنّما عرف الله من عرفه بالله فمن لم يعرفه به فليس يعرفه، إنّما يعرف غيره، والله خالق الأشياء لا من شيء، يسمّى بأسمائه فهو غير أسمائه والأسماء غيره، والموصوف غير الواصف فمن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف فهو ضالّ عن المعرفة، لا يدرك مخلوق شيئاً إلّا بالله، ولا تدرك معرفة الله إلّا بالله، والله خِلْو من خلقه، وخلقه خلو منه، إذا أراد الله شيئاً كان كما أراد بأمره من غير نطق، لا ملجأ لعباده ممّا قضى، ولا حجّة لهم فيما ارتضى، لم يقدروا على عمل ولا معالجة ممّا أحدث في أبدانهم المخلوقة إلّا بربّهم، فمن زعم أنّه يقوى على عمل لم يرده الله عزّ وجلّ فقد زعم أنّ إرادته تغلب إرادة الله تبارك الله ربّ العالمين"[1].




[1] الصدوق، التوحيد، ص138، باب صفات الذات وصفات الأفعال، ح7.

93


71

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يشرح معنى الصفات السلبيّة.

2- يشرح معنى الصفات الخبريّة.

3- يبيّن المقصود من عين الله ويد الله.

95


72

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 الصفات السلبيّة

تقدّم الكلام عن القسم الأول من الصفات الإلهيّة والآن يأتي الحديث عن القسم الثاني وهو الصفات السلبيّة.

 

ذكَرْنا عند تصنيف صفات الله تعالى أنَّ الصفات الإلهيّة على نَوعين: صفات الجمال، وصفات الجلال، وأنّ ما هو من سِنخ الكمال ومقولته يُسمّى "الصفات الجماليّة" أو "الثبوتية"، وما هو من مقولة النقص وسنخه يسمّى "الصفات الجلالية" أو "السلبية".

 

والهَدَف من الصّفات السَلبيّة هو تنزيه ذات الله سبحانه من النقص، والحاجة والفقر.

 

إنّ الله تعالى لكونه غنيّاً موصوفاً بالكمال المطلق، منزَّهٌ عن كُلّ وصفٍ يحكي النقص، والحاجة والفقر، ولهذا قال علماء العقيدة المسلمون (علماء الكلام) إنّ الله ليس بجسمٍ ولا جسماني، ولا محلاً لِشيءٍ، ولا حالاًّ في شيء، ذلك لأنّ كل هذه الخصوصيات ملازمة للنقص والاحتياج ومستتبعة للفقر والإمكان، وهي تعارضُ كونه غنياً غنىً مطلقاً، وتنافي كونه واجبَ الوجود قطعاً ويقيناً.

97


73

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 وسوف نتناول مسألة تنزيه الله عن التجسيم في نقطتين:

1- إنّ الله لا يرى بالعين مطلقاً:

هذا ومن الصفات التي تحكي النقص كون الشيء مرئياً، ذلك لأن الشيء لا يكون مرئياً إلاّ بعد تحقّق شروط ضرورية هي:

أ- أن يكون في مكانٍ وجهةٍ خاصةٍ.

ب- أن لا يكون في ظلمة، بل يشع عليه النور.

ج- أن يكون بينه وبين الرائي فاصلة معينة ومسافة مناسبة.

 

ومن الواضح أنّ هذه الشرائط من آثار الكائن الجسماني ومن خصائص الموجود المادّي لا الاِلَه ذي الوجود الأسمى والأعلى من ذلك. هذا مضافاً إلى أنّ كون الله مرئياً لا يخلو من حالتين:

الأولى: إمّا أن يكونَ كلّ وجودِه مرئياً.

الثانية: وإمّا أن يكونَ بعض وجودِه مرئياً.

 

وفي الصورة الأولى يكون الله المحيط, مُحاطاً ومحدوداً.

 

وفي الصورة الثانيّة يكونُ الحق تعالى ذا أجزاء وأبعاض.

 

وكلا الأمرين لا يليقان بالله سبحانه فهو تعالى محيطٌ غير محاط به، مطلق غير مقيد، منزّه عن التركُّب والتبعُّض.

 

على أنَّ ما قلناه يرتبط بالرؤية الحسّيّة والبصريّة، لا الرؤية القلبيّة، والشهود الباطنيّ الّذي يتحقّق للمرء بفضل الإيمان الكامل، واليقين الصادق، فإنّ هذا القسمَ خارجٌ عن محطّ البحث وإطار النقاش. ولا ريب في إمكان وقوعه بل وقوعه لأولياءِ الله، وعباده الصالحين المقربين.

 

قال ذعلب اليمانيّ وهو من أصحاب الإمام علي عليه السلام قلت للإمام عليه السلام: "هل

98


74

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 رأيتَ ربَّك يا أميرَ المؤمنيِن؟ قالَ الإمام عليه السلام: أفَأَعْبُدُ ما لا أرى، فقال ذعلب: وكيف تراهُ ؟ فقال عليه السلام: لاَ تراهُ العُيُونُ بمشاهدة العَيانِ وَلكِنْ تدرِكهُ القُلُوب بِحَقائِقِ الإيمان"[1].

 

إنّ الرؤية بالبصر علاوةً على كونِها ممتنعةً عقلاً، مرفوضةً من جانبِ القرآن الكريم، فقد صرّحَ القرآن الكريم بنفِي إمكان ذلك.

 

فعندما طَلَب النبيّ موسى عليه السلام من الله (تحت إلحاحٍ وضغطٍ مِن قومه) أن يريه نفسَه ردّ عليه سبحانه بالنفي المؤكد قائلاً: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي[2].

 

2- رؤية الله في القرآن الكريم:

ويمكن أن يَسأَل أحد: إذا كانت رؤيةُ الله بالبصر والعَين غير ممكنة فلماذا قال القرآن الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[3]؟.

 

والجواب على ذلك هو: أنّ المقصود من النظر في الآية الكريمة، هو انتظار الرحمة الإلهيّة، لأنّ في الآية شاهدين على ذلك:

 

1- إن النظر في هذه الآية نُسِبَ إلى الوجوه وقال ما معناه: إنّ الوجوه المسرورة تنظرُ إليه. ولو كان المقصود هو رؤية الله بالبصر لنُسِبَ النظر إلى العيون لا إلى الوجوه.

 

2- إن الكلام في هذه السورة عن فريقين: فريق يتمتّع بوجوهٍ مسرورةٍ مشرقةٍ وقد بيّن ثوابَها بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.

 

وفريق يتسم بوجوه حَزينة مكفهرّة وقد بيّن جزاءها وعقابها بقوله: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ[4].




[1] نهج البلاغة، الخطبة 179.

[2] سورة الأعراف، الآية 143.

[3] سورة القيامة، الآيتان 22 و23.

[4] سورة القيامة، الآية 25.

99


75

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 والمقصود من الفقرة الثانيّة واضح وهو أنّ هذا الفريق يعلم بأنّه سيصيبه عذابٌ يفقر الظهر، ويكسره ولهذا فهو ينتظر مثل هذا العذاب الأليم.

 

وبقرينة المقابلة بين هذين الفريقين يمكن معرفة المقصود من الآية الأولى وهو أنَّ أصحاب الوجوه المسرورة تنتظر رحمة الله، فقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ كنايةٌ عن انتظار الرَّحمة الإلهيّة، ولهذا النّوع من التكنية وذكر شيء وإرادة شيء آخر كنايةً نظائر في المحاورات العرفية فيقال فلانٌ عينه على يد فلان، أي أنّه ينتظر إفضاله وإنعامه عليه.

 

وخلاصة القول, أنّه كما ينتظر أصحابُ الوجوهِ الحزينةِ عذاباً إلَهيّاً، ينتظرُ أصحابُ الوجوهِ المسرورةِ رحمةً إلَهيةً كُنّي بها بالنَظَر إليه جرياً على العادةِ المألوفةِ في المحاورات العرفيّة العربيّة، وبقرينة المقابلة التي هي من قوانين البلاغة وقواعدها.

 

هذا مضافاً إلى أنّه يجب أن لا يُكتفى في تفسير الآيات القرآنيّة بآيةٍ واحدةٍ بل لا بدّ من استعراض ما يشابهُها من الآيات من حيثُ الموضوع، والتوصل إلى المفهوم الحقيقي بعد ملاحظة مجموعة تلك الآيات. وفي مسألة الرُؤية لو لاحظنا كلّ الآيات المتعلّقة بها في القرآن الكريم، بالإضافةِ إلى الأحاديثِ الشريفةِ في هذا المجال لاتّضحَ عدمُ إمكان رؤية الله تعالى في نظر الإسلام من دون غموضٍ.

 

الصِّفات الخَبَريّة

كُلُّ ما ذُكر إلى هُنا من الصّفاتِ الإلهيّة (ما عدا التكلّم) كانَ برمّته مِن نوع الصّفاتِ التّي يقضي العقلُ بِإِثباتِها للهِ أو نَفْيِها عنهُ. غَير أنَّ هناكَ مجموعةً من الصّفات وَرَدَت في آياتِ القرآنِ وفي السُّنة ولم يكن لها من مُسْتَنَدٍ ومَصْدرٍ سوى النقلِ مثل:

100


76

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 1ـ يَدُ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ[1].

 

2 ـ وَجْهُ الله: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[2].

3 ـ عَيْنُ الله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا[3].

4 ـ الاسْتواء عَلى العَرش: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[4].

 

والعلّة في تسمية هذا النوع من الصفات، بالصفات الخبرية، هو ثبوتها لله بإخبار الكتابِ والسُنّة بِها فقط.

 

بيان لحقيقة الصفات الخبرية

للحصول على التفسير الواقعيّ لهذا النوع من الصفات يجب أيضاً ملاحظة كلّ الآيات المتعلّقة بهذا المجال. كما أنّه يجب أن نعلم أنّ اللّغة العربيّة شأنها شأن غيرها من اللّغات الأخرى زاخرة بالكنايات والاستعارات والمجازات، وبما أنّ القرآن نزل بلغة القوم لذلك استخدم هذه الاساليب أيضاً. وفيما يلي بيان هذه الصفات وتفسيرها على ضوءِ ما مرّ:

 

1- بيان معنى اليد:

في الآية الأولى قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ لأنّ مبايعة الرسول بمنزلةِ مبايعةِ المرسِلِ، ثم يَقُول بعد ذلك: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وهذا يعني أن قدرة الله أعلى وأقوى من قدرتهم وَلا يعني أنّ لله يَداً جسمانيّة حِسيّة تكون فوق أياديهم. ويشهد على ذلك أنّهُ قال في ختام الآية وعقيب ما مرّ: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[5]. فمن نكث بيعته



[1] سورة الفتح، الآية 10.

[2] سورة البقرة، الآية 115.

[3] سورة هود، الآية 37.

[4] سورة طه، الآية 5.

[5] سورة الفتح، الآية 10.

101


77

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

  فلا يضرّ الله شيئاً لأنّ قدرة الله فوق قدرتهم. إنّ هذا النمط من الكلام والخطاب الذي يتضمن تهديدَ الناكثين لعهدهم والتنديد بهم، وامتداح الموفين بعهدهم وتبشيرهم، يدل على أنّ المقصود من "يَدِ الله" هو القدرةُ والحاكمية الإلهيّة. على أنّ لفظة "اليَد" تُستخدَم أحياناً في جميع اللُغات للكناية عن القُدرةِ والقُوةِ، والسُلطةِ والحاكميةِ، ومن هذا الباب قولِهم: فَوْقَ كل يدٍ يدٌ، أي فوقَ كُلّ قوةٍ قوةٌ أعلى، وفوق كلّ قدرةٍ قدرةٌ أكبر.

 

 

2- بيان معنى الوجه:

إنّ المقصودَ من الوَجه الذي نُسِبَ إلى الحقّ تعالى هنا هو ذاته سبحانه لا العضوُ الخاصُ الموجودُ في جسم الإنسان وما يشابِهُهُ. فالقرآنُ عندما يتحدّث عن هلاك ما سوى الله وفنائه يقول: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ[1]. ثم يخبر عقيبَ ذلك مباشرةً عن بقاء الذات الإلهيّة ودوامِها وأنّه لا سبيل للفناء إليها فيقول: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ[2]، أي تَبقى ذاته المقدسة، ولا تفنى أبداً.

 

من هذا البيان يتّضح بجلاءٍ معنى الآية المبحوثة هنا، ويتبيّن أنّ المقصودَ هو أنّ الله ليس في جهةٍ أو نقطةٍ معيّنةٍ، بل وجوده محيط بجميع الأشياء فأينما وَلَّيْنا وُجوهَنا، فقد وَلَّيْنا وجوهَنا شطرهُ. ثم إنّ القرآن أتى لإثبات هذه الحقيقة العظيمة بوصفين لله تعالى:

أ- واسعٌ: أيْ إِنّ وجود الله لا نهاية له ولا حدود.

ب- عَلِيْمٌ: أيْ إنّه عارفٌ بجميع الأشياء.




[1] سورة الرحمن، الآية 26.

[2] سورة الرحمن، الآية 27.

102


78

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 3- بيان معنى عين الله:

 

في الآية الثالثة يذكر القرآنُ الكريم أنّ نوحاً عليه السلام كُلّف من جانب اللهِ بصنع سفينة وإعدادها. وحيث إنّ صنعَ تلك السفينة كان في مكان بعيدٍ عن البحر، لذلك استهزأ قومُه به، وسخر به الجهلة منهم، وآذَوه. ولذا في مثل هذه الظروف قال له الله تعالى: اصنع أنتَ السفينة ولا تُبالي، فأنتَ تفعل ذلك تحت إشرافنا، وهو أمرٌ قد أوحينا نحن به إليك. فالمقصود من قوله ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا[1] هو أن نوحاً قامَ بما قام من صُنْع السفينة حسب أمر الله له، ولهذا فإنّ الله سيحفظه ويكَلاَؤه برعايته، ويحميه، ولن يَصل إليه من المستهزئين شيءٌ إذ هو في رعاية الله، ويعمل تحت عنايته.

 

4- بيان معنى الاستواء على العرش:

إنّ العَرشَ في اللغة العربيّة بمعنى السرير، ولفظ "الاستواء" إذا جاء مع لفظة "على" كان المعنى هو الاستقرار والاستيلاء. وحيث إنّ الملوك والأُمراء بعد أن جلسوا على منصة العرش يعمدون إلى تدبير الأمور، وتسييرها في بلادهم، لهذا كان هذا النوعُ من التعبير (أعني: الاستواء على العرش) كناية عن الاستيلاء، والسيادة، والقدرة على تدبير الأمور، خاصة إذا نُسِبَ ذلك إلى الله سبحانه. هذا مضافاً إلى أنّ الأدلّة العَقلية والنقلية أثبتت تنزّه الحق تعالى عن المكان.

