المعرفة العقلية والقلبية


الناشر: مركز نون للتأليف والترجمة

تاريخ الإصدار: 2016-05

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 

المقدمة

13

المحور الأول:الإنسان والعالم في المنظور الإلهي

15

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

17

مقدمة

17

تعريف مصطلح المنظور

17

أنواع معرفة العالم

19

تنوّع النَّظرة إلى العالم

21

 مشكلات المنظور العلمي

22

النظرة الإلهية والنظرة المادّيّة

29

تهرُّبُ المادّيين من الصيغة الصحيحة

30

 تحليل لموقف المادّيين

31

ما هو المعيار الصحيح؟

33

أسلوب الجدليين والميتافيزيقيين

34

طريقة المعرفة

38

التعرّف على ما وراء الطبيعة بالطبيعة

38

 الفرق بين المعرفة الفلسفية والمعرفة العادية

41

المعرفة السطحية والمعرفة المنطقية التعميمية والتجريبية

42

 المعرفة المنطقية العمودية

43

العالَم في نظر العالِم الإلهي    

44

 

 

 

 

 

 

 

 

5


1

الفهرس

 

نظرة الدّين إلى الدنيا

47

مقدّمة

47

 الخطأ في تفسير الزهد وترك الدنيا

47

الزهد في القرآن

48

 هل التعلّق بالدّنيا مذموم؟

49

 طرق الحلّ

51

 منطق القرآن

52

أصل هذا المنطق في نظرة الإسلام إلى الدنيا

54

 الأخلاق والحبّ

55

إنكارٌ في غير محلّه

57

مقدّمة

57

غرور العلم الناقص

58

معرفة الحدود   

59

جهاز الإدراك عند البشر

63

معرفة الأشياء بأضّدادها

63

 تطبيقات على المعرفة بالأضداد

64

الله نور مطلق وظاهر مطلق

66

معرفة النفس

67

الإنسان المحدود يعرف الله بمحدوديَّته

68

حياة النمل في كلام عليٍّ عليه السلام      

69

العقل والقلب

73

الإنسان ذو بعدين

73

الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر

74

تأثير القلب في أحكام العقل

75

حسن الظنّ بالذات وسوء الظنّ بالآخرين

77

 الحلّ بتقوية سلطان العقل

78

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

6


2

الفهرس

 

بحثاً عن الحقيقة

81

تمهيد

81

الإنسان بين الشكّ والإيمان

81

الدعوة إلى الشكّ في القرآن الكريم

83

القرآن يعارض التبعيّة المطلقة

83

الغزالي والتشكيك

84

القرآن يوعد بالحقيقة بعد الشك

86

الشكّ المقدس

88

الشكّ غير المقدّس

91

 الشباب والإصابة بالشكّ

94

 المجتمع وحالة الشكّ    

94

المحور الثاني:الطريق العلمي للوصول إلى الله

97

التَّقوى

99

التَّقوى لغة

99

مخافة الله‏

101

معنى التَّقوى وحقيقتها

102

الإكراه العَمليّ

105

‏التَّقوى في نهج البلاغة

106

‏التَّقوى والحرية

107

‏التَّقوى قيد أم صيانة؟

108

التَّقوى الحارسة

109

‏أثر التَّقوى وقيمتها

110

بين التقوى والقوانين المعاصرة

111

التَّقوى والصحة    

113

آثار التَّقوى

115

التَّقوى والبصيرة

115

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

7


3

الفهرس

 

 كيف نربط بين البصيرة والتقوى؟

119

 التَّقوى والحكمة العملية

119

 سرّ تأثير التَّقوى في البصيرة

121

الإنسان وإتباعه الهوى

124

 هل الذكاء غير العقل؟

125

التَّقوى وتلطيف الإحساسات

126

 التَّقوى وقهر الشَّدائد

127

أنواع الشدائد والصعاب

127

التقوى خلاص من الهلكة

129

الدُّعاء

133

الرّوح المعنويّة في الدّعاء‏

133

 طريق القلب إلى الله‏

134

الانقطاع الاضطراري والاختياري

135

 شروط الدعاء‏

136

 الدّعاء والقضاء والقدر

140

 ليالي القدر

140

 لذَّة الدّعاء والانقطاع إلى الله

141

الشَّدائد والصّعاب

143

الشّدائد ألطاف الله

143

الشَّدائد البنَّاءة

144

الامتحان الإلهي

144

التربية على الدلال

146

فلسفة الواجبات الشاقة

148

 العسر والحرج  

149

آثارُ الإيمان وفوائده

151

مقدّمة

151

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8


4

الفهرس

 

 رأسُ مالٍ أم عبء‏

151

 الإيمان سند الأخلاق

153

 سلامة الجسم والروح

156

الانسجام مع المحيط

156

مفهوم الرضا والتسليم

158

السيطرة على النَّفس

158

العلم والمهارة

159

الإسلام ونظرته إلى العلم

161

مقدّمة

161

الإسلام يوصي بالعلم

162

 ما هو العلم في المنظور الإسلامي؟

163

 سيرة أئمَّة الدِّين‏

165

 منطق القرآن

165

التوحيد والعلم

166

هل العلم وسيلة أم غاية؟

167

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

169

مقدّمة

169

 القيمة الذاتيَّة والقيمة النسبيّة‏

169

المنطق الاجتماعيّ ‏

172

 دور العدالة الاجتماعيّة في المعنويّات‏

173

 تأثير العدالة الاجتماعيّة في الأفكار والعقائد

175

أصل ظهور فكرة الحظّ

175

سوء الظن بالزمان

177

 العدالة الاجتماعيّة وسلوك الفرد

178

آثار التمييز الأخلاقيّة

179

أخلاقيّة متجانسة في مجتمعٍ متجانس

181

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9


5

الفهرس

 

سرّ نجاح الإسلام

182

 أثر العدالة في السلوك العام

183

المحور الثالث: العقل والقلب في المعرفة القرآنية

187

التعرّف على القرآن الكريم  

189

ضرورة معرفة القرآن الكريم

189

 أنواع معرفة القرآن

190

أصالات القرآن الثلاث

195

شروط معرفة القرآن

196

الحكمة من وجود المحكم والمتشابه

197

 ما معنى معرفة القرآن؟

199

 المنهج السليم في تفسير القرآن    

202

المعرفة التحليليّة للقرآن الكريم  

205

مقدّمة

205

كيف يعرِّف القرآن نفسه؟

206

 لغة القرآن

207

تأثير القرآن في النفوس

208

من يخاطبهم القرآن  

211

القرآن وقضية الفكر

213

أصل الفكر

213

 العلم هو مادة الفكر!

215

انحراف المسلمين عن مسار التفكير الإسلامي

215

 المجادلات الكلامية

216

وحدة الوجود ووحدة الخالق في القرآن    

216

العقل في المنظور القرآني

219

مقدّمة

219

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

10


6

الفهرس

 

الدعوة إلى التعقّل في القرآن

219

الاستفادة من قانون العلّيّة

220

 فلسفة الأحكام

221

مكافحة شطحات العقل

222

منشأ الخطأ في نظر القرآن  

223

القلب في القرآن الكريم

227

مقدّمة

227

تعريف القلب

227

مميّزات القلب في القرآن الكريم

228

قوى الباطل واستهدافها للقلب    

229

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

233

الربيع والانبعاث

233

الحياةُ حقيقةٌ أرفع من المادّة

234

هل الحياة من خصائص المادّة؟

235

 نظام الوجود وسنّته

237

 البحث عن الله في المعلومات

237

 قضية بدء الحياة

239

 داروين والنفخة الإلهية

240

 قصَّة آدم في القرآن

241

نماذج من تفسير القرآن الكريم

243

تفسير سورة الانشراح  

243

 تفسير سورة الزلزلة

255

 

 

 

 

 

 

 

 

 

11


7

المقدمة

 المقدمة

 
القرآن الكريم كتاب هداية ليس للمسلمين فحسب بل للإنسانية جمعاء، يهدف إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور: ﴿ِكِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾1، وأحد أساليب القرآن في دفع الناس نحو الهداية، هو أسلوب مخاطبة العقل والفكر والدعوة إلى التدبّر: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾2
 
إنّ إحدى مسؤوليات القران هي مخاطبة العقل والدعوة إلى التحليل والعقل والتعليم والتذكر والتفكر. ولكن القران يتّجه -بعد مخاطبة العقل- إلى أسلوب آخر في الخطاب هو أسلوب مخاطبة القلب، إذ يقول: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾3 ويقول: ﴿إلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾4 وأيضاً: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾5. فالقلب إذاً له تلك الموقعية المهمّة في عملية الاستجابة للدعوة الإلهية، فإذا ما تحرك القلب وأصابته رجفة العشق، اهتزّ كيان الإنسان وطوى طريق الغيب والشهادة نحو الله تعالى. والقرآن الكريم يتناول هذين الأسلوبين اللذين يدفعان نحو الوصول إلى هدف واحد هو هداية الإنسان.
 
 
 


1- ابراهيم، 1.
2- ص، 29.
3- ق، 37.
4- الشعراء، 89.
5- ق، 33.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

8

المقدمة

 وللشهيد مطهري محاضرات قيّمة يتناول فيها هذا الجانب، وهو خطاب القرآن للعقل والقلب، يبيّن فيها موقعيّة كل من العقل والقلب في الفكر الإسلامي من الناحية النظرية والعلاقة الناشئة بينهما، وكذلك يتعرّض للطرق العملية التي يعتمدها الإنسان في الوصول إلى الله تعالى، وكذلك يقوم الشهيد مطهري بعرض مفاهيم تتعلّق بالمعرفة التي يقدِّمها القرآن الكريم، ونظرة القرآن لكلٍّ من العقل والقلب، في قالبٍ فكريٍّ قائمٍ على دعامة التّوحيد بأبعاده النّظرية والعملية.


إنَّ مجموع هذه المحاضرات المختارة من فكر الشهيد مطهري، تهدف إلى الإضاءة على فكرة التكامل بين أسلوبي القرآن في مخاطبة العقل والقلب، وذلك من أجل إنجا ح مهمّة شاقّة هدفها تحرير الإنسان من عبوديّة الدّنيا، والتعلّق بالله تعالى. والوعي الفكري والبناء العقلي، لا يمكن أن يتمّ على أكمل وجه، إلا إذا أضيف إليه معرفة قلبية دافقة طاهرة وسليمة، ليتاح للإنسان أن يبدأ بتغيير نفسه من أجل الوصول إلى إصلاح المجتمع والإنسانية.

إنّ هذا الكتاب يحوي بين دفّتيه مجموعة محاضرات ومقالات تم اختيارها ومراجعتها لكي تساهم في تقديم رؤية صحيحة عن النفس والوجود، بشكل نظري وعملي، وهي موجّهة للطلاب الجامعيين الشباب بهدف تعريفهم أكثر على هاتين القوّتين الأساسيّتين في وجودهما أي؛ العقل والقلب، وعلى كيفية الاستفادة الصحيحة منهما في هذه الحياة الدنيا. وهي فرصة مهمّة أيضاً لتعريف الطلاب الشباب أكثر على الفكر النيّر لهذا العالم الربّاني، والعمل أكثر فأكثر على بناء ذاتٍ واعيةٍ تتحمَّل مسؤولية النّهضة بالأمّة الإسلامية بكل قوّة وثقة، كما كان حال هذا الشهيد العظيم.
 
 
مركز نون للتأليف والترجمة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
14

9

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي


مقدمة:

إنّ ما يقرأه القارئ المحترم في هذه المقالة ينبغي أن يؤخذ على أنّه مقدّمة للنّظرة الإلهية والنّظرة المادّية للعالم. أما البحث المسهب في هاتين النظرتين فيستوجب كتاباً ضخماً. إلّا أنّنا نسعى في هذه المقالة أن تكون إطاراً للخطوط العريضة ما يمكن أن يقتضيه بحث هذا الموضوع.

تعريف مصطلح المنظور:
قبل أن ندخل في الحديث عن هذين المنظورين للعالم، يلزمنا أن نعرف ماذا يعني مفهوم (النظرة إلى العالم).

من البديهي أنّنا ينبغي ألّا نأخذ تعبير (النَّظر) على أنّه يرادف (الإحساس بالعالم) فالنظرة إلى العالم تعني معرفة العالم، لا الإحساس به، لأنّها ترتبط بمعرفة العالم وإدراك كنهه، وهي لهذا من خصائص الإنسان وتتعلَّق بقدرة الإنسان على التّفكير في الوجود كلِّه وتقديره، بخلاف الإحساس بالعالم الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان.

إنَّ الكثير من الحيوانات متقدِّمة على الإنسان من حيث الإحساسُ بالعالم، سواء أكان ذلك بسبب امتلاكها لحواس يفتقر إليها الإنسان، أم بسبب أنّها تفوق الإنسان في حساسية حواسها التي تشترك فيها مع الإنسان.

والإحساس بالشيء غير معرفته، فنحن نحسّ شيئاً من دون أن نعرفه، وقد نعرف شيئاً بغير أن نحسّه، بل قد نحسّ آثاره وخصائصه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

10

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 إنّ اختلافَ الإنسان عن الأحياء الأخرى هو أنّ عالم هذه هو ما تحسّه فقط. أما الإنسان فإنّه فضلاً عن إحساسه بالعالم فإنّه يعرفه ويفسره، أو في الأقل، يستطيع أن يعرفه ويفسره.

 
إنّ آلافاً من النَّاس قد يشاهدون مسرحيةً أو حادثةً اجتماعيّةً ويحسُّون بها إحساساً متساوياً، إلّا أنّ القليلين منهم يفسِّرونها ويحلِّلونَها ويشرحونها، وقد يختلفون في التَّفسير والتَّحليل والشَّرح.
 
إذاً، معرفة العالم تعني تفسير العالم وتحليله ورسم ملامح الوجود، وبتعبير الفلاسفة: معرفة العالم هي (صيرورة الإنسان عالماً عقلياً يضاهي العالم العيني)، وبتعبير بسيط: معرفة العالم، هي الانطباع العام عن عالم الوجود برمّته.
 
فهل يمكن معرفة العالم؟ وهل يمكن تفسير الوجود بكلّيته وكشف ما يجري وفقه من نظام؟ وهل وُهب الإنسانُ وسيلةً تمكِّنه من هذا العمل المهم؟ ما هي تلك الوسيلة؟ أم إنّ معرفة العالم أمرٌ غير ممكنٍ بالمرَّة، وإنّ الإنسان لم يُمنح وسيلة ما لذلك، وإنّ ما قيل وسمع بهذا الشأن ليس سوى حلم وخيال، (على رأي اللاأدريين)1 كما جاء في هذه الرباعية من رباعيات (الخيام):
إنَّ الذين أمسوا محيطاً من الفضل والأدب
                            وباتوا في جمع العلوم شمعة للأصحاب
لم يصلوا من طريق هذا الليل الحالك إلى نهار
                            إنّما حكموا أسطورة وأخذوا إلى النوم
 
تلك هي مسائل سوف نبحثها بإيجاز، ولكن الذي لا ريب فيه هو أنّ الإنسان يجد نفسه محتاجاً إلى تفسير الوجود وتحليله، وذلك لأنّ الإنسانَ كائنٌ مفكِّرٌ يعي نفسه و(يختار) مسيرته في الحياة، وهذا ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالانطباع العام الذي يحمله عن الوجود
 
 
 
 

1- مصطلح مستعمل في اللغة الأردية مأخوذ من عبارة لا أدري ، يشير إلى الاتجاه الذي ينكر معرفة شئ عن الكون ، لان الكون لا وجود له على الحقيقة. واللاأدرية فرقة من السوفسطائية في مقابل العنادية بالمعنى الأخص المذكور في الكلام وعلم آداب البحث والمناظرة. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

11

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  والعالم والحياة والمبدأ والمنتهى.


إنَّ الإنسان لا يهتمُّ بمعرفة الأمور الجزئية التي تحيط به، ولايتعامل معها في حياته اليومية، بقدر اهتمامه بمعرفةِ تفسيرٍ عامٍّ للوجود.

وجميع الأديان والمبادئ والمذاهب والفلسفات الاجتماعية لا بدّ أن تتَّكئ على نوعٍ من نظرةٍ إلى العالم، إذ أنّ النّظرة إلى الوجود تعتبر المظلّة الفكريّة التي يستظلّ بها أيّ مذهبٍ من المذاهب والسّلوك الذي يسلكه. إنّ الأهداف التي يعرّفها مذهب ما ويدعو لها ويعيّن سبل تحقيقها، والأمور اللازمة وغير اللازمة التي يوردها والمسؤوليات التي يقرّرها، والقيم التي يقول بها، كلّها تنشأ بالضرورة من المنظور الذي يحمله عن الوجود، ومن العقائد والآراء التي يؤمن بها.

أنواع معرفة العالم:
إنّ النَّاس من حيث نظرتهم إلى العالم، مختلفون. فثمَّة أفرادٌ لم يرتفعوا عن مستوى الحيوانات، فليست لديهم وجهة نظرٍ عن العالم، فهم، كما يقول القرآن، لم (ينظروا) إلى العالم، ولم (يتفكروا) فيه. أمّا الذين لديهم بعض وجهة نظر، فهم يختلفون من حيث النّظرة. هذه الاختلافات على نوعين: 
نوعٌ ينطوي تحت اختلاف المنظور إلى العالم، ونوعٌ لا ينطوي تحت هذا الاختلاف، وذلك لأنَّ بعض الاختلافات (كمّي) وبعضها (كيفيّ).

- الاختلاف الكمّي: يعني أنّ فرداً يعرف موجودات أكثر، وآخر أقل. فهذا يعرف مثلاً، الكائنات غير الحيّة فقط، وغيره يعرف الكائنات الحية وغير الحيّة. هذا يعرف أحوال النّجوم، أو خواص الأشياء الفيزيائية والكيميائية أكثر، وغيره يعرفها أقل. إنَّ هذه الاختلافات لا تأثير لها في ما يدعى (وجهة نظر). أي لا يمكن القول بأنّ الشخص الذي اجتاز مرحلة أعلى في علم من العلوم يحمل (وجهة نظر) أفضل وأكمل من ذاك الذي ما زال في مرحلة أدنى من ذلك العلم نفسه. بل إنّ هذا النوع من المعرفة بالعالم -وإن ارتبط بـ(الإدراك) في مقابل (الإحساس)- فإنّه لا علاقة له بنظرة الإنسان إلى العالم،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
19

12

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  أي بتحليل عالم الوجود وتفسيره اللذين هما أساس عمل الإنسان.


فالقول بأنّ عدد النجوم يبلغ كذا ألفاً، أو مليوناً أو بليوناً، أو القول بأنّ عدد العناصر أربعة أو مائة لا يغير شيئاً من نظرة المرء الكلية إلى العالم، وإن في غيّر معرفته بجزءٍ منه. وهذا يشبه قولنا بأنّ معلوماتنا عن شخص ما إن كان في الأربعين أو في الستين، وإن كانت له خمسة أصابع أو ستة في كفه وقدميه، أو إن كان كثير النوم أو قليله، أو أن كانت فصيلة دمه ( O ) أو (B)، أو إن كان ضغطه معتدلاً أو مرتفعاً أو منخفضاً، لا يمكن أن تغير شيئاً من نظرتنا إلى هذا الشخص وانطباعاتنا عنه بالمرة.

- الاختلاف الكيفيّ: والذي يصحّ أنْ نسمّيه اختلاف الماهية، فيتعلّق بهيئة العالم الكليّة. أي أنّ اختلاف شخصين في معرفتهما بالعالم لا علاقة له بالكمّ، كأن يعرف أحدهما من ظواهر العالم أكثر ممّا يعرفه الآخر، بل إنّ علاقته بالكيف والماهية أقرب. أي أنّ منظور العالم والوجود في نظر شخصٍ يختلف عمّا هو في نظر شخص آخر.

فمثلاً هذا يرى العالم مجموعة أجزاء متناثرة غير مترابطة، وآخر يراه كالآلة التي تترابط كل أجزائها فيما بينها، وثالث يراه كائناً حياً تتّصل أجزاؤه اتصالاً عضوياً بعضها مع بعض. هذا يرى حوادث العالم سلسلة من المصادفات، ويراها الآخر ناشئة عن نظام العلّة والمعلول. هذا يرى نظام العالم حكيماً، والآخر يراه عبثاً فارغاً. هذا يراه نظاماً ثابتاً، ويراه غيره نظاماً متحرّكاً جارياً. هذا يراه على وتيرة واحدة، والآخر يراه متكاملاً. هذا يراه ناقصاً معيباً، ويراه الآخر خير نظام وأتقنه، وليس في الإمكان أبدع ممّا كان، وغيره يرى إمكان وجود نظام أحسن. يراه أحدهم خيراً محضاً، ويعتبره الآخر شراً محضاً، وثالثٌ يراه مزيجاً من الاثنين. هذا يرى العالم حيّاً وشاعراً، ويراه الآخر ميّتاً لا يشعر. هذا يراه متناهياً، وهذا يراه غير متناهٍ. هذا يرى للعالم أبعاداً ثلاثة، ويرى فيه الآخر أبعاداً أربعة. هذه وأمثالها هي الأمور التي تبدِّل منظورنا إلى العالم، وهي وأمثالها التي تؤلّف أركان نظرتنا إلى العالم والوجود.

كذلك الأمر بخصوص معرفتنا بشخصٍ ما: هل هو محبّ للخير أم أنّه معقّد حسود؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
20

13

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  هل هو ذكي يدرك النكتة أم أنّه أحمق أبله؟ ما هي نظرته إلى العالم والحياة؟ ما هو أسلوبه وطريقته؟ إنّ أمثال هذه الأسئلة التي ترتبط (بشخصيته) لا بشخصه هي التي تؤثّر في نوع نظرتنا إليه. أي كونه محبّاً للخير وذكياً وحاذقاً، يرسم له صورة معينة في نظرنا، ويكون مردود هذا في استجابتنا له مختلفاً عمّا لو تلقيّناه في صورة المعقد الحقود أو الأحمق الأبله، بخلاف معرفة ضغط دمه أو صنفه أو إن كان قلبه في الجهة اليسرى المألوفة من صدره أم أنّه في الجهة اليمنى بصورة شاذة، أم أنّ له قلباً واحداً أو قلبين، فذلك كّله لا تأثير له في صورة شخصيته في نظرتنا، ولا في انعكاسات أفعالنا تجاهه.


تنوّع النَّظرة إلى العالم:
إنَّ نظرة المرء إلى العالم يمكن أن تكون واحدةً من ثلاث، وذلك بلحاظ المنبع الذي تستقي منه: العلم، أو الفلسفة، أو الدين. وعليه فإنّ وجهة نظر المرء إلى العالم قد تكون علميَّة، أو فلسفيَّة، أو دينيَّة.

1-المنظور العلمي:
كيف يؤثّر العلم في نظرتنا إلى العالم، وإلى أي حدّ يؤثّر فيها؟ هل يستطيع العلم بمعزلٍ عن الفلسفة ومن دون الاستعانة بها، أن يمنحنا منظوراً عن العالم؟.
العلم يعني التحقيق في مواضيع خاصة، كالأجسام غير الحيّة والنباتات، والحيوان، وجسم الإنسان ونفسيّته، والمجتمع، وما إلى ذلك. والعلم يتوجَّه نحو أمورٍ ثلاثة: دراسة الأجزاء، والغرض والاختبار. فالعالم الذي يبحث في القوانين المتحكِّمة في ظاهرةٍ من الظَّواهر، يبدأ أولاً بدراسة أجزاء الظَّاهرة وملاحظتها. وبعد مرحلة الدّراسة والملاحظة والمطالعة، تتبلور في ذهنه فرضية، ومن ثمَّ يضعها موضع العمل والاختبار. فإذا أيَّدها الاختبار، تصبح عندئذٍ قاعدةً وتسجَّل، وتبقى نافذة المفعول حتى تظهر فرضيّة أخرى أكمل وأشمل، تجرى عليها تجارب أدقّ فإذا ثبتت هذه أزاحت الأولى واحتلَّت مكانها.
هذه هي طريقة العلم في معرفة العلل والمعلولات والأسباب والمسبِّبات، فبالاختبار العلمي يكتشف العلّة أو الأثر، ومن ثم يسعى للوصول إلى علّة تلك العلّة أو معلولها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

14

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 وبما أنّ العلم يستند إلى التجربة العملية، فإنّ له مميزاته ونواقصه. إنّ أهم مميزات المعرفة العلميّة كونها دقيقة وواضحة وتتناول الأجزاء. 

إنّ العلم، بدراسته وفرضياته وتجاربه واختباراته قادر على إعطاء الإنسان آلاف المعلومات عن أصغر ظاهرةٍ من الظَّواهر الطبيعيَّة، فهو يصنع كرّاسة من المعرفة من ورقة نبات صغيرة.
ثم إنّه باكتشافه القوانين المتحكّمة في أي كائن، يكشف للإنسان طرق الهيمنة والتسلّط على ذلك الكائن، ويكون بهذا قد أعلى من دعائم الصناعة والتكنولوجيا.

مشكلات المنظور العلمي:
ولكن العلم، على الرغم من أنّه دقيق، وواضح، ويمنح الإنسان القدرة والقوة فإنّ دائرته ضيقة، ولا يتجاوز حدود موضوعه الخاص، إذ هو يتقدم في مجال معرفة العلل والأسباب، أو المعلولات والآثار، ثم يصل إلى حيث يقول (لا أدري)!
والسبب واضح، فنحن نريد، مثلاً أن نعرف الحادث (أ) بالطريق العلمي فنبحث عن علّته، ونعرفها، ثم نفتش عن علّة العلّة ومعلول المعلول، وعن محيط أوسع وتاريخ أبعد، ولنفرض أنّنا قد بلغنا بكلِّ ذلك، بالبحث والافتراض والاختبار، إلى مرحلة وضع القوانين العلميّة، ولكنّنا مع ذلك سنواجه في نهاية المطاف سلسلةً لا نهاية لها من العلل والمعلولات اللامتناهية وعبر الزَّمان اللامتناهي في حجم بحارٍ من المجهولات، تتجسَّد كلُّها أمامنا. 
إنّ المعرفة العلميَّة أشبه بالكاشف القويّ في ليلةٍ ظلماء، يضيء دائرةً محدودةً إضاءةً جيّدةً، بحيث إنّنا نعثر على إبرتنا الضَّائعة في تلك الدَّائرة من الضَّوء السَّاطع. إلّا أنّ ما يضاء أمامنا لا يتعدَّى تلك الدَّائرة المحدودة، وكلَّما تقدَّمنا وأضأنا الظّلمات المتتالية، وجدنا أمامنا فضاءً من المجهول المظلم الذي لا ينتهي.
إنّ العالم، في المنظور العلمي، مثل كتاب قديم سقط أوّله وآخره، فلا أوَّل له معروفٌ ولا آخر له معروفٌ، ولا يُعرف مؤلفه، ولا يُدرى هدفه والغرض منه. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

15

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 فالمنظور العلمي للعالم منظورٌ جزئي لا كلي، وبديهي ألا تحيط النَّظرة الجزئيَّة إلى العالم بالمنظور الكليّ للعالم.


وبما أنّ المنظور العلمي منظورٌ جزئي، لا كلي، فإنّه غير قادرٍ على توضيح ملامح العالم كلها. 

وأمَّا محاولة معرفة ملامح العالم ككل استناداً إلى القياس على الجزء، فتذكِّرنا بالمحاولة الشَّعبية للتعرّف إلى الفيل حيث كانوا يتلمسونه في الظلام الدامس، محاولين تصوّر ماهيته وشكله مما تلمسه أيديهم من جسمه. فالذي لمست يده أذن الفيل قال إنّ الفيل يشبه المروحة، والذي لمس رجله قال إنّه يشبه العمود، والذي لمس خرطومه قال إنّه أشبه بالميزاب، والذي بلغت يده ظهره قال إنّه أشبه بسرير النَّوم.

إنّ الإنسان بحاجة إلى معرفة أكثر من المعرفة التي يمنحها العلم، بالمعنى الدَّقيق للعلم. من ذلك الإجابة عن أسئلةٍ مثل: من أين جاء العالم وإلى أين يذهب؟ ما وضعنا نحن من العالم؟ هل تسيِّر العالمَ قوانينُ ثابتةٌ لا تتغيَّر؟ هل الموجود مآله العدم، والمعدوم ممكن الوجود(بالمفهوم الفلسفي للوجود والعدم)؟ وهل يمكن إعادة المعدوم إلى الوجود، أم أنّ ذلك مستحيل هل السيادة حقاً للوحدة أم للكثرة؟ هل ينقسم العالم إلى مادي وغير مادي؟ هل يسير العالم على هدىً أم أنّه أعمى ولا هدف له؟ هل علاقة العالم بالإنسان علاقة أخذ وعطاء، فيجزي الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة، أم أنّ ذلك لا يعنيه في شيء؟ هل الحياة الآخرة بعد هذه فانيةٌ أم خالدة؟ وأمثال هذه المسائل ممّا سبق أن ذكرنا بعضاً آخر منها، وهي مسائل ليست لها ماهيّة علميّة، أي إنّ العلم لا يملك جواباً عنها بل يصل إلى حيث يقول (لا أعلم). مع أنّ هذه المسائل هي التي تمنح العالم قيافته وملامحه.

من مساوئ المنظور العلمي الأخرى، وهي ناتجةٌ مما سبق ذكره، أنّه لا يؤثّر في توجيهنا توجيهاً مناسباً. إنّ المنظور العلمي لا يستطيع أن يلهمنا السُّلوك الذي (يجب) أن نختاره في حياتنا، أي إنّ العلم يطلعنا إلى حدٍّ ما، على ما هو موجود، دون أن يوحي إلينا بما (ينبغي).

يقول (برتراند راسل) في كتابه عن المنظور العلمي: (في معرض بحثنا في تأثير العلم في حياة الإنسان يجب أن تُدرس ثلاثة مواضيع دراسةً مستقلّةً ومنفصلةً بعضها 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

16

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  

عن بعض إلى حدٍّ ما: الأوَّل ماهيَّة المعرفة العلميَّة وحدودها، والثَّاني القدرة المتزايدة على التّصرّف في الطّبيعة الناشئة عن تطوّر العلم، والتّكنولوجيا، والثّالث التَّطوّرات والتّقاليد الاجتماعية التي أوجدتها بالضرورة المؤسسات العلميّة الجديدة. لا شك أنّ العلم، بصفته معرفة، يعتبر أساساً لموضوعين آخرين أيضاً، وذلك لأن جميع تأثيرات العلم ناشئة عن المعرفة العلميّة. إن الإنسان بسب جهله بالأساليب والوسائل اللازمة، قد فشل في تحقيق آماله، وكلما اقترب هذا الجهل من الزوال، ازداد الإنسان قرباً من دائرة التكيّف مع محيطه المادّي ومحيطه الاجتماعي وفق المثال الذي وضعه لنفسه). و(إنّ قدرة العلم الجديدة هذه بالنسبة إلى تعميق إدراك الإنسان، مفيدة له، وبالنسبة إلى جهله مضرّة به. وعليه، إذا أريد للتمدّن العلمي أن يكون تمدّناً نافعاً، فلا بدّ من ازدياد الحكمة مع ازدياد العلم). 

(إنَّ قصدي من الحكمة هو إدراك أهداف الحياة الحقَّة، وهذا بذاته لا يحقّقه العلم فقط. وبناءً على ذلك، فعلى الرَّغم من أنَّ التقدّم العلمي واحدٌ من العناصر اللازمة للتقدُّم البشري، إلَّا أنَّ هذا لا يضمن إيجاد تقدُّمٍ حقيقيٍّ أبداً).

خلاصة رأي (راسل) هو أنَّ العلم يزيدُ من هيمنة الإنسان على المحيط الطبيعي والمحيط الاجتماعي بحيث إنَّه يستطيع أن يصوغهما كيفما يشاء، إلّا أنَّ العلم لن يقدر أن يلهم الإنسان الهدف الذي يناسبه وكيفيّة تحقيقه. 

في الحقيقة، إنَّ معرفة العالم العلميّة لا يمكن أن تكون (منظوراً للعالم) بالمعنى الصحيح لهذا المصطلح، أي إنَّها لا يمكن أن تعيّن للإنسان وظيفته في العالم، وأن تكون سبباً لخيره وصلاحه، وبعبارة أُخرى، إنَّ ما يُطلق عليه اسم النَّظرة العلميَّة للعالم، ليس بمقدوره أن يصبح متَّكأً عقائديّاً إنسانياً واقعياً.

ومن مساوئ المعرفة العلميّة الأُخرى، هي أنَّ قيمة المعرفة العلميّة أقرب إلى القيمة العلميّة منها إلى القيمة النظريّة، في حين أنَّ ما يمكن أن يكون صانعاً للمطامح، ومولّداً للإيمان، ومتَّكأ عقائدياً ليس سوى القيمة النظريّة. فالقيمة النظريّة تعني قدرة العلم على
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

17

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  كشف حقيقة الوجود كما هي، والقيمة العلميّة تعني قدرة العلم على إعانة الإنسان على التسلُّط على الطَّبيعة والتصرُّف فيها وتغييرها على وفق مراده.


إنَّ الفصل بين هذين الأمرين يبدو مستحيلاً لأوَّل وهلةٍ. فأن يكون للعلم أو للفلسفة قيمةً نظريّةً دون أن تكون لهما قيمةٌ علميةٌ لا يبدو عجيباً، بقدر تعجُّبنا في أن تكون لهما قيمةً علمية دون قيمةٍ نظريّة.

وإنَّ من العجائب في عالم اليوم، هو أنَّه بقدر ازدياد قيمة العلم العلميّة يوماً بعد يوم تنخفض قيمته النظريّة. إنَّ الذين يتدفؤون بنار العلم من بعيدٍ، يظنّون أنَّ تقدُّم العلم ناشئ من استنارة الضَّمير الإنساني ومن الإيمان والاطمئنان بأنَّ الواقع هو هذا الذي تنطبع صورته في مرآة العلم وتقدُّمه الذي لا يمكن إنكاره، غير أنَّ الأمر على العكس من ذلك.

يقول (برتراند راسل)، في كتابه الآنف الذكر، بعد أن يشرح نماذجَ الأساليب العلميّة في البحث وخصائصها، والحدودَ التي يدور فيها بحثٌ علميٌّ حول ما وراء الطَّبيعة: (أرى أنَّ العالم مجموعةٌ من منطلقاتٍ تفتقرُ إلى وحدةٍ لا ثباتَ لها ولا نظامَ ولا ترتيبَ، وتخلو من أيِّ محتوىً آخر يؤدِّي إلى علاقةِ حُبٍّ وتعلُّق. في الواقع لو تغاضينا عن التعصّب والعادات، فمن النَّادر أن نستطيع الدِّفاع حتَّى عن وجود العالم نفسه. وهذا بالطَّبع يشمل نظريَّات الفيزيائييِّن الأخيرة... فكيف ينبغي أن نفكِّر في الشمس اليوم؟ لقد كانت الشمس فيما مضى مصباح السَّماء النيِّر، وآلهة الأفلاك ذات الشَّعر الذهبي، ولكنَّها اليوم ليست سوى أمواج من الاحتمالات. فإذا سألتم: ما هي هذه التي تدعونها احتمالات أو في أي محيط تسير هذه الأمواج؟ لأجابك الفيزيائي كالمجنون: لقد سمعنا كثيراً من هذا الكلام! لنفرض أنَّنا أخذنا المسألة مأخذاً آخر، فماذا حينئذٍ؟ مع ذلك، إذا كنتم تصرّون، سوف يجيبكم قائلاً: إنَّ الأمواج موجودة في معادلته والمعادلة في فكره).

ثم يقول أيضاً: "إنَّه لأمر يدعو إلى العجب، ففي الوقت الذي نجد أكثر العلوم واقعية، الفيزياء، قد تخلَّى عن المنطق العلمي، وبدلاً من أن يضع الإنسانَ في عالمٍ صلدٍ نيوتني،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

18

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  يجعله في قبال عالمٍ خياليٍّ وغير واقعيّ، لقد أصبح العلم أوفرَ ثمراً وأقوى من أيِّ عصرٍ مضى لكي يقدِّم للحياة الإنسانيّة نتائجَ أفضل".


إنَّ انفصال العلم عن الفلسفة هو الذي جاء بخسائر لا يمكن تلافيها، وهكذا نجد أنَّ (الفلسفة العلميّة) التي تستند إلى بحوث جزئية وفرضيات واختبارات، يصل بها الأمر في النهاية إلى الاعتماد كلياً على الحواس. فما مصير فلسفة كهذه؟! ليس هنا مجال تفصيلِ هذا الموضوع.

من نواقص المعرفة العلميّة الأُخرى هي أنَّها من حيث وجهة نظرها الواقعية، وفي تلك الحدود التي تظهرها فيها، تبدو في مركزٍ متزلزلٍ غير ثابت. إنَّ ملامح العالم تتغيَّر يوماً بعد يومٍ من حيثُ المنظور العلمي، وذلك لأنَّ العلم يقوم على بحوثٍ والفرضيّات والاختبار، لا على البديهيَّات الأوليّة العقليّة والأصول الثَّابتة التي لا تتغيَّر. إنَّ القوانين التي تستند على الفرضيَّة والاختبار ذاتُ قيمةٍ مؤقَّتة. وهي دائماً عرضةٌ لظهور قوانين تنسخها. وبما أنَّ المنظور العلمي للعالم غيرُ ثابت، فهو لا يصلح لأنْ يكون مرتكزاً عقائدياً. فالعقائد لا تكون عقائد حقاً إلّا إذا استمسك بها الأفراد استمساكاً هو الإيمان المنظَّم. والإيمان يتطلَّب مركزاً ثابتاً لا يتزحزح، مرتكزاً يصطبغ بصبغة الخلود، ولذلك فإنَّ المنظور العلمي لا يمكن أن يكون هذا المرتكزِ بالنَّظر لمكانته المؤقّتة غير الثابتة.

منذ (هيجل) طُرحت فرضيّةُ تكامل الحقيقة. وهي فرضية ذات مفهومٌ خاص في الفلسفة (الهيجليّة)، تعتمد صحّتها أو عدم صحّتها على صحّة الفلسفة الهيجلية أو عدم صحتها بكليتها، وهذا ما لا نريد الخوض فيه.

إنَّ الذين لا يؤمنون بالفلسفة (الهيجليّة) يسعون إلى التوسّل بفرضيّة تكامل الحقيقة لتعليل نواسخ الفرضيّات العلميّة. لقد سبق لي أن بحثت أُصول الفلسفة الواقعية في مقالةٍ سابقة، وأثبت متى يكون مفهوم تكامل الحقيقة صحيحاً ومتى لا يكون.

لقد ظهر ممَّا قلناه أنَّ النَّظرة إلى العالم، إذا أريد لها أنْ تزخر بالمطامح وأنْ تبني الإيمان ولكي تكون مرتكزاً للإيديولوجية، عليها:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

19

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 - أولاً: أن تتجرّد من التحدّيات التي تلازم المعرفة العلميّة، وأنْ تجيب عن المسائل الخاصة التي تطرحها المعرفة والتي تتعلَّق بالعالم كلّه من حيث الهيئة والماهية. 

- وثانياً: أن تتبنَّى معرفةً خالدةً يُعتمد عليها، لا معرفةً مؤقّتةً وسريعة الزوال. 
- وثالثاً: أن تكون لها قيمة نظريّة ذات منظور واقعي، لا أن تكون عمليّة وفنيّة فحسب. كما ظهر أيضاً أنَّ المعرفة العلميّة تفتقر إلى كل هذه المزايا، على الرغم من مزاياها المتعلّقة بجوانب أُخرى. وعليه، فإنَّ المعرفة العلميّة لا تستطيع أنْ تمنحَ الإنسان معرفةً بالعالم بالمفهوم الخاص، وتجيبَ عن تساؤلات الإنسان الذي يريد تفسيراً عاماً للوجود وتحليلاً شاملاً له.

إنَّ جميع الذين تحدَّثوا عن معرفة العالم العلميَّة، أو أطلقوا على فلسفتهم اسم (الفلسفة العلميّة)، تراهم، بعد التَّمحيص، قد ولجوا أماكن لا يضع العلم قدمه فيها. إنَّهم استغلّوا أوجه شبه سطحية بين بعض فرضياتهم وبعض المعطيات العلميّة، فأطلقوا على فلسفتهم خطأً اسم الفلسفة العلميّة، وسمُّوا نظرتهم إلى العالم نظرةً علميّة، وهنا ينبغي ألَّا ننسى التَّأثير الإعلامي لهذه التَّسميات.

2-المنظور الفلسفي:
على الرَّغم من أنَّ معرفة العالم معرفةً فلسفيّة لا تملك دقَّة المعرفة العلميّة، فإنَّها من جهةٍ أُخرى، تستندُ إلى (أُصول)، هي أوَّلاً أُصولٌ بديهيةٌ وذاتُ قيمةٍ نظريّةٍ مطلقةٍ، وهي، ثانياً، عامّة وشاملةً، وهي ثالثةً ثابتةٌ وغير قابلة للتَّغيير. وبالطبع فإنَّ المنظور الفلسفي للعلم مقنعٌ، وثابتٌ، شاملٌ، وغير محدود.

وبخلاف المنظور العلمي الذي يشبه مصباحاً كاشفاً في ليلة ظلماء، فإنَّ المنظور الفلسفي أشبه بنور الفجر الذي يلفُّ كلَّ شيء على الرَّغم من أنَّه نورٌ يختلط فيه الضَّوء بالظَّلام، وأنَّ الدقائق المرئيّة تحت المصباح الكاشف، تصعب رؤيتها في ضوء الفجر.

إنَّ المنظور الفلسفيّ للعالم يجيب عن كلّ تلك المسائل التي تضمّ العالم في كلّياتها، وتميّز هيئته وملامحه، وتقيم أُسسَ الإيديولوجية الإنسانيّة، أو أنَّها تقوّضها من جذورها.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

20

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 إنَّ كلا المنظورين العلمي والفلسفي مقدّمتان للعمل، ولكن بصورتين مختلفتين. 


فالمنظور العلمي مقدّمة عملٍ من حيث كونه يمنح الإنسان القوَّة والقدرة على التصرف في الطبيعة واستخدامها حسبما يشاء. أما المنظور الفلسفي فهو مقدّمة عمل من حيث كونه يعطي نظرة الإنسان إلى الوجود شكلاً خاصاً، ويمنحه المثال، أو يسلبه مثاله، ويؤثِّر في طراز مواجهة الإنسان للعالم وفي ردّ فعله إزاءه، ويعين موضعه فيه وفي المجتمع، ويسبغ على حياته معنىً خاصاً، أو أنَّه يجرّد حياته من كل معنى، ويجرّ الإنسان نفسه إلى العبثيَّة والعدم.

أما المسائل الأُخرى من قبيل: هل ثمَّة فلسفةٌ مستقلّةٌ عن العلم؟ وما الأُسس التي تستند عليها؟ وما هي معايير الصحيح وغير الصحيح منها؟ فهذه مسائل سبق أن تكلمنا عنها في مناسبات سابقة.

3- المنظور الدّيني:
إذا اعتبرنا كلَّ وجهة نظرٍ عامَّةٍ حول العالم والوجود- أي في المسائل التي تدور حول ماهيّة الوجود ككلّ وشكله وصورته- ناشئةٌ من المنظور الفلسفي، بصرف النظر عن مبدأ هذا المنظور، و أنّه هل يستند إلى القياس والبرهان والاستدلال؟ أم أنّه يتلقَّى الوحي من عالم الغيب؟ فلا بدَّ لنا -وعلى كل الأحوال- أن نعتبر المنظور الدّيني ضرباً من ضروب المنظورات الفلسفيّة، فكلا المنظورين الفلسفي والدّيني لهما حدود متشابهة، مهما اختلفت محتوياتهما.

ولكن إذا أخذنا مبدأ المعرفة بنظر الاعتبار، على أنَّ أحد مبادئ المعرفة هو العقل والمقولات العقليّة، والمبدأ الآخر هو الوحي والإلهام، فلا يبقى ثمّة شكٌّ في أنَّ المنظورين الفلسفي والدّيني منظوران مختلفان، كل ما في الأمر هو وجود جوانب في المنظور الفلسفي تختلف كل الاختلاف عمَّا هي عليه في المنظور الدّيني، كما أنَّ فيهما جوانب أُخرى يقترب بعضها من البعض الآخر.

في بعض الأديان، كما في الإسلام، يصطبغ المنظور الدّيني بصبغة فلسفيّة عقلية 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

21

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 استدلالية. فالقرآن وأقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والأئمّة الأطهار عليهم السلام تستند استناداً كبيراً إلى العقل وقواعد المنطق والبرهان في المسائل الفكرية والعقائديّة، كمسألتي المبدأ والمعاد. وعليه فإنَّ المنظور الإسلامي، في الوقت الذي لا يخرج عن كونه منظوراً دينياً، لا يبعد كثيراً عن كونه منظوراً فلسفياً عقلانياً.


إنَّ من مزايا المنظور الدّيني، التي يفتقر إليها المنظور العلمي والمنظور الفلسفي المحض، هي أنّه فضلاً عن ميزة الخلود والشّمول، فإنّه يضفي القداسة على القواعد الفكريّة التي ينتظم العالم من خلالها، فإذا علمنا أنّه لا بدَّ للإيديولوجيّة من أن تكون على شيءٍ من حرارة الإيمان والانتساب إلى مذهبٍ ذي حُرمةٍ وقداسةٍ بين المذاهب، يتبيّن عندئذٍ أنَّ النظرة إلى العالم تصبح قاعدةً تستند إليها الإيديولوجية التي تصطبغ بالصبغة الدّينية.

يتّضح ممّا تقدَّم أنَّ أي منظور للعالم لا يمكن أن يكون قاعدة متينةً ومتماسكةً لأي أيديولوجية، إذا لم يكن يمتاز بالسّعة، وقوّة الفكر، والفلسفة وتقديس القيم الدّينية واحترامها.

النظرة الإلهية والنظرة المادّيّة:
أين يكمن اختلاف النَّظرية الإلهية عن النَّظرية المادّيّة؟ وماذا يقول الإلهي وماذا يقول المادّي؟ وما الموضوع الذي يدور حوله بحث هاتين النظريتين عند كل منهما؟

إنَّ جواب هذا التساؤل بسيط جداً: فالبحث يدور حول الوجود وواقعه!

- يرى المادّي أنَّ الواقع في المادّة، في كل ما هو جسم وله طول وعرض وعمق، في كل ما يمكن الإحساس به، في كل ما هو مكاني وزماني، في كل ما متغيّر، وما هو فانٍ، وما هو محدودٌ ونسبي. وهو لا يعترف بأيِّ واقعٍ وراء هذه. وأمَّا الإلهي، فلا يرى الواقع محصوراً في هذه الأُمور، بل يؤمن بوجودِ واقعٍ آخر غير ماديّ وغير محسوسٍ مجرّد عن الزمان والمكان، واقعٌ ثابتٌ وخالد ومطلق أيضاً.

- يرى المفكر المادّي إنَّ القوى والنظم التي تحكم الواقع هي الروابط والطاقات
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

22

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  المادّية، وفي نظر المفكر الإلهي، فإنَّه يقع أيضاً إضافة إلى تلك، تحت حكم أنظمة وقوى غير مادية.


