دروس تمهيدية في معرفة القرآن الكريم

دروس تمهيدية في معرفة القرآن الكريم


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-05

النسخة: 2016


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 الفهرس

11

المقدّمة

13

المحور الأول: فضل قراءة القرآن وآداب تلاوته ومقاصده

15

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

17

مقدّمة

17

الحَثّ على تعليم القرآن وتَعَلُّمِه

20

فضل قراءَة القرآن وتجويده وترتيله

27

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

29

مقدّمة

30

القرآن نور

30

الآداب الظاهرية لتلاوة القرآن

33

أحكام القرآن الشرعية

39

الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن

41

مقدّمة

49

الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

51

مقدّمة

51

حجاب رؤية النَّفس مستغنيةً

52

حجاب الآراء الفاسدة والعقائد الباطلة

53

حجاب شبهة التفسير بالرأي

54

حجابُ الذُّنوب والمعاصي

55

حجاب حبّ الدُّنيا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5


1

الفهرس

 

59

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

61

مقدمة

62

الاحتجاجات الإلهيّة

73

المحور الثاني: علوم ومعارف قرآنيّة

75

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

77

معنى القرآن

78

أسماء القرآن

81

أوصاف القرآن

83

لغة القرآن

87

الدرس السابع: الوحي

89

الوحي في اللّغة

89

الوحي في القرآن

90

أنحاء الوحي الرسالي

91

أنحاء الوحي بالنسبة إلى نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم

97

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

99

مقدمة

99

معنى النزول

100

الأقوال في نزول القرآن

101

فوائد النزول التدريجي

102

أوّل ما نزل من القرآن

104

آخر ما نزل من القرآن

106

المكّي والمدني

106

ترتيب النّزول

111

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

113

مقدّمة

 

 

 

 

 

 

 

 

6


2

الفهرس

 

113

نظم كلماته

114

تأليف آياته

115

ترتيب سوره

116

جمع الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

117

جمع زيد بن ثابت

117

منهج زيد

123

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ

125

أقسام الرسم القرآنيّ

126

متباينات الرسم العثمانيّ والرسم القياسيّ

133

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

135

معنى الإعجاز

135

فلسفة تنوّع المعجزات

137

المعجزات حسّية وعقلية

139

التحدّي في خطوات

140

التحدّي في شموله

142

سرّ الإعجاز

147

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

149

ما هو التحريف؟

151

دلائلنا على دحض شبهة التحريف

161

المحور الثالث: دروس في التفسير

163

الدرس الثالث عشر: تفسير سورة الفاتحة (1)

165

خصائص سورة الفاتحة

166

أهمّيّتها

166

محتوى السّورة

167

في رحاب سورة الفاتحة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

7


3

الفهرس

 

171

الدرس الرابع عشر: تفسير سورة الفاتحة (2)

173

1- (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ(

173

خطّان منحرفان!

179

الدرس الخامس عشر: تفسير سورة الضحى

181

في رحاب السّورة

181

سبب النّزول

182

التّفسير

183

فلسفة انقطاع الوحي

183

الشكر على كلّ هذه النِّعم الإلهيّة

189

الدرس السادس عشر: تفسير سورة البيـّنة

191

في رحاب السورة

192

ذلك دين القيّمة

194

خير البريّة وشرّها

196

عليّ عليه السلام وشيعته خير البريّة

197

منحنى الصعود والسقوط

199

الدرس السابع عشر: تفسير سورة الجمعة

201

في رحاب السورة

202

الهدف من بعثة الرسول

203

الحمار الّذي يحمل الأسفار

204

توصيف حال اليهود

206

أهمّيّة صلاة الجمعة

207

فلسفة صلاة الجمعة العباديّة والسياسيّة

208

دور صلاة الجمعة

211

الدرس الثامن عشر: سورة الشمس

213

شرح المفردات

213

محتوى السورة وفضيلتها

 

 

 

 

 

 

 

 

8


4

الفهرس

 

214

في كنف السورة

219

الدرس التاسع عشر: سورة الليل

221

شرح المفردات

221

سبب النزول

222

محتوى السورة وفضيلتها

222

في كنف السورة

227

الدرس العشرون: مفاهيم قرآنيّة

229

المفهوم الأول: الخشوع في الصلاة

233

المفهوم الثاني: قصة طالوت والقائد الصالح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9


5

المقدمة

 المقدمة

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين وبعد.
 
القرآن الكريم أساس الدِّين وباب الإسلام، وهو كتاب الله الذي أودع فيه شريعته وحقائق دينه، أنزله للناس هادياً وسراجاً منيراً ليُخرجهم من الظلمات إلى النور. وأمرهم بالتمسُّك به لأنّه كلمة الله التامة وإرادته الكاملة للبشرية في كلّ زمان ومكان, ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾1، فمن أراد الوصول إلى الله ما عليه إلا أن يسلك سبيله ويهتدي بهداه، ومن اهتدى إنّما يهتدي به ومن ضلّ فهو الذي يزيغ عنه.
 
لذا كان عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام إلينا بأن نحفظه ونراعي حدوده فلا نُضيّعها أبداً، لأنّه نعمة الله الكبرى التي من تمسّك بها فاز ومن تخلّف عنها خسر. فقد سُئل إمامنا الرضا عليه السلام: ما تقول في القرآن؟ فقال عليه السلام: "كلام الله لا تتجاوزوه ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوا"2 وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنْ أَردتم عيش السعداء وموت الشهداء والنجاة يوم الحشر والظلّ يوم الحرور والهدى يوم الضلالة فادرسوا القرآن فإنّه كلام الرحمن وحرز من الشيطان ورجحان في الميزان"3.



1 سورة الأنعام، الآية 155.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 89، ص 117، تحقيق السيد إبراهيم الميانجي - محمد باقر البهبودي، نشر مؤسسة الوفاء - لبنان، ط 2، 1983، باب أن القرآن مخلوق، ح 2.
3 الميرزا النوري، مستدرك ‏الوسائل ج4، ص 232، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم، باب النوادر، ح4.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 111

6

المقدمة

 وهو الكمال الحقيقي والغنى الذي لا غنى بعده. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "القرآن غنى لا غنى دونه ولا فقر بعده"1. فمن أُعطي القرآن فقد أُعطي الخير المطلق والكمال الذي لا حدّ له وأفضل ما في الوجود، لأنّه لا غنى ولا كمال فوقه على الإطلاق، ففيه علم الأولين والآخرين، ومن تحقّق به كان من حملة القرآن وأولياء الحقّ المقرّبين. فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أَنّه قال: "لا ينبغي لحامل القرآن أنْ يظنّ أَنّ أَحداً أُعطي أَفضل ممّا أُعطي لأنّه لو ملك الدنيا بأسرها لكان القرآن أَفضل ممّا ملكه"2.

 
وهو مأدبة الله تعالى إلى خلقه، التي زيّنها بأنواع لا تُعدّ ولا تُحصى من الأطعمة العملية والمعنوية التي هي غذاء الروح وكمالها الحقيقي، ووضع على هذه المأدبة كلّ ما يحتاجه الإنسان وما ينفعه. ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾3. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ هذا القرآن مأدبة الله فتعلّموا مأدبته ما استطعتم"4.
 
وفيه خزائن العلم الإلهي، التي من استفاض منها كان من عرفاء أهل الجنّة. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حملة القرآن عرفاء أهل الجنّة"5. وعن الإمام زين العابدين عليه السلام: "آيات القرآن خزائن العلم فكلّما فتحت خزانة فينبغي لك أن تنظر ما فيها"6.
 
هذا الكتاب دروس تمهيديّة في معرفة القرآن الكريم يتضمّن سلسلة من الدروس القرآنية التي تهدف إلى التعرّف على مجموعة من المعارف الأساس التي يجب أن يتعرّف عليها الإنسان المسلم، وتُشكّل جزءاً من ثقافته القرآنية، راجين من المولى عزّ وجلّ أن يوفقّنا لخدمة كتابه والعمل به.
 
 
والحمدلله ربّ العالمين
مركز نون للتأليف والترجمة



1 الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج6، ص168، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام، لإحياء التراث – قم، مطبعة مهر – قم، ط 2، 1414هـ، أبواب قراءة القرآن ولو في غير الصلاة، ح 11.
2 الميرزا النوري، مستدرك ‏الوسائل ج، 4 ص، 237.
3 سورة الزمر، الآية 27.
4 الميرزا النوري، مستدرك‏ الوسائل ج، 4 ص، 232.
5 م. ن، ص 243.
6 م. ن، ص 238.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
12

7

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

 الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يفهم فضل تعلّم القرآن وتعليمه.
2- يعرف ثواب قراءة القرآن وآثارها.
3- يشرح كيفية القراءة المعتبرة الواردة في الروايات.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

8

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

 مقدّمة

لقد حدّد الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام سبل الاستفادة من القرآن الكريم، بالتدبّر والتعلّم والحفظ، والعمل بآياته، وتربية الأمّة على ضوئها، وذلك باعتبار أنّ القرآن كتاب هداية، ورسالة للعالمين حتى قيام الساعة.
 
الحَثّ على تعليم القرآن وتَعَلُّمِه
1- تعلّموا من مأدبة الله تعالى:
لقد ورد الحثّ المباشر من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على تعلّم القرآن وتعلّمه، وأنّه مأدبة الله. روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "القرآن مأْدبة الله فتعلَّموا مِن مأْدبة الله ما استطعتم، إِنَّه النّور المبين، والشفاءُ النافع، تعلَّموه فإِنّ الله يُشرّفكم بتعلُّمه"1.
 
واعتبر أنّ تعلّم القرآن حقّ وواجب - ليس بالوجوب الشرعي المصطلح -، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما مِن مؤمن ذكراً أَو أُنثى، حرّاً أَو مملوكاً، إِلا ولله عليه حقّ واجب أَن يتعلّم من القرآن"2.
 
2- ثواب تعليم القرآن وتعلّمه:
ومن الخصائص التي يمتاز بها القرآن الكريم، أنّ الأجر والثواب الأخروي والدنيوي يشمل كلّاً من العالِم والمتعلّم، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن عَلَّم آية من كتاب الله تعالى كان له أَجرها ما تُليت"3.



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج1، 287.
2 م.ن، ص287.
3 م.ن، ص288.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

9

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

 وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من تَعَلَّمَ القرآن وتواضع في العلم وعلَّم عباد الله وهو يريد ما عند الله لم يكن في الجنّة أَعظم ثواباً منه، ولا أَعظم منزلة منه، ولم يكن في الجنّة منزلة وَلا درجة رفيعة ولا نفيسة إِلا وكان له فيها أَوفر النصيب، وأَشرف المنازل"1.

 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "معلِّم القرآن يستغفر له كلّ شيء حتى الحوت في البحر"2.
 
وعن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "تعلَّموا القرآن فإنّه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإِنّه شفاءُ الصدور، وأَحسنوا تلاوته فإِنّه أَنفع (أَحسن) القصص فإِنّ العالِم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله، بل الحجّة عليه أَعظم والحسرة له أَلزم، وهو عند الله أَلوم"3.
 
3- إكرَام حَمَلَةِ القُرآن:
حملة القرآن هم الجماعة الذين آمنوا بالقرآن ككتاب هداية ورسالة للبشرية جمعاء، وتدبّروا كتاب الله وحفظوه بالقلب والعمل، ويسعون جادّين لبناء قواعد الحياة والمجتمع وفق ما جاء في آياته، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إِنّ أَهل القرآن في أَعلى درجه من الآدميين ما خلا النبيّين والمرسلين، فلا تستضعفوا أَهل القرآن حقوقهم، فإِنّ لهم من الله العزيز الجبّار لمكاناً عليّاً"4.
 
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أَبا ذر مِن إِجلال الله: إِكرام ذي الشيبة المسلم. وإِكرام حملة القرآن العاملين به. وإِكرام السلطان المقسط"5.
 
4- العَمَل بالقُرآن وتطبيقه:
لا قيمة للعلاقة بكتاب الله على مستوى القراءة والتدبّر والحفظ وغيرها، دون العمل والالتزام بتعاليم الله تعالى وتشريعاته التي نزلت وحياً على نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم روي 



1 الشيخ الصدوق، عقاب الأعمال، ص51، تحقيق السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي – قم، ط 2، 1368ش، عقاب مجمع عقوبات الأعمال.
2 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج1، ص288.
3 الشريف الرضي، خطب الإمام علي عليه السلام، نهج البلاغة، الخطبة رقم 110.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص441، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، نشر دار الكتب الإسلامية - طهران، مطبعة حيدري، ط 4، 1365ش، باب فضل حامل القرآن، ح 1.
5 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج1، ص290.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

10

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

 عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن تعلَّم القرآن ولم يعملْ به وآثر عليه حبَّ الدنيا وزينتها استوجب سخطَ الله، وكان في الدرجة مع اليهود والنصارى الذين ينبذون كتاب الله وراءَ ظهورهم. ومن تعلَّم القرآن ولم يعمل به حشره الله يوم القيامة أَعمى، فيقول: يا ربّ لم حشرتني أَعمى وقد كُنتُ بصيراً؟ قال كذلك أَتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى، فيؤمر به إِلى النار"1.

 
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: "من قال به (أي بالقرآن) صَدَق، ومن عَمِل به أُجر، ومن اعتصم به هُديَ إِلى صراط مستقيم، هو الكتاب العزيز"2.
 
وعن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "أين القوم الذين دُعوا إِلى الإسلام فقبلوه، وقرؤوا القرآن فأَحكموه وهِيجوا إِلى الجهاد فولهوا الله وَلَه اللقاح إِلى أَولاده؟"3.
 
وعن الإمام محمّد بن علي الباقر عليه السلام: "قُرَّاءُ القرآن ثلاثة: رجلٌ قرأَ القرآن فَاتَّخذَه بضاعة واستدرّ به الملوك، واستطالَ به على الناس. ورجلٌ قرأَ القرآن فحفظَ حروفَه وضيّعَ حدوده، وأقامهُ إِقامة القِدح فلا كثَّر اللهُ هؤلاءِ من حملة القرآن. ورجلٌ قرأَ القرآن فوضع دواءَ القرآن على داء قلبه، وأَسهر به ليله، وأَظمأَ به نهاره، وقام به في مساجده، وتجافى به عن فراشه، فبأُولئك يدفع الله البلاءَ وبأُولئك يُنزل الله الغيث من السماءِ. فوالله لَهؤلاءِ في قرّاءِ القرآن أَعزّ من الكبريت الأحمر"4.
 
وعن الإمام الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: "إِنّ الرجل إِذا كان يعلم السورةَ ثم نسيها أَو تركها ودخل الجنّة أَشرفت عليه من فوق في أَحسن صورة فتقول: تعرفني؟ فيَقول: لا. فتقول: أَنا سورة كذا وكذا لم تعمل بي، وتركتني، والله لو عملتَ بي لبلغتُ بك هذه الدرجة، وأَشارت بيدها إِلى ما فوقها"5.



1 الشيخ الصدوق، عقاب الأعمال ص 52.
2 محمد بن سعود، تفسير العياشي، ص3، ج، تحقيق السيد هاشم الرسولي المحلاتي، نشر المكتبة العلمية الإسلامية – طهران.
3 الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة رقم 121.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص459.
5 م.ن، ص445.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

 


11

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

 فضل قراءَة القرآن وتجويده وترتيله

لقد كثُرت الأخبار التي تحثّ على قراءة القرآن وترتيله، ووعدت أصحابها بالثواب الجزيل، وورد فيها الإشارة إلى العديد من الآثار الدنيوية والأخروية التي يستحقّها قارئ القرآن.
 
وهذا ما يتطلّب التوقّف مع هذه الروايات، بالدراسة والتحليل والتدقيق في معانيها ودلائلها تمهيداً للاستفادة منها في حياتنا العملية.
 
1- آثار ُالقراءة وقيمتُها:
اعتبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قراءة القرآن أفضل العبادة فروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن قرأَ عشر آيات في ليلة لم يُكتب من الغافلين. ومَن قرأَ خمسين آية كُتب مِن الذاكرين. ومَن قرأَ مائة آية كُتِب مِن القانتين. ومَن قرأَ مائتي آية كُتب مِن الخاشعين. ومَن قرأَ ثلاثمَّائة آية كُتب مِن الفائزين. ومن قرأَ خمسمائة آية كتب من المجتهدين. ومن قرأَ أَلف آية كُتب له قنطار - مِنْ تِبْرٍ - والقنطار خمسون أَلف مثقال ذهب، والمثقال أَربعة وعشرين قيراطاً، أَصغرها مثل جبل أُحُد، أكبرها ما بين السماءِ والأرض"1.
 
واعتبر صلى الله عليه وآله وسلم قراءة القرآن من أفضل العبادة، فورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أَفضل العبادة قراءَةُ القرآن"2.
 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من قرأَ القرآنَ فظنَّ أَنَّ أَحداً أُعطي أَفضل مما أُعطي فقد حقَّر ما عظَّمَ الله وعظَّمَ ما حقَّرَ الله"3.
 
ولقارئ القرآن ثواب الشاكرين، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قال الله تبارك وتعالى: من شُغِل بقراءَة القرآن عن دعائي ومسأَلتي أَعطيتُه أَفضلَ ثوابِ الشَّاكرين"4.
 
وإذا نظرنا إلى بعض الآثار الأخروية نجد أنّ قراءة القرآن كفّارة للذنوب، وستر من النار ... فروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا سلمان عليك بقراءَة القرآن فإنَّ قراءَته كفّارة للذنوب. 



1 الكليني، الكافي، ج2، ص448.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 6، ص 168.
3 م.ن، ج 6، ص 170.
4 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج92، ص200.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

12

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

 وسترٌ من النَّار. وأَمانٌ من العذاب. ويُكتب لمن يقرأ بكلِّ آيةٍ ثوابَ مائة شهيد. ويعطى بكلِّ سورةٍ ثوابَ نبيّ مرسل. وتُنزَّلُ على صاحبه الرَّحمة. وتستغفر له الملائكة. واشتاقت إليه الجنَّة. ورضي عنه المولى. وإِنَّ المؤمن إِذا قرأَ القرآن نَظَرَ اللهُ إِليه بالرحمة، وأَعطاه بكلِّ حرفٍ نوراً على الصراط..."1.

 
وقراءة القرآن أفضل من الذكر:
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "قراءَة القرآن في الصَّلاة أَفضل من قراءَة القرآن في غير الصَّلاة، وقراءَة القرآن في غير الصَّلاة أَفضل من ذكر الله"2.
 
2- كيفية القراءة:
أ- القراءة والنظر في المصحف:
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس شيءٌ أَشدَّ على الشَّيطان من القراءَة في المصحف نظراً"3.
 
وعن الإمام الصادق، جعفر بن محمَّد عليه السلام: "من قرأَ القرآن في المصحف مُتِّعَ ببصره، وخُفِّفَ عن والديه وإنْ كانا كافرين"4.
 
ب- القراءة تلاوة:
عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، في وصيَّةٍ لولده محمَّد بن الحنفية: "عليك بتلاوة القرآن في ليلك ونهارك، ولزوم فرائضه وشرائعه، وحلاله وحرامه، وأَمره ونهيه، والتهجّد به، والتِّلاوة في ليلك ونهارك، فإنَّه عهد من الله تعالى إِلى خلقه فهو واجب على كلّ مسلم أَنْ ينظر كلّ يوم في عهده"5.



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج1، ص292.
2 م.ن، ج1، ص292.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج92، ص202.
4 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص449.
5 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج1، ص293.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

13

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

 ج. كم يجب أن نقرأ؟

روي عن الإمام الصادق جعفر بن محمَّد عليه السلام: "من قرأَ مائة آية يُصلِّي بها في ليلةٍ، كتب الله عزّ وجلّ له بها قنوت ليلة. ومن قرأَ مائتي آية في غير صلاة كتب الله له في اللوح قنطاراً من الحسنات. والقنطار أَلف ومائتا أُوقية والأوقية أَعظم من جبل أُحد"1.

 
وعنه عليه السلام: "يُدعى بابن آدم المؤمن للحساب فيتقدّمُ القرآن أَمامَه في أَحسن صورة فيقول: يا ربّ أَنا القرآن وهذا عبدك المؤمن قد كان يُتعِب نفسه بتلاوتي، ويُطيل ليله بتَرتيلي، وتفيض عيناه إِذا تهجّد، فارضِهِ عنِّي كما أَرضاني. فيقول العزيز الجبّار، عبدي ابسط يمينك، فيملأها من رضوان الله، ويملأ شماله من رحمة الله، ثمَّ يُقال له: هذه الجنَّة مباحة، فاقرأْ واصعد، فإِذا قرأَ آيةً صعدَ درجةً"2.
 
وعنه أيضاً عليه السلام: "كان عليّ بن الحسين ـ صلوات الله عليه ـ أَحسن النَّاس صوتاً بالقرآن، وكان السقَّاؤونَ يمرُّون فيقفون ببابه يسمعون قراءَته، وكان أَبو جعفر الباقر عليه السلام أَحسن النَّاس صوتاً - أَي في قراءَة القرآن -"3.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص445.
2 م.ن، ص449.
3 م.ن، ج2، ص451.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

14

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

 المفاهيم الرئيسة

- دلّت جملة من الأخبار على فضل القراءة في المصحف على القراءة عن ظهر القلب. كما أرشدتنا الأحاديث الشريفة إلى فضل القراءة في البيوت وتعاهد كتاب الله بالتلاوة الدائمة.

- إنَّ لقراءة القرآن العديد من الآثار المباركة على روحيَّة وشخصيَّة ومُنقَلَبِ الإنسان المؤمن.

- اعتبرت الرِّواياتُ والأحاديثُ أنَّ قراءة القرآن الكريم من أفضل العبادات التي يُمكِنُ للإنسان أَنْ يؤدِّيَها بشرط أنْ تقترن مع العمل والتَّطبيق.

- القراءة إذا كانت مقرونةً بالعمل والتَّطبيق الجيِّد والفعَّال، فإنَّها تكون سبباً لتكفير الذُّنوب.

- التِّلاوة بصوتٍ حسنٍ من الأمور التي تدلُّ على اهتمام الإنسان بالقرآن الكريم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

15

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

 للمطالعة

 
ما تكلّمَتْ إلّا بالقرآن
قال بعضهم: انقطعتُ في البادية عن القافلة فوجدتُ امرأة، فقلتُ لها: من أنت؟ فقالتْ ﴿وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾1، فسلّمت عليها، فقلت: ما تصنعين ههنا؟ قالتْ: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ﴾2، فقلتُ: أمن الجنّ أنت أم من الإنس؟، قالتْ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾3، فقلتُ: من أين أقبلت؟، قالتْ: ﴿يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾4، فقلتُ: أين تقصدين؟، قالتْ: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾5، فقلتُ: متى انقطعت؟، قالتْ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾6، فقلتُ: أتشتهين طعاماً؟، فقالتْ: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾7، فأطعمتها، ثم قلتُ هرولي ولا تعجلي، قالتْ: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾8، فقلتُ: أردفك؟ فقالتْ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾9، فنزلت فأركبتها، فقالتْ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾10، فلمّا أدركنا القافلة قلتُ: ألك أحد فيها؟ قالتْ: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾11 ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾12 ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾13 ﴿يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾14، فصحت بهذه الأسماء، فإذا أنا بأربعة شباب متوجّهين نحوها، فقلتُ: 



1 سورة الزخرف، الآية 89.
2 سورة الزمر، الآية 37.
3 سورة الأعراف، الآية 31.
4 سورة فصّلت، الآية 44.
5 سورة آل عمران، الآية 97.
6 سورة ق، الآية 38.
7 سورة الأنبياء، الآية 8.
8 سورة البقرة، الآية 286.
9 سورة الأنبياء، الآية 22.
10 سورة الزخرف، الآية 13.
11 سورة ص، الآية 26.
12 سورة آل عمران، الآية 144.
13 سورة مريم، الآية 12.
14 سورة طه، الآيتان 11 و 12.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

16

الدرس الأول: فضل تعلّم القرآن وتلاوته

 من هؤلاء منك؟ قالتْ: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾1، فلمّا أتوها قالتْ:  ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين﴾2. فكافوني بأشياء فقالتْ: ﴿وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء﴾3. فزادوا عليّ، فسألتهم عنها. فقالوا: هذه أمّنا فضّة جارية الزهراء عليها السلام ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلّا بالقرآن4




1 سورة الكهف، الآية 46.
2 سورة القصص، الآية 26.
3 سورة البقرة، الآية 261.
4 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 43، ص 86 – 87.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

17

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

 الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف إلى أجر قارئ القرآن وثوابه.
2- يدرك أهمّية المواظبة على قراءة القرآن الكريم.
3- يُعدّد الآداب الظاهريّة لتلاوة القرآن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

18

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

 مقدّمة

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾1.
 
لا غنى للمسلم عن مصاحبة القرآن وتلاوته، حيث يعيش الإنسان فيه مع الله تعالى ويقتبس من نوره. والتلاوة عبادة يُثاب عليها المؤمن ويؤجر على كلّ حرف يقرأه. ولكن كيف نقرأ القرآن، وكيف نستفيد من آياته؟ هل نقرؤه لمجرّد التلاوة؟ أم نقرؤه لنجعله نوراً لنا في ظلمات الجهل والدنيا يُسدّد وجهتنا ويُحسّن مسلكنا؟ ألم يقرع أسماعنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كم من تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه لأنّه أقام حروفه وضيّع حدوده؟"2.
 
والأجر يتفاوت على قدر ما في التلاوة من تدبّر، وعلى قدر ما يؤدّي التدبّر إلى الغاية المطلوبة والهدف المراد الّذي يشير إليه تعالى في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء﴾3.
 
فالمطلوب أن تتحوّل تلاوة القرآن والاستماع لآياته إلى تأثّر وخشوع وخضوع لحضرة الباري سبحانه وتعالى يتجلّى في مقام العمل هدياً وسلوكاً والتزاماً بأوامر الله عزّ وجلّ ونواهيه.
 
وقد تعرّفنا في الدرس السابق‏ على فضل القرآن وفضل تلاوته، وفي هذا الدرس نتعرّف على الآداب الظاهرية لتلاوة القرآن؟ وما هي شروطها؟ وكيف نحصّل الغاية القصوى من منافعها؟



1 سورة فاطر، الآية 29.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 89، ص 184.
3 سورة الزمر، الآية 23.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

19

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

 القرآن نور

ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "نوّروا بيوتكم بتلاوة القرآن"1. ولا شكّ أنّ ثواب التلاوة ليس لمن يقرأ القرآن ويمرّ عليه مروراً دون أن يتأثّر به قلباً وقالباً، فإذا عرض عليه عارض من الدنيا نسي القرآن وصاحب القرآن، نعوذ بالله من ذلك، بل الأجر لمن قرأ وتدبّر بتأدّب وتأمّل وعلم أنّ الّذي يُخاطبه هو الله سبحانه الّذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور. من هنا كان حقيقاً علينا أن نلتفت ونهتمّ ببعض الآداب الّتي ينبغي أن تقترن بتلاوتنا للقرآن، ونرجو من خلالها أن يكون تعبّدنا هذا موضعاً للقبول من حضرة الباري سبحانه وتعالى.
 
الآداب الظاهرية لتلاوة القرآن
لقد ذُكرت آداب متعدّدة لتلاوة القرآن، منها ما هو ظاهري، ومنها ما هو باطنيّ، وفي هذا الدرس ستتعرّف على الآداب الظاهريّة، وهي كثيرة، أهمها:
1- الطهارة:
والمقصود بالطهارة الخلوّ من الحدث الأكبر والأصغر بالوضوء أو الغسل أو التيمّم بدلاً عنهما. وقد جعل المولى ثواب قراءة القرآن ثواباً مضاعفاً، ففي الحديث: "من استمع القرآن كُتب له بكلّ حرف حسنة ومن قرأ على وضوء كان له بكلّ حرف خمس وعشرون حسنة"2.
 
وقد صرّح الفقهاء بكراهة قراءة ما زاد على سبع آيات للجنب، مضافاً إلى حرمة قراءته آيات السجدة من سور العزائم الأربع: "العلق" و"النجم" و"فصّلت" و "السجدة".
 
2- تنظيف الفم:
عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "إنّي لأحبّ للرجل إذا قام بالليل أن يستاك وأن يشمّ الطيب فإنّ الملك يأتي الرجل إذا قام بالليل حتّى يضع فاه على فيه، فما خرج



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 610.
2 الحر العاملي، محمد بن الحسن، الفصول المهمّة في أصول الأئمة، ج 3، ص 320، تحقيق القائيني، الطبعة الأولى، 1418 – 1376ش، قم، مؤسسة معارف إسلامي إمام رضا عليه السلام.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
30

 


20

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

 من القرآن من شي‏ء دخل جوف ذلك الملك"1.

 
فالفم هو طريق القرآن، ولا يليق بطريق القرآن إلّا أن يكون طيّباً نظيف، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "نظّفوا طريق القرآن" قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما طريق القرآن؟ قال: "أفواهكم" قيل: بماذا؟ قال: "بالسواك"2.
 
وفي حديث آخر: "طهّروا أفواهكم بالسواك فإنّها طرق القرآن"3.
 
3- الإقبال والتهيّؤ التامّ على التلاوة:
ينبغي لقارى‏ء القرآن أن يستقبل القبلة، ويجلس بتأدّب وخشوع، ويُقبل على التلاوة متفرّغاً لها، وقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام: "قارى‏ء القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء: قلب خاشع، وبدن فارغ، وموضع خالٍ. فإذا خشع لله قلبه فرّ منه الشيطان الرجيم"4.
 
4- البدء بالاستعاذة:
قال تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾5.
 
من كمال الأدب أن يشرع القارئ في القراءة بالاستعاذة، ويقصد بها تطهير القلب من تلوّثات الوسوسة الصارفة عن ذكر الله تعالى.
 
وختم القراءة بقوله: صدق الله العليّ العظيم ويدعو بالمأثور في بدء التلاوة وبعد الفراغ منها كما كان يفعل الأئمّة عليهم السلام.
 
5- قراءة القرآن في المصحف:
وفي بعض الروايات ما يُفيد أفضليّة قراءة القرآن مطالعة على قراءته حفظاً. وتظهر هذه الأفضليّة في الآثار المترتّبة، وقد ذكرنا في الدرس السابق بعضاً منها ونُضيف ما ورد عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل عبادة أمّتي تلاوة القرآن نظراً"6.



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 77، ص 343.
2 م.ن، ج73، ص131.
3 مستدرك الوسائل، ج1، ص368.
4 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 4، ص 241.
5 سورة النحل، الآية 98.
6 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 73، ص 320.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

 


21

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

 6- الترتيل بصوت حسن: ‏

قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾1.
 