 

وممّا يشهد بأنّ الهدف من هذا النمط من التعابير، ليس هو الجلوسُ على السَرير الماديّ، بل هو كناية عن تدبير أُمور العالم أمران:

 

أ- إنّ هذه العبارة جاءت في كثير من آيات الكتاب العزيز مسبوقةً بالحديث عن خلق السماوات والارض، للإشارة إلى أنّ هذا الصرح العظيم قائم من غير أعمدة مرئيّة.



[1] سورة هود، الآية 37.

103


79

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 ب- إن هذه العبارة جاءت في آيات كثيرة من الكتاب العزيز ملحوقةً بالكلام عن تدبير العالم.

 

إنّ ورود هذا التعبير في القرآن الكريم مسبوقاً تارةً بالحديث عن الخلق، وملحوقاً تارة أُخرى بالحديث عن التدبير يمكن أن يساعِدَنا على فهم المقصود من الاستواء على العرش، وأنّ القرآن يُريدُ بهذه العبارة أن يُفَهّمَ البشريةَ أنَّ خلق الوجود على سعته، وعظمتهِ، لم يوجب خروج هذا الكون العظيم عن نطاق تدبيره ومشيئته، بل الله تعالى مضافاً إلى كونه خالقَ الكون، وموجده، فهو مدّبرُه، ومصرّفُ شؤونه. وها نحن نختارُ من بين الآيات العديدة في هذا الصعيد آيةً جامعةً للحالتَين (المذكورتين سابقاً) تفيد ما ذكرناه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ[1]،[2].



[1] سورة يونس، الآية 3.

[2] يراجَع في هذا الصدد الآيات: 2، سورة الرعد، 4، سورة السجدة، 54، سورة الأعراف.

104


80

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 المفاهيم الرئيسة

- الهَدَف من الصّفات السَلبيّة هو تنزيه ذات الله سبحانه من النقص، والحاجة والفقر.

 

- إنّ الله - تعالى- لكونه غنيّاً موصوفاً بالكمال المطلق، منزَّهٌ عن كُلّ وصفٍ يحكي النقص، والحاجة والفقر.

 

- إنّ كون الله مرئياً لا يخلو من حالتين:

1- إمّا أن يكونَ كلّ وجودِه مرئياً، وفي هذه الصورة يكون الله المحيط, مُحاطاً ومحدوداً.

2- وإما أن يكونَ بعض وجودِه مرئياً، وفي هذه الصورة يكونُ الحق - تعالى- ذا أجزاء وأبعاض.

 

- وكلا الأمرين لا يليقان بالله سبحانه فهو تعالى محيطٌ غير محاط به، مطلق غير مقيد، منزّه عن التركب والتبعّض.

 

- يجب أن لا يُكتفى في تفسير الآيات القرآنيّة بآيةٍ واحدةٍ بل لا بدّ من استعراض ما يشابهُها من الآيات من حيثُ الموضوع، والتوصل إلى المفهوم الحقيقي بعد ملاحظة مجموعة تلك الآيات.

 

- إنّ الله ليس في جهةٍ أو نقطةٍ معيّنةٍ، بل وجوده محيط بجميع الأشياء فأينما وَلَّيْنا وُجوهَنا، فقد وَلَّيْنا وجوهَنا شطرهُ.

 

 

أسـئلـة الـدرس

1- ما هو الدليل على نفي التجسيم لله؟

2- كيف نفى القرآن الكريم القدرة على رؤية الله ؟

3- ما هو المقصود من الصفات الخبرية؟

105


81

الدرس التاسع: الصفات الإلهية (3) الصفات السلبيّةُ والصفات الخبريّة

 للمطالعة

 

الولاية والتوحيد

عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا[1] قال: "إنّا الله تبارك وتعالى لا يأسف كأسفنا، ولكنّه خلق أولياء لنفسه يأسَفون ويرضون، وهم مخلوقون مدبّرون، فجعل رضاهم لنفسه رضى وسخطهم لنفسه سَخَطاً، وذلك لأنّه جعلهم الدعاة إليه والأدلّاء عليه، فلذلك صاروا كذلك، وليس أنّ ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه، ولكن هذا معنى ما قال من ذلك، وقد قال أيضاً: من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها. وقال أيضاً: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ[2] وقال أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ[3] وكل هذا وشبهه على ما ذكرت لك، وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء ممّا يشاكل ذلك ولو كان يصل إلى المكوّن الأسَف والضجر وهو الذي أحدثهما وأنشأهما لجاز لقائل أن يقول: إنّ المكوّن يَبيد يوماً ما، لأنّه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغيير وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المُكوِّن من المكوَّن، ولا القادر من المقدور، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علوّاً كبيراً، هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحدّ والكيف فيه، فافهم ذلك إن شاء الله"[4].




[1] سورة الزخرف، الآية 55.

[2] سورة النساء، الآية 80.

[3] سورة الفتح، الآية 10.

[4] الصدوق، التوحيد، ص164، باب معنى رضاه عزوجل وسخطه، ح2.

106


82

الدرس العاشر: العَدلُ الإلهي

 الدرس العاشر: العَدلُ الإِلَهيُّ

 

 

 

أهداف الدرس:

 

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن: 

1- يذكر الأسباب التي تؤدّي إلى فعل الظلم.

2- يشرح أدلّة إدراك العقل للحسن والقبح.

3- يبيّن كيف يتجلّى العدل الإلهيّ في التكوين والتقنين.

107


83

الدرس العاشر: العَدلُ الإلهي

 مقدّمة

إنّ لمسألة العدل الإلهي في التاريخ الإسلاميّ أخذاً وردًّا طويلين، ويتبيّن ذلك من خلال النقاشات التي دارت بين المذاهب الإسلامية، وخاصّة في زمن الإمامين الصادقين عليه السلام، فقد كثر الكلام في زمانهما عن الجبر والتفويض، واختيارية الإنسان، وانقسم المسلمون حينذاك إلى فرق متعدّدة يمكن حصرها في ثلاث فرق وهي الأشاعرة الذين قالوا بالجبر الإلهي، والمعتزلة الذين قالوا بالتفويض، والإمامية الذين قالوا بدورهم باختياريّة الإنسان وأنه لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين.

 

وقد أطلق على كلّ من الإماميّة والمعتزلة وصف العدليّة انسجامًا مع قولهم بعدم الجبر الإلهي في مقابل الأشاعرة الذين بقولهم بالجبر نسبوا الظلم إليه تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.

 

والملاحظ أن مسألة العدل الإلهي ترتبط بمسألة القضاء والقدر وبمسألة الجبر والتفويض، فكل هذه المسائل تنسجم فيما بينها، ولذلك سوف نتكلم عن الجبر والتفويض في الدروس اللاحقة.

109


84

الدرس العاشر: العَدلُ الإلهي

 العدل من الصفات الجمالية

يعتقدُ المسلمون جميعاً بعدل الله تعالى والعَدلُ من الصفات الإلهيّة الجماليّة. وَيَنطلقُ اعتقاد المسلمين جميعًا بعدل الله عزّ وجلّ مِن نفيِ القرآن لأيّ نوعٍ من أنواعِ الظُلْم عَنِ اللهِ تعالى، ووَصفِه بكونهِ "قائماً بالقِسط" كما يقول: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾[1]. ويقول أيضاً: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا[2]. ويقولُ كذلك: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[3].

 

إنّ العقل مضافاً إلى الآيات المذكورة يحكم بوضوح بالعَدلِ الإلَهيّ لأنَّ العَدْلَ صفةُ كمالٍ، والظلمُ صفةُ نقصٍ، والعقلُ يحكمُ بأنّ الله تعالى مُستجمعٌ لجميع صفاتِ الكمالِ، منزَّهٌ عن كلّ عيبٍ ونقصٍ في مقام الذات والفعل.

 

الذات الإلهيّة منزّهة عن الظلم

الظلمُ أساساً نابعٌ من أَحَدِ عواملَ ثلاثة:

1 ـ جَهل الفاعلِ بقبح الظُلم.

2 ـ احتياج الفاعلِ للظُلم إلى الظلم مع عِلمه بقبحه، أو عجزه عن القيام بالعدل.

3 ـ كون فاعلِ الظُلم سفيهاً غيرَ حكيم، فهو لا يبالي بإتيان الأفعالِ الظالِمة رغم علمه بقبحها، ورغمَ قدرتهِ على القيامِ بالعدل.

 

ومِن البديهي أنّه لا سبيل لأيّ واحدٍ من هذه العَوامل إلى الذات الإلهيّة المقدّسة، فهو تعالى منزّهٌ عن الجَهل، والعَجز، وعن الاحتياج والسَّفه، ولهذا فإنّ جميع أفعالهِ تتسم بالعَدل والحكمة.




[1] سورة النساء، الآية 40.

[2] سورة يونس، الآية 44.

[3] سورة آل عمران، الآية 18.

110


85

الدرس العاشر: العَدلُ الإلهي

 ولقد أشار الشيخ الصدوق إلى هذا إذ قال: "والدليل على أنّه لا يقع منه عزّ وجلّ الظلم ولا يفعلهُ أنّه قد ثبت أنّه تبارك وتعالى قديم غنيٌ عالم لا يجهل، والظلم لا يقع إلاّ من جاهل بقبحه أو محتاج إلى فعله منتفع به"[1]. كما أشار إليه المحقّق نصير الدين الطوسي بقوله: "واستغناؤه وعلمه يدلاّن على انتفاء القبح عن أفْعالِهِ تعالى"[2].

 

معنى العدل

ونظراً إلى هذه الآيات اتّفقَ المسلمون على ثبوت العدل لله تعالى والاعتقاد بكونه عادلاً، إلاّ أنّهم اختلفوا في تفسير العدل الإلَهي واختارَ كلُ فريقٍ إحدى النظريّتين التاليتين:

1- إنّ العقلَ البشريّ السليمَ يدرك بنفسه حسنَ الأفعال وقبحها، ويعتبر الفعلَ الحَسَن علامةً لكمال فاعله، والفعلَ القبيحَ علامةً لنقصان فاعله. وحيث إنّ الله مستجمعٌ بذاته لجميع صفات الكمال، لهذا فإنّ فعلَه كاملٌ ومحمودٌ، وذاته المقدّسة منزّهةٌ عن كل فعلٍ قبيحٍ. هذا ويجدُر التذكيرُ بنقطة هامّةٍ هنا، وهي أنّ العقلَ لا يحكم على الله بشيءٍ، ولا يقول: يجب على الله أن يكون عادلاً، بل كلُ ما يفعلهُ العقلُ هنا هو أن يكتشفَ واقعيّةَ الفعلِ الإلَهيّ، يعني أنّه بالنَظَرِ إلى كمالِ اللهِ المطلَقِ، وتنزُّهِهِ سبحانه عن كلّ نقصٍ وعيبٍ، يكتشف أنّ فِعلَه كذلك في غاية الكمال، وأنّه منزَّه أيضاً عن النقص، فهو بالتالي سيعامل عباده بالعدل، ولا يظلم أحداً منهم أبداً. وما ذكَرَتهُ الآياتُ القرآنيّة في هذا المجال إنّما هو في الحقيقة تأكيدٌ وتأييدٌ لما أدركه الإنسان من طريق العقل. وهذا هو ما اصَطُلِحَ عليه في علم الكلام الإسلاميّ بمسألة الحُسن والقُبح




[1] الصدوق، التوحيد، ص 396 و 397.

[2] الحلي، كشف المراد، تحقيق: حسن زادة آملي، قم- إيران، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417هـ، ص470.

111


86

الدرس العاشر: العَدلُ الإلهي

 العقليّين، ويُسمّى القائلون بهذه النظرية بالعَدليّة، ويقف في طليعتهم الشيعةُ الإماميّةُ الاثنا عشرية.

 

2- وتقابل تلك النظرية، نظريةٌ أُخرى وهي أنّ العقلَ البشريّ عاجز عن إدراك الحُسن والقُبح في الأفعال حتى في صورتها الكليّة، وتحصر الطريق لمعرفة الحسن والقبح في الوحي الإلَهيّ وهذا ما يصطلح عليه بالحسن والقبح الشرعيين، فما أمرَ به اللهُ فهو حَسَنٌ وما نهى عنه فهو قبيحٌ. وعلى هذا الأساس فلو أمَرَ اللهُ بإلقاءِ إنسان بَريء في النار، أو إدخال عاصٍ في الجنة كان ذلك عينَ الحسن والعدل. وقول هذا الفريق هو: إنّ وصف الله بالعدل ليس إلاّ لكون هذا الوصف جاء في القرآن الكريم ليس إلاّ.

 

إدراك العقل للحسن والقبح

حيث إنّ مسألة الحُسن والقُبح العقليّين تُمَثّلُ الأساس والقاعدة للكثير من عقائد الشيعة الإمامية، لذلك نشير فيما يأتي إلى دليلَين من أدلّتها العديدة:

 

1- إنّ كلَّ إنسان مهما كان دينه ومسلكه، وأينما حلّ من بقاع الأرض ـ يدرك بنفسه حُسنَ العدل، وقبح الظلم، وكذلك يدرك حُسنَ الوفاءِ بالعهد، وقبحَ نقضه، وحسنَ مقابلة "الإحسان بالإحسان" وقبح مقابلةِ "الإحسان بالإساءة". ودراسةُ التاريخ البشريّ تشهدُ بهذه الحقيقة وتؤكّدُها، ولم يُرَ حتى اليوم إنسانٌ عاقلٌ ينكرها قط.

 

2- لو فَرَضْنا أنّ العقل عجز تماماً عن إدراك حسنِ الأفعال وقبحها، واحتاج الناس في معرفة حسن جميع الأفعال وقبحها إلى الشرع، لزم من ذلك عدم إمكانِ إثبات الحسن والقبح الشرعيّين أيضاً ذلك لأنّنا لو فَرضنا أن الشارع أخبَرَ عن حُسن فعل أو قبح آخر لا يمكننا أنْ نتوصَّل إلى معرفة حُسن ذلك الفعلِ أو قبحِه، بواسطة هذا الإخبار، ما دمنا نحتمل الكذب في إخبار الشارع وكلامِهِ،

112


87

الدرس العاشر: العَدلُ الإلهي

 إلاّ إذا ثبت قَبْل ذلك قبحُ الكذب وتنزّهِ الشارع عن هذه الصفةِ القبيحةِ، ولا يمكن إثبات ذلك إلاّ من طريق العقل[1].

 

هذا مضافاً إلى أنّه يُستفاد من الآيات القرآنيّة أنّ العقل البشريّ قادرٌ على إدراك حسنِ بعض الأفعال أو قبحها، ولهذا احتكم القرآنُ إلى العقل واللبّ، ودعا إلى تحكيمه أكثر من مرة إذ قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾[2]. وقال أيضاً: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ[3].