- وعليه، فإنَّ المذهب المادّي مذهب انحصاري، سواء من حيث الواقع أو من حيث النّظم والقوى التي تتحكّم فيه. أما المذهب الإلهي فيعارض الانحصار في كليهما.

تهرُّبُ المادّيين من الصيغة الصحيحة:
إنَّ ما يثير الحيرة والتساؤل بهذا الخصوص هو تهرّب المادّيين من طرح القضية بصيغتها الحقيقية الأصيلة، فهم يحاولون دائماً تجنُّب وضع المسألة بصورتها الأصلية، بل يخفون صورتها الأصيلة ويعرضون المسألة بصورةٍ بديلةٍ ومغايرة.
إنَّهم يعرضون المسألة عادةً على أنَّ القضيّة الفلسفيّة الرئيسة هي: هل المادّةُ أقدم أم الفكر؟ هل الماهية أقدم أم الوجود؟ إنَّ الذين يرون المادّة أقدم من الفكر والماهية أقدم من الوجود هم الفلاسفة المادّيون، أما الذين يقدّمون الفكر على المادّة ويرون أنَّ الفكر هو الذي سبق الوجود، فهم الإلهيون والميتافيزيقيون.

يقول (إنجلز): "إنَّ المسألة الكبرى في الفلسفة، وبخاصة الفلسفة المعاصرة، فيما يتعلّق بالفكر والوجود، هي المادّة". إنَّ الفلاسفة الذين يجيبون عن هذه المسألة ينقسمون إلى مجموعتين كبيرتين: مجموعة ترى أنَّ الروح أسبق من الطبيعة. وعليه، فإنَّهم يتقبلّون فكرة خلق الكون بشكل ما، ويمثّلون المعسكر المثالي. أما الذين وضعوا الطبيعة قبل الروح، فينتمون إلى المعسكر المادّي.

إنَّ ما يقوله (إنجلر) هنا يكرر في كتب المادّيين. يقول (أفانا سيف) في (أُصول الفلسفة الماركسية): "إذا دقّقنا النظر في العالم الذي يحيط بنا، لرأينا أنَّ كلّ موجوداته ومظاهره إما أن تكون مادية، أو معنوية وروحية وفكرية. والمظاهر المادّية هي تلك الأشياء العينيَّة، أي التي لها وجودٌ خارجيٌّ بمعزلٍ عن فكرة الإنسان وإدراكه. أمَّا ما هو موجودٌ في فكر الإنسان فمشغولٌ بالنَّشاط النَّفسي ويرتبط بالجانب المعنويّ والفكريّ. والآن فلننظر ما الرَّابط الذي يربطُ بين المادّي والمعنوي. هل يظهر 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
30

23

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 المعنوي والفكري من المادّي أو بالعكس؟ إنَّ قضية ماهية هذا الارتباط، أعني ما يربط الفكر والروح بالوجود المادّيّ قضية رئيسة من قضايا الفلسفة".


إنَّ لقضية الفلسفة الرئيسة جانبين: الجانب الأول يتناول البحث في أيّهما أقدم، المادّة أم الفكر، هل المادّة هي التي تخلق الروح، أم العكس هو الصحيح؟ أما الجانب الآخر فيدور حول السؤال: هل يمكن معرفة العالم؟

بالغوص في محتوى قضية الفلسفة الرئيسة، يمكن أن ندرك بسهولة إنَّ هناك لحلّها وجهين متناقضين من حيث الأساس، وهما: إما القول بتقدّم المادّة، وإما القول بتقدّم الفكر. وهذا هو السبب في وجود وجهتي نظر قديمتين في الفلسفة: المادّية والمثالية.

إنَّ الذين يقدّمون المادّة ويؤخّرون الفكر على اعتبار أنَّ هذا وليد المادّة فهم أصحاب المذهب المادّي، وهم يرون أنَّ المادّة خالدة، ولم تُخلق، وليس هناك أيّ قوى خارقة للعادة خارج هذا العالم، وأنَّ الروح وليدة تكامل المادّة وهي من خصائص الجسم المادّي الفائق التطوّر كدماغ الإنسان.

أما الفلاسفة الذين يقدمون الروح، فهم من أتباع المثالية، ويقولون إنَّ الإدراك أقدم من المادّة وجوداً، وهو الذي خلق المادّة ووهبها الحياة. إنَّ الإدراك هو أساس الوجود ومنبعه. 

أما أيّ إدراكٍ هو الذي خلق العالم، فإنَّ آراء المثاليين تختلف فيه: فالمثاليون الفكريون يرون أنَّ العالم من خلق إدراك الفرد الإنساني. أما المثاليون العينيون: فيرون أنَّ العالم قد خلقه إدراك عيني (موجود خارج الإنسان)، وهذا ما يعرف عند الفلاسفة بالمثال المطلق، ويسمى أحياناً بالإرادة العالمية، وغير ذلك.

تحليل لموقف المادّيين:
ترى لماذا يطرح المادّيون المسألة هكذا؟ لماذا يعتبرون نظريّة إنكار التحقّق العيني للوجود ولا جدوائيته (أي المثالية الفكرية على حد قول أفانا سيف)، وهي في موضع التقابل مع الفلسفة، لأنَّ الواقعية هي التي تشكِّل أساس الفلسفة نظاماً فلسفياً؟ لماذا ينظرون إلى 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

24

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 مجموعةٍ من المسائل التي تتعلَّق بقضايا المعرفة، والتي لا تربطها رابطة عينيَّة أو غير عينيّة، كتلك المسائل التي يطرحها (كانت) و(هيكَل) في مسألة المعرفة ينظرون إلى كلّ هذه الأُمور على أنَّها تنطوي تحت عنوان الواقعية وإنكار العالم الخارجي؟ لماذا يصرّون على استعمال كلمات مثل (الروح) و(الإدراك) ممَّا يصدق على الإنسان فقط، فيطلقونها على الله، فكان من أثر الخصوصيّة الإنسانيّة في هذه الكلمات أن امتنع الفلاسفة الإلهيون من إطلاقها على الله، ترى ما ي أسباب هذه الأمور وأسرارها؟


إنَّ السرّ في كلّ ذلك واحدٌ، وهو تحريف الأفكار، والخوف من مواجهة الصّورة الواقعيّة للمسألة.

هل سبق لكم أن سمعتم أنَّ حكيماً، أو متكلّماً، أو نبياً قد جعل من مسألة تقدّم الفكر على الوجود أو الإدراك على المادّة، وسيلةً للدفاع عن مذهبه؟ أثمَّة تلازم بين النّظرية الإلهيّة في الوجود وتقدّم الإدراك على المادّة؟ هناك عددٌ من الفلاسفة الإلهيين يقولون بأنَّ الروح حصيلة الحركة الجوهرية في المادّة والطبيعة، كما أنَّهم لا يرون تناقضاً بين تقدم المادّة على الإدراك وأصالة الروح وخلودها وتجرّدها بمثلٍ ما، ليس هناك أي تلازم بين النظريّة المادّية، أي إنكار الله وما وراء الطبيعة من جهة وتقدم المادّة على الإدراك بالمفهوم الذي يذكره (أنجلز) وأتباعه. و(برتراند راسل)، مع أنَّه مادي ينكر وجود الله وما وراء الطبيعة ولا يؤمن بالدّين، إلَّا أنَّه في ما يتعلّق بالعلاقة بين المادّة والإدراك يدلي بآراءَ يُستفاد منها قوله بتقدّم الإدراك على المادّة، ويدَّعي بأنَّ الفيزياء الحديثة قد توصَّلت في آخر نظريَّةٍ لها إلى هذه النُّقطة.

سبق أن أشرنا إلى رأيه بشأن العالم، حيث قال: "إنَّ العالم، في رأيه، ليس سوى مجموعة من النقاط والطفرات التي تفتقر إلى الوحدة، وإلى الدوام، وإلى النظام والترتيب، وإنَّه خالٍ من أي محتوى يؤدِّي إلى علاقة حبّ وتعلّق".
وعليه، فإنَّ ما ندركه من العالم من صور على شكل أبعاد، ووحدات، واستمراريات، ونظم، ليست سوى أفكار لا علاقة لها بعالم الواقع، حسب قول (راسل). وقال أيضاً: "إذا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

25

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  تغاضينا عن التعصّب والعادات، فمن النادر أن نستطيع الدفاع عن وجود العالم نفسه، إذ إنَّ النظريات الفيزيائية تضطرهم إلى ملاحظة ما ذكر".


إذا لم تكن هذه هي المثالية، فما عساها تكون؟ يبدو أنَّ ليس هناك ما يمنع من أن يكون المرء مثالياً، وينكر وجود الله وما وراء الطبيعة، في الوقت نفسه!

وقال أيضاً: "إنَّ الشَّمس، في نظر فيزيائيي اليوم، ليست أكثر من أمواج من الاحتمالات. فإذا سألتم: ما هذه التي تدعونها احتمالات؟ أو في أي محيط تسير هذه الأمواج؟ لأجابك الفيزيائي كالمجنون: لقد سمعنا كثيراً من هذا الكلام. لنفترض أنّنا أخذنا المسألة مأخذاً آخر، فماذا حينئذٍ؟ مع ذلك، إذا كنتم تصرّون، سوف يجيبكم قائلاً: إنَّ الأمواج موجودة في معادلته، والمعادلة في فكره".

فهل يختلف ما قاله (أفانا سيف) عن (المثالية الفكرية) بشيء عن هذا الذي يقوله هذا الفيزيائي والرياضي الذي ينكر وجود الله وما وراء الطبيعة بماديته المنتمية إلى القرن العشرين؟

يتّضح إذن إمكان تقديم المادّة على الإدراك، أي اعتبار المادّة بمثابة الأم، والإدراك وليدها. والانتماء في الوقت نفسه، إلى الفلسفة الإلهيَّة، بل والقول بأصالة الوجود وبأسبقية الفكر، كما هي حال بعض الفلاسفة، مثل صدر المتألهين الشيرازي.
كذلك يتّضح إمكان اعتبار الإدراك أصلاً، والشكّ في الوجود العيني لما وراء الإدراك، أو إنكاره وفي الوقت نفسه إنكار الله وما وراء الطبيعة، كما هي حال (راسل) وأمثاله.

ما هو المعيار الصحيح؟
يمكن القول إذن أنَّ المقياس الرئيسي في الاختلاف بين المذهب الإلهي والمذهب المادّي هو (خلق العالم). فالإلهي يرى العالم مخلوقاً، والمادّي يراه غير مخلوق.

غير أنَّ هذا المعيار ليس صحيحاً أيضاً. صحيح أنَّ الإلهي يرى العالم مخلوقاً، إلَّا أنَّه ليس من الضروري أن يعتبره المادّيون غير مخلوق. فالمادّية الجديدة، أي المادّية الجدلية، تدّعي، وفق المنطق الجدلي، إنَّ العالم (صيرورة) لا (كينونة)، وإنَّ العالم 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

26

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 (جريان) وليس شيئاً ذا جريان، وإنَّ هذه (الصيرورة) أو (الجريان) ناشئة عن التناقض الذاتي في الأشياء. وعلى ذلك فإنَّ العالم، كما يقول ماركس (ذاتي الخلق)، يخلق نفسه بنفسه، وإنَّه كما يقول (ماركس) أيضاً، (تناسليّ، ذاتيّ السير) أي إنَّ العالم في حالة تخلّق دائم، وفي حالة نموٍّ ذاتي.


إنَّ الإلهيين يدّعون أيضاً أنَّ العالم في حالة تخلّق مستمر، فالخلق ليس أمراً (آنياً) حدث في الماضي وانتهى، بل هو حدثٌ تدريجيٌّ مستمرّ، أي إنَّ العالم في حالة (صيرورة) مستمرة. إنَّ العالم في حالة دائمة من الحدوث والفناء. إنَّه حدوث دائم ومستمر، وبما أنَّه في حالة حدوث دائم ومستمر، فإنَّ أي مرحلة منه هي ليست في مرحلة سابقة ولا في مرحلة لاحقة، وعليه لا يكون العالم (ذاتّي الخلق) ولا في حالة من (التناسل الذاتيّ السير)، فلا يمكن أن يكون العالم علَّة وجوده. 

إذن، لا بدّ من وجود علَّة خالدة ذات إحاطة شاملة هي التي تحفظ استمرارية وديمومة وجود العالم.وعليه، فالمعيار ليس في كون العالم إلهياً أو مادّياً، مخلوقاً أو غير مخلوق.

إنَّ المادّيين، لكي يزيدوا من إخفاء وجه المسألة الحقيقي، يطرحون أسساً أُخرى غير ذلك الأساس الذي قالوا عنه إنَّه (المسألة الفلسفيّة الأساس)، والذي يصطلح عليه أنَّه يختصّ بالمنطق ويبيّن ما بين المذهبين من اختلاف.

أسلوب الجدليين والميتافيزيقيين:
يقول (ستالين) في رسالة حول المادّية الجدلية: "إنَّ الديالكتيك، بخلاف الميتافيزيقيا، لا يعتبر الطّبيعة مجموعة من المصادفات والمظاهر المفكّكة والمجزّأة التي لا يرتبط بعضها ببعض، بل على العكس، يرى الطّبيعة مجموعة أشياءٍ في وحدةٍ تامَّةٍ ومظاهر يرتبط بعضها بالبعض الآخر ارتباطاً آلياً متسلسلاً". ويقول: "إنَّ الديالكتيك، بخلاف الميتافيزيقا التي تعزو للطبيعة حالة من الركود والسكون وعدم التغير، يرى الطبيعة متحركة وفي حالات تحوّلٍ متتالية وفي تكامل وتقدم دائمين".

"إنَّ الديالكتيك، بخلاف الميتافيزيقا، يرى أنَّ سير التكامل يجري جرياناً بسيطاً في
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
34

27

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  النشوء والارتقاء ولا تنتج تغيراته الكميّة تحوّلات كيفية واضحة ومهمّة".


"إنَّ الديالكتيك، بخلاف الميتافيزيقا، يرى أنَّ في الأشياء والظواهر في الطبيعة تناقضاتها الداخلية، وذلك لأنَّ لكلّ منها قطباً سالباً وآخر موجباً، لها ماضٍ ولها مستقبل".

"إنَّ الأسلوب الجدلي يعتقد أنَّ جريان تكامل الدّاني إلى العالي ليس نتيجة لتكامل الظواهر واتساعها وانسجامها، بل على العكس من ذلك، يرى ذلك نتيجة التناقضات الكامنة في الأشياء والظواهر فيحدث ما يحدث على أثر الصراع بين ميول المتناقضات على أساس التضاد الموجود بينها".

أما إذا أردنا أن نسمع عن المذهب الإلهي، أو المذهب الميتافيزيقي، فيجب أن نتقبّل (تعبديّاً) كثيراً من الأشياء التي لا تعرف روحنا ولا روح أي إلهي آخر. علينا أن نقبل بأنَّ الميتافيزيقيين لا يعترفون بوجود عالم عيني.

أوَّلاً، أنَّ أجزاء العالم منفصلة لا رابط بينها.
ثانياً، أنَّ العالم ثابت لا حركة فيه وغير قابل للتغيير.
ثالثاً، إنَّ التغيرات التكاملية تسير على وتيرة واحدة ولن تبلغ حد الطفرة أبداً.
رابعاً، وأنْ ليس في العالم تناقضٍ. 
خامساً، على فرض وجود تناقض، ما، فإنَّه ليس تناقضاً ذاتياً بصورة صراع بين الجديد والقديم.

لا بدّ للميتافيزيقيين أن يتقبّلوا بأنَّ هذا طراز تفكيرهم، وأنَّ هذه هي نظرتهم إلى العالم، على الرَّغم من أنّهم لا يعلمون لحدِّ الآن أنّهم يفكّرون وينظرون إلى هذا العالم وفق هذا المنحى من التفكير. فلو أراد هؤلاء أنْ يعرفوا كيف يرون العالم، عليهم أن يستعيروا نظاراتهم من أيدي المادّيين والديالكتيكيين، إذ إنَّهم بنظاراتهم لا يستطيعون أن يروا العالم ميتافيزيقيا.

تحضرني الآن حكاية (قاضي بلخ)، وهي تدور حول رجل طال غيابه عن بلدته، فحكم القاضي بموته واتفق أن ظهر الرجل بعد ذلك بأيام، فقبض عليه رجال القاضي وألقوه في التابوت بالقوَّة وحملوه وساروا به إلى حيث يدفنونه وكلَّما وقع صوته بالصراخ بأنَّه حي،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
35

28

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  إلى أين تذهبون بي؟ كانوا يردون قائلين إنَّك مخطئ. لقد قال القاضي إنَّك قدْ مُتَّ، فأنت ميّت ويجب دفنك.


فالميتافيزيقيون لا يحقّ لهم أن يقولوا: إنَّنا واقعيون، وأقدر منكم على إثبات أصالة الوجود، وإنَّنا نحن وحدنا القادرون على إثبات ذلك. ولا يحقّ لهم كذلك أن يقولوا: إنَّنا لم نقل إنَّ أجزاء العالم منفصلة بعضها عن بعض. بل أنَّ ظهور نظريّة وحدة العالم وترابط أجزائه ترابطاً آلياً مرجعها إلينا، لأنَّنا نحن الذين قلنا إنَّ العالم كائن حي، كالإنسان، وإنَّ مذهبنا هو وحده الذي يحقّ له القول بوجود رابط آلي يربط جميع أجزاء العالم.

والإلهي لا يحقّ له أن يقول إنَّ أعلى النظريات في حركة العالم، بل إنَّ حركة العالم نفسها قد ظهرت على يدي، وإنَّ مذهبنا هو القادر على إثبات كون العالم جرياناً وليس شيئاً جارياً.

ولا يحقّ له أيضاً أن يقول: إنَّ ما تسمّونه تبديل التغيير الكمِّي إلى تغيير كيفيّ، نحن سبقناكم إليه قبل سنوات، بل قرون، بصيغته الصحيحة، وهي (إنَّ التغييرات الكيفيّة مقدمات لتغييرات كمّية)، أما ما يقوله علم الحياة بشأن تكامل الأحياء، فإنَّه نظريّة جديدة لا علاقة لكم بها.

ولا يحقّ له أن يقول: إنَّنا نحن أوّل من اكتشف الدور الأساس الذي يمثّله التناقض في العالم. وإذا تغاضينا عن سلسلة الأخطاء التي وقعتم فيها بأنّكم اعتبرتم التناقض نفسه عاملاً حركياً، من دون الالتفات إلى عوامل التناقض، ومن دون الالتفات إلى أنَّ دور التناقض دور ثانوي، ومن دون الالتفات إلى أنَّ عوامل التناقض وقواه هي نفسها معلولات لحركة العالم وتحوّلاته وتغيّراته. لذلك فالتناقض لا يمكن أن يكون وجهاً للحركة. بل إنَّ التحرّكات والتحوّلات هي التي تؤدِّي إلى ظهور التناقض والقوى المتناقضة، وهذه بدورها تصبح عاملاً من عوامل تسريع التحرّك.

لا يحقّ للميتافيزيقي أن يسأل: كيف يمكن لي، بعد إنكاري العالم العيني، أن أصفه بأنّه على صورة أجزاء مفكّكة ومفصّلة؟ ولا يحقّ له أن يسأل: كيف، وأنا أنكر وجود العالم، أقول إنّه ثابت لا يتحرك!
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
36

29

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 لا يحقّ للميتافيزيقي أن يسأل: كيف يمكن أن أعتبر العالم ساكناً وراكداً وغير متغيّر، ثم أقول إنَّ سير التكامل يجري جرياناً بسيطاً في النشوء والارتقاء، ولا تنتج تغيّراته الكمّية تحولات كيفية؟


نعم، لا يحقّ له الكلام على أي من هذه المسائل، لأنَّ القاضي هذا حكم، ولا مرّد لحكم القاضي. ترى لماذا لا يملك المادّيون، وعلى الأخص المادّيون الجدليون، الجرأة على المواجهة المباشرة؟ لماذا لا ينقلون كلام الآخرين على حقيقته وينتقدونه؟ لماذا (يقتلون القتيل ثم يبكون عليه) أي يحرفون الكلام ومن ثم يبدأون بنقده؟ لماذا لا يثقون بأنفسهم وبأسلوبهم؟

تعالوا نضع كل مذهب في قبال الآخر بكلِّ صراحة وجرأة، ونقيِّمه على وفق الأُصول العلميّة والمنطقية.

هل المذهب الإلهي يعني إنكار الطبيعة؟ أم يعني إنكار قوانين الطبيعة؟ أم هو إنكار قانون العلّة والمعلول؟ أم إنكار قانون الحركة؟ أم ينكر تأثير أجزاء الطبيعة بعضها ببعض، أم أنَّه لا يرى العالم كُلاً لا يتجزّأ؟ أم أنَّه ينفي التكامل؟

أو على العكس، إنَّ الإلهي لا يرى الوجود منحصراً بالطبيعة، ولا يرى أنَّ قوانين الفيزياء والكيمياء هي وحدها التي تحكم الوجود، ويرى أنَّ العالم كلُّ مدرِك، وأنَّ له ماهية تبدأ (منه) وتنتهي (إليه).

إنَّ الفرق بين الإلهي والمادّي كالفرق بين العالم النفسي والمحلل النفساني. فقبل أن يكتشف المحلّل النفساني حدود الوعي الباطن، لا تكون نفس الإنسان في نظر العالم النَّفسي سوى سلسلة من المدركات، والأحكام، والاستدلالات، والغرائز، والعواطف، والميول، والرغبات، والإرادات، وهي جميعاً ممّا يحسّ بها الإنسان. وبعد ظهور المحلّل النفساني، اكتشفت مناطق أوسع أطلق عليها اسم (اللاوعي أو اللاشعور). ودنيا اللاوعي هذه أوسع بكثير من دنيا الوعي والشعور وأعظم، وتسيطر عليه. فالمحلّل النفساني لم ينفِ منطقة علم النفس السابقة، بل إنَّه أخرج واقع النفس الإنسانية من حدود منطقة الوعي، وهو كذلك لم ينفِ قوانين دنيا الوعي، ولكنَّه توصل إلى سلسلة من القوانين الأُخرى الخاصة باللاوعي والمسيطرة على قوانين دنيا الوعي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

30

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 طريقة المعرفة:

الشيء المهم هنا هو كيف يتعرّف الإلهي إلى عالمٍ يقع وراء العالم المحسوس، نسبته إلى العالم المحسوس كنسبة دنيا اللاوعي إلى دنيا الوعي، بل أكثر، كمثل (الشيء) إلى (ظلّهِ) أو كنسبة العاكس إلى المعكوس، أو الشعاع إلى مصدر النَّور.
ترى أثمَّة طريقٌ إلى تلك المعرفة؟ صحيح أنَّنا إذا لم نعثر على طريقٍ إلى المعرفة المطلوبة، يجب علينا أن نلتجئ إلى (اللاأدرية) وليس إلى المادّية التي تنفي وتجزم. ولكن هل من الصّعب العثور على طريق لمعرفة عالم ما وراء الطبيعة، ولمعرفة قوانين أُخرى غير التي في المادّة وما تنتج منها؟

إنَّ طرق معرفة العالم الآخر متعدّدة، ليس هنا مجال تبيانها وتوضيحها. وواحدٌ من تلك الطرق يمرُّ عبر الطبيعة مباشرة: إنَّه طريق تظهر فيه الطبيعة (مرآة)، و(آية)، و(دليلاً) على ما وراء الطبيعة. يُثبت هذا الطريق أنَّ ماهية الطبيعة (منه) و(إليه).

التعرّف على ما وراء الطبيعة بالطبيعة:
إنَّ معرفة ما وراء الطبيعة بهذه الصورة - وهي معرفة بالآثار والدلائل - لا تختلف من حيث الماهية عن الأسلوب الذي نتّبعه لمعرفة معظم أُمور العالم. أي إنَّ معرفتنا بعدد من الأشياء معرفةً مباشرة مبنيّة على أساس الدّرس والملاحظة من دون واسطة. إلَّا أنَّ معرفتنا بأُمور أُخرى معرفة غير مباشرة، مبنيَّة على دراسة آثارها ودلائلها.

فمثلاً، نحن نعرف آثار الحياة عن طريق الملاحظة مباشرة، ولكن الحياة في نفسها، باعتبارها عاملاً يكمن في الكائنات الحية، نتعرّف إليها ونصدّق بها من طرق آثارها ودلائلها. وبعبارة أُخرى، إنَّ معرفتنا بالحياة معرفة غير مباشرةٍ نصل إليها عن طريق الاستنباط والاستدلال، وما يصطلح عليه باسم (البرهان الإنّيّ).

كذلك أمر معرفتنا بالنفس اللاواعية، فهي معرفةٌ غير مباشرة عن طريق الآثار والعلائم و(البرهان الإنِّيّ)، بينما معرفتنا بالنَّفس الواعية معرفةٌ مباشرةٌ عن طريق الملاحظة الباطنية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

31

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 هل تعلمون أنَّ معرفتنا بالوقائع والحوادث الماضية عن الأشخاص، مثل معرفتنا بـ (ابن سينا) مثلاً، هي معرفةٌ غير مباشرة، أي إنَّها من النوع الاستبطاني الاستدلالي وبطريق (البرهان الإنّي).


يَحسبُ المرء لأول وهلة أنَّ معلوماته عن الحوادث الماضية التي كانت حوادث ملموسة في حينها، معلومات مباشرة، وفي الاخص إذا كان قد (سمع) عن تلك الحوادث من الأشخاص أو (قرأ) عنها في كتاب، مع أنَّ ما سمعه لم يكن سوى مجموعة من الكلمات والأصوات تخرج من فم إنسان معاصر. وأنَّ ما رآه لم يكن سوى الحبر على الورق في صورة خطوطٍ ظهرت يوماً هناك وما زالت باقية. 

أما معرفتنا بـ (ابن سينا) فليس أياً من تلك، إنَّما الفكر يستدل بالبرهان العقلي على وجود شخص اسمه (ابن سينا) يتّصف بالصّفات المذكورة، فيذعن بوجوده إذعاناً يقينياً غير قابل للشك -على الرغم من أنَّ (راسل) يقول بأنَّ هذا الإذعان يكون عند الذين لا يملكون فكراً فلسفياً، إذعاناً لا واعياً- وعليه فإنَّ وجود (ابن سينا) في أذهان أبناء هذا العصر وجودٌ استنباطيٌّ ومعقولٌ، وليس وجوداً محسوساً.

فضلاً عن ذلك، إذا ما أمعنَّا النَّظر جيِّداً ومحَّصنا إذعانات الفكر بشأن الموجودات التي نحسبها محسوسةً، نجد أنَّ معلوماتنا ومعرفتنا حتى عن أقرب الناس الذين نعاشرهم يومياً واصلة إلينا عن طريق غير مباشر وهي من النوع الاستبطاني العقلاني، عن طريق (الآية) و(العلامة).

إنَّ الكائن الوحيد الذي نعرفه مباشرة من دون وساطة الآثار والعلاقات هو نفسنا، وما عداها فنحن نصل إلى معلوماتنا عنه بالواسطة وبطريق غير مباشرة، بما في ذلك الوجود العيني للآيات والعلامات نفسها، فإنَّنا نعرفها أيضاً عن طريق آياتها وعلاماتها. أما إذا عرفنا الله عن طريق التزكية وصفاء النفس، فتكون تلك معرفة مباشرة ومن دون وساطة.

فما أعجب أن نعلم، بعد التمحيص، أنَّ معرفتنا بالعالم الخارجي معرفة غير مباشرة، وأنَّ المعرفة المباشرة تنحصر في معرفة النفس ومعرفة الله.

إنَّنا لكي نوضح كيف أنَّ معرفتنا حتى بوجود صديق نعاشره كل يوم معرفة غير مباشرة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

32

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  نحصل عليها من طريق الاستنباط والاستدلال العقلي بالدلائل والإمارات، نذكر لكم ما يقوله فيلسوف ورياضي وفيزيائي مادي ينكر وجود الله، إنَّه (راسل) نفسه! إذ يقول في بحث له عن عدم صلاحية تعميم نتائج الحالات التي أُجريت فيها تجارب على الحالات التي لم تجر فيها تجارب: "سبق القول بأنَّ ما أجريت عليه التجارب أقل بكثير ممَّا يخطر ببال الإنسان. فمثلاً أنت تدعي بأنَّك ترى صديقك السيد (جونز) في حالة المشي، إلَّا أنَّ قولك هذا أكبر ممَّا لك حق التصريح به. إنَّ ما تراه ليس سوى نقاط متتالية ملّونة تجري على أرضية ساكنة. إنَّ هذه النقاط، وبطريقة (بافلوف) في الاقتران الشرطي، تحيي في فكرك (جونز)، ومن ثم فإنَّك تقول إنَّك ترى جونز... إنَّ قولك إنَّك ترى جونز أشبه ما يكون بارتداد قذيفة عن جدار متجهة إليك، فتقول إنَّ الجدار قد ارتطم بك، حقاً ما أقرب هذين المثلين من بعضهما. وعليه فإنَّ الأشياء التي نتصور رؤيتها لا نراها أبداً. فهل من دليل على أنَّ الشيء الذي نظن أنَّنا نراه - وإن لم نره في الواقع - موجود؟ إنَّ العلم طالما افتخر بكونه تجريبياً، وأنَّه لا يؤمن إلَّا بما يمكن التحقُّق منه. والآن يمكنك أن تحقق في ذهنك تلك الظواهر التي تسميها (رؤية جونز)، ولكنَّك لن تستطيع أن تدرك جونز نفسه حقاً. إنَّك تسمع أصواتاً وتقول إنَّ جونز يتحدث إليك، وتحس أنَّ يداً تمسك فتقول إنَّ جونز قد لمسك بيده، وإذا لم يكن قد استحم منذ أيام، فإنَّك تشمئزّ من رائحته إذا اقترب منك وتعزو تلك الرّائحة إلى جونز. والآن إذا كنت قد وُضعت تحت تأثير هذا البحث، فلك أن تخاطبه عبر التلفون، قائلاً: آلو، هل أنت هناك؟ فتسمعه يقول نعم، ألا تسمعني؟ ولكن إذا اعتبرت كل هذه شواهد على أنَّه هناك، فإنَّك لا تكون قد أدركت وجهة نظر هذا البحث".


يريد (راسل) أن يقول إنَّ وجود شخصٍ مثل جونز بالنسبة إلى صديقه نوعٌ من الاستنباط وليس مشاهدة مباشرة. ولكن بما أنَّ راسل يقول بالمعرفة المنطقية، فإنَّه يرى أنَّ الشيء الذي تراد معرفته يجب أن يوضع تحت الدرس مباشرة، أو أنَّه يقع، في الأقل، تحت التعميم، في حين أنَّ وجود جونز لا هو من المشاهد المباشرة ولا هو نتيجة تعميم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
40

33

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 المشهود على غير المشهود، وعلى ذلك فإنَّه يستنتج منطقياً أنَّ وجود جونز مشكوك فيه، ولا يمكن إثباته علمياً.

 


إنَّ هذا الاستنتاج الخاطئ ناشئ عن طريقة راسل المنطقية والفلسفيّة في المعرفة الخاطئة، والتي سوف نوضّحها فيما بعد.

الفرق بين المعرفة الفلسفية والمعرفة العادية:
النقطة الأُخرى التي يجب التنويه بها هي أنَّ الفكر الفلسفي هو وحده الذي يشكّ في وجود شخص مثل السيد جونز، أما الفكر البسيط العادي فلن يدع للشكّ طريقاً إلى نفسه، لماذا؟ هل هذا من قبيل الشكّ في البديهيات؟ كلا أبداً.

عندما يقف الطفل أو الإنسان العادي أمام المرآة ويرى صورته فيها، هل يشكّ في أنَّ صورته موجودة فعلاً في المرآة؟ إنَّ الفكر الفلسفي لا يشكّ مطلقاً في عدم وجود أي صورة في المرآة.

الحقيقة هي أنَّ الفكر غير الفلسفي لا يدرك أن ما يراه ليس الوجود العيني للأشياء، بل هي الصور المنعكسة عن الأشياء في الفكر، وعليه فإنَّه لا يشكّ في وجود ما يراه، ما دامت التجربة لم تثبت خلاف ذلك. غير أنَّ الفكر الفلسفي يرى الفرق بين الاثنين. 

إنَّ انعكاس صور الأشياء في الذهن في نظر الفكر الفلسفي ليس سوى حكاية عن بعض الأفعال والانفعالات التي تصدر عن الأعصاب، وهي مجرد دليل وإمارة على وجود واقع هو سبب تلك الآثار والتأثيرات، وعلى هذا فإنَّ وجود السيد جونز للفكر غير المنطقي وجود محسوس ومشهود ومعرفة مباشرة، ولكنَّه للفكر الفلسفي وجود غير محسوس وغير مشهور ومعرفة غير مباشرة، أي إنَّه وجود استنباطي استدلالي معقول.

أما كون (راسل) يريد من كل هذا - كالشكّ الفلسفي في وجود السيد جونز ووجود أي أمر آخر من هذا القبيل، وعلى الأخصّ وجود وقائع كانت في الزمن الماضي (مثل ابن سينا في المثال السابق) - أن يصل إلى نتيجةٍ فناشئٌ من خطأ منطقه الفلسفي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

34

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 المعرفة السطحية والمعرفة المنطقية التعميمية والتجريبية:

إنَّ الإنسان، مثل أيّ حيوان آخر، يحسّ بالعالم لأوَّل وهلة، ويختزن ما يحسُّ به في ذاكرته. إلَّا أنَّ الإنسان يمتاز بالقدرة على التفكير والتعقل، ولذلك فهو يقوم بنوعٍ آخر من المعرفة، وفي هذه المرحلة من المعرفة يعمد الإنسان إلى عددٍ من الصور المشابهة فيصوغ منها مفهوماً كليّاً عاماً، ثم يصنِّف هذه الكليّات في مجموعات يضع لكلّ منها مقولة خاصة: الكم، والكيف، والإضافة، والجوهر، وغير ذلك. ويجري سلسلةً من التَّجارب فيطّلع على خواص الأشياء وآثارها، ويعمّم ما يصل إليه من نتائج تجاربه على عدد من الأفراد، ويكتشف القوانين الكلية.

إنَّ مسألة تعميم القضايا التي اختبرت على القضايا التي لم يجرِ اختبارها تعدّ من المسائل الفنية. 

إنَّ أصحاب المادّيّة الجدلية يمرّون على هذه المسألة كالعادة مروراً من دون أن يجشموا أنفسهم عناء التورط فيها، ويريحون أنفسهم ببضع جمل بسيطة، قائلين: (إنَّ عدداً من الظواهر لا يحصى في العالم العيني الخارجي ينعكس عن طريق حواسنا الخمس في الدماغ ممَّا يعطي معرفة حسيّة في أول الأمر. وبتجمّع معطيات كافية من الإدراك الحسّي، تظهر (طفرة) وتتحول المعرفة الحسيّة إلى معرفة تعقليّة، أي إنَّها تتحوّل إلى (مثال)، غافلين عن أنَّه لو كانت المعرفة التعقليّة من نوع الطفرة وأنَّها تجاوز الكم إلى الكيف، فلا تعدو هذه المعرفة عن أن تكون انعكاساً من انعكاسات العالم، وذلك لأنَّه في كل طفرة وتجاوز من الكم إلى الكيف يغيّر الشيء ماهيّته ونوعيّته، ويتغيّر كلّياً ويصبح شيئاً آخر. فإذا كان الإحساس انعكاساً للعالم الخارجي ثم يغيّر ماهيَّته فيصبح صورةً تعقُّليّة، تكون رابطةُ التعقّل عندئذٍ، مقطوعةً عن العالم الخارجي، وهذا يعني المثالية.

الحقيقة هي أنَّ جميع النظم الفلسفيّة الغربية تحار في توضيح ميكانيكية التعميم، وهذا (راسل) لا يخفي حيرته بهذا الخصوص، كما رأينا.

ولما كان هذا النوع من المعرفة المنطقية مقبولاً من لدن الجميع، فلا نرى موجباً
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

35

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

  لبحث موضوع ميكانيكية التعميم من وجهة النظر الإسلامية.


إنَّما الذي ينبغي أن نشير إليه هنا هو أنَّ المعرفة المنطقية لا تنحصر بالمعرفة التجريبية التعميمية. ففي المعرفة التجريبية يقوم الفكر أولاً باختبار بعض الأُمور اختباراً عملياً. ومن ثم ينسحبُ الحكم الناتج عن هذه الأُمور المجرّبة على الأُمور المشابهة. وفي الواقع، أنَّ عمل المعرفة الفكرية يتحرّك حركة أُفقية.

المعرفة المنطقية العمودية:
غير أنَّ للفكر نوعاً آخر من طرق المعرفة يمكن أن نطلق عليه اسم (المعرفة العمودية)، إذ أنَّ الفكر في هذه الحركة يتَّخذ من الأُمور المجرّبة وسيلةً وآلةً للنفوذ إلى عمق ما وراءها.

إنَّ ما سبَق أن أشرنا إليه، أعني معرفة الطّاقة والحياة من آثارها الخاصّة، ومعرفة اللاوعي عن طريق بعض النّشاطات الواعية، ومعرفة الماضي البعيد بالآثار والعلائم الحاضرة، وحتى إدراك الفكر الفلسفي بالوجود العيني والواقعي للمحسوسات من العلائم والآثار الحسّية المباشرة التي تحدث في الحواس، كلها من هذا النوع من المعرفة. وهذه هي المعرفة التي أطلقنا عليها اسم "المعرفة بالاستنباط أو بالاستدلال"، أو بحسب تعبير القرآن، المعرفة بالآية والعلامة.

إنَّ المعرفة بتوسّط الآية والعلامة، بخلاف ما يتصوّره بعضهم، معرفةً تعقّليةً وفلسفيةً. صحيحٌ أنَّ ما اتَّخذ وسيلةً وآيةً هو أمرٌ محسوسٌ ومشهودٌ، إلَّا أنَّها معرفةٌ فلسفيّةٌ وتعقليةٌ خالصة.

من هنا يتضح أنَّ معرفة الله، وإن لم تكن معرفةً تجريبيةً، أي إنَّها لا تضع الله تحت التجربة، إلَّا أنَّ ماهية هذه المعرفة لا تختلف كثيراً عن ماهيات مجموعةٍ من معارفنا عن الطّبيعة، كالحياة، والوعي الباطني أو اللاوعي، وغيرهما.

إنَّما الاختلاف هو في كون الاستدلال جزئياً وكلياً. فمثلاً، لا يرى عالم الأحياء سوى آثار الحياة، أما الحياة نفسها فإنَّه (يستنبطها) استنباطاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

36

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 إنَّ محلّلاً نفسانياً يلاحظ عدداً من الآثار والعلائم على السّطح الخارجي للنّفس الواعية، ثم (يستدلّ) على وجود اللاوعي، أو الوعي الباطني.

 
إلَّا أنَّ نبياً، أو موحّداً على غرار إبراهيم عليه السلام ، يطلق نظرةً في الكائنات جميعها، فيرى فيها آثار (المربوبية) و(المقهورية) و(عدم الاستقلال) وأنَّها (قائمة بغيرها). لقد لاحظ إبراهيم عليه السلام علائم (المربوبية) و(المقهورية) في نفسه أوَّل الأمر، فراح يبحث عن (ربّه) فظنّه كوكباً، فقمراً، فشمساً، ولكنّه سرعان ما لاحظ فيها جميعاً أمارات التغيّر والتحرّك والمحكومية، فأشاح بوجهه عنها واستطاع أن ينفذَ عميقاً إلى ما وراء العالم المتغيِّر المتحرِّك، إلى عالمٍ ثابتٍ غير متغيّر وكامل، وقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾1.
 
العالَم في نظر العالِم الإلهي:
إنَّ العالم الذي يراه الإلهي الحقيقي العارف بالدّين، يتميز بأنَّه (من الله تعالى) أي إنَّ حقيقة العالم تساوي كونه (منه تعالى)، ولا يعني هذا أنَّ للعالم حقيقة يمكن أن تنسب أو تضاف (إليه) مثل حقيقة انتساب الابن لأبيه، ولا كإضافة أيّ شخصٍ إلى آخر، ولا انتساب حقيقةِ اختراع ما إلى مخترعه وصانعه، بل إنَّ حقيقة العالم وماهيته هي (هو) نفسه، وهي الصدور نفسه (عنه)، والتعلق والارتباط نفساهما (به)، وبالإضافة نفسها (إليه). وهذا هو معنى (الخلق) ومفهومه، ومعنى أن يكون العالم كله (مخلوقاً) من مخلوقات الله.
 
ومن هنا فإنَّ مسألة هل للعالَمِ بداية زمانية أم لا -تلك المسألة التي كثر الحديث عنها، ولقد اعترف فيزيائي اليوم بوجود بداية للعالم- ليس لها أيّ تأثيرٍ على مفهوم الخلق بالمعنى الصَّحيح للكلمة.
 
وبالإضافة إلى كون العالم الذي يراه الإلهي ذا ماهية تتَّصف بأنَّها (منه)2 فإنَّها تتَّصف كذلك بأنَّها (إليه)، بل إنَّ هاتين الصِّفتين متلازمتان لا تنفكّ إحداهما عن الأُخرى. 
 
 
 

1- الأنعام، 79.
2- أي من الله تعالى، وإليه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

37

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 إنَّ الوجود يسير من النقطة التي بدأ منها في قوسٍ نزولاً ليعود ثانية في قوسٍ صعوداً إلى النقطة نفسها، وفي هذا يقول مولوي:

تـتـجـه الأجـزاء نـحــو الـكــل                  فالـبلابـل تـعشـق وجـه الـورد
مـا يأتـي مـن الـبـحـر إلـيه يـعود               فـمـن حيثـما جـاء إلـيه يـعـود
مـن الـمـبـدأ سـيـول جــارفــة                  ومن جـسدنـا روح يُسَيّرها العشق
 
وهذا هو المعاد الذي أكثر الأنبياء ذكره وحثّوا على الإيمان به.
 
إنَّ العالم الإلهي عالم خير ووحدة وانسجام، ويتّبع ذلك الشرّ والبخل والتفرّق والتّضاد. غير أنَّ لهذه الحالات التّبعية دوراً أساسياً في جريان الخير والجود، وفي ظهور الوحدة والانسجام.
 
هذا العالم عالمٌ شاعر، فبالإضافة إلى قوانين المادّة الجامدة الصلبة ثمة قوانين أُخرى تحكمه أيضاً. فكما أنَّ الإنسان مثلاً، من حيث أجهزته الجسمية، تتحكَّم فيه قواعد وضوابط، وقد تمْرُض هذه الأجهزة البدنيّة وقد تشفى بدواءٍ ماديّ، فإنَّه في الوقت نفسه، من حيث روحه التي فيه، وفكره، وعقله واستعداده للتلقّي، يقعُ تحت سيطرة الرّوح ويجري فيه حكمها وقوانينها، والعلّة الرّوحية تسبّب المرض الجسمي كما أنَّ المرض الجسمي قد يشفي الرّوحية.
 
العالم كلّه كذلك، أيضاً هنالك في العالم مجموعة من العلل، من الأفعال وردودها، تتحكّم في قوانين المادّة الجامدة الصلبة، وهي قوانين وليدة روح العالم وقواه المدبّرة له.
 
ولهذا فإنَّ العالم يُعنى بخير الإنسان وشرّه، يحمي الأخيار وطلاب الحق والمدافعين عنه، ويقضي على دعاة الباطل. إنَّ سر الدُّعاء والاستجابة كامن في هذه الصّفة من صفات الدُّنيا.
 
إنَّ العالم الذي يعرفه الإلهي عالم متكامل، موجّه، وكل كائن في أي موقع كان يتمتع بمقدار من الهداية - أو الوحي كما يسميه القرآن - يتناسب مع وجوده. ﴿الَّذِي خَلَقَ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

38

العالَم في المنظور الإلهي والمنظور المادّي

 فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾1. إنّ المجتمع البشري لا يستغني عن الهداية. ومن هنا أصل النبوة أيضاً.

 
هذه الدُّنيا لا يضيع فيها شيء ويبقى الإنسان قرين عمله وما أن تحين الساعة حتى يحضر الناس جميعاً إلى معرض الأعمال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾2.
 
إنَّ العالم الذي يظهر في المنظور الإلهي، كلّ لا يقبل التجزئة، أجزاؤه وأعضاؤه تشبه أجزاء الجسد وأعضاؤه كلها مترابطة وتؤلّف بمجموعها وحدة واحدة.
 
وعلى ضوء هذه النَّظرة إلى العالم، فقد خلقَ الله بإرادته وبقضائِه وقدره العالم في نطاقٍ من النّظم والقوانين والسُّنن. إنَّ القضاء والقدر الإلهي يقضي أن تجري الأُمور بعللها وأسبابها المعيّنة لها، ليس غير.
 
والإنسان، في هذا المنظور، ولكونه يتمتّع بجوهرٍ روحيٍّ غيبي، فإنّه يتمتّع بإرادةٍ حرّة يستطيع بها أنْ يتحرّر من قيود المحيط وقيود المجتمع وقيود الطبيعة الحيوانية إلى حدٍّ كبير، وهو لهذا مسؤول عن نفسه وعن مجتمعه.
 
 
 

1- الأعلى، 2-3.
2- الزلزلة، 6-8.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

39

نظرة الدّين إلى الدنيا

 نظرة الدّين إلى الدنيا


مقدّمة
موضوع البحث هو الدّنيا في نظر الدّين. وبالطبع، إننا نبحث الموضوع من حيث وجهة النظر الإسلامية، وخصوصاً من حيث المنطلق المنطقي الذي ينطلق منه القرآن، وهو منطق ينبغي توضيحه، لأنّ أول موضوع في الموعظة والنصيحة يجري على لسان الدّين هو ذاك الذي يتناول الدّنيا بالذّم وبالابتعاد عنها، وتركها وعدم التمسك بها.

إنَّ من يريد أنْ يصبح واعظاً يعظُ النَّاس، فأول موضوع يتبادر إلى ذهنه هو أن يحفظ شيئاً من الشِّعر أو النَّثر في ذمِّ الدُّنيا والزُّهد فيها.

إنَّ هذا الموضوع يرتبط بتربية الناس وأخلاقهم ونوع توجُّهاتهم نحو القضايا الحياتيَّة، ولذلك فهو موضوع على جانب كبير من الأهمية. فإذا أمكن تفسيره تفسيراً معقولاً وجيداً، لكان له تأثيرٌ في تهذيب الأخلاق، وعزَّة النفس، وبُعد النَّظر، والسَّعادة الفردية، وحسن الروابط الاجتماعية، أما إذا كان تفسيره سيئاً، فإنَّه سيكون مدعاةً لتخدير الأعصاب، واللامبالاة، ومنشأً لكل تعاسة فردية وشقاء اجتماعي.

الخطأ في تفسير الزهد وترك الدنيا:
لقد أصبح التفسير الثاني الأكثر رواجاً من باب المصادفة فقط، وإنَّ الشعر أو النثر الذي ظهر في هذا الباب كان في الأغلب من هذا النوع الذي يخدّر الإحساس. 