والترتيل هو بيان الحروف وإظهارها وحفظ الوقوف.
 
والمراد بحفظ الوقوف أن لا يقف القارئ كيفما كان، بل يقف حيث يكون الوقف حسناً. والمراد ببيان الحروف أن يُخرج الحروف كما ينبغي من جهر وهمس وإطباق واستعلاء على ما ذكره علماء التجويد.
 
والترتيل كما في بيان الإمام الصادق عليه السلام هو: "أن تتمكّث فيه وتُحسّن به صوتك"2.
 
فتقرأ بإمعان من غير استعجال بحيث لو أراد السامع أن يعدّ الحروف لأوشك أن يعدّها. وتُحسّن به الصوت في خشوع وخشية.
 
وقال عليه السلام أيضاً: "زيّنوا القرآن بأصواتكم"3.
 
والمقصود من حسن الصوت ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الّذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله"4.
 
ويُستفاد من الروايات أنّ الصوت الحسن يترك أثراً في قلب القارئ والمستمع على حدٍّ سواء، الأمر الّذي يُساهم في تليين القلوب القاسية، فإنّ كلام الله شفاء من كلّ مرض قلبيّ.
 
7- مكان القراءة:
بالإضافة لخصوصية الأماكن المقدّسة والمساجد، ينبغي للمسلم أنْ يقرأَ القرآن في بيته لما في ذلك من أثر هام، عن الإمام علي عليه السلام: "البيت الذي يُقرأ فيه القرآن ويُذكر الله فيه تكثر بركته وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين ويُضيء لأهل السماء كما تُضيء الكواكب لأهل الأرض وإنّ البيت الذي لا يُقرأ فيه القرآن ولا يُذكر الله فيه تقلّ بركته وتهجره الملائكة 



1 سورة المزمل، الآية 4.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 89، ص 191.
3 م. ن، ج 89، ص 190.
4 المنذري، زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي، الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، ج 2، ص 364، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1408هـ - 1988م، بيروت، لبنان،.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

22

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

 وتحضره الشياطين"1.

 
8- مقدار القراءة:
عن الإمام الصادق عليه السلام: "القرآن عهد الله إلى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أنْ ينظر في عهده وأن يقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية"2. وقد ورد التأكيد على التروّي في القراءة: جاء عن الإمام الصادق لما سُئِل عن ختم القرآن كلّ يومٍ فقال عليه السلام: "لا يُعجبني أنْ تقرأه في أقلّ من شهر"3.
 
9- الحزن والخشوع:
من آداب قراءة القرآن وتلاوته أنْ يستشعر المرءُ حالةَ الحُزن والخشوع. عن النبيّ محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ القرآن نزل بالحزن، فإذا قرأتموه فابكوا فإنَّ لم تبكوا فتباكوا"4.
 
أحكام القرآن الشرعية
1- يحرم على المحدث بالحدث الأصغر والأكبر مسّ كتابة القرآن، ولا فرق بين آياته وكلماته، بل والحروف والمدّ والتشديد وأعاريبها.
 
2- لا فرق في حرمة المسّ بين أجزاء البدن ظاهراً وباطناً، نعم لا يبعد جواز المسّ بالشعر.
 
3- يحرم على المجنب قراءة آيات السجدة من سور العزائم الأربع - وهي اقرأ والنجم وألم تنزيل وحم السجدة - ولو بعض منها حتَّى البسملة بقصد إحداها5.
 
4- يكره للمجنب قراءة ما زاد على سبع آيات غير العزائم. وتشتدُّ الكراهة إنْ زاد على سبعين آية، وكذلك مسّ ما عدا خطّ المصحف من الجلد والورق والهامش وما بين السطور، وكذا حمل المصحف وتعليقه.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص610.
2 الكافي، ج2، ص609.
3 م.ن، ص617.
4 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 4، ص 271.
5 الإمام الخامنئي دام ظله: الحرام هو قراءة نفس الآية دون بقية السُّورة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

 


23

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

 5- يجب السجود عند تلاوة آيات أربع في السُّور الأربع: آخر النجم والعلق، و ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ في سورة السجدة و ﴿تَعْبُدُونَ﴾ في سورة فصلت، وكذا عند استماعها دون سماعها على الأظهر، ولكن لا ينبغي ترك الاحتياط (عند السماع). والسبب (الموجب للسجود) مجموع الآية، فلا يجب بقراءة بعضها ولو لفظ السجدة منها وإن كان أحوط، ووجوبها فوريّ لا يجوز تأخيره، ولو أخّرها ولو عصياناً يجب إتيانها ولا تسقط1.

 
6- يعتبر في هذا السجود بعد تحقّق مسمَّاه النية وإباحة المكان والأحوط وضع المواضع السبعة. ووضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه، وإن كان الأقوى عدم اللزوم، نعم الأحوط ترك السجود على المأكول والملبوس، بل عدم الجواز لا يخلو من وجه2، ولا يُعتبر فيه الاستقبال، ولا الطهارة من الحدث والخبث، ولا طهارة موضع الجبهة، ولا ستر العورة.
 
7- ليس في هذا السجود تشهد ولا تسليم ولا تكبيرة افتتاح نعم يستحبّ التكبير للرفع عنه، ولا يجب فيه الذكر، بل يُستحبّ ويكفي مطلقه، والأولى أنْ يقول: "لا إله إلا الله حقّاً حقّاً، لا إله إلا الله إيماناً وتصديقاً، لا إله إلا الله عبودية ورقاً، سجدتُ لك يا ربّ تعبّداً ورقاً، لا مستنكفاً ولا مستكبراً بل أنا عبد ذليل خائف مستجير".
 
8- يحرم تنجيس المصحف الكريم حتَّى جلده وغلافه ويجب إزالة النجاسة عنه. ووجوب تطهيره كفائي لا يختصّ بمن نجّسه، كما أنَّه يجب المبادرة مع القدرة على تطهيره، ولو توقّف ذلك على صرف مال وجب.
 
9- كما يحرم تنجيس المصحف، يحرم كتابته بالمداد النَّجس، ولو كتب جهلاً أو عمداً يجب محوه فيما ينمحي، وفي غيره كمداد الطبع يجب تطهيره.
 
10- الكافر لا يصحّ منه تملّك المصحف، فلا يصحُّ بيعه له ولا هبته ولا الوصية له بالقرآن بل وإعارته له، وكذا سائر أنواع التصرّفات الناقلة للقرآن إلى ملك الكافر3.



1 الإمام الخامنئي دام ظله: إذا استمع إلى آية السجدة من الراديو أو التلفاز أو المسجّل وأمثال ذلك يجب عليه السجود.
2 الإمام الخامنئي دام ظله: يجب في سجود التلاوة وضع المساجد السبعة على الأرض ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه أيضاً.
3 الإمام الخامنئي دام ظله: إذا كان تمكين الكافرين من المصحف لغرض الهداية، فلا إشكال مع الأمن من هتكه وتنجيسه.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
34

24

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

 المفاهيم الرئيسة

- لا غنى للمسلم عن مصاحبة القرآن وتلاوته، حيث يعيش الإنسان فيه مع الله تعالى ويقتبس من نوره.

- التلاوة عبادة يُثاب عليها المؤمن ويؤجر على كلّ حرف يقرأه.

- للقراءة القرآنيّة آداب لا بدّ أن نلتزم بها حتّى نُحصّل أقصى درجات الأجر من الباري سبحانه وتعالى.

- لقد ذُكرت آداب متعدّدة لتلاوة القرآن منها ما هو ظاهريّ ومنها ما هو باطنيّ.

- الآداب الظاهريّة كثيرة، على رأسها: الطهارة، تنظيف الفم، استقبال القبلة والإقبال التام على التلاوة، البدء بالاستعاذة، قراءة القرآن في المصحف، الترتيل بصوت حسن. ‏
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

25

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

 للمطالعة

 
آثار التمسّك بالقرآن
القرآن الكريم كلام الله وللتمسّك بكلامه آثار طيّبة ومتنوعة منها:
1- الهداية من الضلالة: القرآن الكريم مظهر هداية الله، وسرّ النجاة من الضلالة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾1. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي تارك فيكم الثقلين ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلُّوا كتاب الله وعترتي أَهل بيتي وإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض"2.
 
2- الارتقاء في مراتب الآخرة: كلُّ آيةٍ من آيات القرآن الكريم تُمثِّلُ درجةً من درجات الجنَّة، وكلَّما تحقَّقَ الإنسانُ بآيةٍ من آيات الكتاب الإلهيّ، كلَّما ارتقى في مراتب الجنَّة. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "عدد درج الجنَّة عدد آيات القرآن، فإذا دخل صاحب القرآن الجنَّة قيل له، اقرأ وارق لكلِّ آية درجة فلا تكون فوق حافظ القرآن درجة"3.
 
3- الشِّفاءُ: القرآن هو الشافي الحقيقي لأمراض النفوس المزيل لأمراض القلوب، وهو إكسيرُ السعادة في الدَّارين. فمن أراد أنْ يُطهّر باطنه من الأمراض والرذائل الأخلاقية والذُّنوب الممحقة ما عليه سوى التَّمسّك بهذا النور الإلهيّ. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾4. وعن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: "واعلموا أنَّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ولا لأحد قبل القرآن من غنى فاستشفوه من أَدوائكم واستعينوا به على 



1 سورة الإسراء، الآية 9.
2 الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج27، ص33.
3 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج4، ص231.
4 سورة الإسراء، الآية 82.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

26

الدرس الثاني: أحكام القرآن والآداب الظاهريّة لتلاوته

 لأوائكم فإنَّ فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغيّ والضلال"1. وعنه عليه السلام أيضاً: "وتعلّموا القرآن فإنَّه ربيع القلوب واستشفوا بنوره فإنَّه شفاء الصدور"2.

 
4- النجاة من العذاب: لأنّ الله تعالى لا يُعذِّبُ من تلبَّسَ برداء القرآن ظاهراً وباطناً، لأنّه صار مظهراً للقرآن خَلقاً وخُلقاً، ولأنّ القرآن هو الجنَّة نفسها. فعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "اقرؤوا القرآن واستظهروه فإنَّ الله تعالى لا يُعذِّب قلباً وعى القرآن"3. 



1 الشريف الرضي، خطب الإمام علي عليه السلام نهج البلاغة، ج 2، ص 91.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 6، ص167.
3 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج4، ص245.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

27

الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن

 الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف على الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن.
2- يعرف أوجه عظمة القرآن.
3- يفهم أهمّية تطبيق مفاهيم القرآن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

28

الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن

 مقدّمة

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾1.
 
فللقرآن حقّ علينا وينبغي أن نوفّيه حقّه برعاية جملة من الآداب أثناء تلاوته والاستماع إليه، وفي تفسير الآية عن الإمام الصادق عليه السلام: "يُرتّلون آياته ويتفهّمون معانيه ويعملون بأحكامه ويرجون وعده ويخشون عذابه ويتمثّلون قصصه ويعتبرون أمثاله ويأتون أوامره ويجتنبون نواهيه.."2.
 
وأفضل التلاوة تلك الّتي تُحقّق الهدف القرآنيّ الأوّل وهو الهداية، يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾3. ولحصول الهداية هناك آداب باطنية ومعنوية ينبغي مراعاتها، أهمّها:
1- الإخلاص في القراءة:
من الآداب المفيدة في تلاوة القرآن الكريم الإخلاص وقد وردت بذلك روايات كثيرة. منها ما رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام: "قرّاء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتّخذه بضاعة واستدرّ به الملوك واستطال به على الناس، ورجل قرأ القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدوده وأقامه إقامة القدح، فلا كثّر الله هؤلاء من حملة القرآن. ورجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله وأظمأ به نهاره وقام به في مساجده وتجافى به عن فراشه فبأولئك يدفع الله العزيز الجبّار البلاء، وبأولئك يُديل الله من



1 سورة البقرة، الآية 121.
2 ورّام بن أبي فراس المالكي الأشتري، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام)، ج 2، ص 555. طبع مؤسسة دار الكتب الإسلامية، طهران، مطبعة حيدري.
3 سورة البقرة، الآية 2.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

29

الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن

 الأعداء، وبأولئك يُنزّل الله الغيث من السماء، فوالله لَهؤلاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر"1.

 
2- التعظيم:
من الآداب المهمَّة لقراءة الكتاب الإلهيّ والتي يشترك فيه العالِم والعامّي، وتحصل منه النتائج الحسنة ويوجب نورانيَّة القلب وحياة الباطن: التعظيم. وهو موقوفٌ على فهم عظمةِ القرآن وجلاله وكبريائه. وهذا المعنى وإن كان بحسب الحقيقة خارجاً عن نطاق البيان وفوق طاقة البشر، لأنّ فهم عظمة كلّ شيء بفهم حقيقته، وحقيقة القرآن لا تحصل لأحد إلا الخلّص من أولياء الله الذين اشتركوا في روحانية رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهلِ بيته الأطهار وفنوا فيهم من خلال التبعية التامة لهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إلا أن الإشارة الإجماليَّة إلى عظمة هذا الكتاب المنزّل، هي في متناول جميع البشر وموجبة لفوائد كثيرة.
 
أوجه عظمة القرآن المختلفة:
إنَّ عظمة كلِّ كلام وكتاب، تُقاسُ إمَّا بعظمة متكلّمه وكاتبه وإما بعظمة مطالبه ومقاصده، وإمَّا بعظمة نتائجه وثمراته، وإمَّا بعظمة الرسول والواسطة فيه، وإمَّا بعظمة المرسَل إليه وحامله، وإمّا بعظمة حافظه وحارسه، وإمّا بعظمة شارحه ومبيّنه، وإمّا بعظمة وقت إرساله وكيفيّته. وبعض هذه الأمور دخيل في العظمة ذاتاً وجوهراً، وبعضها عرَضاً وبالواسطة، وبعضها كاشف عن العظمة. وجميع هذه الأمور التي ذكرناها موجودة في هذه الصَّحيفة النُّورانية بالوجه الأعلى والأوفى، بل هي من مختَّصَّاتها بحيث إنَّ غيره من الكتب إمّا ألاّ يشترك معه في شيء منها أصلاً، أو لا يشترك معه في جميع المراتب.
 
1- أمّا عظمة متكلِّمه ومُنشئه وصاحبه: فهو الله سبحانه وتعالى، العظيم المطلق الذي جميع أنواع العظمة المتصوَّرة، ما هي إلا رشحة من تجليات عظمته التي لا يُمكن أنْ يتجلَّى بها على أحد إلا من وراء آلاف الحجب والسرادقات، كما في الحديث: "إنَّ لله تبارك وتعالى سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه ما دونه"2.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 604.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج55، ص 45.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

 


30

الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن

 2- وأمّا عظمة محتوياته ومقاصده ومطالبه: يستدعي الحديث عن ذلك عقد فصل على حدة، بل فصول وأبواب مستقلّة وكتاب مستقلّ حتَّى تخرج نبذة منها إلى حيّز البيان والتحرير، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾1.

 
3- وأمّا عظمة رسول الوحي وواسطة الإيصال: فهو جبرائيل الأمين والروح الأعظم الذي يتّصل به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد خروجه عن الجلباب البشري. وهو المَلك الموكل بالعلم والحكمة وصاحب الأرزاق المعنويّة والأطعمةِ الرُّوحانية. ونظرةٌ إلى ما ورد في كتاب الله وفي الأحاديث الشّريفة تكفي لإدراك مدى الإجلال والتعظيم الذي حُبي به جبرائيل وكيف أنَّه مقدَّم على سائر الملائكة.
 
4- وأمّا عظمة المرسَل إليه وحامله: فهو القلب التقي النقي الأحمدي المحمّدي الذي تجلّى له الحقّ تعالى بجميع شؤونه. وهو صاحب النُّبوَّة الخاتمة والولاية المطلقة. وهو أكرم البرية وأعظم الخليقة وخلاصة الكون وجوهرة الوجود وعصارة دار التحقّق وصاحب الخلافة العظمى.
 
5- وأمّا حافظه وحارسه: فهو ذات الحقّ المقدّسة جلّ جلاله، كما قال في الآية الكريمة المباركة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾2.
 
6- وأمّا شارحه ومبيّنه: فالذّوات المطهّرة للمعصومين من رسول الله إلى حجّة العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف الذين هم مفاتيح الوجود ومخازن الكبرياء، ومعادن الحكمة والوحي وأصول المعارف.
 
7- وأمّا وقت الوحي: فهي ليلة القدر أعظم الليالي وخير الأشهر ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾3.



1 سورة الحجر، الآية 87.
2 سورة الحجر، الآية 9.
3 سورة القدر، الآيات 1 – 3.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

31

الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن

 3- التدبّر في القرآن‏:

قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾1.
 
فالقراءة الّتي لا تدبّر فيها لا خير فيها. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾2.
 
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "إنّي لأعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن"3.
 
وجاء عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقّه"4.
 
وعنه عليه السلام أنّه ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم، فقال له رجل: جُعلت فداك، تصف جابراً بالعلم وأنت أنت؟ فقال عليه السلام: "إنّه كان يعرف تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾5"6.
 
وعن الزهريّ قال سمعتُ عليّ بن الحسين عليه السلام يقول: "آيات القرآن خزائن العلم، فكلّما فتحت خزائنه فينبغي لك أن تنظر فيها"7.
 
4- التفكّر:
من الآداب المهمّة لقراءة القرآن التفكّر. وقد كثرت الدعوة إلى التفكّر في القرآن الشريف.
 
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾8.
 
وقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾9.



1 سورة محمد، الآية 24.
2 سورة الحديد، الآية 16.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 632.
4 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 2، ص 49.
5 سورة القصص، الآية 85.
6 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 1، ص 26.
7 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 92، ص 219.
8 سورة النحل، الآية 44.
9 سورة الأعراف، الآية 176.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

32

الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن

 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

 
والروايات أيضاً في التفكّر كثيرة، فقد نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا نزلت الآية الشريفة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾1، قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكّر فيها"2.
 
5- التأثّر والخشية:
قال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾3.
 
وهذه أحوال المستمع لتلاوة القرآن المتدبّر فيه فكيف بمن يتلوه بنفسه؟
 
قال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾4.
 
6- البكاء والحزن‏:
فقد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "من قرأ القرآن ولم يخضع لله ولم يرقّ قلبه ولا يكتسي حزناً ووجلاً في سرّه، فقد استهان بعظيم شأن الله تعالى، فانظر كيف تقرأ كتاب ربّك ومنشور ولايتك، وكيف تجيب أوامره ونواهيه وكيف تمتثل حدوده؟"5.
 
والقرآن كلام الحقّ ومن الأدب حين نقرأ هذا الكلام أن نُكبّره ونُعظّمه، فلا نستهين بأوامره ونواهيه وإنذاره ووعيده وما يُنبى‏ء عنه من حقائق وأسرار.
 
فإنّ عظمة الله تعالى وقدرته المطلقة تجلّت لعباده في القرآن الكريم، ومن كمال الأدب ونحن نقرأ القرآن أن نستحضر الحزن في قلوبنا والدمعة في عيوننا، والخوف والشفقة في نفوسنا كما هو حال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حين كان يستمع إلى القرآن الكريم، فقد كانت عيناه تفيضان بالدمع.



1 سورة آل عمران، الآية 190.
2 المنذري، الترغيب والترهيب، ج 2، ص 373.
3 سورة الإسراء، الآيات 107 – 109.
4 سورة الحشر، الآية 21.
5 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 82، ص 43.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

33

الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن

 وعن أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المتّقين: "يُحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنّوا أنّها نُصب أعينهم، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم"1.

 
7- التطبيق:
ومن الآداب المهمّة لقراءة القرآن الّتي تُنيل الإنسان نتائج كثيرة واستفادة غير محدودة: التطبيق.
 
فمن أراد أن يأخذ من القرآن الشريف الحظّ الوافر فلا بدّ له أن يُطبّق كلّ آية شريفة على حالات نفسه حتّى يستفيد استفادة كاملة، مثلاً يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾2.
 
فلا بدّ للسالك أن يُلاحظ هذه الأوصاف الثلاثة منطبقة عليه، وهل قلبه يَجِلُ إذا ذُكر الله ويخاف؟ وإذا تُليت عليه الآيات الشريفة هل يزداد إيماناً في قلبه؟ وهل اعتماده وتوكّله على الله تعالى أم أنّه محروم من ذلك؟
 
فإذا كان محروماً فليسعَ لتحصيل هذه الصفات. وهكذا كلّ آية يمرّ عليها يُطبّقها خارجاً، فالقرآن كتاب تطبيق لا كتاب ترتيل فحسب.
 
فكما أنّ خُلُق الرسول كان القرآن، فينبغي على القارئ المؤمن أن يكون خُلُقه القرآن.



1 السيد المرتضى، الأمالي، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، ج 1، ص 25، الطبعة الأولى، 1325 – 1907م، ج 1، ص 25.
2 سورة الأنفال، الآية 2.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

34

الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن

 المفاهيم الرئيسة

- للقرآن حقّ علينا وينبغي أن نوفّيه حقّه برعاية جملة من الآداب أثناء تلاوته والاستماع إليه.

- من آداب تلاوة القرآن الإخلاص والتدبّر، فلا خير في القراءة الّتي لا تدبّر فيها.

- ثم يأتي التفكّر فالتأثّر والخشية من الله تعالى فالبكاء والحزن‏.

- أهمّ آداب القرآن تطبيقه على حياتنا كما كان رسول الله يوصف بأنّ خُلُقه القرآن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

35

الدرس الثالث: الآداب الباطنيّة لتلاوة القرآن

 للمطالعة


النَّظر إلى القرآن نظرة تعلّم
من مقاصد هذه الصَّحيفة الإلهيّة العظيمة ومطالبها المهمَّة التي يكشفُ التَّوجّه إليها أهمَّ طريقٍ للاستفادة الحقيقيَّة من الكتاب الشّريف، والذي يفتح على قلب الإنسان أبواب المعارف والحكم، هو أنْ يكونَ نظرُ الإنسان إلى الكتاب الإلهيّ الشّريف نظرَ التَّعلُّم، وأن يراه كتاب التعليم والاستفادة، وأن يرى الإنسان نفسَه مكلّفاً بالتعلّم والاستفادة منه.

وليس المقصود من التعلّم والاستفادة أنْ نتعلَّم منه الجهات الأدبية والنّحو والصَّرف، أو نأخذ منه جهة الفصاحة والبلاغة والنِّكات البيانيَّة والبديعيَّة، أو ننظرَ في قصصه وحكاياته بالنَّظر التاريخيّ والاطّلاعَ على الأمم السالفة... فليس شيءٌ من هذا داخلاً في مقاصد القرآن، بل هي أمور بعيدة عن المقصد الأصلي والحقيقي للكتاب الإلهيّ.

والذي أوجب أنْ تكون استفادتُنا من هذا الكتاب العظيم قليلةً جدّاً هو هذا الفهم الخاطئ. فإمّا أنَّنا لا ننظرُ إليه نظرةَ تعلُّمٍ وتعليمٍ كما هو الغالب علينا، أو أنَّنا نقرأه للثواب والأجر فقط، فينصبُّ جهدنا على تجويده وقراءته قراءةً صحيحةً حتَّى ننالَ الثَّواب فقط، ونحن واقفون عند هذا الحدِّ وقانعون بهذا. وعليه يُمكن لأحدنا أنْ يكون قد قرأ القرآن لأكثر من أربعين سنةً، ولكن دون أنْ تحصل الاستفادة منه إلا من جهة الأجر وثواب القراءة.

وإمّا أنْ نحصُرَ اهتمامنا إنْ كان هدفنا التعلّم والاستفادة، بالنّكات البديعيّة والبيانية ووجوه إعجازها، أو أعلى من هذا بقليل بالجهات التاريخية وسبب نزول الآيات وأوقات النزول، وكون الآيات والسُّور مكيَّة أو مدنيَّة، واختلاف القراءات واختلاف المفسّرين من العامّة والخاصّة وسائر الأمور العرضية الخارجة عن المقصد الحقيقي للكتاب المنزل. حتَّى صارت هذه الأمور بنفسها سبباً للاحتجاب عن القرآن والغفلة عن الذكر الإلهيّ.

فهذا الكتاب الشّريف الذي هو بشهادةٍ من الله تعالى كتابُ الهداية والتَّعليم ونورُ طريق سلوك الإنسانيَّة، على الإنسان أنْ يجلس على مأدبته ليتعلَّمَ من كلّ قصّةٍ من قصصه، بل من كلّ آية من آياته جهة الاهتداء إلى عالمِ الغيبِ وإلى طريق السَّعادة والكمال الإنساني. فعلى القارئ الحقيقي للقرآن الكريم أنْ يفهمَ المقصد من نزول الآيات لا السبب من النُّزول.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

36

الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف الحجب الظَّلمانية التي تحول بين الإنسان والاستفادة من كتاب الله.
2- يفهم الموانع التي تصدُّ عن سبيل كتاب الله.
3- يستفيد من معرفة الحجب والموانع في عملية رفعها وإزالتها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

37

الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 مقدّمة

إذا صارت عظمة كتاب الله معلومةً من جميع الجهات، وانفتحَ على الإنسان طريقُ الاستفادة الحقيقية منه، عندها ينبغي على المتعلّم والمستفيد من كتاب الله أنْ يجري أدباً آخر من الآداب المهمَّة حتَّى تحصل الاستفادة التَّامة، وهو رفع الموانع والعوائق الأساس التي تحول دون الاستفادة الكاملة منه. وهذه الموانع نُعبّر عنها بالحجب بين المستفيد والقرآن، وهذه الحجب كثيرة نُشير إلى بعضها:
حجاب رؤية النَّفس مستغنيةً
من الحُجب العظيمة التي تحول بين الإنسان وبين الاستفادة من كتاب الله العزيز، حجابُ رؤية النفس مستغنية عن كتاب الله، حيث يرى المتعلّم نفسه بسبب هذا الحجاب مستغنٍ عنه أو غير محتاجٍ للاستفادة منه. وهذا يُعتبر من أكبر وأخطر مكائد الشَّيطان الذي يُزيّن للإنسان دائماً الكمالات الموهومة، ويُرضيه ويُقنعه بما هو عليه، وما في يديه من الكمالات المحدودة الفانية والزائلة، ويسقط من عينه كلّ ما ليس بحوزته.

مثلاً: قد يقنع الشيطان أهل التجويد بذاك العلم الجزئي ويُزيّنه في أعينهم ويسقط سائر العلوم من أعينهم ويُطبّق معنى "حملة القرآن" عليهم، ويحرمهم من فهم الكتاب الإلهيّ النوراني ومن الاستفادة منه. ويُمكن أن يُرضيَ أصحاب الأدب واللغة بتلك الصُّورة اللغوية والظاهريَّة الفاقدة للّب، ويصوّرَ لهم أنَّ جميع شؤون القرآن موجودة عندهم. وقد يشغل أهل التفاسير المتعارفة بوجوه القراءات، والآراء المختلفة لأصحاب اللغة، ووقت النزول، وشأن النزول، وكون الآيات مكيَّة أو مدنيَّة وتعدادها، وتعداد الحروف وأمثال تلك الأمور...

فعلى كلِّ باحث عن الاستفادة الحقيقية من كتاب الله، أنْ يخرقَ جميع هذه الحجب، فلا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

38

الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 يقف عندها بل عليه أنْ ينظرَ إلى ما هو أبعد من هذه الأمور، ولا يقنع عند حدّ معيّن من القرآن الشّريف لكي لا يتأخّر عن قافلة السالكين فيُحْرَمَ من الدَّعوات الإلهيّة للاستفادة من هذه المأدبة السماوية.

 
والإشارة إلى هذا المعنى في القصص القرآنيّة كثيرة. فالنبيّ موسى كليم الله عليه السلام مع ما له من المقام العظيم في النُّبوَّة، لم يقتنع بذلك المقام ولم يتوقّف عند مقام علمه الشَّامخ، بل بمجرَّد أن التقى بإنسان كامل كالخضر عليه السلام قال له بمنتهى التواضع والخضوع: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾1 وصار ملازماً لخدمته حتَّى أخذ منه العلومَ التي احتاج إليها.
 
والنبيّ إبراهيم عليه السلام لم يقتنع بمقام الإيمان والعلم الشامخ الخاص بالأنبياء فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾2، فأراد أن يرتقي من مقام الإيمان القلبي إلى مقام الاطمئنان الشهودي. وهناك ما هو أعظم من ذلك حيث يأمر الله تبارك وتعالى نبيّه الخاتم محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وهو أعرف خلق الله على الإطلاق في الآيةِ الكريمةِ الشّريفةِ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾3 بأنْ لا يقف عند حدّ في طلب العلوم الربّانية والاستزادة منها. فهذه الأوامر الإلهيّة ونقل قصص الأنبياء وغيرها، إنّما هي لأجلِ أنْ يتنبَّهَ النَّاسُ ويستيقظوا من نوم الغفلة الذي يتخبَّطون فيه.
 
حجاب الآراء الفاسدة والعقائد الباطلة
ومن الحجب المانعة أيضاً التي تصدّ عن الاستفادة الصَّحيحة من القرآن الكريم، حجاب الآراء الفاسدة والعقائد الباطلة، التي قد يكون سببها سوء استعداد الشخص، والأغلب أنَّ سبَبَها 
الأساس هو التبعيَّةُ والتَّقليدُ الأعمى للغير.
 
وهذا الحجاب من الحجب الرَّئيسة التي تحجُبُ الإنسان عن معارف القرآن وحقائقه النُّورانيَّة، فمثلاً إذا رسخ في قلوبنا اعتقادٌ ما بمجرّد الاستماع إلى الأب أو الأم أو بعض الجهلة، فإنَّ مثل هذه العقيدة قد تكون حجاباً بيننا وبين الآيات الشّريفة الإلهيّة. وإذا وردت



1 سورة الكهف، الآية 66.
2 سورة البقرة، الآية 260.
3 سورة طه، الآية 114.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

39

الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 آلاف الآيات والرِّوايات التي تُخالف تلك العقيدة، فإمّا أن نصرفها عن ظاهرها أو أن لا ننظر فيها نظر الفهم. 


والأمثلة فيما يرجع إلى العقائد والمعارف كثيرة، نُشير إلى واحدةٍ منها من باب المثال حيث إنَّه أسهل للفهم.