 

وهنا يُطرح سؤال لا بدّ من الإجابة عليه وهو أن الله تعالى قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾[4]. والسُؤال الآن هو: إذَنْ لا يمكن أن يُسأَل اللهُ عن أيّ فعل قامَ به والحال أنّه بناءً على كونِ الحُسن والقبح عَقْليَّيْن إذا فَعَلَ اللهُ قبيحاً - افتراضَاً - يُسأَل ويُقال: لماذا فَعَلَ هذا الفِعْل؟

 

والجواب هو: إنّما لا يُسأَل الله عن فعله لأنّه حكيمٌ، والحكيم لا يصدر منه القبيحُ قط، ففعلهُ ملازمٌ للحكمة أبداً، ولهذا لا يَبقى هناك ما يَستدعي المساءلة والاستفسار.

 

تجلّيات العدل الإلهيّ في مجالي التكوين والتقنين

إنّ للعَدل الإلَهي في مجالات التكوين والتشريع والجزاء، مظاهر مختلفة نبيّنها واحداً بعد آخر:

 

1- العَدلُ التكوينيّ: لقد أعطى الله تعالى لكلّ مخلوقٍ خَلَقَه، ما هو لائقٌ به، ولازمٌ له، ولم تَغَبْ عنه القابليّاتُ عند الإفاضة والإيجاد أبداً.




[1] وعبارة المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد تشير إلى هذا البرهان حيث قال: "ولانتفائهما مطلقاً (أي عقلاً وشرعاً) لو ثبتا شرعاً" أي لو انحصر إثبات الحسن والقبح في إخبار الشرع لانتفى حسنُ الاَفعال وقبحُها بالكلية، ولم يثبُتا لا شرعاً ولا عقلاً.

[2] سورة القلم، الآيتان 35 و 36.

[3] سورة الرحمن، الآية 60.

[4] سورة الأنبياء، الآية 23.

113


88

الدرس العاشر: العَدلُ الإلهي

 يقول القرآنُ الكريمُ في هذا الصدد: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى[1].

 

2- العدلُ التشريعيّ: لقد هدى اللهُ الإنسان الّذي يمتلكُ قابليّة الرُشد والتكامل، واكتساب الكمالات المعنويّة، بإرسال الأنبياء، وتشريع القوانين الدينيّة له. كما أنّه لم يُكلّف الإنسان بما هوَ فوق طاقته، ووُسعه، كما يقول: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[2].

 

وحيث إنّ العَدل والإحسان وإيتاء ذي القربى توجب كمال الإنسان وتوجب الأفعالُ الثلاثة الأخرى (الفحشاء والمُنكر والبغي) سقوطَه، أمرَ سبحانه بالأعمال الثلاثة الأولى، ونهى عن الأفعال الأخيرة.

 

ويقول عن ملائمة التكاليف الإلهيّة لاستطاعة الإنسان وقدرته وعدم كونها خارجة عن حدود هذه الاستطاعة أيضاً: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا[3].

 

3- العدل في الجزاء: إنّ الله لا ينظر إلى المؤمن والكافر، والمحسن والمسيء من حيث الجزاء نظرةً سواء قط، بل يجازي كُلاًّ طبقاً لاستحقاقه ووفقاً لِعَمله فيثيبُ المحسنَ، ويعاقبُ المسيء.

 

وعلى هذا الأساس لا يعاقبُ مَن لَمْ تبلُغْهُ تكاليفهُ عن طريق الأنبياء والرسل، ولم تتم عليه الحجةُ كما يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[4]. ويقول أيضاً: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا[5].




[1] سورة طه، الآية 50.

[2] سورة النحل، الآية 90.

[3] سورة البقرة، الآية 286.

[4] سورة الإسراء، الآية 15.

[5] سورة الأنبياء، الآية 47.

114


89

الدرس العاشر: العَدلُ الإلهي

 الهدفيّة في خلق الإنسان

إنّ الله خلق الإنسان، وكان لخلقه وإيجاده هدفٌ خاصٌ، وهو وُصول الإنسان إلى الكمالِ الإنساني المطلوبِ الذي يتحقّق في ظلّ عِبادةِ اللهِ، وطاعتهِ.

 

ولو كان وصولُ الإنسان إلى الهدف متوقِّفاً على مقدّمات، هَيَّأ سبحانه تلكَ المقدّمات، وسهّل لَه طريق الوُصول إلى الهدف، وإلاّ كان خلقُ الإنسان عبثاً خالياً عَنِ الهَدَف.

 

مِن هنا بعث اللهُ أنبياءَه ورسُله وزوّدهم بالبيّنات والمعاجز، كما أنّه ترغيباً لعبادِهِ في الطاعة، وتحذيراً لَهُمْ عن المعصيَةِ ضمَّنَ تلكَ الرِسالات وَعْدَه ووعيده، فبشّروا وأنذروا.

 

وهذا الّذي قُلناه هو خلاصة ما يسمّى في كلام "العدليّة" بـ "قاعدةِ اللُّطف" وهي من فُروع قاعدة الحُسنِ والقبحِ العقليّين، كما أَنّها هي الأساس والمنطلَق للكثيرِ من قضايا العقيدة ومسائلها.

115


90

الدرس العاشر: العَدلُ الإلهي

 المفاهيم الرئيسة

- يعتقدُ المسلمون جميعاً بعدل الله تعالى والعَدلُ من الصفات الإلهيّة الجماليّة.

 

- إنّ العقل مضافاً إلى الآيات المذكورة يحكم بوضوح بالعَدلِ الإلَهيّ لاَنَّ العَدْلَ صفةُ كمالٍ، والظلمُ صفةُ نقصٍ.

 

- الظلمُ نابعٌ من أَحَدِ عواملَ ثلاثة:

1- جَهل الفاعلِ بقبح الظُلم.

2- احتياج الفاعلِ للظُلم إلى الظلم مع عِلمه بقبحه، أو عجزه عن القيام بالعدل.

3- كون فاعلِ الظُلم سفيهاً غيرَ حكيم، فهو لا يبالي بإتيان الأفعالِ الظالِمة رغم علمه بقبحها، ورغمَ قدرتهِ على القيامِ بالعدل.

 

- ومِن البديهي أنّه لا سبيل لأيّ واحدٍ من هذه العَوامل إلى الذات الإلهيّة المقدّسة، فهو تعالى منزّهٌ عن الجَهل، والعَجز، وعن الاحتياج والسَفه.

 

- اختلف المسلمون في تفسير العدل الإلَهي فمنهم من قال بنظريّة الحسن والقبح العقليين ومنهم من قال بالحسن والقبح الشرعيين.

 

- إنّ الله خلق الإنسان، وكان لخلقه وإيجاده هدفٌ خاصٌ، وهو وُصول الإنسان إلى الكمالِ الإنساني المطلوبِ الذي يتحقّق في ظلّ عِبادةِ اللهِ وطاعتهِ.

 

 

 

أسـئلـة الـدرس

1- ما معنى العدل؟ بيّن ذلك.

2- ما هو الدليل الذي يطرح على كون الحسن والقبح عقلييّن؟

3- اذكر بعض المظاهر التي تتجلّى فيها عدالة الله سبحانه وتعالى.

116


91

الدرس العاشر: العَدلُ الإلهي

 للمطالعة

 

الحكمة في أفعال الله

عن جابر بن يزيد الجُعْفي، قال: "قلت لأبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام: يا ابن رسول الله إنّا نرى من الأطفال من يولد ميّتاً، ومنهم من يسقُط غير تامّ، ومنهم من يولد أعمى أو أخرس أو أصمّ، ومنهم من يموت من ساعته إذا سقط على الأرض، ومنهم من يبقى إلى الاحتلام، ومنهم من يعمَّر حتّى يصير شيخاً، فكيف ذلك وما وجهه؟ فقال عليه السلام: إنّ الله تبارك وتعالى أولى بما يدبّره من أمر خلقه منهم، وهو الخالق والمالك لهم، فمن منعه التعمير فإنّما منعه ما ليس له، ومن عمّره فإنّما أعطاه ما ليس له، فهو المتفضّل بما أعطاه وعادل فيما منع، ولا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون، قال جابر: فقلت له: يا ابن رسول الله وكيف لا يسأل عمّا يفعل؟ قال: لأنّه لا يفعل إلّا ما كان حكمة وصواباً, وهو المتكبّر الجبّار والواحد القهّار فمن وجد في نفسه حرجاً في شيء ممّا قضى الله فقد كفر، ومن أنكر شيئاً من أفعاله جحد"[1].




[1] الصدوق، التوحيد، مصدر سابق، ص386، ح13.

117


92

الدرس الحادي عشر: القضاء والقَدَر

 الدرس الحادي عشر: القضاء والقَدَر (1)

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن: 

1- يبيّن معنى القضاء والقدر لغة.

2- يشرح المعنى الاصطلاحي للقضاء والقدر.

3- يذكر نماذج من الكتاب والسنة تتحدّث عن القضاء والقدر.

119


93

الدرس الحادي عشر: القضاء والقَدَر

 القدر والقضاء لغةً واصطلاحًا

1- لغة:

أ- القدر: قال ابن فارس: "القدر بفتح الدال وسكونه حدّ كل شيء ومقداره وقيمته وثمنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ[1] أي قدر بمقدار قليل"[2].

 

وقال الراغب: "القدر والتقدير تبين كمية الشيء، يقال قدرته وقدّرته وقدّره بالتشديد: أعطاه القدرة فتقدير الأشياء على وجهين: أحدهما بإعطاء القدرة، والثاني (وهو ما يهمنا) بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسب ما اقتضت الحكمة"[3].

 

ب- القضاء: (قضى) القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ[4] أي أحكم خلقهن. والقضاء الحكم. قال الله سبحانه في ذكر من




[1] سورة الطلاق، الآية 7.

[2] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مكتبة الإعلام الإسلامي، 1404هـ، ج5، ص36.

[3] الراغب الأصفهاني، مفردات غريب القرآن، تحقيق نديم مرعشلي، ط دار الكتاب العربي، مادة "قدر"، ص409.

[4] سورة فصلت، الآية: 12.

121


94

الدرس الحادي عشر: القضاء والقَدَر

  قال: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ[1] أي أصنع واحكم. ولذلك سُمي القاضي قاضياً لأنه يحكم الأحكام وينفذها[2].

 

 

2- اصطلاحًا:

بعد أن اتَّضَحَ معنى الْقَدر والقضاء من حيث اللُّغة، نَعْمَدُ إلى بيان معناهما حسب المصطلَح الديني:

أ- القَدَر: إنَّ لِوُجود كلّ مخلوقٍ من المخلوقات بحكم كونه من الموجودات الممكنة (أي موصوفاً بصفة الإمكان) حَدّاً معيناً، ومقداراً خاصّاً. فلوجود "الجماد" مثلاً حدّ خاص، ومقدار  معيّن، ولوجود "النبات" و"الحيوان" مقدار وحَدّ آخر.

 

وحيث إنّ الوجود المقدَّر لكلّ شيء هو بدوره مخلوق لله تعالى، لذا فإنّ من الطبيعي أن يكونَ التقديرُ والتحديدُ نفسه تقديراً إلَهياً.

 

كما أنّ هذا التقديرَ من جهة كونه فِعلَ الله يسمّى "التقدير الفِعلي" ومن جهة كون الله يعلم به قبل خَلْقه يُسمّى "التقدير العِلميّ". وفي الحقيقة إن الاعتقاد بالقَدَر، اعتقادٌ بخالقية الله بلحاظ خصوصيات الأشياء.

 

وحيث إنّ هذا التقدير الفعليّ مُستندٌ إلى علم الله الأزليّ، لهذا فإنَّ الاعتقاد بالقَدَر العِلميّ يكون في حقيقته اعتقاداً بعلمِ الله الأزلي.

 

ب- القضاء: إنّ "القضاء" كما أسلفنا يعني الحَتمَ والجَزمَ بوجود الشيء، ومن المُسلَّم أنّ حتمية وجود أيّ شيء وتحقّقه على أساس العليّة والمعلولية رهن تحقّق علّته التامّة، وحيث إنّ سلسلة العلل والمعلولات (وبالأحرى النظام العِلّي) تنتهي إلى الله تعالى، لهذا فإنّ حتمية تحقّق أيّ شيءٍ يستند - في




[1] سورة طه، الآية: 72.

[2] ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج5، ص99.

122


95

الدرس الحادي عشر: القضاء والقَدَر

 الحقيقة - إلى قدرةِ الله ومشيئته سبحانه. وهذا هو قضاءُ الله في مقامِ الفعل والخَلق. وعلمُ اللهِ الأزَليّ في مجال هذه الحتميّة يكون قضاءَ الله الذاتيّ.

 

ممّا تقدّم يتبيّن معنا أن القدر متقدّم على القضاء، فإنّ القضاء هو نتيجة ما قدّر، ولكن درج بين العلماء أن يذكروا القضاء قبل القدر لسهولة التلفظ بها لا أكثر.

 

كلُّ ما سَلَف يرتبط بقضاءِ الله وقَدَره التكوينيين، فعليّاً كان أم ذاتياً، وقد يكونُ "القضاء والقدر" مرتبطين بعالم التشريع ومجاله، بمعنى أنّ أصلَ التشريع، والتكليف الإلَهيّ يكون قضاءَ الله، وكذا تكون كيفيته وخصوصيّته كالوجوب، والحرمة، وغير ذلك تقديراً تشريعياً لله تعالى.

 

وعليه يكون معنى القضاء والقدر التشريعي, الأوامر والنواهي الإلهية الواردة في الكتاب والسنّة. وقد ذكّر الإمام أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب عليه السلام في جواب من سَأَل عن حقيقة القضاء بهذه المرحلة من "القضاء والقدر" إذ قال: "الأمرُ بالطاعَة، والنَّهْيُ عَنِ المعصِيَةِ، والتَمْكِينُ مِن فِعْلِ الْحَسَنَةِ، وتركُ المَعْصِيَة، والمعُونَةُ على القُرْبةِ إلَيْه، والخِذْلانُ لِمَنْ عصاهُ، والوَعْدُ والوَعِيْدُ، والتَرْغِيْب والتَرْهِيْبُ كُلُّ ذلكَ قضاءُ الله في أفعالنا وقَدَرُهُ لأعمالنا"[1].

 

هذا ولعلّ اقتصار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام - في الإجابةِ على سؤال السائل - على شرحِ "القضاء والقَدَر" التشريعيين، كان رعايةً لحال السائل، أو الحاضرين في ذلك المجلس، لأنّه كان يُستنبطُ مِنَ القضاء والقدر التكوينيين وشمولهما لأفعال الإنسان في ذلك اليوم الجَبْرُ وسلبُ الاختيار.