ها هنا سببان اثنان: 
- الأوَّل: هو نفوذ بعض الأفكار والفلسفات التي كانت موجودةً قبل الإسلام، والمبنيّة على سوء الظّن بالوجود وبالدّنيا والأيام، وأن كلَّ شيء في هذا العالم مبنيّ على الشرّ. وهي أفكارٌ انتشرت بين المسلمين بعد اختلاطهم بالأقوام الأخرى.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

40

نظرة الدّين إلى الدنيا

 - الثّاني: هو الحوادث التاريخية المُرَّة، والحوادث الاجتماعية الخاصة التي وقعت خلال الأربعة عشر قرناً في المحيط الإسلامي، فكانت سبباً في خلق سوء الظنّ وانفصام الوشائج، وشيوع فلسفاتٍ مبنيّةٍ على الشكّ وسوء الظّن.

 
علينا الآن أن نرى ما هو منطق القرآن بهذا الشأن؟ هل يمكن استخراج هذه الفلسفة السيّئة الظّن من القرآن؟ أم أنّ القرآن يخلو من هذه الأفكار؟
 
الزهد في القرآن:
في الوقت الذي يتحدَّث فيه القرآن عن الدّنيا على أنّها حياةٌ فانيةٌ لا تستحقُّ أن يعتبرها الإنسان هدفاً نهائياً له، يقول أيضاً: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾1.
 
وفي الوقت الذي لا يرى القرآن الدُّنيا جديرةً بأن تكون غاية آمال البشر، كذلك لا يرى المخلوقات والموجودات من سماءٍ وأرضٍ وجبالٍ ومحيطاتٍ وصحاري ونبات وحيوان وإنسان، وما هنالك من أنظمة وحركة ودوران، كلّها باطلةً وقبيحةً وخطأً!
بل على العكس من ذلك، يرى في هذا كلّه نظاماً حقاً، ويقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾2 إنّ القرآن يقسم بالموجودات وبالمخلوقات ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾3 و﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾4 و ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾5 و﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾6 ويقول سبحانه وتعالى: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾7.
 
 
 

1- الكهف، 46.
2- الدخان، 38.
3- الشمس، 1ـ 2.
4- التين، 1ـ 3.
5- العاديات، 1ـ 2.
6- الشمس، 7ـ 8.
7- الملك، 3.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

41

نظرة الدّين إلى الدنيا

 في الواقع، إنَّ سوء الظّن بالخلق وبدوران العالم وبنظامه لا يتّفق مع الفلسفة الإسلامية، أي النواة المركزيّة للفلسفة الإسلامية، وهي التوحيد. فتلك النظريات إمّا أن تكون مبنية على أساس ماديّ ينكر وجود إلهٍ حقٍّ حكيمٍ وعادل، وإمّا أن تكون قائمة على الثنائية أو الازدواجية في الوجود، كما هي الحال في بعض الفلسفات التي تقول: إنّ هناك أصلين أو مبدأين للوجود، أحدهما للخير، والآخر للشرّ.


إلّا أنّ ديناً بني على التَّوحيد، وعلى الاعتقاد بإله رحمان، رحيم، عليم، حكيم، لا مكان فيه لأمثال هذه الأفكار، كما ورد في الكثير من آيات القرآن.

إن ما قيل عن فناء الدّنيا وزوالها، تشبيهاً بالنَّبات الذي يخرج من الأرض على إثر مطر، فينمو ويخضّر، ثم يصفر ويجفّ ويتلاشى تدريجياً، إنما قد قيل لرفع قيمة الإنسان الذي ينبغي ألا يجعل غايته وهمّه ومنتهى آماله أموراً مادية، فما من أمرٍ دنيويٍّ جديرٍ بأن يكون هدفاً أعلى. وليس في هذا ما يحملنا على القول: إنّ الدّنيا، بحدّ ذاتها شرّ وقبح.

ولذلك ما سمعنا أنّ أحداً من علماء الإسلام قد حمل تلك المجموعة من الآيات على محمل سوء الظّن بالكون ودوران الزمان والأيام.

هل التعلّق بالدّنيا مذموم؟
جاء في بعض التَّفاسير التي فسّرت بها تلك الآيات، أنّ مضمون هذه الآيات ليس ذماً للدنيا نفسها، لأنّ الدّنيا ما هي إلا هذه الأشياء العينيّة التي نراها في الأرض والسماء، وليس في أيٍّ من هذه شيءٌ سيِّئ، بل إنّها جميعاً دلائل على قدرة الله وحكمته، فلا يمكن أن تكونَ سيِّئة، ولكن السيِّئ والمذموم في الموضوع هو التعلُّق بهذه الأمور في الدُّنيا، لا الدُّنيا ذاتها. لقد قيل الكثير من الشعر والنثر في ذمّ حبّ الدّنيا بحيث يخرج عن العدّ والإحصاء.

هذا تفسير كثير الشيوع، إذ لو سألت شخصاً عن معنى كون الدّنيا مذمومة، لقال لك: إنّ معنى ذلك هو: إنّ حبّ الدّنيا هو المذموم، لا الدّنيا ذاتها، إذ لو كانت هي المذمومة لما خلقها الله.

لو أنّنا أمعنّا النظر في هذا التفسير -على الرغم من شهرته وأخذه مأخذ الأمور المسلم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

42

نظرة الدّين إلى الدنيا

  بها- لرأينا أنّه لا يخلو من بعض التحفُّظ، بل قد يكون على شيءٍ من التَّباين مع القرآن نفسه.

 
من ذلك، مثلاً علينا أن نعرف إن كانت علاقة الإنسان بالدنيا علاقة فطريّة وطبيعيّة، أي هل إنّ هذه العلاقة كامنة في غريزة البشر وجبلّته؟ أم أنّها مكتسبة فيه بسبب عوامل وظروف خاصّة، كالعادة، أو التلقين، أو أي عامل آخر؟ فالوالدان متعلِّقان بأبنائهما، والأبناء بوالديهم، والذَّكر والأنثى يتعلَّق بعضهما ببعض. وكلُّ الناس يحبّون المال والثروة، والجاه والاحترام، وكثيراً من الأمور الأخرى. فهل هذه العلاقات طبيعيّة وفطريّة، أم أنّها مكتسبة من أثر سوء التربية؟
 
لا شكّ إنّها تعلقات طبيعيّة فطريّة، فكيف يمكن أن تكون مذمومة، وأنّه على الإنسان أن يتجنّبها ويزيلها من نفسه؟! فكما أنّنا لا يمكن أن نقول: إنّ المخلوقات والموجودات، الخارجة عن وجود الإنسان شرٌّ ولا حكمة فيها، وكما أنّ أي عضو من أعضاء الإنسان وجوارحه لا يكون خلواً من الحكمة، حتى الشُعَيرة الدَمَويّة والعضو الصغير، وحتى الشعرة الواحدة لا يمكن أن نقول: أنها زائدةٌ وعبث، كذلك الأمر في القوى والغرائز وأجهزة الإنسان الروحيّة، في الميول والرغبات. فما من رغبة أو ميل فطري في الإنسان إلّا ولوجوده حكمةٌ وهدف أو قصد. 
 
إنّ لكل هذه الأمور حكمتها: العلاقة بالأولاد، بالأبوين، بالزوج، بالمال، بالثروة، بالجاه والرفعة، بالتقدم على الآخرين. إنّ لكلّ من هذه حكمته الكبيرة، إذ لولاها لانهار أساس حياة البشر.
 
ثمّ إن القرآن نفسه يذكر هذه الألوان من العلاقة والحبّ على أنّها من دلائل حكمة الله تعالى، من ذلك مثلاً في سورة (الروم)، حيث يشير إلى خلق البشر، والنوم، وأمور أخرى، ثمّ يُردفها بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾8
، فلو كان حبُّ الزَّوج سيّئاً، لما ورد
 
 
 
 

1- الروم، 21.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

43

نظرة الدّين إلى الدنيا

  ذكره في هذه الآية على أنّه من آيات الله ومن تدابيره الحكيمة.


فلا شكّ إذن في أنّ هذه العلاقةَ كامنةٌ في طبيعة النّاس، ومن الواضح أنّ هذه العلاقة مقدّمة ووسيلة ليبقى سير الدُّنيا ونظام دورانها محفوظاً، إذ لولا هذه العلاقة، لما استدامَ تواتر الأجيال، ولما تقدَّمت حياة البشر وحضارتهم، ولما نشطت حركة العمل والتكسُّب، بل لما بقي إنسانٌ على وجه الأرض.

طرق الحلّ:
هذان تفسيران للنظر إلى الدّنيا، أحدهما نظرة الذين يرون الدّنيا بلذاتها عالم شرّ وفساد وخراب، والآخر نظرة الذين لا يرون الدّنيا مذمومة، بل إنّ حبّها هو المذموم.

أمّا الذين ينظرون إلى الدّنيا والوجود كلّه نظرة سوء ظن، ويرون الحياة والوجود شرّاً كلّه وفساداً، دون أن يكون عندهم طريق لنجاة البشر من التعاسة غير البوهيمية والانتحار، فإنّ حديثهم لأسخف حديث، وإن حظّهم لأتعس حظّ، إن مثلهم، كما يقول (ويليام جيمس) مثل الجرذ في المصيدة، عليه أنْ يئنّ ويتوجَّع. 

وأما الذين قالوا: إنَّ الدُّنيا ليست مذمومةً بذاتها، وإنّما التعلّق بها هو المذموم، وهم يقولون أيضاً: ليس الحال أن نشقى ونتعذّب أبداً، وإنما الطريق إلى سعادة الإنسان وخلاصة من التعاسة هو مكافحة هذه العلائق واقتلاعها من جذورها، وعندئذٍ يتحرَّر الإنسان من مخالب الشرّ ويحتضن السَّعادةَ بين ذراعيه.

وفي الردّ على هذه الجماعة ينبغي أن نقول: إنّه، فضلاً عن أنّ هذه الغرائز والطبائع الفطريّة الكامنة في النفس غير قابلة للاقتلاع والقمع -وهذا ما يؤيّده علماء النفس والفلاسفة - وأنّ أكثر ما يستطاع هو ترويضها وكبتها ودفعها بعيداً إلى أغوار العقل الباطني، غير أنَّها سوف تظهر مرَّةً أخرى بصورةٍ أخطر عن طريق مجرىً آخر، مسببة أمراضاً نفسيّةً وعصبيةً.

أقول، بصرف النظر عن كلّ هذه، فإنّ لاقتلاع جذور هذه الغرائز من الضَّرر أضعافاً مضاعفة، إنّه كما لو قطعت يداً أو رجلاً أو جدعت أنفاً أو أي عضو من أعضاء الجسم!
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
51

44

نظرة الدّين إلى الدنيا

 إنّ لكل غريزة أو اتجاه فطري قوّة في كيان الإنسان، غرزت فيه للقيام بعمل أو بحركة، ليس في خلقة الإنسان عبث. فما ذريعتنا للقضاء على مركز هذه القوّة وتدميره؟

 
منطق القرآن:
يستفاد من القرآن الكريم، إنّ أي تعلّق أو حبّ بالكائنات أمر مذموم، إلّا أنّه لا يقول: إنّ طريق علاج ذلك هو كبح ذلك وقمعه، فهذا أمر آخر وله طريق آخر للعلاج.
 
إن ما يذّمه القرآن هو التعلّق أو الارتباط، أو الولع، أو الرضا بالأمور المادّيّة الدنيويّة، فيقول: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾1، أي صحيح أنّ الثروة والأولاد من مباهج الحياة، إلّا أن الأعمال الصالحة الباقية أفضل عند الله ثواباً، لأنّها هي هدف الإنسان والمثل الذي يصبو إليه، فالكلام إذن على الغاية، والنموذج المثالي المطلوب.
 
ويصف القرآن أهل الدّنيا هكذا: ﴿الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾2، الكلام في هذه الآية يتناول مذموميّة الرضا بالمادّيات والاكتفاء بها والركون إليها، هذا هو الوصف المذموم لأهل الدنيا.
أو يقول: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾3، أي لا تلتفت إلى الذين لا يلتفتون إلى القرآن، ولا يريدون شيئاً غير الدّنيا، لأنَّ إدراكهم سطحيٌّ وقشري. ومرّة أخرى يكون الحديث هنا عن الذين لا يبغون غير الدّنيا، ولا هدف لهم سواها، فلا يتجاوز تفكيرهم مستوى المادّيّات.
 
أو يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾4، هنا الكلام أيضاً لا يتناول الرغبات الطبيعية الصرف، بل يتناول جانباً أدقّ من حيث إضفاء
 
 
 

1- الكهف، 46.
2- يونس، 7.
3- النجم، 29ـ 30.
4- آل عمران، 14.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
52

45

نظرة الدّين إلى الدنيا

  الناس أهميّة أكبر وجمالاً أحلى على بعض الشهوات بما لا تستحقّه، فانشغل بها الفرد وافتتن حتى حسبها هي المطلوب الأسمى.

 
أو يقول: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾1، فهذه الآيات تنقد القناعة والرضا والاكتفاء بالعلائق الدنيوية.وهنالك فرق بين أن يحبَّ المرءُ المال والأولاد وسائر شؤون الدُّنيا، وأن يكتفي بها ويرتضيها ويجعلها غاية آماله وأقصى ما يستهدفه. 
 
عندما تكون نقطة الهدف هي الحيلولة دون حصر البشر، وتحديدهم بالعلائق والروابط المادّية، فإن طريق الوصول إلى ذلك لا يكون عبر كبح العلائق الطبيعية في الإنسان، وقمعها وإخفات ضوئها وطاقتها. بل الطريق الأمثل هو تحرير مجموعة أخرى من العلائق، ومنحها الحريّة، وهي تلك المجموعة التي تأتي بعد العلائق الجسديَّة المادّيَّة، وهي تستوجب التَّحريك والإحياء.
 
وعليه فإنّ حقيقة الأمر هي أنَّ التعاليم الدينية تعمل على إيجاد مشاعر أسمى في الإنسان، وهي مشاعرُ موجودةٌ في فطرة الإنسان وغرائزه. ولمَّا كانت هذه أسمى وأرفع مقاماً، وتستقي من مكانة الإنسان الرفيعة، فإنّها أحوج إلى الإيقاظ والتَّحريك والإحياء، إنَّها مشاعرُ تتعلَّقُ بالمعنويَّات.
 
كلُّ علاقة من العلائق هي نبع تنبع من روح الإنسان، وتنبجس ويجري ماؤها. ليس هدف الدّين أن يطمر العيون المادّية، بل هدفه فتح عيون أخرى، عيون المعنويات. أو بعبارة أخرى، ليس الهدف تحديد مجرى العيون المادّية وتضييقها إلى أدنى من الحدّ الذي قدّره لها الخالق في بدء الخليقة بحسب حكمته وتقديره، وإنَّما الهدف هو إطلاقُ الحريّة لمجموعةٍ من القوى المعنويَّة التي تتطلَّبُ التحرُّر، وإليك مثلاً توضيحاً للأمر.
 
هذا رجل له ولد يبعث به إلى المدرسة، فإذا رأى أنّ ابنه لا همّ له سوى اللعب والأكل والنوم، حزن وقلق، ووبّخه ووسمه باللعوب الأكول، وبصفات مذمومة أخرى، لأنّه يودّ لو أن
 
 
 
 

1- التوبة، 38.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

46

نظرة الدّين إلى الدنيا

  ابنه أظهر تعلّقاً أكبر بالدرس والاجتهاد والسعي. لا شكّ أنّ هذا التعلّق المطلوب بالدرس والاجتهاد أبطأ ظهوراً في الصبي من علاقته باللعب والأكل، ثمّ إنّها تستوجب حبّ الإثارة والتحريك والتشويق. إنّ غريزة حبّ التعلم موجودة في كلّ البشر، إنما هي في سبات وينبغي إيقاظها.

 
ولا يعني هذا أنّ الأبّ يريد حقاً اقتلاع حبّ اللعب والأكل من طبيعة ابنه اقتلاعاً نهائياً، بل إنَّه ليشتد قلقه على ابنه إن رآه فقد رغبته في اللعب أو الطعام، ويحسب ذلك عارضاً من أعراض المرض، فيعرضه على الطبيب لمعالجته، لأنّه يعلم أنّ الطفل السليم الذي يحبّ الدرس والمدرسة ينبغي ألّا يصرفه ذلك عن الرغبة في اللعب والطعام، عليه أن يكون نشيطاً، فيلعب وقت اللعب، ويأكل وقت الأكل، وعليه، عندما يصف الأب ابنه بأنّه لعوب وأكول، لا يريد أن يقول: إنّه يشكو من هذا في ابنه، بل من أن ذلك ربّما يكون قد تجاوز حدوده.
 
أصل هذا المنطق في نظرة الإسلام إلى الدنيا:
إنّ اهتمام القرآن بموضوع الدّنيا، ومنع حصر العلائق بالدّنيا وبالمادّيّات، ناشئ من نظرة القرآن الخاصة إلى العالم وإلى الإنسان.
 
فنظرة القرآن إلى نشأة العالم لا تقتصر على جانبها المادّي الدّنيوي، فهو مع القول بعظمة الدُّنيا بأيِّ درجةٍ كانت، يقول أيضاً بنشأةٍ أخرى أعظم وأوسع، وأرحب، بحيثُ لا تكون نشأةُ الدُّنيا بإزائها شيئاً يُذكر. ومن حيث نظرته إلى الإنسان يقول: إنَّ الحياة ليست منحصرةً بالحياة الدّنيا، ففي الآخرة حياةٌ أخرى. 
 
وعلى الرغم من أنَّ القرآن يرى أنّ الإنسان ثمرةُ شجرة هذه الدُّنيا. فإنَّ حياتَه ووجودَه يمتدَّان إلى ما وراء الحياة الدُّنيا، وعليه فإنَّ هذا الإنسان الذي يحظى بهذا القدر من العناية والأهميّة، ينبغي ألّا يجعل الدّنيا وما فيها من الأمور المادّية هدفه النهائي، وألا يبيعَ نفسه للدُّنيا. يقول الإمام علي عليه السلام: "ولَبِئْسَ المَتْجَرُ أنْ تَرى الدُّنيا لِنَفسِكَ ثَمناً"1.
 
 
 

1- العلامة المجلسي، بحارالأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1984م، ج34، ص98.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

47

نظرة الدّين إلى الدنيا

 وعلى ذلك، فإنَّ فصلاً من فصول النَّظرة إلى العالم والفلسفة القرآنية، أعني فصل التوحيد، كما قلنا منذ البدء، لا يسمح لنا أن ننظر إلى الدّنيا والعالم المحسوس نظرةً سيِّئة. وثمة فصل آخر من فصول الفلسفة القرآنية ونظرتها إلى الدّنيا، يوجب أن يكون هدف الإنسان وغايته القصوى أرفع من مستوى الدّنيا، وماديّاتها، ذلكم هو فصل المعاد والإنسان.


الأخلاق والحبّ:
وفضلاً عن أن هناك فصلاً آخر من الإسلام يوجب كذلك الإقلال من الاهتمام بالمادّيّات، وهو فصل التربية والأخلاق، فإنّ سائر المدارس التربويّة تقول أيضاً: إنّ التربية الاجتماعية، ولغرض إعداد البشر لحياة اجتماعية، ينبغي أن تعمل على أن تكون للأفراد أهدافٌ معنويّة يتوجّهون إليها بأكثر مما يتوجّهون نحو المادّيّات. إذ أنّ نارَ الحرص والطمع إذا اشتدّ لهيبها فهي فضلاً عن كونها لا تستطيع أن تكون سبباً في العمران الاجتماعي، فإنّها، على العكس من ذلك تسبِّبُ الفساد الاجتماعي وخرابه.

ومن حيث بلوغ السعادة، على الفرد ألا يكون مفرطاً، كما هي حال بعض الفلاسفة فيقول: إنّ السعادة والهناء في الزهد في كلّ شيء وتركه، بالرغم من أن طبيعة الاستغناء وعدم الاهتمام واحدة من الشروط الأولى للسعادة.
هنا ترانا بحاجة إلى توضيح آخر، لعلّ الذي ذكرناه عن الحيلولة دون حصر العلائق البشرية بالمادّيّات، يحمل بعض الناس على الظّن الواهم بأنّ علينا أن نحبّ الله وأن نحبّ الدّنيا، أن نجعل المادّة والروح هما المطلوب الأكمل، وهذا ضربٌ من الشّرك! 

ليس هذا هو المقصود، المقصود هو أنّ الإنسان يملك عدداً من الميول والنزعات الطبيعيّة نحو بعضِ الأشياء، وهي ما أوجده الله بحكمته في الإنسان قاطبةً بما فيهم الأنبياء والأولياء الذين كانوا يشكرون الله ويحمدونه عليها، وهي ما لا يمكن إزالتها، وحتَّى لو أمكن أنْ تُزال، فليس ذلك من صلاح البشر.

إنّ للإنسان تطلُّعاً آخر وراء هذه الميول والعواطف، إنّه يتطلّع إلى الكمال وإلى المثال،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

48

نظرة الدّين إلى الدنيا

  غير أنّ الدّنيا والمادّيّات ينبغي ألّا تظهر بصورة المثال والكمال المطلوب. فالحبّ المذموم هو هذا الحبّ، إنّ الميول والعواطف إن هي إلا لون من ألوان الاستعداد في البشر، وهي له بمنزلة وسائل للعيش. أمّا الاستعداد لبلوغ الكمال المطلوب فهو استعدادٌ خاصٌّ ينبع من العمق الإنساني وجوهره ويختصّ بالإنسان. إن الرسل لم يأتوا لإزالة الميول والعواطف ولردم منابعها، بل جاؤوا ليزيلوا عن الدّنيا والمادّيّات صورة الكمال المطلوب، وليظهروا الله والآخرة في صورة الكمال المطلوب.

يريدُ الأنبياء أن يحولوا دون التعلّق بالدّنيا والمادّيّات، وخروج هذه العلاقة من مكانها الطبيعي، أي منع هذه الميول والعواطف وهي رابط طبيعي بين الإنسان والأشياء من أن تغيّر مكانها لتنتقل إلى ذلك المكان المقدس، القلب، مركز وجود الإنسان وكيانه، وموضع انجذابه نحو اللامتناهي، بحيث تمنعه من التحليق نحو الكمال اللامتناهي.
 
إن قول القرآن الكريم: ﴿مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه﴾1، ليوحي إلى أنّ المرء إمّا أن يتعلّق قلبه بالله، أو بغير الله، من زوج وبنين ومال وغير ذلك. إنّ على الناس أن يكون لهم هدف أعلى واحد. إنّ الهدفين اللذين لا يمكن الجمع بينهما هما الله والمادّيّات الدنيوية، وإلّا فإنّ التعلّق الصَّرف بعددٍ من الأمور في وقتٍ واحدٍ أمرٌ متيسَّرٌ وواقع.
 
 
 

1- الأحزاب، 4.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
56

49

إنكارٌ في غير محلّه

 إنكارٌ في غير محلّه


مقدّمة
من المقولات المعروفة: إنَّ للعلم ثلاث مراحل؛ عندما يبلغ الإنسان المرحلة الأولى يركبه الغرور والتكبّر، إذ ينظر إلى ما أدركه من بعض مسائل العلم فيعتبر نفسه أعلم من عليها، ويراها أفضل وأرفع من غيرها من الأفراد، وهذه هي مرحلة رؤية العلم والذات. وعند وصوله إلى المرحلة الثانية، تكون معلوماته قد ازدادت، فتتجلّى له عظمة الخلق، فيستصغر نفسه وعلمه أمام عظمة ما يتجلّى له، فيأخذه التواضع، وهذه مرحلة الرؤية الواقعية والمنظور الواقعي للعالم، فينتقل من رؤية العلم إلى رؤية العالَم. فبدلاً من أن يتطلّع إلى ما عنده من علمٍ يطلق بصره في العالَم ويتفهّم العالم بما لديه من معلومات، حتَّى يضع قدمه على أعتاب المرحلة الثالثة، وفي هذه المرحلة يعلم أنَّه لا يعلم شيئاً، وهذه مرحلة الحِيرة والاندهاش، في هذه المرحلة يدركُ أنَّ المقاييس والموازين الفكرية التي اختزنها في صندوق فكره أتفهَ وأحقرَ من أن تستطيع من خلالها قياس هذا العالم العظيم، عندئذٍ يعلم أنَّ مقاييسه العلميّة والفكريَّة لا تصلح إلَّا لمحيطِ حياته الخاصّة وحسب.

هناك بيتٌ من الشعر أحسبه لمولوي، يقول فيه:
(حاصل عمري ثلاث كلمات ليس غير                     كنت فجّاً، فنضجت، فاحترقت)

إنَّ هذا الرجل العارف أوجزَ بدورة سُلوكِه الروحيّ والعقلانيّ في ثلاث مراحل: مرحلة النقص، فمرحلة النضج، ثمّ مرحلة الاحتراق. إنَّ مرحلة النقص والغرور والتَّكبر شائعةٌ بين الناس، ولكن هل يمكن الوصول إلى مرحلتي النضج والاحتراق؟ إنّ لذلك حديثاً آخر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

50

إنكارٌ في غير محلّه

 غرور العلم الناقص:

كما إنّ الإنسانَ يغترُّ أحياناً بماله فيكون صريعَ جنون الثروة، فيحسب أنَّ ما يكتنزه من مالٍ وثروةٍ يشبع كلَّ حاجةٍ وأنَّه يخلّده في الدّنيا: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾1، أو قد يركبه الغرور بسبب ما عنده من مقامٍ وجاه، ويستولي جنون العظمة على تفكيره، فينطلق ليفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل، وقد يصل به الجهل والغرور حدّاً يقول معه كما قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾2.
 
كذلك يمكن أن يستوليَ على الإنسان أحياناً غرور العلم، وهو نوعٌ من أنواع جنون العظمة، مع اختلافٍ في أنَّ جنون الثروة والجاه يحدُث من كثرة الثروة والقوّة بينما جنون العلم يحدُث من نقص العلم وضعفه. يُقال: إنّ الوجود الناقص خيرٌ من العدم المحض، إلا العلم فإنّ عدمه خيرٌ من وجوده الناقص؛ لأنّ العلم الناقص يؤدّي إلى أن يغترّ المرء بعلمه الناقص فيعربد! صحيحٌ، إنَّ جنون الثروة والعظمة يورث العربدة أيضاً، إلا إنَّ هذا الجنون ناشئٌ من الكثرة والوفرة، بخلاف عربدة جنون العلم الذي ينشأ من النقص والقِلّة، وهذا يؤدّي إلى تكذيب الحقائق وإنكارها.
 
وهنا أنقل إليكم حديثاً عن الإمام الصادق عليه السلام ، مفاده: إنّ الله في آيتين من القرآن الكريم منع الناس من التصديق والتكذيب اللذين لا يكونان في محلّهما، تقول الآية الأولى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَ الْحَقَّ﴾3؛ أي أنْ لا يقولوا من عندهم ما ليس لهم به علم، فيحلّلون هذا ويحرّمون ذاك متقوِّلين على الله، قال كذا وكذا هنا، وقال كذا وكذا هناك. لقد أخذ عليهم عهداً أن لا يقولوا شيئاً حيث سكت الله ولم يعيّن لهم واجباً، لا أن يبتدعوا من أنفسهم بدعاً ويضعوا لها التعاليم، زاعمين أنَّها من عند الله.
 
يصاب الإنسان أحياناً بمرض التصديق، ففي الموضوعات التي لم يُنزِل الله تعاليم معيّنة، واقتضت المصلحة أن يُترك الناس أحراراً، يحاول الإنسان أن يضع تعاليمه
 
 
 


1- الهمزة، 3.
2- النازعات، 24.
3- الأعراف، 169.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58

51

إنكارٌ في غير محلّه

 وينسبها إلى الله. أو قد تسوِّل له أهواؤه وشهواته أن يرتكب أفعالاً قبيحة، فيضع من عنده ما يشاء من التشريعات ويقول إنَّها من عند الله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾1.
 
هذا عهدٌ أخذه الله على عباده ألَّا يقولوا ما ليس لهم به علمٌ، وألّا ينسبوا إلى الله ما لم ينسبه إلى نفسه. والعهد الثاني هو قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾2، فإن كانت ثمّة مسائل لا يدركونها جيّداً، ولا يعرفون بواطنها وخوافيها، فبدلاً من أن يقولوا: لا نعرف، لا ندري، عقولنا قاصرة عن فهمها مثلاً، يركبهم الغرور وجنون العظمة فيكذِّبون ما لا يشهدون، ويقولون لا وجود لشيءٍ كهذا، وينكرون قبل الإحاطة والفهم.
 
للشيخ الرئيس (ابن سينا) كلمتان يقترب مضمونهما من هذا الكلام، فيقول بخصوص التصديق بغير دليل: "من تعوّد أن يصدّق بغير دليل فقد انخلع عن الفطرة الإنسانية"؛ أي إنَّ إنساناً هذا شأنه ليس إنساناً. وفي الكلمة الثانية يتناول إنكار شيءٍ بغير دليل فيقول: "كلّ ما قرع سمعك من الغرائب، فَذَرْه في بقعة الإمكان، ما لم يَذُدْك عنه قائم البرهان".
 
معرفة الحدود:
إنَّ لكلِّ امرئٍ من حيث جسمه وهيكله حدوداً، وكذلك هو من حيث الروح والعقل والعلم، فلكلٍّ منها حدودها وسعتها، فعلى الإنسان أنْ يدرك حدوده ويعرفها ولا يتعدَّاها. قال أمير المؤمنين عليه السلام: "العالِمُ من عَرَفَ قَدْرَهُ، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يَعْرِفَ قَدْرَهُ"3. إذ يعرف المرء في دنياه كثيراً من الأمور، ويحيط بعلومٍ عديدة كالرياضيات والطبيعيّات والاجتماعيّات، ويعرف أخبار العالم وتاريخ الأمم وماضيها، يقدّر حدود الأشياء وموازينها، ولكنّه يكون جاهلاً بقضيّة واحدة، وهي الجهل بحدوده وموازينه هو، فلا يكون قد قاس
 
 
 
 

1- الأعراف، 28.
2- يونس، 39.
3- بحار الأنوار، ج2، ص58.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

52

إنكارٌ في غير محلّه

  روحه وفكره وعقله! فتكون كلّ تلك الأمور التي يحيط بها لا شيء بإزاء ما يجهل؛ لأنَّ جهله هنا ينشأ عنه الجهل بآلاف الأشياء، ويتسبّب في تكذيب كثير من حقائق الخليقة المسلَّم بها، فيكون داعيةً إلى الغرور.

 
في موضوعٍ سابقٍ ذكرت أموراً بخصوص محدوديَّة جهاز الفكر عند الإنسان، وقلنا: إنَّه قد صيغ بحيث إنّه لا يستطيع إدراك أيّ حقيقةٍ مهما كانت واضحةً وظاهرة، ما لم تكن لها نقطةٌ مقابلةٌ يقارنها بها، إنَّ هذا النَّقص وحده يكفي أن يزيل من رأس الإنسان كلّ غرور وزهو، وأن لا يكذِّب حقيقةً بغير علم.
 
وذكرت في موضوع آخر أنَّ القرآنَ يتناول أحياناً قضيّة إحياء الأرض في الربيع كدليلٍ على التوحيد تارة، وكنموذجٍ مصغّر للانبعاث وتبديل نشأة بنشأة مرَّة أخرى. إنَّ الله سبحانه وتعالى ينبّه الإنسان إلى أنَّه كما في نظام أرضكم الصغيرة حياةٌ وموت، كذلك الأمر في كلّ بذرةٍ موجودةٍ في هذا النظام، فهي تنمو في فصلٍ وتحيا وتثمر، وفي فصلٍ آخر تكون البذرة جامدةً خاملةً ولا روح فيها، ثمّ تنبعث فيها الحياة مرّةً أخرى في فصلٍ آخر، وهكذا هو الأمر في النظام الأعلى الكليّ من حيث تبديل نشأةٍ كليّة بأخرى.
 
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كلّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً﴾1.
 
كلّ شيءٍ إن كثُر وأصبح مألوفاً، قلّت أهميّته، ومن هذا القبيل موت الأرض وحياتها، إنّنا في فترة أعمارنا نشاهد تلك السُنّة الجارية تتكرّر عشرات المرات، ولذلك فهي لا تُلفت اهتمامنا.
 
إنّنا نعيش في خضمّ أنظمةٍ صغيرةٍ وأنظمةٍ كبيرة، ولا يُعْرف إلى أين يمكن أن نصل، ففي كلّ جهة يوجد أمور نجهلها. فمن جهة النظام الأصغر وصلنا إلى نظام الخليّة والذرّة والنواة، ولا ندري إلى أين سنستمر في المسير، ومن جهة النظام الأكبر وصلنا إلى المنظومة الشمسيّة التي هي جزءٌ من نظامٍ كونيٍّ أكبر وتابعةٌ له، ولا ندري إن كان هذا
 
 
 
 

1- النمل، 83-84.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

53

إنكارٌ في غير محلّه

  النظام تابعاً لنظامٍ أكبر، وهل هذا تابعٌ لغيره أيضاً؟ ثمّ ما الذي سنصل إليه أيضاً؟


مَثَلنا مع العالم مَثَل الدودة في تفّاحة أو في جذع شجرة، فدنياها وأرضها وسماؤها هي التفّاحة أو الجذع، وهي لا تعلم أنّ تلك التفّاحة والجذع جزءان من أجزاء نظامٍ اسمه الشجرة، وأنّ تلك الشجرة جزءٌ من نظامٍ أكبر اسمه البستان، وأنَّ لذلك البستان مشرِفاً وفلّاحاً، وأنَّهما جزءٌ من نظامٍ أكبر هو المزرعة أو الريف، وهما جزءٌ من بلدةٍ أو مملكةٍ، وأنّ هذه جزءٌ من الأرض، وأنّ الأرض كرةٌ صغيرةٌ في هذا الفضاء اللامتناهي. كذلك هي حال عنكبوتٍ ملتصقٍ بسقف الغرفة، يولد هناك ويموت هناك، دون أن يعرف أنّ تلك الغرفة جزءٌ من بيت، والبيت جزءٌ من مدينة، والمدينة جزءٌ من بلد، وهكذا..

لا شكّ إنّ مدركات هذه الحيوانات بالنسبة إلى مدركات الإنسان صغيرةٌ ومحدودة، وإنّ ما يُعتبر عند الإنسان من البديهيّات ومن القضايا المسلَّم بها يُعتبر في نظرها ممّا لا يمكن تصديقه، هكذا هي حال الإنسان بالنسبة إلى العوالم الأكبر من عالمه الذي يعيش فيه.

هذا من حيث حجم العالَم وسعته، أمّا من حيث العوالم التي تحيط بنا والتي يرتبط بها تقدير حياتنا وتدبيرها، فإنّ ما يجهله الإنسان عنها لا يُعدّ ولا يُحصى، من يدري فلعلَّ هناك عوالم يكون عالَمنا بالنسبة إليها كنسبة عالَم النوم إلى عالَم اليقظة.
في التحوّل الروحيّ الذي طرأ على الغزالي، أثار موضوع النوم، وقال: إنّنا نرى في النوم عالَماً، ولا ندرك حينها أنّنا في عالَم النوم، وأنّ النوم جزءٌ من نظام حياتنا الواقعيّة، وأنّ الأصل هو اليقظة، ولكن ما إن نستيقظ حتى ندرك تابعيّة النوم لليقظة، فكيف نعلم أنّ حالة حياتنا هذه في الدّنيا بالنسبة إلى حياةٍ أخرى ليست حالة نوم؟ إنّ يقيننا بأصالة الحياة الدنيويّة لا يزيد على يقين النائم بأنّه ليس نائماً.

إنّ قولنا بإنّنا عندما نستيقظ ندرك أنّنا كنّا نائمين، وأنّ العالم الذي رأيناه كان خيالاً لا حقيقة له، بمعنى أنَّه بالنِّسبة إلى حياةٍ أكمل يكون النوم هو الجزء الأصغر منها، والجزء
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

54

إنكارٌ في غير محلّه

  الأكبر منها هو اليقظة، وإلا فإنَّه يكون بالنّسبة إلى نفسه حقيقةً لا خيالاً، فالحياة الدُّنيا بلحاظ ذاتها حقيقةٌ، ولكنّها بالنسبة إلى مدارٍ أكبر نومٌ وخيال: "الناسُ نيامٌ فإذا ماتُوا انتَبَهوا"1.

 
فقد تقع من يد الإنسان أحياناً حبّة قمحٍ من غير أن يدري بها، فتتوارى في التراب وتضيع، ولا يحسّ بوجودها أحد، حتى يأتي الربيع، وإذا بالحياة تدبُّ في الحبَّة وتخرج رأسها من تحت التراب معلنةً عن وجودها المليء بالحياة، وتقول: ها أنا ذا موجودة، أحسبتني قد ضعت؟ لا ضياع في الأمر وإنّما ﴿َيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَ أَحْصَاهَا﴾2.
 
إنّ على الإنسان قبل كلّ شيء، أن يعرف حدّه الفكريّ من حيث النوع، وكذلك من حيث الفرد، أي ميزان معلوماته الشخصية؛ لكي يمتحن مقدار قدرته وحدودها، حتى لا يخرج عن تلك الحدود فيما يصدّق وفيما يكذّب، فيما يُثبت وفيما يُنكر، عندئذٍ يكون مصوناً من الخطأ والزلل.
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج4، ص43.
2- الكهف، 49.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

55

جهاز الإدراك عند البشر

 جهاز الإدراك عند البشر


معرفة الأشياء بأضّدادها:
(تُعرف الأشياء بأضدادها)، هذه العبارة شائعةٌ على لسان العلماء، وهي تعني أنّ الشيء يعرف من نقطةٍ مخالفةٍ له، أو من نقطة مقابلةٍ له، وعندئذ يمكن إدراك وجوده. من البديهيّ أنَّ المعرفة هنا ليست التعريف الاصطلاحيّ المنطقيّ؛ لأنَّ المنطق يثبت أنّه لا يمكن تعريف الأشياء عن طريق أضّدادها، كما إنَّ القصد من الضدّ هنا ليس ذلك الضدّ الاصطلاحيّ الذي يرِد في الفلسفة باعتباره يختلف عن النقيض. وإنَّما المقصود من الضدّ هنا هي النقطة المقابلة، والمقصود من المعرفة هو مطلق إدراك الشيء، ومع أنّ أدوات الحصر (لا) و(إنّما) لم تُستعمل في هذا التعبير، ولكنّ المقصود هنا نوعٌ من الحصر. إذا لم تكن لشيءٍ ما نقطةٌ مقابلة، فلا يكون بمقدور الإنسان أن يدرك ذلك الشيء، حتى وإنْ لم يكن ذلك الشيء مَخْفيّاً، بل جليّاً تمام الجلاء. في الواقع إنَّ المقصود هو بيان نوعٍ من الضعف والنقص في جهاز الإدراك عند البشر، والذي صنع بحيث إنّه لا يستطيع أن يدرك الأشياء إلَّا إذا كان لها نقطة مقابلة.

فالنور والظلام، مثلاً يدركهما البشر بالمقارنة بينهما، فإذا كان كلّ جزءٍ في هذا العالم يسبح في النور دائماً، بغير ظلام، بحيث إنَّ النور ينتشر بدرجةٍ متساويةٍ في كلّ الأرجاء والزوايا، وينعدم الظلام كلياً، لما كان بإمكان الإنسان أن يعرف النور نفسه، أي لا يكون بمقدوره أن يتصوَّر وجود النور في العالم مطلقاً، وما كان ليدرك أنَّ رؤيته للأشياء إنَّما تتمُّ بوجود النُّور؛ لأنَّ النور أظهر وأوضح من كلّ شيء، إنَّه الظهور نفسه، ولكن ليس بالقدر الكافي، وهذا النقص يرجع إلينا لا إلى النّور؛ لأنّ إدراكنا للنور ناتجٌ عن أفوله وظهور الظلام.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

56

جهاز الإدراك عند البشر

 إذاً، فقد عُرف النور بمعونة ضدّه وهو الظلام، ولو كانت الظلمة تعمّ كلّ شيءٍ دون وجود نور، لما عرفنا الظلام أيضاً.


كذلك الأمر، إن كان الإنسان يسمع طول عمره نغمةً واحدةً رتيبة، كأن يترعرع طفلٌ بالقرب من محطّة قطار ويسمع دائماً صوت صافرة القطار برتابة واحدة، فإنَّه بعد فترة لا يسمع ذلك الصوت الذي لا ينقطع ويرنّ في أذنه، بحيث إنّه يفقد إحساسه به. يقول أحد العلماء القدامى - ولعله فيثاغورس -: إنَّ هناك موسيقى رتيبة تنبعث دائماً من حركة الأفلاك، ولكن بما أنّ الناس يسمعونها دائماً فإنّهم لا يسمعونها أبداً، وهكذا إن عاش الإنسان في محيطٍ طيّب الرائحة أو خبيثها، فإنَّه لا يشمُّ تلك الرائحة.

تطبيقات على المعرفة بالأضداد:
ولهذا السبب نفسه يفقد الأغنياء إحساسهم باللذائذ والمتع، كما يفقد الفقراء إحساسهم بالمصائب والصعاب، أي إنَّ الذين يكثر وصولهم إلى ما يوجب اللذّة قلّما يحسّون بها، والعكس بالعكس، كذلك الذين يواجهون المصائب أكثر يكونون أقلَّ إحساساً بصعوبتها، والذين تقلّ مواجهتهم للمصائب يشتدّ إحساسهم بها.

كذلك القدرة والعجز، فإذا فرضنا أنّ الإنسان كان قادراً على كلّ شيء، ولم يعجز أمام أيّ شيء، ولم ير في نفسه ولا في غيره عجزاً، لما استطاع أن يفهم أنَّ القدرة شيءٌ موجودٌ في هذا العالم، مع أنّه كان يحقّق كلّ شيءٍ بقدرته، إلَّا إنّه لم يكن يراها. ولو وُجِد العجز وانعدمت القدرة، لما أمكن معرفة العجز أيضاً.

وهكذا أيضاً بالنسبة إلى العلم والجهل، فلو افترضنا عدم وجود الجهل في العالم، لكان معنى ذلك أنّ الإنسان يعرف كلّ شيء، ولما أحسّ بأنّه لا يعرف شيئاً مطلقاً، ولكان نور العلم يسطع على كلّ شيءٍ فينيره له، ومع كلّ ذلك فإنّه يكون غافلاً من وجود العلم نفسه؛ لأنّه يرى كلّ شيء، ويعلم كلّ شيء، ويلتفت إلى كلّ شيء، عدا العلم نفسه، ولكن عندما ظهر الجهل أمام العلم واستقبله الجهاز الفكريّ عند البشر، أمكن التنبّه للعلم والالتفات إليه، وإدراك وجوده أيضاً، لذلك فإنّ الحيوان لا يدري بعلمه؛ لأنّه لا يدري بجهله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

57

جهاز الإدراك عند البشر

 هكذا هو حال أيضاً الشخص وظلّه، فلو كان الإنسان يرى دائماً ظلَّ بعض الأشخاص دون أن يراها ذاتها، ولو ظلّت تلك الظلال أمام عينيه دائماً، لحسب تلك الظِلال أشخاصاً حقيقيين، ولكن بما أنّه يرى الشخص وظلّه، فإنّه يدرك أنّ هذا شخصٌ وذاك ظلّه.


(لأفلاطون) نظريّةٌ فلسفيّةٌ معروفةٌ باسمه يُطلِق عليها (نظريّة المِثل)، يقول فيها: إنَّ كلّ ما هو موجودٌ في العالم هو الظلّّ لأصلٍ حقيقيٍّ موجودٍ في عالم آخر، فذاك هو الحقيقة وهذه انعكاساته، ذاك هو الشخص، وهذه هي الظِلال، ولكن يحسبون الظلّ حقيقة، ويضرِب مثلاً:
يقول: فلنفرض أنّ عدداً من الأشخاص قد حُبِسوا في كهفٍ منذ أوّل أعمارهم، على أن تكون وجوههم دائماً إلى داخل الكهف وظهورهم إلى مدخله، وأنّ نور الشمس يدخل إلى الكهف، فتقع ظِلال الأشخاص المتحرّكين خارج الكهف على الجدار المقابل، فبما أنَّ هؤلاء يجهلون كلّ شيءٍ عن العالم خارج الكهف، بل لا يعلمون أنَّ هناك خارجاً خارج الكهف، فهم ولا شكّ يعتبرون تلك الظِلال أشخاصاً حقيقيين، ولا يدركون أنَّها لا شيء، وأنّها مجرد مظاهرٌ لأشخاصٍ حقيقيين في الخارج.
إنَّ الإنسان، وهو حبيس كهف الطبيعة يحسب أشخاص هذا العالم حقائق، ولا يعلم أنَّها ظِلال الحقائق، لا الحقائق نفسها، ولا يمكن أن يدرك ذلك إلَّا إن رأى الأشخاص الحقيقيين.

لم يكن قصدنا شرح نظريّة أفلاطون، بل كان القصد تبيان أنّ بنية الإنسان الطبيعيّة والعاديّة قد صيغت بحيث إنّه يدرك الأشياء بعد مقارنتها بالنقاط المقابلة لها، فإن لم توجد تلك النقطة المقابلة، لم يستطع إدراكها حتى ولو كانت من أظهر الظاهرات، كالنور والظلام، والعلم والجهل، والقدرة والعجز، والشخص وظلّه، كما ذكرنا، وكمثل الخير والشرّ، والحركة والسكون، والحدوث والقِدم، والفناء والخلود.

بناءً عليه، إن تصوَّرنا أنَّ هذا النّور المحسوس لا يغيب أبداً، ولا يحجبه ستارٌ ولا حائل،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

58

جهاز الإدراك عند البشر

  وينتشر في الداخل بمثل ما ينتشر في الخارج، وبدرجةٍ متساويةٍ في كلّ مكان، وبشكلٍ مطلق، ثم جاءنا شخصٌ يقول: إنَّ النور يغمر العالم، وإنَّ كلّ شيءٍ ترونه إنّما هو بسبب هذا النور، ولولاه لما رأيتم شيئاً، لكان من الصعب علينا أن نصدّقه.

هناك حكايةٌ معروفةٌ تقول: إنَّ السمكة التي لم تخرج يوماً من الماء ولم تر شيئاً غير الماء، أخذت تتساءل: ترى ما هو؟ وأين يوجد هذا الماء الذي يتحدثون عنه كثيراً، ويقولون عنه: إنَّه سبب الحياة؟ لماذا لا أره؟ وراحت تبحث عمن يدلّها على الماء، إلى أن صادف يوماً أنّها وقعت خارج الماء، وأخذت تعاني ضيق التنفُّس لانعدام الماء، عندئذٍ عرفت ما هو الماء، وما فائدته لها، وكيف إنّ حياتها متوقفةٌ عليه.
 