إنَّ تلك الآيات الكثيرة الراجعة إلى معرفته ولقائه، والرِّوايات الكثيرة في هذا الموضوع، والإشارات العديدة والكنايات والتصريحات المتنوّعة في أدعية ومناجاة الأئمة عليهم السلام، مثل هذه الشواهد الكثيرة بمجرّد ما تصطدم بتلك العقيدة التي انتشرت بين عوام النَّاس أنّ طريق معرفة الله مسدود بشكل كامل أمامنا نحن البشر العاديّون، حيث يقيسون باب معرفة الله ومشاهدة جماله على باب الممنوع بل والممتنع في التفكُّر بذاته المقدّسة. فإمّا أن يؤوّلوا ويوجّهوا تلك الآيات والرِّوايات، وكذلك الإشارات والكنايات والتصريحات في أدعية الأئمة ومناجاتهم، وإمّا ألّا يدخلوا في هذا الميدان أصلاً ولا يفتحوا على أنفسهم تلك المعارف التي هي قرّة عين الأنبياء والأولياء. وممّا يوجب الأسف الشَّديد لأهل الله، أنَّ باباً من المعرفة الذي يُمكن أن يُقال أنَّه غاية بعثة الأنبياء ومنتهى مطلوب الأولياء، قد سدّوه على النَّاس حتَّى صار التفوّه به، عند البعض كفراً محضاً ومحض الزندقة.

حجاب شبهة التفسير بالرأي
ومن الحجب الغليظة المانعة من الاستفادة من هذه الصَّحيفة النُّورانية، الاعتقاد بأنّه ليس لأحدٍ حقُّ الاستفادة من القرآن الشّريف إلا من خلال ما كتبه المفسّرون وفهموه. فقد اشتبه على النَّاس التفكُّر والتدبّر في الآيات الشّريفة بالتفسير بالرأي الممنوع. ومن خلال هذا الرأي الفاسد والعقيدة الباطلة جعلوا القرآن عارياً من جميع فنون الاستفادة واتَّخذوه مهجوراً كُلّياً.

إنَّ من المحتمل بل من المظنون أنّ التفسير بالرأي المنهي عنه هو الراجع إلى آيات الأحكام الشرعية التي تقصر عنها أيدي الآراء والعقول، والتي لا بدّ وأنْ تؤخذ بصرف التعبّد والانقياد من خزّان الوحي ومهابط ملائكة الله، لا إلى آيات المعارف والعلوم العقلية والأخلاقية. كما أنّ أكثر الرِّوايات في هذا الباب وردت في مقابل فقهاء العامة الذين كانوا يريدون أن يفهموا دين الله بعقولهم وقياساتهم. وما في بعض الرِّوايات الشّريفة من أنَّه:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

40

الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 "ليس شيء أبعد عن عقول الرجال من تفسير القرآن"1، وكذلك الرواية الشّريفة: "إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول"2 تشهدُ بأنَّ المقصود من دين الله الأحكام التعبّديّة للدين، وإلا فباب إثبات الصانع والتَّوحيد والتقديس واثبات المعاد والنُّبوَّة بل مطلق المعارف حقّ مطلق للعقول ومن مختصَّاتها.

 
حجابُ الذُّنوب والمعاصي
ومن الحجب المانعة من فهم القرآن الشّريف، ومن الاستفادة من معارف هذا الكتاب السَّماويّ ومواعظه، حجاب المعاصي والذُّنوب الحاصلة من الطغيان وعصيان ربّ العالمين، التي تحجب القلب عن إدراك الحقائق الإلهيّة العزيزة، يقول تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾3.
 
فلكلِّ عملٍ من الأعمال الصالحة أو السيّئة صورةٌ وتأثيرٌ في الآخرة وعالم الملكوت تتناسب معه، وله صورةٌ أيضاً وتأثيرٌ في النَّفس الإنسانيَّة وملكوتها، تحصلُ بواسطتها إمّا النُّورانيةُ في النَّفس، فيكون القلب مطهَّراً ومنوَّراً، وفي هذه الحالة تكون النَّفس كالمرآة المصقولة الصافية، اللائقة للتجليات الغيبيّة وظهور الحقائق والمعارف فيه. وإمّا أن يصير باطن النفس بهذه الأعمال ظلمانياً وخبيثاً، وفي هذه الصُّورة يكون القلب كالمرآة المدنّسة، فلا تنعكس فيها المعارف الإلهيّة ولا الحقائق الغيبيّة. فيقع قلب الإنسان في هذه الحالة وبالتّدريج تحت سلطة الشَّيطان، ويكون إبليس الَّلعين هو المتصرِّفُ في مملكة روحه. ويقع السّمع والبصر وسائر القوى أيضاً تحت تصرّف ذاك الخبيث، وينسدُّ السَّمعُ بالكلِّية عن المعارف والمواعظ الإلهيّة. 
 
ولا ترى العين الآيات الباهرة الإلهيّة، وتعمى عن الحقّ وآثاره وآياته، ولا يتفقّهُ القلب في الدِّين ويحرم من التفكُّر في آيات الحقّ وتذكّرها، كما قال الحقّ تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾4. فيكون نظره إلى العالم كنظر الأنعام المحرومة من نعمة التفكُّر والتدبّر، ويُصبح قلبه كقلوب الحيوانات التي لا نصيب لها من التفكُّر والتذكّر، بل يُمكن 



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 89، ص 95.
2 م. ن، ج 2، ص 303.
3 سورة المطففين، الآية 14.
4 سورة الأعراف، الآية 179.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

41

الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 أنْ تزدادَ حالةُ الغفلة والاستكبار فيه يوماً بعد يوم من جرّاء عدم النظر في الآيات الإلهيّة وسماع المواعظ الربّانية، فيغدو أرذل وأضلّ من الحيوان.

 
حجاب حبّ الدُّنيا
ومن الحجب الغليظة التي هي مانع سميك بيننا وبين معارف القرآن ومواعظه، حجابُ حبِّ الدُّنيا. حيث يصرف القلب تمام همّته في الدُّنيا فتكون وجهة القلب تماماً إلى الدُّنيا ويغفل القلب بواسطة هذه المحبّة عن ذكر الله ويعرض عنه. وكلّما ازداد التعلّق بالدُّنيا وشهواتها ازداد حجاب القلب والساتر ضخامة. وربما تغلَّبت هذه العلاقة على القلب ويتسلّط سلطان حبّ الجاه والشرف على القلب فينطفئ نور فطرة الله تماماً، وتُغلقُ أبواب السعادة على الإنسان. ولعلّ المراد من إقفال القلوب المذكورة في الآية الشّريفة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾1 هو هذه الأقفال والأغلال والعلائق الدنيوية.
 
فمن أراد أن يستفيدَ من القرآن ويأخذَ نصيبه من المواعظ الإلهيّة لا بدّ وأن يُطهّرَ قلبه من هذه الأرجاس، ويُزيل أدران المعاصي القلبية والاشتغال بغير الله من القلب، لأنّ القلوب غير المطهّرة ليست حرماً لهذه الأسرار كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾2 فكما أنّ غير المطهّر بالطهارة الظاهريَّة ممنوع عن ظاهر هذا الكتاب ومسّه في العالم الظاهر تشريعاً وتكليفاً، كذلك من كان ملوّثاً بأرجاس التعلّقات الدنيوية والمحدودة والفانية ممنوع من معارفه ومواعظه وباطنه وسرّه قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾3. فغير المتّقي محروم من أنوار القرآن ومواعظه وعقائده الحقّة. والآية الشريفة التالية تكفي لأهل اليقظة بشرط التدبّر فيها، حيث قال تبارك وتعالى: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾4.



1 سورة محمد، الآية 24.
2 سورة الواقعة، الآيات 77 – 79.
3 سورة البقرة، الآية 2.
4 سورة المائدة، الآيتان 15 – 16.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

42

الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 المفاهيم الرئيسة

- إزالةُ الحجب والموانع بين المستفيد والقرآن شرط أساس لتحقيق الاستفادة الكاملة من كتاب الله.

- من الحجب التي تصدُّ عن سبيل القرآن، الشُّعور بالاستغناء عن كتاب الله، وعدم الحاجة الفعلية والضرورية إليه في مسيرة الإنسان الإيمانية والتكاملية.

- من الحجب التي تحولُ دون الاستفادة من القرآن الكريم الشُّبهاتُ العقائديَّة والاعتقادات الخاطئة المتعلِّقةُ بالقرآن فهماً وتأويلاً وتفسيراً.

- من الحجب التي تمنع من فهم حقائق القرآن والاستفادة منه أيضاً، تلوّث باطن الإنسان بالمعاصي والذُّنوب. فمعارف هذا الكتاب المقدّس وحقائقه لا يمسّه إلا المطهّرون من دنس الخطايا والآثام.

- حبّ الدُّنيا أيضاً والتعلّق بها يصرف القلب عن الله فتكون وجهته إلى غيره فيغفل القلب بواسطة هذه المحبّة عن ذكر الله ويعرض عنه،فيحجب عن معارف القرآن الحقّة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
56

43

الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 للمطالعة

 
حجاب شبهة التفسير بالرأي
ومن الحجب الغليظة المانعة من الاستفادة من هذه الصَّحيفة النُّورانية: الاعتقاد بأنّه ليس لأحدٍ حقُّ الاستفادة من القرآن الشّريف إلا من خلال ما كتبه المفسّرون وفهموه. فقد اشتبه على النَّاس التفكُّر والتدبّر في الآيات الشّريفة بالتفسير بالرأي الممنوع. ومن خلال هذا الرأي الفاسد والعقيدة الباطلة جعلوا القرآن عارياً من جميع فنون الاستفادة واتَّخذوه مهجوراً كُلّياً، في حين أنَّ الاستفاداتِ الأخلاقيَّةَ والإيمانيَّةَ والسّلوكيةَ لا ربط لها بالتفسير، فكيف بالتفسير بالرأي.
 
فمثلا إذا استفاد أحدٌ من كيفيَّة تباحث موسى مع الخضر وكيفيَّة تعاملهما، وشَدّ موسى رحاله إليه مع ما له من عظمةِ مقام النُّبوَّة لأخذ العلم منه، وكيفيَّة عرض حاجته على الخضر كما ذُكرت في الكريمة الشّريفة: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾1، وكيفيَّة جواب الخضر والاعتذارات التي وقعت من موسى، إذا استفاد منها عظمةَ مقام العلم وآداب سلوك المتعلّم مع المعلّم، والتي تبلُغ في الآيات المذكورة نحوَ عشرين أدباً، فما علاقة هذه الاستنتاجات بالتفسير، فضلاً من أن تكونَ تفسيراً بالرَّأي؟!
 
والاستفادات من هذا القبيل في القرآن كثيرة، ففي المعارف مثلاً، إذا استفاد أحد من قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾2 الذي يحصر جميع المحامد بالله ويُخصّص جميع الثناءات بالحقّ تعالى، إذا استفاد منها التَّوحيد الأفعالي، وقال بأنّه يُستفاد من الآية الشّريفة أنّ كلّ كمال وجمال وكلّ عزّة وجلال موجودة في العالم والتي ينسبها القلب المحجوب إلى الخلائق والموجودات، هي من الحقّ تعالى وحده وأنّه ليس لموجود من قِبَل نفسه شيء، لذا تكون المحمدة والثناء خاصة بالحقّ لا يُشاركه فيها أحد. فأيّ ربط لهذا بالتفسير حتَّى يُسمّى بالتفسير بالرأي أو لا يُسمّى؟! 
 
إلى غير ذلك من الأمور التي تُستفاد من لوازم الكلام والتي لا ربط لها بأيّ وجه بالتفسير بالرأي.



1 سورة الكهف، الآية 66.
2 سورة الزمر، الآية 75.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

44

الدرس الرابع: الموانع والحجب بين المستفيد والقرآن

 مضافاً إلى أنّ في التفسير بالرأي كلاماً أيضاً، وهو أنَّه من المحتمل بل من المظنون أن التفسير بالرأي المنهي عنه هو الراجع إلى آيات الأحكام الشرعية التي تقصر عنها أيدي الآراء والعقول، والتي لا بدّ وأن تؤخذ بصرف التعبّد والانقياد من خزّان الوحي ومهابط ملائكة الله، لا إلى آيات المعارف والعلوم العقلية والأخلاقية. كما أن أكثر الرِّوايات في هذا الباب وردت في مقابل فقهاء العامة الذين كانوا يريدون أن يفهموا دين الله بعقولهم وقياساتهم. وما في بعض الرِّوايات الشّريفة من أنَّه: "ليس شيء أبعد عن عقول الرجال من تفسير القرآن"1، وكذلك الرواية الشّريفة: "إن دين الله لا يصاب بالعقول"2 تشهدُ بأنَّ المقصود من دين الله الأحكام التعبّديّة للدين، وإلا فباب إثبات الصانع والتَّوحيد والتقديس وإثبات المعاد والنُّبوَّة بل مطلق المعارف حقٌّ مطلق للعقول ومن مختصَّاتها. 




1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج89، ص95.
2 م. ن، ج2، ص303.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58

45

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 الدرس الخامس: مقاصد القرآن



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف على مقاصد القرآن.
2- يُبيّن دور القرآن في توطيد العلاقة مع الله.
3- يشرح كلّيات الأخلاق الإيمانيّة في القرآن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

46

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 مقدمة

لقد تضمّن القرآن الكريم المقاصد الإيمانيّة الكاملة والحقائق الضروريّة لكمال الإنسان ورقيّه ووصوله إلى مقام القرب الإلهيّ.
 
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾1.
 
وفي ما يلي نذكر بعضاً من مقاصد القرآن العُليا ومضامينه الراقية الّتي تُيسّر للإنسان هدايته وتقويم حياته، ومنها:
أوّلا، معرفة الله:
إنّ قضيّة الألوهيّة هي موضوع العقيدة الإسلاميّة الرئيس وبالتّالي فهي تشمل الحيّز الأكبر من كتاب الله تعالى.
 
وما نزل القرآن ليقول للناس إنّ هناك إلهاً، فإنّ الفطرة وأدنى التأمّل بالوجود باعثان على الإقرار بوجود المبدع المنظِّم.
 
يقول تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾2.
 
إنّما المشكلة بأنّهم لا يعرفونه حقّ المعرفة ومن ثمّ لا يعبدونه حقّ العبادة، ومن ذا الّذي يُدرك هذا المقام، يقول تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾3.
 
وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "لو عرفتم الله حقّ معرفته لزالت بدعائكم الجبال الراسيات، ولا يبلغ أحد كُنه معرفته"، فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، الله أعلى وأجلّ أن يطّلع أحد على كنه معرفته".
 
ولهذا قال في دعائه : "يا من لا يعلم ما هو إلا هو".
 
وقال: "سبحانك ما عرفناك حقّ معرفتك"4.
 
ولعلّ المعرفة المقصودة هي معرفة الذّات الإلهيّة حقّ المعرفة فمن ذا يُدركها؟ أمّا معرفته سبحانه بصفات الجمال والكمال فيُمكن إدراكها من خلال التأمّل في نِعَم الله سبحانه ومخلوقاته. ونظام الكون الّذي أتقن صنعه الجبّار.
 
يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾5.



1 سورة الإسراء، الآية 9.
2 سورة لقمان، الآية 25.
3 سورة الأنعام، الآية 91.
4 ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، ج 4، ص 132.
5 سورة النمل، الآية 88.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

47

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 وقد دعا القرآن إلى توحيد الله تعالى بما يليق بذاته وصفاته وأفعاله.

 
يقول تعالى في مقام بيان الصفات: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ...﴾1. ويقول سبحانه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾2.
 
الاحتجاجات الإلهيّة
هذه الدعوة لتوحيد الله تعالى ومعرفته بصفاته وأفعاله لم تكن دون دليل، فمن يقرأ في كتاب الله يُلاحظ أنّ القرآن يستعين في إبلاغ رسالته بلغتين هما لغة العقل ولغة القلب، فقد اعتبر القرآن العقل حجّة على العباد فدعا إلى إعماله والاستفادة منه، كما ذمّ من عطّله ولم يهتد بهداه.
 
قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾3.



1 سورة الحشر، الآيات 22 – 24.
2 سورة الحشر، الآية 24.
3 سورة الأنفال، الآية 22.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

48

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 وقد أقام القرآن الدلائل والبراهين على مدّعياته، وتحدّى المنكرين على الإتيان ببراهين تنقضها: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾1.

 
وفي الوقت الّذي يدعو فيه القرآن إلى إعمال العقل يُبيّن موانع إصابة العقل للحقّ والصواب كاتّباع الظنّ، وتقليد الآباء واتّباع الهوى.
 
قال تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾2.
 
ويقول عزّ من قائل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾3.
 
فالقرآن لم يدع الإنسان إلى الإيمان بغير دليل بل ساق أدلّة برهانيّةً عقليّة وأخرى وجدانيّة، وخاطب الفطرة الإنسانيّة.
 
يقول سبحانه: ﴿أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾4.
 
ثانياً، معرفة الأنبياء عليهم السلام:
يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾5 ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾6.
 
استعمل القرآن الكريم الأسلوب القصصيّ في تبليغ المفاهيم والعبر والمقاصد، لما لهذا الأسلوب من أثر كبير في القلوب، فذكر قصص بعض الأنبياء لنعتبر منهم ومن قصصهم، وليكونوا صلة وصل بين العباد وبين الله سبحانه.
 
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ 



1 سورة البقرة، الآية 111.
2 سورة النجم، الآية 23.
3 سورة البقرة، الآية 170.
4 سورة النمل، الآيتان 61 و 62.
5 سورة يوسف، الآية 109.
6 سورة يوسف، الآية 111.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

49

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾1.

 
وتُشكّل القصص القرآنيّة جانباً هامّاً من النصّ القرآنيّ حتّى ورد في بعض الأحاديث أنّها ثلث القرآن، وهناك عدد كبير منها مختصّ بقصص الأنبياء عليهم السلام وتتركّز بشكل أساس في السور الّتي حمل بعضها اسم واحد من الأنبياء كسورة يونس وإبراهيم وهود وغيرها، وهذا الاستخدام الواسع لأسلوب القصّة يفيد بوضوح أنّ القصّة القرآنيّة لها مدخليّة مهمّة في تحقيق الأغراض والأهداف القرآنيّة.
 
كما أنّ القصّة في القرآن لا تخلو من نكاتٍ بلاغيّة، وقيمةٍ تاريخيّة، ولمسات أدبيّةٍ فنيّة، ودروس مستفادة من معاينة القدوة في سلوكه ومواقفه ليزداد الإنسان معرفة بالأنبياء الذين يُشكّلون القدوة الحسنة.
 
يقول الإمام الخميني قدس سره حول هذا الأمر:
ومن مقاصد هذه الصحيفة النورانيّة قصص الأنبياء والأولياء والحكماء، وكيفيّة تربية الحقّ إيّاهم، وتربيتهم الخَلْق. فإنّ في تلك القصص فوائد لا تُحصى.. ففي قصّة خلق آدم عليه السلام والأمر بسجود الملائكة، وتعليمه الأسماء وقضايا إبليس وآدم الّتي تكرّر ذكرها في كتاب الله من التعليم والتربية والمعارف والمعالم - لمن كان ﴿لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾2 - ما يُحيّر الإنسان.. فليس هذا الكتاب كتاب قصّة وتاريخ بل هو كتاب السير والسلوك إلى الله، وكتاب التوحيد والمعارف والمواعظ والحِكَم"3.
 
كما أنّ من الظواهر الّتي تُلفت النظر في القرآن ظاهرة التكرار في القصص وغيرها حيث نجد الحديث عن نبيّ واحد في أكثر من سورة، ويبدو ذلك جليّاً في الحديث عن نبيّ الله موسى عليه السلام، وحين ننظر إلى القرآن على أنّه كتاب هداية وتربية لهذه الأمّة والبشريّة، تتوضّح لدينا حكمة ذلك، لأنّ التربية تحتاج إلى التذكير الدائم، وليست التربية كلاماً يُقال مرّة وكفى قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾4.



1 سورة النحل، الآية: 36.
2 سورة ق، الآية 37.
3 القرآن الثقل الأكبر، جمع لكلمات الإمام الخميني قدس سره، ص‏40.
4 سورة الذاريات، الآية 55.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

50

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 ثالثاً، معرفة المعاد وبيان أحواله‏:

هناك جانب آخر أخذ حيّزاً هامّاً من مطالب ومضمون النصّ القرآنيّ، وذلك في بيان مسألة الإيمان باليوم الآخر وإقامة الأدلّة والبراهين على إثباته.
 
حتّى أنّ القرآن الكريم يُلحق مسألة الإيمان باليوم الآخر في كثير من المواضع بالإيمان بالله مباشرة إثباتاً ونفيّاً، فيصف المؤمنين بأنّهم هم الّذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويصف الكافرين بأنّهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
 
والقرآن في حديثه المستفيض عن المعاد أراد إثباته أوّلاً للجاحدين به والمنكرين للبعث والحساب، فساق الأدلّة النظريّة والبراهين العقليّة وأتبعها بأمور وجدانيّة يراها الإنسان بأمّ عينه.
 
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾1.
 
ثمّ ببيان حوادث جُرّبت في التاريخ وأورد قصّتها القرآن لمزيد يقين كقصّة أصحاب الكهف وقصّة العُزير الّذي أماته الله مائة عام ثمّ بعثه.
 
ولئن كان للحديث عن البعث والحساب بعض أسبابه الّتي تعود إلى إنكار العرب الباتّ للبعث، ولكنّ بعضه الآخر كان لضرورة ترسيخ هذه العقيدة في نفوس المؤمنين لما لها من تأثير بالغ في سلوك الإنسان، فإنّه لا شي‏ء يُمكن أن يدفع الإنسان للتنازل عن المتاع الزائد عن الحدّ المدفوع إليه بغريزته والالتزام بالحدود الّتي رسمها الله إلّا الإيمان الجازم بأنّ ما يتركه في الدنيا طاعة لله يلقاه في الآخرة مضاعفاً، ولا يزول أبداً.
 
ويغدو حديث القرآن عن الآخرة بمثابة شريط حافل بالمشاهد الحيّة حتّى لكأنّ الإنسان يُخيّل إليه أنّه يراها عياناً وليست حديثاً عن المستقبل. إنّه شريط يجمع بين مشاهد العذاب ومشاهد النعيم ليختار الإنسان أيّهما شاء.
 
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾2.



1 سورة ق، الآيات 9-11.
2 سورة القمر، الآيتان 54- 55.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

51

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا﴾1.

 
ويقول نعوذ بلطفه من عذابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾2.
 
رابعاً، الأخلاقيّات الإيمانيّة في القرآن:‏
موضوع آخر من موضوعات القرآن الكريم ومقصد من مقاصده هو الأخلاقيّات الإيمانيّة وما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون بوحي من إيمانهم، في مقابل ما هم عليه الكافرون والفاسقون بوحي من ضلالتهم.
 
يقول الإمام الخميني دام ظله: ومن مقاصده ومطالبه الدعوة إلى تهذيب النفوس وتطهير البواطن من أرجاس الطبيعة وتحصيل السعادة. وبالجملة كيفيّة السير والسلوك إلى الله تعالى، وهذا المطلب الشريف منقسم إلى شعبتين مهمّتين:
إحداهما: التقوى بجميع مراتبها المندرجة فيها التقوى عن غير الحقّ، والإعراض المطلق عمّا سوى الله.
وثانيهما: الإيمان بتمام المراتب والشؤون المندرجة في الإقبال على الحقّ، والرجوع والإنابة إلى ذاته المقدّسة، وهذا من المقاصد المهمّة لهذا الكتاب الشريف وأكثر مطالبه ترجع إلى هذا المطلب إمّا بلا واسطة أو مع الواسطة"3.
 
والأخلاق ليست شيئاً ثانويّاً في هذا الدّين، كما إنّها شاملة للسلوك البشري كلّه ولا يوجد عمل واحد يخرج عن دائرة الأخلاق فالصلاة لها أخلاق هي الخشوع، والكلام له أخلاق وهو الإعراض عن اللغو، والتعامل مع الآخرين له أخلاق هي الوفاء والصدق ورعاية العهد.
 
وقد قال تعالى بحقّ الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾4. ولكنّه أيضاً (أي



1 سورة الإنسان، الآيات 20- 23.
2 سورة التحريم، الآية 6.
3 القرآن الثقل الأكبر، جمع لكلمات الإمام الخميني قدس سره، ص40-29.
4 سورة القلم، الآية 4.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

52

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 الخُلق) من خصوصيّات الإيمان ومقتضياته.

 
وقد اهتمّ القرآن المجيد بإبراز الجانب السلوكيّ الأخلاقيّ للعقيدة المنحرفة قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾1.
 
يُقابل ذلك إبراز السلوك الأخلاقيّ الصحيح المصاحب للعقيدة الصحيحة: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾2.
 
فالقرآن هو مفتاح سعادة الإنسان وباب فلاحه: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾3. وهو شفاء ورحمة لكلّ من تمسّك به، وفي ما يلي نماذج من آيات القرآن تكشف عن عمق معانيه ودقّة أفكاره في مجال نظام السير والسلوك إلى الله تعالى:
أ - العلاقة مع الله:
فالقرآن الكريم يوثّق الإيمان في القلب ويربط ذلك القلب بالله في جميع أحواله، لأنّه يربط الأحوال كلّها والوجود كلّه بالله سبحانه: فالمولد والممات بيد الله، والرزق بيد الله بجميع ألوانه وأشكاله، وبيده الضرّ والنفع، ثمّ البعث والحساب والثواب والعقاب، أمورٌ كلّها بيد الله.
 
فالله تعالى في كتابه يُعرّفنا بنفسه لنعرفه كما ينبغي لجلال وجهه. فهو يُعرّفنا نفسه بأنّه: ﴿السَّمِيعُ الْبَصِير﴾. وأنّه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾4، وأنّه ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾5. ليولّد في قلوبنا ذلك الإحساس برقابة الله، فنحرص على نقاوة أعمالنا ومشاعرنا.



1 سورة القلم، الآيات 16-10.
2 سورة الفرقان، الآية 63.
3 سورة طه، الآيتان 1 و 2.
4 سورة طه، الآية 7.
5 سورة المجادلة، الآية 7.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

53

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 ويُعرّفنا بأنّ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾1. وأنّ بيده ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾2.

 
لنتطلّع إليه وحده في السرّاء والضرّاء، ولنواجه المصاعب والشدائد بالصبر والتعلّق به وبفرَجِه المنزَل من عنده.
 
ويُعرّفنا بأنّه ﴿الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾3. ﴿اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ﴾4.
 
يُعلّمنا بذلك أن لا يُشغلنا القلق على الرزق، وأنّ البشر ليسوا هم من يتصرّفون في أرزاقنا، بل ذلك كلّه بيده وحده وكذلك يُعرّفنا بأنّه هو الّذي يحيي ويميت، وليس هذا شأنه فحسب بل هو بعدُ ملك ومالك يوم الدِّين.
 
هذا ما تُقرّره هذه الآيات الكريمة وغيرها من كتاب الله ليعيش القلب آفاق معرفة الله تعالى ومنهجاً وسلوكاً، وتكون حياته كلّها مع الله.
 
ب- العلاقة مع الآخر:
وكما اهتمّ القرآن الكريم بإبراز الجانب السلوكي والأخلاقي للعقيدة المنحرفة وندّد به وبأصحابه، كذلك أولى عنايةً واضحةً بإبراز السلوك الأخلاقيّ الصحيح وأفق التعاطي الصحيح مع الآخرين.
 
﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾5.
 
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾6.
 
فمنطق القرآن هو: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾7.



1 سورة يس، الآية 83.
2 سورة الزمر، الآية 63.
3 سورة الذاريات، الآية 58.
4 سورة الرعد، الآية 26.
5 سورة الشورى، الآيات 40 - 43.
6 سورة الممتحنة، الآية 8.
7 سورة الأعراف، الآية 199.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
68

 


54

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 ج- الاستقامة:

ويُمكن بحقّ أن نُلخّص مبادئ‏ الإسلام كلّها بكلمة الاستقامة، فإنّها الكلمة الشاملة للاستقامة في العقيدة بما فيها التوحيد عن الشبيه، والاستقامة في الأعمال والأخلاق وجميع التعاليم.
 
ومعنى الاستقامة هو أن نقف عند حدود الله ولا ننحرف عن الحقّ إلى الباطل وعن الهداية إلى الضلال. أن نسير بعقيدتنا وأقوالنا وأفعالنا على الصراط المستقيم، فعن الإمام علي عليه السلام قال: "قُلتُ: يا رسول الله أوصني، قال: قل ربّي الله، ثمّ استقم، قال: قُلتُ: ربّي الله وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أُنيب، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ليهنئك العلم يا أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً"1.
 
يقول تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾2.
 
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾3.
 
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾4.
 
﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾5.
 
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾6.
 
﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾7.



1 بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج40، ص178.
2 سورة الملك، الآية 22.
3 سورة هود، الآية 112.
4 سورة الأنعام، الآية 79.
5 سورة الأنعام، الآية 162.
6 سورة الفاتحة، الآية 5.
7 سورة الكهف، الآية 110.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

55

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 المفاهيم الرئيسة

لقد تضمّن القرآن الكريم المقاصد الإيمانيّة الكاملة والحقائق الضروريّة لكمال الإنسان ورقيّه ووصوله إلى مقام القرب الإلهيّ.

منها:
- أوّلا، معرفة الله: فالناس لا يعرفونه حقّ المعرفة ومن ثمّ لا يعبدونه حقّ العبادة.

- ثانياً، معرفة الأنبياء عليهم السلام. يقول الإمام الخميني قدس سره في هذا الأمر: "ومن مقاصد هذه الصحيفة النورانيّة قصص الأنبياء والأولياء والحكماء، وكيفيّة تربية الحقّ إيّاهم، وتربيتهم الخلق. فإنّ في تلك القصص فوائد لا تُحصى.."

- من مقاصد القرآن معرفة المعاد وبيان أحواله‏ وقد أخذ حيّزاً هامّاً من مطالب ومضمون النصّ القرآنيّ، من خلال بيان مسألة الإيمان باليوم الآخر وإقامة الأدلّة والبراهين على إثباته.

منها: الأخلاقيّات الإيمانيّة وما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون بوحي من إيمانهم، في مقابل ما هم عليه الكافرون والفاسقون بوحي من ضلالهم. يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "ومن مقاصده ومطالبه الدعوة إلى تهذيب النفوس وتطهير البواطن من أرجاس الطبيعة وتحصيل السعادة...".

- يرسم القرآن للإنسان خريطة للعلاقة مع الله ومع نفسه ومع الآخرين...

- ويؤكّد على أهميّة الاستقامة بوقوفنا عند حدود الله وعدم الانحراف عن الحقّ إلى الباطل.
المفاهيم الرئيسة
لقد تضمّن القرآن الكريم المقاصد الإيمانيّة الكاملة والحقائق الضروريّة لكمال الإنسان ورقيّه ووصوله إلى مقام القرب الإلهيّ.