 

ولهذا ختم الإمام عليه السلام كلامه المذكور بقوله: "أمّا غير ذلك فلا تَظُنَّهُ فَإِنَّ الظّنَّ لَهُ مُحْبِطٌ لِلأعمال"[2]. والمقصود هو أنَّ قيمةَ الأعمال تنبُعُ من كونِ الإنسان




[1] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، ص84، ح20.

[2] م.ن.

123


96

الدرس الحادي عشر: القضاء والقَدَر

 مختاراً يأتي بأفعاله باختيارٍ وإرادةٍ منه، ومع فَرضِ الجَبْرِ لا تبقى للأفعالِ أيَّةُ قيمةٍ. والحاصلُ أنّ "القَضاء والقدر" قَد يكونان في مجال التكوين، وقد يكونان في مجال التشريع.

 

القضاء والقدر في الكتاب والسنّة

القضاءُ والقدرُ من العقائد الإسلامية المسلَّمة الّتي وَرَدَت في الكتاب والسُّنة، وأيَّدَتْها الأدلّة والبراهينُ العقليّةُ القاطعةُ.

 

1- الآيات القرآنيّة:

إنّ الآيات التي تَتَحدَّثُ عن "القضاء والقدر" كثيرة جداً ونحن نأتي بنماذج منها هنا:

 

يقول القرآن حول القدر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ[1].

 

ويقول أيضاً: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ[2].

 

ويقول تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا[3].

 [4]

كما يقول حول القضاء: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ[5].

 

ويقول أيضاً: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾.

 

2- الروايات:

هناك العديد من الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام في مسألة القدر والقضاء، منها ما يحكي عنها من الناحية العقائديّة، ومنها ما يحكي عنها من




[1] سورة القمر، الآية49.

[2] سورة الحجر، الاية 21.

[3] سورة الطلاق، الآية 3.

[4] سورة البقرة، الآية 117. 

[5] سورة الأنعام، الآية2.

124


97

الدرس الحادي عشر: القضاء والقَدَر

 الناحية العباديّة، وهذا طبعًا يرجع للارتباط والانسجام بين الإيمان بالقضاء والقدر عند الإنسان وبين عمله.

 

وفي تفسير القضاء والقدر يقول الإمام الرّضا عليه السلام: "القَدَرُ هي الهَنْدَسَة، وَوَضْعُ الحُدود من البقاء والفَناء. والقضاء هو الإبرامُ، وإقامة العَيْن"[1].

 

عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وأن الضار النافع هو الله عز وجل"[2].

 

وعنه عليه السلام أيضًا أنّه قال لأحد أصحابه: "أو تدري ما " قدر؟، قال: لا. قال: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء، ثمّ قال: إن الله إذا شاء شيئًا أراده، وإذا أراده قدّره، وإذا قدّره قضاه، وإذا قضاه أمضاه"[3].

 

وعنه عليه السلام أنّه قال: "إن القضاء والقدر خلقان من خلق الله، والله يزيد في الخلق ما يشاء"[4].

 

عن الأصبغ بن نباتة، قال: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتفرّ من قضاء الله؟ فقال: "أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّ وجلّ"[5].

 

لقد تبيّن أنّ لعمل الإنسان دخالة في القدر، ويمكن للإنسان أن يتصرّف به حينئذٍ، وهذا - طبعًا - يرجع لحرّية الاختيار التي أولاها الله إليه، أمّا القضاء فهو ما حكم به الله عزّ وجلّ ويكون متأخرًا عن القدر رتبة، ويبتني عليه، وبعبارة أخرى




[1] الكليني، الكافي، ج 1، ص 158.

[2] م.ن، الكافي، ج2، ص58، ح7.

[3] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، ص122، ح69.

[4] الصدوق، التوحيد، ص354، باب القضاء والقدر..، ح1.

[5] م.ن، ص 369، بيانه في حديث الشقي من شقي، ح 8.

125


98

الدرس الحادي عشر: القضاء والقَدَر

 الناحية العباديّة، وهذا طبعًا يرجع للارتباط والانسجام بين الإيمان بالقضاء والقدر عند الإنسان وبين عمله.

 

وفي تفسير القضاء والقدر يقول الإمام الرّضا عليه السلام: "القَدَرُ هي الهَنْدَسَة، وَوَضْعُ الحُدود من البقاء والفَناء. والقضاء هو الإبرامُ، وإقامة العَيْن"[1].

 

عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وأن الضار النافع هو الله عز وجل"[2].

 

وعنه عليه السلام أيضًا أنّه قال لأحد أصحابه: "أو تدري ما " قدر؟، قال: لا. قال: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء، ثمّ قال: إن الله إذا شاء شيئًا أراده، وإذا أراده قدّره، وإذا قدّره قضاه، وإذا قضاه أمضاه"[3].

 

وعنه عليه السلام أنّه قال: "إن القضاء والقدر خلقان من خلق الله، والله يزيد في الخلق ما يشاء"[4].

 

عن الأصبغ بن نباتة، قال: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتفرّ من قضاء الله؟ فقال: "أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّ وجلّ"[5].

 

لقد تبيّن أنّ لعمل الإنسان دخالة في القدر، ويمكن للإنسان أن يتصرّف به حينئذٍ، وهذا - طبعًا - يرجع لحرّية الاختيار التي أولاها الله إليه، أمّا القضاء فهو ما حكم به الله عزّ وجلّ ويكون متأخرًا عن القدر رتبة، ويبتني عليه، وبعبارة أخرى




[1] الكليني، الكافي، ج 1، ص 158.

[2] م.ن، الكافي، ج2، ص58، ح7.

[3] المجلسي، بحار الأنوار، ج5، ص122، ح69.

[4] الصدوق، التوحيد، ص354، باب القضاء والقدر..، ح1.

[5] م.ن، ص 369، بيانه في حديث الشقي من شقي، ح 8.

126


99

الدرس الحادي عشر: القضاء والقَدَر

 المفاهيم الرئيسة

- إنّ سلسلة العلل والمعلولات تنتهي إلى الله تعالى، لهذا فإنّ حتمية تحقّق أيّ شيءٍ يستند إلى قدرةِ الله ومشيئته سبحانه، وهذا هو قضاءُ الله في مقامِ الفعل والخَلق.

 

- القضاءُ والقدرُ من العقائد الإسلاميّة المسلَّمة الّتي وَرَدَت في الكتاب والسُّنة.

 

- إنّ الوجود المقدَّر لكلّ شيء هو بدوره مخلوق لله - تعالى-، لذا فإنّ من الطبيعيّ أن يكونَ التقديرُ والتحديدُ نفسه تقديراً إلَهياً.

 

- التقدير من جهة كونه فِعلَ الله يسمّى "التقدير الفِعليّ" ومن جهة كون الله يعلم به قبل خَلْقه يُسمّى "التقدير العِلميّ".

 

- بالنَظَر إلى الآيات والروايات العديدة لا يُمكنُ لمسلم أن يُنكر "القضاءَ والقدرَ" وإنْ لَم يجب الإلمامُ بتفاصِيل هذه المسألة ومعرفةُ جزئياتِها.

 

- إنّ أصلَ التشريع، والتكليف الإلَهيّ يكون قضاءَ الله، وكذا تكون كيفيته وخصوصيّته كالوجوب، والحرمة، وغير ذلك تقديراً تشريعياً لله تعالى.

 

- لا يَصْلُح الخَوضُ في هذه المسائل الدقيقة لمن لم يمتلك القابلية الذهنيّة والفكريّة اللازمة.

 

أسئلة الدرس

1- ما هو المعنى الاصطلاحي للقضاء والقدر ؟

2- ما الذي يتقدّم رتبة القضاء أم القدر؟ ولماذا؟

3- اذكر آيتين من الآيات التي تحكي عن القضاء والقدر.

127


100

الدرس الحادي عشر: القضاء والقَدَر

 للمطالعة

 

سرّ الله

روي أنّه جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القَدَر، قال عليه السلام: بحر عميق فلا تلجه، قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال عليه السلام: طريق مظلم فلا تسلكه، قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال عليه السلام: سرّ الله فلا تكلّفه[1] قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أمّا إذا أبيت فإنّي سائلك، أخبرني أكانت رحمة الله للعباد قبل أعمال العباد أم كانت العباد قبل رحمة الله؟! قال: فقال له الرجل: بل كانت رحمة الله للعباد قبل أعمال العباد، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قوموا فسلّموا على أخيكم فقد أسلم وقد كان كافراً، قال: وانطلق الرجل غير بعيد، ثمّ انصرف إليه فقال له: يا أمير المؤمنين أبالمشيّة الأولى نقوم ونقعد ونقبض ونبسط؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: وإنّك لبَعْدُ في المشيّة[2] أما إنّي سائلك عن ثلاث لا يجعل الله لك في شيء منها مخرجاً: أخبرني أخلق الله العباد كما شاء أو كما شاؤوا؟ فقال: كما شاء، قال عليه السلام: فخلق الله العباد لما شاء أو لما شاؤوا؟ فقال: لما شاء، قال عليه السلام: يأتونه يوم القيامة كما شاء أو كما شاؤوا؟ قال: يأتونه كما شاء. قال عليه السلام: قم فليس إليك من المشيّة شيء[3],[4].

 




[1] في البحار باب القضاء والقدر: "فلا تتكلفه".

[2] وفي نسخ أخرى: "وإنك لبعيد في المشيئة".

[3] إنّ السائل توهّم أنّ أعمال العباد لو كانت واقعة بقدر الله تعالى لزم الظلم إذا عذّبوا عليها إذ لا محيص لهم عن القدر، كما أنّ هذا التوهّم ألجأ المفوّضة إلى التفويض ونفي القدر فأجاب عليه السلام أنّ أعمال العباد مسبوقة برحمته، مرتبطة بها، مقدّرة بها كسائر الأشياء، فإنّ رحمته وسعت كلّ شيء، فإن كانت مقدّرة بها فلا معنى لأنّ يكون في التقدير ظلم، فالجواب يرجع إلى نفي الملازمة بإثبات ضدّ الظلم في القدر، وحيث إنّه عليه السلام نفى التفويض وأثبت القدر توهّم الجبر فرجع وقال: "أبا لمشيئة الأولى - إلخ" إذ إثبات القدر في الأعمال يستلزم كونها بمشيئته، وهذا من عجيب أمر هذا المبحث إذ نفي أحد الطرفين يجرّ إلى الطرف الآخر والقرار في الوسط يحتاج إلى قريحة لطيفة وفكرة دقيقة، فأثبت عليه السلام للعبد مشيئة ولله تعالى المشيئة إلّا أنّها متقدّمة حاكمة عليها مؤثّرة فيها. وقوله:"فليس إليك من المشيئة شيء" أي ليس شيء من مشيئتك مفوّض إليك من دون تأثير مشيئته، وهذا هو الأمر بين أمرين، وفي نسخة آخرى "فليس إليك في المشيئة شيء" وفي نسخة أخرى "فليس لك من المشيئة شيء" وفي نسخة أخرى"ليس لك في المشيئة شيء".

[4] الصدوق، التوحيد، ص353، ح12.

128


101

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر

 الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر (2)

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن كيف لا يتنافى القضاء والقدر مع الاختيار.

2- يشرح مسألة "لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين".

3- يبيّن عدم التنافي بين علم الله الأزلي وحريّة الإنسان.

129


102

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر

 الحديث عن القضاء والقدر يجرّنا تلقائيًّا إلى الحديث عن اختيارية الإنسان وحرّيّته، وذلك للارتباط الوثيق بينهما، وسوف نتناول هذه المسألة ضمن نقاط أربع:

 

لا تنافي بين القضاء والقدر والاختيار

إنّ "القَضاء والقَدَر" في مجال أفعال الإنسان لا ينافيان اختياره، وما يوصف به من حرّية الإرادة قط، لأنَّ التقديرَ الإلَهيَّ في مجال الإنسان هو فاعليّتُهُ الخاصّة وهو كونه فاعلاً مختاراً مريداً، وأن يكون فعلُهُ وتركُهُ لأيّ عَمَلٍ تحت اختياره وبإرادته.

 

إنّ القضاء الإلَهي في مجال فعلِ الإنسان هو حتميَّتُهُ وتحقُّقهُ القطعيُّ بعد اختيار الإنسان له بإرادته. وبعبارةٍ أُخرى, إنّ خلْقَةَ الإنسان مجبولةٌ على الاختيار، ومزيجةٌ بحرّية الإرادة ومقدّرة بذلك، وإنّ القضاءَ الإلَهيَّ ليس إلاّ هذا، وهو أنَّ الإنسان متى ما أوْجَدَ أسباب وقوعِ فِعْلٍ مّا تمَّ التنفيذ الإلَهيّ من هذا الطريق.

 

إنّ بعض الأشخاص يَعتَبر أن العصيان، ظاهرة ناشئة من التقدير الإلَهيّ، ويتصوَّر أنّ العاصي لا يقدر على اختيار طريق آخر غير ما يسلكهُ، في حين يَرفُضُ العقلُ والوحيُ هذا التصوّرَ لأنّ العقلَ يقضي بأنَّ الإنسان هو الّذي يختار بنفسِهِ مصيرَه وهو كذلك في نظر الشرع أيضاً، أي إنّه حَسْب نظرِ الوَحْيِ يقْدِر انْ يكون إنساناً شاكِراً صالحاً، أو كافراً طالِحاً. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾[1].




[1] سورة الإنسان، الآية 3.

131


103

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر

 وفي عصر الرّسالة كان ثمّت فريق من الوثنيّين يتصوّرون أنّ ضلالَهم ناشئٌ من المَشيئة الإلهيّة. وكانوا يقولون: لَوْ لَمْ يُرِدِ اللهُ أن نكَون مشركين لما كنا مشركين.

 

إنّ القرآن الكريم يروي منطِقَهم وتصوُّرَهم هذا بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾[1]. ثم يقول في معرض الردّ عليهم: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا[2].

 

وفي الختام نُذَكّر بأنّ سُنَنَ الله الكليّة في عالم الخلق والتي تؤدّي إلى سعادةِ الإنسان تارةً، وإلى شقائه وخُسرانهِ تارة أُخرى، هي من مظاهر "القضاء والقَدَر" الإلَهيّين، وأنّ البشر هو الّذي يختار أحد هذين بنفسه. وقد مرّت الإشارَةُ إلى أُمورٍ في هذا المجال في الأبحاث السابقة المتعلّقة بالإنسان وموقِعِهِ في نظرةِ الإسلام إلى الحياة.