الله نور مطلق وظاهر مطلق:
إنَّ الله سبحانه وتعالى نورٌ مطلقٌ، نورٌ لا يقابله ظلام، وهو نور العالم كلّه، نور السماوات والأرض: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾1 وهو أظهر من كلّ ظاهرٍ وأقرب إلينا من كلّ قريب، وظهور كلّ شيءٍ بذاته، وهو الظاهر المطلق بالذات: "وبِنُورِ وَجهِك الَّذي أضاء لَهُ كلّ شيء"2. إنَّه نورٌ أزليٌّ ثابتٌ لا غروبَ له ولا أفول، نورٌ يملأ كلّ الأرجاء بغير مانعٍ ولا حجاب، يحيط بكلّ شيء، ليست له نقطةٌ مقابلة، وليس له ضدٌّ ولا ندّ.
 
وبما أنّه لا أفول له ولا غروب، فلا زوال له ولا فناء ولا ظلام أمامه. إنَّ الإنسان الضعيف الذي يُحِبّ أن يدرك الأشياء بنقائضها، والنقاط المخالفة لها بالمقارنة معها، والذي صنع جهاز إدراكه بحيث إنّه لا يدرك الشيء إلا بوجود نقطة مخالفة له، فإنّه غافلٌ عن التوجّه إلى ذات الله.
 
إنّها لقضيةٌ غريبة! إنّ ذات الله الظاهرة التي لا تخفى، خافيةٌ عن الأبصار، ولو إنّه كان ظاهراً تارةً وخافياً أخرى، لما كان خافياً عن الأبصار، ولكن بما أنّه لا أفول له ولا زوال، ولا تغيُّر ولا حركة، فإنّه خَفِي عن أبصار البشر.
 
 
 
 

1- النور،35. 
2- الكفعمي، ابراهيم بن علي، مصباح الكفعمي، انتشارات رضى، قم، إيران، 1985م، ص555.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

59

جهاز الإدراك عند البشر

 وهذا معنى قول الحكماء: إنّ شدّة ظهوره - جلّ وعلا - ظهورٌ في خفاء.

 
يا من هو اختفى لفرط نوره                 الظاهر والباطن في ظهوره
 
وما ألطف قول الإمام علي عليه السلام: "وكلُ ظاهِرٍ غَيرَهُ غيرُ بَاطِنٍ، وكلّ باطنٍ غيرَه غيرُ ظاهِر"1 إنّ الله في وحدته وبساطته، باطنٌ وظاهرٌ في آن، أي إنَّه ليس قسماً ظاهراً وقسماً باطناً، وإنّما هو ظاهر من حيث كونه باطناً.
وأصل هذه الحقيقة ومنبعها هو القرآن الكريم: ﴿هُوَ الأوَّلُ وَالآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾2، ويقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾3، ولقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: "لو دلّيتم بحبلٍ إلى الأرض السفلى لهبط على الله"4
 
جاء في الأحاديث أنّ الجاثليق (من علماء النصارى) قال للإمام علي عليه السلام: "أخبرني عن وجه الرّب" حيث يقول القرآن: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾5 فدعا عليٌّ بنارٍ وحطبٍ فأضرمه، فلمّا اشتعلت النار، قال عليه السلام: "أين وجه هذه النار؟ قال النّصرانيّ: هي وَجْهٌ من جميع حُدُودِهَا، قال عليٌّ عليه السلام: هذه النّار مُدَبَّرَةٌ مَصنوعَةٌ لا تعرف وجهها وخَالِقُهَا لا يُشْبِهُهَا ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ لا يَخْفَى على رَبِّنَا خَافِي"6.
 
معرفة النفس:
يقولون: معرفة النفس مقدّمَة على معرفة الله، فالإنسان لا يستطيع أن يعرف الله ما لم يعرف نفسه أولاً، هذا كلامٌ صحيحٌ من جوانب متعدّدة، لا من جانبٍ واحد، فجانبٌ منها هو إنَّ على الإنسان أن يعرف جهازه الفكريّ المستقلّ، عليه أن يعرف ما فيه من نقصٍ وضعفٍ 
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج4، ص307.
2- الحديد، 3.
3- البقرة، 115.
4- بحار الأنوار، ج55، ص107.
5- البقرة، 115.
6- بحار الأنوار، ج 3، ص328.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

60

جهاز الإدراك عند البشر

 وقصور، لكي يعرف الله بالكمال المطلق والقدرة المطلقة، وعليه أن يعرف قصور فهمه وإدراكه، إذ ما لم يكن هناك كائنٌ محدودٌ وناقص، وما لم يكن له ضدٌّ ونقطةٌ مقابلة، فلا يستطيع معرفته، فليس له أن يطمع في أن يقدر على معرفة الله بإحدى حواسه، عليه أن يعرف أنّه لو كانت مدركاته الحسيّة على رتابةٍ واحدة، لو إنَّه رأى دائماً لوناً واحداً لما عرفه، لو إنّه سمع دائماً صوتاً واحداً بنغمةٍ واحدةٍ لما أدركه ولا أدرك وجوده، لو كان دائماً يشمّ رائحةٌ معيّنةً وبمقدارٍ واحدٍ لما تنبّه إلى وجودها. على الإنسان ألا يتصور أنّ الله خافٍ عليهم، بل عليه أن يدرك أنّ ظهور حقيقةٍ واحدةٍ لا تكفي لحصول الإدراك عند البشر، فلا بدّ من وجود النقطة المقابلة، إنّ نور ذات الله محيطٌ وأزليٌّ وأبديّ، لا غروب له ولا أفول، ولذلك فإنّ مدارك البشر الضعيفة قاصرةٌ عن إدراك كنهه، والإحاطة به.

 
الإنسان المحدود يعرف الله بمحدوديَّته:
إنّ جهاز الاستقبال الفكريّ عندنا يعرف الله بصورةٍ ناقصةٍ ومحدودةٍ كنقصنا ومحدوديّتنا، إنّه يرى الله في نورٍ موجودٍ في نقطةٍ وغير موجودٍ في أخرى، مثل حياة الحيوان والنبات والإحساس الحاصل في نقطةٍ من المادّة، إنّه يعرف الله بأمورٍ موجودةٍ في وقتٍ وغير موجودةٍ في آخر، أي تلك الأمور التي لها شروق وغروب، إنّ لله أفعالاً ومخلوقاتٍ وأنواراً هي من خلقه، تلك الأنوار تشرق وتغرب، إنّ الله يعرّف نفسه إلينا عن طريق أنواره الحقيقيّة، الحياة نورٌ إلهيّ، نور يبعثه في ظلمات المادّة، ثم يقبضه: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾1 و﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾2.
 
إنَّ الحياة التي تظهر على الأرض محدودةٌ من حيث المكان والزمان، فهي تظهر في لحظةٍ واحدةٍ وفي نقطةٍ واحدة، فينتفع بها النبات والحيوان. والحياة، بكلّ ما لها من
 
 
 

1- الحجر، 23.
2- آل عمران، 27.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
68

61

جهاز الإدراك عند البشر

  تجليّات، كالنمو، والجمال، والشباب، وحسن التركيب والنظام، والإحساس والإدراك، والعقل والذكاء، والحبّ والعاطفة، والغرائز المادّيّة، تكشف لنا عن ذات الله، كلّ هذه آياتٌ تعكس لنا الواحد الأحد.

 
كثيراً ما يستشهد القرآن بالحياة وآثارها، بجمالها وطراوتها، بحسن تركيبها ونظامها، بما فيها من إلهامٍ وغرائز، ومن حبٍّ وعواطف، ومن حبٍّ أبوي وبنويٍّ وزوجي.
 
لقد جاء على لسان إبراهيم قوله لنمرود: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾1، وجاء على لسان موسى قوله لفرعون: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كلّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾2. إنّه هو الذي أوجد نظاماً متقَناً يرشد الكائنات إلى الكمال اللائق بها، إنّه هو الذي منح كلّ نبتةٍ القدرة على أن تخطّ لوجودها خطّة، كالمهندس الماهر، فتزيّن نفسها وتزهو، إنّه هو الذي وهب الغريزة الملهمة لأصغر الحيوانات والحشرات وأكبرها، بحيث إنّ العقل ليعجز عن وصفها، إنّه هو الذي ألهم النحل أن تبني لأنفسها البيوت في الجبال بهندسةٍ خاصّةٍ مستخدمةً الأشجار وأغصانها: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كلّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾3.
 
حياة النمل في كلام عليٍّ عليه السلام:
يقول الإمام عليٌّ عليه السلام في نهج البلاغة: "انْظُرُوا إِلَى الَّنمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَصَبَتْ عَلَى رِزْقِهَا"4.

 
يقول علماء الحيوان الذين لهم دراساتهم بهذا الشأن: إنَّ بعض النمل في بعض الصحارى لا يرضى في البحث عن رزقه بالحبوب بين بقايا الحقول، بل يجتمع ويستصلح
 
 
 
 

1- البقرة، 258.
2- طه، 50.
3- سورة النحل، 68-69.
4- بحار الأنوار، ج3، ص26. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

62

جهاز الإدراك عند البشر

  أرضاً يزرعها بالفطريات، ويتغذّى عليها، والأعجب من ذلك قولهم: إنَّ جماعةً أخرى من النمل تروّض بعض الحشرات وتستعبدها كما يروّض الإنسان الخيل والماشية والأغنام ليستفيد من لبنها، فتشرب من عصير ٍحلوٍ تحلبه من هذه الحشرات.

ويستطرد الإمام قائلاً: "تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا، تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا"1.
 
ويعود علماء الحيوان ليقولوا: إنَّ طائفةً أخرى من النمل تعيش في حياةٍ اجتماعيّةٍ منظّمة، لكلّ طبقةٍ منها واجباتها، فجماعة العمّال تجلب الحبّ إلى الجحور، وتخزّنها لغذاء مجتمع النمل في الشتاء، وتضعها في حجرات خاصّة بالطحن، حيث تقوم جماعةٌ أخرى من النمل تمتاز بالفكوك القوية، فتطنّ الحبوب وتعدّها لطعام الآخرين.
 
ونعود إلى (نهج البلاغة) وإلى قول الإمام عليه السلام: "وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أُكْلِهَا، وَفِي عُلْوهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً"2.
 
لقد قضى مئات العلماء حتى اليوم أعمارهم في الدرس والبحث في هذا المضمار، فكتبوا المجلّدات بعد تعبٍ ونَصَب، وأتونا بأعجب الأخبار، وبالأخصّ فيما يتعلّق بالتفاهم بين أفراد النمل، وطرق إدراكها وإحساسها.
 
وفي القرآن قصّةٌ عجيبةٌ عن تفاهم النمل، كما جاءت في حكاية سليمان عليه السلام في سورة النمل: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾3.
 
 
 

1- م.ن.
2- م.ن.
3- سورة النحل، 18-19.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

63

جهاز الإدراك عند البشر

 في قول الإمام عليٍّ عليه السلام: "وَمَا فِي الرَّأسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا" إشارةٌ إلى أنّ أجهزة بصر هذا الحيوان وسمعه كائنةٌ في رأسه، وقد أيَّد اليوم علماء الحيوان أنّ النمل تستقبل الأخبار وترسلها عن طريق مجسَّات في رؤوسها.

 
وفي ختام كلامه يقول الإمام عليٌّ عليه السلام: "وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ الَّنمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كلّ شَيْءٍ، وَغَامِضِ اخْتِلاَفِ كلّ حَيٍّ. وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ، وَالثَّقِيلُ والخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ"1.
 
على كلّ حال، في الوقت الذي يقول فيه القرآن: إنَّ الله أظهر من كلّ ظاهر، بل هو الظاهر الحقيقي "كلّ العالم بنوره يبين"، فإنّ طراز الفكر البشريّ وبنائه جاء بحيث إنّه يستعين على درك الأشياء بنقاطها المقابلة لها، فيُعرف الله عن طريق تجلياته ومظاهره التي تشرق وتغرب، الموجودة مرّة، وغير الموجودة أخرى، وبالأنوار التي تحتضن الظلمة، وبالحياة المقترنة بالموت، ولهذا السبب يُكثِر القرآن من ذكر الحياة وآثارها وتجلياتها وشؤونها.
 
 
 
 
 

1- م.ن.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

64

العقل والقلب

 العقل والقلب


الإنسان ذو بعدين:
إنّ في روح الإنسان بؤرتين أو مركزين، وكلٌّ منهما منشأٌ لنوعٍ معيّنٍ من الفاعليّات والتجليّات الروحيّة، وإحدى هاتين البؤرتين تسمّى (العقل) أو (الحكمة)، وتسمّى الأخرى (القلب). إنَّ الفكر والتفكير والتبصّر، والمنطق والاستدلال، والعلم والفلسفة، هي جميعاً من تجليّات العقل، وهناك تجليّات روحيّة أو نفسيّة، كالرغبة والحبّ والتمنّي والانفعال، وكلّ هذه تُعْزَى إلى القلب.

من البعد القلبيّ تنبعث الحرارة والحركة، ومن البعد العقليّ تبرز الهداية والاستنارة. وإنَّ من يملك قلباً كئيباً لا رغبة فيه ولا أمل ولا أمنية، لَكائنٌ باردٌ ساكنٌ جامد، ولا تبدو منه أيّ فاعليّة، وهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة. وأمَّا الذي يفتقر إلى قوّة العقل والفهم والتدبر، فهو أشبه ما يكون بالسيّارة التي تسير في الليل دون مصابيح، ودون أيّ وسيلةٍ للاهتداء إلى معالم الطريق.

في بعض الأحيان يحصل انسجامٌ وتوافقٌ بين هاتين البؤرتين، فقد يُعْجَب القلب بشيءٍ فيؤيّده العقل في ذلك، في أمثال هذه الحالات لا يواجه الإنسان شيئاً من المشكلات، ولكن كثيراً ما لا يحصل هذا الاتّفاق، فقد يحبُّ القلب شيئاً لا يرى العقل، بتبصّره وحساباته، أنَّه يستحق الحبّ. أو قد يؤكّد العقل جودة شيء ما وصلاحه، ولكن يصعب على القلب قبوله والاقتناع به، هنا يحدث الصراع والنزاع بين العقل والقلب، وهنا يبرز اختلاف بعض الناس عن بعض، فمنهم من يخضع لحكم العقل، ومنهم من يخضع لحكم القلب.

ولنضرب لذلك مثلاً بسيطاً: لا شكَّ أنّ كلّ شخصٍ يحبّ أبناءه بحكم الغريزة، ولذلك فهو يسعى لتوفير أسباب الراحة والرفاهيّة لهم، بحيث إنَّه قد يستعذب العناء والتعب في
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

65

العقل والقلب

  سبيل ذلك، وتأتي قضيّة تربيتهم لتزيد من شقاء الأبّ؛ وذلك لأنَّ التربية مهما تكن ملائمةً ومهيَّأة، فإنَّها لا تخلو من المنغِّصات، في بادئ الأمر على الأقل، وقد يضطر الوالدان إلى تحمل عذاب فراق أبنائهما لغرض الدراسة؛ إنَّ هذا الفراق لشديدٌ على قلبيّ الوالدين. فلو أراد الإنسان أن يسير على هدى ما يريده قلبه، فعليه أن يتخلّى عن تربية ابنه، وهي الطريق الوحيد لضمان مستقبله، وإن ارتضى أوامر العقل، فلا مندوحة له عن تجاهل رغبات قلبه.

 
وأرفع من هذا هو تربية النفس وتهذيبها، إنَّ تهذيب النَّفس وتزيينها بالأخلاق الإنسانيّة من أصعب الأمور وأشقِّها؛ وذلك لأنَّ العقل والقلب يقفان في هذه الحالة على قُطبي نقيض، إنَّ الصّراع مع النفس الأمَّارة بالسّوء يتطلَّب درجة قويةً من العقل والإيمان.
 
رُوِيَ: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَرَّ بقومٍ يَرْبَعُونَ حَجَراً فقال صلى الله عليه وآله وسلم ما هذا؟ قالوا: نَعرِفُ بذلك أَشَدَّنَا وأَقوَانَا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أخبِركُمْ بأشدِّكُم وأَقوَاكُم قالوا: بلى يا رسول الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم: أشَدُّكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يُدْخِلْهُ رِضَاهُ في إثمٍ ولا باطلٍ، وإذا سَخِطَ لم يُخْرِجْهُ سَخَطُهُ من قول الحَقِّ، وإذا قَدَرَ لم يَتَعَاطَ ما ليس له بحقّ"1.
 
إنَّ الصراع بين العقل والقلب في ميدان تهذيب النفس وتثقيفها دائمٌ وقائمٌ لا يهدأ، إلَّا إنّ الهدف من تهذيب النفس هو إيجاد الانسجام بين هذين القطبين المتناحرين، وتشمل أيضاً السيطرة على رغبات القلب. فإنَّ الضبط والتنظيم منبعهما العقل، واللامبالاة والتقلُّب في الأهواء منشؤهما القلب.
 
الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر:
لقد أشار النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في حديثٍ معروفٍ إلى هذه الحرب بأسلوبٍ لطيفٍ، وقد كان وأصحابه عائدين مرَّة من الجهاد، فالتفت إليهم وقال: "مرحباً بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر" قيل يا رسول الله: وما الجهاد الأكبر؟ قال: ":جِهاد النّفس"2.
 
وفي هذا الصراع يتغلَّب العقل أحياناً، ويُخضِع رغبات القلب لإرادته، وأحياناً أخرى
 
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج72، ص28.
2- ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1986م، ج2، ص 12. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

66

العقل والقلب

  يحصل العكس فيتغلَّب القلب ويجبر العقل على الانصياع لأوامره. والحالة الأولى واضحة الدلالة والمعنى، ولا تحتاج إلى تفسيرٍ، أمَّا عندما يسيطر القلب على العقل، فأمره يتطلَّبُ بعض الشرح والتوضيح.

 
تأثير القلب في أحكام العقل:
إن كان عقل الإنسان حرّاً فإنَّه يقضي ويحكم في الأمور كما ينبغي، وكما هي في الواقع، فيرى الخير خيراً، والشرّ شرّاً. أما إن وقع تحت سيطرة القلب ونفوذه، فسوف يحكم بما يهوى القلب ويحبّ، لا بما يقتضيه الحقّ، إنَّ العقل في ذاته قاضٍ عادلٌ، ولكن ينبغي الحفاظ على استغلال قوّته القضائيّة لكيلا تتسلَّط عليه السلطة التنفيذيّة بميولها ورغباتها وأهوائها، فإن تسلَّطت عليه فلا ينبغي أن ينتظر منه أن يكون عادلاً في أحكامه.
 
من كلمات إمام المتقين عليٍ عليه السلام: "ومَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ"1، والمقصود هو إنَّه في ظلمات الحوادث التي يحتاج فيها المرء إلى النور الذي يلقيه العقل لهدايته، يعمي حبُّ الشيء بصرَه فلا يرى. إنّ الحبّ والبغض، والصداقة والعداوة، تؤثّر في القضاء، يقول الشاعر:
وعين الرضا عن كلّ عيبٍ كليلةٌ                    ولكن عين السخط تبدي المساويا
 
ولذلك، فإنَّ المرء ينظر إلى كلِّ ما يتعلَّق به نظرةَ إعجابٍ واستحسانٍ ورضى. إنَّ في الإنسان غريزةَ حبِّ الذّات، إنّه متعلّق بنفسه أكثر مما هو متعلّق بأيّ شيءٍ آخر، فهو ينظر إلى نفسه وإلى ما يخصّه بمنظارِ حسنِ الظنّ دائماً؛ أي إنَّه يقضي فيما يتعلَّق بذاته وبخاصّته بما يُرضي قلبه، لا بما يُرضي الحقّ والحقيقة. إنّه يرى أخلاقه الرديئة جيّدة، ويحسب أعماله السيّئة حسنة: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾2، ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾3، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ

 
 
 

1- نهج البلاغة، خطبة 109.
2- فاطر، 8.
3- النحل، 63.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
75

67

العقل والقلب

 أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾1.

 
أما المؤمن فيقول عنه أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام: "المؤمن لا يُصبح ولا يُمسي إلَّا ونفسه ظنونٌ عنده"2؛ أي إنَّه لا يحسن الظنّ بنفسه أبداً، إذ يحتمل أن يصدر عنها عمل سيّءٍ في كلِّ لحظة. وإن وصل المرء حقاً إلى هذه المرحلة، مرحلة إساءة الظنّ بنفسه الأمَّارة، واحتمال ارتكابها إثماً، أو إتيانها عملاً قبيحاً، فإنَّه سوف يراقب نفسه ويمنعها من القيام بما لا يليق، والويل لمن لا ينزع عن عينه أبداً منظار حُسن الظنّ بنفسه والإعجاب بها.
 
وعليه، يتَّضح أنَّ الإنسان قد يقع تحت مؤثّرات تجعلُ أحكامه سقيمةً بحيث يُخطئ في قضائه، فيجانب العدالة، ويفقد حريّة عقله إن سيطر القلب وأهواء القلب عليه، فلا يرى الإنسان نفسه طاهراً ظاهريّاً فحسب، بل إنَّه يعتقد في قرارة نفسه أنّه نقيٌّ فعلاً، ولا عيبَ فيه مطلقاً. ولا يمكن غير ذلك؛ لأنَّ شخصاً هذا مبلغه من عدم تحرُّر عقله ومنطقه لا يكون قادراً على إدراك الحقيقة، ورؤية ما هو في الواقع، فكما إنَّ أعضاء الإنسان وأطرافه لا تستطيع الحركة إلَّا إن كانت طليقةً حرَّة، كذلك العقل والفكر. إنَّ تقييد حركة الأعضاء والأطراف يكون بربطها بالسلاسل والقيود، وتقييد العقل يكون بربطه بأهواء القلب، وبسلاسل رغبات النَّفس، من حبٍّ وكرهٍ وتعصُّبٍ وما إلى ذلك.
 
يصف القرآن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾3.
 
وما هذا الإصر وهذه الأغلال سوى تلك القيود التي تكبّل عقول الناس وأرواحهم، فرفعها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عنهم بما زوّده ربَّه من أحكامٍ وعقائد وأخلاقٍ ونُظمٍ تربويّة.
 
 
 
 

1- الكهف،103- 104.
2- بحار الأنوار، ج67، ص78.
3- الأعراف، 157.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
76

68

العقل والقلب

 حسن الظنّ بالذات وسوء الظنّ بالآخرين:

إنَّ واحدةً من العلل التي تسبِّب عدم نجاحنا في إصلاح المجتمع، هو أنّ كلِّ فردٍ عندما ينظر إلى نفسه وإلى أفعاله يضعُ منظار حسنِ الظنّ على عينيه، ولكنّه عندما ينظر إلى الآخرين وأفعالهم، يكون قد لبسَ منظار سوء الظنّ، وتكون النتيجة أنَّ أحداً لا يرى نفسه مقصّراً، بل يرى التقصير في الآخرين. الجميعُ يتطلّعون إلى العدالة الاجتماعيّة دون أن يفكّروا في أنَّ العدالة الاجتماعية لا تتحقَّق إلَّا إن كان الأفراد عادلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾1، فهذه دعوةٌ للناس أنْ يجاهدوا في إقامة العدل، وأن يَشْهَدوا في سبيل الله، وإن يكن على أنفسهم، أو على أبويهم أو أقربائهم، بصرف النظر عمَّا إذا كان غنيّاً أو فقيراً، فالله أولى بهما منكم، واحذروا أنْ تحرفكم أهواؤكم عن اتّباع الحقّ.
 
إنّ من فوائد تربية الناس تربيةً دينيّةً هي أنّها تربّي في أعماق نفوسهم ملكة الإنصاف والعدل، إذ لا شكّ في أنّ هناك فرقاً بين أن يكون المرء مؤمناً يعتقد أنّ الله شاهدٌ على كلّ أفعاله وسكناته، وأن يكون المرء مجرّد داعيةٍ للمصلحة العامة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾2.
 
إنّنا نعلم أنَّ رعاية أعمال الآخرين تعتبر في الإسلام جزءاً من الواجبات، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "كلّكم راعٍ، وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته"3. ولكن ينبغي من جهةٍ أخرى أن يطردَ المرء من ذهنه تلك الفكرة الشيطانيّة القائلة: إنَّ المجتمع فاسدٌ، وإنَّ الآخرين فاسدون.إنَّ فساد المجتمع أو فساد الآخرين ليس عذراً لنا أمام الله في ارتكاب المفاسد، إنَّ واحدةً من تسويلات النفس هي أن نُلقي بذنوبنا على عواتق الآخرين.
 
 
 
 

1- النساء، 135.
2- المائدة، 105.
3- بحار الأنوار، ج72، ص38.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

69

العقل والقلب

 الحلّ بتقوية سلطان العقل:

لكي ينجو الإنسان من مخالب سطوة الشهوات التي تدمِّر الجسم والعقل والإيمان والدنيا والآخرة، لا سبيل أمامه إلَّا تقوية سلطة العقل. ومن وسائل تقوية العقل هي أن يجعلَ تعقُّل الأمور والتفكُّر فيها عادةً من عاداته، بحيث يستطيع تجنُّب الاستعجال في اتخاذ قراراته.
 
جاء رجل إلى النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال له: عظني يا سول الله، فقال: هل تتّعظ إذا وعظتك؟ فقال الرجل: نعم، فكرّر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سؤاله ثلاث مرّات، وفي كلّ مرّةٍ يردّ عليه الرجل بالإيجاب، وأخيراً قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا هممت بأمرٍ فتدبَّر عاقبته"1.
 
يظهر من تكرار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سؤاله على الرجل أنّه يولي أهميةً كبيرةً لنصيحته تلك، ويريد بها أن يؤكِّد على ضرورة التعوُّد على التفكير والتدبُّر، وألّا نُقدِم على عملٍ قبل أن نقلّب جميع وجوهه، وندرس نتائجه وعواقبه.
 
إنَّ على الإنسان أن يتّبع المنطق، لا المشاعر والأحاسيس، فالعمل الذي يقوم به الإنسان بموجب المنطق، يكون قد حسب لكلّ شيءٍ حسابه، وألقى عليه ضوء عقله وتفكيره، واستوعب ما يحيط بالأمر من جميع جوانبه. ولكن العمل الذي يقوم به المرء على وفق مزاجه ومشاعره، دون أن تكون هناك خطةٌ ولا حسابٌ أو تبصُّر، وإنَّما اُسْتُثير الإنسان وهاجَ لأمرٍ ما، فأقدم على ذلك العمل لتسكين هيجانه وانفعاله، وبلحاظ ما يثيره الغضب من ظِلالٍ وعتمة، لا يكون المرء قادراً على رؤية العواقب والنتائج بوضوح.
 
إنّ عامّة البشر محكومون، كثيراً أو قليلاً، لكلٍّ من العقل والقلب. إنَّ الجملة التي يقولها الإنسان أمام جمعٍ من الناس، أو العمل الذي يقوم به في المجتمع، يرتبطُ من جهةٍ بعددٍ من المشاعر والعواطف والانفعالات النفسيَّة، ويرتبط من جهةٍ أخرى، بما اعتوره من تدبُّرٍ وتفكيرٍ للعقل والمنطق.
 
إلّا إنَّ بعض النَّاس يكون ألصق بالعقل والمنطق، وبعضٌ آخر ألصق بالعواطف، يقول علماء الاجتماع: إنَّ هذا الضرب من الاختلاف ملحوظٌ حتى بين الأمم والشعوب، فبعضها 
 
 
 
 

1- الحر العاملي، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت، قم، إيران، 1989م، ج15، ص282.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

70

العقل والقلب

 أقربُ إلى المنطق، وبعضها أقرب إلى المشاعر.

 
إنَّ نصيحة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم تقول: إنَّ عليك أن تجعل المنطق دائماً سبيلك إلى الوقوف بوجه طغيان العواطف وتسلّطها، كن رجل منطقٍ لا رجل عواطف، كلَّما تقدّم فردٌ أو شعبٌ نحو الكمال والرقيّ، يكون قد تقدّم تدريجيّاً نحو المنطق والتعقّل، مبتعداً بالمسافة نفسها عن المزاج. إنّ الاقتراب من حكومة المنطق، والخروج على حكومة المشاعر، دليلٌ على نُضْج الروح وتكاملها. 
 
الطفولة ليس سوى مجموعةٍ من العواطف والميول التي لا منطق فيها، ولهذا فإنّ الطفل يكون عاجزاً عن تدبير أمره والمحافظة على مصالحه، لذلك ما أسرع ما يمكن استغلال عواطف الطفل واستخدامها وتوجيهها، ولكن كلّما تقدّمت بالطفل السنون وازدادت تجاربه، قويت فيه قوّة العقل.
 
من البديهيّ أنّ مجرد مرور الزمان وتقدّم العمر لا يكفيان لجعل المرء رجل عقلٍ ومنطق، إذ إنّ هذه الفضيلة الأخلاقيّة، مثل سائر الفضائل الأخلاقيّة الأخرى، تحتاج إلى الممارسة والتمرين والمجاهدة، فثمّة حاجةٌ أوَّلاً إلى المخزون العلميّ والرأسمال الفكريّ، وثمّة حاجةٌ ثانياً إلى أن يُلزِم المرء نفسه مدّةً طويلةً بالتمرّن على التعمّق في التفكير، ودراسة النتائج والعواقب، وضبط مشاعره الداخليّة، قبل اتّخاذه قراراً حاسماً فيما ينوي القيام به من عمل.
 
إن من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "ما أخافُ على أمَّتي الفقر، ولكن أخاف عليهم سوء التدبير"1.
 
وثمّة حديثٌ آخر منقول عن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ضمن قصّةٍ تبيّن الفرق بين اتّباع المنطق واتّباع العواطف:
جاء رجلٌ من الأعراب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطلب منه أن ينصحه، فردّ عليه الرسول بجملةٍ قصيرة: (لا تغضب) فاكتفى الرجل بما سمع ورجع إلى قبيلته، واتّفق أنّه وصل في وقتٍ
 
 
 
 

1- الأحسائي، ابن أبي جمهور، عوالي اللئالي، تحقيق الحاج آقا مجتبى العراقي، الطبعة الأولى، قم، إيران، 1985م، ج4، ص39.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

71

العقل والقلب

  كانت قبيلته تستعدّ لمقاتلة قبيلةٍ أخرى على أثر حادثٍ وقع بينهما، فثارت ثائرة الرجل على عادة رجال القبائل وتعصبّهم القبليّ، فلبس لامة حربه والتحق بصفوف أبناء قبيلته، وعلى حين غرّة، تذكّر نصيحة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنّ عليه ألا يغضب، فهدّأ من روعه وراح يمعن الفكر ويضع الأمور في نصابها، ترى لماذا تسعى مجموعتان من البشر للاحتكام إلى السيف فيما بينهما؟! فتقدّم نحو صفوف العدوّ، وأعلن استعداده لدفع مما يطلبون من الديّة من ماله الخاصّ، وإذ رأى أولئك منه هذه الفتوّة والمروءة، تنازلوا عن دعواهم، وانطفأت بالتعقّل والمنطق النار التي كانت العواطف والانفعالات قد أشعلتها.

 

 

 

 

 

 

 

80


72

بحثاً عن الحقيقة

 بحثاً عن الحقيقة


تمهيد:
لا بدّ أنْ أقول كتمهيدٍ: إنَّ في الإنسان - دون ريب - دافعاً اسمه (البحث عن الحقيقة)؛ أي حبُّ الاستطلاع للوصول إلى الحقيقة، فلماذا يحبّ معرفة كنه الأشياء؟ 

إنّه شعورٌ أو محرّكٌ داخليٌّ يدفع الإنسان إلى أن يتعرَّف إلى كلّ شيءٍ يصادفه في حياته ويلفت نظره، هذا هو حبّ الاستطلاع أو البحث عن الحقيقة، وإنّ حبّ الاستطلاع أو البحث عن الحقيقة هو الذي ساق الناس نحو الفلسفات والعلوم والأديان. 
بديهيٌّ أنّ الإنسانَ عندما يندفعُ نحو علومٍ خاصَّةٍ، إنَّما يفعل ذلك لسدِّ حاجته الحياتيّة؛ لأنَّ العلمَ مفتاحُ حياةٍ أفضل للإنسان، إلا إنَّ الذي لا شكَّ فيه هو أنَّ الإنسان - إلى جانب ذلك - يجد في نفسه ذلك الدافع الأعمَّ الذي يدفعه لكي يتعرَّف بقدر إمكانه إلى كلِّ ما يصادفه في حياته لمعرفة حقيقته. 

إنَّ وجود هذا الدافع في الإنسان لا يمكن إنكاره، ولكن ليس ثمّة دليلٌ على وجود مثل هذا الدافع في الحيوانات الأخرى يدفعها لإدراك حقائق الأشياء؛ أي إنَّها لا تملك إرادة الفهم نفسها لكشف الحقيقة.

الإنسان بين الشكّ والإيمان:
هاهنا تظهر أمام الإنسان قضيّة الشكّ، أي تظهر أمام الإنسان مجموعةٌ من المجهولات التي لا يستطيع إدراك كنهها، وهل هي هكذا أو هكذا، فينتابه الشكّ وتستولي عليه الحيرة والتردّد والإبهام، إنّه يرى أمامه علامة استفهام، وهذا هو الذي يطلقون عليه اسم الشكّ، فهل الشكّ أمرٌ حسنٌ أم لا؟ تلك هي القضيّة. هل الفلسفة ترى الشكّ أمراً حسناً؟ وما رأي العلم، هل يرى الشكّ أمراً جيّداً أم لا؟ والأرفع من ذلك الدين، فهل يرى الدّين الشكّ شيئاً
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

73

بحثاً عن الحقيقة

 حسناً؟ إنّنا في هذه العجالة لا نتناول رأي الفلسفة ولا العلم، إنّما نريد أن نعرف ما يقوله الدّين بهذا الشأن.


لا ريب أنّ ما يتبادر إلى الذهن لأوّل وهلةٍ هو أنّ الدّين يرى الشكّ أمراً قبيحاً، وأنّه دليلُ سوء الطويّة، وعلامة سواد القلب، وأنَّه أمرٌ سيء، أهذا القول صحيح؟ أصحيحٌ أنَّ الشكّ في الدّين وفي ما يتعلّق بالدّين أمرٌ سيّء؟ نعم هذا صحيح، فالشكّ سيّء، فالهدف هو اليقين، إنَّ الهدف في الفلسفة والعلم والدّين هو أن يكون الإنسان من أهل اليقين، فالإيمان لا يكون إيماناً إن لم يكن مقروناً باليقين. إنّ الشكّ تزلزلٌ وتردّدٌ، إنّه عدوّ الاطمئنان، وإنّه أمرٌ يسيءُ إلى الإنسان، فأنت قد تختار لنفسك عملاً معيناً، وتُجْري وراءه أمورٌ معيّنة، أمِن الأفضل أن تكون في عملك هذا، في حرفتك هذه، مصاباً بالشكّ فيما إذا كان هذا العمل يصلحُ لك أو لا يصلح؟ 

أم الأفضل أن تكون مؤمناً ومعتقداً بعملك وبما تقوم به، فيزداد بذلك نشاطك وتقوى همّتك على العمل؟ بديهيٌّ أنَّ الأفضل هو أنْ يكون الإنسان مؤمناً بعمله!

في الدّين أيضاً ينبغي أن يكون الإنسان مؤمناً، فالهدف هو الحصول على الإيمان، إنّك لن تجد في كلّ القرآن دعوةً تطلب من الناس أن يشكّوا، فالدعوة إلى الشكّ خطأ. ولكنّك تجد القرآن لا يفتأ ينادي بالإيمان ويدعو الناس إليه. ولكن ينبغي أن أبادر إلى القول: إنَّ الشكّ مطلوبٌ في موضعٍ واحد، بل بعض الشكّ لا كلَّه، وهو شكٌّ مقدّس، هكذا أسميته أنا. فهل يولد الإنسان ومعه الإيمان واليقين؟ لا. أيصل إلى مرحلة اليقين ببلوغه سن الرشد؟ لا. إذاً فاليقين أمرٌ يجب أن يحصل للإنسان.

على الإنسان أن يؤمن بالله، فهل الإيمان موجود في الإنسان منذ البدء؟ أهو موجود فيه بالفعل؟ إنّ على الإنسان أن يؤمن بالمعاد، وأن يؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن يؤمن بأولياء الله، فمن أين يأتيه هذا الإيمان؟ إنّ على الإنسان أن يؤمن، ولكن الإنسان لا يمكن أن يساق نحو اليقين إن لم يشكّ.

فالشكُّ في الإنسان أمرٌ حسنٌ، ولكن على أن لا يكون هو الهدف والمنزل الأنسب, لا،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
82

74

بحثاً عن الحقيقة

  إنَّه ليس المنزل الأنسب. إنَّ الشكّ للإنسان ممرٌّ جيّد، معبر جيّدٌ للوصول إلى الإيمان وإلى اليقين، وما لم يمرّ الإنسان بهذا الممرّ فلن يصل إلى المنزل الرفيع الذي اسمه اليقين، فالوصول لن يكون خبط عشواء.


الدعوة إلى الشكّ في القرآن الكريم:
إنَّ القرآن قد دعا أيضاً إلى الشكّ، فأين دعا القرآن إلى ذلك؟ هنا لا بدّ من مقدّمةٍ قصيرة:
إنّ الإنسان مقلّد وتابع بطبعه، فالطفل يترعرع في أحضان أمّه وأبيه، ولهذين أفكارٌ وعقائد - بصرف النظر عن نوع هذه العقائد، متديّنةً كانت أم لا دينيّة، ومهما يكن هذا الدين- وهي لا شكّ تظهر في وليدهما طبعاً بالتقليد والتبعيّة؛ ولذلك فإنّ كلّ طفلٍ يؤمن بما يؤمن به أبواه، ما دام في طور الصّبا، ولم يبلغ مرحلة الرّشد والتمييز.

فإن كانت الأم "متحجّبةً" وتستر نفسها عن غير المحارم، فإنَّ ابنتها الصغيرة سوف تعتقد بأنَّ المرأة يجب أنْ تفعل فعل أمّها. وفي المقابل إن تربّت الطفلة في أحضانٍ أمٍّ لا يخطر لها خاطرٌ عن التحجّب والحجاب، فترى أمّها تعاشر من تشاء وتختلط بمن تشاء، وأنَّها -كما يعتقد بعضهم- حرَّة. عندئذ لا تشكّ هذه الطفلة بأنّ هذا السّلوك هو السلوك الصحيح. 

في جميع المعتقدات الدينيّة والوطنيّة، وأيّ معتقداتٍ أخرى، يكون الطفل مقلّداً وتابعاً لأبوي. ولكن أيجب أن يكون الأمر هكذا؟ لا. 

إنَّ ما يعتقد به الأبوان قد يكون صحيحاً وقد يكون خطأً. وعليه، إن أراد الإنسان أن يكون من أهل الحقيقة، فأوَّل ما ينبغي عليه فعله هو أن يشكَّ في كلِّ ما أخذه عن والديه من باب التبعيّة والتقليد. هذه هي المقدّمة التي أردت عرضها.

القرآن يعارض التبعيّة المطلقة:
إنَّ من الكتب التي قارعت التقليد والتبعيّة مقارعةً صارمةً هو القرآن، فقد لا يكون في الدّنيا كتابٌ أصرَّ إصرار القرآن على محاربة التقليد، على الأقل حتى يوم ظهور القرآن،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

75

بحثاً عن الحقيقة

  فإن ظهر بعد ذلك أنّ هناك من ينحو منحاه في كتاباتهم فلا غرابة في ذلك. لقد عُنيت مرةً بالنظر في آيات القرآن فلاحظت أنَّه ورد على لسان جميع الأنبياء - بلا استثناء - ذمَّ التقليد الأعمى للأسلاف ومحيطهم.

 
حيث جاء في القرآن أنّهم كانوا يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾1.
 
وفي آية أخرى يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾2، يقول: هكذا كان هؤلاء يخاطبون الأنبياء، ثمّ يقولون: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾3.
 
وعندما يدعو القرآن الناس إلى تخليص أعناقهم من أسر التقليد، فإنَّه يدعوهم في الوقت نفسه إلى الشكّ والتشكيك في ما استوعبوه من آبائهم وأمّهاتهم وأسلافهم ومحيطهم. إلَّا إنَّ القرآن عندما يدعو إلى الشكّ لا يريد أنْ يقول: إنَّ الشّك حسنٌ، بل يريد أن يقول: شكّوا لكي تتمكّنوا من الوصول إلى الحقيقة؛ فما لم يشكّ الإنسان في السنن المحيطة به، وفي التقاليد التي سار عليها الآباء والأجداد، فلن يبلغ الحقيقة.
 
نعم، هذا هو نوع الشكّ الذي يدعو إليه القرآن، يقول: شكّوا في ما أخذتموه من أولئك حتى تستطيعوا التأكّد من صحّته، وهذا هو الذي دعوته بالشكّ المقدَّس، أي الشكّ الذي يكون مقدِّمةً للتحقّق.
 
الغزالي والتشكيك:
للغزالي الذي عاش قبل 900 سنةٍ عبارةٌ تَرِد في أحد كتبه حيث يقول بعد كلامٍ مسهب: "يكفيك من الأقوال أنَّها تثير فيك الشكّ في موروثاتك؛ وذلك لأنّ ما يلي هذا الشكّ 
 
 
 

1- الزخرف، 22.
2- الزخرف، 23.
3- المائدة، 104.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

76

بحثاً عن الحقيقة

 هو البحث عن الحقيقة". والغزالي هذا من عجائب رجال الدّنيا، لا دنيا الإسلام فحسب، وإنَّ سيرةَ حياة هذا الرجل عجيبةٌ أيضاً.


لقد كان نابغة، كان يتلقّى علومه في المدرسة النظاميّة بنيشابور، حيث وصل إلى مراتبَ علميّةٍ رفيعة، ثمّ سافر إلى المدرسة النظاميّة ببغداد، يوم كان عميدها قد توفاه الله، وكانوا يبحثون عمن يصلح أن يخلفه في عمادة المدرسة، ويومئذٍ كانت الصلاحيّة لتسلّم مركز عمادة المدرسة النظاميّة ببغداد تعني أن يكون المرشّح أعلم علماء عصره. وقدِم الغزالي إلى بغداد، وانتشر صيته في جميع المحافل والأوساط العلميّة، فاطّلع الناس على مقامه العلمي، وأجمعوا على أنّه الوحيد الجدير بتسلّم مركز عمادة المدرسة النظاميّة ببغداد. 

لقد عُرف الغزالي بأنّه أعلم علماء أهل زمانه في العهد السلجوقيّ - ولعلّه كان في أيّام ملك شاه - وكان أحياناً يقوم بالتوسُّط بين الخليفة في بغداد والملك السلجوقيّ، ويحلّ ما يقع بينهما من خلاف، فحاز بذلك على أرفع المقامات الاجتماعيّة والروحانيّة في زمانه.

هذا الشخص الذي طوى تلك المراحل العلميّة، يقول في معرض شرح سيرة حياته في كتابه الموسوم (المنقذ من الضلال): "أخذت أتعمّق في التفكير في نفسي: هل أنّ هذه المعلومات التي حصلت عليها جاءتني عن طريق اليقين، أم إنّها مجموعةٌ من القضايا التي قلّدت فيها هذا الأستاذ أو ذاك، وإنّني قلت بصحّتها لأنّ الأستاذ الفلانيّ قال: إنّها صحيحةٌ اعتماداً على قول من جاء قبله بصحّتها؟ فأدركت أنّ ذلك لا يكفي، واشتدّ هذا الشعور في نفسي شيئاً فشيئاً وازداد قوةً بحيث إنَّه شغلني واستغرق تفكيري، وحيثما كنت، في الدرس، وفي الصلاة، وفي البيت، وفي الأزقّة والشوارع، كنت أشعر بالألم في نفسي وبالحرقة في روحي، ممّا كان يقلق راحتي، ثمّ أخذ أثر ذلك يظهر في بدني، فهزلتُ وضعفتُ ونحفتُ، ولم أعد أصيبُ من الطعام إلا القليل، ولكنّني كنتُ أفكّر، فمن جهةٍ كنت أقول: إذا أردتُ أن أكون حرَّاً في البحث عن الحقيقة، فماذا أصنع بهذا المقام وبرئاسة المدرسة النظاميّة العظيمة؟ رأيت أنَّ ذلك لا يكون مع هذا المقام وهذه الرئاسة وهذا الابتلاء وهذه الزعامة، ومن جهةٍ أخرى لم أكن أستطيع شيئاً".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

77

بحثاً عن الحقيقة

 وهكذا ظلَّ الغزالي بين نارين، لا يدري كيف يتخلَّى عن مركزه الروحانيّ والاجتماعيّ العظيم: "كانت هذه النار تحرقني بلهيبها. وأخيراً أعانني الله وقدَّرني على ترك المقامات الدنيويّة".


وهكذا كان، ولكنّه أدرك أنّه إن أعلن ذلك فلن يتركه الناس وشأنه، ولن يتركه الملك حرّاً، بل سيحمله على البقاء في مركزه؛ لذلك أعلن أنّه يروم الحجّ، وانطلق من بغداد إلى مكّة في اجتماعٍ توديعيٍّ حافل، ولكنّه ما إن خرج من بغداد حتى كان الأمر أيسر عليه بعد ذلك، فانفصل في الطريق عن القافلة التي كانت متَّجهةً نحو الجنوب والجنوب الغربيّ، وانحرف نحو الغرب متوجّهاً إلى الشام والقدس، متنكّراً في ملابس الدراويش، وأخفى حقيقته عن الجميع.

وفجأةً عرِف العالَم أنّه قد فقد الغزاليّ، أتخلَّف عن القافلة وافترسته الوحوش؟ أوقع في بئر؟ أماتَ فجأةً في ناحيةٍ من الأنحاء؟ لم يعثر عليه أحد، وغاب الغزالي عن الأنظار بشخصيّته العظيمة تلك، وظلّ هذا الرجل عشر سنين في القدس يشتغل في البحث والتحقيق، مجهولاً من الناس، وسلك طرقاً مختلفة حتى اعتقد بنفسه أنّه قد عثر على الحقيقة، وتغيّر فعلاً، وقد ألّف أهمّ كتبه في هذه الحقبة، يقول عن ذلك: "كنت في بيت المقدس، فأسمع باسمي يردّده الناس، ولكنّي لم أكشف عن نفسي. كثيراً ما كنت أرى طلبة العلوم يتباحثون، ويقولون: قال الغزاليّ كذا... وإنّ الغزالي يرى كذا وكذا في هذا الأمر. كنت أسمع كلّ ذلك، ولكنّني لم أقل لهم إنَّ الغزاليّ الذي تستشهدون به قد تغيَّر وأصبح شخصاً آخر، وإنَّ غزاليّ اليوم غير غزاليّ الأمس".

يقول الغزاليّ في إحدى مقولاته: "تكفي أقوالي فائدةً أنّها تثير فيكم الشكّ في معتقداتكم الموروثة وتحفّزكم على البحث عن الحقيقة بأنفسكم، فإذا انصرفتم إلى البحث عن الحقيقة، عندئذ تدركون الحقائق".

القرآن يوعد بالحقيقة بعد الشك:
هنا تظهر مسألةٌ أخرى، وهي: أصحيحٌ أنّ الأمر هكذا؟ أصحيحٌ أنّ الإنسان إن كان
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

78

بحثاً عن الحقيقة

  باحثاً عن الحقيقة، وإن لم يكن معانداً، فإنّ الأبواب تتفتّح أمامه؟ نعم إنّ من الأمور التي يذكرها القرآن بصورة عهدٍ من الله هو هذا الأمر: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾1.