منها:
- أوّلا، معرفة الله: فالناس لا يعرفونه حقّ المعرفة ومن ثمّ لا يعبدونه حقّ العبادة.

- ثانياً، معرفة الأنبياء عليهم السلام. يقول الإمام الخميني قدس سره في هذا الأمر: "ومن مقاصد هذه الصحيفة النورانيّة قصص الأنبياء والأولياء والحكماء، وكيفيّة تربية الحقّ إيّاهم، وتربيتهم الخلق. فإنّ في تلك القصص فوائد لا تُحصى.."

- من مقاصد القرآن معرفة المعاد وبيان أحواله‏ وقد أخذ حيّزاً هامّاً من مطالب ومضمون النصّ القرآنيّ، من خلال بيان مسألة الإيمان باليوم الآخر وإقامة الأدلّة والبراهين على إثباته.

منها: الأخلاقيّات الإيمانيّة وما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون بوحي من إيمانهم، في مقابل ما هم عليه الكافرون والفاسقون بوحي من ضلالهم. يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "ومن مقاصده ومطالبه الدعوة إلى تهذيب النفوس وتطهير البواطن من أرجاس الطبيعة وتحصيل السعادة...".

- يرسم القرآن للإنسان خريطة للعلاقة مع الله ومع نفسه ومع الآخرين...

- ويؤكّد على أهميّة الاستقامة بوقوفنا عند حدود الله وعدم الانحراف عن الحقّ إلى الباطل.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

56

الدرس الخامس: مقاصد القرآن

 للمطالعة

 
النبع الفيّاض‏
يقول الإمام الخميني دام ظله: أوصي الإخوة الأعزّاء أن لا يغفلوا... عن الاستئناس بالقرآن الكريم، هذه الصحيفة الإلهيّة وكتاب الله الهادي، فكلّ ما عند المسلمين وما سيكون عندهم خلال عصور التاريخ الماضية والقادمة إنّما هو من البركات المغدقة لهذا الكتاب المقدّس. وبهذه المناسبة أطلب من كلّ العلماء الأعلام وأبناء القرآن والعلماء العظام أن لا يغفلوا عن هذا الكتاب المقدّس الّذي فيه تبيان كلّ شي‏ء،...
 
والآن فإنّ الصورة المدوّنة لهذا الكتاب المأخوذ عن لسان الوحي بعد النزول قد وصلت إلى أيدينا كاملة دون زيادة حرف أو نقصان حرف، فالحذر الحذر من هجره لا سمح الله.
 
نعم، الأبعاد المختلفة لهذا الكتاب بكلّ آفاقها ليست في متناول البشر العاديّين لكن على أهل المعرفة والتحقيق في الفروع المختلفة أن ينهلوا بقدر علمهم ومعرفتهم وكفاءاتهم من هذا الكنز العرفانيّ الإلهيّ الفيّاض والبحر الموّاج النازل على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ويُقدّموه بتعبيرات مختلفة قريبة للأذهان إلى الآخرين... والمتّقون التوّاقون إلى الهداية عليهم أن يحملوا بارقة ممّا أخذوه من نور التقوى عن هذا النبع الفيّاض بالهدى للمتّقين إلى العشّاق الوالهين إلى الهداية الإلهيّة.
 
... اجعلوا تدريس القرآن نصب أعينكم في جميع أبعاده، كي لا تندموا وتأسفوا لا سمح الله على ما فات من شبابكم حين يهجم عليكم ضعف الشيب في آخر العمر، مثل كاتب هذه السطور"1.



1 صحيفة الإمام الخميني قدس سره، ج 20، ص 81.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

57

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف معنى القرآن وأسماءه.
2- يشرح أوصاف القرآن.
3- يفهم نكات كون لغة القرآن عربية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

58

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 معنى القرآن

أ. المعنى اللغوي: تعدّدت آراء اللغويين والباحثين في علوم القرآن في تحديد معنى القرآن وأصله الاشتقاقي اللغوي إلى أقوال كثيرة1، أهمّها وأقواها أنّ القرآن:
اسم مهموز مصدر لقرأتُ، بمعنى التلاوة، كالرجحان والغفران، سُمّي به الكتاب المقروء من باب تسمية المفعول بالمصدر، أي المقروء أو ما يُقرأ. واستخدم القرآن بمعنى القراءة، كالكتاب الذي يُطلق على المكتوب، بمعنى الكتابة.
 
والقِرَاءَةُ في اللغة هي: ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعضها الآخر في الترتيل... لا يُقال: قرأت القوم: إذا جمعتهم، ويدلّ على ذلك أنّه لا يُقال للحرف الواحد إذا تُفُوِّه به قراءة، والْقُرْآنُ في الأصل مصدر، نحو: كفران ورجحان. قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾2"3.
 
والمعنى لا تعجل به إذ علينا أن نجمع ما نوحيه إليك، بضمّ بعض أجزائه إلى بعض، وقراءته عليك، فلا يفوتنا شيء منه حتى يحتاج إلى أن تسبقنا إلى قراءة ما لم نُوحِه بعد. وقيل: المعنى إنّ علينا أن نجمعه في صدرك، بحيث لا يذهب عليك شيء من معانيه، وأن نثبّت قراءته في لسانك، بحيث تقرأه متى شئت. وهذا لا يخلو من بعد. وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ



1 لمزيد من التفصيل: انظر: الزركشي، بدر الدين: البرهان في علوم القرآن، ص273-276، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، لام، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، 1376هـ.ق/ 1957م، ج1، السيوطي، جلال الدين: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق سعيد المندوب، ط1، بيروت، دار الفكر، 1416هـ.ق/ 1996م، ج1، ص144، الزرقاني، عبد العظيم: مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص15-17، تحقيق فوّاز أحمد زمَرلي، ط1، بيروت، دار الكتاب العربي، 1415هـ.ق/1995م.
2 سورة القيامة، الآيتان 17 و 18.
3 الأصفهاني، الراغب: مفردات ألفاظ القرآن، ص 668، تحقيق صفوان داوودي، قم المقدّسة، نشر طليعة النور، مطبعة سليمان زاده، 1427هـ.ق، ط2، مادّة "قرأ".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

59

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 قُرْآنَهُ﴾، أي: فإذا أتممنا قراءته عليك وحياً، فاتّبع قراءتنا له، واقرأ بعد تمامها1.

 
ب- المعنى الاصطلاحي: ذُكِرَت فيه تحديدات مختلفة، وردت عليها إشكالات عدّة، ولعلّ أقلّها محلاًّ للإشكالات ما اشتهر على لسان الأصوليين والفقهاء واللغويين ويوافقهم عليه المتكلّمون: "اللفظ المنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، المنقول عنه بالتواتر، المتعبّد بتلاوته".
 
أسماء القرآن
اختلف الباحثون في علوم القرآن في عدد أسماء القرآن، وتفاوتت تحديداتهم في هذا الصدد، حيث حصر بعضهم أسماء القرآن في اسم "القرآن" فقط، وعدّ الأسماء الأخرى المتداولة مجرّد صفات للقرآن وليست أسماء له2، وذهب آخرون إلى أنّ للقرآن 55 اسماً3، وآخرون إلى أنّ له 95 اسماً4...
 
ولعلّ السبب في هذا الاختلاف راجع إلى وجود خلل في التمييز بين أسماء القرآن وصفاته، أو إلى تباين الأذواق والمعايير المعتمدة في تحديد الأسماء والصفات5. واسم الشيء، هو تعريفه وتشخيصه في الخارج ضمن أبعاد وحدود تحكي ماهيّة المسمّى ويُعرَف بها. وأمّا الصفة فهي تحكي خاصيّة معيّنة من المسمّى وعليه، فأسماء القرآن هي خصوص المعرّفات والمشخّصات التي تحكي عن القرآن في الخارج من أنّه كلام الله تعالى المنزل على نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بالإعجاز. وأمّا صفات القرآن فهي تحكي عن خاصيّة معيّنة يشتمل عليها القرآن من قبيل: الهداية، التبشير، الإنذار....
 
والمشهور من الأسماء، هو التالي6:
أ- القرآن: وردت مفردة "قرآن" 68 مرّة في القرآن الكريم (قرآن: 58 مرّة/ قرآناً:



1 انظر: الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن، ج20، ص109-110، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، لات.
2 انظر: العسكري، مرتضى: معالم المدرستين، ج2، ص13-15، لاط، بيروت، مؤسّسة النعمان، 1410هـ.ق/ 1990م.
3 انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص273، السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج1، ص141.
4 انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج1، ص273.
5 انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص17.
6 انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص15-17.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

60

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 10 مرّات)1. وأُريد بها: تارة مجموعة من الآيات، كما في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ...﴾2، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾3. وتارة أخرى مجموع الكتاب(أي ما بين الدفّتين)، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾4. وقد تقدّم معنى القرآن لغة واصطلاحاً.

 
ب- الفرقان: وردت مفردة "فرقان" 6 مرّات في القرآن الكريم5. والفرقان من الفرق والتفرقة، ويُراد بها ما يفرق بين الحقّ والباطل6. وروي أنّه سُئِلَ الإمام الصادق عليه السلام عن القرآن والفرقان أهما شيئان أم شيء واحد؟ فقال عليه السلام: "القرآن جملة الكتاب، والفرقان الحكم الواجب العمل به"7.
 
ج- الذِّكْر: وردت مفردة "ذِكْر" 52 مرّة في القرآن الكريم8، وأُريد بها القرآن في بعض المواضع فقط، كما في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾9، وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾10، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾11. ويُراد بالذِّكْر: الشرف12.



1 روحاني، محمود: المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، ج3، ص1154، ط1، مشهد المقدّسة، مؤسّسة الآستانة الرضوية المقدّسة، 1372هـ.ق/ 1987م.
2 سورة الإسراء، الآية 82.
3 سورة الأعراف، الآية 204.
4 سورة الإسراء، الآية 106.
5 انظر: روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، ج3، ص1082.
6 انظر: ابن فارس، أحمد: معجم مقاييس اللغة، ص493-495، تحقيق عبد السلام هارون، لاط، لام، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.ق، ج4، مادّة"فرق".
7 الشيخ الكليني، الكافي، ص 630،ج2.
8 انظر: روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، ج2، ص746.
9 سورة الأنبياء، الآية 50.
10 سورة النحل، الآية 44.
11 سورة الزخرف، الآية 44.
12 انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 328، مادّة "ذكر".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

61

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 د. الكتاب: وردت مفردة "كتاب" 230 مرّة في القرآن الكريم1، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾2، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا...﴾3. والكتاب هو: جملة ما هو موجود بين الدفّتين. وقد استعمل في القرآن الكريم وأُريد به: تارة ما أُنزِلَ على الأنبياء والرسل عليهم السلام من كلام الله تعالى المُوحَى إليهم، كما في قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾4، وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾5، وقوله تعالى-على لسان نبيّه عيسى عليه السلام -: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ...﴾6. وتارة استعمل الكتاب بمعنى خصوص المكتوب على نحو المراسلات والمخاطبات، كما في قوله تعالى - في معرض حكايته لقصة النبي سليمان عليه السلام وملكة سبأ -: ﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾7. وتارة استعمل بمعنى صحيفة أعمال الإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿...مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا...﴾8 ، وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾9.

 
هـ- التنزيل10: وردت مفردة "تنزيل" 11 مرّة في القرآن الكريم11، كما في قوله تعالى: 



1 انظر: روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، ج3، ص1211.
2 سورة البقرة، الآية 2.
3 سورة فاطر، الآية 32.
4 سورة مريم، الآية 12.
5 سورة الإسراء، الآية 2.
6 سورة مريم، الآية 30.
7 سورة النمل، الآيتان 28 و 29.
8 سورة الكهف، الآية 49.
9 سورة الإسراء، الآيتان 13 و 14.
10 عدّه عبد العظيم الزرقاني من أسماء القرآن الكريم. انظر: الزرقاني، مناهل العرفان، ج1، ص15.
11 انظر: روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، ج2، ص584.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
80

62

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾1، وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾2، وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾3. ويُراد من التنزيل: القرآن النازل مفرّقاً مرّة بعد أخرى4.

 
و- المصحف: لم يرد ذِكْر هذه المفردة في القرآن الكريم، ولكن اشتهر تداولها بين المسلمين بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بوصفها اسماً من أسماء القرآن الكريم. 
 
ولعلّ اشتهار تداولها يعود إلى شدّة انشغال المسلمين واهتمامهم بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلمبكتابة القرآن وتدوينه وجمعه بين دفّتين. و"الصَّحِيفَةُ: المبسوط من الشيء، كصحيفة الوجه، والصَّحِيفَةُ: التي يكتب فيها، وجمعها: صَحَائِفُ وصُحُفٌ. قال تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾5، ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾6، قيل: أُريد بها القرآن، وجعله صحفاً فيها كتب من أجل تضمّنه لزيادة ما في كتب الله المتقدّمة. والْمُصْحَفُ: ما جعل جامعاً لِلصُّحُفِ المكتوبة، وجمعه: مَصَاحِفُ"7.
 
وتجدر الإشارة إلى أنّ الأسماء الثلاثة: الكتاب، الذِّكر، الفرقان، هي أسماء مشتركة بين القرآن والكتب السماوية الأخرى. وأمّا اسم "القرآن" فهو الاسم الوحيد الذي اختصّ به كتاب رسالة الإسلام عن كتب باقي الرسالات السماوية. ويُعدّ من أشهر أسماء القرآن: القرآن، ثمّ الفرقان، ثمّ يأتي بعدهما في الشهرة ترتيباً: الكتاب، والذِّكر، والتنزيل8.
 
أوصاف القرآن 
ذكر الباحثون والمفسّرون عدّة صفات للقرآن الكريم، وتفاوتت تحديداتهم في هذا الصدد، تبعاً لاختلاف معاييرهم وأذواقهم في تحديد أسماء القرآن وتمييزها عن صفاته،



1 سورة الشعراء، الآية 192.
2 سورة فصّلت، الآية 2.
3 سورة يس، الآية 5.
4 انظر: الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، ص 799، مادّة "نزل".
5 سورة الأعلى، الآية 19.
6 سورة البينة، الآيتان 2 و 3.
7 الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، ص 476، مادّة "صحف".
8 انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص17.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

63

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 وأبرز هذه الصفات التي اقترنت بأسماء القرآن المشهورة - التي تقدّم ذكرها - وجاءت وصفاً لها:

أ- الحكيم: أي مستقرّ الحكمة. قال تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾1.
 
ب- العزيز: أي عديم النظير، والمنيع، والممتنع من أن يُغلَب. قال تعالى: ﴿...وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾2.
 
ج- العظيم: أي الكبير والقوي. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾3.
 
د- العربي: أي النازل بلغة العرب. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾4.
 
هـ- وغيرها صفات أخرى، من قبيل: البشير5، والشافي6، والقيِّم7، والكريم8، والمبارك9، والمبين10، والمتشابه11، والمثاني12، والمجيد13، والنذير14، وذو الذّكر15، وغير ذي عوج16...



1 سورة يس، الآية 2.
2 سورة فصّلت، الآية 41.
3 سورة الحجر، الآية 87.
4 سورة يوسف، الآية 2.
5 قال تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سورة فصّلت، الآية 4).
6 قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء﴾ (سورة الإسراء، الآية 82).
7 قال تعالى: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الكهف، الآيتان 1و2).
8 قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (سورة الواقعة، الآية 77).
9 قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ (سورة الأنبياء، الآية 50).
10 قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ (سورة الحج، الآية 16).
11 قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا...﴾ (سورة الزمر، الآية 23).
12 قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ (سورة الزمر، الآية 23).
13 قال تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (سورة ق، الآية 1).
14 قال تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سورة فصلت، الآية 4).
15 قال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (سورة ص، الآية 1).
16 قال تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (سورة الزمر، الآية 28).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
82

64

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 لغة القرآن

إنّ لغة القرآن هي اللغة العربية، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بعدّة تعابير، من قبيل: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾1، و﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ﴾2 أو ﴿لِّسَانًا عَرَبِيًّا﴾3، و﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾4.
 
وأمّا اختيار اللغة العربية لتكون لغة القرآن الكريم، فيعود إلى نكات دقيقة، أبرزها التالي:
أ- جاء نزول القرآن باللغة العربية استناداً إلى أصل عامّ وسنّة إلهية في الإنذار والتبشير، مفادها: اتّحاد لغة كلّ رسول مع لغة قومه. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ...﴾5. وهذه القاعدة العامّة في إرسال الرسل، تنطبق أيضاً على إنزال الكتب السماوية. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا...﴾6.
 
ومن هذا المنطلق، فإنّ نزول القرآن باللغة العربية أمر طبيعي موافق للسنّة الإلهية في الإنذار والتبشير. وهذا لا يتنافى مع رسالة الإسلام العالمية، ودعوته العامّة على مدى العصور والأجيال، ولا مع ما جاء به القرآن من هداية عامّة لكافّة الناس، بقوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...﴾7. وأمّا إنذار الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأهل مكة، الذي ورد في سورة الشورى، فلم يكن إلا لأنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان في المراحل الأولى من حركته العالمية، مكلّفاً بدعوة قومه وهداية أبناء بيئته. ومن غير المعقول أن يُؤمَر صلى الله عليه وآله وسلم بإرشاد الناس وهدايتهم، ثمّ يعرض عليهم كتاباً بلغة غريبة عنهم.
 
ب- يرى علماء اللغة أنّ اللغة العربية تمتاز عن اللغات الأخرى بأنّها واسعة جدّاً، ولها قدرة عالية على حكاية المفاهيم المعنوية العالية والسامية التي يطرحها القرآن، أكثر من غيرها من اللغات الأخرى. تتميّز اللغة العربية عن اللغات الأخرى بكثرة المفردات، واشتقاق الكلمات، ووفرة قواعدها، وفصاحتها، وبلاغتها...



1 سورة يوسف، الآية 5، طه، الآية 113، الزمر، الآية 28، فصّلت، الآية 3، الشورى، الآية 7، الزخرف، الآية 3.
2 سورة النحل، الآية 103.
3 سورة الأحقاف، الآية 12.
4 سورة الرعد، الآية 37.
5 سورة إبراهيم، الآية 4.
6 سورة الشورى، الآية 7.
7 سورة البقرة، الآية 185.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

65

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 وقد اختار الله تعالى اللغة العربية لتكون لغة للقرآن الكريم، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾1، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾2.

 
وهاتان الآيتان تكشفان عن حقيقة أنّ إكساء القرآن باللغة العربية مُسنَد إلى الله تعالى، وهو الذي أنزل معنى القرآن ومحتواه بقالب اللفظ العربي، ليكون قابلاً للتعقّل والتأمّل. وفي الآية الواردة في سورة الزخرف يقول تعالى - بعد بيان أنّ لغة القرآن هي العربية -: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وفي ذلك دلالة ما على أنّ لألفاظ الكتاب العزيز من جهة تعيّنها، بالاستناد إلى الوحي، وكونها عربية، دخلاً في ضبط أسرار الآيات وحقائق المعارف. ولو أنّه تعالى أوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعناه، وكان اللفظ الحالي له هو لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما في الأحاديث القدسية -مثلاً-، أو تُرجِم إلى لغة أخرى، لخفي بعض أسرار آياته البيّنات عن عقول الناس ولم تنله عقولهم وأفهامهم3.
 
ج- أكّد القرآن الكريم على صفة كونه بلسان عربي في وجه مَنْ زعموا أنّ هناك شخصاً يُعلِّم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم القرآن: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾4
 
ويُراد بـ ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾: أنّه غير صحيح، فـ"الإعجام: الإبهام. والعجم خلاف العرب، والعجمي منسوب إليهم. والأعجم: مَنْ في لسانه عجمة، عربياً كان، أم غير عربي"5.
 
وورد في حديث جاء جواباً عن معنى ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾: "يبيّنُ الألسُنَ، ولا تُبيّنهُ الألسُنُ"6.
 
ومن هنا، فالمراد بالعربية هو: بيان حقيقة أنّ اللغة العربية لغة الفصاحة والوضوح والخلو من التعقيد والإبهام، في مقابل الأعجمي المبهم وغير الواضح والمعقّد، وقد اختارها الله تعالى ليُبيّن بها معارف وحقائق راقية، بلغة فصيحة وبليغة.



1 سورة يوسف، الآية 2.
2 سورة الزخرف، الآية 3.
3 انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج11، ص75.
4 سورة النحل، الآية 103.
5 انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 549، مادّة "عجم".
6 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 632.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

66

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 المفاهيم الرئيسة

- تعدّدت الأقوال في تحديد معنى القرآن وأصله الاشتقاقي اللغوي. وأقواها وأصوبها أنّه: اسم مهموز مصدر لقرأتُ، بمعنى التلاوة، سُمّي به الكتاب المقروء.

- أبرز أسماء القرآن: القرآن، الفرقان، الذِّكْر، الكتاب، التنزيل، المصحف.

- حقيقة القرآن هي حقيقة إلهية تنطوي على أعمق المعارف المعنوية. وقد قضى الله تعالى أن يُلبِسَ هذه الحقيقة لباس الألفاظ، ليتسنّى للناس فهم القرآن.

- من أوصاف القرآن الكريم: البشير، الحكيم، الشافي، العربي، العزيز، العظيم، القيّم، الكريم...

- إنّ القرآن نزل بالعربية وذلك لأنّ العربية لغة الفصاحة والوضوح والخلو من التعقيد والإبهام، في مقابل الأعجمي المبهم وغير الواضح والمعقّد، وقد اختارها الله تعالى ليُبيّن بها معارف وحقائق راقية، بلغة فصيحة وبليغة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

67

الدرس السادس: أسماء القرآن وأوصافه

 للمطالعة

 
قراءة القرآن والعمل به
وقد حذّرت الأحاديث الشّريفة بشدّة من قارئ القرآن الذي لا يعمل به ولا يُطبّقه على نفسه، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال في حديث: "من تعلّم القرآن فلم يعمل به وآثر عليه حبّ الدُّنيا وزينتها استوجب سخط الله وكان في الدرجة مع اليهود والنصارى الذين ينبذون كتاب الله وراء ظهورهم، ومن قرأ القرآن وأراد به السمعة والوصول إلى الدُّنيا لقي الله ووجهه عظم لا لحم فيه وزجّه القرآن على قفاه حتَّى يدخل النَّار ويسقط في النَّار مع الذين سقطوا، ومن قرأ القرآن ولم يعمل به حشره الله يوم القيامة أعمى فيقول ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾1 فيؤمر به إلى النَّار، ومن قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وتفقّهاً في الدِّين كان له من الثواب مثل جميع ما يُعطى الملائكة والأنبياء والمرسلون، ومن تعلّم القرآن يريده رياء وسمعة ليُماري به السفهاء ويُباهي به العلماء ويطلب به الدُّنيا بدّد الله عزّ وجلّ عظامه يوم القيامة ولم يكن في النَّار أشدّ عذاباً منه وليس نوع من أنواع العذاب إلا ويُعذّب من شدّة غضب الله عليه وسخطه، ومن تعلّم القرآن وتواضع في العلم وعلّم عباد الله يريد ما عند الله لم يكن في الجنَّة أعظم ثواباً منه ولا أعظم منزلة منه ولم يكن في الجنَّة منزلة ولا درجة رفيعة ولا نفيسة إلا كان له فيها أوفر النصيب وأشرف المنازل"2.



1 سورة طه، الآيتان 125 و126.
2 الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج6، ص183.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

68

الدرس السابع: الوحي

 الدرس السابع: الوحي



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف معنى الوحي في اللغة والقرآن.
2- يُعدِّد أنحاء الوحي الرسالي.
3- يتعرّف على أنحاء الوحي عند النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

69

الدرس السابع: الوحي

 الوحي في اللّغة

الوحي ـ في اللّغة ـ إعلام سريع خفيّ، سواء أكان بإيماءَة أو هَمْسة أو كتابة في سرّ، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك في سرعة خاطفةٍ حتّى فهمه فهو وحي.
 
قال تعالى عن زكريا عليه السلام: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾1. أي أشار إليهم على سبيل الرّمز والإيماء.
 
ولعلّ الخفاء في مفهوم الوحي جاء من قبل اعتبار السّرعة فيه، فالإيماءَة السريعة تخفى ـ طبعاً ـ على غير المومى إليه.
 
الوحي في القرآن
استعمله القرآن في معانٍ أربعة:
1- معناه اللّغوي وهو إعلام سريع خفي، وقد ذُكر في آية مريم.
 
2- تركيز غريزي فطري، وهو تكوين طبيعيّ مجعول في جبلّة الأشياء، ومِنْهُ قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾2.
 
فهي تسلك وفق فطرتها وتستوحي من باطن غريزتها، مذلّلة لما أودع فيها من غريزة العمل المنتظم ومن ثَمّ فهي لا تعدل عن تلك السبيل.
 
3- إلهام نفسي، وهو شعور في الباطن، يحسّ به الإنسان إحساساً يخفى عليه مصدره أحياناً، وأحياناً يلهم أنّه من الله وقد يكون من غيره تعالى.



1 سورة مريم، الآية 11.
2 سورة النحل، الآيتان 68 و 69.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

70

الدرس السابع: الوحي

 ومن الإلهام الرحماني قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾1.

 
والتعبير بالوحي عن وسواس الشيطان جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾2.
 
والتعبير بالوحي عمّا يُلقيه الله إلى الملائكة من أمره ليفعلوه من فورهم جاء في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾3.
 
4- الوحي الرسالي، وهو معنى رابع استعمله القرآن في أكثر من سبعين موضعاً معبّراً عن القرآن أيضاً بأنّه وحي أُلقي على النّبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾4، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾5.
 
أنحاء الوحي الرسالي
الوحي الرسالي يتحقّق على أنحاء ثلاثة كما جاءت في الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾6.
 
فالصورة الأولى: إلقاء في القلب ونفث في الروع.
 
والثانية: تكليم من وراء حجاب بخلق الصوت في الهواء بما يقرع مسامع النّبي7 ولا يرى شخص المتكلّم.



1 سورة القصص، الآية 7.
2 سورة الأنعام، الآية 121.
3 سورة الأنفال، الآية 12.
4 سورة يوسف، الآية 3.
5 سورة الشورى، الآية 7.
6 سورة الشورى، الآية 51.
7 لكن لا بهذه الأذن المادّيّة وإلّا لسمعه الآخرون أيضاً بل بذلك السمع الذي يخصّ باطنه، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ (سورة البقرة، الآية 97).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

71

الدرس السابع: الوحي

 والثالثة: إرسال ملك الوحي فيبلّغه إلى النّبي، إمّا عياناً، أو لا يراه ولكن يستمع إلى رسالته. إذن فالفارق بين الوحي الرسالي وسائر الإيحاءات المعروفة، هو جانب مصدره الغيبي اتّصالاً بما وراء المادّة.

 
ملحوظة: بما أنّ الوحي ظاهرة روحيّة فإنّه بأيّ أقسامه إنّما كان مهبطه قلبه الشريف، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾1، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾2، والقلب هو لبّ الشيء وحقيقته الأصليّة.
 
قال السيّد الطباطبائي قدس سره: "هذا إشارة إلى كيفيّة تلقّيه صلى الله عليه وآله وسلم القرآن النازل عليه وأنّ الذي كان يتلقّاه من الرّوح هي نفسه الكريمة من غير مشاركة الحواسّ الظاهرة التي هي أدوات لإدراكات جزئيّة خارجيّة... فكان صلى الله عليه وآله وسلم يرى شخص الملك ويسمع صوت الوحي، لكن لا بهذه السمع والبصر المادّيتين وإلّا لكان أمراً مشتركاً بينه وبين غيره، ولم يكن يسمع أو يبصر هو دون غيره. فكان يأخذه بَرْحاء الوحي وهو بين الناس فيوحى إليه ولا يشعر الآخرون الحاضرون..."3.
 
اللّهم سوى ما ورد بشأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، كان يرى ما يراه النّبي صلى الله عليه وآله وسلم ويسمع ما يسمعه إلّا أنّه ليس بنبيّ، وورد في بعض الروايات أنّ عليّاً عليه السلام كان يسمع ولا يرى. كما قال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم4.
 
أنحاء الوحي بالنسبة إلى نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم
هذه أنحاء الوحي بصورة إجمالية. أمّا بالنسبة إلى نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلمفكان يأتيه الوحي تارة في المنام، وهذا ـ أكثرياً ـ كان في بدء نبوّته. وأخرى وحيّاً مباشريّاً من جانب الله، بلا توسيط ملك. وثالثة مع توسيط جبرئيل عليه السلام. وإليك بعض التفصيل:



1 سورة البقرة، الآية 97.
2 سورة الشعراء، الآيتان 193 و 194.
3 السيد الطباطبائي، تفسير الميزان، ج 15، ص 346. بَرْحاء الوحي: شدّة ألمه والإحساس بِكَرْبِهِ.
4 الشريف الرضي، خطب الإمام علي عليه السلام، نهج البلاغة، الخطبة القاصعة 192، صبحي الصالح.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

72

الدرس السابع: الوحي

 1- الرؤيا الصادقة

كان أوّل ما بدىء به من الوحي الرؤيا الصادقة، كان صلى الله عليه وآله وسلملا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح.
 
رُوي عن الإمام الباقر عليه السلام: "وأمّا النّبي فهو الذي يرى في منامه، نحو رؤيا إبراهيم عليه السلام ونحو ما كان رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أسباب النبوّة قبل الوحي، حتّى أتاه جبرائيل عليه السلام من عند الله بالرّسالة..."1.
 
قوله: "قبل الوحي" أي قبل الوحي الرّسالي المأمور بتبليغه. لأنّ هذا البيان تفسير لمفهوم "النّبي" قبل أن يكون رسولاً، وهو إنسان أوحي إليه من غير أن يكون مأموراً بتبليغه. فهو يتّصل بالملأ الأعلى اتّصالاً روحيّاً، وينكشف له الملكوت كما حصل لنبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم قبيل بعثته المباركة.
 
ولكن لم يعهد نزول قرآن عليه في المنام، نعم ربّما كانت بعض رؤاه أسباباً لنزول القرآن كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ...﴾2.
 
فقد رأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك عام الحديبية (سنة الست من الهجرة) وصدقت عام الفتح (سنة الثمان من الهجرة).
 
2- نزول جبرائيل
كان الملك الذي ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي هو جبرائيل عليه السلام، فكان يُلقيه على مسامعه الشريفة، فتارة يراه، إمّا في صورته الأصليّة أو في صورة أخرى ـ وهذا حصل مرّتين.
 