 

الاختيار حقيقة مسلّمة

إنّ اختيار الإنسان، وحريّة إرادته، حقيقة مسلّمةٌ وواضحةٌ، وفي مقدور كلّ أحَدٍ أن يُدركَه، ويقف عليه من طُرُقٍ مختلِفةٍ نشير إليها فيما يأتي:

1- إنّ وجدان كُلّ شخص يشهَد بأنّه قادرٌ ـ في قراراته ـ على أن يختارَ أحدَ الطرفين: الفعلَ أو التركَ، ولو أنّ أحداً تردّد في هذا الإدراك البديهي وجب أن لا يقبل أيَّة حقيقةٍ بديهيةٍ أيضاً.

 

2- إنَّ المدحَ والقدحَ للأشخاص المختلفين في كلّ المجتمعات البشرية الدينيّة وغير الدينيّة، علامةٌ على أَن المادحَ أو القادحَ اعتبر الممدوح، أو المقدوحَ فيه، مختاراً في فعلهِ، وإلاّ لَما كانَ المدحُ والقدح منطقياً، ولا مُبرَّراً.




[1] سورة الأنعام، الآية 148.

[2] سورة الأنعام، الآية 148.

132


104

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر

 3- إذا تَجاهَلنا اختيارَ الإنسان وحرّية إرادته، كان التشريعُ أمْراً لَغواً وغيرَ مفيد أيضاً، لأنّ الإنسان إذا كان مضطراً على سلوك دون اختياره، بحيث لا يمكنه تجاوزه، والخروجَ عنه، لم يكن للأمرِ والنهي والوَعد والوعيد، ولا الثواب والعقاب أيُّ مَعنى.

 

 

4- نَحنُ نرى طوالَ التاريخ البشري أشخاصاً أقدَموا على إصلاح الفردِ، أو المجتمع البشري وبذَلوا جهوداً في هذا السبيل فَحَصَلُوا على نتائجها وثمارها.

 

إنّ مِنَ البَدِيهي أنّ تحقّق هذه النتائج لا يتناسب مع كون الإنسان مجبوراً، لأنّه مع هذا الفَرض تكونُ كلُّ تلك الجهود لاغيةً وغيرَ منتجة. إنَّ هذه الشواهدَ الأربعةَ تؤكّدُ مبدأَ الاختيار، وحرية الإرادة، وتجعله حقيقة لا تقبل الشك والترديد.

 

على أنّنا يجب أن لا نستنتج من مبدأ حرية الإنسان وكونه مختاراً أن الإنسان متروكٌ لحالهِ، وأن إرادته مطلقةُ العنان، وأنّه ليس لله أيّ تأثيرٍ في فعله، لأنّ مثل هذه العقيدة التي تعني التفويض تنافي أصل احتياج الإنسان الدائم إلى الله، كما أنّ ذلك يحدّد دائرةَ القُدرة والخالقية الإلَهيّتين، ويقيّدهما، بل حقيقة الأمر هي على النحو الذي سيأتي بيانهُ في الدرس اللاحق إن شاء الله.

 

لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين

بعد وَفاة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم طُرحَت مسائل خاصّة في المجتمع الإسلامي منها مسألة كيفية صدورِ الفِعل من الإنسان. فقد ذَهَبَ فريق إلى اختيار عقيدةِ الجبر، وقالوا بأنَّ الإنسان فاعلٌ مجبور، مسيَّر. وفي المقابل ذَهَبَ فريقٌ آخر إلى اختيار نظرية مخالفة، وقالوا إنّ الإنسان كائن متروكٌ لحاله، مفوّضٌ إليه، وأنّ أفعاله لا تستند إلى الله مطلقاً.

133


105

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر

 إنّ كلا الفريقين تصوّرا ـ في الحقيقة ـ أنّ الفِعل إمّا أنّه يجب أن يستند إلى الإنسان، أو يستند إلى الله، أي إمّا أن تكون القدرة البشرية لوحدها هي المؤثرة، وإمّا أن تكون القدرةُ الإلهيّة هي المؤثّرةُ، ليس إلاّ. في حين هناك طريق ثالث أرشدنا إليه الأئمة المعصومون. يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "لا جَبْرَ ولا تفويضَ، ولكن أمرٌ بَين الأمرين"[1].

 

يعني أنّ فعل الإنسان في حال كونه مستنداً إلى العبد، مستند إلى الله أيضاً، لأنّ الفعلَ صادرٌ مِن الفاعل، وفي نفس الوقت يكون الفاعلُ وقدرتهُ مخلوقين لله، فكيف يمكن أن ينقطع عن الله تعالى؟ إنّ طريقة أهل البيت: في بيان حقيقة الفعل البشريّ تتطابق تماماً مع ما جاء في القرآن الكريم.

 

فإنّ هذا الكتاب السماوي ربّما نَسَب فِعلا ًـ مع نِسبَتِه وإسناده إلى فاعله إلى الله تعالى أيضاً، يعني أنه يقبل كِلا الإسنادين وكلتا النِسبتين، إذ يقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى[2]. والمراد هو أنّ النبيَّ الأكرمَ صلى الله عليه وآله وسلم عندما قام بفعل لم يفعَلْه بنفسه، بل فَعَله بالقُدرةِ الإلهيّة، وعلى هذا الأساس تصحّ كلتا النسبتين.

 

لا تنافي بين علم الله الأزلي وحرّية الإنسان

نحن مع إعتقادنا باختيار الإنسان، وحريّة إرادته، نعتقد أنّ اللهَ كان عالماً بفعلنا من الأوّل، ولا منافاة بين العقيدتين، فإنّ على الذين لا يمكنُهم الجمعُ بين هذين الاعتقادين أنّ يعلموا بأنَّ عِلم الله الأزليّ تعلَّقَ بصُدُور الفِعلِ مِن الإنسان على نحو الاختيار، ومِن الطبيعيّ أن لا يتَنافى مِثلُ هذا العلم مع حريّة الإنسان وكونهِ مختاراً.




[1] الصدوق، التوحيد، ص352، الباب 59 الحديث 8.

[2] سورة الأنفال، الآية 17.

134


106

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر

 وبعبارةٍ أُخرى, إنّ العلم الإلَهيّ كما تعلّق بأصلِ صُدُور الفِعل مِنَ الإنسان تعلّق كذلك بِكيفيّة صُدُور الفِعل عنه (وهو اختيار الإنسان وانتخابه بنفسه).

 

إنّ مثل هذا العِلم الأزَليّ ليس فقط لا يتنافى مع اختيار الإنسان بل يُثبتُ ذلك، ويؤكّدُهُ، لأنّ الفعلَ إذا لم يصدُر من اختيار الإنسان لم يكن علمُ اللهِ آنذاك كاشفاً عن الواقع، لأنّ كاشفيّة العلمِ إنّما تكون إذا تحقّقت على النحو الّذي تعلّق بالشيء. ومن الطبيعيّ أنّ العلمَ الإلَهيّ تعلّق بصدورِ الفِعل البشريِّ على النحو الاختياريّ، يعني أن يقوم الإنسان بهذا العَمَل بصورةٍ حرّة وباختياره وإرادته، ففي هذه الصورة يجب أن يقع الفعل ويتحقّق بهذه الخصوصية، لا على نحو الجبر والاضطرار.

 

مِن هذا البَيان اتّضَحَ عدمُ تنافي إرادة اللهِ الأزليّة مع اختيار الإنسان، وكونه حرّاً في إرادته.

135


107

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر

 المفاهيم الرئيسة

- إنّ "القَضاء والقَدَر" في مجال أفعال الإنسان لا ينافيان اختياره.

 

- إنّ القضاء الإلَهي في مجال فعلِ الإنسان هو حتميَّتُهُ وتحقُّقهُ القطعيُّ بعد اختيار الإنسان له بإرادته.

 

- إنّ اختيار الإنسان، وحريّة إرادته، حقيقة مسلّمةٌ وواضحةٌ، وفي مقدور كلّ أحَدٍ أن يُدركَه، ويقف عليه من طُرُقٍ مختلِفةٍ.

 

- ذَهَبَ فريق إلى اختيار عقيدةِ الجبر، وقالوا بأنَّ الإنسان فاعلٌ مجبور، مسيَّر، وفي المقابل ذَهَبَ فريقٌ آخر إلى اختيار نظريّة مخالفة، وقالوا إنّ الإنسان كائن متروكٌ لحاله، مفوّضٌ إليه، وأنّ أفعاله لا تستند إلى الله مطلقاً.

 

- مع اعتقادنا باختيار الإنسان، وحريّة إرادته، نعتقد أنّ اللهَ كان عالماً بفعلنا من الأوّل، ولا منافاة بين العقيدتين.

 

- إنّ العلم الإلَهيّ كما تعلّق بأصلِ صُدُور الفِعل مِنَ الإنسان تعلّق كذلك بِكيفيّة صُدُور الفِعل عنه (وهو اختيار الإنسان وانتخابه بنفسه).

 

 

 

 

أسـئلـة الـدرس

1- لماذا لا يتنافى القضاء والقدر مع اختيار الإنسان؟ بيّن ذلك؟

2- اشرح المصطلحات التالية: الجبر- التفويض - الاختيار.

3- كيف يمكن الجمع بين القول بعلم الله الأزلي بأفعال الإنسان واختياريّة الإنسان؟

136


108

الدرس الثاني عشر: القضاء والقدر

 للمطالعة

 

التشبيه والجبر

عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليهم السلام، قال: قلت له: يا ابن رسول الله إنّ الناس ينسبوننا إلى القول بالتشبيه والجبر لما روي من الأخبار في ذلك عن آبائك الأئمّة عليهم السلام، فقال: "يا ابن خالد أخبرني عن الأخبار التي رويت عن آبائي الأئمّة عليهم السلام في التشبيه والجبر أكثر أم الأخبار التي رويت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك؟!"، فقلت: بل ما روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك أكثر، قال: "فليقولوا: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول بالتشبيه والجبر إذاً، فقلت له: إنّهم يقولون: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل من ذلك شيئاً وإنّما روي عليه، قال: فليقولوا في آبائي عليهم السلام: إنّهم لم يقولوا من ذلك شيئاً وإنّما روي عليهم، ثمّ قال عليه السلام: من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك ونحن منه براء في الدنيا والآخرة، يا ابن خالد إنّما وضع الأخبار عنّا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغّروا عظمة الله، فمن أحبّهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبّنا، ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برّنا، ومن برّهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قَبِلهم فقد ردّنا، ومن ردّهم فقد قبلنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدّقهم فقد كذّبنا، ومن كذّبهم فقد صدّقنا، ومن أعطاهم فقد حَرَمنا، ومن حرمهم فقد أعطانا، يا ابن خالد من كان من شيعتنا فلا يتّخذنّ منهم وليّاً ولا نصيراً"[1].




[1] الصدوق، التوحيد، ص353، ح12.

137


109

الدرس الثالث عشر: البَداء

 الدرس الثالث عشر: البَداء

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن معنى البداء.

2- يوضّح أصل إطلاق لفظة البداء في التاريخ الإسلاميّ.

3- يبيّن ما هو أثر الاعتقاد بالبداء.

139


110

الدرس الثالث عشر: البَداء

 مقدمة

إنّ لله تعالى في شأنِ الإنسان نوعين من التقدير:

1- تقدير محتومٌ وقطعيٌّ لا يقبل التغييرَ والتبديلَ مطلقاً.

2- تقديرٌ معلَّقٌ ومشروطٌ وهو يتغيَّر ويَتَبَدّلُ مع فقدان بعضِ الشرائطِ، ويحلُّ محلَّه تقديرٌ آخرٌ.

 

وبالنَّظَر إلى هذا الأصل نُذَكِّرُ بأن الاعتقاد بالبَداء هو أحَدُ الأُصول الاعتقاديّة الإسلاميّة الأصِيْلَة التي اتَّفَقَتْ جميعُ الفِرَقِ الإسلاميّة على الاعتقادِ بها إجمالاً، وإنْ أحجَمَ البعضُ عن استخدام لَفظة "البَداءِ" وهذا الاستيحاش من استعمال لفظة "البَداء" لا يَضُرُّ بالقَضِيّة أيضاً، إذ إنّ المقصود هو بَيان محتوى "البَداء" ومعناه، لا لفظه واسمه.

 

حقيقة البداء

إنّ حقيقةَ "البَداء" تقومُ في الحقيقة على أصلين:

الأوّل: أنّ لله تعالى قدرةً وسلطةً مُطلقةً، فهو قادرٌ على تغيير أيّ تقديرٍ، وإحلالِ تقديرٍ آخر محلَّه متى شاءَ، في حين يعلم سلفاً بكلا التقديرين، ولا سبيل لأيّ تغيير إلى عِلمه قط أيضاً، لأنّ التقديرَ الأوّل لم يكن بحيث يحدُّ من قدرةِ الله أو يَسلُبَ منه القدرةَ، فإنّ قدرة الله تعالى على خلاف ما تعتقِدُهُ اليهود من

141


111

الدرس الثالث عشر: البَداء

 كَونها محدودةً لقولهم: ﴿يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، قدرةٌ مطلقةٌ، أو كما قال القرآن: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ[1].

 

وبعبارةٍ أُخرى: إنّ خلاّقية الله وإعمال السُّلطة والقُدرة من جانبهِ تعالى مستمرٌ، وبحكم قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[2] فالله تعالى لم يفرغ سبحانه عن أمر الخلقِ، بل عمليّة الخَلق لا تزال متواصِلة ومستمرة.

 

روى الصدوق بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام: أنّه قال في قول الله عزّ وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ لم يعنوا أنّه هكذا، ولكنّهم قالوا قد فرَغَ من الأمر فلا يزيدُ ولا ينقص (أي في العمر والرّزق وغيرهما)، فقال الله جلّ جلالُه تَكذيباً لقولهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء[3]. أَلم تسَمع الله عزَّ وجَلَ يقول: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[4]،[5].

 

فالعقيدة الإسلاميّة تقومُ على أساس الاعتراف بقدرة الله المطلقة وسلطتهِ التي لا تُحدُّ، وبدوام خلاّقيته واستمرارها، وبأنّ الله تعالى قادر كلّما شاءَ ومتى شاء أن يُغيّر المقدَّرات المرتبطة بالإنسان في مجال العُمرِ والرِزقِ وغيرهما، ويُحلَّ مَحَلَّ ذلك مقدراتٍ أُخرى، وكلا التقديرين موجودان في "أُمّ الكتاب" وفي علم الله سبحانه.

 

الثاني: إنّ إعمالَ القُدرةِ والسُّلطَة من جانبِ الله تعالى، وإقدامَه على إحلال تقديرٍ مكان تقديرٍ آخر لا يتمُّ من دون حكمةٍ ومصلَحةٍ، وإن قسماً من هذا التغيير يرتبط في الحقيقة بِعَمل الإنسان وسلوكه، وإنتخابه، واختياره، وبنمط حياته الصالح أو السيّء، فهو بهذه الأمور يُهيِّىُ أرضيّة التغيير في مصيره.