 
فمن يسعى سعيه جاهداً في سبيل الله، فإنّ الله لن يتركه يتخبّط في الظلام، بل يفتح له أبواب الحقيقة ويرشد قلبه وروحه إلى الصواب.
 
هنا الكلام كثيرٌ والقضايا كثيرةٌ عن الذين ساروا على طريق البحث عن الحقيقة، وعمَّا وصلوا إليه من المقامات الرفيعة، وعن بحار الغيب التي تكشَّفت لهم، ممّا يستغرق وقتاً لا نملكه في هذه العجالة.
 
ولكنّني أكتفي بتلك الحكاية المعروفة فأذكرها لكم، رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى بالنّاس الصّبح، فنظر إلى شابّ في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرّاً لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أصبحت يا فلان؟ قال أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله! وقال: إنّ لكلّ يقينٍ حقيقة، فما حقيقة يقينك؟ فقال إنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدّنيا وما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون وعلى الأرائك متّكئون، وكأنّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها مُعَذّبون مصطرخون، وكأَنّي الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: هذا عبد نَوّر الله قلبه بالإيمان، ثمّ قال له: اِلزم ما أنت عليه، فقال الشّابّ: اُدع الله لي يا رسول الله أن أرزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فاستشهد بعد تسعة نفرٍ وكان هو العاشر"2.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾3.
 
 
 

1- العنكبوت، 69.
2- الكافي، ج2، ص53.
3- العنكبوت، 69.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
87

79

بحثاً عن الحقيقة

 الشكّ المقدس:

اتَّضح لنا إذاً، أنَّ هناك شكاً هو الشكُّ المقدَّس، وهو الشكّ الذي يتجلّى في كسر قيود التقليد، وفي تحفيز الإنسان على البحث والسير نحو الحقيقة، أي إنَّه يثير الألم في نفس الإنسان. أسبق لك أن فكَّرت في فلسفة الألم؟ نقول: إنّ الألم شيءٌ سيّء. هل سبق الألم كالشكّ، فهل الألم جيّد أم سيّء؟ 

قد يقول قائل: إنَّ الألم سيّء. ولكنَّه في الوقت نفسه جيّد، فلولا الألم لما استطاع الإنسان أن يحسّ بالمرض، كيف كان يحسّ بالمرض لولا الألم؟ إن لم يشعر الإنسان بالألم في معدته، فكيف يدرك أنَّه مصابٌ بالقرحة فيها، أو في الاثني عشر، لكي يبحث عندئذ عن الدواء أو العلاج بعمليّة جراحية؟ إن لم تُصَبْ بالصّداع فكيف تُسرعُ إلى الطبيب طلباً للعلاج؟ الجوعُ نفسه ضربٌ من الألم الذي يزعج الإنسان، ولكنَّه ضروريٌّ ولازمٌ؛ إذ لولا شعور الإنسان بألم الجوع لما ذهب يبحث عن الطعام، ولولا إحساسه بالعطش ما بحث عن الماء. فالألم في الوقت الذي يؤذي الإنسان فإنّه يعلن عن حاجة الإنسان الطبيعيّة، فمن طبيعة جسمك أنَّه إذا احتاج إلى الطَّعام يسلّط عليك ألماً اسمه الجوع، وعندما يريد جسمك أن يقول: إنَّه بحاجة إلى الماء، يثير فيك ألماً اسمه العطش، وإن أراد أن يشعرك بوجود تعفّن أو خللٍ في العضو الفلاني، فإنّه يشعرك بذلك عن طريق الألم. وعليه، فالويل للمريض الذي لا يحسّ بآلام مرضه؛ فإنّه يظلّ جاهلاً بمرضه حتى يتفاقم، ويكون العلاج قد فات أوانه. وعليه، فإنّ الألم سيّءٌ يعذّب الإنسان، والإنسان لا يريد أن يتعذّب، إلا إنّ الألم حسنٌ من حيث كونه يعلن عن حاجة الإنسان الطبيعيّة. والشكّ المقدّس حكمه حكم الألم الروحيّ، فإن كان الألم موجوداً فذاك أمرٌ حسن. 

تقول الروح للإنسان: أريد غذاء، أريد علماً، فأنا لست حيواناً، ولا نباتاً ولا جماداً، أنا روحٌ خلقني الله أوسع من هذه السماوات، لا بدّ لي من أن أعرف العالم، لا بدّ لي أن أفهم من أين أتيت؟ وأين أنا؟ وإلى أين أذهب؟ ألمُ الروح يعلن عن نفسه في الإنسان بصورة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
88

80

بحثاً عن الحقيقة

  الشكّ، ويقول: عليّ أن أفهم، عليّ أن أعرف، وما أجمل ما يقوله (مولانا)1:

حـسـرت وزاري كـه بيمـاريـسـت                  وقت بيمـماري هـمـه بيـداري اسـت
 
ترجمة الشعر الفارسي:
الـحـسـرة والـتـأوّه أحـيـانـاً مـرض                وزمـان الـمـرض كـلّـه يـقـظـة
 
فالألم في المرض دليل الحاجة:
هـر كـه أو بيـدار پـر دردتـر                     هـر كـه او هـثـيـار تـر رخ زردتـر
 
ترجمة الشعر إلى العربية:
أكـثـرهـم يـقـظـةً أشـدّهـم ألـمـاً                  وأكـثـرهـم ذكـاءً أشـدّهـم اصـفـراراً
 
فالذي لا يحسّ بالألم إنّما هو الغارق في النوم، بل إنّ النّائم لا فكر له:
بـس بـدان أيـن أصـل، أي أصـل جـو             هـر كـه رادردسـت أو بـرده اسـت بـو
 
ترجمة الشعر إلى العربية:
فـلتعلـم إذاً هـذه الحقيـقة، أيّـها الـباحـث عنها
                               مـن كـان يـحـسّ بـالألـم فقـد شـمّ الـرائـحـة
 
وإليكم مثلاً اجتماعيّاً: هناك كثيرون من الناس من لا يُقلق راحتهم شيء، فكلّ ما يحدث في مجتمعهم، حتى لو أكل الناس بعضهم بعضاً، لا يعنيه ذلك في شيء ما دام الأمر لا يمسّه، وما دام طعامه جاهزاً، ومسكنه حاضراً، ومعاشه الخاصّ موفوراً، إنّه لن يهتم بما يجري في المجتمع، حتى وإن كان جاره فقيراً محتاجاً هو وعياله لعشاء ليلتهم، ليس من شأنه إنْ كانت العدالة تسود المجتمع أم يسوده الظلم، إنّه لا يفكّر في أمثال هذه الأمور.
 
يقال عن أيام (المشروطة) إنَّ بعض الناس كانوا يؤيّدون (المشروطة) وبعضهم كان يؤيّدون (المستبدّة)، فسُئِل أحد الأشخاص عن الجانب الذي يؤيّده، أيؤيّد الحكم الدستوري؟ فقال: أنا صاحب عيال! وهذا حال بعضهم في الحياة، فهم أصحاب عائلات،
 



1- هو محمد بن محمد بن حسين بهاء الدّين البلخي المعروف بمولانا جلال الدّين الرومي، أديب وفقيه ومنظّر قانوني صوفي، عرف بالرومي لأنّه قضى معظم حياته لدى سلاجقة الروم، في تركيا الحالية.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

 


81

بحثاً عن الحقيقة

  ولا تهمّهم أيّ مسألةٍ أخرى، إلا إنّ شخصاً آخر، هو السيد الأسد آبادي، يعيش في إيران، ولكنّه يتألّم لأنَّ هناك من يتألّم في الهند! إنَّه يتألّم لكلّ العالم الإسلامي الذي يرزخ تحت نير الاستعمار، والألم يعذّب الإنسان ويقضّ مضجعه، فأيّهما الأفضل؟ أهذا الذي يتألّم، أم ذاك الذي لا يتألّم؟ 

 
الإمام عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام يشير إلى هذا بقوله: "إنّما هي نفسي أرُوّضُهَا بالتّقوى لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر وتثْبُتَ على جوانب المَزْلَقِ، ولو شئت لاهتديت الطّريق إلى مُصَفَّى هذا العسل ولُبَابِ هذا القمح ونَسَائِجِ هذا الْقَزِّ، ولكن هيهات أن يَغلِبَني هَوَايَ ويقودني جَشَعي إلى تَخَيُّرِ الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أَبيتُ مِبْطَاناً وحولي بطونٌ غَرْثَى وأكْبَادٌ حَرَّى؟ أَو أكون كما قال القائل:
وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ                     وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدّ1
 
فالإنسانيّة هي التألّم، وها هو الإمام عليه السلام يقول بما معناه: "إنّني أعرف طرق التنعّم جميعها، وقادرٌ عليها، وألذّ الأطعمة في متناول يدي إن شئت".
 
أتظنّ أن عقلاً كعقل عليٍّ لا يتوصّل إلى ذلك، ولا يدري أنَّ بالإمكان ارتداء أفخر الملابس؟ كم تجد في العالم أشخاصاً من ذوي الآلام؟ آلامٌ من هذا القبيل؟ نعم، إنّهم موجودون، وكانوا موجودين، ولكنّهم إن لم يكونوا بهذه الدرجة، فبدرجةٍ أدنى قليلاً.
 
أسألك، ليس الألم شيئاً حسناً، ولكن هذا الضرب من الألم جيّد هو أم رديء؟ أيحسن بالمرء أن يحمل آلاماً كهذه أم لا يحسن به؟
 
ما الإنسانيّة إلا بالتألّم. الشكّ للإنسان ألمٌ للرّوح؛ وإنّني لا أقصد شكّ الكسالى، فهؤلاء يشكّون ويظلّون في شكِّهم أربعين سنةٍ وهم في سباتٍ عميقٍ في بيوتهم، إنِّي أقصد شكَّ ذوي الغيرة الذين لا يهدؤون لحظةً حتى يكتشفوا الحقيقة. هذا هو ألمُ الروح، وإنّه لخيرٌ للإنسان أن يتألّم في روحه، والله قد وعد أمثال هؤلاء أن يفتح أمامهم طريق الوصول إلى الحقيقة.
 
 
 


1- نهج البلاغة، رسالة الإمام علي عليه السلام إلى عثمان بن حنيف، واليه على البصرة، خطبة 45.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

82

بحثاً عن الحقيقة

 الشكّ غير المقدّس:

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أمرٍ آخر، كنَّا قد قلنا: إنَّ هناك نوعين من الشكّ: الشكّ المقدّس والشكّ غير المقدّس، فما هو الشّك غير المقدس؟

إنّ هذا النوع من الشكّ كثيرٌ ووافر. وهناك من الناس من يشكّ كثيراً، فهو مريض، أي إنّ كثرة الشك مرضٌ بحدِّ ذاتها، وإنَّك لتجد مِن هؤلاء مَن يشكُّ في العبادات والصلاة والطهارة والنجاسة، فهناك من يشك كثيراً في الصلاة بحيث يصطلح عليهم بكثيري الشكّ، وقد يصل شكّهم حدّ الوسواس، وهو لا أساس له، أي في الوقت الذي يكون فيه الإنسان السويّ على يقيٍن يكون هو على شكّ! وهذا ضربٌ من السلوك المنحرف، وعلى مثل هذا الإنسان أن يعالج نفسه، ولعلاجه طريق؛ لذلك يقولون في الصلاة: لا شكّ لكثير الشكّ، أي إن شككت فلا بدّ من إزالته (يبني على الأكثر، كالشك بين الثلاث والأربع، وبين الأربع والخمس) إلا "الكثير الشك" فإنّه يبني على الصحّة؛ لأنّ الإسلام لا يريد من كثير الشكّ أنْ يظلَّ كثيرَ الشك.

وهناك من يبلغ حدّ الوسواس في الطهارة والنجاسة، فيشكّ ويشكّ ويشكّ، وقد يشكّ آخرون في القراءة في الصلاة، في قراءة (ولا الضَّالين) أقالها صحيحةً أم لا؟ هناك بين طلبة العلوم الدينية كثرٌ من المصابين بالوسواس. إنّ الذين يفكّرون بحيث يتعبون في التفكير، يكونون عادةً مؤهّلين للإصابة بالوسواس، وإذا كان تفكيرهم متّجهاً إلى الأمور الدينيّة، يبدؤن بالشك في المسائل الدينية.

ولقد صادفت أناساً لهم وساوس عجيبة لا يمكن تصديقها، كان بعضهم في القديم يغطس في أحواض الحمّامات العميقة (الخزّانات) إلى الأعماق بحيث كان يضرب برأسه قعر الحوض، ومع ذلك كان يشكّ فيما إن كان الماء قد غطّى رأسه أم لا! كنت أعرف شخصاً وسواسيّاً قلّما كان يصدّق أحداً، ولكنّه كان يثق بكلامي، كان يقرأ المسائل الدينيّة في (الرسائل العملية) ولكنَّه لم يكن يصدّق بها، بل كان يأتي ويسأل عنها مرّة أخرى، وكان أحياناً يواجهني بأسئلة عجيبة، ومضحكة أحياناً أخرى، مثلاٍ: مرةً كنّا في صلاة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

83

بحثاً عن الحقيقة

  الجماعة وفي الركعة الأولى، فسجدوا الجميع وقاموا، ولكنّه عندما قام اصطدم رأسه بظهر شخصٍ في الصفّ الذي أمامه، فقال عن صلاته قد بطلت، فقلت: لماذا؟! فقال: هذه سجدة إضافيّة، وأمثال هذه... 


هذا مرض من الأمراض العقليّة؛ أي إنَّ عقله ضعيف؛ فما لم يكن العقل ضعيفاً، فلن تصل الأمور إلى هذا الحدّ، فما العلاج؟ علاج الوسواس هو الإهمال، وهذا هو حكم الإسلام، فإن أصيب أحدٌ بالشكّ الكثير، أو بالوسواس، فليس أمامه إلا طريقٌ واحدٌ للعلاج، وهو أن يهمل الأمر، فقد يتخيّل أنَّ جسمه قد تنجَّس، فعليه أنْ يقول لنفسه: إنَّ الإسلام يريد مني صلاةً بهذا الجسم النجس، وقد يشكّ في صحة قراءته، فليقل: إنَّ الإسلام يقبل منِّي هذه القراءة الخاطئة، وهذا هو الحكم.

راجع أحدُ هؤلاء الشكّاكين الوسواسيّين أحدَ العلماء من مراجع التقليد في قمّ، قائلاً: إنّني أشكّ في النيّة، ولا أستطيع أن أنوي، فمهما فعلت لكي أنوي لا أستطيع - النيّة هي إنّك عندما تقف للصلاة مثلاً، تكون عارفاً بما تفعل، فقد تقف لصلاة الظهر ولكنك لا تدري إن كنت تريد أن تصلّي أم أن تتريّض، هذا يعني أنّك لم تنوِ. ومرّةً لا تدري إن كانت الصلاة التي تريد أداءها ذات ركعتين أم ذات أربع ركعات، ومعنى هذا أنَّك لم تنوِ، وقد تقفُ للصلاة ولا تدري إن كانت الرّكعات الأربع الأُوُل هي صلاة الظّهر، والركعات الأربع التاليات هي صلاة العصر، فهذا يعني أنَّك لم تنو. ولكنَّك إذا ما وقفت للصلاة وسُئلت عمّا تريد أنْ تفعل، تقول: إنَّك تريد أنْ تصلّي؟ صلاة الظهر، أربع ركعات، الواجبة، وكان كلُّ ذلك حاضراً في ذهنك، فهذا يكفي؛ إنَّ مجرَّد حضور عمل الإنسان في ذهنه هو النيّة - فإذاً، جاء هذا الشخص ليقول: إنَّه لا يستطيع أن ينوي، ترى ما الذي يمكن أن يقوله له هذا العالم الدينيّ؟ 

سأله: من تقلّد؟ قال: أقلّدك أنت، فقال: أنا أفتي بأنّ النيّة في الصلاة ليست واجبة. فهدأ باله وانصرف، وبعد ساعتين عاد ليقول: لا أستطيع أن أمتنع عن النيّة، فمهما حاولت إغفالها فإنَّها تأتي بنفسها، فقال له: سواء أتت النيّة أم لم تأتِ فأنا أفتي بصحّة صلاتك.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

84

بحثاً عن الحقيقة

  أليس هذا إذن اختلالاً في فكر الإنسان؟ لا أدري إن كان هذا ناشئاً من اختلال عصبيّ أو روحيّ، إلا أنَّ هذا هو طريق العلاج.


هناك آخرون تصيبُهم كثّرة الشكّ هذه لا في فروع الدين، بل في أصوله، والعياذ بالله، إنّهم يشكّون في كلّ شيء، وهذا هو الشكّ غير المقدّس، إنّه الوسواس، وطريقة علاج أمثال هؤلاء - كما يقول العلماء - هو إنَّه إن كان المريض من رجال العلم والفكر والمنطق، فينبغي حمله على الاشتغال بالعلوم الرياضيّة بعض الوقت، وذلك لأنّ الرياضيات من العلوم الاستدلاليّة التي تعتمد على البراهين البسيطة، كالهندسة مثلاً، وبهذا يمكن تصحيحُ مسار ذهنه المنحرف، أمَّا إن كان المصاب بكثرة الشكّ والوسواس من عامَّة الناس، فإنَّ طريق علاجه مختلف. 

علاجه يكون في العبادة نفسها، فإن أغفل كلّ شكوكه وأكثر من العبادة، وبخاصّة الإكثار من تلاوة القرآن ومن الذكر وقول: لا قوّة إلَّا بالله، توكّلت على الحيّ الذي لا يموت، الحمد الله الذي لم يتّخذ صاحبةً ولا ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليّ من الذلّ وكبّره تكبيراً، هذا الإنسان إن أكثر بروحه وقلبه من ذكر الله، فإنّ هذه الوساوس، وهي وساوس شيطانيَّة، سوف تزول عنه.

جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال (ما معناه): أدركني يا رسول الله أدركني، لقد هلكت. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال له: قبل أن يقول الرجل شيئاً: أنا أقول لك ما بك، جاءك الشيطان يسألك، من خلقك؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: فأجبته أنت: الله هو الذي خلقني؟ قال: نعم يا رسول الله، قال جاءك ثانيةً يسألك: قل لي من خلق الله؟ فلم تستطع أن تجيب، قال: نعم يا رسول الله هو ذاك، قال: لا، إنَّما أنت خفت، وهذا هو الإيمان بعينه، إنَّ شكَّك هذا هو شكّ مقدّس، فعندما تتولّد هذه الوسوسة في قلبك، فتضطرب هذا الاضطراب، وتهرع إليَّ من هذا الشك لائذاً بي، يكون هذا الإيمان عينه، والله ينجيك".

كيف ينجيه الله، وقد كان من عامّة الناس؟ سأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أأنت شديد الاضطراب؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال: اُعبد الله واذكره كثيراً، يُزل عنك ما تجد من قلقٍ واضطراب، وهكذا كان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

85

بحثاً عن الحقيقة

 الشباب والإصابة بالشكّ:

إنَّ المرءَ قد يُصاب خلال حياته بالشكّ والحيرة، وبالأخصّ في فترة الشباب، حتى في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، أو أكثر، في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، أو قد لا يصاب به إلا في الثلاثين، إنَّه ثورةٌ في أفكار الإنسان الدينيّة وعقائده، يصيبه لأنّه تقبّل عقائد أبويه وأفكارهما بغير أن يحتمل فيها أيَّ خلاف. 

وكان عندما يكبر يدرك فجأةً أنّ ما أخذه عن أبويه قد لا يكون هو الحقّ، فينتابه القلق والاضطراب. 

في هذه المرحلة يصاب الشاب بحالةٍ من الحساسيّة والرهافة لا بدَّ معها من العناية به ورعايته، ولا يجوز خلال هذه الفترة أنْ يُعامل الشاب معاملةً خشنةً، وخصوصاً فيما يدور حول الشؤون الدينيّة. كثيرٌ من الشبّان عندما يصلون إلى هذه المرحلة - وهي مرحلةٌ طبيعيّة - تظهر فيهم حالةٌ من محاولة الاعتراض على آبائهم وأمّهاتهم وأصحابهم، فيتصوّر هؤلاء أنَّ هذه الحالة دليلٌ على خبث هذا الشاب وفساده، فيعاملونه بفظاظة: أُسكت، ما هذه الأقوال التي تقولها؟ إنّك تكفر بكلامك هذا، وما إلى ذلك، مع أنّه يتساءل ليس أكثر، فتأتي هذه المعاملة لتزيد من عناده وعصيانه.

المجتمع وحالة الشكّ:
أمّا في المجتمع، فقد يحدث فيه مثل ما يحدث لدى الفرد، فكما إنّ الفرد قد يمرّ بمرحلةٍ انتقاليّةٍ في فترةٍ من حياته، فتعتريه حالةٌ من القلق والاضطراب، كذلك يمكن للمجتمع أن يمرّ بمرحلةٍ انتقاليّةٍ مشابهةٍ، فمثلاً قد يحدث تحوّلٌ أدبيّ أو ثقافيّ يغيّر الوضع الفكريّ لدى المجتمع، كما حدث في المجتمعات الغربيّة قبل مئتي سنة. 

فقبل قرنين، يوم لم يكن العلم قد تقدّم وتطوّر إلى هذا الحدّ، كان المجتمع الأوروبيّ واقعاً تحت حالةٍ شديدةٍ من الشكّ والتردّد والإنكار في المسائل الدينية، وهناك مجتمعاتٌ تمرّ بهذه المرحلة اليوم. ولذلك فإنّ مواجهة آمال هذه المجتمعات محفوفةٌ بكثيرٍ من الحساسيّة الدقيقة. وهذا هو الذي يجعل مهمّة المجالس الدّينية، كمجلسنا هذا، صعبة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

86

بحثاً عن الحقيقة

 وشاقّة. في الماضي كان مجتمعنا أشبه بالطفل، لا يفكّر أصلاً في كثيرٍ من المسائل، ولكنّه الآن بدأ يفكّر فيها، وبذلك أخذ المجتمع يطرح الأسئلة، والمجتمع عندما يسأل يريد جواباً مقنعاً.


وصلتني رسالة من أحد الذين تلقّوا تعليمهم في أوروبا، وهو رجلٌ متديّنٌ عميق التفكير، كتب يقول: إنَّ شبابنا الإيراني في أوروبا أحوج ما يكون إلى معرفة الحقائق الدينيّة، وهم أشدّ ما يكونون تعطّشاً إلى ذلك، إنّ مؤتمراً أقيم حول مسألةٍ دينيّةٍ بسيطةٍ كان له تأثيرٌ نافعٌ كبير. يقول الرجل: إنَّه عندما كان يتكلّم حول بعض المسائل الإسلامية الاقتصادية، وخصوصاً الرِبا، قام المسؤول عن نشاط الطلبة الاجتماعيّ، وقال: إنَّه يعترف الآن بأنّهم لم يكونوا يعرفون الإسلام على حقيقته. 

هناك مسائل كثيرةٌ أخرى، خذ مسألة حقوق المرأة: إنَّ أحداً قبل مئة سنةٍ لم يكن يخطر له أنّ في الإسلام مسألةً باسم حقوق المرأة، لقد كانت موجودةً فعلاً ولكن أحداً لم يفكّر فيها، أمّا اليوم فهناك من يفكّر فيها، ويطرح الأسئلة، ويريد الأجوبة. 

إنَّ أحداً في الماضي لم يكن يُعنى بالتفكير في الرِبا وقضايا أخرى، مثل رأس المال وغيره، أو فيما إذا كان في الإسلام نظامٌ اقتصاديّ، وكيف يمكن أن يكون، وإذا كان موجوداً، فهل هو يتطابق تماماً مع النظام الرأسماليّ، أم مع الأنظمة الاشتراكيّة، أم إنَّه نظامٌ مستقلّ؟ إنّه لا هذا ولا ذاك، بل هو نظامٌ مستقل فإذا كان نظاماً مستقلّاً، فكيف هو؟

بل إنّ الأسئلة تُطرح حتى حول الأفكار المادّيّة وما يدور في فلكها، إنَّ التساؤل ليس صعباً، وهناك اليوم أسئلةٌ لم يكن يطرحها أحدٌ فيما مضى.

إنّه لمن أشقّ الأمور على القادة الاجتماعيّين والمُصلحين الدينيّين أن يقوموا بواجباتهم في مجتمع يمرّ بمثل هذه المرحلة من الثورة والتطوّر والتحوّل، كما هي الحال بالنسبة إلى التعامل مع شابٍ في دور المراهقة، ويمرّ بمثل هذه المرحلة الانتقاليّة... يقولون: إنَّ الشّاب في دور المراهقة يمرّ بمرحلة من الانطوائيّة؛ أي إنَّه يتّجه إلى داخل ذاته، ويأخذ بالتفكير في أمورٍ خاصّة، وتطرأ عليه أفكارٌ خاصّة، لذلك لا بدّ من الحذر الشديد في
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
95

87

بحثاً عن الحقيقة

  التعامل مع الشاب وهو يمرّ بهذه المرحلة، كذلك الأمر مع المجتمع الذي يمرّ بمرحلةٍ مماثلة، فالتعامل معه من أصعب الأمور على القادة الدينيّين.


وعليه، لا ينبغي التخوّف من الشكّ إن كان شكّاً مقدّساً، شرط أن لا يجعل من هذا الشكّ منزلاً دائماً له، بل عليه أن يمرّ به مروراً كما يمرّ على معبرٍ من المعابر، وشرط أن يكون المجتمع قادراً على الإجابة بجوابٍ شافٍ على هذا الألم الروحيّ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
96

88

التَّقوى

 التَّقوى

 
قال الله تعالى:
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾1.
 
التَّقوى لغة:
التقوى واحدةٌ من الكلمات الدينيَّة الشّائعة، وقد وردت في القرآن اسماً أو فعلاً بشكلٍ كثيرٍ، فهي وردت بقدر ورود ذكر الإيمان، أو العمل، أو الصلاة، أو الزكاة، أو أكثر من ورود ذكر الصوم، وهي أيضاً من أكثر الكلمات توكيداً في (نهج البلاغة).
 
هنالك في (نهج البلاغة) خطبة طويلة اسمها خطبة المتّقين، وقد ألقاها أمير المؤمنين عليه السلام رداً على سؤالٍ طُلب منه فيه أن يصف المتّقين وصفاً يجسدّهم فيه، ولقد امتنع الإمام أوّل مرة، وردّ على السائل ببضع جملٍ لم يكتفِ بها السائل، بل ألحّ في طلبه وألحّ، فأخذ الإمام يتكلم، وأورد أكثر من مئة صفةٍ وسِمةٍ لخصوصيَّات المتّقين المعنويَّة ومميزاتهم الفكرية والأخلاقية والعمليّة. ويقول المؤرخون إنّه ما كاد يتم كلامه حتى صرخ السائل (وهو همَّام بن شريح) ووقع ميتاً. القصْدُ هو أنَّ التقوى من الكلمات الرَّائجة جداً في الأحاديث الدّينية، وهي كذلك عند عامَّة النَّاس.
 
وتشتقّ هذه الكلمة من (وقي)، بمعنى الحفظ والصّيانة والمحافظة على الشّيء، ولكننا لم نرَ حتّى الآن أنّها قد تُرجمت في الفارسية بمعنى الحفظ والمحافظة، فإذا جاءت في الفارسية اسماً فهي تردُ بلفظ: التَّقوى أو بلفظة المتَّقين، أو بترجمتها الفارسية
 
 
 

1- التوبة، 109.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
99

89

التَّقوى

  (برهيزكاران) أي (المحتاطون)، فعند ترجمة ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ يقولون: هداية للذين يحتاطون. وإذا وردت الكلمة فعلاً، وعلى الأخص فعل الأمر مع ذكر متعلقه، فيترجمونها بمعنى (الخوف). فمثلاً، في جملة ﴿اتّقوا الله﴾ أو ﴿اتَّقوا النار﴾ يقولون: خافوا الله، أو خافوا النَّار.

 
لا شكَّ إن أحداً لم يدَّعِ أنّ معنى التَّقوى هو الخوف، أو الاحتياط، أو التجنُّب، ولكن بما أن صيانة النَّفس من شيء يقتضي أن تحذر هذا الشّيء وأن تتجنّبه، أو غالباً ما تكون صيانة النفس والمحافظة عليها من الأمور التي تلازم الخوف، فإني ارتئي أنَّ الكلمة تعني أحياناً التحفُّظ والحذر، وأحياناً أخرى تعني الخوف.
 
ثم ليس هناك، بالطبع، ما يمنع استعمالها استعمالاً مجازياً بمعنى الاحتياط، أو الخوف. ولكن لا يوجد من جهة أخرى، أي دليل يؤيّد كون أن الكلمة قد استعملت استعمالاً مجازياً لتعني التحفّظ أو الخوف، إذ ليس هناك ما يدعونا إلى القول بأن﴿اتّقوا الله﴾ تعني: خافوا الله، أو أن ﴿اتَّقوا النار﴾ تعني: خافوا النار. بل إنّ معنى أمثال هذه الآيات هو: حافظوا على أنفسكم من لسع الجحيم، أو من العقاب الإلهي، وعليه، يكون المعنى الصحيح لكلمة ﴿اتَّقوا﴾ هو: "الحفاظ على الذات"، ويقصد به ضبط النفس وكبحها، والمتّقون "هم الذين يحافظون على ذواتهم ويكبحونها".
 
ولقد جاء في كتاب (مفردات القرآن) للراغب، أنَّ: "الوقاية حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره... والتَّقوى جعل النَّفس في وقايةٍ مما يُخاف من تحقيقه، ثم يسمَّى الخوفُ تارةً تقوى، والتَّقوى خوفاً، حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضى بمقتضاه، وصارت التَّقوى في عرف الشرع حفظ النفس مما يؤثم، وذلك بترك المحظور"1.
 
أي: إن الوقاية هي صيانة الشيء من أن يصل إليه الضرر، والتَّقوى هي أن تقي النَّفس من كل ما يُخشى منه، ولكن قد تقتضي أماكن الاستعمال أن يستعمل المسبّب بمكان السبب، أو السبب بمكان المسبّب؛ أي: الخوف بمكان التَّقوى، والتَّقوى بمكان الخوف. فالتَّقوى في
 
 
 

1- الأصفهاني، الراغب، مفردات غريب القرآن، دفتر نشر الكتاب، الطبعة الثانية، 1984م، ص531.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
100

90

التَّقوى

 الشرع: هي المحافظة على النفس مما قد يجرُّها إلى ارتكاب الممنوعات والمحرّمات.

 
يرى (الراغب) أنَّ معنى التَّقوى هو حفظ الشيء ويقول: إنَّ استعمالَ التَّقوى بمعنى الخوف استعمالٌ مجازي، ولكنّه لا يصرّح بأنّ في ﴿اتّقوا الله﴾ معنى مجازياً. فقد قلنا إنَّه ليس ثمّة ما يدلّ على أنّ الكلمة قد استعملت هنا استعمالاً مجازياً.
 
والعجيب في الأمر هو الترجمة الفارسية التي تعني (الاحتياط)، فإنَّ أحداً من رجال اللغة لم يدَّعِ بأنَّ كلمة التَّقوى قد استُعملت بهذا المعنى، ولقد رأينا الراغب الاصفهانيً يشير إلى أنَّ الخوفَ قد يكون من معانيها، ولكنَّه لم يُشرْ إلى أنها قد ترد بمعنى الاحتياط والحيطة. ولا نعلم من أين أتت التّرجمة الفارسيّة، ومتى، ولماذا؟ أحسب أن الفرس هم وحدهم الذين يفهمون من الكلمة هذا المعنى، أما العرب قديماً وحديثاً فلا يخطر لهم هذا المعنى، صحيح أن التَّقوى وصيانة النفس عن شيء ما يلزمهما اجتناب ذلك الشيء، ولكن معنى التَّقوى ليس الاجتناب نفسه.
 
مخافة الله:
بما أنه ورد في الكلام الذي سبق إشارة إلى الخوف من الله، فلا بدَّ من ذكر هذه النّقطة: قد يتساءل بعضهم ما معنى الخوف من الله؟ هل الله يوجب الخوف؟ إنَّ الله كمالٌ مطلقٌ وهو الأجدرُ بحبِّ الإنسان، فلماذا يخافُ الإنسانُ الله؟
 
نقول في جواب هذا التَّساؤل: إنَّ الأمرَ هو ذاك، فذاتُ الله لا تستوجب الخوف، أما القول بوجوب الخوف من الله فيعني الخوف من قانون العدل الإلهي. ولقد وردَ في بعض الأدعية: "يا من لا يُرجى إلَّا فضله ولا يخاف إلَّا عدله"1 وجاء في دعاء آخر: "جللتَ أن يخاف منك إلَّا العدل وأن يرجى منك إلَّا الإحسان والفضل"2.
 
العدالة بحدِّ ذاتها ليست مما يوجب الخوف، ولكن الذي يخاف من العدل يخافُ في الحقيقة من نفسه لكونه قد ارتكب إثماً في الماضي، أو لأنَّه يخاف أن يتجاوز في المستقبل
 
 
 

1- مصباح الكفعمي، ص379.
2- بحار الأنوار، ج99، ص55.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
101

91

التَّقوى

  حدودَه فيعتدي على حقوق غيره. وعليه فإنَّ موضوعَ خوفِ المؤمن ورجاءَهُ، وإنَّه ينبغي أن يكون دائماً آملاً وخائفاً، متفائلاً وقلقاً، المقصودُ منه أن يكونَ المؤمن في خوفٍ دائمٍ من طُغيان نفسه الأمّارة بالسوء، ومن أهوائه العنيدة، لكي لا يخرج الزّمام من يد العقل، وأن يعتمدَ على الله ويطمئنَّ إليه ويضع رجاءه فيه، فهو الذي يمدُّه بالعون دائماً. يقول علي بن الحسين عليه السلام في دعاء أبي حمزة المعروف: "مولاي إذا رأيت ذنوبي فزعت، وإذا رأيت كرمك طمعت"1. تلك هي النقطة التي رأيت أن أذكرها استطراداً.

 
معنى التَّقوى وحقيقتها:
يمكن أن نعرِفَ معنى التَّقوى وحقيقتها مما سبق ذكره في موضوع (التَّقوى لغوياً) من حيث المنظور الإسلامي، ولكن ينبغي لنا أن نزداد معرفةً بموارد استعمال هذه الكلمة في الآثار الدينية والإسلاميّة، حتّى يتبيَّن معنى التَّقوى. ولهذا الغرض نبدأ بهذه المقدمة:
إذا أراد الإنسان أن تكون له مبادئ في الحياة، وأن يتَّبع تلك المبادئ سواء أكانت تلك المبادئ قد أخذت من الدّين أم من أيِّ منبعٍ آخر، فإنّه لا مندوحةَ له عن السَّير وفق مسار يختطُّه لنفسه، لئلا يسودَ أعمالَه الهرجُ والمرج. فمن يريد أن يختط لنفسه مساراً، وأن يكون من ذوي المسلك والعقيدة والهدف الصحيح، لا بدّ له أنْ يقصدَ هدفاً وأنْ يسيرَ باتجاهه، وأنْ "يُحافظ" على نفسه من الأمور التي تتَّفق مع أهوائه ونزواته ولكنَّها تتنافى مع الأصول والأهداف التي اتَّخذها لنفسه.
 
وعليه، فإنَّ التَّقوى بمعناها العام لازمةٌ لحياة كل فرد يريد أن يكون إنساناً، وأن يحيا تحت حكم العقل، وأن يتَّبع قواعدَ معينة وأصولاً.
 
أمَّا التَّقوى الدِّينيَّة والإلهيّة فتعني: أن يُحافظَ الإنسان على نفسه وأن يصونها عن ارتكاب كلِّ ما يراه الدِّين، وتراه الأصول التي تبناها في الحياة، خطأً وإثماً، وفساداً وقبحاً.
 
إنَّ محافظة الإنسان على نفسه وصيانتها عن ارتكاب الإثم هي التَّقوى، ويمكن أن تكونَ 
 
 
 

1- مصباح الكفعمي، دعاء السحر، ص 588.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
102

92

التَّقوى

 على صورتين، أو بعبارةٍ أخرى، هنالك نوعان من التَّقوى: "التَّقوى التي تكون ضعفاً، والتَّقوى التي تكون قوّةً".

1- التَّقوى التي تستلزم الضّعف: الإنسان لكي يحفظ نفسه من ارتكاب المعاصي والأوزار، قد يهرب من موجباتها ويبتعد عن المحيط الآثم، فهو أشبه ما يكون بمن يريد المحافظة على صحّته، فيسعى لكي يصون نفسه من محيط المرض والجراثيم وما يوجب العدوى، فيتجنَّب مثلاً، البقاء في وسطٍ موبوءٍ بالملاريا، أو الاختلاط بالمصابين بالأمراض السارية.
2- التَّقوى التي تستلزم قوّة: هي أن يوجِد الإنسان في نفسه قوّةً تورثه مناعةً روحيّة وأخلاقية، بحيث إنّه إذا ما كان في محيطٍ تتوافرُ فيه موجبات المعصية والإثم، حالت تلك القوّة الروحيّة بينه وبين التلوّث بالإثم، ومنعته من ارتكابه، كالذي يتناول مصلاً كوقاية طبيّة تقيهِ من التعرّض للعدوى بجراثيم المرض.

إنَّ التصوّر الذي تحمله العامّة في عصرنا هذا عن التَّقوى هو النّوع الأوّل. فإذا قيل: إنَّ فلاناً من المتّقين تبادر إلى الذهن أنَّهُ إنسانٌ محتاط، قد اختار الانزواء، وابتعد بنفسه عن موارد الإثم والعصيان. وهذه هي التَّقوى التي قلنا إنَّها الضَّعف.
ولعلّ الذي حمل العامة على ذلك التصوّر هو أنّهم ترجموا لنا التَّقوى منذ البدء أنَّها (الاحتياط) و(التجنّب)، ومن ثمّ تدرَّج المعنى من تجنّب المعاصي إلى تجنّب المحيط الذي قد يؤدّي إلى ارتكاب المعاصي، ووصل هذا التدرّج في المعنى إلى حيث أخذت العامَّة تقرن التَّقوى بالانزواء والابتعاد عن المجتمع. وعندما ترد الآن هذه الكلمة في المحادثات العامة، تثير نوعاً من حالة الانقباض والتراجع.

سبق أن قلنا: إنَّه لكي تكون للإنسان حياة عقلية وإنسانية، عليه أنْ يتّبع أصولاً وعقائدَ معيَّنة، وفي هذه الحالة عليه أن يتجنَّبَ ما يتَّفق مع أهوائه ولا يتّفق مع أصوله العقائدية. وهذا كلّه لا يتطلَّب من الإنسان أن يجعل من تجنب المجتمع ديدناً له، بل الأفضل له -كما سيأتي تفصيل ذلك- أن يخلق في ذاته روح الوقاية (التقوى) لكي تحرسه وتُحافظ عليه وتصونه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
103

93

التَّقوى

 ويتَّفقُ أنْ يتناولَ الأدباءُ والشُّعراءُ في نثرهم، أو نظمهم معنى التَّقوى الضعيفة أثناء استخدامهم لكلمة "التَّقوى"، ومن ذلك قول سعدي في (گلستان):

بـديـدم عـابـدي در كـوهـسارى               قـنـاعـت كـرده از دنـيـا بـغـارى
چرا گفتـم بشـهـر أنـدر نيـائـى                كـه بـارى بنـد از دل بـركشـائـى
بگفت انجـا پريـرويـان نغـزنـد                چون كِل بسيار شـد بيـلان بلغـزنـد

ترجمة الشعر الفارسي:
(رأيـت عـابـداً فـي الجبـال                  قد قنـع مـن الدّنيا بغـار)
(قلت: لـم لا تدخـل المدينـة                 لكي تزيح عن قلبك القيود)
(فقال: هناك الجميلات شهيّات              وإذا كثر الطين زلّت الفيلة)

هذه هي تقوى حفظ النَّفس وصيانتها، التي هي الضّعف والخور، فإنِ ابتعدَ المرءُ عن المزلق ولم ينزلق فذلك ليس بطولةً، وإنّما البطولة في أن لا ينزلق في المحيط الزّلق.

وخذ مثلاً أيضاً، ما يقوله الشاعر بابا طاهر:
زدست ديده ودل هر دو فرياد هر                آنچه ديده بينده دل كند ياد
بسازم خنجرى نيشش زفولاد                     زنـم بر ديده تا دل كردد آزد

ترجمة الشعر الفارسي:
(آه مـن كـلا العيـن والـقلـب                   فما تره العين لا ينساه القلب)
(سأصنع خنجراً بنصل من فولاذ               فاطعن به العين ليتحرّر القلب)

فحيثما تنتقل العين يتبعها القلب، وهذا أمر لا شكّ فيه، لأنّ حبل القلب مشدودٌ بيد العين! ولكن هل العلاج يكون في القضاء على العين؟ أم أنَّ هناك وسيلة أفضل، وهي أن نزرع في القلب قوّة وإرادة، تحررانه من سيطرة العين وتسلّطها؟ إذا كان المطلوب لتحرير
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
104

94

التَّقوى

  القلب أن نصنع خنجراً من الفولاذ نطعن به العين، فلا بدّ كذلك من صنع خنجر آخر لطعن الأذن أيضاً! إذ أنَّ ما تسمعه الأذن يتذكره القلب كذلك. وهكذا سنحتاج إلى خناجر للحواس الأخرى من ذائقة ولامسة وشامة... وعندئذ يصبح الإنسان مصداقاً حقاً للقصّة التي يوردها مولوي عن الأسد بغير رأس وذنب وبطن.


الإكراه العَمليّ:
تشير كتب الأخلاق أحياناً إلى بعض القدامى الذين كانوا يملؤون أفواههم بالحصى لكي لا يرد على ألسنتهم شيء من اللغو أو الحرام في الكلام، أي إنَّهم كانوا يكرهون أنفسهم إكراهاً عملياً على تجنّب الزّلل. ولقد كانوا يضربون هذا مثلاً على نموذجٍ من التَّقوى الكاملة، على الرَّغم من أنَّ هذا الضّرب من الإكراه العملي لتجنّب الإثم لا يُعدُّ من الكمالات، فلئن وُهبنا حسنَ التَّوفيق هذا، واستطعنا به ألا نرتكب خطأً، فإنَّنا نكون، بالطبع، قد تجنَّبنا الإثم، إلا أنَّ النَّفس الأمَّارة في داخلنا تبقى كما هي، غير أنها تكون ذليلة لافتقارها إلى الوسيلة.

إنَّ الكمال هو أن يقدر الإنسانُ، بغير الإكراه العملي، وبوجود الأسباب والوسائل، أنْ يتجنَّب الإثم والمعصية.

إنَّ هذا النَّوع من اجتناب الإثم إذا اعتُبِر كمالاً، فإنَّما يعتبر كذلك من حيث كونه في المراحل الأولية لتقوية ملكة التَّقوى، وذلك لأنّ ملكة التَّقوى تتكوَّن في الإنسان بعد مراحل من الممارسة والتمارين السلبيّة، أما التَّقوى الحقيقيّة فغير هذه الأعمال. فالتَّقوى الحقيقيّة هي تلك الروح القوية، المقدّسة الرفيعة التي تُحافظ على الإنسان وتَقيه، وعلى المرء أن يسعى جاهداً لبلوغ ذاك المعنى وتلك الحقيقة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
105

95

التَّقوى

 التَّقوى في نهج البلاغة:

في الكتب الدينية، وعلى الأخص في (نهج البلاغة) حيث الاهتمام كبيرٌ بالتَّقوى، تردُ الكلمةُ لتعني تلك الكلمة المقدّسة التي تتَّصف بها الرُّوح، والتي تهبُ الرّوحَ القوَّةَ والقدرةَ، وتكبحُ جماحَ النَّفس الأمارة بالسّوء والمشاعر الجامحة، يقول الإمام علي عليه السلام: "إنَّ تقوَى الله حَمَتْ أوْلياءَ الله عن مَحارِمَهُ، وألْزَمتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافتَهُ، حَتَّى أسْهَرَتْ لَيالِيهِمْ وأظْمَأت هَواجِرهُمْ"1.
 
وههُنا وضوحٌ تامٌّ في استعمال التَّقوى على أنَّها تلك الحالة المعنويّةُ التي تحمي الإنسان من الإثم، والتي تجعل من مخافة الله أثراً من آثار التَّقوى، وبهذا ندرك أنَّ التَّقوى لا تعني الخوف، وإنما تجعل مخافة الله تلازم القلب. لقد قلت في البدء: أن ﴿اتّقوا الله﴾ لا تعني الخوف من الله.
 
وقد ورد في نهج البلاغة عن الإمام علي عليه السلام: "ذِمَّتي بما أقول رهينةً، وأنا به زعيمٌ، إنَّ من صرَّحتْ له العبر عمَّا بين يديه من المثلات حجزته التَّقوى عن تقحم الشُّبهات (إلى أن يقول) ألا وإنَّ الخطايا خيل شمُسٌ حُمِّلَ عليها راكبُها وخلعت لجمَها فتقحَّمتْ بهم في النار. ألا وإنَّ التَّقوى مطايا ذللٌ حُملَ عليها راكبها وأُعطوا أزمَّتها فأوردتهم الجنة".
 
هنا يعبّر عن التَّقوى بكلِّ وضوحٍ: أنَّها حالةٌ روحيّةٌ أو معنويّة، وهي ما نُعبّر عنه نحن بضبط النفس، أو امتلاك زِمامها.
 
وفي الوقت نفسه تتبين لنا في غضون ذلك حقيقةٌ كبرى، وهي أنَّ إطاعة الهوى وإلقاء العنان على غارب النَّفس، دليلٌ على ضعف الشَّخصية وجبنها، فالإنسان في هذه الحالة، من حيث إدارته لوجوده، أشبه بالضَّعيف الذي لا يملك إرادته واختياره وقد امتطى فرساً جموحاَ لا يستطيعُ لها كبحاً.
 
 
 

1- نهج البلاغة، خطبة 114.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
106

96

التَّقوى

 إنَّ التَّقوى وضبط النَّفس تقتضي مزيداً من قوّة الإرادة والشخصيّة المعنويّة والعقليَّة، كالفارس الماهر الذي يمتطي صهوةَ حصانٍ مدرّبٍ يأتمرُ بأوامر راكبه بيُسرٍ وسهولة.

 
إنَّ من يركب مطيَّة الهوى والشَّهوة والطّمع والحرص وطلب الجاه ولا همَّ له غيرها، يكون زمام الاختيار قد خرج من يده إلى يدها، فهو يجري خلفها كالمجنون، ولا سلطان للعقل والصلاح والتفكّر عليه. 
 
وأمَّا الذي يستند إلى التَّقوى ويركب مطيَّة ضبط النَّفس فإنَّه يمسك بيده زمام الاختيار، يوجهه حيثما يشاء، بكلِّ يُسرٍ ومن دون عناء.
 
وفي خطبة أخرى يقول الإمام علي عليه السلام: "فإنَّ التَّقوى في اليومِ الحْرزُ والجُنَّةُ وَفي غَيرِ الطَّريقِ إلى الجنَّةِ"1.
 