والمرّتان كانت إحداهما في بدء الوحي بحراء. ظهر له جبرائيل في صورته الأصليّة التي خلقه الله عليها، مالئاً أُفق السماء من المشرق والمغرب، فتهيّبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم تهيّباً بالغاً، فنزل عليه جبرائيل في صورة الآدميّين فضمّه إلى صدره، فكان لا ينزل عليه بعد ذلك إلّا في صورة بشر جميل.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 176، ح 3. العلامة المجلسي، وبحار الأنوار: ج 18، ص 266، ح 27.
2 سورة الفتح، الآية 27.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

73

الدرس السابع: الوحي

 والثانية كانت باستدعائه صلى الله عليه وآله وسلمأن يريه نفسه مرّة أخرى على صورته التي خلقه الله، فأراه صورته فسدّ الأفق فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾1 كانت المرّة الأولى، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾2 كانت المرّة الثانية، على ما جاءت في الروايات3.

 
ثمّ إنّ جبرائيل عليه السلام إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل حتّى يستأذنه وإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد كما جاء في رواية الإمام الصادق عليه السلام4.
 
أمّا نزول الملك عليه بالوحي من غير أن يراه فكثير أيضاً، إمّا إلقاءً على مسامعه وهو يصغي إليه أو إلهاماً في قلبه فيعيه بقوّة.
 
3- ولعلّ أكثرية الوحي كان مباشريّاً لا يتوسّطه ملك، على ما جاء في وصف الصّحابة حالته صلى الله عليه وآله وسلم، ساعةَ نزولِ الوحي عليه.
 
قال الشيخُ الصدوقُ: إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكونُ بينَ أصحابه فيُغْمى عليه وهو يَتَصابُّ عَرَقاً فإذا أفاق قال: قال اللهُ كذا وكذا وأمَرَكُم بكذا ونَهاكم عن كذا. قال: وكان يَزْعَمُ أكثرُ مخالفينا أنّ ذلك كان عند نزولِ جبرائيلَ، فسُئِل الإمام الصادق عليه السلام عن الغشية التي كانت تأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكانت عند هبوط جبرائيل عليه السلام؟ فقال: "لا. إنّ جبرائيل كان إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل حتّى يستأذنه، وإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد. وإنّما ذاك عند مخاطبة الله عزّ وجلّ إيّاه بغير ترجمانٍ وواسطةٍ"5.



1 سورة النجم، الآية 7.
2 سورة النجم، الآية 13.
3 الطبرسي، مجمع البيان: ج 9، ص173 و 175 وج 10، ص 446، وتفسير الصافي، ج 2، ص 618.
4 الشيخ الصدوق، كمال الدين، ص 85.
5 م.ن، ص 85، العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 18، ص260.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

74

الدرس السابع: الوحي

 المفاهيم الرئيسة

- الوحي ـ في اللّغة ـ إعلام سريع خفيّ، سواء أكان بإيماءَة أو هَمْسة أو كتابة في سرّ
 
- استعمل القرآن الوحي في معانٍ أربعة:
1- معناه اللّغوي وهو إعلام سريع خفي، وقد ذُكر في آية مريم.
2- تركيز غريزي فطري.
3- إلهام نفسي.
4- الوحي الرسالي.
 
- الوحي الرسالي يتحقّق على أنحاء ثلاثة كما جاءت في الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيّ حَكِيمٌ﴾.
 
فالصورة الأولى: إلقاء في القلب ونفث في الروع.
 
والثانية: تكليم من وراء حجاب بخلق الصوت في الهواء بما يقرع مسامع النّبي ولا يرى شخص المتكلّم.
 
والثالثة: إرسال ملك الوحي فيبلّغه إلى النّبي.
 
- النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كان يأتيه الوحي تارة في المنام، وهذا ـ أكثرياً ـ كان في بدء نبوّته. وأخرى وحياً مباشريّاً من جانب الله، بلا توسيط ملك. وثالثة مع توسيط جبرئيل عليه السلام.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

75

الدرس السابع: الوحي

 للمطالعة

 
التفكّر في آيات الله
من آداب قراءة القرآن المهمَّة، التفكُّر. والمقصود من التفكُّر أن يبحث في الآيات الشّريفة عن المقصد والمقصود من كلّ آية. وأحسن التعبير فيه ما قاله الخواجة عبد الله الأنصاري حيث عرّف التفكُّر بأنّه: "تلمّس البصيرة لاستدراك البغية"1، يعني أنَّ التفكُّر هو التجسّس والبحث بواسطة نور البصيرة2 للوصول إلى المقصد والمقصود من كلّ آية شريفة. 
 
ومن المعلوم أنّ المقصد الأساس من وراء القرآن ومن وراء كلّ آية فيه هو الوصول إلى السَّعادة المطلقة التي تحصل بالكمال العلمي والعملي.
 
الهدف من التفكُّر
من مقاصد القرآن الكريم كما تُبيِّنُ هذه الصَّحيفة النُّورانية هو الهداية إلى سبل السَّلام والخروج من جميع مراتب الظلمات إلى عالم النور، والهداية إلى الطريق المستقيم: ﴿قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾3، وتحصيل هذه الهداية ومراتب السَّلامة تبدأ من المرتبة الدَّانية الرَّاجعة إلى قوى الإنسان الحسّية إلى منتهى النهاية، وهي الوصول إلى مقام القلب السليم، الذي على ما ورد ذكره عن أهل البيت عليهم السلام أنّ حقيقته أن يُلاقيَ الإنسان الحقّ وليس في قلبه غيره عزّ وجلّ4
 
وتحصيل هذه الهداية غير ممكن إلا من خلال التفكُّر. فتكون سلامة القوى الحسّية والمعنويّة ضالة قارئ القرآن، فإنّها موجودة في هذا الكتاب السماوي ولا بدّ أن يستخرجها بالتفكُّر. وإذا صارت قوى الإنسان الحسّية والمعنويّة سالمة من التصرّف الشَّيطاني وسلك طرق السلامة وعمل بها، فإنَّه في كلّ مرتبة من السلامة 



1 عبد الله الأنصاري، منازل السائرين، مؤسسة دار العلم، مطبعة القدس – قم، ط 1، 1417هـ، باب التفكُّر.
2 وهي بصر القلب لا بصر العين.
3 سورة المائدة، الآيتان 15 و 16.
4 عن أبي عبد الله عليه السلام قَال: سألته عن قَول الله عزّ وجلّ: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سورة الشعراء، الآية 98) قال: "القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه". العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج67، ص 239.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

76

الدرس السابع: الوحي

 تحصل له ينجو من الظلمة ويتجلّى فيه النور الإلهيّ الساطع قهراً، حتَّى إذا خلص من جميع أنواع الظلمات التي أوّلها ظلمات عالم الطَّبيعة بجميع شؤونها وآخرها ظلمة التوجّه إلى غير الحقّ عزّ وجلّ، يتجلّى النور المطلق في قلبه ويهديه إلى طريق الإنسانية المستقيم وهو في هذا المقام طريق الربّ: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾1




1 سورة هود، الآية 56.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

77

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 الدرس الثامن: تاريخ القرآن



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يفهم معنى النزول ويُعدّد الأقوال فيه.
2- يعرف أوّل وآخر ما نزل من القرآن.
3- يشرح الفروق بين المكّي والمدني.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
97

78

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 مقدمة

هناك مسألة ذات أهميّة تمسّ جانب نزول الوحي قرآناً، وارتباطه مع بدء الرسالة، حيث اقترنت البعثة ـ وكانت في شهر رجب ـ بنزول شيء من القرآن (خمس آيات من أوّل سورة العلق) في حين تصريح القرآن بنزوله في ليلة القدر من شهر رمضان فما وجه التوفيق؟
 
وهكذا تعيين المدّة التي نزل القرآن خلالها تدريجاً، والسور التي نزلت قبل الهجرة لتكون مكّيّة ـ اصطلاحاً ـ والتي نزلت بعدها لتكون مدنيّة.
 
معنى النزول
النون والزاء واللام كلمة صحيحة تدلّ على هبوط شيء ووقوعه... والتنزيل ترتيب الشيء ووضعه منزله1. والفَرْقُ بَيْنَ الإِنْزَالِ والتَّنْزِيلِ في وَصْفِ القُرآنِ والملائكةِ: أنّ التَّنْزِيل يختصّ بالموضع الذي يُشِيرُ إليه إنزالُه مفرَّقاً، ومرَّةً بعد أُخْرَى، والإنزالُ عَامٌّ، فممَّا ذُكِرَ فيه التَّنزيلُ قولُه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ...﴾2 ... وممّا ذُكِرَ فيه الإنزال وأُريد به الدفعة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾3.4



1 ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ص 417.، ج5، مادّة "نزل".
2 سورة الشعراء، الآيتان 193 و 194.
3 سورة القدر، الآية 1.
4 الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 799 – 800، مادّة "نزل".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

79

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 الأقوال في نزول القرآن

ذُكِرَ في نزول القرآن عدّة أقوال1، أبرزها:
أ- القول الأوّل: وهو قول المشهور من العلماء والمفسّرين، ومفاده: أنّ القرآن نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً مدّة إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنّه قَالَ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي لَيْلَةِ الَقَدْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى السَمَاءِ الدُّنْيَا وَكَانَ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَكَانَ اللهُ يُنَزِّلُهُ عَلَى رَسُولِ الِلهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضُهُ فِي إِثْرِ بَعْضٍ"2.
 
وقد تعرّضت مجموعة من الروايات لنزول القرآن إلى السماء الدنيا، فأشار بعضها لنزول القرآن إلى السماء الرابعة، وبعضها الآخر لنزوله إلى البيت المعمور أو إلى بيت العزّة وهو في السماء الرابعة. ولكنّها لم توضّح حقيقة المراد من السماء الدنيا أو السماء الرابعة أو البيت المعمور أو بيت العزّة3.
 
ب- القول الثاني: نزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ما قدَّر الله إنزاله في هذه السنة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً طيلة السنة. وهكذا كلّ سنة حتى رحيله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
ج- القول الثالث: ابتدأ إنزاله في ليلة القدر، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً في أوقات مختلفة حتى رحيله صلى الله عليه وآله وسلم.
 
د- القول الرابع: أنّه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأنّ الحفظة نجّمته على جبريل في عشرين ليلة، وأنّ جبريل نجّمه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عشرين سنة، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ عِنْدِ الِلهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَنَجَّمَتْهُ السَّفَرَةُ عَلَى جِبْرِيلَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَجَّمَهُ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرِينَ سَنَةً"4.



1 الأقوال الأربعة الأولى ذكرها السيوطي في كتابه الإتقان. انظر: السيوطي، الإتقان، ج1، ص146-149. والقول الرابع ذكره العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسيره الميزان. انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص15-18.
2 النيسابوري، أبو عبدالله: المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 530، إشراف يوسف عبد الرحمن المرعشلي، لاط، لام، لان، لات، ج2، تفسير سورة إنّا أنزلناه.
3 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص628-629، النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج2، ص222.
4 السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص119.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
100

80

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 هـ. القول الخامس: التفريق بين الإنزال والتنزيل: وهو ما ذهب إليه العلّامة الطباطبائي قدس سره، حيث أفاد: "أنّ الإنزال دفعي والتنزيل تدريجي... فقوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾1، ظاهر في نزوله تدريجاً في مجموع مدّة الدعوة، وهي ثلاث وعشرون سنة تقريباً، والمتواتر من التاريخ يدلّ على ذلك، ولذلك ربما استشكل عليه بالتنافي "مع آيات أخرى يستفاد من مجموعها نزول القرآن في ليلة القدر". والذي يُعطيه التدبّر في آيات الكتاب...: أنّ الآيات الناطقة بنزول القرآن في شهر رمضان أو في ليلة منه إنّما عبّرت عن ذلك بلفظ الإنزال الدالّ على الدفعة دون التنزيل، كقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ...﴾2 ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ...﴾3 ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾4... وبالجملة، فإنّ المتدبّر في الآيات القرآنية لا يجد مناصاً عن الاعتراف بدلالتها على كون هذا القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم تدريجاً متّكئاً على حقيقة متعالية عن أن تُدركها أبصار عقول العامّة أو تتناولها أيدي الأفكار المتلوّثة بألواث الهوسات وقذارات المادّة، وأنّ تلك الحقيقة أُنزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنزالاً، فعلّمه الله بذلك حقيقة ما عناه بكتابه5.

 
فوائد النزول التدريجي
إنّ نزول القرآن منجّماً طيلة مدّة البعثة النبوية الشريفة يحمل في طيّاته فوائد وآثاراً بالغة الأهمّيّة، ما كانت لتترتّب لو نزل دفعة واحدة فقط. ومن هذه الفوائد والآثار:
أ- ردّ القرآن على اعتراض الكفّار على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾6.



1 سورة الإسراء، الآية 106.
2 سورة البقرة، الآية 185.
3 سورة الدخان، الآية 3.
4 سورة القدر، الآية 1.
5 السيّد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص15-18.
6 سورة الفرقان، الآية 32.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

 


81

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 ب- في النزول التدريجي تثبيت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومواساة لقلبه الشريف، وكذلك للمؤمنين من باب أولى، قال تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾1.

 
ج- إنّ نزول المعارف الدينية بشكل تدريجي تُتيح للناس أن يُنظّموا شؤون حياتهم الفردية والاجتماعية وفقاً له، ويصلوا من خلال ذلك إلى مرحلة الكمال. وهذا من أفضل أساليب التعليم والتربية، قال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾2.
 
د- أتاح النزول التدريجي الفرصة للصحابة لكي يحفظوا آياته بسهولة. وهذا ما أدّى إلى المساهمة في تفويت الفرصة على أعداء الدِّين الذين أعدّوا العدّة لتحريف القرآن وإطفاء نور الهداية الإلهية.
 
أوّل ما نزل من القرآن
ما هي أوّل آية أو سورة نزلت من القرآن؟
فإن كانت هي سورة العلق أو أيّاً منها فلم سُمّيت سورة الحمد بفاتحة الكتاب؟ إذ ليس المعنى أنّها كُتبت في بدء المصاحف لأنّ هذا الترتيب شيء حصل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لا أقلّ في عهد متأخّر من حياته ـ فرضاً ـ في حين أنّها كانت تُسمّى بفاتحة الكتاب منذ بداية نزولها كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب"3.
 
والأقوال في ذلك ثلاثة:
1- سورة العلق
في تفسير الإمام عليه السلام: "هبط إليه جبرائيل وأخذ بضبعه وهزَّه، فقال: يا محمّد! اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: يا محمّد! ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾4"5.



1 سورة يس، الآية 76.
2 سورة الإسراء، الآية 106.
3 ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللئالي، تحقيق آقا مجتبى العراقي، مطبعة سيد الشهداء – قم، ط 1، 1983م.
4 سورة العلق، الآيات 1 – 5.
5 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 18، ص 206.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

82

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 2- سورة المدَّثِّر

روي عن ابن سلمة، قال: سألت جابر بن عبد الله الأنصاري: أيّ القرآن أُنزل قبل؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قلتُ: أو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟ أحَدِّثكم ما حدَّثنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّي جاورت بحراء، فلّما قضيت جواري نزلت فاستنبطت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي ـ ولعلّه سمع هاتفاً ـ ثمّ نظرتُ إلى السماء فإذا هو ـ يعني جبرائيل ـ فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثّروني، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾1"2.
 
ولعلّ جابراً اجتهد من نفسه أنّها أوّل سورة نزلت، إذ ليس في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دلالة على ذلك والأرجح أنّ ما ذكره جابر كان بعد فترة انقطاع الوحي فظنّه جابر بدء الوحي3. حيث روى جابر حديث فترة انقطاع الوحي أيضاً: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلميُحدّث عن فترة انقطاع الوحي، قال: "فبينما أنا أمشي إذ سمعت هاتفاً من السماء، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالساً على كرسيّ بين السماء والأرض، فجثثت منه فرقاً ـ أي فزعت ـ فرجعت ـ فقلت: زمِّلُوني زمِّلوني فدثَّروني، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾4 ـ وهي الأوثان ـ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ثمّ تتابع الوحي"5.
 
3- سورة الفاتحة
قال الزمخشري: أكثر المفسّرين على أنّ الفاتحة أوّل ما نزل6.
 
وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: "سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ثواب القرآن، فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء فأوّل ما نزل عليه بمكّة: فاتحة الكتاب، ثم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾"7.



1 سورة المدثر، الآيتان 1 و 2.
2 محمد بن مسلم النيسابوري، صحيح مسلم، ج 1، ص 99، نشر دار الفكر - لبنان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
3 الزركشي، البرهان، ج 1، ص 206، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ط 1، 1957م.
4 سورة المدثر، الآيات 1 - 5.
5 صحيح مسلم، ج 1، ص 98.
6 الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 775، مكتبة مصطفى البابي الحلي وأولاده، 1966م.
7 الطبرسي، مجمع البيان، ج 10، ص 405.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

83

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 ولا شكّ أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُصلّي منذ بعثته، وكان يُصلّي معه عليّ وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة1 فقد ورد في الأثر: أوّل ما بدأ به جبرائيل أن علّمه الوضوء والصلاة2، فلا بدّ أنّ سورة الفاتحة كانت مقرونة بالبعثة.

 
وبعد... فلا نرى تنافياً جوهريّاً بين الأقوال الثلاثة نظراً لأنّ الآيات الثلاث أو الخمس من أوّل سورة العلق إنّما نزلت تبشيراً بنبوّته صلى الله عليه وآله وسلم وهذا إجماع أهل الملّة. ثمّ بعد فترة جاءته آيات ـ أيضاً ـ من أوّل سورة المدّثِّر كما جاء في حديث جابر ثانياً.
 
أمّا سورة الفاتحة فهي أوّل سورة نزلت بصورة كاملة وبسمة كونها سورة من القرآن كتاباً سماوّياً للمسلمين.
 
ومن هنا صحّ التعبير عن سورة الحمد بسورة الفاتحة أي أوّل سورة كاملة نزلت بهذه السمة الخاصّة.
 
آخر ما نزل من القرآن
هناك أقوال:
1- سورة النصر
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "وآخر سورة نزلت: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾3"4.
 
2- سورة براءة
روي أنّها آخر سورة نزلت. نزلت في السنة التاسعة بعد عام الفتح عند مرجعه صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك، نزلت آيات من أوّلها فبعث بها النبي مع عليّ عليه السلام ليقرأها على ملأ من المشركين5.
 
3- روي أنّ آخر آية نزلت هي آية: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ 



1 القمي علي بن إبراهيم، تفسير علي بن إبراهيم القمي، ص 353.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 18، ص 184، ح 14 وص 194، ح 30.
3 سورة النصر، الآية 1.
4 السيد هاشم البحراني، تفسير البرهان، ج 1، ص 29.
5 م.ن، ج 1، ص 680.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

84

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾1 نزل بها جبرائيل، وقال: ضعها في رأس المأتين والثمانين من سورة البقرة، وعاش الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أحداً وعشرين يوماً، وقيل: سبعة أيام2.

 
4- روي أنّ آخر آية نزلت هي آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾3.
 
قال اليعقوبي: كان نزولها يوم النّص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بغدير خم4.
 
الجمع بين الأقوال:
لا شكّ أنّ سورة النّصر نزلت قبل براءة لأنّها كانت بشارة بالفتح أو بمكّة عام الفتح5 وبراءة نزلت بعد الفتح بسنة.
 
فطريق الجمع بين هذه الروايات: أنّ آخر سورة نزلت كاملة هي سورة النّصر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أما إنّ نفسي نعيت إليّ. وآخر سورة نزلت باعتبار مفتتحها هي سورة براءة. وأمّا آية ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ...﴾ فإن صحّ أنّها نزلت بمنى يوم النحر في حجّة الوداع ـ كما جاء في رواية الماوردي6 ـ فآخر آية نزلت هي آية الإكمال ـ كما ذكرها اليعقوبي ـ لأنّها نزلت في مرجعه صلى الله عليه وآله وسلم من حجّة الوداع في الثامن عشر من ذى الحجّة. وإلّا فلو صحّ أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاش بعد آية: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ...﴾ أحداً وعشرين يوماً أو سبعة أيّام، فهذه هي آخر آية نزلت عليه صلى الله عليه وآله وسلم.
 
والأرجح ما ذهب إليه اليعقوبي، نظراً لأنّها آية الإعلام بكمال الدِّين، فكانت إنذراً بانتهاء الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم بالبلاغ والأداء. فلعلّ تلك الآية كانت آخر آيات الأحكام، وهذه آخر آيات الوحي إطلاقاً.



1 سورة البقرة، الآية 281.
2 السيد عبدالله شبّر، تفسير شبّر، ص 83.
3 سورة المائدة، الآية 3.
4 أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 35.
5 أسباب النزول بهامش الجلالين، ج 2، ص 165.
6 الزركشي، البرهان، ج 1، ص 187.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

85

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 المكّي والمدني

لمعرفة المكّي والمدنيّ فائدة كبيرة تمسّ جوانب أسباب النزول وتمدّ المفسّر والفقيه في تعيين اتّجاه الآية وفي مجال معرفة الناسخ من المنسوخ، والخاصّ من العامّ، والقيد من الإطلاق، وما أشبه، وفي تعيين المكّي والمدنيّ ثلاث نظريات:
الأولى: ما نزل قبل الهجرة أو في أثناء الطريق قبل وصوله إلى المدينة فهو مكّي وما نزل بعد ذلك ولو في غير المدينة حتى ولو نزل في مكّة عام الفتح أو في حجة الوداع فهو مدنيّ.
 
الثانية: ما نزل بمكّة وحواليها ـ ولو بعد الهجرة ـ فهو مكّي، وما نزل بالمدينة وحواليها فهو مدنيّ وما نزل خارجاً عنهما فهو لا مكّي ولا مدنيّ.
 
الثالثة: كلّ شيء نزل فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو بمكّة وكلّ شيء نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو بالمدينة1.
 
قال الزركشي: لأنّ الغالب على أهل مكّة الكفر، والغالب على أهل المدينة الإيمان2.
 
والمشهور الذي جرى عليه أكثرية أهل القلم هو الاصطلاح الأوّل40. وكان التحديد الآتي في نظم السور حسب ترتيب نزولها معتمداً على هذا الاصطلاح.
 
ترتيب النّزول
اعتمدنا في هذا العرض على عدّة روايات متّفق عليها وثق بها العلماء أكثرياً وعمّدتها رواية ابن عباس بطرق وأسانيد اعترف بها أئمة الفن3.
 
والنظر في هذا العرض كان إلى مفتتح السّور، فالسورة إذا نزلت من أوّلها بضع آيات، ثم نزلت أخرى، وبعدها اكتملت الأولى، كانت الأولى متقدّمة على الثانية في ترتيب النزول، حسب هذا الاصطلاح، لكن هذا التحديد لم يكن متفقاً عليه عند الجميع.
 
وقد وضعنا في صفحة المطالعة لهذا الدرس قائمة السّور المكّية، وعددها: ستّ وثمانون سورة، متقدمة على السّور المدنيّة، وعددها: ثمان وعشرون سورة، مع غضّ النظر عن السور المختلف فيها.



1 الزركشي، البرهان، ج 1، ص 190.
2 م.ن، ج 1، ص 187.
3 راجع البرهان: ج 1، ص 187.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
106

86

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 المفاهيم الرئيسة

- التنزيل يدلّ على هبوط شيء ووقوعه... والتنزيل ترتيب الشيء ووضعه منزله.
 
- ذُكِرَ في نزول القرآن عدّة أقوال، أبرزها:
الأول: أنّ القرآن نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً مدّة إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة.
 
الثاني: أنّ القرآن نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً مدّة إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة.
 
الثالث: ابتدأ إنزاله في ليلة القدر، ثمّ نزل بعد ذلك منجّماً في أوقات مختلفة حتى رحيله صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: أنّه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة، وأنّ الحفظة نجّمته على جبريل في عشرين ليلة، وأنّ جبريل نجّمه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عشرين سنة.
 
الخامس: التفريق بين الإنزال والتنزيل: وهو ما ذهب إليه العلّامة الطباطبائي قدس سره، حيث أفاد: أنّ الإنزال دفعي والتنزيل تدريجي.
 
- وفي تعيين المكّي والمدنيّ ثلاث نظريات:
الأولى: ما نزل قبل الهجرة أو في أثناء الطريق قبل وصوله إلى المدينة فهو مكّي وما نزل بعد ذلك ولو في غير المدينة.
 
الثانية: ما نزل بمكّة وحواليها ـ ولو بعد الهجرة ـ فهو مكّي، وما نزل بالمدينة وحواليها فهو مدنيّ وما نزل خارجاً عنهما فهو لا مكّي ولا مدنيّ.
 
الثالثة: كلّ شيء نزل فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو بمكّة وكلّ شيء نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو بالمدينة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

87

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 للمطالعة

 

ترتيب المصحف

السورة

ترتيب النزول

96

العلق

1

68

القلم

2

73

المزّمّل

3

74

المدَّثِّر

4

1

الفاتحة1

111

المسد

6

81

التكوير

7

87

الأعلى

8

92

الليل

9

89

الفجر

10

93

الضحى

11

94

الشرح

12

103

العصر

13

100

العاديات

14

108

الكوثر

15

102

التكاثر

16

107

الماعون

17

109

الكافرون

18

105

الفيل

19

114

الناس

21

112

التوحيد

22

53

النجم

23

80

عبس

24

97

القدر

25

91

الشمس

26

85

البروج

27

95

التين

28

106

قريش

29

101

القارعة

30

75

القيامة

31

104

الهمزة

32

77

المرسلات

33

50

ق

34 

90

البلد

35

86

الطارق

36

54

القمر

37

38

ص

38

7

الأعراف

39

72

الجّن

40

36

 يس

41

25

الفرقان

42

35

فاطر

43

19

مريم

44

20

طه

45

56

 الواقعة

46

26

الشعراء

47

27

النمل

48

28

القصص

49

17

الإسراء

50


 

 

 


1 سقطت الفاتحة من رواية ابن عباس، فأثبتناها على رواية جابر بن زيد: السيوطي، الإتقان، ج 1، ص 25 وعلى نص تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 26.

 

 

 

 

 

 

 

 

108


88

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 

10

يونس

51

11

هود

52

12

يوسف

53

15

الحجر

54

6

الأنعام

55

37

الصّافات

56

31

لقمان

57

34

سبأ

58

39

 الزمر

59

40

غافر

60

41

فصّلت

61

42

الشورى

62

43

الزخرف

63

44

الدخان

64

45

الجاثية

65

46

الأحقاف

66

51

الذاريات

67

88

الغاشية

68

18

الكهف

69

16

النحل

70

71

نوح

71

14

إبراهيم

72

21

الأنبياء

73

23

المؤمنون

74

32

السجدة

75

52

الطور

76

67

الملك

77

69

الحاقّة

78

70

المعارج

79

78

النبأ

80

79

النازعات

81

82

الانفطار

82

84

الانشقاق

83

30

الروم

84

29

العنكبوت

85

83

المطفّفين

86

2

البقرة

87

8

الأنفال

88

3

آل عمران

89

33

الأحزاب

90

60

الممتحنة

91

4

النساء

92

99

الزلزال

93

57

الحديد

94

47

محمّد

95

13

الرعد

96

55

الرحمان

97

76

الإنسان

98

65

الطلاق

99

98

البينة

100

59

الحشر

101

110

النصر

102

24

النور

103

22

الحجّ

104

 

 

 

 

 

 

 

 

 

109


89

الدرس الثامن: تاريخ القرآن

 

63

المنافقون

105

58

المجادلة

106

49

الحجرات

107

66

التحريم

108

62

الجمعة

109

64

التغابن

110

61

الصف 1

111

48

الفتح

112

5

المائدة 2

113

 9

براءة

114


 

 

 


1جعل الزركشي في البرهان سورة الصف بعد التحريم وقبل الجمعة.

قدّم الزركشي براءة على المائدة وجعل هذا الأخير آخر السور.

 

 

 

 

 

 

 

110

 


90

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

 الدرس التاسع: ترتيب القرآن



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يفهم قضية نظم كلمات القرآن.
2- يعرف كيفية تأليف آيات القرآن على الترتيب الموجود.
3- يستعرض أدلّة جمع الإمام علي عليه السلام للقرآن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
111

91

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

 مقدّمة

ترتيب القرآن في شكله الحاضر، في نظم آياته وترتيب سوره، وكذلك في تشكيله وتنقيطه وتفصيله إلى أجزاء ومقاطع، لم يكن وليد عامل واحد، ولم يكتمل في فترة الوحي الأولى. فقد مرّت عليه أدوار وأطوار، ابتدأت بالعهد الرسالي، وانتهت بدور توحيد المصاحف على عهد عثمان، ثم إلى عهد الخليل بن أحمد النحويّ الذي أكمل تشكيله بالوضع الموجود.
 
والمهمّ الآن هو العناية بدراسة القرآن من زاوية جمعه وتأليفه مصحفاً بين دفّتين والبحث عن الفترة التي حصل فيها هذا الجمع والتأليف وعن العوامل التي لعبت هذا الدّور الخطيروالبحث الحاضر يكتمل في ثلاث مراحل أساس:
أوّلاً: نظم كلماته بصورة جمل وتراكيب كلاميّة ضمن الآيات.
ثانياً: ترتيب آياته ضمن السّور.
ثالثاً: ترتيب السّور بين دفّتين على صورة مصحف كامل.
 
نظم كلماته
لا شكّ أنّ نظم الكلمات والجمل والتعابير في القرآن، كلّها بفعله تعالى، لم يحدث فيها أيّ تغيير أو تبديل، لا بزيادة ولا بنقص ولا بتغيير موضعي أصلاً. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾1، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾2.



1 سورة فصّلت، الآية 42.
2 سورة الحجر، الآية 9.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

92

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

 ولمزيد التوضيح نقول:

أوّلاً: إسناد الكلام إلى متكلّم خاصّ يستدعي أن يكون هو العامل في تنظيم كلماته وتنسيق أسلوبه التعبيري الخاصّ. وبما أنّ القرآن المجيد هو كلام الله العزيز الحميد، فلا بدّ أن يكون الوحي هو العامل الوحيد في تنظيم كلماته جملاً وتراكيب كلاميّة بديعة.
 
ثانياً: كان أحد أوجه إعجاز القرآن كامناً وراء هذا النظم البديع. وقد تحدّى القرآن فصحاء العرب وأرباب البيان ـ بصورة عامّة ـ لو يأتون بمثل هذا القرآن و﴿لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾1
 
وتجويز إمكان تدخّل يد بشرية في نظم القرآن، كان بمعنى إبطال هذا التحدّي الصارخ.
 