[1] سورة المائدة، الآية 64.

[2] سورة الرحمن، الآية 29.

[3] سورة المائدة، الآية 64.

[4] سورة الرعد، الآية 39.

[5] الصدوق،التوحيد، ص 167، الباب 25، ح 1.

142


112

الدرس الثالث عشر: البَداء

 وَلْنفترض أنَّ إنساناً لم يراعِ - لا سمح اللهُ - حقوقَ والدَيه، فإن منَ الطبيعيّ أنّ هذا العَمل غير الصالح سيكونُ له تأثيرٌ غير مرغوب في مصيره.

 

فإذا غيَّر من سُلُوكِهِ هذا في النصفِ الآخر من حياتهِ، واهتمَّ بِرعاية حقوقِ والدَيْهِ فإنَّه في هذه الحالة يكون قد هَيَّأ الأرْضيّة لتغيير مصيرِهِ، وصار مشمولاً لقولِهِ تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ﴾.

 

وينعكس هذا الّذي ذكرناه إذا انعكسَ الأمر.

 

إنَّ الآيات والرّوايات في هذا المجال كثيرةٌ نذكرُ بعضها هنا:

1- ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ[1].

 

2- ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[2].

 

3- يروي السيوطيُ في تفسيره "الدرّ المنثور" أنَّ الإمام أمير المؤمنين علياً عليه السلام سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء﴾. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لأُقِرنَّ عَيْنَك بِتفسيرها ولَأُقِرَنَّ عَين أُمّتي بَعدي بتفسيرها: الصّدَقةُ على وَجهها، وبِرُّ الوالِدَين وَاصطِناعُ المعروف يُحوّلُ الشقاءَ سعادةً ويزيدُ في العُمُر ويقي مصارَع السُّوء"[3].

 

وقالَ الإمام الباقُر عليه السلام: "صِلةُ الأرحام تُزَكّي الأعْمالَ، وتُنمّي الأموالَ، وَتَدْفَعُ البَلوى، وتُيَسِّرُ الحِساب، وَتُنْسِئُ فِي الْأَجَلِ"[4].

 

وبالنَظر إلى هذين الأصلين يتَّضح أن الاعتقاد بالبداء عقيدة إسلاميّة قطعيّة، وأنّ جميع الفرق الإسلامية تعتقد به بغضِّ النظر عن التعبير والتسمِية، واستخدام لفظ "البَداء".




[1] سورة الرعد، الآية 11.

[2] سورة الأعراف، الآية 96.

[3] السيوطي، الدر المنثور، بيروت- لبنان، دار المعرفة للطباعة والنشر، ج 4، ص66. 

[4] الكليني، الكافي، ج2، ص 470، الحديث 13.

143


113

الدرس الثالث عشر: البَداء

 أصل لفظة البداء

وفي الختام نُذَكّرُ بُنقطتين لنعرف لماذا أُطلقت لفظة "البدَاء" على هذه المسألة في الرّوايات فجاء التعبير عن هذه العقيدة الإسلامية بقولهم: "بَدا لله":

 

1- إنّ استخدامَ هذه اللَّفَظة في هذه المسألة جاء تبعاً للنَبيّ الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى البخاريُ في صحيحه أنّ النبيّ قال في شأن ثلاثة أشخاص: أبرص وأقرع وأعمى: "بدا لله عزَّ وجلّ أن يَبْتَلِيهُمْ..."[1]. ثم ذكر بعد ذلك قصّتهم بصورةٍ مفصَّلةٍ وبيَّن كيف أن اثنين منهم سُلبَت منهما سلامتُهما بسبب كفران النعمة، وأصابَهما ما أصيب به أسلافُهم من الأمراض.

 

2- إنّ هذا النّوع من الاستعمال من باب المشاكلة، والتحدّث بلسان القوم حتى يفقهوا، ويفهموا الموضوع. فقد تعارَفَ في العرف الاجتماعي أنَّه إذا غيَّرَ أحد قراراً قد اتخذه أن يقول بدا لي. وقد تَحدَّث أئمةُ الدين بلسان القوم ليمكنهم تفهيم مخاطبِيهم، وقد استعملوا مثلَ هذه اللفظة في حق الله تعالى.

 

والجدير بالذِّكر أنّ القرآنَ الكريمَ استخدمَ في شأن الله تعالى ألفاظاً وصفات مثل المكر والكيد، والخداع والنسيان، في حين أنّنا نعلم أنّ الله تعالى منزَّهٌ عن مثل هذه الأمور (بِمعانيها ومفاهيمها الرائجة بين البشر) قطعاً ويقيناً، ومع ذلك كرّرَ القرآنُ الكريمُ هذه الصِفات واستعمل الألفاظ في حق الله سبحانه:

 

- ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا[2].

 

- ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا[3].




[1] البخاري، الصحيح، ج 4، ص 171 - 172، باب حديث أعمى وأبرص وأقرع.

[2] سورة الطارق الأيتان15 ـ 16.

[3] سورة النمل، الآية 50.

144


114

الدرس الثالث عشر: البَداء

 - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ[1].

 

 

- ﴿نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾[2].

 

وعَلى كلّ حالٍ فإنّ لمحقّقي الشيعة حول استعمال لفظ البداء، بالنظر إلى امتناع حصول التغيّر، والتبدّل في علم الله تعالى دراساتٍ وتحقيقاتٍ قَويّةً وشيِّقةً لا مجال لذكرها هنا، ونحن نحيل من يحب الاطّلاعَ عليها إلى الكتب والمؤلّفات التي تتضمن هذه الأبحاث[3].

 

أثر الاعتقاد بالبَداء

لو اعتقد الإنسان أنّ مِنَ الناس من كتب في السعداء فلن تتبدّل حاله ولن يكتب في الأشقياء، ومنهم من كتب في الأشقياء فلن تتبدّل حاله ولن يكتب في السعداء، وجفّ القلم بما جرى لكلّ إنسان، عندئذ لا يتوب العاصي من معصيته، بل يستمرّ في ما هو عليه، لاعتقاده بأنّ الشقاء قد كُتب عليه ولن تتغيّر حاله، ومن الجائز أن يوسوس الشيطان الى العبد المنيب أنّه من السعداء ولن يكتب في الأشقياء وتؤدّي به الوسوسة الى التساهل في الطاعة والعبادة، ولعدم استيعاب بعض المسلمين معاني الآيات والروايات المذكورة في المشيئة، اعتقد بعضهم أنّ الإنسان مجبور على ما يصدر منه، وآخرون على أنّ الأمر كلّه مفوّض للإنسان.




[1] سورة النساء الآية 142.

[2] سورة التوبة، الآية 67.

[3] التوحيد للصدوق، ص 331 ـ 336, تصحيح الاعتقاد للشيخ المفيد ص 24, عدة الاَُصول ج2، ص 29, كتاب الغيبة، ص 262 ـ 264 طبعة النجف.

145


115

الدرس الثالث عشر: البَداء

 المفاهيم الرئيسة

- إنّ لله تعالى في شأنِ الإنسان نوعين من التقدير:

1- تقدير محتومٌ وقطعيٌّ لا يقبل التغييرَ والتبديلَ مطلقاً.

2- تقديرٌ معلَّقٌ ومشروطٌ وهو يتغيَّر ويَتَبَدّلُ مع فقدان بعضِ الشرائطِ، ويحلُّ محلَّه تقديرٌ آخرٌ.

 

- إنّ حقيقةَ "البَداء" تقومُ على أصلين:

1- إنّ لله تعالى قدرةً وسلطةً مُطلقةً.

2- إنّ الإقدام من جانب الله تعالى على إحلال تقديرٍ مكان تقديرٍ آخر لا يتمُّ من دون حكمةٍ ومصلَحةٍ، وإن قسماً من هذا التغيير يرتبط في الحقيقة بِعَمل الإنسان وسلوكه، وانتخابه، واختياره.

 

- أُطلقت لفظة "البدَاء" على هذه المسألة في الرّوايات فجاء التعبير عن هذه العقيدة الإسلامية بقولهم: "بَدا لله":

1- إنّ استخدامَ هذه اللَّفَظة في هذه المسألة جاء تبعاً للنَبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

2- إنّ هذا النّوع من الاستعمال من باب المشاكلة، والتحدّث بلسان القوم حتى يفقهوا، ويفهموا الموضوع.

 

 

أسـئلـة الـدرس

1- عرّف المصطلحين التاليين: التقدير المحتوم - التقدير المعلّق.

2- ما هي حقيقة البداء؟ وما هو الربط بين البداء والعلم الإلهي؟

3- ما هو أثر الاعتقاد بالبداء على أفعال وتصرفات الإنسان؟

 


146


116

الدرس الثالث عشر: البَداء

 للمطالعة

البداء

الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد قال: سئل العالم عليه السلام كيف علم الله؟ قال: علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدَّر، وقدَّر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الإرادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الإمضاء، والعلم متقدّم على المشيئة، والمشيئة ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء.

 

فللّه تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء، وفيما أراد لتقدير الأشياء، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، فالعلم في المعلوم قبل كونه، والمشيئة في المنشأ قبل عينه، والإرادة في المراد قبل قيامه، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً ووقتاً، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات، ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ من ذوي لون وريح ووزن وكيل وما دبَّ ودرج من إنس وجن وطير وسباع وغير ذلك ممّا يدرك بالحواسّ.

 

فللّه تبارك وتعالى فيه البداء ممّا لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء، والله يفعل ما يشاء، فبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها، وبالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها وصفاتها،وبالتقدير قدَّر أقواتها وعرف أوَّلها وآخرها، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلَّهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها وذلك تقدير العزيز العليم[1].




[1] الكليني، الكافي، ج1، ص203، ح16.

147


117

الدرس الرابع عشر: النبوّة (1) ضرورة النبوّة

 الدرس الرابع عشر: النبوّة (1) ضرورة النبوّة

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن الدليل العقليّ على ضرورة النبوّة.

2- يشرح الدليل النقليّ على ضرورة النبوّة.

3- يستذكر طرق معرفة النبوّة.

149


118

الدرس الرابع عشر: النبوّة (1) ضرورة النبوّة

 الأدلّة على ضرورةِ النُبوّةِ

تميّز علم الكلام الإسلامي بقدرته على إظهار الأدلة بشقيها العقلية منها والنقلية، ولذلك نجد النقاش في العقائد الإسلامية نقاشًا بنّاءً وشيّقًا، وخاصّة فيما يتعلق بالأصول والأركان، وسوف نطرح هنا بعض الأدلة التي تثبت ضرورة النبوة:

 

1- بعث الرسل للهداية والإرشاد:

لقد اختار اللهُ الحكيم رجالاً صالحين لهدايةِ البَشَرِ وإرشادِهم، وحمّلهم رسالته إلى أفراد النوع الإنساني، وهؤلاء الرجال هُمُ الأنبياء والرُسل الذين بواسطتهم جَرى فيضُ الهداية من جانب الحق تعالى إلى عباده. وهذا الفيضُ المبارك بدأ بالنزول من جانب الله منذ أن تهيّأ البشرُ للاستفادة منه وإلى عصر النبي الأكرمِ صلى الله عليه وآله وسلم.

 

ويجب أن نعلم بأنَّ دين كلّ نبيٍّ من الأنبياء يُعدّ بالنسبة إلى عصره وأُمّته أكملَ دين، وأتَمَّ شريعة، ولو أنّ هذا الفيض الربانيّ لم يستمرّ لما بلغ البشرُ إلى حدِّ الكمال.

 

وحيث إنّ خَلقَ الإنسان هو من فعل الله "الحكيم" فلا بدّ أن يكون له من هَدَف وغرض، ونظراً إلى أن تركيب الكيان البشري - مضافاً إلى الغرائز التي هي مشتركة بينه وبين الحيوان - ينطوي على العَقل أيضاً، لهذا لا بُدّ أنْ يكونَ لِخَلقه غرض عُقلائيٌّ، وهَدَفٌ مَعْقولٌ.

151


119

الدرس الرابع عشر: النبوّة (1) ضرورة النبوّة

 ومن جانب آخر، فإنّ عَقل الإنسان، وإنْ كان مؤثِّراً ومفيداً في سلوكه طريقَ الكمال، إلاّ أنّه غيرُ كاف لذلك.

 

ولو اكتُفيَ في هداية الإنسان بالعقل وحده لما عَرفَ الإنسان طريقَ الكمال بشكل كامل قط، ونذكر للمثال مسألة الوقوف على قضايا المبدأ والمعاد التي هي من أَهم مسائل الفكر البشري، وقضاياه على مدار التاريخ.

 

فإنّ البشر يريد أن يَعْلَم من أين جاء؟ ولماذا جاءَ؟ وإلى أين يذهب؟ ولكنّ العقلَ لا يقدر وحدَه على إعطاء الإجابات الصحيحة الكافية على كلّ هذه الأسئلة، ويشهد بذلك أنّه رغم كل ما أحرزته البشرية المعاصرة من التقدّم والرقيّ في ميادين العلم لا يزالُ قِسمٌ عظيمٌ من البشريّة وثنيّين.

 

إنّ عجز العَقل والعلم البشريَّين، وقصورهما لا ينحصر في مجال قضايا المبدأ والمعاد، بل الإنسان لم يتمكّن من أن يختار الطريقَ الصحيحَ في كثير من مجالات الحياة أيضاً.

 

إنّ اختلاف الرؤى والنظريّات البشريّة في قضايا الاقتصاد، والأخلاق، والعائلة، وغير ذلك من مناحي الحياة ومجالاتها، خير دليل على قصوره عن الإدراك الصحيح لهذه المسائل، ولهذا ظهرت المدارس المتعارضة.

 

مع أخذ كلّ هذا بنظر الاعتبار يحكم العقلُ الصحيحُ بأنّه لا بدّ - بمقتضى الحكمة الإلهيّة - من بعث وإرسال قادة ربانيّين، ومربّين إلَهيّين، لِيعَلِّمِوا البَشريّة النهجَ الصحيحَ للحياة.

 

إنَّ الّذين يَتصوَّرون أنّ في مقدور "الهدايات العقليّة" أنّ تحلَّ محلّ "الهدايات الإلهيّة السّماويّة" يجب أن يدركوا أمرين:

 

أـ إنّ العَقل والعلم البشريّين قاصران عن المعرفة الكاملة بالإنسان، وبمسيره في صعيد الماضي والمستقبل، في حين يعلم خالقُ البشر - بحكم كون كلّ صانع عارفاً بمصنوعه - بالإنسان، ومحيطٌ بأبعاده، وأسرار وجوده، إحاطةً كاملةً.