وهناك الكثير من أمثال هذه الأقوال في التَّقوى من ذلك قولُه عليه السلام أيضاً: "إنَّ التَّقوى دار حصن عزيز والفجور دار حصن ذليل لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه"2.
 
هذه نماذجُ تكشِفُ عن المعنى الحقيقي للتَّقوى في نظر الإسلام، وعمَّن هو جديرٌ بهذه الصّفة أن تُلصق به، وبناءً على ذلك، فالتَّقوى حالة روحية تكون للإنسان بمثابة حصن، وسياج، وحرز، وسلاح دفاعي، ومطية طيعة، أي إنها قوّة روحيّة ومعنويّة.
 
التَّقوى والحرية:
خلصنا في ما سبق إلى نتيجة أولية، وهي أنه ولكي يخرج الإنسان من الحياة الحيوانية إلى الحياة الإنسانية، عليه أن يتّبع قواعدَ معينة، ولكي يتّبع قواعد معينة، عليه أن يحدّد نفسه بإطار تلك القواعد، وأن لا يتعداه، وأن "يحافظ" على نفسه في قبال الأهواء والرغبات الآنيّة التي تحركه لكي يتجاوز حدود ذاك الإطار. 
 
إن اسم هذه "المحافظة على النفس" التي تستلزم اجتناب بعض الأمور، هو "التَّقوى"، ولا بدّ من القول: إنَّ التَّقوى ليست مقتصرة على المتديّنين الذي يصلّون ويصومون
 
 
 
 

1- نهج البلاغة، خطبة 189.
2- م.ن، خطبة 100.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
107

97

التَّقوى

  وحدهم، بل إنها من مستلزمات الإنسانية. فالإنسان الذي يريد أن يخرج من الحيوانية، ومن حياة الغاب، لا مندوحة له عن الاتّصاف بالتَّقوى.

 
إننا نجد في هذه الأيام أنهم يذكرون ما يسمونه بالتَّقوى الاجتماعية، أو التَّقوى السياسية، وأما ما للتّقوى الدينية من السمو والقدسية والمتانة فهو مختلف. والواقع، إنه لا يمكن إقامة تقوى ذات بناء مستحكم إلا على أساس من الدّين وحده. فبغير إيمان بالله متينٍ، لا يمكن إقامة بناءٍ قويٍّ ومستحكمٍ يوثق به. فقد جاء في الآية التي افتتحنا بها الكلام: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾1.
 
وعلى كلّ حالٍ، إنَّ التَّقوى، سواء أكانت دينيّة إلهيّة أم غيرها، لازمةٌ من لوازم الإنسانية وهي بذاتها تستدعي أنواعاً من التّرك والاجتناب.
 
إنّ الذين يألفون الحرية وينفرون من كلّ من يضع عليها الحدود والقيود، قد يحسبون إنّ التَّقوى واحدة من أعداء الحرية، وإنها قيد أعد لتكبيل البشر.
 
التَّقوى قيد أم صيانة؟
ينبغي الآن أن نؤكد إن التَّقوى ليست قيداً، بل هي صيانة، وحتّى لو أسميناها قيداً فهي قيد صائن.
 
ولنضرب لذلك بعض الأمثال: يبني المرء بيتاً، ويبني الغرف بأبواب وشبابيك متينة، ويبني سوراً يحيط بالبيت فلماذا كلّ هذا؟ لكي يقي نفسه من برد الشتاء وحرّ الصيف، ولكي يحفظ ممتلكاته في مكانٍ أمينٍ لا يصلُ إليه غيره. إنَّه يقيّد نفسه بحدود جدران أربعة. فماذا نُسمي هذا؟ فهل حدود البيت هي قيود تحد من حرّيته، أم إنها تصونه؟
 
إنّ التَّقوى للرّوح بمثابة البيت للحياة، وكالّلباس للجسد، بل إنّ القرآن نفسه يشبه التَّقوى بالّلباس، حيث جاء في سورة الأعراف، الآية 26، وبعد ذكر اللباس: ﴿وَلِبَاسُ التَّقوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.
 
 
 
 

1- التوبة، 109.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
108

98

التَّقوى

 ثم إننا نطلق صفة القيد على ما يحرم الإنسان من نعمةٍ أو سعادة، وأما الذي يدفع الخطر عن الإنسان ويصونه من المخاطر، فإنَّه الصّائن وليس القيد، وهكذا التَّقوى.

 
وتعبيرُ الصيانة هذا من التّعابير التي ترد في خطب أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول في واحدة من كلماته: "ألا فَصُونُوها وتصوَّنُوا بها"1.
 
ولأمير المؤمنين عليه السلام تعبيرٌ أرفع من هذا، حيث إنَّه لا يعتبرُ التَّقوى قيداً أو مانعاً من الحريّة فحسب، بل يراها علَّةَ الحرية الكبرى وداعيتها الأولى، يقول عليه السلام: "فإنَّ تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كلِّ ملكة، ونجاة من كلّ هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتنال الرَّغائب"2.
 
إن التَّقوى تمنح الإنسان، أوّل ما تمنح، مباشرة الحرية الأخلاقية والمعنوية، وتعتقه من ربقة العبودية للرغبة والهوى، وترفع عن رقبته سلاسل الحرص والطمع والحسد والشهوة والغضب. وهي كذلك، وبطريق غير مباشر، تُحرّر الإنسان في حياته الاجتماعية.
 
إنَّ العبودية الاجتماعية وليدة العبودية المعنويَّة، فمن كان عبداً مطيعاً للمقام والجاه، لا يستطيع أن يحيا حياة اجتماعية حرة، وههنا يصح انطباق قوله عليه السلام: "وعتق من كلّ ملكة". وعلى هذا، فالتَّقوى ليست قيداً وتحديداً، بل هي الحريّة نفسها.
 
التَّقوى الحارسة:
قد يصبح ما قيل عن التَّقوى من أنها حرزٌ وحصنٌ وحافظٌ وحارسٌ، سبباً في إصابة بعضهم بالغرور والغفلة، فيحسب المتّقي نفسه معصوماً من الخطأ، فلا يعود يلتفت إلى الأخطار التي تزلزل بنيان التَّقوى وتهدّه.
 
ولكن الحقيقة هي أنَّ للتّقوى، مهما تكن مكينةً، أخطاراً تتهدّدها، وعلى الإنسان، في الوقت الذي يعيش فيه في حمى التَّقوى وحراستها، أن يحميها ويحرسها. وليس هذا من باب تبادل (الأدوار)، إذ من الطبيعي أن نحافظ على ما يُحافظ علينا، مْثِل مَثَلِ الّلباس
 
 
 
 

1- نهج البلاغة، خطبة191.
2- م.ن، خطبة228.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
109

99

التَّقوى

  الذي ضربناه. فالّلباس الذي يصون جسم الإنسان ويحفظه من المحيط الخارجي حراً وبرداً، علينا أن نَصونَه ونُحافِظَ عليه من اللصوص. 

 
يُشير أمير المؤمنين عليه السلام في جملةٍ واحدةٍ إلى هاتين الوظيفتين، إذ يقول: "ألا فَصُونُوها وتصوَّنُوا بها"1. فإذا سُئلنا إن كانت التَّقوى هي التي تحافظ علينا أو أننا نحن الذين يجب أن نحافظ عليها؟ نقول: كلاهما، وهذا مثل السؤال عمّا إذا كان علينا أن نستعين بالتَّقوى للتقرب إلى الله، أم إن علينا أن نستعين بالله لبلوغ مرحلة التَّقوى؟ نقول: كلاهما، فبالتَّقوى نتقرَّبُ إلى الله، وبالله نستعين لكي يوفِّقنا للتَّقوى، يقولُ أمير المؤمنين عليه السلام: "أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنَّها حقّ عليكم والموجبة على الله حقكم وأن تستعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله"2.
 
وعليه، فلا بدّ من التنبيه إلى الأخطار التي تُزلزل كيان التَّقوى، إذ نرى في بعض الأحيان أن التَّقوى تَحول بين المرء وكثيرٍ من المعاصي، ولكنّها بالنسبة إلى معاصٍ أخرى ذوات الجاذبية الأقوى، لا تبلغ تلك المرحلة من الصيانة.
فمثلاً، لا نجد في المقررات الدينية أن الاختلاء حرامٌ بوسائل شرب الخمر. فليس ثمة ما يمنع، مثلاً، المرء من أن يبيت في بيتٍ خالٍ يستطيع فيه أن يشربَ الخمر، والعياذ بالله، دون مانعٍ ولا رادع. ولكن الإيمان والتَّقوى وحدهما اللذان يحولان بينه وبين ذلك. 
 
وأما في حالة الغريزة الجنسية، مثلاً، التي هي ذات الجاذبية الأقوى، والإثارة الأشدّ في النفس البشرية، فقد جردت التَّقوى من تلك الضمانة والحصانة، إذ يمنع الاختلاء مع ما قد يسبب التجاوز على العِفَّة، لأن الغريزة الجنسية هي من تلك الأخطار التي تستطيع أحياناً أن تخترق الحصار الذي يضرب حولها، مهما يكن منيعاً مستحكماً.
 
أثر التَّقوى وقيمتها:
ثمة موضوع آخر: هو قيمة التَّقوى وأثرها. فبصرف النظر عمّا للتقوى من أثر في حياة 
 
 
 

1- م.ن، خطبة191.
2- م.ن، 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
110

100

التَّقوى

 الإنسان الأخروية، وكونها الطريق الوحيد للنجاة من الشقاء الأبدي، فإنّ لها في حياة الإنسان الدنيوية أثراً وقيمة كبيرين، وأمير المؤمنين عليه السلام الذي يستند في تعاليمه أكثر من غيره على التَّقوى والترغيب فيها، يورد الكثير من آثارها، ويعطي لفوائدها أحياناً عموميةً عجيبة، ومن ذلك قوله: "عتق من كلِّ ملكة، ونجاة كلِّ هلكة".

 
وفي الوقت نفسه يقول عنها إنَّها: "دواء داء قلوبكم وشفاء مرض أجسادكم وصلاح فساد صدوركم وطهور دنس نفوسكم"1.
 
يجمع الإمام علي عليه السلام آلام البشر وابتلاءاتهم في مكان واحد، ويرى التَّقوى تنفعُ فيها جميعاً. وفي الحقيقة لو أننا لم ننظر إلى التَّقوى من جانبها السلبي، من حيث الابتعاد والتجنّب، بل لو عرّفناها كما عرّفها علي عليه السلام ، لما وسعنا إلا أن نعترف بأنها واحدة من أركان حياة الإنسان، فرداً كان أم في المجتمع، ولولاها لتزلزلت أركان الحياة.
 
تتضح قيمة شيء ما بمعرفة ما إذا كان هناك ما يمكن أن يقوم مقامه أم لا، إن التَّقوى حقيقة من حقائق الحياة، لأنَّ شيئاً آخرَ لا يقوم مقامها، لا القوَّة، ولا كثرة القوانين، ولا أي شيء آخر.
 
بين التقوى والقوانين المعاصرة:
إن من ابتلاءات عصرنا الحاضر: هو موضوع كثرة القوانين والقرارات وتوالي تغييرها وتبديلها، فهم ما فتئوا يضعون القوانين المتتالية لأغراض خاصة، ويُصدرون القرارات والتشريعات، ثم يرون أنهم لم يبلغوا ما يريدون، فيغيّرون القوانين، أو يضعون لها الذيول، ويضيفون المواد ومع ذلك لا يحصل المطلوب. إنَّ مما لا شكّ فيه هو أنَّ القانون، بدوره، حقيقةٌ من حقائق الحياة، فضلاً عن القوانين الإلهية الكلية، يحتاج البشر إلى سلسلة من القوانين والقرارات المدنية.
 
ولكن، ترى هل يمكن إصلاح المجتمع بمجرد وضع القوانين وتكثيرها؟ إن من وظيفة القانون أن يضع الحدود. ولا بدّ أن يملك الناس القدرة والإرادة على احترام تلك الحدود،
 
 
 
 

1- م.ن، خطبة 198.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
111

101

التَّقوى

  تلكم هي ما أطلقوا عليها اسم التَّقوى، يقولون: ينبغي احترام القانون، وهذا صحيح، ولكن ما لم نحترم مبادئ التَّقوى، هل يجوز الكلام على احترام القانون؟


لنضرب بعض الأمثلة من الموضوعات المعاصرة:
في عصرنا هذا، كما تعلمون، عدد من المشكلات تطرح على صعيد رسمي، وتناشد الصحافة الناس أن يبدوا آراءهم بشأنها، ويقترحوا الحلول لها. ومن جملة تلك المشكلات المُلحَّة التي تطرح في هذه الأيام هي مشكلة تزايد حوادث الطلاق، ومسألة أخرى هي مسألة إصلاح الانتخابات، ومسألة ثالثة هي مسألة القيادة.

لست أزعم أنني مطلَّع على أسباب تزايد الطلاق وأنني أستطيع تبيانها، إذ لا شكّ في أنّ هنالك عوامل اجتماعية كثيرة. ولكن الذي أعلمه هو أنّ العامل الرئيس في ازدياد حوادث الطلاق هو غياب عنصر التَّقوى، فلو لم يضعف ميزان التَّقوى بين النَّاس، ولم تُفتقدْ الرَّوابط بين النَّساء والرجال، لما ازداد الطلاق بينهم. 

لا شكّ أنَّ النواقص في الحياة القديمة كانت أكثر، والمشكلات فيها أعمّ، وأنَّ المشكلات التي تواجه الأسرة اليوم أكثر في السابق، ولكن عنصر الإيمان والتَّقوى كان يحلّ كثيراً من المشكلات في السابق، وهذا ما أضعناه اليوم.

وعلى الرغم من أن وسائل العيش المرفَّهِ اليوم أكثرَ توافراً من ذي قبل، فإنَّ المشكلات التي نواجهها أكثر. وعلى هذا نسعى لحلِّ مشكلة تزايد الطَّلاق عن طريق زيادة القيود القانونية على النساء والرجال، وعن طريق المحاكم، والسلطة التنفيذية، وتغيير القوانين أو تعديلها، وما إلى ذلك، وهذا أمر لن يحقّق الهدف.

وفي موضوع الانتخابات يرى بعضهم أن علَّة فساد الانتخابات هي نقص قانون الانتخابات الذي وُضع قبل نصف قرن، والذي لا يتلاءم ومقتضيات العصر.

وأنا لست بصدد الدِّفاع عن قانون الانتخابات، ففيه كثيرٌ من النَّواقص حتماً، ولكن تُرى هل إنَّ سير الناس على ما يقوله القانون هو علَّة الفساد؟ أم أنَّ علَّة الفساد هي عدم تطبيق حتى هذا القانون نفسه؟ فما من أحد يضع لنفسه حدّاً ولا يعترف لغيره بحق. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
112

102

التَّقوى

 هل يجيز هذا القانون أن يدخل شخص مدينة لم يَرَهُ أهلها من قبل ولا يعرفونه، ولم يسمعوا باسمه أبداً، فيقول مستنداً إلى القوة الغاشمة: أنا ممثلكم، رضيتم أم أبيتم؟ إنّ مفاسد من هذا القبيل لا يمكن إزالتها بالإكثار من القوانين، أو بتعديلها أو بتبدلها. إنّ الطريق الصحيح ينحصر في وعي الناس وإيمانهم وتقواهم.


وفي موضوع القيادة، هل أن العيب في سرعة القيادة ومخالفة الناس قوانين المرور هو في قلّة هذه القوانين، أم في شيء آخر؟

إنَّ في الدّنيا اليوم مشكلاتٌ اجتماعيةٌ كثيرةٌ تلفت الانتباه قليلاً أو كثيراً، ولطالما تطرح التساؤلات: لماذا تتزايد حوادث الطلاق؟ لماذا تكثر جرائم القتل والسّرقة وغيرهما؟ لماذا تفشَّى الغشُّ والخداع في معاملاتنا التجارية في السوق عموماً؟ لماذا انتشرت الفحشاء؟ وأمثالها. لا بدّ من اعتبار أن ضعف قوّة الإيمان وانهيار سياج التَّقوى من أهم العوامل المؤدّية إلى هذه المفاسد.

والأعجب من ذلك أن بعضهم لا ينفك يطرح هذه التساؤلات، ويكتب عنها، ولكنه لافتقاره هو نفسه إلى عامل الإيمان والتَّقوى، يتذرّع بأسباب وعوامل مختلفة ليجتثّ أصول هذه التساؤلات من روح الناس، ويقودهم إلى الهرج والمرج الأخلاقي، وهدم بناء التَّقوى، والقضاء على الحصانة التَّقَوية. 

فإذا لم يكن ثمة إيمان، ولا تقوى إلهية، والعياذ بالله، فقد يقول الطرف الآخر: لماذا لا أسرق؟ لماذا لا أقتل؟ لماذا لا أغش؟ لماذا؟ لماذا؟

التَّقوى والصحة:
قال أمير المؤمنين عليه السلام عن التَّقوى إنَّها: "شفاء مرض أجسادكم" ولعلّه يخطر لكم أن تسألوا: ما الرابط بين التَّقوى -وهي أمر روحي ومعنوي- وسلامة الجسم؟ نقول: ليست التَّقوى بالطَّبع قرص دواء تبتلعه ولا مرهماً تتدواى به، ولكنَّك إن افتقدت التَّقوى فقد افتقدت المستشفى الجيّد والطبيب الجيّد، والممرض الجيد، والدواء الجيد. ومن دون التَّقوى لا يقدر المرء على الحفاظ على سلامته وصحته. إن الإنسان التقيّ المقتنع
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
113

103

التَّقوى

  بحدوده، الراضي بحقوقه، يملك روحاً أكثر اطمئناناً وأعصاباً أهدأ، وقلباً أسلم، لا تشغله الأطماع فيفكّر مثلاً: ماذا يأخذ، وماذا يغتصب، وماذا يسرق، ولا يعذّبه الانغماس في الشهوة. وهذا المتّقي سوف يطول عمره، لأن سلامة الجسم، وسلامة الروح، والسلامة الاجتماعية ترتبط جميعها بالتَّقوى.

 
بقي عندي موضوعان مهمان آخران، أحدهما: هو تأثير التَّقوى في تنوير البصيرة والقلب كما جاء في الآية الكريمة: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾1. وهذا يعني البصيرة، وإنها من آثار التَّقوى، ويمكن القول: إنَّ هذا هو المدخل إلى السلوك العرفاني.
 
والثاني من آثار التَّقوى الأخرى: هو أنها تُزيل عن التقي كل خوف ومضايقة، كما جاء في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾2.
 
 
 

1- الأنفال، 29.
2- الطلاق، 2- 3.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
114

104

آثار التَّقوى

 آثار التَّقوى

وعدتكم في الكلمة السابقة أن أحدّثكم عن أثرين مهمّين للتقوى وردا في القرآن المجيد، وقلت: إنَّ هذين الأثرين هما:
أولاً: البصيرة والتبصّر، حيث ورد في القرآن: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾1.
 
فالله يهب المتّقي موهبة التمييز والتشخيص. وفي آية أخرى يُخرجه من المشكلات، ويحلّ له العقد، ويوسع عليه كل ضيق، فيقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾2 أي: إنَّ الله يهدي المتّقين إلى طريق الخروج من الشدائد والصعاب. وفي السورة نفسها يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾3، أي: يسهل له أموره.
 
التَّقوى والبصيرة:
إن كون التّقوى ملازمة للبصيرة والعكس، ليس أمراً تحكيه الآيات القرآنية فحسب، بل هو من منطق الإسلام المسلّم به، وفي الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن الأئمة الأطهار عليه السلام يرد ذكر هذا الموضوع كثيراً. ولقد قلت في حديثي السابق: إنَّ هذا الموضوع هو المدخل إلى السير العرفاني.
 
ففي نهاية آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى...﴾4 وهي أطول آية في القرآن، ترد جملة ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾5، وهذه الجملة يتمسَّك بها الذين ينحون منحىً صوفياً (عرفانياً)، ويقولون: إنَّ مجيء هاتين الجملتين متعاقبتين
 
 
 

1- الأنفال، 29.
2- الطلاق، 2. 
3- الطلاق، 4. 
4- البقرة، 282.
5- م.ن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
115

105

آثار التَّقوى

 دلالةً على أن للتّقوى أثرها في أن يكون الإنسان موضع إفاضة علم الله.

 
ولقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "جاهدوا أنفسكم على أهوائكم تحلّ قلوبَكم الحكمة"1، وثمة حديث نبوي آخر لا أتذكر أنني صادفته بنصه في كتب الحديث، ولكنه مشهور ووارد في سائر الكتب الأخرى، جاء فيه: "مَنْ أَخْلَصَ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ"2.
 
وهذا المضمون نفسه، وإن لم يكن بالألفاظ نفسها، يرد في (أصول الكافي)، في باب الإخلاص، عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: "ما أخلص العبد الإيمان بالله عزّ وجلّ أربعين يوما أو قال ما أجمل عبد ذكر الله عزّ وجلّ أربعين يوما إلا زهّده الله عزّ وجلّ في الدّنيا وبصّره داءها ودواءها فأثبت الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه‏"3.
 
وللشاعر حافظ بيتان من الشعر يرد فيهما هذا المعنى، إذ يقول:
شـنـيـدم رهـروى در سـر زمـينـي                  همى گفت اين معما باقرينى
كه اى صوفى شراب آنگه شود صاف              كه در شيشه بماند أربعينـى
 
ترجمة الشعر الفارسي:
(سمعـت سـائـحـاً فـي الـبلاد                     لا يفتأ يقـول هذا اللّغـز لقـرينه)
(يا أيها الصوفي، الخمر لا تصفو                إلا إذا بقيت في الزجاجة أربعينا)
 
جاء في تفسير الميزان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لولا تكثير في كلامكم وتمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى ولسمعتم ما أسمع"4. و"التمريج": من "مرج" بمعنى الأرض العاشبة ذات العلف التي لا يمنع عنها مختلف الحيوان للرعي، فالمقصود هو أن قلوبكم أشبه بتلك المراعي المفتوحة التي تسرح فيها كل أنواع الحيوانات، دون سياج أو باب يحول بينها وبين ذلك.
 
 
 

1- الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، دار الحديث، قم، إيران، الطبعة الأولى، 1996م، ج1، ص 455.
2- بحار الأنوار، ج53، ص326.
3- الكافي، ج2، ص16.
4- تفسير الميزان، ج5، ص270.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
116

106

آثار التَّقوى

 وفي حديث آخر للإمام الصادق عليه السلام يقول: "لولا أن الشَّياطين يحومون حول قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السَّماوات"1.

 
إن أمثال هذه الأحاديث كثيرة في أحاديثنا الدينية، وهي تنظر إلى التَّقوى والتطهُّر من الإثم كسببٍ من أسباب التبصُّر، وتشير إلى ذلك إمّا مباشرةً أو تلميحاً، كأنْ تشير إلى تأثير اتباع الهوى والابتعاد عن التَّقوى في ظلام الرُّوح وسواد القلب وانطفاءِ نور العقل.

 
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "من عشق شيئاً أعشى بصره، وأمرض قلبه"2.
 
ويقول عليه السلام: "عجب المرء بنفسه أحد حسَّاد عقله"3.
 
ويقول: "أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع"4.
 
إن هذا المنطق أمر مسلم به في المعارف الإسلامية، كما أنَّه يظهر في الآداب الإسلامية، العربية والفارسية، فقد اقتبسه الأدباء والفضلاء واستعملوه، ويمكن القول: إنَّ هذا المنطق يعد واحداً من دعائم الأدب الإسلامي، وعلى سبيل المثال نذكر قصيدة أبي الفتح البستي النونية5 المعروفة:
زيادة المرء في دنياه نقصان                        وربحه غير محض الخير خسرانُ
وكل وجدانِ حظٍ لا ثبات له                         فإن معناه في التحقيق فقدانُ
فكن على الخير معواناً لذي أمل                    يرجو نداك فإن الحرّ معوانُ
من كان للخير منَّاعاً فليس له                       على الحقيقة أخوان وأخدانُ
أحْسِنْ إلى الناس تستعبدْ قلوبهم                     فطالما استبعدَ الإنسانَ إحسانُ
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج56، ص 162.
2- نهج البلاغة، خطبة 107.
3- نهج البلاغة، خطبة 312.
4- نهج البلاغة، خطبة 219.
5- هو محمد بن علي البستي من بلال الأفغان، من شعراء القرن الرابع، كان كاتباً في بلاد الدولة الغزنوية. ومن أشهر قصائده قافيته النونية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
117

107

آثار التَّقوى

 أما البيت الذي كنت أريد الاستشهاد به فهو:

هما رضيعا لبـانٍ حكمــة وتقى                      وساكنا وطنٍ: مالٌ وطغيانُ
 
ولسعدي أيضاً كثير مثل ذلك، منه ما يقول فيه:
حقيقت سرائى است آراسته                        هواه وهوس گرد برخاسته
نبينى كه هر جا برخاست گرد                     نبيند نظر گرچه بيناست مرد
 
ترجمة الشعر الفارسي:
(الحقيقـة منـزل مزيـن                        والأهــواء غـــبـار ثـــائـر)
(ألا ترى حيثما قام الغبار                    لا ترى العين وإن كانت مبصرة)
 
ويقول في كلستانه1.
بدوزد شره ديده هوشمند در آرد طمع مرغ وماهى ببيند
 
ترجمة الشعر الفارسي:
(يخيط الشره عين الذكي                     والطمع يلقي الطير والسمك في الشباك)
 
ويقول حافظ:
جمال يار ندارد نقاب وپرده ولى                   غبار ره بنشان تا نظر توانى كرد
 
ترجمة الشعر الفارسي:
(جمال الحبيب لا يستره نقاب أو ستار                   ولكن سكِّن غبار الطريق لكي ترى)
 
إن الآداب العربية والفارسية مليئة بأمثال هذه التعابير البيانية. وعليه فإنَّ هذا أمرٌ مسلَّمٌ به من حيث الدّين الإسلامي والثقافة الإسلامية.
 
 
 

1- ويقصد به ديوان حافظ الشيرازي المعروف بـ (گلستان حافظ).

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
118

108

آثار التَّقوى

 كيف نربط بين البصيرة والتقوى؟

بقي علينا أن نعالج أمراً بالمنطق العلمي والفلسفي، لنرى ما الذي يربط بين التَّقوى والبصيرة؟ كيف يمكن أن يكون للتّقوى، وهي فضيلة أخلاقية تتعلّق بسلوك الإنسان، أثرٌ في جهاز عقل الإنسان وفكره وقدرته على الفصل والقضاء، وتهيّئ للإنسان أن ينال من الحكمة ما لا يناله من دون التَّقوى؟

إنني ألاحظ على وجه الخصوص أن الكثيرين من الناس لا يصدّقون صحة هذا الأمر، ويحسبونه من باب التخيّل، وأنّه لا قيمة له عدا ما للشعر والخيال من قيمة.

أتذكَّرُ أنني قبل بضع سنين كنت أطالع كتاباً لواحد ممن يؤيّدون الفلسفة المادّية، وكان يهاجم هذه الفكرة بالذات ويسخر منها. كان يقول: وهل التَّقوى وجهاد النفس مِبْرَد أو ورق صقل حتى تجعل الروح ناعمة صقيلة؟

التَّقوى والحكمة العملية:
إنّ الحكمة التي نقول إنَّها وليدة التَّقوى، وتلك البصيرة المميّزة التي يختصّ بها المتّقون، إنّما هما حكمة وبصيرة عمليتان. يقسّم الحكماء العقل إلى قسمين: العقل النظري، والعقل العملي.

وليس المقصود، بالطبع إنَّ هناك في امرئ قوّتين عاقلتين، بل المقصود هو أن للقوّة العاقلة نوعين من نتاج التفكير يختلفان عن بعضهما من حيث الأساس، وهما الأفكار والآراء النظريّة، والأفكار والآراء العملية.

لسنا الآن في معرض الكلام عن البحث الفلسفي المتعلِّق بالفرق بين الأفكار والآراء النظريّة والعملية، لأنّ ذلك يستلزم من الوقت ما يستغرق محاضرةً خاصّةً، ولكننا نقول بصورةٍ مجملة: 
- إنَّ العقل النظري هو الذي تبنى عليه العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفة الإلهية، فهذه العلوم كلها تشترك في كون العقل يقوم فيها بإصدار الحكم والقضاء في واقعياتها؛ هل إنَّ الشيء الفلاني هو هكذا أم هكذا؟ وهل له هذا الأثر أم لا؟ وهل لهذا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
119

109

آثار التَّقوى

  المعنى حقيقة أم لا حقيقة له؟ 

- أما العقل العملي فهو الذي تبنى عليه العلوم الحياتية والعلوم الأخلاقية، وعلى حدّ قول القدماء، هو أساس علم الأخلاق وتدبير المنزل، وسياسة المدن. فالحكم في قضية واقعية، إن كانت كذا أو كذا، ليس من عمل العقل العملي، إنما مجال عمله هو الحكم فيما إذا كان عليَّ أن أعمل هذا العمل أو أن أعمل ذاك، وهل أعمله هكذا أم هكذا؟ العقل العملي هو الذي يحدّد لنا الصالح والطالح، الحسن والقبيح، ما ينبغي وما لا ينبغي، والأمر والنهي، وما إلى ذلك.

إنّ المسير الذي يختاره الإنسان في حياته يرتبط بطراز اشتغال العقل العملي وحكمه، ولا يتعلّق هذا بالعقل النّظري تعلّقاً مباشراً.

إنّ ما يقال في الكتب الدّينية عن أنّ التَّقوى تنوِّر العقلَ وتفتح باب الحكمة على الإنسان، فإنَّه يتعلّق بالعقل العملي، أي إنّ الإنسان يكون جرّاء التَّقوى أقدر على معرفة دائه ودوائه، وأبصر في اختيار سبيله في الحياة، وليس هذا من خصائص العقل النظري، ولا أعني إن للتّقوى تأثيرها في العقل النظري بحيث إن صاحب التَّقوى يكون أقدر على فهم الدروس الرياضية والطبيعية وحلّ مشكلاتها. وحتى في الفلسفة الإلهية، من حيث جانبها الفلسفي المتعلّق بالمنطق والاستدلال، وسعيها للقيام بعمليات استدلالية ووضع المقدمات العقلية للتوصل إلى نتائجها، فإن الأمر كذلك.

هنالك نوع آخر من المعارف الربوبية التي يكون فيها للتّقوى والطهارة والمجاهدة أثرها، ولكن ليس فيها للعقل النظري ولا للاستدلال والفلسفة والمنطق وترتيب المقدمات للمسيرة الفكرية من النتيجة إلى المقدمة ومن المقدمة إلى النَّتيجة، أيّ أثر.
والمحصّل، هو أنَّ التَّقوى التي تزيد الحكمة والبصيرة ليست من المسائل النَّظرية والعقل النظري. ولعلَّ السَّبب في أنَّ بعضهم يصعب عليه قبول هذا القول هو أنَّه يربطه بحدود العقل النَّظري التي يتوسّع فيها. أمَّا من حيث العقل العملي فإنَّه لكذلك.
ويمكن القول: إنَّ التجربة، قبل كلّ استدلال، هي الدليل عليه، لا شك أنّ للتقوى والطهارة 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
120

110

آثار التَّقوى

 وترويض النّفس الأمَّارة أثراً في البصيرة ومساعدة العقل، ولكن ليس بمعنى أنَّ العقل هو المصباح وإنَّ التَّقوى هي الزّينة، أو إنّ جهاز العقل يكون أشبه بمولِّدٍ كهربائيٍّ ذي طاقةٍ معيَّنة، فتأتي التَّقوى لتزيد تلك الطاقة من حيث كميّتها.

 
كلا، ليس الأمر كهذا، بل هو شيء آخر، وللتوضيح نقول:
يقول الإمام علي عليه السلام: "أصدقاؤك ثلاثة، وأعداؤك ثلاثة. فأصدقاؤك: صديقك، وصديق صديقك، عدو عدوَّك. وأعداؤك: عدوّك، وعدوّ صديقك، وصديق عدوِّك"1.
 
كان غرضي من نقل هذا الكلام هو أنَّ أحد أنواع الأصدقاء هو عدوّ العدو، وسبب اعتباره كذلك هو أنَّه يُضعف العدو ويشلّه، وبذلك يعينك عليه. 
 
إنّ هذه القاعدة التي تصحّ في الأفراد، تصحّ في قوى الإنسان المعنوية. إنَّ هذه القوى تؤثِّر بعضها في بعض، ويكون لها أحياناً تأثيرٌ مخالفٌ يزيل مفعولها. وهذا ما لا يمكن إنكاره، فقد تنبّه الناس، قديماً وحديثاً، إلى التضاد بين قوى الإنسان، ولهذا قصّته المفصلة.
 
سرّ تأثير التَّقوى في البصيرة:
إنّ من الحالات التي تؤثر في العقل العملي عند الإنسان، أي في طراز التفكير العملي الذي يدل الإنسان على الحسن والسيّء، الخير والشر، الصحيح والغلط، اللازم وغير اللازم، الوظيفة والتكليف، ما ينبغي الآن وما لا ينبغي، وأمثالها من المعاني، هي طغيان الهوى والأطماع ومشاعر الحقد والتعصّب وأمثالها. وذلك لأنَّ ميدانَ عمل العقل العمليِّ عند الإنسان هو ميدانُ المشاعر والأهواء والشَّهوات نفسه، فلو خرجت هذه الأمور عن حدِّ الاعتدال، وغدا الإنسان محكوماً لها، لا حاكماً عليها، عندئذ تصدر أوامرها في قبال أوامر العقل، وبإزاء نداء العقل تصرخ في هياج، فلا يعود الإنسان يسمع نداء عقله، إذ يثار أمام سراج العقل الغبار والدُّخان بحيث لا يستطيع سراج العقل أن ينفذَ بنوره. 
إنَّنا الآن في هذا الجو نتكلَّمُ ونسمع ونرى بوضوحٍ لأنَّ أحدنا هو الذي يتكلم والآخرون ساكتون يسمعون، والمصابيح تنشر نورها في كل الأرجاء دون حائل لصفاء الجوّ وشفافيته.
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج64، ص195.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
121

111

آثار التَّقوى

 ولكن لو أنّ الآخرين أخذ كل منهم يتكلّم مع المتكلّم أو يغنّي بأعلى صوته، فلا شك في أن المتكلّم نفسه لن يستطيع سماع ما يقول، ولو امتلأ جو المكان بالدُّخان والغبار لما استطاع أحدٌ رؤيةَ أحد، كما يقول الشاعر:

چون غرض آمد هنر بوشيده شد                  صد حجاب از دل بسوى ديده شد
 
ترجمة الشعر الفارسي:
(وإذ جاء الغرض أخفي الفن                    وأسدل مئة حجاب من القلب على العين)
 
ولنضرب لذلك مثلاً: طالب وهو عائد من المدرسة، يفكر في نفسه أنه يجب أن يراجع دروسه، فعليه أن يجلس ساعاتٍ عديدةً يقرأ ويكتب، إذ لا شكّ أنَّ اللامبالاة والكسلَ يؤدِّيان إلى الرّسوب والجهل والتأخر وآلاف أخرى من المصائب. 
 
وبإزاء هذا النّداء قد يعلو نداءٌ آخر ينبعث من الشّهوة والرّغبة في اللهو واللعب مع الأصدقاء، الأمر الذي لا يدعه مستريح البال. فمن البديهي ألا يستمع الطالب إلى نداء عقله إذا كان هذا النداء الآخر أقوى وأشد إلحاحاً عليه، فيلوي كشحاً عن سراج الفطرة، ويقول لنفسه: فلنذهب للترويح عن النفس، ومن ثم نرى ما يكون. وعليه، يكون وجود أمثال هذه الأهواء في النفس ما يضعف تأثير العقل ويمحوه. 
 
وبعبارة أخرى تناصب هذه الأهواء العقل العداء، وقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "الهوى عدوّ العقل"1. ويقول الإمام علي عليه السلام في العجب والزهو: "عجب المرء بنفسه أحد حسَّاد عقله"2. وقال عليه السلام في الطمع: "أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع"3.
 
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله"4.
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج1، ص130.
2- م.ن، ج69، ص317.
3- م.ن، ج70، ص170.
4- الكافي، ج1، ص11.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
122

112

آثار التَّقوى

 فبالعقل يمكن الدفاع ضد كل عدو. فإذا ظهر عدو استطاع أن يسرق العقل، فهذا أخطر الأعداء. وفي هذا يقول الشاعر صائب التبريزي شعراً يكاد يترجم هذا الحديث النبوي:

بستر راحت چه اندازيم بهر خواب خويش ما كه دل دشمني داريم در بهلوى خويش

ترجمة الشعر الفارسي:
ما إعدادنا لفراش الراحة لأنفسنا                         وبين جنبينا قلبٌ عدوٌّ لأنفسنا)

إذاً، لا بدَّ من الانتباه إلى أنَّ الحالات والقوى المعنويَّة في الإنسان، وبحكم تضادها والتزاحم في ما بينها، يكون تأثير كلٍّ منها مناقضاً لتأثير الأخرى، وقد يلغيه. وبعبارة أخرى، إنَّ الواحدة منها تعادي الأخرى، ومن ذلك عداء الهوى للعقل.

ومن هنا يتّضح معنى القول: إنَّ التَّقوى تقوّي العقل وتزيد في قوة البصيرة. فالتَّقوى ليست مبرداً، ولا هي أداة صقل، ولا زيت سراج. إن التَّقوى عدوة عدوِّ العقل، وهي من النَّوع الثَّالث من الصَّداقة التي أشار إليها عليها السلام.

فالتَّقوى تكبح جماح الهوى الذي هو عدو العقل، فتمنعه من إلغاء حكم العقل، وإثارة الغبار والدخان في وجهه. وما أجمل قول مولوي:
حس ها وانـديشه بـر آب صفـا                       همچـو خـس بگرفتـه روى آب را
بس خس انبه بودبر چون حباب                      خس چه يكسو رفت بيدا گشت آب
چون كه تقوا بست دو دست هوا                     حق گشـايد هر دو دسـت عقـل را

ترجمة الشعر الفارسي:
(إن الأحاسيس والرغبات فوق صفاء النفس                   تغطيها، كالقش إذ يغطّي سطح الماء)
(كـثـرة القـشّ كـانت كالـحـبـاب                               وإذا انزاح القشّ جانباً بدا الماء)
(كذلك إذا قيّدت التَّقوى يدي الهوى                            يفكّ الحق من العقل كلتي يديه)
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
123

113

آثار التَّقوى

 الإنسان وإتباعه الهوى:

يتّضح من ذلك أنّ للتّقوى أثرها في نمط التفكير، وفي نمط إصدار الأحكام عند الإنسان. إلَّا أنَّ أثرها هو الوقوف بوجه العدو، بحيث تكون يد العقل طليقةً حرَّة: "فإنّ تقوى الله مفتاح سداد وذخيرة معاد وعتق من كلّ ملكة ونجاة من كلّ هلكة بها ينجح الطّالب وينجو الهارب وتنال الرّغائب"1.
 
يضع الحكماء لهذا النوع من التأثير غير المباشر اصطلاح "الفاعل العرضي"، ويقولون: إنَّ الفاعل إما أن يكون فاعلاً بالذات، أو فاعلاً بالعرض. والفاعل بالذات، هو الفاعل الذي يكون تأثيره صادراً عن ذاته مباشرة. والفاعل بالعرض، هو الفاعل الذي يكون تأثيره سبباً في إيجاد علّة، وهذه تكون علّة عمل آخر، كأن تزيل مانعاً كان يحول دون قيام العلّة الأولى بإيصال تأثيرها، ولكن البشر يكتفي بهذا لينسب الأثر إلى العلة المزيلة للمانع.
 
ولو أنّ الإنسان شكّ في كلِّ الأمور فإنَّه لن يشكّ في أنّ انفعالاتٍ كالغضب، والشَّهوة، والطَّمع والحسد، والتعصُّب، والعجب، وأمثالها تحيل الإنسان إلى أعمىً وأصمّ في حياته.
 
إنّ الإنسان في قبال الهوى أعمى وأصمّ. وهل من شك في أن من طبيعة البشر أن يعمى الإنسان عن رؤية ما فيه من عيوب؟ ولكنه يراها في غيره من الناس، مع أنّه نفسه ألصق بتلك العيوب من غيره؟ فهل هذا العمى عن رؤية معايب النَّفس شيءٌ غير العجب وحبّ الذّات والغرور؟ أهناك تردُّدٌ في أنّ أهل التَّقوى، الذين يجاهدون أخلاقياً فيغلبون العجب والطمع وسائر الرّذائل النَّفسية، أكثر إدراكاً لما فيهم من عيوب؟ وهل ثمَّة ما هو أكثر أهمّيّة للإنسان من علمٍ وحكمةٍ تعرّفانه بنفسه وبعيوبه وبطرق إصلاحها؟
 
لو حصّلنا التَّوفيق لتطويع النفس الأمَّارة بالسوء بالتَّقوى لوضح عندئذ أمامنا طريق السعادة، ولزاد فهمنا، وإدراكنا، وتبصّرنا، ولأُلهِمنا العقل. وحينئذ لعرفنا أنّ هذه الأمور لم تكن بذاك التعقيد الذي ظنَّناه، بل هي واضحةٌ وجليَّة، إنما هي الجلبة والضوضاء التي تحول بيننا وبين سماعنا تعاليمَ العقل!
 
 
 

1- نهج البلاغة، خطبة 230. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
124

 


114

آثار التَّقوى

 هل الذكاء غير العقل؟

نصادف أحياناً أناساً أذكياء وفطنين في المسائل العلميّة، يسبقون أقرانهم، ولكن هؤلاء الأشخاص أنفسهم في حياتهم وفي انتخاب طريقهم تراهم تائهين متحيِّرين، بينما ترى المتخلّفين عن أولئك في تلك العلوم، خيراً منهم في رؤية مصالحهم الحياتيَّة وتبصّرهم، ولذلك فقد قيل: إنَّ في الإنسان ذكاءً وعقلاً، فبعضٌ أذكى، وبعضٌ أعقل.

ولكننا في الحقيقة لا نملك قوتين: قوَّة الذكاء، وقوَّة العقل. وإنَّما السَّبب الذي يجعل بعض النَّاس يحارون في قضاياهم العملية هو ما قلناه.

فعلى أثر طغيان أعداء العقل يزاح تأثير العقل، وتحول الطفيليات دون سماع نصائح العقل! إنها الطفيليات التي تكثر في "كيان" أمثال هؤلاء الناس، ولكن ليس لأنّ في عقولهم شائبة أو نقصاً.

ذكرت في أوّل الكلام: إنّ التَّقوى والجهاد الأخلاقي وطهارة الروح، لا تأثير لها في ما يتعلَّق بالعقل النظري، وحتَّى الفلسفة الإلهيَّة لا علاقة لها بهذه المعاني، وقلت في الوقت نفسه: إنَّ هذه المعاني لها تأثيرها، على نحو من الأنحاء، في تحصيل المعارف الإلهية، غير أن هذا كلّه يستوجب بحثاً مستقلاً أوفى، نظراً لأنّ ما سبَق ذِكره كان مختصراً، ولذلك لا بدّ من الرجوع إلى الموضوع مرة أخرى.

لقد توصّل العارفون منذ القديم إلى أنّ في الإنسان، بالإضافة إلى قواه العقلية المدركة إحساساً آخر غامضاً، يمكن أن نطلق عليه اسم الاستلهام. وهذا ما يؤيّده العلم الحديث أيضاً، إذ يقول: إنَّ في الإنسان حساً أصيلاً مستقلاً عن كل القوى والإحساسات الأخرى، ولكنه موجود في الإنسان، على درجات متفاوتة من الضّعف والقوّة، وهو كغيره من الإحساسات البشرية، قابل للتربية والنمو. فالذي ينبغي لنا الآن هو معرفة ما ينّمي هذه الملكة ويربّيها.

إن ما يربّي هذا الإحساس هو التَّقوى والطّهارة والجهاد الأخلاقي ومجاهدة أهواء
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
125

115

آثار التَّقوى

  النفس، وهذا أمرٌ لا يمكن إنكاره من حيث المنطق الدّيني ونظرته. إليكم بعض ما جاء في نهج البلاغة بهذا الشأن: "قد أحيا عقله وأمات نفسه، حتَّى دقَّ جليله، ولطف غليظه، وبرق له لامع كثير البرق فأبان له الطريق، وسلك به السَّبيل، فتدافعته الأبواب إلى باب السَّلامة. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السَّلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم"1.

 
التَّقوى وتلطيف الإحساسات:
إن للتّقوى وطهارة النفس تأثيراً في مجالات أخرى، منها العواطف والإحساسات، فتزيد من رقتها ولطافتها. أترى لو أن امرئً تقياً أزال عن نفسه كلّ شرّ وكلّ عملٍ قبيح، وتجنّب الرياء، والتملّق، والعبوديّة، والنّفاق، وحافظ على نقاء ضميره بالعزَّة، والمنعة، والحرية، واتَّجه إلى المعنويَّات دون المادّيات، أترى امرئً هذا شأنه يمكن أن تتشابه عواطفه وإحساساته مع شخصٍ غارقٍ في الفحشاءِ والمنكر، ولا همَّ له سوى المادّة؟ لا ريب في أنّ إحساسات الأوَّل أرقّ وألطف، وتأثُّره بالجمال المعنوي أشدّ وأقوى، إنَّه يرى العالم رؤيةً أخرى وبجمالِ آخر، إنَّه يحسُّ بالجمال العقلي الموجودِ في العالم إحساساً أعمق.
 
هنالك تساؤلات ترِدُ من بعض الناس، يقولون: لماذا ليس لدينا الآن شعراء كالشعراء السابقين؟ لماذا لم نعد نرى ذلك اللطف وتلك الرّقة اللذيْن كنّا نحسّ بهما في شعر "سعدي" و"حافظ" مثلاً، مع أنَّ كلّ الأمور قد تقدَّمت وتحسَّنت، واتَّسعت العلوم والفنون والأفكار.
 
إنّني أرى -وأرجو ألَّا يثير قولي شعراءنا المعاصرين- أنَّ هناك شبباً واحداً لهذا، وهو أنّهَ بالإضافة إلى الذّوق الطّبيعي والفكر الخلّاق، لا بدّ من وجود رقّة ولطافة وحساسية أخرى، وهذه لا تتوافر إلَّا إذا ازداد توجّه الإنسان للتقوى والمعنويات، وتخلّص من أسر الغضب والشّهوات، وكان حرّاً وصادقاً.
 
 
 

1- نهج البلاغة، خطبة 220.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
126

116

آثار التَّقوى

 فإذا أصرَّ بعضهم على إضفاء ما فيهم من التلوّث والفساد على الشّعراء الأحرار، لإبقاء هذه المسألة بغير حَلٍّ، فإنَّ الأمر مختلفٌ؛ ولكنَّني أعتقدُ شخصياً بأنَّ الإنسانَ الفاسدَ الملوَّثَ مهما يكن مقدار ذكائه، فإنَّه يعجزُ عن إدراكِ الألطاف المعنويَّة والروحيَّة، ويقصر عن الإتيان بمثل تلك المعاني الرقيقة التي نراها عند البعض.