ثالثاً: اتّفاق كلمة الأمّة في جميع أدوار التاريخ على أنّ النظم الموجود في الآيات الكريمة هو من صنع الوحي السماوي. الأمر الذي التزم به جميع الطوائف الإسلاميّة، على مختلف آرائهم في سائر المواضيع.
 
تأليف آياته
تأليف الآيات ضمن كلّ سورة، على الترتيب الموجود، فهذا قد تحقّق ـ في الأكثر ـ وفق ترتيب نزولها: كانت السور تبتدأ بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فتسجّل الآيات التي تنزل بعدها من نفس هذه السورة، واحدة أخرى تدريجيّاً حسب النزول، حتّى تنزل بسملة أخرى، فيعرف أنّ السورة قد انتهت وابتدأت سورة أخرى.
 
قال الإمام الصّادق عليه السلام: كان يعرف انقضاء السورة بنزول ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ابتداءً لأخرى2.
 
وهناك عامل آخر عمل في نظم قسم من الآيات على خلاف ترتيب نزولها، وذلك بنصّ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعيينه الخاصّ. كان يأمر ـ أحياناً ـ بوضع آية في موضع خاصّ من سورة سابقة كانت قد ختمت من قبل.



1 سورة الإسراء، الآية 88.
2 العياشي، تفسير العياشي، ج 1، ص 19، ح 5.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

93

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

 روي أنّ آخر آية نزلت، قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾1  فأشار جبرئيل أن توضع بين آيتي الربا والدين من سورة البقرة2.

 
وربّما كانت السور تفتتح، وقبل أن تكتمل، تفتتح سورة أخرى وتكتمل هذه الأخيرة قبل أن تكتمل الأولى. وذلك كان بأمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبإشارته، كما في سورة البقرة، هي أول سورة ابتدأ نزولها بالمدينة بعد الهجرة، لكنّها استمرّ نزولها سنوات حتّى إلى ما بعد سنة السّت، إذ فيها الكثير من الآيات نزلن في هذه الفترات المتأخّرة، منها: آية ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾3. إنّها نزلت عندما تحرّج المسلمون من السعي بين الصفا والمروة لمكان أساف ونائلة عليهما، وكان المشركون وضعوهما على الجبلين يطوفون بهما ويلمسونهما. فنزلت الآية دفعاً لتوهّم الحظر. الأمر الذي يستدعي نزولها بعد صلح الحديبية في عمرة القضاء4 وهو عام السّت من الهجرة. أو لعلّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بوضع الآية في هذا الموضع من السورة. والله العالم.
 
وهكذا نزلت آيات الحجّ في نفس العام وتثبّت في هذه السورة بالذّات!
 
ترتيب سوره
انقضى العهد النبويّ والقرآن منثور على العسب واللخاف والرقاع وقطع الأديم5  وعظام الأكتاف والأضلاع وبعض الحرير والقراطيس وفي صدور الرجال.
 
كانت السور مكتملة على عهده صلى الله عليه وآله وسلم مرتّبة آياتها وأسماؤها، غير أنَّ جمعها بين دفّتين لم يكن حصل بعد، نظراً لترقّب نزول قرآن على عهده صلى الله عليه وآله وسلم فما دام لم ينقطع الوحي لم يصحّ تأليف السّور مصحفاً إلّا بعد الاكتمال وانقطاع الوحي، الأمر الذي لم يكن يتحقّق إلّا بانقضاء عهد النبوّة واكتمال الوحي.



1 سورة البقرة، الآية 281.
2 السيوطي، الإتقان، ج 1، ص 62.
3 سورة البقرة، الآية 158.
4 روي ذلك عن الإمام الصادق عليه السلام، راجع: تفسير العياشي: ج 1، ص70، وص 133.
5 العسيب: جريدة النخل إذا كشط خوصها. واللخف: حجارة بيض رقاق. والأديم: الجلد المدبوغ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

94

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

 عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: يا عليّ! القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تُضيّعوه"1.

 
وأوّل من قام بجمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة وبوصيّة منه صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ثمّ قام بجمعه زيد بن ثابت بأمر من أبي بكر، كما قام بجمعه كلّ من ابن مسعود وأُبي بن كعب وأَبي موسى الأشعري وغيرهم، حتّى انتهى الأمر إلى دور عثمان فقام بتوحيد المصاحف وإرسال نسخ موحّدة إلى أطراف البلاد وحمل الناس على قراءتها وترك سواها، على ما سنذكر.
 
جمع الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
أوّل من تصدّى لجمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة وبوصيّة منه هو علي بن أبي طالب عليه السلام قعد في بيته مشتغلاً بجمع القرآن وترتيبه على ما نزل، مع شروح وتفاسير لمواضع مبهمة من الآيات، وبيان أسباب النزول ومواقع النزول بتفصيل.
 
قال عليه السلام: "ما نزلت آية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلّا أقرأنيها وأملاها عليّ فأكتبها بخطّي. وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها. ودعا اللهَ لي أن يُعلّمني فهمها وحفظها فما نسيت آية من كتاب الله ولا علماً أملاه عليّ فكتبته منذ دعا لي ما دعا"2.
 
وبعث القوم إليه ليُبايع فاعتذر باشتغاله بجمع القرآن، فسكتوا عنه أيّاماً حتّى جمعه في ثوب واحد وختمه ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون حول أبي بكر في المسجد وخاطبهم قائلاً: "إنّي لم أزل منذ قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشغولاً بغسله وتجهيزه ثمّ بالقرآن حتّى جمعتُه كلّه في هذا الثوب الواحد ولم ينزل الله على نبيّه آية من القرآن إلّا وقد جمعتها، وليس منه آية وقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلّمني تأويلها، أن تقولوا غداً: إنّا كنّا عن هذا غافلين"3!.



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 92، ص 48، ح 7 عن تفسير علي بن إبراهيم.
2 الزركسي، تفسير البرهان، ج 1، ص 16، ح 14.
3 الطبرسي، الاحتجاج ، ص 82.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
116

95

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

 وفي عهد عثمان حيث اختلفت المصاحف وأثارت ضجّة بين المسلمين، قال طلحة للإمام عليه السلام: وما يمنعك ـ يرحمك الله ـ أن تُخرج كتاب الله إلى الناس؟! فكفّ عليه السلام عن الجواب أوّلاً، فكرّر طلحة السؤال، فقال: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عمّا سألتُك من أمر القرآن ألا تُظهره للناس؟

 
قال عليه السلام: "يا طلحة عمداً كففتُ عن جوابك. فأخبرني عمّا كتبه القوم أقرآن كلّه أم فيها ما ليس بقرآن"؟ قال طلحة: بل قرآن كلّه. قال عليه السلام: "إن أخذتم بما فيه، نجوتم من النار ودخلتم الجنّة"... قال طلحة: حسبي، أمّا إذا كان قراناً فحسبي1.
 
جمع زيد بن ثابت
كان ذلك الرفض القاسي لمصحف علي عليه السلام يستدعي التفكير في القيام بمهمّة جمع القرآن مهما كلّف الأمر، بعد أن أحسّ الناس بضرورة جمع القرآن في مكان، ولا سيّما كانت وصيّة نبيّهم صلى الله عليه وآله وسلم بجمعه لئلّا يضيّع، كما ضيّعت اليهود توراتهم2.
 
مضافاً إلى أنّه قد استحرّ القتل بكثير من حامليه ويوشك أن يذهب القرآن بذهاب حامليه، فقد قُتل منهم سبعون في واقعة يمامة. وفي رواية: أربعمأة3.
 
وهذه الفكرة أبداها عمر بن الخطاب، واقترح على أبي بكر ـ وهو الخليفة يوم ذاك ـ أن ينتدب لذلك من تتوفّر فيه شرائط القيام بهذه المهمّة الخطيرة، فوقع اختيارهم على زيد بن ثابت، وهو شابّ حدث فيه مرونة حداثة السن وله سابقة كتابة الوحي أيضاً. فقد ملك الجدارة الذاتيّة من غير أن يخشى منه على جوانب الخلافة الفتيّة في شيء، كما كان يخشى من غيره من كبار الصحابة، وفيهم شيء من المناعة والجموح وعدم الانقياد التّام لميول السلطة واتجاهاتها آنذاك.
 
منهج زيد
وجّه زيد نداء عاماً إلى ملأ الناس: "من كان تلقّى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من القرآن فليأتِ به".



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 92، ص42، ح 1.
2 علي بن إبراهيم، تفسير القمي، ص 745، تحقيق السيد طيّب الموسوي الجزائري، مؤسسة دار الكتاب، ط 3.
3 ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج 7، ص 447.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

96

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

 وألّف لجنة من خمسة وعشرين عضواً ـ كما جاء في رواية اليعقوبي1 ـ وكان عُمَر يُشرف عليهم بنفسه.

 
وكان اجتماعهم على باب المسجد يوميّاً والناس يأتونهم بآي القرآن وسوره، كلّ حسب ما عنده من القرآن.
 
وكانوا لا يقبلون من أحدٍ شيئاً حتّى يأتي بشاهدين يشهدان بصحّة ما عنده من القرآن سوى خزيمة بن ثابت، أتى بالآيتين آخر سورة براءة، فقبلوهما منه من غير استشهاد، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر شهادته وحده شهادتين2. والمراد من الشاهدين شاهدان عدلان ـ أحدهما الذي أتى بالآية وعدل آخر ـ يشهدان بسماعهما قرآناً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدليل قبول شهادة خزيمة بن ثابت الذي جاء بآخر سورة براءة، مكان شهادة رجلين وهكذا جاء في نصّ ابن أشته3.
 
ومن غريب الأمر أنّ عُمَر جاء بآية الرّجم وزعمها من القرآن: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله" لكنّه ووجِه بالرفض، ولم تُقبل منه، لأنّه لم يستطع أن يُقيم على ذلك شاهدين وبقي أثر ذلك في نفس عُمَر، فكان يقول ـ أيّام خلافته ـ لولا أن يقول الناس: "زاد عمر في كتاب الله"، لكتبتها بيدي ـ يعني آية الرّجم4.
 
ثم إنّ جمع زيدٍ لم يكن مرتّباً ولا منظّماً كمصحف، وإنّما كان الاهتمام في ذلك الوقت على جمع القرآن وحفظه من الضياع، وضبط آياته وسوره حذراً عن التلف بموت حامليه، فدوّنت في صحف وجعلت في إضبارة، وأودعت عند أبي بكر مدّة حياته، ثم عند عُمَر بن الخطّاب حتّى توفّاه الله، فصارت عند ابنته حفصة، وهي النسخة التي أخذها عثمان لمقابلة المصاحف عليها، ثمّ ردّه عليها، وكانت عندها إلى أن ماتت، فاستلبها مروان من ورثتها حينما كان والياً على المدينة من قِبَل معاوية، فأمر بها فشُقَّت5.



1 تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 113.
2 ابن الأثير، أسد الغابة، ج 2، ص 114.
3 السيوطي، الإتقان، ج 1، ص 58.
4 الزركشي، والبرهان، ج 2، ص35.
5 القسطلاني، إرشاد الساري، ج 7، ص 449.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

97

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

 المفاهيم الرئيسة

- أنّ نظم الكلمات والجمل والتعابير في القرآن، كلّها بفعله تعالى، لم يحدث فيها أيّ تغيير أو تبديل.
 
- تأليف الآيات ضمن كلّ سورة، على الترتيب الموجود، فهذا قد تحقّق ـ في الأكثر ـ وفق ترتيب نزولها: كانت السور تبتدأ بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فتسجّل الآيات التي تنزل بعدها من نفس هذه السورة.
 
- وهناك عامل آخر عمل في نظم قسم من الآيات على خلاف ترتيب نزولها، وذلك بنصّ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعيينه الخاصّ.
 
- كانت السور مكتملة على عهده صلى الله عليه وآله وسلم مرتّبة آياتها وأسماؤها، غير أنَّ جمعها بين دفّتين لم يكن حصل بعد، نظراً لترقّب نزول قرآن على عهده صلى الله عليه وآله وسلم فما دام لم ينقطع الوحي لم يصحّ تأليف السّور مصحفاً.
 
- أوّل من تصدّى لجمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة وبوصيّة منه هو الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
 
- بعد رفض مصحف الامام علي عليه السلام تم تكليف زيد بجمع القرآن الذي بدوره وجّه زيد نداء عاماً إلى ملأ الناس: "من كان تلقّى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من القرآن فليأتِ به"، وألّف لجنة من خمسة وعشرين عضواً - إنّ جمع زيدٍ لم يكن مرتّباً ولا منظّماً كمصحف، وإنّما كان الاهتمام في ذلك الوقت على جمع القرآن وحفظه من الضياع.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

98

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

 للمطالعة

 
مصاحف الصحابة
في الفترة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قامت جماعة من كبار الصحابة بتأليف القرآن، وجمع سوره بين دفّتين، كلّ بنظم وترتيب خاصّ، وكان يُسمّى مصحفاً.
 
وحاز بعض هذه المصاحف مقاماً رفيعاً في المجتمع الإسلامي آنذاك، فكان أهل الكوفة يقرؤون على مصحف عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة يقرؤون على مصحف أبي موسى الأشعري، وأهل الشام على مصحف أُبيّ بن كعب. وأهل دمشق خاصّة على مصحف المقداد بن الأسود وفي رواية الكامل: أنّ أهل حمص كانوا على قراءة المقداد1.
 
وصف عامّ من مصاحف الصحابة
كان الطابع العامّ الذي كانت المصاحف آنذاك تتّسم به هو تقديم السور الطوال على القصار نوعاً ما في ترتيب منهجيّ خاصّ.
 
1- ابتداء من السور الطوال: البقرة، آل عمران، النساء، الأعراف، الأنعام، المائدة، يونس2.
2- ثم المئين: وهي السور تربو آياتها على المائة، وهي ما تقرب من اثنتي عشرة سورة.
3- ثم المثاني: وهي السور لا تبلغ آياتها المائة، وهي ما تقرب من عشرين سورة. وسمّيت مثاني لأنّها تثنّى أي تكرّر قراءتها أكثر ممّا تقرأ غيرها من الطوال والمئين.
4- ثم الحواميم: وهي السور بدأت بـ: "حم" وهي سبع سور.
5- ثم الممتحنات: وهي ما تقرب عشرين سورة.
6- ثم المفصّلات: تبتدىء من سورة الرحمن إلى آخر القرآن.
 
وسُمّيت بذلك لقرب فواصلها وكثرة فصولها.



1 ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 3، ص 55، والمصاحف للسجستاني: ص 11، 14. الزركشي، البرهان، ج 1، ص 239 ـ 243.
2 تلك السبع الطوال في مصاحف الصحابة، غير أنّ عثمان عمد إلى تقديم سورة الأنفال فزعمها مع سورة براءة سورة واحدة جعلهما من السبع الطوال. راجع: السيوطي، الإتقان، ج 1، ص60، الحاكم النيسابوري ومستدرك الحاكم، ج 2، ص 221.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
120

99

الدرس التاسع: ترتيب القرآن

 هذا هو الطابع العام لمصاحف الصحابة وإن كانت المصاحف تختلف مع بعضها في تقديم بعض السور على بعض وتأخيرها عنها أو يزيد عدد سور بعضها على بعض1.

 
أمد هذه المصاحف
كان أمد هذه المصاحف قصيراً جدّاً انتهى بدور توحيد المصاحف على عهد عثمان فذهبت مصاحف الصحابة عرضة التمزيق والحرق.
 
أرسل عثمان إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق2. نعم حظيت بعض هذه المصاحف عمراً أطول، كالصحف التي كانت عند حفصة.



1 من أراد الوقوف عليها فليراجع محمد هادي معرفة، "التمهيد في علوم القرآن" ج 1، ص 312 ـ 331.
2 صحيح البخاري، ج 6، ص 226، نشر دار الفكر للطباعة والنشر – لبنان 1981م، كتاب فضائل القرآن.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

100

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ


أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف على أقسام الرسم القرآنيّ.
2- يُميّز بين بعض كلمات الرسم العثمانيّ والرسم القياسيّ.
3- يشرح خصائص الرسم العثماني.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

101

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ

 قال الله تبارك وتعالى ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾1.

 
أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم بلسان العرب، وذلك لأنّ كلّ نبيّ أُنزل كتابه بلسان قومه، والقرآن الكريم ليس أمراً ونهياً وكلمات ومعاني فقط، بل هو رسم أيضاً.
 
ومن المعلوم أنّ للقرآن الكريم منهجاً خاصّاً في الكتابة، يختلف نوعاً ما عن الكتابة الّتي أَلِفَها الناس.
 
أقسام الرسم القرآنيّ
قسّم العلماء الرسم الكتابيّ ـ الخطّ الإملائيّ ـ إلى قسمين رئيسين.
الأوّل: أطلقوا عليه اسم الرسم القياسيّ، ويقصدون به كتابة الكلمة كما تُلفظ، مع الأخذ بعين الاعتبار حالتي الابتداء بها والوقف عليها.
 
الثاني: أطلقوا عليه اسم الرسم التوقيفيّ، ويقصدون به الرسم العثمانيّ، إذ هو الرسم الّذي كُتبت به المصاحف.
 
وقد صنّف العلماء في هذا المجال ما عُرف بـ "علم الرسم القرآنيّ" ووضعوا كتباً خاصّة في هذا الموضوع، منها، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب "المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار" لأبي عمرو الداني، وكتاب التنزيل لأبي داود سليمان نجاح.



1 سورة الزخرف، الآيات 1 – 3.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

102

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ

 متباينات الرسم العثمانيّ والرسم القياسيّ

إنّ الرسم العثمانيّ يُخالف الرسم القياسيّ من بعض الوجوه، أهمّها خمسة وجوه، نذكرها فيما يأتي مع التمثيل لها:
الوجه الأول، الحذف:
وهو كثير، ويقع في حذف الألف، والواو، والياء.
فمن أمثلة حذف الألف، قوله تعالى: ﴿الْعَالَمِينَ﴾1 حيث حُذفت الألف بعد العين، وقد كُتبت كذلك في جميع مواضعها في القرآن، والأصل في كتابتها حسب الرسم الإملائيّ (العالمين).
 
ومن أمثلة حذف الواو، قوله تعالى: ﴿وَالْغَاوُونَ﴾2، وقد وردت في موضعين من القرآن، والأصل فيها (الغاوون).
 
ومن أمثلة حذف الياء، قوله تعالى: ﴿النَّبِيِّينَ﴾3، وقد وردت كذلك في جميع مواضعها في القرآن، وعدد مواضعها ثلاثة عشر موضعاً، والأصل في كتابتها (النبيّين).
 
ومن وجوه حذف الأحرف أيضاً، حذف اللام والميم.
 
فمثال حذف اللام، قوله تعالى: ﴿اللَّيْلِ﴾4 وقد كتبت كذلك في جميع مواضعها، وعددها ثلاثة وسبعون موضعاً، والأصل فيها (الليل).
 
ومثال حذف النون ﴿نُنجِي﴾5 والأصل فيها (ننجي).
 
1- كلمة "اسم":
قال الله تعالى ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ *  فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾6، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾7، حيث وردت كلمة (اسم) بألف صريحة، بينما في البسملة مثلاً: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾8 بلا ألف.



1 سورة الفاتحة، الآية 2.
2 سورة الشعراء، الآية 94.
3 سورة البقرة، الآية 61.
4 سورة آل عمران، الآية 190.
5 سورة الأنبياء، الآية 88.
6 سورة الواقعة، الآيتان 95 و 96.
7 سورة العلق، الآية 1.
8 سورة الفاتحة، الآية 1.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
126

103

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ

 2- كلمة (سموات - سموات):

وردت كلمة ﴿سَمَاوَاتٍ﴾ بهذا الرسم بدون ألف صريحة 189 مرّة في القرآن الكريم... ووردت مرّة واحدة فقط بألفٍ صريحة بعد حرف (و) بالرسم القرآنيّ، ﴿سَمَاوَاتٍ﴾ وذلك في الآية الكريمة رقم 12 من سورة فصّلت ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾1.
 
3- كلمة (الميعاد ـ الميعاد):
وردت كلمة (الميعاد) وذلك بألف صريحة في وسط الكلمة 4 مرّات في القرآن الكريم... وكلّها تتكلّم عن الميعاد الأخروي الّذي وعده الله سبحانه وتعالى.. لذلك جاء الميعاد واضحاً وصريحاً ولا ريب فيه مثال ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾2، ولمّا تحدّث القرآن عن لقاء المسلمين بالكفّار في المعركة جاءت الكلمة بلا ألف صريحة: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾3.
 
4- كلمة (سعوا ـ سعو):
وردت (سعوا) بشكلها العادي مرّة واحدة: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾4، ووردت (سعو) ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾5 بشكلها غير العادي بدون ألف في آخرها مرّة واحدة أيضاً في القرآن الكريم.
 
5- كلمة (صحب ـ صاحب):
في الآية 34 من سورة الكهف يقول القرآن الكريم على لسان مالك الجنّتين: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾6، بألف متروكة.



1 سورة فصّلت، الآية 12.
2 سورة آل عمران، الآية 9.
3 سورة الأنفال، الآية 42.
4 سورة الحج، الآية 51.
5 سورة سبأ، الآية 5.
6 سورة الكهف، الآية 34.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

104

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ

 غير أنّ الردّ يأتيه من صاحبه المؤمن في الآية 37 من نفس سورة الكهف: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾1 باستخدام الألف الصريحة، والمدّ بالألف المتروكة.

 
6- حذف حرف الواو من بعض الأفعال:
ورد أنّه تمّ كتابة هذه الأفعال الأربعة بحذف الواو وهي: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ﴾2، ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾3، ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾4، ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾5 ولكن من غير نقط ولا شكل في الجميع.
 
7- كلمة (وسئل ـ فسئل):
ورد في القرآن الكريم كلّه فعل الأمر من (سأل) ناقصاً حرف (أ) في البداية. ونذكر فيما يلي نماذج من الآيات الكريمة الّتي ورد فيها هذا الفعل:
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾6.
 
وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾7.
 
8- كلمة (أيد ـ أييد):
وردت كلمة (أيد) وهي جمع يد مرّتين في القرآن الكريم بهذا الرسم العاديّ، وذلك في الآيتين التاليتين: قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾8.
 
غير أنّها وردت مرّة واحدة برسم مختلف يزيد حرف (ي) في منتصفها، وذلك في الآية الكريمة الآتية: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾9.



1 سورة الكهف، الآية 37.
2 سورة الإسراء، الآية 11.
3 سورة الشورى، الآية 24.
4 سورة القمر، الآية 6.
5 سورة العلق، الآية 18.
6 سورة يوسف، الآية 82.
7 سورة النحل، الآية 43.
8 سورة ص، الآية 17.
9 سورة الذاريات، الآية 47.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
128

105

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ

 الوجه الثاني، الزيادة:

وتكون في الألف، والواو، والياء، فمثال الزيادة في الألف قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ﴾1، والأصل فيها (وجيء).
 
ومثال الزيادة في الواو قوله تعالى ﴿سَأُرِيكُمْ﴾2، والأصل فيها (سأريكم).
 
ومثال الزيادة في الياء قوله تعالى ﴿بِأَيْدٍ﴾3، وهو الموضع الوحيد في القرآن، والأصل فيها (بأيدٍ).
 
الوجه الثالث، الهمز:
حيث وردت الهمزة في الرسم العثمانيّ تارةً برسم الألف، وتارة برسم الواو، وتارة برسم الياء.
 
فمن أمثلة ورودها ألفاً، قوله تعالى ﴿لَتَنُوءُ﴾4، وهو الموضع الوحيد، والأصل فيها (لتنوء).
 
ومن أمثلة ورودها واواً قوله تعالى: ﴿يَبْدَأُ﴾5، وهي كذلك في مواضعها الستّة من القرآن، والأصل فيها (يبدأ).
 
ومن أمثلة مجيئها ياءً، قوله تعالى ﴿وَإِيتَاء﴾6، وهو الموضع الوحيد من ثلاثة مواضع، والأصل فيها (وإيتاء).
 
الوجه الرابع، البدل:
ويقع برسم الألف واواً أو ياء، فمن مجيئها واواً قوله تعالى: ﴿الصَّلاةَ﴾7، وهي كذلك في جميع مواضعها الأربعة والستّين، والأصل (الصلاة) ومثلها (الزكاة).
 
ومن صور رسمها ياءً، قوله تعالى: ﴿يَا أَسَفَى﴾8، والأصل فيها (يا أسفا).



1 سورة الزمر، الآية 69، سورة الفجر، الآية 23.
2 سورة الأعراف، الآية 145.
3 سورة الذاريات، الآية 47.
4 سورة القصص، الآية 76.
5 سورة يونس، الآية 34.
6 سورة النحل، الآية 90.
7 سورة البقرة، الآية 3.
8 سورة يوسف، الآية 84.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

106

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ

 ومن ذلك أيضاً، قوله تعالى ﴿وَالضُّحَى﴾1، ولم ترد إلّا في هذا الموضع، والأصل فيها (والضحا).

 
الوجه الخامس، الفصل والوصل:
فقد رسمت بعض الكلمات في المصحف العثمانيّ متّصلة مع أنّ حقّها الفصل، ورسمت كلمات أخرى منفصلة مع أنّ حقّها الوصل، فمن أمثلة ما اتّصل وحقّه الفصل ما يلي:
(عن) مع (ما) حيث رسمتا في مواضع من القرآن الكريم متّصلتين، من ذلك قوله تعالى: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾2، وقد وردت كذلك في جميع المواضع.
 
(بئس) مع (ما) رسمتا متّصلتين في مواضع، من ذلك قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ﴾3، وهي كذلك في مواضعها الثلاثة.
 
(كي) مع (لا) رسمتا متّصلتين في مواضع، من ذلك قوله تعالى ﴿لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾4، وهي كذلك في مواضعها الأربعة.
 
ومن أمثلة ما انفصل وحقّه الوصل ما يلي:
- قوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾5، وقد جاءت كذلك في ثلاثة مواضع، وجاءت متّصلة على الأصل في خمسة عشر موضعاً.
 
- قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا﴾6، وقد جاءت كذلك في ثمانية مواضع، وجاءت متّصلة على الأصل في أربعة مواضع.
 
هذه الوجوه الخمسة الّتي أتينا على ذكرها، مع شيء من التمثيل لها، هي أهمّ الوجوه الّتي فارق فيها الرسم العثمانيّ الرسم الإملائيّ.



1 سورة الضحى، الآية 1.
2 سورة البقرة، الآية 74.
3 سورة البقرة، الآية 90.
4 سورة آل عمران، الآية 153.
5 سورة النساء، الآية 91.
6 سورة البقرة، الآية 148.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
130

 


107

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ

 المفاهيم الرئيسة

- قسّم العلماء الرسم الكتابيّ ـ الخطّ الإملائيّ ـ إلى قسمين رئيسين:
الأوّل: أطلقوا عليه اسم الرسم القياسيّ، ويقصدون به كتابة الكلمة كما تُلفظ، مع الأخذ بعين الاعتبار حالتي الابتداء بها والوقف عليها.

الثاني: أطلقوا عليه اسم الرسم التوقيفيّ، ويقصدون به الرسم العثمانيّ، إذ هو الرسم الّذي كُتبت به المصاحف.

- إنّ الرسم العثمانيّ يُخالف الرسم القياسيّ من بعض الوجوه، أهمّها خمسة وجوه: الحذف، الزيادة، الهمز، البدل، الفصل والوصل.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
131

108

الدرس العاشر: الرسم القرآنيّ

 للمطالعة

لا يقتصر دور القرآن الكريم على هداية الإنسان إلى طريق النجاة في الآخرة، بل دوره يرتبط بكافّة جوانب حياة الإنسان، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ هذا القرآن هو الناصح الّذي لا يغشّ، والهادي الّذي لا يضلّ، والمحدّث الّذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى ونقصان من عمى، واعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على بلوائكم، فإنّ فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والعمى والضلال.
 
اسألوا الله به وتوجّهوا إليه بحبّه، ولا تسألوا به خلقه، إنّه ما توجّه العباد إلى الله بمثله. واعلموا أنّه شافع مشفّع، وقائل مصدّق وأنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفّع فيه، ومن مَحِلَ به القرآن يوم القيامة صدق عليه، فإنّه ينادي مناد يوم القيامة ألا إنّ كلّ حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله، غير حرثة القرآن، فكونوا من حرثته وأتباعه، واستدلّوه على ربّكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراءكم، واستغشوا فيه أهواءكم"1



1 الشريف الرضي، خطب الإمام علي عليه السلام، نهج البلاغة، ج2، ص92.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
132

109

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف معنى الإعجاز.
2- يفهم فلسفة تنوّع المعجزات وأقسامها.
3- يتبيّن أسلوب القرآن في تحدّي الأمم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

110

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 معنى الإعجاز

أ- المعنى اللغوي: العين والجيم والزاء أصلان صحيحان يدلّ أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخّر الشيء، فالأول: عجز عن الشيء يعجز عجزاً، فهو عاجز، أي ضعيف... ويقال: أعجزني فلان: إذا عجزت عن طلبه وإدراكه1. والعَجْزُ: أصلُه التَّأَخُّرُ عن الشيء، وحصوله عند عَجُزِ الأمرِ، أي: مؤخّره... وصار في التّعارف اسماً للقصور عن فعل الشيء، وهو ضدّ القدرة2.
 
ب- المعنى الاصطلاحي: المُعْجِز هو: الأمر الخارق للعادة، المطابق للدعوى، المقرون بالتحدّي3. والإعجاز هو: أن يأتي المدّعي لمنصب من المناصب الإلهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهداً على صدق دعواه، مع إمكان صدق هذه الدعوى بحكم العقل، أو النقل الثابت عن نبي أو إمام معصوم4.
 
فلسفة تنوّع المعجزات
روي أنّه سأل ابن السكّيت5 الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، فقال: لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث



1 انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج4، ص 232، مادّة "عجز".
2 انظر: الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 547، مادّة "عجز".
3 انظر: الطريحي، فخر الدين: مجمع البحرين، ج4، ص25، ط2، طهران، نشر مرتضوي، مطبعة چاپخانهء طراوت، 1362هـ.ش، مادّة "عجز".
4 انظر: الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص33-34.
5 هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي الأهوازي الشيعي، أحد أئمّة اللغة والأدب، ذكره كثير من المؤرّخين وأثنوا عليه، وكان ثقةً جليلاً من عظماء الشيعة، ويُعدّ من خواصّ الإمامين التقيّين (عليهما)، وكان حامل لواء علم العربية والأدب والشعر واللغة والنحو، له تصانيف كثيرة مفيدة، منها: كتاب تهذيب الألفاظ، وكتاب إصلاح المنطق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

111

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالكلام والخطب؟ فقال عليه السلام: "إنّ الله لمّا بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات1، واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيى لهم الموتى، وأبرء الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجّة عليهم. وإنّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام، فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه، ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجّة عليهم"2.