152


120

الدرس الرابع عشر: النبوّة (1) ضرورة النبوّة

 ب ـ إنّ الإنسان بمقتضى غريزة حبّ الذات المودَعة في كيانه، يحاول - عِلماً أو جهلاً - أن يُتابعَ منافِعَه الشخصيّة ويهتمّ بها، فيعجز في تخطيطه وبرمجته عن الخروج من دائرة منافعه الفرديّة أو الجماعية بشكلٍ كاملٍ.

 

ولهذا من الطبيعي أن لا تتّسم البرامج البشريّة بالجامعيّة والشموليّة الكاملة، ولكن برامج الأنبياء والمرسلين لكونها من جانب الله العالم، المحيط، الحق، المنزّه، مبرّأةٌ عن مِثل هذه النقيصة.

 

وبملاحظة هاتين النقطتين يمكن القولُ - على وَجه القطع واليقين -: بأنّ البشر ليس في غنىً قط عن الهدايات الإلهيّة، وعن برامج الأنبياء، لا في الماضي، ولا في المستقبل إنما هو في حاجةٍ مستمرةٍ إليها.

 

2- تقوية الأسس التوحيدية:

تعرّفنا سابقًا على الأدلّة الّتي تثبت من طريق العقل ضرورةَ النبوّة، ووُجوب إرسال الرسل الإلَهيّين. والآن ندرس ضرورة إرسال الرسل في ضوء أهدافها المذكورة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وإن كانت النظرةُ القرآنيّة إلى هذه المسألة هي نوع من التحليل العقليّ في حقيقته.

 

إنّ القرآن يُلَخّص أهدافَ بعثة الأنبياء في الأمور التالية:

أـ تقوية أُسُسِ التوحيد ومكافحة كلّ نوع من أنواع الانحراف في هذا الصعيد. كما يقول القرآن: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ[1]. يقول الإمام أمير المؤمنين عليٌ عليه السلام حول الهدف من بعث الأنبياء: "ليعلم العبادُ ربّهم إذ جهلوه، وليقرّوا به بعد إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إذ أنكروه"[2].




[1] سورة النحل، الآية 36.

[2] نهج البلاغة، الخطبة: 147.

153


121

الدرس الرابع عشر: النبوّة (1) ضرورة النبوّة

 بـ إيقاف الناس على المَعارف والرسالات الإلهيّة وعلى طريق التزكية والتهذيب. كما يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[1].

 

جـ إقامة القِسط في المجتمعِ البشريّ. كما يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[2]. ومن المُسلَّم أن إقامة القِسط رهنُ معرفة الناس للعدالة في جميع الاَبعاد والمجالات، كما ويتوقف على أن يقوموا بتحقيق ذلك من طريق الحكومة الإلهيّة.

 

د ـ الفَصل في الخُصُومات وحَلّ الخلافات. كما يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ[3]. ومن البديهيّ أنّ اختلافات الناس لا تنحصر في مجال العقائد، بل تشمل شتّى مجالات الحياة المتنوّعة.

 

هـ ـ إتمام الحجّة على العباد. كما يقول: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[4]. ومن المسلَّم أن لله تعالى في خلق الإنسان هدفاً وغرضاً، وهذا الهدف إنّما يتحقّق عن طريق تنظيم برنامجٍ كامِلٍ لجميع شؤون البشر. وهذا البرنامج يجب أن يصل إلى البشرية، بحيث تَتُمُّ حُجّةُ الله على الناس ولا يبقى عذرٌ لأحدٍ ليقول: أنا لم أعرفِ البرنامجَ الصحيح للحياة.




[1] سورة الجمعة، الآية 2.

[2] سورة الحديد، الآية 25.

[3] سورة البقرة، الآية 213.

[4] سورة النساء، الآية 165.

154


122

الدرس الرابع عشر: النبوّة (1) ضرورة النبوّة

 طُرُق معرفةِ الأنبياء

إنّ فطرةَ البَشر تقضي بأن لا يَقْبَلَ الإنسان أيّ ادّعاءٍ من غير دليل، ومن قَبِل شيئاً أو زعماً من دون دليل، فإنّه يكون قد خالف فطرته الإنسانيّة.

 

إنّ ادّعاءَ النبوّة أعظمُ ادّعاءٍ يمكن أن يطرحه فردٌ من أفراد البشر، ومن البديهي أن زعماً وادعاءً في مثل هذه العظمة يجب أن يستند إلى برهان قاطع، ويُقرَنَ بالدلِيل الساطع.

 

ويمكن أن تكون الأدلّة في هذا المجال أحد أُمورٍ ثلاثة:

الأول: أن يصرّح النبيُ السابقُ الذي ثبتت نبوّتُه بالأدلّة القاطعة، على نبوة النبي اللاحِق كما صَرّح السيدُ المسيح عليه السلام بنبوة النبي محمّد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم وبشّر بمجيئه.

 

الثاني: أنْ تشهَد القرائنُ والشواهد المختلفة على صِدقِ دعواه. وهذه الشواهد والقرائن يمكن تحصيلُها من سيرته في حياته، وفي محتوى دعوته، ومن الشخصيات التي آمنت به، وانضوت تحت لوائه، وكذا في طريقة دعوته، وأُسلوبه في العمل لنشر مبادئه، وتبليغها. وهذه الطريقة هي التي يُستفاد منها في المحاكم في العالم اليوم لتمييز الحق عن الباطل، والبريء عن المجرم. وقد استفاد كثيرون مِن هذه الطريقة ذاتها للتأكّد من صِدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصحّة دعواه النبوة في صدر الإسلام.

 

الثالث: الإتيان بالمعجزة. يعني أن يُقرِنَ مدّعي النبوة دعواه، بعملٍ خارقٍ للعادة ويتحدّى به الآخرين، ويكونَ ذلك العمل الخارق مطابقاً لدعواه.

 

إنّ الطريقين الأوّلين ليسا عامّين في حين يكون الطريق الثالث عامّاً، وقد استفادت البشريّةُ على طول التاريخ من هذا الطريق لمعرفة الأنبياء والإيمان بدعوتهم وكان الأنبياء بدورهم يُقرنون دعواهم للنبوة بذلك، ويستفيدون من هذا الطريق الثالث. وسوف يأتي الحديث عن هذا الطريق في الدرس التالي.

155


123

الدرس الرابع عشر: النبوّة (1) ضرورة النبوّة

 المفاهيم الرئيسة

- اختار اللهُ رجالاً صالحين لهدايةِ البَشَرِ وإرشادِهم، وحمّلهم رسالته إلى أفراد النوع الإنساني، وهؤلاء الرجال هُمُ الأنبياء والرُسل.

 

- لو اكتُفيَ في هداية الإنسان بالعقل وحده لما عَرفَ الإنسان طريقَ الكمال بشكل كامل قط.

 

- إنّ عجز العَقل والعلم البشريَّين، لا ينحصر في مجال قضايا المبدأ والمعاد، بل في كثير من مجالات الحياة أيضاً.

 

- إنّ القرآن يُلَخّص أهدافَ بعثة الأنبياء في الأمور التالية:

1- تقوية أُسُسِ التوحيد ومكافحة كلّ نوع من أنواع الانحراف في هذا الصعيد.

2- إيقاف الناس على المَعارف والرسالات الإلهيّة وعلى طريق التزكية والتهذيب.

3- إقامة القِسط في المجتمعِ البشريّ.

4- الفَصل في الخُصُومات وحَلّ الخلافات.

5- إتمام الحجّة على العباد

 

- طُرُق معرفةِ الأنبياء:

1- أن يصرّح النبيُ السابقُ - الذي ثبتت نبوّتُه بالأدلّة القاطعة - بنبوّة النبي اللاحق.

2- أنْ تشهَد القرائنُ والشواهد المختلفة على صِدقِ دعواه.

3- الإتيان بالمعجزة.

 

 

أسـئلـة الـدرس

1- ما هو الدليل العقلي على ضرورة بعث الأنبياء؟

2- بماذا يلخص القرآن الكريم أهداف بعث الانبياء؟

3- ما هي الأمور التي من خلالها يمكن إثبات دعوى مدّعي النبوة؟

 

 

156


124

الدرس الرابع عشر: النبوّة (1) ضرورة النبوّة

 للمطالعة

 

طريق إثبات الرسالة

عن هشام بن الحكم، عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال للزنديق الذي سأله: من أين أثبت الرسل والأنبياء فقال: "أنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه، ويلامسوه، ويباشرهم ويباشروه، ويحاجهم ويحاجوه، ثبت أن له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم، وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه عز وجل وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبون بالحكمة، مبعوثون بها، غير مشاركين للناس في شيء من أحوالهم، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان ما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم على صدق مقالته وجواز عدالته"[1].




[1] الصدوق، محمّد بن علي، علل الشرائع، بيروت - لبنان، مؤسسة التاريخ العربي، ج1، ص183، ح3.

157


125

الدرس الخامس عشر: النبوّة (2) الوحي والمعجزة

 الدرس الخامس عشر: النبوّة (2) الوحي والمعجزة

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يشرح كيف أنّ الوحي ليس وليد نبوغ الأنبياء وتفكّرهم الخاص.

2- يبيّن العلاقة المنطقيّة بين المعجزة والنبوّة.

3- يبيّن الفرق بين المعجزة وكلّ من الكرامة والسحر.

159


126

الدرس الخامس عشر: النبوّة (2) الوحي والمعجزة

 الوحي

1- صلة النبيّ بعالم الغيب:

أوْضَحنا في السابق طُرُقَ التعرّفِ على النبيّ الواقعيّ وتمييزه عن مدّعي النبوة كذِباً. والآن يجب أنْ ندرسَ طريقَ اتصال النَبِي بعالمِ الغيب ونعني به "الوحي".

 

إنّ "الوحيَ" الذي هو أهَمُّ طريقٍ من طُرُق اتّصال الأنبياء بعالمِ الغيب ليس ناشئاً عن الغريزة أو العقل بل هو علم خاص يفيضُ به اللهُ تعالى على الأنبياء خاصّة، ليبَلّغُوا الرسالاتِ الإلهيّة إلى البشر. إنّ القرآنَ يصفُ الوحيَ قائلاً: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ[1].

 

إنّ هذه الآية تفيد أنّ معرفةَ الأنبياء بالرّسالات الإلهيّة ليست نابعةً وناشئةً من استخدام أشياء كالحواسّ الظاهريّة وما شابه ذلك، بل ينزل به مَلَك الوحيِ على قلب النبي. وعلى هذا الأساس لا يمكن تحليل حقيقة الوحي المعقّدة وتفسيرها بالمقاييس العادية.

 

وفي الحقيقة إنّ نزول الوَحْي هو أحدُ مظاهر الغيب الّتي يجبُ الإيمان بها وإنْ لم تتضّح لنا حقيقةُ هذه الظاهرة كما يقول: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ[2]؟




[1] سورة الشعراء، الآيتان 193 و 194.

[2] سورة البقرة، الآية 3.

161


127

الدرس الخامس عشر: النبوّة (2) الوحي والمعجزة

 2- الوحي ليس وليد نبوغ الأنبياء وتفكّرهم الخاص:

 

إنّ الّذين يريدونَ مقايسة كلّ شيء، وتفسيرها بالمقاييس الماديّة والأدوات الحِسيّة، ويريدون صَبَّ الحقائق الغيبيّة في قوالب حِسّية يفسرون ظاهرة "الوحي" بصور مختلفة، جميعها باطلة في نظرنا، وفيما يأتي نقدُ هذه التفسيرات والتحليلات في عدة نقاط:

 

أولاً: ثمت فريق يعتبر الأنبياء من نوابغ البشر، ويعتبرون الوحي حصيلة التفكير، ونتيجةً لفعاليات حواسّهم الباطنيّة. إنّ حقيقة "الروح الأمين" في تصور هذا الفريق هي روحُ هؤلاء النوابغ الزكية، ونفوسُهم الصافية النقية، وإنّ الكتب السماويّة كذلك ليست سوى أفكارهم السامية وتصوّراتهم الراقية. إنّ هذا النوع من التفسير والتحليل لظاهرة الوحي ليس سوى الانبهار بالعِلم التجريبيّ الجديد الذي يعتمد الأساليب الحسيّة - لا غير - وسيلةً لتفسير كلِّ حقائقِ الوجودِ. إنّ المشكلة الهامّة في هذه النَظَريّة هي منافاتُها لما قاله الأنبياء والرُسُلُ الإلَهيّون. فالأنبياء والرُسُل يصرِّحون ويعلنُون باستمرار بأنّ ما أتوا به إلى البشر ليس إلاّ الوحي الإلَهيّ.

 

وعلى هذا الأساس يكون التفسيرُ السالفُ للوحي مستلزماً لتكذيب الأنبياء، وهذا ممّا لا يليقُ بمقامِ الأنبياء الرفيع ومنزلِتهم المرموقة، وصدقهم، وصلاحهم الذي أخبر بها التاريخُ الثابتُ. وبعبارةٍ أُخرى: إنّ المصلِحِين على نوعين: مصلحون يَنسبون برامجَهم إلى الله، ومصلحون آخرون يَنسبُون برامجهم إلى أنفسهم، ويَطْرحونها على المجتمع على أنّها وليدةُ عقولِهِم، وأفكارهم. وقد تكون كلتا الطائفتين مخلِصتين، تتسمان بالاِخلاص والخير. وعلى هذا لا يمكن عدّ هذين الصنفين من رِجالِ الإصلاحِ صنفاً واحداً.

162


128

الدرس الخامس عشر: النبوّة (2) الوحي والمعجزة

 ثانياً: ثمّت فريقٌ آخر يعتبر الوحيَ - منطلقاً من نفسِ الدافعِ الذي ذُكر في النظرية المتقدّمة - نتيجةَ تجَلّي الحالات الرُّوحِيّة في النبيّ.

 

إنّ النبيَّ حسب زَعْم هذا الفريق بِسبَبِ إيمانه القويّ باللهِ، وفي ضوءِ عبادَتهِ الكثيرة للهِ يصل إلى درجة يجدُ في ذاتهِ طائفةً من الحقائق العالية ويتصوّر أنّ هذه الحقائق أُفيضت وأُلقيت إليه من عالم الغيب فيما لا يكون لِما توصل إليه من الحقائق المذكورة من منشأٍ سوى نفسه ذاته ليس إلاّ.

 

إنّ أصحاب هذه النظرية يقولون: نحن لا نشُكُّ مطلقاً في صدق الأنبياء بل نعتقد بأنّهم شاهدُوا حقائق عالية، ولكنّ الكلامَ هو في منشأ هذه الحقائق العالية. فالأنبياء يتصوّرون أنّ منشأ هذه الحقائق هو عالم الغيب، الخارج عن هذا العالم المادي، أي أنّ هذه الحقائق قد أُلقيتْ إليهِم من ذلك العالَم، على حين يكون منشأ ذلك أنفسهم، لا غير. إنّ هذه النظرية ليست كلاماً جديداً بل هي في الحقيقة طرحٌ مجدَّدٌ لإحدى النظريّات التي كانت مطروحةً في العَهد الجاهليّ حول الوحي ولكن في لباسٍ جديدٍ.