 
التَّقوى وقهر الشَّدائد:
أما أثر التَّقوى الثَّاني، فقد أشير إليه في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾1 وبقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾2. ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: "فمن أخذ بالتّقوى عَزَبَتْ عنه الشّدائد بعد دنوّها واحلولت له الأمور بعد مرارتها وانفَرَجَتْ عنه الأمواج بعد تَرَاكُمِهَا وأَسْهَلَتْ له الصّعاب بعد إِنْصَابِهَا وهَطَلَتْ عليه الكرامة بعد قُحُوطِهَا. وتَحَدَّبَتْ عليه الرّحمَة بعد نفورها وتفجّرت عليه النّعم بعد نُضُوبِهَا ووَبَلَتْ عليه البركة بعد إِرْذَاذِهَا"3.
 
هنا أيضاً يتبادر إلى الذهن سؤال عن الرابط بين التَّقوى كخصيصة روحية أخلاقية، وقهر المشكلات والشدائد الفعلية.
 
أنواع الشدائد والصعاب:
هنا لا بدّ لي من أنْ أبدأ القول: إنَّ الشَّدائد والصّعاب التي يلاقيها الإنسان على نوعين:
- النَّوع الأول: هو تلك المشكلات التي لا دخل لإرادة الإنسان في حدوثها، كأنْ يركب طائرةً وإذا بها يصيبها العطب، أو أنَّ عاصفةً تضربُ سفينته وهو عليها في عرض البحر، فيتهدّده خطر الغرق، وأمثال ذلك من الأخطار التي قد تواجه الإنسان، بغير أن يتنّبأ لها أو أن تكون له إرادة فيها.
 



1- الطلاق، 2. 
2- الطلاق، 4.
3- نهج البلاغة، خطبة198.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
127

117

آثار التَّقوى

 - النَّوع الثاني: من المصائب هي التي تتدخَّلُ فيها إرادة الإنسان. فهل يلقي بنفسه فيها؟ وإذا ألقاها كيف يخرج منها؟ وما إلى ذلك، وهي بعبارة أخرى، مشكلات أخلاقية واجتماعية.

 
وعليه، فإن هنالك مسألتين: الأولى: تأثير التَّقوى في نجاة الإنسان من شدائد النوع الأول، والثانية: هي تأثير التَّقوى في نجاته من النوع الثاني.
 
أما من حيث النوع الأول، فلا أدري إن كان بيان القرآن الكريم يشمل النجاة من هذه الشدائد أو لا يشملها. وليس هناك -بالطبع- ما يمنع من وجود قانون طبيعي يكون ضماناً إلهياً، كاستجابة الدّعاء مثلا. إلّا إن هناك عبارة في (نهج البلاغة) يمكن اعتبارها تفسيراً لهذا الأمر وأقصد به النجاة من شدائد النوع الثاني وهي ما ورد في قوله عليه السلام: "واعلموا أّنَه من يتق الله يجعل له مخرجاً من الفتن ونوراً من الظلم"1، والفتن هي البلايا السيئة الأخلاقية والاجتماعية.
 
إنَّ شدائد النوع الأول نادرة الحدوث، غير أنَّ أكثر المصائب والبلايا التي تصيب الإنسان وتجعلُ حياتَه مرَّةً شقيّةً، وتسلب منه كلّ سعادةٍ دنيويّة وأخرويّة، هي تلك النوائب الأخلاقية والاجتماعية.
 
وعلى الرغم من أنَّ منشأ معظم مصائب الإنسان هو الإنسان نفسه، وأن المرء أعدى أعداء نفسه "أعدى عدوَّك نفسك التي بين جنبيك"2 فإنّ المرء هو الذي يعيِّن مصيره، وسلوكنا في أغلبه معادٍ لأنفسنا.
دشمن بدشمن نپسند دكه بى خرد                           بانفس خود كند بمراد هواى خويش
 
ترجمة الشعر الفارسي:
(العدوّ لا يرتضي لعدوه ما يفعله                        الجاهل بنفسه على وفق هواه)
 
إن معظم ما يصيبنا لم يأتنا من الخارج، وإنما نحن اصطنعناه لأنفسنا. وهذا ما
 
 
 

1- نهج البلاغة، خطبة183.
2- بحار الأنوار، ج67، ص64.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
128

 


118

آثار التَّقوى

  لاحظته بنفسي في حياتي وحياة أشخاص كانوا تحت نظارتي. وعند أخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار، نجد أثر التَّقوى كبيراً في إبعاد المرء عن الفتن، وأنَّه إذا وقع في شدَّة نجَّته التَّقوى منه. وقد جاء في القرآن الكريم، من سورة الأعراف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾1.

 
وبهذا يكون أثر التَّقوى الأول: هو التبصّر والرؤية الواضحة، وأثرها الثاني: هو النجاة من المهالك والشدائد، فهذه تظهر في الظلمة، ظلمة غبار المعاصي والآثام والأهواء، ولكن ما إنْ يسطع نور التَّقوى حتَّى يتبيَّن الطَّريق السَّليم من الطَّريق ذي المزالق، ويُمكن تجنُّب الكثير من البلايا، وإذا ما ابتلي بها، فالتقيّ أقدر في ضوء تقواه على العثور على طريق الخلاص والنجاة.
 
التقوى خلاص من الهلكة:
إن التَّقوى وصيانة النفس سببٌ في أن لا يهدر الإنسان قواه وطاقاته في مجالات اللغو واللهو والمحرّمات، فيختزن قواه لوقت الشدّة، وبديهي أن الرجل القوي، ذا الإرادة والشخصية، أقدر على اتخاذ القرارات الصائبة، وأنجح في النجاة من المهالك، كالفرق بين أن يبحث الإنسان عن طريق الخلاص في النور، أو أن يبحث عنه في الظلام. إنَّ احتفاظ المرء بقوّته وطاقته وسيلة أخرى من الوسائل التي يُهيّئُها الله تعالى للإنسان.
 
في أواخر سورة يوسف المباركة آية تعدّ بمنزلة العبرة المستقاة من تلك القصة العجيبة المثيرة. إنّ قصة يوسف معروفة للجميع، فعند اقتراب القصة من نهايتها، أي بعد أن يصبح يوسف عزيزاً لمصر، ويقدم عليه إخوته على أثر القحط الذي يصيب البلاد يطلبون الطعام، فيعرفهم يوسف من غير أن يعرفوه، ويستبقي معه بنيامين، أخاه من أمّه. ثم يرجع إليه الأخوة مرة أخرى برؤوس مطأطئة يطلبون القمح بتذلل وتضرّع.
 
إنَّ القرآن يصفُ حالتهم تلك خير وصفٍ، إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ
 
 
 
 

1- الأعراف، 201.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
129

 


119

آثار التَّقوى

  وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾1،ولم يكن يوسف قد عرّفهم بنفسه حتى ذلك الحين، وعندما أحبّ أن يعرّفهم بنفسه: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾2

 
وما إن نطق بجملة ﴿مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ حتى انتفضوا و﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لاَنْتَ يُوسُفُ﴾3، فردّ عليهم و﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾4، إنّ ما تروني فيه من منزلة كان نتيجة التَّقوى والطهارة وصيانة النفس. أخذوني غلاماً، أخدم هذا وذاك، ولكنني لزمت التَّقوى، ووصل الأمر حدّاً بلغ بأعظم نساء مصر وأجملهنّ أن راودتني، أنا الشَّاب المجهول، عن نفسها، فعصمتني التَّقوى وأولتني حمايتها، فقلت: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾5، إن تقوى ذلك اليوم جعلتني عزيز مصر اليوم. 
 
إنَّ التَّقوى والطَّهارة والصَّبر والنَّزاهة لا تضيعُ في هذه الدّنيا، وترفع الإنسان من حضيض الذلّة إلى قمّة العزّة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فكأن القرآن قد جمع العبرة من قصّة يوسف في هذه الآية، وهي: إنَّ العاقبة للتّقوى، وأن التَّقوى تنجي المرء من المهالك والشدائد، وتوصله إلى أوج العزة. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾6. فلا يواجه المتّقون طريقاً مسدوداً، ولا فشلاً، في حياتهم.
 
عندما يقرأ الإنسان ما قاله أبو عبد الله عليه السلام لأهل بيته المحترمين، يأخذه العجب من هذه الثقة والاطمئنان اللذين يتحدث بهما. يا ربِّ ما أروع هذه الروح! ما أشد هذا الإيمان! ما أقوى هذا الاطمئنان! ترى ما مرجع هذا الضمان الذي يقدّمه؟ تقول الكتب: ثم إنّه ودَّع ثانياً أهل بيته عليهم السلام وقال: "استعدّوا للبلاء، واعلموا أنَّ الله حافظكم وحاميكم،
 
 
 

1- يوسف، 88.
2- يوسف، 89.
3- يوسف، 90.
4- يوسف، 90.
5- يوسف، 33.
6- الطلاق، 2.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
130

 


120

آثار التَّقوى

  وسينجيكم من شرِّ الأعداء ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويعذّب أعاديكم بأنواع البلاء، ويعوّضكم الله عن هذه البليّة بأنواع النعم والكرامة، فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم"1.

 
إنَّ الاطمئنان الذي يتحدَّث به الحسين عليه السلام عن النّصر النّهائي، ويلقّنه لأهل بيته يستقيه من هذه الآية القرآنية التي تقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾. والضَّمانة التي كان يعطيها لأهله هي من نوع اطمئنان يوسف الصّديق وإيمانه عندما نال ثمرة تقواه، فأخذ يقول فرحاً: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ولكن الإمام الحسين عليه السلام ، قبل أن تنتهي قصّته ويبلغ إلى النتيجة كان يراهما رأي العين.
 
كانت كلمات الإمام الحسين عليه السلام تنفذ إلى قلوب أهل بيته كالسهام. لقد تحملوا الشّدائد والأسر، ولكنّهم ظلّوا في كنف الصبر والتَّقوى، حتى وصلوا إلى ما ذكره الحسين عليه السلام لهم، ووعدهم الله به في قرآنه. وبعد فترة نلاحظ أن زينب الحوراء عليها السلام تورد كلمات الحسين عليه السلام نفسها في جملٍ جديدةٍ مليئةٍ بالاطمئنان وهي تخاطبُ يزيدَ بن معاوية قائلة: "فكِدْ كَيدَكَ واْسعَ سعْيَكَ ونَاصِبْ جَهْدَك، فوالله لن تَمْحُوَ ذِكْرَنا ولن تُميتَ وَحْيَنَا، ولن تُدْرِكَ أمَدَنا، ولن يُدْحَضَ عَنْكَ عارُها"2.
 
 
 
 

1- البحراني، عبد العظيم المهتدي، من أخلاق الإمام الحسين عليه السلام ، انتشارات شريف رضي، قم، إيران، الطبعة الأولى، 2000م، ص248.
2- م.ن، ص271.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
132

121

الدُّعاء

 الدُّعاء

 
الرّوح المعنويّة في الدّعاء:
بِصَرْفِ النظر عن الثواب الناشئ عن الدعاء، وبصرف النظر عن آثار استجابة الدعاء، فإنَّ الدّعاء إذا لم يكن مجرَّد لقلقة لسان، وانضمّ القلبُ إلى اللسان في انسجام، واهتزَّت روح الإنسان، فستكون في الدّعاء معنوياتٌ وروحيّةٌ عالية. كما لو ألقى الإنسان نفسَه تحتَ نورٍ ساطع، فيحسُّ عندئذ بغلاء جوهر الإنسانية، وعندئذٍ يُدرك جيداً أنَّ الأشياءَ الصَّغيرة التي كانت في سائر الأوقات تشغَله وتستأثر باهتمامه، كم هي تافهةٌ وحقيرةٌ وزهيدة.
 
عندما يمدّ الإنسان يد السؤال لغير الله، يحسّ بالمذلّة والهوان، ولكنّه إذا طلب من الله أحسّ بالعزّة، لذلك ففي الدّعاء طالبٌ ومطلوبٌ، وسيلةٌ وغايةٌ، مقدّمة ونتيجة! لم يحبّ أولياء الله شيئاً أكثر من حبّهم الدعاء، إذ كانوا يعرضون كلّ طلباتهم وأمانيهم على محبوبهم الحقيقي، وهم يولون طلباتهم من الأهميّة بالقدر الذي يولونه لنجواهم مع الله، دون أن يحسّوا بتعبٍ ولا نصَبٍ. وقد عبَّر عن ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في خطابه لكميل النَّخعي:
"هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين، استلانوا ما استوعره المترفون، وأَنِسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدُّنيا بأبدانٍ أرواحها معلَّقةٌ بالمحلّ الأعلى"1، هذا بخلاف القلوب الصدئة المسوَّدة المغلقة المطرودة من أعتاب الله.
 
 
 

1- نهج البلاغة، خطبة147.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
133

122

الدُّعاء

 طريق القلب إلى الله:

إنَّ لكلِّ امرئٍ طريقاً من قلبه إلى الله، فثمّة بابٌ في كلّ القلوب يفتح على الله سبحانه. فحتّى أشقى الأشقياء عند الابتلاء، وعندما تتقطّع به الأسباب، تنتابه هزَّةٌ ويلجأ إلى الله، وهذا الأمر أصيلٌ في فطرة الإنسان، وطبيعي في وجوده، إلَّا أن ستارة الإثم والشّقاء قد تغطيه أحياناً، ثم تأتي المصائب فتُحرّك هذه الفطرة وتبرزها للعيان.
 
ولقد سأل شخصٌ الإمام الصادق عليه السلام قال: "يا ابن رسول الله دلّني على الله ما هو فقد أكثر عليّ المجادلون وحيّروني، فقال: له يا عبد الله هل ركبت سفينة قطّ، قال: نعم، قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك، قال: نعم، قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك، قال: نعم، قال: الصّادق عليه السلام فذلك الشّيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي وعلى الإغاثة حيث لا مغيث"1.
 
لقد جعل الإمام الصادق عليه السلام الرّجلَ يعرفُ الله عن طريق قلبه ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾2. إنّ هذا الاتجاه الفطري، الذي يتجلّى عند تقطُّع الأسباب، ويتوجّه إلى القدرة القاهرة الغالبة على الأسباب والعلل الظاهرة، هو الدَّليل على وجود تلك القدرة. ولولا وجودها لما وجدت تلك الفطرة في الإنسان.
 
هناك -بالطبع- فرقٌ بين أن توجد في الإنسان غريزة من الغرائز، وبين أن تكون هناك غريزة يعرفها الإنسان حقّ المعرفة ويعرف هدفها.
 
إنَّ غريزة مصّ الّلبن عند الطفل موجودة فيه منذ ولادته، فإذا جاع تحرّكت فيه هذه الغريزة وهدَته إلى البحث عن الثدي الذي لم يره ولم يعرفه ولم يعتد عليه! إن هذه الغريزة هي التي ترشده، وهي هاديةٌ بذاتها، وهي التي تحمل الطفل على فتح فمه بحثاً عن الثدي، وعلى البكاء إن لم يعثر عليه!
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج3، ص41.
2- الذاريات، 21.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
134

123

الدُّعاء

 إنَّ البكاء نفسه دعوةٌ للأم لتقديم عونها، تلك الأم التي ما يزال الطّفل لا يعرفها ولا يعلم بوجودها. والطّفل نفسه، لا يعلم شيئاً عن هدف هذه الغريزة، ولا عن القصد من بكائه، ولا لماذا أوجدت فيه هذه الغريزة. إنه لا يدري أنّ له جهازاً هاضماً وأنَّ ذلك الجهازَ يحتاجُ إلى غذاء، والجسمَ يحتاج إلى استبدال ما يتلَفُ من أنسجته. إنه لا يدري لماذا يريد، ولا يدري أنَّ فلسفة بكائه هي عبارة عن جلب انتباه الأم التي لا يعرفها، ولكنه سيعرفها تدريجياً.

 

 
أمَّا بالنِّسبة إلى غرائزنا البشريَّة العليا، كغريزة الحاجة إلى الله والبحث عنه، وغريزة الدُّعاء والالتجاء إلى الله غير المرئيّ. فإنَّنا في ذلك أشبه بذاك الطفل الوليد بالنسبة إلى ثدي أمه الذي لم يره ولا يعرفه: ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾1، ﴿إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ ﴾2.
 
لا شكّ أنه لولا وجود ثدي ولبنٍ يناسب معدة الطفل، لما أرشدته الغريزةُ إليهما، فهناك ارتباطٌ بين تلك الغريزة وذلك الغذاء الموجود. كذلك هي الغرائز الأخرى في الإنسان، إذ ما من غريزة وُجدت عبثاً في الإنسان، فكلُّ الغرائز موجودةٌ لوجود الحاجة إليها، ولرفع حاجة من الحاجات.
 
الانقطاع الاضطراري والاختياري:
هناك حالتان يدعو الإنسانُ الله فيهما:
- الأولى: عندما يُبتلى بالمصائب والمحن، وتوصد في وجهه الأبواب، وتنقطع به العلل والأسباب. نراه يتوجّه تلقائياً وغريزياً إلى الله ويتوسّل به ليرفع عنه محنه ومصائبه. وهذا النّوع من التوجّه نحو الله لا يعتبر كمالاً إنسانياً.
- والثانية: عندما يكون في حالة رخاء حالٍ واطمئنان بالٍ، ولكنَّه يعلم بأنَّ ما هو فيه من نعمةٍ مزجاة فمن الله، والله هو القادر على أن يسلبه إياها كما هو القادر على
 
 
 

1- البقرة، 156.
2- الشورى، 53.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
135

124

الدُّعاء

  أن يزيده منها، وذلك لعلمه بأنَّه خالق الكون والإنسان، والحياة، وإنَّه اللطيف بعباده الرؤوف بهم، وإنَّه صاحب الأسماء الحسنى، ولذا نجد هذا المخلوق الواعي حتى وهو في رخائه وبحبوحة عيشه يتوجّه إلى ربّه بنفس متسامية مشرقة، داعياً إياه، متوسّلاً به، ليديم عليه نعمته، ويزيده من فضله، ويبعده عن معصيته، ليبعد غضبه سبحانه عنه، ويقرّبه من طاعته ليؤدي حقّ شكره.


ولا إشكال في أنّ هذا النَّوع من التَّسامي النَّفسي والانفتاح الروحي، يُعتبر كمالاً إنسانياً، والله سبحانه يستجيب لمثل هذا المخلوق وينظر إليه بعين رحمته في حالة رخائه، كما يسرع إلى نجدته ورفع البلاء عنه في حالة محنته وابتلائه، كما يسرع هو إلى استدعاء رحمة ربه.

شروط الدعاء:
1- الطلب الحقيقي والصادق
إنَّ للدعاء شروطاً، وأوَّل تلك الشّروط هو: أن يحصل في الإنسان طلبٌ حقيقيٌّ بحيث تتحوّل جميع ذرات الوجود الإنساني إلى مظهر من مظاهر إرادة الطلب، وأن يبدو ما يريده الإنسان بصورة حقّة من صور الاحتياج والدعاء. مثل أن يحتاج جزء من الجسم إلى شيء فتأخذ جميع أجزاء الجسم الأخرى بالتصرّف بفاعلية، بل إنّ بعض الأعضاء قد ينخفض نشاطه لكي ترتفع الحاجة عن نقطة من نقاط الجسم. فلو غلب العطش، مثلاً على أحد الأشخاص، فإنّ أثر العطش يظهر على وجنتيه، ويصرخ الحلق والكبد والمعدة والشفتان واللّسان: ماء، وإذا نام فإنه سيرى الماء في منامه، لأن جسمه بحاجة إلى الماء حقاً.

إنَّ حاجة الإنسان الروحية، وهو جزء من عالم الخليقة، لا تختلف بالنسبة إلى كلّ العالم عن ذاك. إنّ روح الإنسان جزءٌ من عالم الوجود، فإذا حصلَ لها في الواقع طلبٌ أو احتياج، فإنَّ جهاز الخليقة العظيم لا يهمِلُ طلبها.

هناك اختلاف كبير بين مجرّد (قراءة) الدعاء، والدعاء الحقيقي، وما لم يتّحد قلبُ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
136

125

الدُّعاء

  الإنسان مع لسانه في انسجامٍ تامٍّ فلن يكون الدّعاء دعاءً حقيقياً. إذ لا بدَّ من حصول الطّلب والحاجة حقّاً في قلب الإنسان ووجوده: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء ﴾1.

 
2- الإيمان والاعتماد على الاستجابة:
الشرط الآخر من شروط الدّعاء هو الإيمان واليقين. الإيمان برحمة الله اللامتناهية.الإيمان بأنَّه سبحانه لا يمنع أحداً من فيض نعمته. الإيمان بأنَّ باب رحمة الله لا يغلق أبداً، وما التقصير والقصور إلا من العبد نفسه، وقد جاء في الحديث: "إذا دعوت فظنَّ حاجتك بالباب"2. وكان الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يدعو ربه، كما في دعاء أبي حمزة الذي يعجّ بالأمل والاطمئنان في أسحار شهر رمضان المبارك، بهذا الدّعاء: "اللهم إنّي أجد سُبل المطالب إليك مُشرعةٌ، ومَناهِل الرَّجاء لدَيك مُترعةٌ، والاستعانة بفضلك لمن أمَّلك مباحةٌ، وأبوابَ الدّعاء إليك للصَّارخين مفتوحةٌ، وأعلمُ أنَّك للرَّاجينَ بموضع إجابةٍ، وللملهوفين بمرصدَ إغاثةٍ، وأنَّ في اللهفِ إلى جُودَك والرضا بقضائك عوضاً عن منع الباخلين ومندُوحةً عمَّا في أيدي المستأثرين وأنَّ الرَّاحلَ إليك قريبُ المسافة، وأنَّك لا تحتجبُ عن خلقك إلَّا أن تحجبَهُم الآمالُ دُونك"3.
 
3- عدم مخالفة سنن التكوين والتشريع:
والشرط الآخر من شروط الدّعاء هو ألَّا يكون مخالفاً لنظام التّكوين أو التّشريع. إن الدّعاء طلب العون للوصول إلى أهداف أقرّتها للإنسان الخليقة والتكوين أو الشرائع الإلهيّة، وإذا كان الدّعاء على هذه الصورة، كان حاجة طبيعية، فلا يبخل جهاز الخليقة-بحكم العدالة والتوازن الذي يسوده - على الداعي بالعون حيثما وجدت حاجة لذلك. أما طلب شيء يخالف أهداف التكوين أو التشريع، كأن تطلب الخلود في الدّنيا، أو العقم، فليس من الدّعوات المستجابة، أي إنَّ أمثال هذه الدّعوات لا تكون مصداقاً حقّاً للدّعاء.
 
 
 

1 النمل، 62.
2- بحار الأنوار، ج90، ص305.
3- مصباح الكفعمي، ص538.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
137

126

الدُّعاء

 4- الانسجام في سائر شؤون الداعي:

ومن الشُّروط الأخرى أن تكون سائر أعمال الداعي في الحياة منسجمةً مع الدّعاء، أي أنْ تكون تلك الأعمال منسجمةً مع أهداف التكوين والتشريع، أن يكون القلب نقياً نظيفاً، وأن يكون ارتزاقه من الحلال، وألَّا يكون ظالماً لأحد.
 
وقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "إن أرادَ أحدُكُم أن يُستجابَ لَهُ فَليطُب كَسبُهُ، وليخرُج من مَظالِم الناس، فإنّ وإن الله لا يرفعُ إليه دُعاء عبد وفي بطنه حرامٌ أو عِندهُ مظلمةٌ لأحدٍ من خلقه"1.
 
5- الدعاء للتنصُّل من ذنب:
وشرطٌ آخر هو أن لا تكون حالته التي يريد تغييرها إلى خير حالٍ ناتجةً من ارتكابه إثماً أو تقصيراً في واجباته. أو بعبارة أخرى، لا تكون تلك الحالة التي يريد تغييرها عقوبةً ونتيجةً منطقيّةً لآثامه ومخلفاته، إذ في هذه الحالة لا يمكن أن تتغيَّر حالته ما لم يتب عمّا ارتكب، وما لم يزل أسباب حصول تلك الحالة وعللها.
 
من ذلك مثلاً: إنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، فصلاح المجتمع وفساده منوطان بالقيام بهذين الفرضين أو بعدم القيام بهما، فالنتيجة المنطقية لترك هذين الفرضين هي أنْ تُتاحَ الفرصة للأشرار ليتسلّطوا على مقدّرات الناس.
 
فإذا قصَّر الناس في تنفيذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحاق بهم نتيجةَ ذلك ما يستحقّونه من بلاء، ثم جاؤوا يدعون الله أن يرفع عنهم ذلك البلاء، فلا يتحقّق لهم شيءٌ بالطّبع، وطريق نجاتهم الوحيد هو التّوبة عمّا مضى، والعودة بقدر الإمكان إلى القيام بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وفي هذه الحالة يمكن أن تعود إليهم حالتهم الطبيعة بالتدريج.
 
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾2، وفي الحديث:
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج90، ص321.
2- الرعد،11.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
138

 


127

الدُّعاء

  "لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليُسلّطنّ الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم"1.

 
والحقيقة هي أن هذه الدعوات خلاف سنن التكوين والتشريع. كذلك أمر من لا يعمل، ولكنه لا يفتأ يرفع يديه بالدعاء، فهذا أيضاً مخالف لسنن التكوين والتشريع. يقول الإمام علي عليه السلام: "الداعي بلا عَمَلٍ كالرامي بلا وَتَرٍ"2، أي أنَّ العمل والدّعاء يكمّل بعضه بعضاً، فالدّعاء بلا عمل لا تأثير له ولا أثر.
 
6- الدعاء لا يقوم مقام العمل:
من الشّروط الأخرى للدّعاء هو أن يكون مظهراً من مظاهر الحاجة حقاً، وأن يدعو الطّالب عندما لا يكون المطلوب ميسوراً له أو في متناول يده، أو يكون عاجزاً وضعيفاً. أما إذا أعطى الله مفتاح الحاجة بيد الإنسانِ نفسه فيكفر بالنعمة، ويستصعب عليه استعمال المفتاح، ثم يدعو الله أن يفتح له الباب الذي يحتفظ هو بمفتاحه لكيلا يتحمَّل هو عناءَ استخدام المفتاح، لا شكَّ أنَّ دعاءَ هكذا إنسانٍ لا يُستجاب.
 
وهذا النّوع من الدعوات ينبغي اعتباره من تلك التي تخالف سنن التكوين. فالدّعاء عادة يكون من أجل الحصول على القدرة، أما الدّعاء طلباً للقدرة الموجودة فعلاً عند الداعي فيكون من قبيل تحصيل الحاصل، لذلك يقول أئمتنا عليهم السلام: "أربعة لا تستجاب لهم دعوة: رجل جالس في بيته يقول: اللهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك بالطلب؟ ورجلٌ له امرأة فدعا عليها فيقال له: ألم أجعل أمرها إليك؟ ورجلٌ كان له مالٌ فأفسده فيقول: اللهم ارزقني، فيقال له: ألم آمرك بالاقتصاد؟ ألم آمرك بالإصلاح؟ ورجلٌ كان له مالٌ فأدانه بغير بيِّنة، فيقال له: ألم آمرك بالشهادة؟"3. وفي بعض الروايات ورد زيادة على ذلك: " ورجل يدعو على جاره وقد جعل الله عزّ وجلّ له السّبيل إلى أن يتحوّل عن جواره ويبيع داره"4.
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج90، ص378.
2- وسائل الشيعة، ج7، ص64.
3- الكافي، ج2، ص511.
4- م.ن، ص510.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
139

128

الدُّعاء

 من البديهي أنَّ الأمر ليس مقتصراً على هذه الأمثلة الخمسة التي سبق ذكرها، وإنّما هي أمثلة للحالات التي يكون الإنسان نفسه قادراً على حلّ مشكلته بالعمل والتدبير، ولكنّه يقصّر عن ذلك ويحاول أن يقيم الدّعاء مقام العمل. كلا، ليس الأمر هكذا، إن الدّعاء في نظام الخليقة لا يقوم مقام العمل بل إنّه مكمّل للعمل ومتمّم له.

 
الدّعاء والقضاء والقدر:
هناك بحوثٌ كثيرةٌ، قديماً وحديثاً، حول الدّعاء. وهناك تساؤلات أيضاً، منها أنَّ الدّعاء يتنافى مع الاعتقاد بالقضاء والقدر، فإذا قبلنا بأنَّ كلَّ شيءٍ مُعيَّن بالقضاء الإلهي، فما هو أثر الدّعاء؟
 
إما أن يكون الدّعاء منافياً للقول بحكمة البارئ وأنه يفعل ما يفعل بموجب المصلحة، بمعنى أنّ ما نريد تغييره بالدّعاء موافق للحكمة والمصلحة أو مخالف لهما، فإذا كان الموجود موافقاً للحكمة، فلا ينبغي لنا أن نطلب من الله ما يخالف الحكمة، ولا الله يستجيب لمثل هذا الدّعاء، وإذا كان مخالفاً للحكمة فكيف يمكن قبول القول أنّ نظام العالم يجري على وفق مشيئة الله الحكيمة، ثم نطلب من الله وقوع أمرٍ مخالفٍ للمصلحة والحكمة؟
 
أو يقال إن الدّعاء يتنافى مع الرضا بقضاء الله والتسليم لمشيئته، والإنسان ينبغي له أن يرضى له ويقنع بما يصل من الله. هذه أسئلة واعتراضات قديمة، حتى أنها تؤلّف جزءاً من أدبنا، وليس هنا مجال بحثها. 
 
إنَّ جميع هذه التساؤلات ناشئةٌ عن حسبانهم أنَّ الدّعاء أمرٌ خارج عن نطاق قضاء الله وقدره، وبعيدٌ عن حكمته، مع أنَّ الدّعاء والاستجابة له من أجزاء القضاء والقدر، وقد يقفُ الدّعاء في طريق بعض القضاء والقدر ولهذا فإنَّه ليس منافياً للرّضا بالقضاء، ولا مع الحكمة الإلهية، وليس ثمّة مجال أوسع الآن لبحث ذلك.
 
ليالي القدر:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾1. هذه الآية ترِدُ في سياق آيات خاصة بشهر رمضان 
 
 
 

1- البقرة، 186.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
140

129

الدُّعاء

 المبارك، أي الآيات الخاصة بالصوم، ولعل سبب ورودها بين تلك الآيات هو أن هذا الشهر يتميّز بكونه شهر العبادة والدعاء والاستغفار بشكل يزيد على بقيّة شهور السّنة، حيث وردت في قيام لياليه بين يدي الله سبحانه وتعالى روايات كثيرة تحثّ على ذلك وبخاصة ليالي القدر، التي اختص سبحانه هذا الشهر بها، ولذا يهتم الإئمة عليهم السلام بالقيام فيها وإحيائها بالعبادة والاستغفار.

 
عند حلول شهر رمضان كان النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بألَّا يُفرش له فراش نومه حتى آخر الشهر، إذ كان يعتكف في المسجد وينشغل بالدعاء ومناجاة الخالق. وعلي بن الحسين عليه السلام لم يكن ينام في ليالي شهر رمضان، بل كان يقتضيها إما بالصلاة والدّعاء، وإما بإيصال المعونة إلى الفقراء والمستضعفين، وكان يقرأ عند السحر الدّعاء المعروف باسم دعاء أبي حمزة الثمالي.
 
لذَّة الدّعاء والانقطاع إلى الله:
إنّ الذين ذاقوا الدّعاء، والانقطاع عن الناس إلى الله لا يرون لذّة تعدل تلك اللذة. فالدّعاء قد يبلغ أوجَهُ في التوجّه، فيشعر الداعي بنوع من الارتقاء الروحي والتسامي الوجداني ما يمنحه لذّة ما بعدها لذّة، وتخالجه سعادة ليس فوقها سعادة، عندما يشعر أنه موضع لطف الله الخاص، ويشاهد آثار استجابته لدعائه: "وأنِلْني حُسْن النَّظَرِ في ما شَكوتُ، وأذِقني حَلاوَة الصنع في ما سَألْتُ"1.
 
يقول العارفون: إنَّ هناك اختلافاً بين (علم اليقين) و(عين اليقين) و(حق اليقين) ويضربون لذلك مثلاً، فيقولون: افترض أنَّ ناراً تشتعل في مكان ما، فمرّة أنت ترى أثر تلك النار، دخانها المتصاعد مثلاً، فتعلم أن هناك ناراً في مكان تصاعد الدخان، فهذا (علم اليقين) وقد ترى النار نفسها عن قرب، فهذا (عين اليقين) وهو أعلى مكانة من العلم به، لأنَّه مرئي، وقد تقرب أكثر من النار بحيث أن حرارتها تلفح جسمك وأنت تدخل فيها، فهذا (حق اليقين).
 
 
 

1- مصباح الكفعمي، ص233.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
141

130

الدُّعاء

 من الممكن أن يعرف الإنسان الله معرفة كاملة، ويؤمن بوجوده القدسي، ولكنّه في حياته الخاصّة قد لا يرى أثراً لألطاف الله وعناياته الخاصّة التي يفيض بها أحياناً على بعض عباده، فهذه هي مرحلة علم اليقين. وأحياناً يشاهد أثر التوحيد، يدعو فيجد لدعائه استجابة، يتوكّل على الله في أعماله ولا يعتمد على غير الله، فيجد أثر هذا التوكّل والاعتماد في حياته الخاصّة، فهذه مرحلة عين اليقين. أما عباد الله الذين يحسّون بالّلذة فهم أهل القلب النيّر السليم وأهل التوكّل والاعتماد على الله، والذين يرون آثار دعائهم وتوكّلهم واعتمادهم، يمتلؤون فرحاً وابتهاجاً إلى الحدّ الذي لا يسعنا تصوّره تصوراً كاملاً. أما المرحلة العليا فهي التي يرى الداعي فيها نفسه في ارتباط مباشر مع الله تعالى، بل لا يرى نفسه، إنما يرى الفعل فعله وحدَهُ، والصّفة صفته، وفي كل شيء يراه هو وحده سبحانه.


عندما يتعلّم الإنسان فنّاً من الفنون أو علماً من العلوم، يكون ذلك بالدرس، فيصبح طبيباً أو مهندساً، وبعد سنين من التّعب، وبذل الجهد، عندما يشاهد لأول مرّة أثر فنّه أو علمه، كأن يرى مريضه قد شفي أو يرى عمارة وقد ارتفعت برسومه الهندسية مهيبة شامخة، يشعر بالابتهاج والسرور، ويرى في نفسه العزّة والكرامة. إن من أعظم اللذائذ أن يرى الإنسان آثار فنه وعلمه. فما حال الإنسان إن رأى أثر فنّ إيمانه، أعني لطف الله الذي يختصّه به.

إنّ من العزة التي تصيب الإنسان عن طريق التوحيد، والبهجة والسرور اللذين يحسّ بهما في تلك الحال أكثر من ذلك آلاف المرّات، وألذَّ آلاف المرات، وأحلى آلاف المرات، أسأل الله أن يوفّقنا إلى أن ندعوه ونناجيه لننعم بتلك الحالة الرّوحية المقدّسة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
142

131

الشَّدائد والصّعاب

 الشَّدائد والصّعاب

 
الشّدائد ألطاف الله:
كثيراً ما يَرِدُ في القرآن الكريم وفي الأحاديث: أنَّ الله قد ابتلى فلاناً من الأنبياء، أو من عباده الصالحين بالشّدائد، أو نقرأ أنَّ الله يرسل البلايا والمصائب على من هم موضع لطفه ورحمته الخاصة. أو أنَّ الشَّدائد والمصائب هدايا إلهية، ومن ذلك مثلاً الحديث الذي يقول: "إنَّ الله يتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرَّجل أهله بالهديَّة من الغيبة"1، أو الحديث الآخر القائل: "إن الله إذا أحبَّ عبداً غتَّهُ بالبلاء غتَّاً"2، أو الرِّواية التي مضمونها أنَّ الرَّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يَطعم من طعام من لم يرَ شدةٌ ولا مصيبةٌ، إذ كان يرى في ذلك علامةً على بعد ذلك الشخص من الله تعالى.
 
وهنا، يتبادر إلى الذّهن هذا التّساؤل: كيف يكون العبد موضع عطف الله ورحمته ورضاه، ثم يقتضي ذلك أنْ يواجه هذا العبد الشّدائد والمصائب؟ إن ما يتبع المحبة والعطف توافر الراحة والرفاه، لا الشّدائد والمصائب!
وهناك تعبير آخر يَرِدَ على لسان القرآن والسنّة ما يثير سؤالاً آخر، وذلك هو تعبير (الإمتحان) وأنّ الله يبتلي عباده بالشدائد ليمتحنهم، فما معنى هذا؟ أوليس الله عليماً ببواطن الناس حتى يمتحنهم ويزداد علماً بهم؟ أوليس القرآن القائل: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾3 فما معنى الامتحان؟
 
 
 

1- الكافي، ج2، ص255.
2- م.ن، ص253.
3- يونس، 61.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
143

132

الشَّدائد والصّعاب

 الشَّدائد البنَّاءة:

يسهل الردُّ على السؤالين المذكورين إذا عرفنا فلسفة البلايا والشّدائد والمصائب وآثارها في كيان الإنسان، وإذا عرفنا أنَّ الكثير من الكمالات لا يتحقَّق، إلّا إذا اصطدم الإنسان -تحت حكم قانون الخليقة- بالشدائد والصعاب، وحدث بينه وبينها احتكاك عنيف، وبرز في ميدان المبارزة والصراع مع الحوادث.

ولا يعني هذا أنَّ أثرَ الشّدائد والمصائب هو مجرَّد ظهور جوهر الإنسان الأصيل، أي أنَّ لكلِّ إنسانٍ جوهره الأصيل المختفي كالمعدن تحت التراب، وأنَّ الشدائد لا تفعل شيئاً سوى الكشف عن ذلك الجوهر فحسب، كلا، ليس الأمر كذلك، إنه أرفع من ذلك، فالشّدائد والمصائب والبلايا تعمل أيضاً على تكامل الإنسان وتبديله وتغييره، إنها كالكيمياء التي تبدل المعدن من حال إلى حال، إنَّها بنّاءة، تخلق من الإنسان إنساناً آخر، وتحيلُ الضَّعيف قوياً، والوضيع رفيعاً، والفجَّ ناضجاً.

إنها تنفي وتزيل الشّوائب والصّدأ، إنّها تثير وتحرك وتشحذ الذكاء وترهف المشاعر، وتزيل الوهن والتراخي.

وعليه، لا يجوز اعتبارها سخطاً وغضباً، بل إنَّها لطفٌ بهيئة سخط، وخيرٌ في صورة شرّ، ونعمةٌ بمظهر نقمة.

وفي غضون ذلك، تكون العناصر ذات الاستعداد الأكبر أكثر انتفاعاً بهذه الألطاف المرتدية رداء الغضب، النّعم المتشبّهة بالنّقم. إن أشخاصاً من هذا القبيل لا يستفيدون مما يصيبهم من شدائد، فحسب، بل هم يطلبونها ويخلقونها، وهذا هو جواب السؤال الأول عن كيفية ابتلاء الله أحبّاءه بالبلاء!

الامتحان الإلهي:
أما السؤال الثاني عن معنى الامتحان في هذه الحالات، فإنَّ جانباً من الجواب قد ورد في ما سبق قوله. إنَّ وضع الشَّيء موضع الامتحان، والاختبار يكون الهدف منه أحياناً تعريفُ الشَّيء المجهول، أي جعل المجهول معروفاً، فيتوسّل لتحقيق ذلك بما قد يُعتبر
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
144

133

الشَّدائد والصّعاب

  ميزاناً أو مقياساً، مثلما توضع بضاعة ما في الميزان ليعرف وزنها المجهول. فالميزان ليس سوى وسيلة للوزن، ولا أثر له إلّا في تحديد الوزن الحقيقي للجسم، فلا يزيد منه ولا ينقص، كذلك الحال في جميع الموازين والمقاييس. فميزان الحرارة يقوم بقياس درجة الحرارة في الجوّ أو في جسم الإنسان. والمتر يقيس لنا الطول فيعينه. وعلم المنطق، الذي يسمّى علم الميزان أيضاً، يقيس لنا أشكال الاستدلال، فإذا ما حصل خللٌ أحياناً في صيغة الاستدلال، فإنَّ القواعدَ المنطقيَّة تكشِفُ عن ذلك الخلل.


إذا كان معنى الامتحان هو استعمالُ الميزان والمقاييس لكشف المجهول فذلك لا يصحُّ بالنِّسبة إلى الله. إلا أنَّ للامتحان معنىً آخر، وهو الانتقال من القوّة إلى الفعل والتكامل، فالله الذي يمتحن بالبلايا والشدائد إنما يريد إيصال كل امرئ إلى ما يليق به من الكمال. 

إن فلسفة الشّدائد والبلايا ليست قياس الدّرجة والكمية فحسب، بل إنّها زيادة في الوزن، وارتفاع بالدرجة، وإكثار من الكمّيّة، إنّ الله لا يمتحن لإظهار الوزن الحقيقي ودرجة كل فرد المعنوية وشخصيته، إنما يفعل ذلك لكي يزداد وزن الشخص الحقيقي، وترتفع درجته المعنوية وشخصيّته!

إنَّه تعالى لا يمتحن ليعرف من يستحقّ الجنّة ومن يستحقّ النّار، بل إنَّه تعالى يبتلي النَّاس بالشَّدائد والمصائب لكي يتيح لمن يريد الجنة أن يهيّء نفسه عن طريق هذه الشّدائد والبلايا ليكون جديراً بدخول الجنّة، والذي لا جدارة له يبقى في مكانه.
بعد أن نصح الإمام علي عليه السلام والي البصرة، "عثمان بن حنيف"، في الرسالة التي بعث بها إليه أنّه ينبغي ألا يكون همّه التنعُّم، وألا يغفل عن أداء واجبه، يشيرُ إلى حياته البسيطة البعيدة عن التَّرف، وكيف أنه يقنع بخبز الشعير، ويبتعد عن كل تنعّم ورفاه، ثم يقول: قد يصيب بعضهم العجب كيف أنّ علياً، بهذه الجشوبة من الطعام، يستطيع أن يقهر الشجعان من الأعداء وهو الذي لا بد أن يكون ضعيفاً جراء غذائه الزهيد؟ فيردّ على أمثال هؤلاء ويقول: إنَّهم مخطئون. إنّ صلابة العيش لا تضعف القوى، بل إنّ التنعّم وحبّ التّرف هما اللذان يذهبان بالقوّة، ويضرب على ذلك مثلاً بقوله: "ألا وإنّ الشّجرة البرّيّة أَصْلَبُ 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
145

134

الشَّدائد والصّعاب

 عُوداً والرَّوَاتِعَ الخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً والنّابتات العِذْيَةَ أقوى وقُوداً وأبطأ خُمُوداً"1

 
فالرجال الذين عركتهم الأيام، وقوّت عزائمهم المحن، وعانوا النّصب والتّعب، أقوى تحمّلاً وأشدّ تمكناً من الذين تعهدتهم الأيدي الحنون، تزيل عنهم كل شقاء قبل أن يُمتحنوا به. ثمة اختلاف بين طاقة باطنية تنبع من الداخل وتلك التي تستعين بقوّة من الخارج، والمهم هو أن تبرز طاقات البشر الداخلية التي لا حدَّ لها ولا حصر.
 
يقول الإمام علي عليه السلام لا تقولوا:"اللهم إنّي أعوذ بك من الفتنة" إذ ليس هنالك من لا تواجهه المصائب والفتن، بل قولوا: "اللهم إني أعوذُ من مُضلاتِ الفتن"2.
 
التربية على الدلال:
كلما كانت المواجهة مع الشّدائد أكبر، كان أثرها في التربية، والتكامل، والصقل، أعمق. أما تجنّبها فله أثر معاكس. ولهذا قال المختصّون: إنَّ أشد العداء الذي يحيق بالأطفال والأحداث هو ذلك الذي يرتكبه الأبوان الجاهلان من باب المحبّة والتعلّق الشّديد بأطفالهم، ويتمثّل ذلك بالإسراف في تدليلهم، والحيلولة دون مواجهتهم للشّدائد والصعاب، وتربيتهم على توافر كل أسباب الراحة والرفاه لهم. هذا الأمر يبني أطفالاً ضعافاً، وكأنهم قد نزعوا عن أبنائهم الأسلحة التي كانوا سيواجهون بها مشكلات الحياة. وبالتالي هم يربّون أطفالهم بحيث ينهارون عند أول تغييرٍ يطرأ على حالهم. كالذي يربّي أطفاله دون أن يعلِّمهم السّباحة أو حتَّى يسمح لهم بالدخول إلى الماء، وفجأة يرون أنفسهم في اليم يواجهون خطر الغرق. فالسِّباحة ليست من الأمور النظريّة التي يمكن تعلّمها بالجلوس في زاوية الغرفة ومطالعة الكتب عنها، إنها فنّ، وفنّ عملي، فلا بد من الدخول إلى الماء، بذل الجهد هناك، والتعرُّض للغرق مرَّات حتَّى يتعلَّم المرء السِّباحة وينجِّي نفسَه من الغرق.
 
ذكرت في بدء الكلام هذا الحديث: "إن الله إذا أحبَّ عبداً غتَّهُ بالبلاء غتّاً"3 والغتّ
 
 
 

1- نهج البلاغة، خطبة45.
2- وسائل الشيعة،ج7، ص137.
3- الكافي، ج2، ص255.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
146

135

الشَّدائد والصّعاب

  بمعنى الغمس في الماء؛ أي: إنّ الله إذا أحبَّ العبد غمّسه في الشّدائد وألقاه فيها، فلماذا؟ لكي يتبيّن طريق الخروج منها، لكي يتعلّم السباحة في محيط البلاء، فما من وسيلة أخرى غير ذلك. إن لطف الله ومحبّته هي التي تضع الإنسان في مواجهة المشكلات، وهي التي تتيح للإنسان أن يتعلّم السباحة في محيط الحوادث ليخرج منها سالماً. إنَّ ذلك، ولا شكَّ دليلَ المحبّة واللّطف.


يقول علماء الحيوان: إنَّ أنواعاً من صغار الطير عندما ينمو عليها الريش، تخرج بها أمهاتها عن أعشاشها وترتفع بها في الفضاء، ثم تتركها تهوي لكي تسعى بنفسها لِتَعلُّم الطيران، فتروح الفرخة تضرب الهواء بأجنحتها حتى تتعب وتوشك أن ترتطم بالأرض، عندئذ تُسرِع إليها الأم وتفرش جناحها تحتها فتجنبها الموت المحقّق، وتعيد التّجربة وتحلق بالفرخة إلى أعلى، وتطلقها فتضرب الفرخة بأجنحتها وتعلو وتهبط حتى تتعب فتنجدها أمّها، ومرّة أخرى تتكرّر التّجربة حتّى تشتدّ أجنحة الفرخة وتتقن التحليق والطيران.