 
ويُفهَم من هذه الرواية أنّ فلسفة تنوّع المعجزات تدور مدار الخاصّيّة الغالبة على أهل عصر مَن يُجري الله تعالى على يديه المعجزة، لتكون أبلغ في التأثير، وأظهر في التحدّي، وآكد في تصديق الدعوة.
 
ولهذا ذكروا أنّ المعجزة تتنوّع حسب تنوّع الأمم المرسل إليهم في المواهب والمعطيات، فتتناسب مع مستوى رقيّهم في مدارج الكمال، فمن غليظ شديد إلى رقيق مرهف، ومن قريب مشهود إلى دقيق بعيد الآفاق. وهكذا كلّما تقادمت الأمم في الثقافة والحضارة، فإنّ المعاجز المعروضة عليهم من قِبَل الأنبياء عليهم السلام ترِّق وتلطف، وكانت آخر المعاجز رقّة ولطفاً هي أرقاها نمطاً وأعلاها أسلوباً، ألا وهي معجزة الإسلام الخالدة، عرضت على البشرية جمعاء مع الأبد، مهما ارتقت وتصاعدت في آفاق الكمال، الأمر الذي يتناسب مع خلود شريعة الإسلام.
 
ولقد صعب على العرب ـ يومذاك وهم على البداوة الأولى ـ تحمّل عبء القرآن الثقيل، فلم يُطيقوه. ومن ثمّ تمنّوا لو يُبدّل إلى قرآن غير هذا، ومعجزة أخرى لا تكون من قبيل الكلام: ﴿قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى﴾3.



1 الآفات الواردة على بعض الأعضاء، فيمنعها عن الحركة، كالفالج، واللقوة. ويطلق المزمن على مرض طال زمانه.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص24.
3 سورة يونس، الآية 15.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

112

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 إنّها لم تكن معجزة للعرب فقط، وإنّما هي معجزة للبشريّة عبر الخلود، لكن أنّى لأمّة جهلاء أن تلمس تلك الحقيقة وأن تدرك تلك الواقعيّة سوى أنّها ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ...﴾1 وقد عجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مقترحهم ذلك التافه الساقط، ممّا يتناسب ومستواهم الجاهلي ومن ثمّ رفض اقتراحهم ذلك وقال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً﴾2 أي ليس هذا من شأنكم وإنّما هي حكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير.

 
المعجزات حسّية وعقلية
قال الراغب الإصفهاني: المعجزات التي أتى بها الأنبياء عليهم السلام ضربان: حسّي وعقلي.
 
فالحسّي: ما يُدرَك بالبصر، كناقة صالح، وطوفان نوح، ونار إبراهيم، وعصا موسى عليهم السلام.
 
والعقلي: ما يُدرك بالبصيرة كالإخبار عن الغيب تعريضاً وتصريحاً، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلّم.
 
فأمّا الحسّي: فيشترك في إدراكه العامّة والخاصّة، وهو واقع عند طبقات العامّة، وآخذ بمجامع قلوبهم، وأسرع لإدراكهم، إلّا أنّه لا يكاد يفرق - بين ما يكون معجزة في الحقيقة وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحراً، أو سبباً اتّفاقياً أو مواطأة، أو احتيالاً هندسيّاً أو تمويهاً وافتعالاً - إلّا ذو سعة في العلوم التي يعرف بها الأنبياء.
 
وأمّا العقلي: فيختصّ بإدراكه كلمة الخواصّ من ذوي العقول الراجحة، والأفهام الثاقبة، الذين يُغنيهم إدراك الحق.
 
وما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلممن معجزاته الحسيّة، كتسبيح الحصا في يده، ومكالمة الذئب له، ومجيء الشجرة إليه، فقد حواها وأحصاه أصحاب الحديث.



1 سورة الإسراء، الآيات 90 ـ 93.
2 سورة الإسراء، الآية 93.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

113

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 وأمّا العقليّات: فمن تفكّر فيما أورده عليه السلام من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأمم بأوجز عبارة اطلع على أشياء عجيبة.

 
وممّا خصّه الله تعالى به من المعجزات القرآن، وهو آية حسيّة عقليّة صامتة ناطقة باقية مدى الدهر مبثوثة في الأرض، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾1. ودعاهم ليلاً ونهاراً - مع كونهم أولي بسطة في البيان - إلى معارضته، بنحو قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ...﴾2 وفي موضع آخر: ﴿وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾3. وقال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾4.
 
فجعل عجزهم علماً للرسالة، فلو قدروا ما قصّروا، إذ قد بذلوا أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره، فلمّا رأيناهم تارة يقولون: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾5. وتارة يقولون: ﴿لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾6 وتارة يصفونه بأنّه: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾7. وتارة يقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾8. وتارة يقولون: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾9، كل ذلك عجزاً عن الإيتان بمثله، علمنا قصورهم عنه، ومحال أن يُقال: إنّه عورض فلم ينقل، فالنفوس مهتزّة لنقل ما دقّ وجلّ. وقد رأينا كتباً كثيرة صنّفت في الطعن على الإسلام قد نقلت وتُدوولت.



1 سورة العنكبوت، الآيتان 50 و 51.
2 سورة البقرة، الآية 23.
3 سورة يونس، الآية 38.
4 سورة الإسراء، الآية 88.
5 سورة فصّلت، الآية 26.
6 سورة الأنفال، الآية 31.
7 سورة النحل، الآية 24.
8 سورة الفرقان، الآية 32.
9 سورة يونس، الآية 15.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
138

114

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 ويمتاز القرآن على سائر المعاجز بأنّه يضمّ إلى جانب كونه معجزاً جانب كونه كتاب تشريع، فقد قُرن التشريع بإعجاز ووحّد بينهما، فكانت دعوة يُرافقها شهادة من ذاتها، دلّ على ذاته 

بذاته.
 
التحدّي في خطوات
لقد تحدّى القرآن عامّة العرب، فحاولوا معارضته ولكن لا بالكلام، لعجزهم عنه، بل بمقارعة السيوف وبذل الأموال والنفوس، دليلاً على فشلهم على مقابلته بالبيان.
 
وربّما كانوا - في بدء الأمر - استقلّوا من شأنه، حيث قالوا: ﴿لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ﴾1. وقالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾2 وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾3 وقالوا: ﴿مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾4، إلى أمثالها من تعابير تنمّ عن سخف أوهامهم. لكن سرعان ما تراجعت العرب على أعقابها فانقلبوا صاغرين، وقد ملكتهم روعة هذا الكلام وطغت عليهم سطوته، متهكّماً بموقفهم هذا الفاشل ومتحدّياً في مواضع.
 
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾5.
 
وحدّد لهم لو يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فيما كانوا يزعمون: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ﴾6.
 
وتصاغراً من شأنهم تنازل أن لو استطاعوا أن يأتوا بسورة واحدة من مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾7.



1 سورة الأنفال، الآية 31.
2 سورة المدثر، الآية 25.
3 سورة النحل، الآية 103.
4 سورة الأنعام، الآية 91.
5 سورة الطور، الآيتان 33 و 34.
6 سورة هود، الآيتان 13 و 14.
7 سورة يونس، الآيتان 38 و 39. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

115

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 وأخيراً حكم عليهم حكمه الباتّ: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾1 أن ليس باستطاعتهم ذلك مهما حاولوه وأعدّوا له من حول وقوّة، لأنّه كلام يفوق كلام البشر كافّة.

 
والآن وقد حان إعلان التحدّي بصورته العامّة متوجّهاً إلى البشريّة جمعاء، تحدّياً مستمرّاً عبر الأجيال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾2.
 
وهل وقع التحدّي بجميع وجوه الإعجاز أم كان يخصّ جانب فصاحته وبلاغته وبديع نظمه وعجيب أسلوبه فحسب؟
 
ولعلّه يختلف حسب اختلاف الخطاب... فحيث كان التحدّي متوجّهاً إلى العرب خاصّة ولا سيّما ذلك العهد، الذي كانت مهنة العرب فيه خاصة بجانب البيان وطلاقة اللسان... فلا جرم كان التحدّي حينذاك أيضاً خاصّاً بهذا الجانب في ظاهرة الخطاب...
 
أمّا وبعد أن توجّه النداء العامّ إلى كافّة البشرية على الإطلاق فإنّه لا بدّ أن يقع التحدّي بمجموعة وجوه الإعجاز من حيث المجموع... حيث اختلاف الاستعدادات والقابليات... والقرآن معجزة الإسلام لجميع الأدوار وعامّة الأجيال ولمختلف طبقات الناس، في الفنون والمعارف والعلوم والثقافات...
 
التحدّي في شموله
وهذا التحدّي في عمومه يشمل كلّ الأمم كلّ أدوار التاريخ، سواء العرب وغيرهم، وسواء من كان في عهد الرسالة أم في عهود متأخّرة حتى الأبد. اللفظ عامّ والخطاب شامل3 ولأنّ التحدّي لم يكن في تعبيره اللفظي فقط ليخصّ لغة العرب، وإنّما هو بمجموعته من كيفيّة الأداء والبيان والمحتوى جميعاً. كما أنّه لم يخصّ جانب فصاحته فحسب، ليكون مقصوراً على العهد الأوّل، حيث العرب في ازدهار الفصاحة والأدب. على أنّ الفصاحة والبلاغة لم



1 سورة البقرة، الآية 24.
2 سورة الإسراء، الآية 88.
3 وبالتعبير الاصطلاحي الأصولي: إنّ هذا الخطاب يضمّ إلى جانب عمومه الأفرادي إطلاقاً أحوالياً وإطلاقاً زمانياً معاً ،إذن فللخطاب شمول من النواحي الثلاث: الأفراد الموجودون، والأقوام الذين يأتون من بعد. وأيّا ًكانت حالتهم وعلى أيّ صفةٍ كانوا...
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
140

116

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 تختصّ بلغة دون أخرى ولا بأمّة دون غيرها.

 
لكن هناك من حاول اختصاص التحدّي بالعهد الأوّل وإن كان الإعجاز باقياً مع الخلود زعماً بأنّ عجز ذلك الدور يكفي دليلاً على كونه معجزاً أبداً. هكذا زعمت الكاتبة بنت الشاطىء، قالت: مناط التحدّي هو عجز بلغاء العرب في عصر المبعث، وأمّا حجّة إعجازه فلا تخصّ عصراً دون عصر وتعمّ العرب والعجم، وكان عجز البلغاء من العصر الأوّل وهم أهل الفصاحة برهاناً فاصلاً في قضيّة التحدّي...1.
 
قلت: ولعلها في ذهابها هذا المذهب، خشيت أن لو قلنا بأنّ التحدّي قائم ولا يزال، أن سوف ينبري نائرة الكفر والإلحاد، ممّن لا يقلّ عددهم في الناطقين بالضّاد، فيأتي بحديث مثله، وبذلك ينقض أكبر دعامة من دعائم الإسلام.
 
لكنّها فلتطمئن أنّ هذا لم يقع ولن يكون، لأنّ القرآن وضع على أسلوب لا يُدانيه كلام بشر البتّة ولن يتمكّن أحد أن يُجاريه لا تعبيراً وأداءً ولا سبكاً وأسلوباً. ما دام الإعجاز قائماً بمجموعة اللفظ والمعنى، رفعة وشموخ في المحتوى، وجمال وبهاء في اللفظ والتعبير، فأيّ متكلّم أو ناطق يُمكنه الإتيان بهكذا مطالب رفيعة، لم تسبق لها سابقة في البشريّة وفي هكذا قالب جميل! اللّهم إلّا أن يفضح نفسه.
 
وفي التاريخ عِبَرٌ عن أُناس حاولوا معارضة القرآن، لكنّهم أتوا بكلام لا يُشبه القرآن ولا يُشبه كلام أنفسهم، بل نزلوا إلى ضرب من السخف والتفاهة، بادٍ عواره، باقٍ عاره وشناره، فمن حدّثته نفسه أن يُعيد هذه التجربة، فلينظر في تلك العبر، ومن لم يستحِ فليصنع ما شاء.
 
وتلك شهادات من أهل صناعة الأدب، اعترفوا - عبر العصور - بأنّ القرآن فذّ في أُسلوبه لا يُمكن لأحد من الناس أن يُقاربه فضلاً عن أن يُماثله.
 
قال الدكتور عبد الله درّاز: من كانت عنده شبهة، زاعماً أنّ في الناس من يقدر على الإتيان بمثله، فلنرجع إلى أدباء عصره، وليسألهم: هل يقدر أحد منهم على أن يأتي بمثله؟ فإن قالوا: نعم، لو نشاء لقلنا مثل هذا، فليقل لهم: هاتوا برهانكم. وإن قالوا: لا طاقة لنا 



1 الدكتورة عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ)، الإعجاز البياني، ص 65 – 68.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

117

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 به. فليقل لهم: أيّ شيء أكبر شهادة على الإعجاز من الشهادة على العجز. ثم ليرجع إلى التاريخ فليسأله ما بال القرون الأولى؟ يُنبئك التاريخ أنّ أحداً لم يرفع رأسه أمام القرآن الكريم، وأنّ بضعة النفر الذين انغضوا رؤوسهم إليه، باؤوا بالخزي والهوان، وسحب الدهر على آثارهم ذيل النسيان1.

 
سرّ الإعجاز
وجوه الإعجاز في مختلف الآراء والنظرات:
اختلف أنظار العلماء في وجه إعجاز القرآن، بين من أنهاه إلى عدّة وجوه ومن اقتصر على وجه واحد:
1- ذهب أرباب الأدب والبيان إلى أنّها الفصاحة البالغة والبلاغة الفائقة، إنْ في بديع نظمه أو في عجيب رصفه، الذي لم يسبق له نظير ولن يخلفه بديل...
 
قالوا في دقّة هذا الرصف والنضد: لو انتزعت منه لفظة ثم أُدير بها لغة العرب كلّها على أن يوجد لها نظير في موضعها الخاصّ، لم توجد البتّة...
 
2- وتوسّع المحدثون في البحث وراء نظامه الصوتي العجيب:
أنغام وألحان تبهر العقول وتذهل النفوس، نظّمت كلماته على أنظمة صوتيّة دقيقة، ورصفت ألفاظه وعباراته على ترصيفات موسيقيّة رقيقة، متناسبات الأجراس، متناسبات التواقيع، في تقاسيم وتراكيب سهلة سلسة، عذبة سائغة، ذات رنّة وجذبة شعرية واستهواء سحري غريب!
 
3- وأضاف المحقّقون جانب اشتماله على معارف سامية وتعاليم راقية تُنبئك عن لطيف سرّ الخليقة، وبديع فلسفة الوجود، في جلال وعظمة وكبرياء، بما يترفّع كثيراً عمّا راجت في تعاليم مصطنعة ذلك العهد، سواءٌ في أوساط أهل الكتاب أم الوثنييّن.



1 النبأ العظيم، ص 75.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

118

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 4- وهكذا تشريعاته جاءت حكيمة ومتينة، متوافقة مع الفطرة ومتوائمة مع العقل السليم... في طهارة وقداسة وسعة وشمول، كانت جامعة كاملة كافلة لإسعاد الحياة في النشأتين.


5- وكانت براهينه ساطعة ودلائله ناصعة، واضحة ولائحة، قامت على صدق الدعوة وإثبات الرسالة... في بيان رصين ومنطق رزين وفصل خطاب.

6- واشتماله على أنباء غيبيّة، إمّا سالفة كانت محرّفة سقيمة، فجاءت محرّرة سليمة في القرآن الكريم، أو إخبار عمّا يأتي، تحقّق صدقها بعد فترة قصيرة أو طويلة، كانت شاهدة صدق على صدق الرسالة.

7- إلى جنب إشارات علميّة، عابرة، إلى أسرار من هذا الكون الفسيح، وإلماعات خاطفة إلى حقائق من خفايا الوجود، ممّا لا تكاد تبلغه معرفة الإنسان الكائن يومذاك.

8- وأخيراً استقامته في البيان، وسلامته من أيّ تناقض أو اختلاف، في طول نزوله، وكثرة تكراره لسرد حوادث الماضين، كلّ مشتمل على مزيّة ذات حكمة لا توجد في أُختها. وكذا خلوّه عن الأباطيل وعمّا لا طائل تحتها.

تلك روائع آراء نتجتها أنظار الأدباء، وبدائع أسرار وصلت إليها أفكار العلماء، كانت من وجوه إعجاز القرآن ومزاياه الوسيمة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

119

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 المفاهيم الرئيسة

- المُعْجِز هو: الأمر الخارق للعادة، المطابق للدعوى، المقرون بالتحدّي. والإعجاز هو: أن يأتي المدّعي لمنصب من المناصب الإلهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهداً على صدق دعواه.

- أنّ فلسفة تنوّع المعجزات تدور مدار الخاصّيّة الغالبة على أهل عصر مَن يُجري الله تعالى على يديه المعجزة، لتكون أبلغ في التأثير، وأظهر في التحدّي، وآكد في تصديق الدعوة.

- المعجزات التي أتى بها الأنبياء عليهم السلام ضربان: حسّي وعقلي.
فالحسّي: ما يُدرَك بالبصر ويشترك في إدراكه العامّة والخاصّة.
وأمّا العقلي: فيختصّ بإدراكه كلمة الخواصّ من ذوي العقول الراجحة، والأفهام الثاقبة، الذين يُغنيهم إدراك الحق.

- لقد تحدّى القرآن عامّة العرب، فحاولوا معارضته ولكن لا بالكلام، لعجزهم عنه، بل بمقارعة السيوف وبذل الأموال والنفوس، دليلاً على فشلهم على مقابلته بالبيان.

- وهذا التحدّي في عمومه يشمل وكلّ الأمم كلّ أدوار التاريخ، سواء العرب وغيرهم، وسواء من كان في عهد الرسالة أم في عهود متأخّرة حتى الأبد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
144

120

الدرس الحادي عشر: الإعجاز القرآني

 للمطالعة

 
الإعجاز العلميّ في القرآن‏
 
كلّ الكواكب متحرّكة
لقد أصبح أمراً ثابتاً ومؤكّداً في علم الفلك الحديث بأنّه لا وجود لكوكب ساكن في الكون وأنّه لا صحّة لفكرة تقسيم السيّارات والكواكب إلى ثابتة ومتحرّكة كما كان يقول القدماء، بل إنّه لا وجود حتّى لكوكب واحد ساكن في هذا العالم اللّامتناهي. وحتّى سنين خلت كانت السيّارات تُعدّ بحدود الـ300 مليون بينما صاروا يعجزون اليوم عن عدّها وإحصائها.
 
وقد ورد في القرآن الكريم بصراحة قول الله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾1 أي أنّه لا وجود للكوكب الثابت بل إنّ كلّ واحد منها يسبح ويتحرّك في المدار الّذي حُدِّد له من قِبَل الله تعالى، في حين أنّ بطليموس كان يقول بأنّ الفلك الثامن ما هو إلّا عبارة عن فلك ثابت وأنّ الكواكب الموجودة فيه كواكب ساكنة، لكنّ القرآن الكريم يؤكّد أنّ الجميع في حالة حركة مستمرّة.
 
الجبال هي المسامير المُثبتة للأرض‏لقد أصبح من الأمور الثابتة اليوم كون الجبال الواقعة فوق الأرض والممتدّة جذورها في عمق الكرة الأرضيّة هي السبب في استقرار الأرض. فلولا وجود هذه الجبال فإنّ هذه الكرة الأرضيّة الّتي تقطع أربعة فراسخ في حركتها الانتقاليّة في كلّ دقيقة وأربعة فراسخ أخرى في حركتها الموضعيّة في كلّ ثانية و240 فرسخاً في حركتها الدورانيّة حول نفسها كانت في طريقها إلى الزوال والتلاشي، لكنّ هذه الجبال هي الّتي تمنع تلاشيها. وهذا الأمر سبق أن أشار إليه القرآن المجيد وأكّده قبل ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة مضت حيث قال تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾2 كما جاء في سورة النبأ، الآية: 7.
 
وكما يقول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في إحدى خطبه الغرّاء: "فطر الخلائق بقدرته ووتّد بالصخور ميدان أرضه"3.



1 سورة يس، الآية 40.
2 سورة النبأ، الآية 7.
3 نهج البلاغة، ص39.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145

121

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يُعدّد الأقوال في معنى التحريف.
2- يفهم الدلائل على دحض شبهة التحريف.
3- يحفظ ثلاثة من أدلة عدم التحريف.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

122

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 ما هو التحريف؟

ذُكر في معنى التحريف عدّة وجوه:
1- تحريف بمدلول الكلام: وهو تفسيره على غير وجهه بمعنى تأويله وتحوير دلالته بما لا يكون اللفظ ظاهراً فيه بذاته لا بحسب الوضع ولا بحسب القرائن المعهودة ومن ثمّ فهو تأويل باطل المعبّر عنه بالتفسير بالرأي المنهي عنه في لسان الشريعة المقدّسة.
 
قال صلى الله عليه وآله وسلم: "من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار"1، أي عمد إلى القرآن ليجعل من رأيه الخاص تفسيراً له.
 
2- تحريف قرائي: فتقرأ الكلمة على خلاف قراءتها المعهودة لدى جمهور المسلمين، وهذا كأكثر اجتهادات القرّاء في قراءاتهم المبتدعة لا عهد لها في الصدر الأوّل، الأمر الذي لا نُجيزه بعد أن كان القرآن واحداً نزل من عند واحد كما في الحديث الشريف2.
 
3- تحريف في لهجة التعبير: كما في لهجات القبائل تختلف عند النطق بالحرف أو الكلمة في الحركات وفي الأداء. الأمر الذي يجوز، ما دامت بُنية الكلمة الأصليّة محتفظة لا يختلف معناها وقد نزّلنا حديث الأحرف السبعة - على فرض صحّة الإسناد - على إرادة اختلاف لهجات العرب في أداء الكلمات والحروف، بل وحتّى إذا لم تكن اللهجة عربيّة، فإنّ الملائكة ترفعها عربيّة كما في الحديث3.



1 ابن أبي جمهور، غوالي اللئالي، ج 4، ص 104، رقم 154.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 627.
3 الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 4، ص 866.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

123

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 نعم لا يجوز إذا كان لحناً أي خطأً ومخالفاً لقواعد الإعراب. قال تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾1 وقد أمرنا بقراءة القرآن عربيّة صحيحة "تعلّموا القرآن بعربيّته"2.

 
وهكذا إذا كان التحريف اللهجي مغيّراً لمعنى الكلمة فإنّه لا يجوز، ولا سيّما إذا كان عن عمدٍ ولغرض خبيث، كما كانت تفعله اليهود عند اللهج بلفظه "راعنا" فكانت تميل بحركة العين إلى فوق لتصبح معنى الكلمة "شرّيرنا" حسبما ذكره الحسين بن علي المغربي3 وذكره في سورة البقرة (آية: 102) وكذا في سورة النساء (آية: 46).
 
4- تحريف بتبديل الكلم: بأن تتبدّل الكلمة إلى غيرها مرادفة لها أو غير مرادفة. الأمر الذي كان يجوّزه ابن مسعود في المترادفات نظراً منه إلى حفظ المعنى المراد ولا بأس باختلاف اللفظ.
 
وقد أسبقنا عدم جواز ذلك في نصّ الوحي، حيث الإعجاز قائم بلفظه كما هو قائم بمعناه. التحريف بزيادة: وقد نسب إلى ابن مسعود وغيره من السلف كانوا يريدون في نصّ الوحي لغرض الإيضاح ورفع الإبهام من لفظ الآية. لا عقيدة بأنّها من النصّ القرآني، الأمر الذي لا بأس به مع التزام الشرط وعدم الالتباس.
 
وهكذا نجد زيادات تفسيريّة في المأثور عن الأئمّة الصادقين عليهم السلام.
 
ولم نجد من زعم زيادة في النصّ الموجود سوى ما يُحكى عن العجاردة (أصحاب عبد الكريم بن عجرد من زعماء الخوارج) أنّهم أنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن، وكانوا يرون أنّها قصّة عشق لا يجوز أن تكون من الوحي4 ولهم مقالات فاسدة غير ذلك5.



1 سورة الزمر، الآية 28.
2 الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 4، ص 856، ح 1.
3 راجع: تفسير البلاغي (آلاء الرحمن)، ج 2، ص 134.
4 الملل والنحل للشهرستاني، ج 1، ص 128.
5 راجع مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 178.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
150

124

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 نعم كان ممّا اشتبه على ابن مسعود زعمه من المعوّذتين أنّهما تعويذان وليستا من القرآن وكان يقول: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس منه، وكان يحكّهما من المصحف1.

 
6- التحريف بالنقص: إمّا بقراءة النقص، كما أثر عن ابن مسعود أنّه كان يقرأ: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأنثى" باسقاط "ما خلق"2 وعن الأعمش أنّه كان يقرأ: "حم سق" بإسقاط "ع" قيل: وهكذا قرأ ابن عباس3.
 
أو بزعم أنّ في النصّ الحاضر سقطاً، كان عن القرآن فأسقط إمّا عن عمد أو عن نسيان وهذا إمّا في حرف واحد أو كلمة أو جملة كاملة أو آية أو سورة كما زعم.
 
وكلّ ذلك ورد مأثوراً في أمّهات الكتب الحديثيّة كالصحاح الست وغيرهما.
 
الأمر الذي ننكره أشدّ الإنكار وهو الذي وقع الكلام حوله في مسألة تحريف الكتاب. ولا مجال لتغيير العبارة والقول بأنّه من منسوخ التلاوة أو منسيّها ـ كما التزم به بعض أئمّة أهل السنّة فإنّه من الالتواء في التعبير، وتغيير العنوان لا يغيّر من الواقع المعنون. وهو موضع بحثنا هنا.
 
ومجمل القول في ذلك: أنّ ما ورد بهذا الشأن من الروايات العاميّة الإسناد لا تعدو كونها من اصطناع أهل الزنادقة ومن صنع الوضّاعين المعروفين بالكذب والاختلاق. أو أنّ لها تأويلاً صحيحاً لا يمسّ جانب تحريف الكتاب. وإلّا فهي أوهام وخرافات سلفيّة لا اعتبار بشأنها أصلاً، والأكثر إنّما هو من هذا القبيل.
 
دلائلنا على دحض شبهة التحريف
1- بديهة العقل:
من بديهة العقل أنّ مثل القرآن الكريم يجب أن يسلم عن احتمال أيّ تغيير أو تبديل فيه، حيث إنّه كان الكتاب الذي وقع - من أوّل يومه - موضع عناية أمّة كبيرة واعية، ولا عجب فإنّه المرجع الأوّل لجميع شؤونهم في الحياة الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، فكان أساس الدين



1 فتح الباري بشرح البخاري: ج 8، ص 571.
2 صحيح البخاري، ج 6، ص 221، وج 5، ص 35.
3 الطبرسي، مجمع البيان، ج 9، ص 21.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

125

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 ومبنى الشريعة وركن الإسلام. وهو المنبع الأصل لأمّهات مسائل فروع الدين وأصوله. ومن ثمّ كان الجميع في حراسته والمواظبة على سلامته وبقائه مع الخلود.

 
هكذا استدلّ الشريف المرتضى علم الهدى، والشيخ الكبير كاشف الغطاء.
 
قال شيخ الفقهاء، الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء: وما ورد من أخبار النقيصة تمنع البديهة من العمل بظاهرها ولا سيّما ما فيه من نقص ثلث القرآن أو كثير منه. فإنّه لو كان ذلك لتواتر نقله، لتوفّر الدواعي عليه ولاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله...
 
ثم قال: كيف يكون ذلك وكانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته وحروفه، وخصوصاً ما ورد أنّه صُرّح فيه بأسماء كثير من المنافقين؟ وكيف يمكن ذلك وكان من حكمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الستر عليهم ومعاملتهم معاملة أهل الدين..1
 
وأخيراً قال: يا للعجب من قوم يزعمون سلامة الأحاديث وبقائها محفوظة، وهي دائرة على الألسن ومنقولة في الكتب، في مدّة ألف ومائتي سنة، وأنّها لو حدث فيها نقص لظهر واستبان وشاع، لكنّهم يحكمون بنقص القرآن، وخفي ذلك في جميع الأزمان...2.
 
2- ضرورة تواتر القرآن:
من الدلائل ذوات الشأن الداحضة لشبهة التحريف هي مسألة "ضرورة كون القرآن متواتراً" في مجموعه وفي أبعاضه، في سوره وآياته، حتّى في جمله التركيبيّة وفي كلماته وحروفه بل وحتى في قراءته وهجائه على ما أسلفنا في بحث القراءات، وقلنا إنّ الصحيح من القراءات هي القراءة المشهورة التي عليها جمهور المسلمين وقد انطبقت على قراءة عاصم برواية 
حفص.
 
فإنّ هذا ممّا يرفض احتمال التحريف نهائياً، لإنّ ما قيل بسقوطه وأنّه كان قراناً يُتلى إنّما نُقل إلينا بخبر الواحد، وهو غير حجّة في هذا الباب، حتّى لو فُرض صحّة إسناده.
 
هكذا استدلّ العلّامة الحلّي3 وجماعة من المحقّقين كالسيد المجاهد محمد بن علي



1 كشف الغطاء: كتاب القرآن من كتاب الصلاة، المبحث السابع والثامن، ص 298 ـ 299.
2 عن كتابه "الحق المبين"، ص 11، ونقله القاضي الطباطبائي في هامش الأنوار، ج 2، ص 359.
3 راجع: البرهان للبروجردي، ص 111.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

126

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 الطباطبائي1 والفقيه المحقّق المولى أحمد الأردبيلي2 والمحقّق المتتبّع السيد محمد الجواد العاملي وغيرهم.

 
3- مسألة الإعجاز:
ممّا يتنافى واحتمال التحريف في كتاب الله هي مسألة الإعجاز المتحدّى به. وقد اعتبره العلماء من أكبر الدلائل على نفي التحريف.
 
أمّا احتمال الزيادة، كما احتمله أصحاب ابن العجرد من الخوارج، قالوا بزيادة سورة يوسف في القرآن، لأنّها قصّة عشق ولا يجوز أن تكون وحياً3. وكما زعمه ابن مسعود بشأن سورتي المعوذتين4، فهذا كلّه احتمال باطل، إذ يستدعي ذلك أن يكون باستطاعة البشريّة أن تقوم بإنشاء سورة كاملة تُماثل سور القرآن تماماً. وقد قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾5.
 
وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾6 وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾7. وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِه﴾8.
 