 

وحاصلُ هذه النظرية, هو أنّ الوحيَ ما هو الاّ حصيلة تخيُّلات الأنبياء، ورجوعهم إلى بواطنهم وتعمّقهم في نفوسهم، وأنّهم بسبب كثرة التفكّر في الله، وعبادته، والتفكّر في إصلاح أُممهم، وأقوامهم تمثّلت هذه الحقائق دفعة أمام عيونهم، فَظَنُّوا أنّها أُلقِيَت إليهم مِن عالَم الغيب - وهذا هو - بشكلٍ من الأشكال وبنحو مّا، نفسُ تصوُّر الجاهليّين حول الوحي إذ قالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ[1].

 

إنّ القُرآنَ الكريم ردَّ على هذه النظرية بشدّةٍ وأكَّدَ على أنّ النبيَّ صَدقَ في ادّعائهِ رؤيةَ مَلَكِ الوَحي، فهو لم يخطأ لا في قلبهِ ولا في بصره إذ يقول: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى[2].




[1] سورة يوسف، الآية 44.

[2] سورة النجم، الآية 11.

163


129

الدرس الخامس عشر: النبوّة (2) الوحي والمعجزة

 ويقول: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى[1]. وهذا يعني أنّ النبيّ رأى حقاً (مَلَك الوحي) بعين الرأس وبعين القلب، بعين الظاهِر وبعين الباطن.

 

المعجزة

1- العلاقة المنطقية بين دعوى النبوّة والمعجزة:

إنّ بَينَ المعجزة وبين صدق دعوى النُبوّة علاقةً منطقيّةً، لأنّه إذا كان الآتي بالمعجزة صادقاً في دعواه فإنّ من الطبيعيّ أنْ يُثْبِتَ مطلبَهُ.

 

وإذا كان كاذباً في دعواه النبوة ـ افتراضاً ـ لم يكن لائقاً بالله الحكيم الذي يَهتَمّ بهداية عبادهِ أن يُمكّنَ الكاذبَ في ادّعاء النبوّة من الإتيان بالمعجزة، لأنّ الناس سَيُؤمنون به إذا رأوا قدرته على الإتيان بالعَمَل الخارق للعادة، وسيَعملون بأقوالِهِ فيكونُ ذلِك إضلالاً للناس إذا كان المُدّعي للنبوّة كاذباً، ولا شكّ أنّ هذا يتنافى مع عَدلِ الله وحكمته. وهذه من إحدى فروع قاعدة الحسن والقبح العَقليين التي تمّ بحثها سابقاً.

 

2- الفرق بين المعجزة والكرامة:

إنّ الإتيان بالعَمَل الخارق للعادة الذي يقترن مع دعوى النبوة، ويتّفق مع الادّعاء، يسمى "معجزة". وأمّا إذا صدر العملُ الخارقُ للعادة من عبدٍ للهِ صالحٍ لم يَدَّعِ النبوّةَ سُمّي "كرامة". وممّا يشهد بأنّ عباد الله الصالحين من غير الأنبياء قادرون أيضاً على الإتيان بالاَعمال الخارقة للعادة، نزول مائدة سماويّة على السيدة مريم أُم النبي السيد المسيح عليه السلام وانتقال عرش بلقيس ملكة سبأ في سرعة خاطفة من اليمن إلى فلسطين على يد فردٍ بارزٍ من أنصار النبي سليمان (آصف بن برخيا) وقد أخبرَ القرآنُ الكريم بكلا الحَدَثين إذ قال في شأن مريم: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا




[1] سورة النجم، الآية 17.

164


130

الدرس الخامس عشر: النبوّة (2) الوحي والمعجزة

 الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً[1]. وقال حول حادثة عرش بلقيس أيضاً: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ[2].

 

3- الفرق بين المعجزة والسِّحر:

إن الفَرق بين المعجزة وبين غيرها من الأعمال الخارقة يتلخّص في الأمور التالية:

أ- عَدَمُ التعلّم في المعجزة: فإنّ الآتي بالمعجزة يقوم بالإتيان بالمعجزة من دون سَبْق تعلّمٍ، في حين يتم الإتيان بالأعمال الخارقة الأُخرى نتيجة سلسلة من التعليمات والتمرينات. فالنبيّ موسى عليه السلام بعد أن انقضت فترةُ شبابه ذَهَب إلى مصر، وفي أثناء الطريق خوطب أن يا موسى ألقِ عصاك فإذا العَصا تتحول إلى ثعبان عظيم، بحيث استوحَشَ موسى لذلك[3].

 

وخُوطب أن أدخِل يَدَك في جَيبك، ولمّا أخرجها فإذا هي تضيء إضاءةً قويةً، تخلب الأبصار[4].

 

ب- عدم إمكان معارضةِ المعجزة: فإنّ المعجزة لكونها تنبُع من قدرة الله المطلقة لا يمكن معارضتها والإتيان بمثلها قط، على حين يمكن معارضة السِّحر والشعوذة، وما شابههما ممّا يفعلُه المرتاضون بمثلها لكونها تنشأ من قدرة البشر المحدودة المتناهية.

 

ج- التحدّي: إنّ الآتي بالمعجزة يتحدّى الآخرين بمعجزته أي يدعوهم إلى معارضته ومقابلته بمثله، في حين لا يفعل السَّحَرة والمرتاضون ذلك، لإمكانِ معارضتهم، ومقابلتهم بمثل ما يأتون به.




[1] سورة آل عمران، الآية 37.

[2] سورة النمل، الآية 40.

[3] لاحظ سورة القصص، الآية 31.

[4] لاحظ سورة القصص،الآية 32.

165


131

الدرس الخامس عشر: النبوّة (2) الوحي والمعجزة

 د- عدم المحدودية: فإنّ معاجزَ الأنبياء ليْست محدودة بنوعٍ أو نوعين بل هي متنوّعة بحيث لا يمكن الإشارة إلى جامع مشتَرك بينها. كإلقاء العصا وانقلابها إلى حَيّةٍ، وإدخال اليد في الجَيب وإِخراجها بيضاءَ تنير مثلاً، ومعجزة إنباعُ الماء، واستخراجه من صخرة بضربةٍ من عصا، ومعجزة تجفيف البحر، وفتح ممراتٍ يابسةٍ عظيمةٍ في قاعِهِ بضربةٍ من عصا على الحجر وغيرها الكثير من المعجزات. إنّنا نقرأ: أنّ النبي عيسى عليه السلام صنع من الطين كهيئة الطير، ثم نَفَخَ فيها الروح فصارت طيوراً حيَّة بإِذنِ الله. كما نقرأ أنّه عليه السلام كان بالمسح بيده على وجوه العميان وأجساد المصابين بالبرص يمنحهم الشفاء، بل ويُحيي الموتى، وينبئ عَمّا ادَّخره الناسُ في بيوتهم إلى غير ذلك من المعاجز العديدة.

 

هـ- وأساساً إنّ الذين يأتون بالمعجزة والكرامة يمتازون عن السَّحَرة الذين يأتون بالخوارق من الأعمال من حيث الهَدَف وكذا من حيث النَفْسِيّات. فالفريقُ الأوَّل يهدفون إلى غايات سامية، وأغراض قيّمة، بينما يهدف الفريق الثاني إلى أهدافٍ دنيويّة. ومن الطبيعي أن يختلف الفريقان على أساس ذلك في النفسيات.

166


132

الدرس الخامس عشر: النبوّة (2) الوحي والمعجزة

 المفاهيم الرئيسة

- إنّ "الوحيَ" ليس ناشئاً عن الغريزة أو العقل بل هو علم خاص يفيضُ به اللهُ - تعالى- على الأنبياء خاصّة.

 

- إنّ نزول الوَحْي هو أحدُ مظاهر الغيب الّتي يجبُ الإيمان بها وإنْ لم تتضح لنا حقيقةُ هذه الظاهرة كما يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.

 

- إنّ بَينَ المعجزة وبين صدق دعوى النُبوّة علاقةً منطقيّةً.

 

- إنّ الإتيان بالعَمَل الخارق للعادة الذي يقترن مع دعوى النبوة، ويتّفق مع الادّعاء، يسمى "معجزة". وأمّا إذا صدر العملُ الخارقُ للعادة من عبدٍ للهِ صالحٍ لم يَدَّعِ النبوّةَ سُمّي "كرامة".

 

- إن الفَرق بين المعجزة وبين غيرها من الأعمال الخارقة يتلخّص في الأمور التالية: عَدَمُ التعلّم في المعجزة, عدم إمكان معارضةِ المعجزة, التحدّي، عدم المحدوديّة، الهدف.

 

 

 

أسـئلـة الـدرس

1- ما هو الردّ على النظريّة القائلة بأن الوحي وليد نبوغ النبي الفكري؟

2- ما هو الفرق بين المعجزة والكرامة؟

3- ما هو الفرق بين المعجزة والسحر؟

167


133

الدرس الخامس عشر: النبوّة (2) الوحي والمعجزة

 للمطالعة

طبقات الأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام

عن هشام بن سالم، ودرست بن أبي منصور، عنه قال: قال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: "الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبيٌّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبيٌّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة، ولم يبعث إلى أحد وعليه إمامٌ مثل ما كان إبراهيم على لوط عليهما السلام، ونبيٌّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك، وقد أُرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا، كيونس قال الله ليونس: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ[1] قال: يزيدون: ثلاثين ألفاً وعليه إمامٌ، والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمامٌ مثل أُولي العزم وقد كان إبراهيم عليه السلام نبيّاً وليس بإمام حتّى قال الله: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي[2] من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً"[3].




[1] سورة الصافات، الآية 147.

[2] سورة البقرة، الآية 124.

[3] الكليني، الكافي، ج1، ص230، ح1.

168


134

الدرس السادس عشر: النبوّة (3) - عصمة الأنبياء عليهم السلام

 الدرس السادس عشر: النبوّة (3) - عصمة الأنبياء عليهم السلام

 

 

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يبيّن مراتب العصمة الأربعة.

2- يشرح الآيات الظاهرة في عدم العصمة.

3- يبيّن منشأ العصمة وسببها، وكيف أنّها لا تلازم النبوّة.

169


135

الدرس السادس عشر: النبوّة (3) - عصمة الأنبياء عليهم السلام

 تفسير العصمة

العِصمة لغة: "هي الحفظ والوقاية، لأن عصم تعني: حفظ ووقى"[1]. وتعني بالمصطلح العقائدي: "لطف يفعله الله تعالى بالمكلف، بحيث تمنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة، مع قدرته عليهما"[2]. وقال المحقق الجرجاني في كتاب التعريفات: "العصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها"[3].

 

وردت لفظة العصمة في القرآن الكريم بجميع مشتقاتها المختلفة ثلاث عشرة مرة، والعصمة كما مرّ آنفاً مشتقة من "عصم" وتعني:

1- الإمساك والمنع: ونجد في القرآن الكريم مفهوم العصمة بنفس معناه اللغوي، فعلى سبيل المثال:

حينما يدعو الله تعالى الناس إلى الإيمان، يأمرهم بالاعتصام بحبل الله، يستعمل كلمة "العصمة"، فيقول: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ[4].

 

وفي موقف النبيّ يوسف عليه السلام وامتناعه عن الاستجابة والامتثال لدعوة امرأة العزيز ومراودتها إياه يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ[5].




[1] المصباح المنير، ص417، مادة "عصم".

[2]  المفيد، النكت الاعتقادية، تحقيق: رضا المختاري، بيروت - لبنان، دار المفيد، 1414هـ-1993م، ص37.

[3] التعريفات: 65، الطبعة الأولى، طهران.

[4] سورة آل عمران، الآية 103.

[5] سورة يوسف، الآية 32.

171


136

الدرس السادس عشر: النبوّة (3) - عصمة الأنبياء عليهم السلام

 ومن الملاحظ أنه استعملت لفظة "العصمة" في الآية الأولى في الإمساك والتحفظ، وفي الثانية في المنع والامتناع، وكلاهما يرجعان إلى معنى واحد.

 

2- وأحيانًا يطلق لفظ العصمة على الشيء الذي يمتلك خاصيّة الوقاية، ويمنع الانسان من الوقوع في ما يكره، ومن هذا المنطلق أطلق هذا المصطلح على قمم الجبال.

 

3- ونجد أيضًا أن العرب أطلقوا على الحبل الذي يشدّ الرحلَ أو الحمل "العصام" لأنه وبواسطة هذا الحبل يحفظ من السقوط والتبعثر.

 

مراتب العصمة

للعصمة في باب النبوّة مراتب هي:

1- العصمة في تلقي الوحي وتبليغه:

وعصمة الأنبياء عليهم السلام في المرحلة الأولى موضعُ اتّفاق الجميع، لأنّ احتمالَ الخطأ والالتباس في هذه المرحلة يؤثر على وثوق الناس، واطمئنانِهم، ويوجب أن لا يعتمدَ الناسُ على إخبارات النبي وأقواله، فينتقضُ هدفُ النبوّةِ في المآل.

 

هذا مضافاً إلى أنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ الله يحفظُ نبيَّه، ويصونهُ صيانةً كاملةً حتى يبلّغ الوحيَ الإلَهيَّ بصورةٍ صحيحةٍ كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا[1].

 

ففي هذه الآية ذكَرَ القرآن الكريم نوعين من الحَفَظَة لصيانة الوحي:

أ- الملائكة الذين يحيطون بالنبيّ من كلّ ناحيةٍ وجانبٍ.

ب- إنّ الله تعالى نفسه يحيط بالملائكة والنبيّ.




[1] سورة الجن، الآيات 26 - 28.

172


137

الدرس السادس عشر: النبوّة (3) - عصمة الأنبياء عليهم السلام

 وهذه النظارة الشديدة والمراقَبَة الكاملة انّما هي لتحقيق غرض النبوّة، وهو إيصال الوحي الإلَهيّ إلى البشر.

 

2- عصمة الأنبياء من كلّ معصية وذنب:

إنّ أنبياء الله ورُسُلَه عليهم السلام معصومون من الذنب والزلل، في مجال العمل بأحكامِ الشريعةِ، عصمةً مطلقةً, لأنّ الهدف من بعثة الأنبياء إنّما يتحقّق أساساً إذا تمتّع الأنبياء والرُّسُل بمثل هذه العصمة، لأنّهم إذا لم يلتزموا بالأحكام الإلهيّة التي كُلِّفُوا بإِبلاغه