فهذا التحدّي الصارخ يُبطل دعوى كلّ زيادة في سور القرآن وآياته الكريمة.
 
وكذا احتمال التبديل، فإنّ المتبدّل لا يكون من كلامه تعالى وإنّما هو من كلام مبدلِّه والكلام يسند إلى قائله إذا كان مجموع الكلمات مستندة إليه لا البعض دون البعض. إذن فاحتمال التبديل ولو في بعض كلمات القرآن يبطل إسناد مجموع الكتاب إليه سبحانه وتعالى.



1 راجع: البرهان للبروجردي، ص 120 ـ 121.
2 راجع: مجمع الفائدة، ج 2، ص 218.
3 الملل والنحل للشهرستاني، ج 1، ص 128.
4 ابن حجر، فتح الباري، ج 8، ص 571.
5 سورة الإسراء، الآية 88.
6 سورة هود، الآية 13.
7 سورة يونس، الآية 38.
8 سورة البقرة، الآية 23.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

 


127

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 ومن ذلك تعلم فساد ما قيل في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾1 إنّها متبدّلة من "كُنْتُمْ خَيْرَ أئِمَّةٍ..."، كما زعمه الشيخ النوري والسيد الجزائري2 وغيرهما.

 
وزعموا في كثير من كلمات قرآنيّة مثل ذلك وقالوا: ومثل هذا كثير3.
 
كلّ ذلك باطل لأنّه ورد بخبر واحد وهو غير حجّة في باب القطعيات.
 
وهكذا التبديل الموضعي يخلّ بنظم الكلام المبتني على الإعجاز نظماً وأسلوباً...
 
قالوا ـ في قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً﴾4ـ  إنّها متغيّرة من "ويتلوه شاهد منه إماماً ورحمة ومن قبله كتاب موسى" قالوا: تقدّم حرف على حرف فذهب معنى الآية5 حسب زعمهم.
 
ومثله النقص بإسقاط كلمة أو كلمات ضمن جملة واحدة، أنّها إذا كانت منتظمة في أسلوب بلاغي بديع، فإنّ حذف كلمات منها سوف يؤدّي إلى إخلال في نظمها ويذهب بروعتها الأولى ولا يدع مجالاً للتحدّي بها. الأمر الذي غفل عنه زاعمو التحريف.
 
زعموا إسقاط اسم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من مواضع من القرآن6، ذهولاً عن أنّه لو أثبتناه في تلك المواضع لذهب عنها تلك الرّوعة الراهنة، في حين لا حاجة إلى ذكر الاسم، وإنّما هو بيان شأن النزول لا غير.
 
وأسخف مزعومة زعمها هؤلاء هي سقط أكثر من ثلث القرآن ـ أي ما يزيد على ألفي آية ـ من خلال آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾7. زعموا عدم تناسبها مع ذيلها. فهناك زعموا سقطاً كثيراً فيما بين الجملتين8.



1 سورة آل عمران، الآية 110.
2 السيد نعمة الله الجزائري، منبع الحياة في حجية قول المجتهدين من الأموات، ص 67.
3 راجع: فيما نسبوه إلى النعماني، العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 90، ص 26.
4 سورة هود، الآية 17.
5 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 90، ص 26 ـ 27.
6 راجع: السيد نعمة الله الجزائري، منبع الحياة، ص 67.
7 سورة النساء، الآية 3.
8 الجزائري، منبع الحياة، ص 66.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
154

128

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 وخلاصة القول: إنّ زعم التحريف سواء بالزّيادة أم النقص أم التبديل يتنافى وموضع القرآن البلاغي المعجز تنافياً بيّناً.

 
4- آية الحفظ:
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾1. هذه الآية الكريمة ضمنت بقاء القرآن وسلامته عن تطرّق الحدثان عبر الأجيال.
 
وهو ضمان إلهي لا يختلف ولا يتخلّف وعداً صادقاً: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾2.
 
وهذا هو مقتضى قاعدة اللطف: "يجب على الله تعالى - وفق حكمته في التكليف - فعل ما يوجب تقريب العباد إلى الطاعة وبعدهم عن المعصية". ولا شكّ أنّ القرآن هو عماد الإسلام وسنده الباقي بقاء الإسلام، وهو خاتمة الأديان السماويّة الباقية مع الخلود. الأمر الذي يستدعي بقاء أساسه ودعامته قويمة مستحكمة لا تتزعزع ولا تنثلم مع عواصف أحداث الزمان. 
 
وأجدر به أن لا يقع عرضة لتلاعب أهل البدع والأهواء، شأن كلّ سند وثيق يبقى، ليكون حجّة ثابتة مع مرّ الأجيال.
 
وهذا الضمان الإلهي هو أحد جوانب إعجاز هذا الكتاب، حيث بقاؤه سليماً على أيدي الناس وبين أظهرهم، وليس في السماء في البيت المعمور في حقائب مخبوءة وراء الستور. ليس هذا إعجازاً إنما الإعجاز هو حفظه وحراسته في معرض عام وعلى ملأ الأشهاد.
 
فمن سفه القول ما عساه يقول أهل التحريف: إنّه تعالى يحفظ القرآن في المواضع الذي أنزله فيه. كما كان محفوظاً في المحلّ الأعلى قبل نزوله. والقرآن إنّما نزل به جبرئيل على قلب سيّد المرسلين ليكون من المنذرين، فمحلّه الذي أنزله تعالى فيه ووعده حفظه، هو قلبه الشريف، لا الصحف والدفاتر ولا غير صدره صلى الله عليه وآله وسلم من الضمائر..."3.



1 سورة الحجر، الآية 9.
2 سورة الرعد، الآية 31.
3 راجع: الشيخ النوري، فصل الخطاب، ص 360.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

129

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 هذا. وقد ذكر أهل التفسير ـ بشأن نزول الآية ـ أنّه صلى الله عليه وآله وسلم إنّما كان يخشى تلاعب أهل الأهواء بالقرآن من بعده، كما فعلوا بكتب الأنبياء السالفين. فنزلت الآية تُطمئنه على حفظه وحراسته عن تناوش الأعداء خلوداً مع الأبد1 وقرينة السياق أيضاً شاهدة على هذا المعنى.

 
5- نفي الباطل عنه:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾2.
 
هذه الآية أصرح دلالة من الآية الأولى، فقد وعد تعالى صيانته من الضياع وسلامته من حوادث الأزمان، مصوناً محفوظاً يشقّ طريقه إلى الأمام بسلام.
 
قوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾، الباطل: الفاسد الضائع: أي لا يعرضه فساد أو نقص لا في حاضره ولا في مستقبل الأيّام. وذلك لأنّه ﴿تَنزِيلٌ مِّن﴾ لدن ﴿حَكِيمٍ﴾، وأنّ حكمته تعالى لتبعث على ضمان حفظه وحراسته مع أبديّة الإسلام. ﴿حَمِيدٍ﴾، من كان محموداً على فعاله فلا يخلف الميعاد.
 
وقد اعترف الخصم بأنّ مطلق التغيير في القرآن يُعدّ باطلاً وتنافياً مع ظاهر الآية الكريمة. سوى أنّ المقصود غير هذا المعنى! قال: لأن المقصود هو البطلان الحاصل من تناقض أحكامه وتكاذب أخباره3.
 
قُلت: لعلّه لم يتنبّه لموضع قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾. والباطل الذي يُمكن إتيانه للكتاب هو تناول يد المحرّفين ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾4.
 
أمّا التناقض والتكاذب في أحكامه وإخباراته فهو من الباطل المنبعث من الداخل، وقد نفاه تعالى أيضاً بقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾5.
 
ومن ثمّ أطبق المفسِّرون على أنّ آية نفي الباطل هي من أصرح الآيات دلالة على نفي احتمال التحريف من الكتاب فلا تناله يد مغيّر أبداً.



1 وقد أشار إليه المحدث النوري في فصل الخطاب، ص 361.
2 سورة فصّلت، الآيتان 41 و 42.
3 الشيخ النوري، فصل الخطاب، ص 361.
4 سورة الحجر، الآية 91.
5 سورة النساء، الآية 82.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

130

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 المفاهيم الرئيسة

- للتحريف عدّة وجوه:
تحريف بمدلول الكلام ، تحريف قرائي، تحريف في لهجة التعبير، تحريف بتبديل الكلم، التحريف بالزيادة، التحريف بالنقص.
 
- إنّ ما ورد بشأن تحريف القرآن من الروايات العاميّة الإسناد لا تعدو كونها من اصطناع أهل الزنادقة ومن صنع الوضّاعين المعروفين بالكذب والاختلاق. أو أنّ لها تأويلاً صحيحاً لا يمسّ جانب تحريف الكتاب. وإلّا فهي أوهام وخرافات سلفيّة لا اعتبار بشأنها أصلاً، والأكثر إنّما هو من هذا القبيل.
 
- الدلائل على دحض شبهة التحريف:
1- بديهة العقل.
2- ضرورة تواتر القرآن.
3- مسألة الإعجاز.
4- آية الحفظ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
5- نفي الباطل عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ  تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

131

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 للمطالعة

العرض على كتاب الله
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ على كلّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه"1.
 
الأمر الذي يتنافى تماماً مع احتمال التحريف في كتاب الله، وذلك من جهتين:
الجهة الأولى: أنّ المعروض عليه يجب أن يكون مقطوعاً به، لأنّه المقياس الفارق بين الحقّ والباطل ولا موضع للشكّ في نفس المقياس.
 
إذن فلو عرضت روايات التحريف على نفس ما قيل بسقوطه لتكون موافقة له، فهذا عرض على المقياس المشكوك فيه، وهو دور باطل. وإن عرضت على غيره فهي تُخالفه، قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾2 وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾3.
 
الجهة الثانية: إنّ العرض لا بدّ أن يكون على هذا الموجود المتواتر لدى عامّة المسلمين لما ذكرناه - في الجهة الأولى - من أنّ المقياس لا بدّ أن يكون متواتراً مقطوعاً به. وروايات التحريف إذا عرضت على هذا الموجود بأيدينا كانت مخالفة له، لأنّها تنفي سلامة هذا الموجود وتدلّ على أنّه ليس ذلك الكتاب النازل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا تكذيب صريح للكتاب ومخالفة عارمة مع القرآن.
 
هكذا استدلّ المحقّق الثاني (الكَرَكي)4 والسيد محمد مهدي الطباطبائي (بحر العلوم)5.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 69، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب.
2 سورة فصّلت، الآية 42.
3 سورة الحجر، الآية 9.
4 بنقل السيد شارح الوافيه، أنظر: البرهان للبروجردي، ص 116 ـ 117.
5 بنقل البروجردي في البرهان، ص 118 ـ 120.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

132

الدرس الثاني عشر: صيانة القرآن من التحريف

 لكن زعم المحدّث النوري أن لا منافاة بين أخبار العرض ووقوع التحريف في القرآن: فإنّ الأمر بالعرض على كتاب الله صدر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حال حياته أمّا وقوع السقط والتبديل فإنّما حصل بعد وفاته1.

 
وهذا كلام غريب، إذ أحاديث العرض لا يختصّ صدورها عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بل نطق بها - دستوراً عامّاً - الأئمة المعصومون بعده أيضاً.
 
ثمّ إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك خشية وفور الكذّابة بعده، فبيّن للأمّة على طول الدهر معياراً يقيسون عليه السليم من السقيم من أحاديثه المنسوبة إليه، وليس علاجاً موقّتاً خاصاً بحال حياته صلوات الله عليه.



1 راجع: الشيخ النوري، فصل الخطاب، ص 362 ـ 363.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

133

الدرس الثالث عشر: تفسير سورة الفاتحة (1)

 الدرس الثالث عشر: تفسير سورة الفاتحة (1)



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يتعرّف على خصائص سورة الفاتحة.
2- يفهم معاني آيات السورة إجمالاً.
3- يشرح معاني مفردات، الحمد، الرحمن الرحيم، الرب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
163

134

الدرس الثالث عشر: تفسير سورة الفاتحة (1)

 بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 
﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾
 
خصائص سورة الفاتحة
لهذه السّورة مكانة متميّزة بين سور القرآن الكريم. وتبدأ هذه السّورة - بعد البسملة - بحمد الله والثناء عليه، وتستمرّ في إقرار الإِيمان بالمبدأ والمعاد "بالله ويوم القيامة"، وبحصرالعبادة والاستعانة بالله تعالى، وتنتهي بالتضرّع والطلب للهداية، والتبرّؤ من أهل الضلالة والغواية..
 
سورة الحمد أساس القرآن: فقد رويَ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: "ألا أُعَلّمُكَ أَفْضَلَ سُورَة أَنْزَلَهَا اللهُ في كِتَابِهِ؟ قَالَ جَابرُ: بَلى بِأَبي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِيهَا. فَعَلَّمَهُ الْحَمْدَ أُمَّ الْكِتَابِ، وَقَالَ: "هِي شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاء، إِلاّ السَّامَ، وَالسَّامُ الْمَوْتُ"1.
 
أمّ الكتاب: وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً أَنَّهُ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْزَلَ اللهُ في التَّوْرَاةِ، وَلاَ في الإنجيل ولا في الزّبُورِ وَلا في الْقُرْآنِ مِثْلَهَا، وَهِيَ أُمُّ الْكِتَابِ"2.





1 الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج 6، ص 232.
2 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج4، ص332.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
165

135

الدرس الثالث عشر: تفسير سورة الفاتحة (1)

 أهمّيّتها

أهمّيّة هذه السّورة تتّضح من محتواها، فهي في الحقيقة عرض لكلّ محتويات القرآن، فجانب منها يختصّ بالتوحيد وصفات الله، وجانب آخر بالمعاد ويوم القيامة، وقسم منها يتحدّث عن الهداية والضلال باعتبارهما علامة التمييز بين المؤمن والكافر، وفيها أيضاً إشارات إلى حاكمية الله المطلقة، وإلى مقام ربوبيّته، ونعمه اللّامتناهية العامّة والخاصّة "الرحمانية والرحيمية"، وإلى مسألة العبادة والعبوديّة واختصاصهما بذات الله دون سواه.
 
إنّها تتضمّن في الواقع توحيد الذّات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، وتوحيد العبادة.
 
وبعبارة أخرى: تتضمّن هذه السّورة مراحل الإِيمان الثلاث: الاعتقاد بالقلب، والإِقرار باللسان، والعمل بالأركان. ومن المعلوم أنّ لفظ "الأُمّ" يعني هنا الأساس والجذر.
 
محتوى السّورة
ويُمكن تقسيم هذه السّورة، من منظار آخر، إلى قسمين: قسم يختصّ بحمد الله والثناء عليه، وقسم يتضمّن حاجات العبد.
 
وإلى هذا التقسيم يُشير الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"قَالَ اللهُ عزّ وجلّ: قَسَّمْتُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بَيْني وَبَيْنَ عَبْدِي، فِنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سأَلَ.
 
إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ الله جَلَّ جَلاَلُهُ: بَدَأ عَبدِي باسْمِي وَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ اُتَمِّمَ لَهُ اُمُورَهُ وَأُبارِكَ لَهُ فِي أحوَالِهِ.
 
فَإذا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللهُ جَلَّ جلالُهُ: حَمَدَنِي عَبدِي وَعَلِمَ أَنَّ النِّعَمَ الَّتِي لَهُ مِنْ عِنْدِي، وَأَنَّ اْلبَلايَا الَّتِي دَفَعْتُ عَنْهُ فبِتَطَوُّلِي، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أُضِيفُ لَهُ إلى نِعَمِ الدُّنْيَا نِعَمَ الآخِرَةِ، وَأَدْفَعُ عَنْهُ بَلاَيَا الآخِرَةِ كَمَا دَفَعْتُ عَنْهُ بَلاَيَا الدُّنْيَا.
 
وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيم﴾ قَالَ الله جَلَّ جَلاَلُهُ: شَهِدَ لِي عَبْدِي أَنِّي اَلرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، أُشْهِدُكُمْ لأُوَفِّرَنَّ مِنْ رَحْمَتِي حَظَّهُ وَلأُجْزِلَنَّ مِنْ عَطَائِي نَصِيبَهُ.
 
فَإِذَا قَالَ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ الله تَعالى: أُشهِدُكُمْ كَمَا اعْتَرَفَ بِأَنِّي أَنَا مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ لأُسَهِّلَنَّ يَوْمَ الْحِسابِ حِسَابَهُ، وَلأَتَقَبَّلَنَّ حَسَنَاتِهِ، وَلأَتَجَاوَزَنَّ عَنْ سَيِّئاتِهِ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
166

136

الدرس الثالث عشر: تفسير سورة الفاتحة (1)

 فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قَالَ اللهُ عزّ وجلّ: صَدَقَ عَبْدِي، إِيَّايَ يَعْبُدُ أُشْهِدُكُمْ لأُثِيبَنَّهُ عَلَى عِبَادَتِهِ ثَوَاباً يَغْبِطُهُ كُلُّ مَنْ خَالَفَهُ في عِبَادَتِهِ لي.

 
فَإِذَا قَالَ: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ اللهُ تَعالى: بِيَ اسْتَعَانَ عَبْدِي، وَإلَيَّ اِلْتَجَأَ، أُشْهِدُكُمْ لأُعِينَنَّهُ عَلى أمْرِهِ، ولأُغيثَنَّهُ فِي شَدَائِدِهِ وَلآخُذَنَّ بِيَدِهِ يَوْمَ نَوَائِبِهِ.
 
فَإِذَا قَالَ: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ إلى آخر السّورة قَالَ الله عزّ وجلّ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ وَقَد اسْتَجَبْتُ لِعَبْدِي وَأَعْطَيتُهُ مَا أَمَّلَ وَآمَنْتُهُ مِمَّا مِنْهُ وَجِلَ"1.
 
في رحاب سورة الفاتحة
1- بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
دأبت الأمم والشّعوب على أن تبدأ كلّ عمل هامّ ذي قيمة باسم كبير من رجالها. والحجر الأساس لكلّ مؤسّسة هامّة يوضع باسم شخصيّة مرموقة في نظر أصحابها، أي أنّ أصحاب المؤسّسة يبدؤون العمل باسم تلك الشّخصيّة.
 
ولكن، أليس من الأفضل أن يبدأ العمل في أُطروحة أُريد لها البقاء والخلود باسم وجود خالد قائم لا يعتريه الفناء؟ فكلّ ما في الكون يتّجه إلى الزّوال والفناء، إلّا الذّات الأبديّة الخالدة... ذات الله سبحانه.
 
إنّ خلود ذكر الأنبياء سببه ارتباطهم بالله وبالقيم الإنسانيّة الإِلهيّة الخالدة كالعدالة وطلب الحقيقة، وخلود اسم رجل في التّاريخ مثل "حاتم الطّائيّ" يعود إلى ارتباطه بواحدة من تلك القيم هي "السّخاء".
 
صفة الخلود والأبديّة يختصّ بها الله تعالى من بين سائر الموجودات، ومن هنا ينبغي أن يُبدأ كلّ شيء باسمه وتحت ظلّه وبالاستمداد منه. ولذلك كانت البسملة أوّل آية في القرآن الكريم.
 
ولذلك جاء في الحديث النّبويّ الشريف: "كُلُّ أمْرٍ ذِي بَال لا يُذْكَرْ اسْمُ اللهِ فيه فَهُوَ أَبْتَرُ"2.
 
وعن أمير المؤمنين عليه السلام بعد نقله لهذا الحديث الشريف: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ أَوْ يَعْمَلَ عَمَلاً فَيَقُولُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهُ يُبَارَكَ فيهِ"3.



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج82، ص60.
2 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 7، ص 170.
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج89، ص243.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
167

137

الدرس الثالث عشر: تفسير سورة الفاتحة (1)

 وعن الإِمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام: "... وَيَنْبَغي الإتيان بِهِ عِنْدَ افْتِتَاحِ كُلِّ أَمْر عَظِيم أَوْ صَغِير لِيُبَارَكَ فيهِ"1.

 
بعبارة موجزة: بقاء العمل وخلوده يتوقّف على ارتباطه بالله.
 
2- كلمة: الله
وهي عَلَم للذّات الإلهيّة المقدّسة وهي أشمل أسماء ربّ العالمين، فكلّ اسم ورد لله في القرآن الكريم وسائر المصادر الإِسلاميّة يُشير إلى جانبٍ معيّن من صفات الله. والاسم الوحيد الجامع لكلّ الصفات والكمالات الإِلهيّة أو الجامع لكلّ صفات الجلال والجمال هو "الله".
 
ولذلك اعتُبرت بقيّة الأسماء صفات لله تعالى مثل: "الغفور" و"الرحيم" و"السميع" و"العليم" و"البصير" و"الرزّاق" و"ذو القوّة" و"المتين" و"الخالق".
 
3- الرّحمة الإِلهيّة الخاصّة والعامّة
المشهور بين جماعة من المفسّرين أنّ صفة "الرحمن" تُشير إلى الرحمة الإِلهيّة العامّة، وهي تشمل الأولياء والأعداء، والمؤمنين والكافرين، والمحسنين والمسيئين، فرحمته تعمّ المخلوقات، وخوان فضله ممدود أمام جميع الموجودات، وكلّ العباد يتمتّعون بموهبة الحياة، وينالون حظّهم من مائدة نعمه اللّامتناهية. وهذه هي رحمته العامّة الشاملة لعالم الوجود كافّة وما فيه من كائنات.
 
وصفة "الرحيم" إشارة إلى رحمته الخاصّة بعباده الصالحين المطيعين، قد شملتهم بإيمانهم وعملهم الصالح، وَحُرِم منها المنحرفون والمجرمون.
 
وفي رواية عن الإِمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام قَالَ: "وَالله إلهُ كُلِّ شَيْء الرَّحْمنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ، الرَّحِيمُ بِالْمُؤْمِنينَ خَاصَّةً"2.
 
4- الْحَمْدُ ِللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
بعد البسملة، أوّل واجبات العباد أن يستحضروا دوماً مبدأ عالم الوجود، ونِعَمه اللامتناهية، هذه النِّعم الّتي تُحيطنا وتغمر وجودنا، وتهدينا إلى معرفة الله من جهة،



1 الفيض الكاشاني، التفسير الصافي، ج1، ص82.
2 الكليني، الكافي، ج1، ص114.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
168

138

الدرس الثالث عشر: تفسير سورة الفاتحة (1)

 وتدفعنا إلى طريق العبوديّة من جهة أخرى.

 
وعندما نقول إنّ النِّعم تُشكِّل دافعاً ومحرِّكاً إلى طريق العبوديّة فذلك، لأنّ الإِنسان مفطور على البحث عن صاحب النعمة حينما تصله النعمة، ومفطور على أن يشكر المنعم على إنعامه.
 
من هنا فإنّ علماء الكلام (علماء العقائد) يتطرّقون في بحوثهم الأوّلية لهذا العلم إلى "وجوب شكر المنعم" باعتباره أمراً فطريّاً وعقليّاً دافعاً إلى معرفة الله سبحانه.
 
وإنّما قُلنا إنّ النِّعم تهدينا إلى معرفة الله، لأنّ أفضل طريق وأشمل سبيل لمعرفته سبحانه، دراسة أسرار الخليقة، وخاصّة ما يرتبط بوجود النِّعم في حياة الإنسان.
 
خطّ التوحيد الّذي دعا إليه الأنبياء عليهم السلام يتميّز بنبذ فكرة الأرباب المتعدِّدين، وهداية البشريّة نحو الإله الواحد الأحد، وانطلاقاً من هذه الأهميّة القصوى للقضاء على الآلهة المتعدِّدة جاء التأكيد القرآنيّ بعد آية البسملة بقوله: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
 
وبهذا يرسم القرآن الكريم خطّ البطلان على جميع الأرباب المزيّفين، ويغرس محلّها أزهار التوحيد والاتّحاد.
 
هذا التأكيد يتلوه الإِنسان المسلم عشر مرّات في صلواته اليوميّة - على الأقل - لتترسّخ فكرة التوحيد، وفكرة رفض ربوبيّة كلّ الأرباب المدّعاة، غير ربوبيّة الله ربّ العالمين.
 
ربوبيّة الله طريق لمعرفة الله.
 
كلمة (الربّ)، وإن كانت تعني في الأصل المالك والصاحب، إلّا أنّها تتضمّن أيضاً معنى الصاحب المتعهّد بالتربية والرعاية.
 
وإمعان النظر في المسيرة التكامليّة للموجودات الحيّة، وفي التغييرات والتحوّلات الّتي تجري في عالم الجماد، وفي الظروف الّتي تتوفّر لتربية الموجودات، وفي تفاصيل هذه الحركات والعمليّات، هو أفضل طريق لمعرفة الله. والتنسيق اللاإراديّ بين أعضاء جسدنا هو نموذج حيّ لذلك.
 
يقول تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾1.



1 سورة فصّلت، الآية 53.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
169

139

الدرس الثالث عشر: تفسير سورة الفاتحة (1)

 المفاهيم الرئيسة

- من خصائص سورة الحمد أنّها أساس القرآن وأمّ الكتاب.

- أهمّيّة هذه السّورة تتّضح من محتواها، فهي في الحقيقة عرض لكلّ محتويات القرآن من توحيد ومعاد وهداية وضلال.

- تتضمّن هذه السّورة مراحل الإِيمان الثلاث: الاعتقاد بالقلب، والإِقرار باللسان، والعمل بالأركان. ويُمكن تقسيم هذه السّورة، من منظار آخر، إلى قسمين: قسم يختصّ بحمد الله والثناء عليه، وقسم يتضمّن حاجات العبد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
170

140

الدرس الرابع عشر: تفسير سورة الفاتحة (2)

 الدرس الرابع عشر: تفسير سورة الفاتحة (2)



أهداف الدرس
على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس أن:
1- يعرف معنى: إيّاك نعبد وإيّاك نستعين.
2- يفهم صفات أهل الهدى وأهل الضلال.
3- يشرح صفات المغضوب عليهم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
171

141

الدرس الرابع عشر: تفسير سورة الفاتحة (2)

 1- ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

هذه الآية تُلفت الأنظار إلى أصل هامّ آخر من أصول الإِسلام، هو يوم القيامة: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وبذلك يكتمل محور المبدأ والمعاد، الّذي يُعتبر أساس كلّ إصلاح أخلاقيّ واجتماعيّ في وجود الإِنسان.
 
تعبير ﴿مَلِكِ﴾ يوحي بسيطرة الله التامّة وهيمنته المستحكمة على كلّ شيء وعلى كلّ فرد في ذلك اليوم، حيث تحضر البشريّة في تلك المحكمة الكبرى، وتقف أمام مالكها الحقيقيّ للحساب، وترى كلّ ما فعلته وقالته، بل وحتّى ما فكّرت به، حاضراً..
 
الإِيمان بيوم القيامة، وبتلك المحكمة الإِلهيّة الكبرى الّتي يخضع فيها كلّ شيء للإحصاء الدقيق، له الأثر الكبير في ضبط الإِنسان أمام الزلّات، ووقايته من السقوط في المنحدرات.
 
وأحد أسباب قدرة الصلاة على النهي عن الفحشاء والمنكر هو أنّها تُذكِّر الإِنسان بالمُبدئ المطّلع على حركاته وسكناته، وتُذكّره أيضاً بمحكمة العدل اللهيّ الكبرى.
 
التركيز على مالكيّة الله ليوم القيامة يُقارع من جهة أُخرى معتقدات المشركين ومنكري المعاد، لأنّ الإِيمان بالله عقيدة فطريّة عامّة، حتّى لدى مشركي العصر الجاهليّ، وهذا ما يُوضّحه القرآن إذ يقول: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾1 بينما الإِيمان بالمعاد ليس كذلك، فهؤلاء المشركون كانوا يواجهون مسألة المعاد بعناد واستهزاء ولجاج: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾2.



1 سورة الزمر، الآية 38.
2 سورة سبأ، الآيتان 7 و 8.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
173

142

الدرس الرابع عشر: تفسير سورة الفاتحة (2)

 وروي عن الإمام عليّ بن الحسين السجّاد عليه السلام: "أَنَّه كَانَ إذا قَرَأَ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يُكَرِّرُهَا حَتَّى يَكَاد أَنْ يَمُوتَ"1.

 
أمّا تعبير ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾، فحيثما ورد في القرآن يعني يوم القيامة، وتكرّر ذلك في أكثر من عشرة مواضع من كتاب الله العزيز، وفي الآيات 17 و 18 و 19 من سورة الانفطار ورد هذا المعنى بصراحة.
 
وأمّا سبب تسمية هذا اليوم بيوم الدِّين، فلأنّ يوم القيامة يوم الجزاء، و"الدِّين" في اللغة "الجزاء"، والجزاء أبرز مظاهر القيامة، ففي ذلك اليوم تُكشف السرائر ويُحاسب النّاس عمّا فعلوه بدقّة، ويرى كلّ فرد جزاء ما عمله صالحاً أم طالحاً.
 
وفي حديث عن الإِمام الحسن العسكري عليه السلام يقول: "يَوْمُ الدِّينِ هُوَ يَوْمُ الْحِسَابِ"2، "والدِّين" استناداً إلى هذه الرواية يعني "الحساب".
 
2- ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
في هذه الآية يتغيّر لحن السّورة، إذ يبدأ فيها دعاء العبد لربّه والتضرّع إليه. الآيات السابقة دارت حول حمد الله والثناء عليه، والإِقرار بالإِيمان والاعتراف بيوم القيامة. وفي هذه الآية يشعر الإِنسان - بعد رسوخ أساس العقيدة ومعرفة الله في نفسه - بحضوره بين يدي الله... يُخاطبه ويُناجيه، ويُقرّ أوّلاً بتعبّده، ثمّ يستمدّ العون منه وحده دون سواه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
 
بعبارة أُخرى: عندما تتعمّق مفاهيم الآيات السابقة في وجود الإِنسان، وتتنوّر روحه بنور ربّ العالمين، ويُدرك رحمة الله العامّة والخاصّة، ومالكيّته ليوم الجزاء، يكتمل الإِنسان في جانبه العقائديّ. وهذه العقيدة التوحيديّة العميقة، ذات عطاء يتمثّل.
 
أوّلاً: في تربية الإِنسان العبد الخالص لله، المتحرّر من العبوديّة للآلهة الخشبيّة والبشريّة والشهويّة.
 
ثانياً: في الاستمداد من ذات الله تبارك وتعالى خاصّة دون غيره.



1 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج6، ص152.
2 التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام، ص38.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
174

143

الدرس الرابع عشر: تفسير سورة الفاتحة (2)

 الآيات السابقة تحدّثت في الحقيقة عن توحيد الذَّات والصِّفات، وهذه الآية تتحدّث عن توحيد العبادة وتوحيد الأفعال.