إنّ هذه الفطرة الطبيعية ينبغي أن تستخدم في تربية ابن آدم، فيتعرّض الطفل لمشكلاتٍ مناسبةٍ يتعلَّم كيف يتَّقيها. ولكن "أشرف المخلوقات" هذا غالباً ما يفعل العكس تماماً، فالأغنياءُ يجنّبون أبناءهم العمل وبذل الجهد، ظنّاً منهم أن العمل من شيم الفقراء، فيربّون أطفالهم ضعفاء قليلي الخبرة والتحمّل.
يقول (جان جاك روسو) في كتابه (أميل) بخصوص هذا النوع من التربية: "لو أن الناس ظلوا طول عمرهم في البلد الذي ولدوا فيه، ولو أن السنة كانت فصلاً واحداً فقط، ولو أن الناس لم يكونوا قادرين على تغيير مصائرهم، لما كان في هذه التربية الكثير مما يستوجب التقريع، بل لكانت جيدة في بعض جوانبها. ولكن إذا أخذنا التطوّرات السريعة في حياة البشر بنظر الاعتبار، فلا بد أن نقرّ بأن ليس هناك ما هو أشدّ خطأً وأكثر غباء من هذا اللّون من التربية التي يربّى عليه الأطفال، بإقفال الحجرات عليهم لئلا يقعوا، ويزرع الخدم والحشم حواليهم، فتكون النتيجة أنّ الطّفل يهلك عند أول زلّة".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
147

136

الشَّدائد والصّعاب

 ويضيف أيضاً: "إن بقي الجسم مرهفاً زمناً طويلاً فسدت الروح، إن من لا يعرف الألم والعذاب لا يعرف لذّة الشفقة ولا حلاوة الرحمة. إن امرئ شأنه هذا ولا يتأثر قلبه بشيء، لا يكون جديراً بالمعاشرة بل يكون كالوحش بين الآدميين".

 
فلسفة الواجبات الشاقة:
إن العبادات والتمارين التي يتكرّر ورودها في الشريعة الإسلامية المقدّسة نوع من الرياضة الرّوحية وضرب من تحمّل الشّدائد والمصاعب، إذ إن بعض تلك العبادات صعب حقاً. والجهاد واحد من العبادات، ومن الطبيعي أنَّه لا يتآلف مع التَّربية المدلّلة الخانعة. ينقل عن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "مَن لم يغزُ ولم يحدّث نفسهُ بغزوٍ، ماتَ على شُعبةٍ من النفاق"1. وهناك أنواع من الحواجز الكدرة لا يزيلها غير الجهاد والصدام في ساحة الحرب، وثمّة صفات خلقية لا تستبين إلّا في ميدان الوغى. فالشَّجاعة والإقدام إلى جانب الانزواء للقراءة والدَّرس لا يظهران للعيان.
 
إنَّ الحج، وهو عبادةٌ من العبادات الأخرى، واجبٌ على كلّ مستطيعٍ أن يؤدّيه ولو مرةً واحدةً في حياته، وهو من العبادات التي لا تخلو من عناء ومشقّة.
 
يقول الإمام علي عليه السلام: إن الله جعل البيت، الذي أوجب على الناس الطواف حوله، في بقعة من الأرض غير مستوية وغير معمورة من بقاع العالم. ولو شاء لجعله في مكان ذي حدائق غنّاء وأشجارٍ مثمرة ومتنزهات سائغة. ولو فعل هذا لما كان هناك امتحانٌ ولا اختبارٌ ولا مشقَّةٌ يتحمَّلها العبد، فكان الناس يؤمّون المكان للتنزّه، ولا يتحقّق الهدف المقدس من كل ذلك: "ولكنَّ الله يختبرُ عبادهُ بأنواعِ الشدائد ويعبدهم بأنواع المجاهدِ ويبتليهم بضروبِ المكاره إخراجاً للتكبر من قلوبهمْ وإسكاناً للتذلُل في نفوسهم وليجعل ذلك أبواباً فُتَّحاً إلى فضلهِ وأسباباً ذُلُلاً إلى عفوه"2.
 
 
 

1- المتقي الهندي، كنز العمال، تحقيق وتفسير بكري حياني، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1989م، ج4، ص293.
2- نهج البلاغة، خطبة192.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
148

137

الشَّدائد والصّعاب

 العسر والحرج:

وفي الختام أشير إلى نقطة واحدة، فقد تتساءلون: إذاً، لماذا يقال: إنَّه لا عسر ولا حرج ولا تكلّف ومشقّة في الإسلام؟
 
هذان موضوعان مختلفان، فصحيح أنّ دساتير الشّرع الإسلامي المقدّس مبنيَّةٌ على عدم التكلّف والحرج: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾1، ولكن هذا لا يعني أنَّ الإسلام قد أقام أسسه التَّربوية على تربية المدلَّلين والضُّعفاء. فتربية أناس ضعفاء شيء، وعدم التعسير والإحراج في التكاليف الإسلامية شيءٌ آخر.
 
 
 

1- الحج، 78.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
149

138

آثارُ الإيمان وفوائده

 آثارُ الإيمان وفوائده


مقدّمة
يوجد في موضوع الإيمان وجهان يلفتان النظر: 
- الأول هو: ما منشأُ الإيمان والعقيدة الدينيّة، والعوامل التي تسوق الإنسان نحو الدّين والإيمان؟ هل هي عوامل داخليّة أم خارجيّة؟ أي هل هي نابعة من الفطرة الإنسانية الأصيلة أم أنَّ بعض العوامل الخارجية هي التي تسوق الناس إلى تلك الوجهة؟ وبعبارة أخرى: ما هو أصل الحسّ الدّيني وجذره؟ وكم في هذا الأصل من حقيقة؟
- والوجه الآخر: هو فوائد الدّين والإيمان وآثارهما.
ولكلٍّ من هذين الموضوعين مجال بحثهما الواسع.

رأسُ مالٍ أم عبء:
يتناول بحثنا أثرَ الإيمان والعقيدة الدّينية، فهل يمكن لإنسان أن يكون مؤمناً وذا عقيدة، ثم لا يكون له دينٌ ولا إيمانٌ وأن يعيش في حالة لا دينية؟ إنه لمن الجدير أن نبحث عما إذا كان الإيمان والعقيدة الدّينية رأس مالٍ للإنسان، إذا فقده فقد واحداً من رؤوس أمواله في الحياة؟ أم أنَّه قيدُ أو عبء إذا فقده لم يخسر شيئاً، بل لعلَّه يكون قد أزاحَ عن كاهله عبءً ثقيلاً.

أحد مفكّري عصرنا (تولستوي)، ومن كتَّابه الكبار المشهورين في العالم، يقول: "الإيمان هو ذلك الشيء الذي يعيش به الإنسان"، ويقصد أن الإيمان من أفضل رؤوس الأموال في الحياة، فإذا فقده الإنسان فقدَ أهمَّ رأس مالٍ في الحياة.

هنالك أشياءٌ كثيرةٌ يجب اعتبارها من رؤوس أموال الحياة. فالصّحة من رؤوس أموال الحياة، وكذلك الأمن والاطمئنان، والثروة، والعلم والمعرفة، والعدالة الاجتماعية، وصلاح
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
151

139

آثارُ الإيمان وفوائده

  الزوج والأبناء، ووجود الأصدقاء المحبّين المخلصين، والتَّربية الرفيعة، والسلامة الروحية والنفسية. كل هذه الأمور هي عبارة عن رؤوس أموال في الحياة وفقدان أحدها يسبّب نقصاً في سعادة الإنسان وتكامله، ويكون الإنسان قد فقد واحداً من رؤوس أمواله. وبالتالي يكون الافتقار لوجود أحدها نوعاً من سوء الحظّ.

 
والإنسان نفسه واحد من رؤوس الأموال، بل هو على رأسها أهمّية. يقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾1 متحدّثاً عن الإيمان بالله ورسوله كتجارةٍ ورأس مالٍ مربح.
 
لا بدّ من القول، إنَّ البشر عرَف المادّيات والمحسوسات قبل معرفته المعنويات، والسبب واضح، فمثلاً عندما تقول: إنَّ الثروة رأس مال في الحياة، يدرك السَّامع صحّة هذا القول ويعرف قيمته، بل ربما بالغ في تقويم ذلك بحيث أنه يقع ضحيّة الحرص والطمع الشدّيد، وعندئذٍ يجلب الفساد على نفسه وعلى المجتمع.
 
ولكن في الوقت نفسه تكون الأخلاق الحسنة والتربية الصالحة والتأدّب بالآداب السليمة، رأس مالٍ من نوع آخر في الحياة يبعث على التقدم والترّقي والكمال والسعادة، بل إنّ أثر ذلك أرفع بدرجاتٍ من أثر الثّروة، ولكن الإنسان لا يفهم ذلك بالسرعة التي يفهم بها أهمية الثروة. فالإنسان إما أن يكون بطبعه ذكيّاً جداً، وسريع الفهم حتى يستطيع إدراك قيمة الأخلاق الحسنة والتربية الرفيعة، أو أنه يجب أنْ يتعلّم ذلك من معلّميه، أو من حكماء البشر، كقول الإمام علي عليه السلام: "حُسْنُ الخلُقِ خيرُ رفيقٍ"2 أو قوله: "رُبَّ عزيزٍ أذلَّهُ خُلُقُهُ، ورُبَّ ذليل أعزَّه خُلُقُه"3.
 
والإيمان كذلك، فكثيرٌ من الأشخاص الذين وهبوا هذه النّعمة العظمى، يستظلّون بظلّها في تنعّم ورضا بالحياة، وإنَّ سلامتهم الجسمية والرّوحيّة، وطول أعمارهم، مدينةٌ إلى هذا الإيمان الذي في قلوبهم بغير أن يدروا بذلك. وكثيرون هم على العكس من ذلك، يقضون
 
 
 
 

1- الصف، 10 - 11.
2- بحار الأنوار، ج1، ص89.
3- بحار الأنوار، ج 68، ص396.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
152

140

آثارُ الإيمان وفوائده

  أعمارهم في العذاب والتردُّد والرَّهبة والخوف، يفتقرون إلى السَّلامة في أجسامهم وأرواحهم، يُسرع إليهم المشيب ويسرعون إلى الانحطاط والانهيار، دون أن يعرفوا أنَّ السَّبب الرئيس لكلّ هذا هو أنَّهم قد فقدوا واحداً من رؤوس الأموال في الحياة، وهذا ما ينبغي بحثه عن طريق معرفة آثار الإيمان.

 
الإيمان سند الأخلاق:
أوَّل أثرٍ للإيمان هو أنَّه سندٌ للأخلاق؛ أي: إنَّ الأخلاق، وهي بذاتها من رؤوس الأموال الكبيرة في الحياة، ليس لها أساس وقاعدة بغير الإيمان. 
 
إنَّ أساس جميع الجذور الأخلاقية ومنطقها، بل إنَّ سلسلة المعنويات برمّتها مبنيّةٌ على الإيمان الدّيني؛ أي الإيمان بالله والاعتقاد بوجوده. فالكرامة، والشرف، والتقوى، والعفة والأمانة، والصّدق، والاستقامة، والتَّضحية، والإحساس، والمسالمة مع خلق الله، والتمسُّك بالعدالة وبحقوق البشر وجميع الصفات التي تُعتبر من فضائل البشر والتي يقدِّسها الأفراد والشُّعوب كافَّةً، ويدّعيها حتَّى الذي ليست فيه، مبنيَّةٌ جميعاً على مبدأ الإيمان، وذلك لأنَّها جميعاً تتنافى مع مبدأ الأنانية وحبّ الذات، والتمسّك بأيٍّ منها يعني نوعاً من الحرمان المادّي.
 
إنَّ الإنسان لا بدَّ أن يكون له دافع لكي يرتضي الحرمان من شيء ما، وفي هذه الحالة لا يُعتبر الحرمان حرماناً، وعندئذ يستطيع أن يعرف قيمة المعنويات ويذوق لذَّتها، وذلك لأنَّ أساسَ كلِّ فكرةٍ معنويَّةٍ هو الإيمان بالله، والحدّ الأدنى لأثر الإيمان بإلهٍ عادلٍ حكيم يتجلّى في كون المؤمن العادي يطمئنّ إلى أنّ العمل الصالح مقبولٌ عند الله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾1 فكلُّ حرمان من هذا القبيل فوزٌ من نوعٍ آخر.
 
ليس أمام الإنسان، في الحقيقة، سوى طريقين، فإمَّا أن يكون أنانياً، نفعيّاً، لا يقبل أن يُحرم من شيء، وإما أن يكون عابداً لله، فلا يرى في ما يصيبه من حرمان جرّاء أخلاقه حرماناً، أو يعتبر أنه مأجورٌ على ذلك. 
 
 
 
 

1- التوبة، 120.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
153

141

آثارُ الإيمان وفوائده

 إنَّ الإنسانية، والعفو، والإحسان، إذا لم تكن على أساس من تقوى الله وطلب رضاه، فإنَّها تكون على حافَّة منزلقٍ: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾1. فمن استند في أخلاقيّته وشخصيّته على غير الله كان كمن يستندُ إلى سند غير مكينٍ في الأرض وآيل للسّقوط: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾2. يستفاد من هذه الآية أنَّه لا يمكن الاستناد إلى غير الله في أيِّ عمل، فإذا اتَّخذ أحدٌ غير الله سنداً، كان سنده واهياً ولا أساس له. فمن الممكن تربية الأفراد بالتلقين والتقليد والتعويد القسري المؤقت، بحيث نغرس في نفوسهم التَّضحية والتسامح، إلَّا أنَّ ذلك يكون بالقسر والقهر، وقد قال الحكماء: "القسر لا يدوم"

وكما أنَّ الله على رأس جميع الكائنات وهي كلّها تستند عليه، كذلك معرفة الله والإيمان به على رأسِ جميع المعنويات والفضائل الأخلاقية. إنَّ الفضائل التي لا تستند على معرفة الله، كالعملة التي ليس لها غطاء يسندها، فهي قصاصةُ ورقٍ لا قيمةَ لها.
 
وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾3، وهذا المثل يعني أنَّه إذا كان يُراد من شجرةٍ إنسانيَّةٍ أن تكون مثمرةً، فينبغي أن تكون لها جذورٌ من التَّوحيد والإيمان.
 
ثم يضرب الله مثلاً آخر فيقول: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾4، ويضيف على ذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ﴾5.
 
 
 

1- التوبة، 109.
2- العنكبوت، 41.
3- إبراهيم، 24-25.
4- إبراهيم، 26.
5- إبراهيم، 27.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
154

142

آثارُ الإيمان وفوائده

 وأمَّا بخصوص عدم الإيمان فيقول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾1؛ أي إنَّ من يدير ظهره للدّين، إنّما هو يدير ظهره إلى جميع الفضائل، وإنّ من يفقد العاطفة الدينية الإيمانية القائمة على أساسٍ إنسانيّ من المنطق، يكون قد فقد كلَّ الإنسانيّة والعواطف الإنسانيّة.

 
فقوله تبارك وتعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِين﴾2، يعني أن تقيموا العدالة وأن تكون شهادتكم لله، لا لأسبابٍ أخرى، حتَّى وإن كانت على أبواكم وأقربائكم، ويؤكِّدُ أيضاً: ﴿قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾3.
 
هذه تعاليمٌ ليس لغير الدّين إعلانها، وليس غير الدّين ما يحمل النَّاس على التزامها وتنفيذها. وعليه نتبيَّنُ أنَّ الأخلاق، والعدالة الاجتماعية، والأمن الاجتماعي، والإنسانية، كلها رؤوسُ أموالٍ لا يتحقَّق نيلها إلَّا برأس مالٍ آخر اسمه "الإيمان".
 
يقول الإمام علي عليه السلام: "منِ استحكمتْ لي فيهِ خصلةٌ من خِصالِ الخير، احتملتهُ عليها، واغتفرت فَقْدَ ما سواها ولا أغتفرُ فَقْدَ عقلٍ ولا دين، لأنَّ مفارقة الدّين مفارقة الأمن، فلا يُتهنَّأ بحياةٍ مع مخافةٍ. وفقدُ العقلِ فقدُ الحياءِ ولا يقاسُ إلا بالأموات"4.
 
وعلى العموم إنّنا نتطلب في الأخلاق مقاديرَ من التَّقوى والتعفُّف والأمانة، بحيث أنّها تحافظ على البشر، حتَّى في أعمق السرّ وأخفاه. نريد العدالة بحقّ من هم تحت إمرتنا حتى عند القدرة والتمكن، نريد الشَّجاعة والشّهامة في قبال القوّة، نريد الاستقامة والصمود، نريد عدم الاعتماد على الآخرين، بل على الذات، نريد الصفاء والألفة والمحبّة. هذه كلها لا توجد إلَّا في ضوء الإيمان، وإلا في الإنسان الكامل المستنير بنور الإيمان.
 
 
 
 

1- الماعون، 1-2.
2- النساء، 135.
3- المائدة، 8.
4- الكافي، ج1، ص27.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
155

 


143

آثارُ الإيمان وفوائده

 سلامة الجسم والروح:

من آثار الإيمان الأخرى سلامة الجسم والروح، إذ يقول الإمام علي عليه السلام بشأن التّقوى، إنَّها: "دواءُ داءِ قلوبِكمْ وشِفاءٌ مرضِ أجسادكم"1. ولا شكّ أنّ الإيمان ليس مسحوقاً أو قرص دواء أو شراباً، ولكن لا يعرف أثره في سلامة جسم الإنسان وروحه إلَّا بعد معرفة أن الإنسان المؤمن بات يتمتّع بروح أكثر اطمئناناً، وبأعصاب أهدأ، وبقلب أسلم، ولا يدور في دوامة أفكار محورها ماذا يأخذ وماذا يعطي؟ وإذا نال أحد حظّاً فلا يأكله الحسد، ولا تشتعل نار الحرص والبخل والطمع في قلبه، ولا تتوتّر أعصابه ليصاب بقرحة المعدة والتهابات الاثني عشر، ولا يُفرط في الشهوة فلا يصاب بالضعف والهزال، و بذلك يطول عمره.
 
إنّ علاقة سلامة الجسم والروح بالإيمان علاقة وطيدة. فقضية تزايد مرضى الأمراض النفسية في المستشفيات من القضايا الاجتماعية المعاصرة الخطيرة، وتدلّ على أنّ هذه الأمراض معظمها يصيب تلك الطّبقات من النّاس التي تفتقر إلى الإيمان بالله وإلى الاعتقاد الخالص بالمبدأ الأعلى. إنّ منشأ هذه الأمراض النّفسية هو الإحساس بالحرمان وبالغبن الاجتماعي، والإيمان في هذه الحالات يكون بمثابة الدواء الواقي. 
 
ولا يعني هذا، بالطّبع، أنه ينبغي الخضوع لجميع أنواع الحرمان، بل المقصود هو أنَّ وجود الإيمان يحول دون انهيار الإنسان وتحطُّمه، ويبقيه في حالةٍ من الاستقرار والاتزان.
 
الانسجام مع المحيط:
من آثار الإيمان الأخرى إيجاد التوازن والانسجام بين الفرد والمجتمع. فثمّة مبدأ في علم الحيوان يقول: إنَّ شرط الحياة في الكائن الحي هو أن يكون المحيط والظروف السائدة فيه منسجمة مع بُنية ذلك الكائن. أما إذا تغيّرت الشّروط، فإنّ على الكائن الحيّ أن يكيِّف نفسه، أي إذا حصلت في هذا الكائن تغييرات تدريجيّة تمكّنه من الانسجام مع المحيط وتحمُّل ظروفه، فإنَّ هذا الكائن يكون قادراً على البقاء. وأما إذا لم تحصل
 
 
 

1- نهج البلاغة، الخطبة198.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
156

144

آثارُ الإيمان وفوائده

  في الكائن تلك التغييرات المطلوبة والمناسبة للمحيط، فإن ذلك الكائن يكون محكوماً عليه بالفناء لأنّه جزءٌ، والظّروف المحيطة به هي الكل، والجزء تابع للكل، والمحاط تابع للمحيط.


والإنسان، من هذا المنظور الخاص بالمحيط الطَّبيعي، لا يختلفُ عن أي كائن حيّ آخر، فإذا كان في محيط غير متناسب، فإنّ أجهزته الداخلية تأخذ من جهة بالعمل آلياً لكي تجعله في ظرف متناسب مع المحيط ومنسجم معه، ويأخذ هو من جهة أخرى، بما يبتدعه ويبتكره، في محاربة المحيط والطبيعة المناوئة لإخضاعها لإرادته ولما يناسبه.

وللإنسان محيط اجتماعي بالإضافة إلى محيطه الطبيعي، وعليه أن يكون على انسجام مع هذا المحيط الاجتماعي أيضاً. والعوامل الاجتماعية تتألّف من الأفراد وما يتّسمون به من الصفات والحالات، ومن الأعمال التي يقومون بها، ومن القوانين والعادات التي تحكم ذلك المجتمع. وظروف حياة الإنسان الخاصّة في المحيط الاجتماعي تتكوَّن من الميول والرَّغبات والحاجات الخاصة، ولا بدَّ من التَّوافق والانسجام بين العوامل الاجتماعية وهذه الميول والحاجات، وهذا يستلزم بعض التعاطف من المجتمع ومن الفرد معاً.

والتعاطف المطلوب من المجتمع هو أن يحافظ المجتمع على منافع أفراده بصورةٍ عادلةٍ، وأنْ يدورَ على محور الصَّالح العام، لا على محور مصالحِ الفرد. أما التَّعاطف المطلوب من الفرد فهو الرّضا والتّسليم والقبول بالصَّالح العام والتَّخلي عن الأهواء الشخصية، وذلك لأنّه لا يوجد انسجام أو تطابق بين الفرد والمجتمع. إذ أنَّ المجتمع يتألّف من أفراد مختلفين يحملون عقائد وآراء وميولاً متباينة لا انسجام بينها. فلا بدَّ من التَّضحية من الجانبين ليحصل الانسجام والتَّطابق. وهذه التضحية، كما قلنا، تنشأ بدوران المجتمع على محور المصلحة العامة، وعلى قبول الفرد بالمطامح والأهداف الاجتماعية. وأما الدّين، فهو العامل الأصيل في إيجاد هذا الانسجام والتَّطابق، لأنَّ الدّين هو الذي يُقيم المجتمع على أسس العدالة، ويربِّي الفرد على الرِّضا والتَّسليم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
157

145

آثارُ الإيمان وفوائده

 مفهوم الرضا والتسليم:

عند سماع هذا التَّعبير (الرخاء والتسليم)، قد يتبادر إلى ذهن بعضهم أنَّ الرّضا والتَّسليم بما يمنحه المجتمع للفرد ليس ممَّا يستوجب الاستحسان لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى السُّكون والخنوع، بعكس عدم الرّضا الذي يؤدّي إلى التحرُّك والتقدُّم. 
 
وأما الرضا فهو قسمان: قسمٌ مطلوبٌ وهو هذه القناعة بحصَّة الفرد، لأنَّ لكلِّ فردٍ، على أيِّ حال، سهماً محدَّداً، فلا يجوز للفرد أن يحسب أنّ له أنْ ينالَ كلَّ شيء، بل يجب أن يرضى بما يخصّه: "واجعلني بقَسْمِك راضياً قانعاً"1.
 
وأمَّا القسم الآخر من الرّضا والتسليم، فهو الرضا بالظلم والعدوان. وهنا يكون العصيان وعدم الرِّضا كمالاً، وهذا القسم من الرّضا لا يعتبر في نظر الدّين مرفوضاً فحسب، بل إنَّه إثم.
 
السيطرة على النَّفس:
من فوائد الإيمان الأخرى هي السّيطرة الكاملة على النّفس، وهذه السّيطرة ينبغي ألا ينظر إليها على أنّها مفهومٌ دينيٌّ وتابعٌ للدّين، وأنّه لولا الدّين ما كانت ثمّة حاجة للسّيطرة على النّفس فهذا تصوّر باطلٌ، إذ إنَّ السيطرة على النفس لا تختلف عن المفاهيم الأخلاقية الأخرى، كالاستقامة والعدالة وغيرهما مما لا يمكن لأحد أن ينكرها حتى وإن لم يكن يدين بدين ما. هذه المفاهيم لا تختصّ بدين وليست من مبتكرات أي دين، ولكن الدّين أقدر على تحقيقها بصورة أفضل. ومن ميادين الصّراع التي فُرضت على البشر، وطُلب منهم أن يفرضوا سيطرتهم عليها، هو ميدان السيطرة على النفس.
 
يقول أحد المفكّرين المشهورين المعاصرين: إن الإنسان يواجه ثلاث أعداء، ويحارب في ثلاث جبهات: جبهة الطبيعة، وجبهة الأفراد الآخرين، والجبهة النفسية الداخلية. أما في الجبهة الأولى: فقد انتصر إلى مدى بعيد، واستطاع أن يهيمن إلى حد ما على البرد والحر والمرض، على الرغم من أنه ما يزال هناك بلايا، كالزلزال وبعض الأمراض 
 
 
 

1- مصباح الكفعمي، ص555.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
158

146

آثارُ الإيمان وفوائده

 المستعصية كالسرطان، لم يوفق فيها الإنسان إلى السيطرة الكاملة عليها. 

 
أما جبهة الأفراد الآخرين، فإنَّ الحرب لم تتوقَّف وهي ما تزالُ دائرةً. ولكن أهم هذه الحروب هي الحرب للسَّيطرة على النَّفس، فكلُّ امرئ مصابٌ بصراعٍ داخليٍّ بشكلٍ ما.
 
وقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "أنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعث سريّةً فلمّا رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، فقيل: يا رسول الله ما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النّفس"1، وهو إشارةٌ إلى ما سبق. غير أنَّ الذي يستطيع أنْ يجعلَ الإنسانَ متمكِّناً من الهيمنة على الطبيعة الإنسانيَّة وترويضها هو الدِّينُ والإيمان.
 
يقول سعدي: سئل أحد الحكماء عن معنى الحديث: "أعدى عدوَّك نفسك التي بين جنبيكَ"2، فقال لأنَّك كلَّما ازددت إحساناً إلى شخصٍ ما ازداد محبَّةً لك إلا النَّفس، فإنك كلما ازددت رعاية لها ازدادت عناداً وتمرّداً.


العلم والمهارة:
لا شكّ أنَّ هناك ناحية أخرى ينبغي الالتفات إليها، وهي أنه صحيح أنّ الإيمان من أكبر رؤوس الأموال، إلَّا أنَّ الاستفادة منه - كما هي الحال بالنسبة إلى رؤوس الأموال الأخرى - تتطلَّب العلم والمهارة فقد يحدث ألا يستطيعَ الإنسانُ الاستفادة الكاملة من رأس المال هذا كما ينبغي، أو أنَّه يسيء استخدامه، أو أن يقوم شخص آخر باستغلال الشعور الديني عند غيره، وهذا بحدّ ذاته موضوع يستلزم بحثاً خاصّاً.
 
 
 
 

1- وسائل الشيعة، ج15، ص161.
2- بحار الأنوار، ج71، ص271.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
159

147

الإسلام ونظرته إلى العلم

 الإسلام ونظرته إلى العلم


مقدّمة
موضوعنا هو الإسلام والعلم. وبعبارة أُخرى، هو البحث في نظرة الإسلام إلى العلم. كما كان بحثنا السابق يدور حول نظرة الإسلام إلى الدُّنيا والحياة والنزعات الطبيعية. فهل الدِّين والعلم يتّفقان أم يختلفان، كيف ينظر الدِّين إلى العلم؟ وكيف ينظر العلم إلى الدِّين؟ إنَّه لبحث طويل كُتبت فيه كتب قيمة عديدة.

هناك طبقتان من الناس تسعيان إلى إظهار أنَّ الدِّين والعلم متخالفان:
- الأولى: هي الطبقة المتظاهرة بالتديُّن ولكنَّها تتميَّز بالجهل، تعيشُ على الجهل المتفشِّي في النَّاس وتستفيد منه. إنَّ هذه الطبقة، لكي تبقي الناس في الجهالة، وتسدل باسم الدِّين ستاراً على مثالبها هي، وتحارب بسلاح الدِّين العلماء لتخرجهم من ميدان المنافسة، كانت تخيف الناس من العلم بحجّة أنَّه يتنافى مع الدّين.

- والثانية: هي الطبقة المثقفة المتعلّمة، ولكنّها ضربت بالمبادئ الإنسانية والأخلاقية عرض الحائط. وهذه الطبقة، لكي تبرّر لا مبالاتها وأعمالها المنكرة، تتذَّرع وتدَّعي أنَّه لا يأتلف مع الدّين.

- الطبقة الثالثة: وهي دائماً موجودة، لها حظ من كل من العلم والديّن، ولم يخالجها قط إحساس بأي تناقض أو تنافٍ بينهما، ولقد سعت هذه الطبقة إلى إزالة الظلام والغبار الذي أثارته الطبقتان المذكورتان لدق إسفين بين هذين الناموسين المقدّسين.
إنّ بحثنا في الإسلام والدّين يمكن أن يجري من جانبين اثنين: الجانب الاجتماعي، والجانب الدّيني. فمن حيث الجانب الاجتماعي علينا أن نبحث فيما إذا كان العلم والدّين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
161

148

الإسلام ونظرته إلى العلم

 ينسجمان معاً أو لا ينسجمان. هل يستطيع الناس أن يكونوا مسلمين بالمعنى الحقيقي؛ أي أن يؤمنوا بأُصول الإسلام ومبادئه ويعملوا وفق تعاليمه وأن يكونوا علماء في الوقت نفسه؟ أم عليهم أن يختاروا واحداً منهما؟ فإذا بحث الأمر على هذا النحو، عندها نسأل عن رأي الإسلام في العلم، وعن رأي العلم في الإسلام؟ كيف هو الإسلام كدين؟ هل من الناحية الاجتماعية يمكن احتواء الاثنين معاً؟ أم أنَّه يجب أن يتغاضى عن أحدهما؟


الجانب الآخر: هو أن نتعرّف على نظرة الإسلام إلى العلم. ونظرة العلم إلى الإسلام. وهذا، بالبداهة، ينقسم إلى قسمين: الأول هو معرفة وصايا الإسلام وتعاليمه بشأن العلم. هل يقول إنَّ علينا أن نتجنّب العلم جهد طاقتنا، وهل يرى في العلم خطراً ومنافساً له في وجوده؟ أم أنّه على العكس من ذلك يرحّب بالعلم بكل اطمئنان وشجاعة ويوصي به ويحثّ عليه؟ ثم علينا أن نعرف رأي العلم في الإسلام. لقد مضى على ظهور الإسلام ونزول القرآن أربعة عشر قرناً، وخلال هذه القرون الأربعة عشر كان تقدُّم العلم بصورة قفزات واسعة. 

والآن، فلنرَ هذا العلم بعد كلِّ تطوّره ونجاحه واضطّراد تكامله، ما رأيه في العقائد والمعارف الإسلامية، وفي تعاليم الإسلام الاجتماعية والأخلاقية العملية؟ ترى هل يعترف بها أم لا يعترف؟ وهل رفع من شأنها أم أنزله؟

إنَّ كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة سيكون موضوع بحث، إلّا أنَّ بحثنا هذا سيتناول قسماً واحداً منها وهو ما يتعلّق بنظرة الإسلام إلى العلم.

الإسلام يوصي بالعلم:
ليس هناك أدنى شكّ في كون الإسلام يؤكد على العلم ويوصي به، حيث إنَّنا قد لا نجد موضوعاً أوصى به الإسلام وأكَّده أكثر من طلب العلم.

في أقدم الكتب الإسلامية المدوّنة نجد أنَّ الحثّ على طلب العلم يأتي كفريضة، مثل الفرائض الأُخرى كالصّلاة، والصوم، والحجّ والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
162

149

الإسلام ونظرته إلى العلم

 إلى الآيات القرآنية الكريمة، نجد أنَّ أهم وصية يوصي بها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم هو الخبر الثابتة صحته لدى جميع المسلمين، وهو قوله: "طلب العلم فريضة كُلِّ مسلم"1. فطلب العلم، إذاً، واجبٌ على جميع المسلمين، ولا يختصُّ بطبقة دون أُخرى، ولا بجنس دون آخر. فكل من كان مسلماً عليه أن يواصل طلب العلم.

 
وقال أيضاً "اطلُبوا العِلم ولَو بالصّين"2 أي إنَّ العلم لا يختصّ بمكان معيّن، فحيثما يوجد علم عليكم بالسّفر في طلبه.
 
وقال أيضاً: "كَلِمة الحِكْمة ضالةُ المؤمن فحيث وجدها فهو أحقُّ بها"3، أي إنَّ المؤمن لا يهتمّ بمن يتلقى عنه العلم، أهو مسلم أم كافر كمثل الذي يجد ماله المفقود عند أحدهم، فلا يسأل عمَّن يكون، بل يأخذ منه ماله دون تردًّد. كذلك المؤمن، فهو يعتبر العلم ملكه، فيأخذه حيثما وجده. والإمام علي عليه السلام يوضح هذا الأمر بقوله: "الحِكمةُ ضالَّة المؤمن فاطلُبوها ولو عندَ المُشرك تكونوا أحق بها وأهلَهَا"4.
 
فطلب العلم فريضة لا يقف في وجهه متعلّم ولا معلّم ولا زمان ولا مكان أبداً. وهذه أرفع توصية يمكن أن يُوصى بها وأسماها.
 
ما هو العلم في المنظور الإسلامي؟
إلّا أنّ هنالك كلمة لا بدّ أن تُقال وهي: ما العلم الذي يقصده الإسلام؟ فقد يقول قائل: إنَّ المقصود من كل هذا الكلام عن العلم هو علم الدِّين نفسه؛ أي إنَّ الناس مطلوب منهم أن يطلبوا معرفة دينهم. فإذا كان العلم عند الإسلام هو علم الدِّين، فإنَّه قد أوصى به، ولم يقل شيئاً عن العلم الذي هو الاطلاع على حقائق الكائنات ومعرفة أمور العالم، وبذلك تبقى المشكلة كما هي، وذلك لأنَّ أي مذهب من المذاهب، مهما يكن عداؤه للعلم والمعرفة، ويقف معارضاً كل اطلاع وتقدم فكري، فإنَّه لا يمكن أن يخالف الاطلاع على
 
 
 
 

1- الكافي، ج1، ص30.
2- وسائل الشيعة، ج27، ص27.
3- بحار الأنوار، ج2، ص99.
4- م.ن، ج2، ص97.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
163

 


150

الإسلام ونظرته إلى العلم

  ذاته، بل يقول: تعرّفوا عليَّ ولا تتعرّفوا إلى غيري. وعليه إذا كان قصد الإسلام بالعلم "العلم بالدِّين" فحسب، عندئذٍ يكون توجّه الإسلام نحو العلم صفراً، وتكون نظرته إلى العلم سلبيَّة.


إنَّ العارف بالإسلام ومنطقه لا يمكن أن يقول إنَّ نظرة الإسلام إلى العلم تنحصر بالعلوم الدّينية فقط. إنّ هذا الاحتمال قد ينسجم مع أسلوب عمل المسلمين في القرون المتأخِّرة، حيث ضيَّقوا من دائرة العلم والمعرفة وحدَّدوها. وإلَّا فإنَّ قوله: "الحِكمةُ ضالَّة المؤمن فاطلُبوها ولو عندَ المُشرك تكونوا أحق بها وأهلَهَا"، يصبح لا معنى له إذا كان المقصود بالعلم هو الدِّين، فأي دين هذا الذي يأخذه المؤمن من المشرك؟ وكذلك الحديث "اطلبوا العلم ولو بالصين" فقد جيء بالصين على اعتبار أنَّها أبعد مكان معروف في العالم يومئذٍ، أو على اعتبار أنَّها كانت معروفة بأنَّها مركز من مراكز العلم والصناعة في العالم، ولكن الصين لم تكن قديماً ولا حديثاً مركزاً من مراكز العلوم الدينية.

بصرف النظر عن كل هذه فإنَّ أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم تحدّد المقصود بالعلم وتفسره، ولكن ليس بالتّخصيص والنصّ على العلم الفلاني والفلاني، وإنَّما بعنوان العلم النافع، العلم الذي معرفته تنفع وعدم المعرفة به تضرّ. فكل علم يتضمن فائدة وأثراً يقبل بهما الإسلام ويعتبرهما مفيدين ونافعين، يكون ذلك العلم مقبولاً عند الإسلام ويكون طلبه فريضة.

إذاً، ليس من الصّعب أن نتحقَّق من الأمر، وعلينا أن نرى ما الذي يراه الإسلام نفعاً، وما الذي يراه ضرراً. 

إنَّ كلَّ علمٍ يؤيد منظوراً فردياً أو اجتماعياً إسلامياً، ويكون عدم الأخذ به مسبّباً لانكسار ذلك المنظور، فذلك علمٌ يوصي به الإسلام. وكلّ علمٍ لا يؤثر في المنظورات الإسلامية، لا يكون للإسلام نظر خاص فيه. وكل علم يؤثّر تأثيراً سيِّئاً، فإنّ الإسلام يخالفه. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
164

151

الإسلام ونظرته إلى العلم

 سيرة أئمَّة الدِّين:

إنَّنا من الشيعة، ونعترف بأنَّ الأئمَّة الأطهار عليهم السلام أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنَّ سيرهم وأقوالهم سنَّة لنا.
 
ومن المعلوم أنَّ المسلمين في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني الهجري قد تعرّفوا إلى علوم الدُّنيا عن طريق ترجمتها عن اليونانية، والهندية، والفارسية، ونعلم من ناحية أُخرى، أنَّ الأئمَّة لم يتوانوا في توجيه النقد، إذ أنَّ كتبنا مليئة بهذه الانتقادات. فلو كانت نظرة الإسلام إلى العلوم نظرة سلبية معارضة، ولو كان الإسلام يرى في العلوم وسائل لتخريب الدِّين وهدمه، لما توانى الأئمَّة الأطهار في انتقاد عمل الذين أوصوا بترجمة تلك العلوم: وأنشؤوا لذلك الدواوين وعيّنوا المترجمين والناقلين والناسخين، لترجمة أنواع الكتب في الفلك والمنطق والفلسفة والطبّ والحيوان والأدب والتاريخ. لقد سبق لهم أن انتقدوا كثيراً من الأعمال، فلو لم يرتضوا هذا العمل لكان أجدر بالانتقاد لأنَّه أعظم تأثيراً وأبعد أثراً، ولقالوا: (حسبنا كتاب الله)، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.
 
منطق القرآن:
ثم إنَّ منطق القرآن بشأن العلم منطقٌ عام لا تخصيص فيه، فالقرآن يصفُ العلمَ بأنَّه نورٌ، والجهلَ بأنَّه ظلام، وهو يرى النُّورَ خيراً من الظَّلام.
 
ولكن القرآن يطرحُ عدداً من المواضيع ويطلبُ صراحةً من النَّاس التأمُّل فيها. وما هذه المواضيع سوى تلك العلوم التي نطلق عليها اليوم أسماء العلوم الطبيعية والرياضية والحياتية والتاريخية وغيرها. فالآية 164 من سورة البقرة تقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾1، أي أنَّ لكلِّ هذه الظواهر قوانين وأنظمة تقرّبكم معرفتها إلى وحدانية الله.
 
 
 

1- البقرة، 164.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
165

152

الإسلام ونظرته إلى العلم

 فالقرآنُ يوصي النَّاس صراحةً بدراسة هذه الأمور، لأنَّ دراسة هذه الأُمور تؤدِّي إلى دراسة الفلك والنُّجوم، الأرض والبحار، والكائنات الجوية، والحيوان وغيرها. وهذا واضح في الآية الثانية من سورة الجاثية، الآية 25 من سورة فاطر، وآيات أخرى.

 
إنَّ القرآن كتابٌ بدأَ أوَّل نزوله بالكلام على (القراءة) و(العلم) و(الكتابة)، فكان أول وحيه موجّهٌ إلى هذه الأُمور: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾1.
 
التوحيد والعلم:
الإسلام دينٌ يبدأ بالتَّوحيد، والتَّوحيد قضيّة عقلانية لا يجوزُ فيها التَّقليد والتّسليم التعبُّدي، بل لا بدَّ فيه من التعقُّل، والاستدلال، والتّفلسف.
 
ولو كان الإسلام قد ابتدأ بالثنائية أو التثليث لما استطاع إطلاق الحرية في هذا البحث، وما كان له إلَّا أن يعلن عنه كمنطقة محرّمة ممنوعة. ولكنَّه إذ بدأ بالتوحيد، فقد أعلنه منطقة مفتوحة. بل إنّ واجهة الارتياد والمدخل في نظر القرآن، هو الكائنات برمتها، وبطاقة الدخول هي العلم والتعلم، ووسيلة التنقل في هذه المنطقة هي قوَّة الفكر والاستدلال المنطقي. 
 
هذه هي المواضيع التي يوصي القرآن بدراستها. أما كون المسلمين لم يولوها اهتماماً بقدر اهتمامهم بمواضيع أُخرى لم يوص القرآن بها، فذلك أمرٌ آخر، وله أسبابه التي لا مجال هنا لبحثها.
 
كلُّ هذه قرائن تدلُّ جميعها على أنَّ نظرة الإسلام لا تنحصر بالعلوم الدّينية. وقد دار نقاش طويل قديماً حول ما يقصده الإسلام بالعلم الذي يرى التزوّد به واجباً وفريضة. وراحت كل مجموعة تحاول التطبيق على ذلك الفرع من العلوم الذي تمثّله هي. فكان علماء الكلام يقولون: إنَّ المقصود هو علم الكلام، وقال المفسّرون: إنَّه يقصد علم التفسير، والمحدّثون قالوا: إنَّه علم الحديث. وقال الفقهاء: إنَّه الفقه وأنَّ على كل امرئ إمَّا أن
 
 
 

1- العلق، 1-4.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
166

153

الإسلام ونظرته إلى العلم

  يكون فقيهاً أو مقلّداً لفقيه. وقال الأخلاقيون: إنَّه علم الأخلاق والاطّلاع على المنجيات والمهلكات. وقال الصوفيون: المقصود هو علم السَّيِر والسلوك والتوحيد العملي، وينقل الغزالي بهذا الشأن عشرين قولاً غير أنَّ المحقّقين يقولون: إنَّ المقصود ليس أياً من هذه العلوم على وجه التّخصيص، إذ لو كان المقصود علماً معيناً لذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعيَّنه بالإسم، وإنَّما المقصود هو كل علم نافع يفيد الناس.


هل العلم وسيلة أم غاية؟
لا شكّ أنَّ بعض العلوم هو هدف بحدّ ذاته كالمعارف الربوبية، ومعرفة الله وما يتعلّق بذلك، كمعرفة النفس والمعاد. فإذا تجاوزنا هذا، تكون العلوم الأخرى وسائل لا أهدافاً. أي إنَّ ضرورة علم ما وفائدته لا تتحدّد بمقدار أهمّيته كوسيلة لتحقيق عمل أو وظيفة. فكل العلوم الدّينية، باستثناء المعارف الإلهية، كعلم الأخلاق، والفقه والحديث، تدخل في ذلك المعنى، فكلها وسائل، وليست أهدافاً، ناهيك عن العلوم الأدبية والمنطق التي تدرّس في المدارس الدّينية كمقدمات.

ولهذا، يرى الفقهاء في اصطلاحهم أنَّ وجوب العلم وجوب مقدّمي، أي أنَّ وجوبه متأتٍّ من كونه يعدّ المرء ويهيّئه للقيام بعمل ما متفق مع منظور الإسلام، حتى إنَّ تعلم المسائل العلميّة في الأحكام من مسائل الصَّلاة والصّوم، والخمس والزكاة، والحج والطَّهارة، ممَّا هو مذكورٌ في الرَّسائل العملية، ليس إلَّا لكي يكون الإنسان متهيّئاً لأداء وظيفةٍ أُخرى أداءً صحيحاً. فالمستطيع الذي ينوي الحجّ يجب أن يتعلّم ما يتعلَّق بأحكامه لكي يكون مستعدّاً لأداء مناسك الحجّ على وجهها الصحيح.
وبعد أن ندرك هذا علينا أن ندرك أمراً آخر، وهو: أي دين هو الإسلام؟ ما أهدافه؟ ما المجتمع الذي يريده؟ ما مدى اتِّساع المنظورات الإسلامية؟ هل اكتفى الإسلام بهذا العدد من المسائل العباديّة والأخلاقيّة؟ أم إنَّ تعاليم هذا الدِّين قد اتَّسعت لتشمل كلَّ شؤون حياة البشر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإنَّ له في ذلك أهدافاً يبغي تحقيقها؟ هل الإسلام يريدُ المجتمع مستقلاً، أم لا يعنيه إن كان مستَعْمَراً ومحكوماً؟ ما من شكٍّ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
167

154

الإسلام ونظرته إلى العلم

  في أنَّ الإسلام يريدُ مجتمعاً مستقلاً، حراً، عزيزاً شامخ الرأس، مستغنياً عن الآخرين.


وثمَّة أمرٍ ثالث لا بدَّ من معرفته والاطّلاع عليه، وهو أنَّ العالم اليوم يدور على العلم، وأنَّ مفتاح كلّ شيءٍ هو العلم والمعرفة، وإنّنا بغير العلم لا نستطيعُ خلْقَ مجتمعٍ غنيٍّ، ومستقلٍّ، وقويٍّ، وحرٍّ، وعزيزٍ. وهذا يؤدِّي بنا إلى الاستنتاج بأنَّ من الواجب والمفروض على المسلمين في كلِّ زمان، وعلى الأخصّ في زماننا هذا، أن يتعلّموا ويُتقنوا كلَّ علمٍ من العلوم التي تكون وسيلة للوصول إلى الأهداف السّامية المذكورة.

وعلى هذا الأساس، نستطيع اعتبار جميع العلوم النَّافعة علوماً دينيَّة، كما نستطيع أنْ نعرفَ أيّ العلوم هو من الواجبات الكفائيّة، وأي العلوم هو من الواجبات العينيّة؟ وكذلك نستطيع أن نعرف إن كان علمٌ من العلوم يمكن أن يكون في وقت ما من أوجب الواجبات، ولا يكون كذلك في وقت آخر. وهذا بالطَّبع يتعلّق بميزان ذكاء الأشخاص الذين يكونون من المجتهدين في كل زمان ويستنبطون الأحكام لذلك الزمان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
168

155

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 إحترام الحقوق وتحقير الدنيا


مقدّمة
يتّضح ما يولِه الدّين الإسلامي من احترامٍ ورعايةٍ لحقوق الأفراد والمجتمع فيما بينهم، بالرجوع إلى التشريعات الإسلاميّة في باب خيانة الأفراد وظلم بعضهم بعضاً، وبخصوص وظائف الحاكم وظلمه وعدله، وبشأن القضاء وواجبات القاضي وصعوبة إجرائها، وفيما يتعلّق بالشهود، وغير ذلك.

قد يخطر هنا بالبال استفهامٌ إنكاريٌّ مفاده: كيف يحمل الإسلام هذا القدر من الاحترام للحقوق الاجتماعيّة، في حين أنَّ المعروف عن الإسلام أنَّه يحتقر الحياة الدنيا؟ 

إنَّ حقوق البشر فيما بينهم تتعلَّق بهذه الحياة الدّنيا، وهي تمنع الفرد من أن يتجاوز حقوق فردٍ آخر، حتى لو كان شيئاً زهيداً. وعليه، إذا كانت الدّنيا نفسها والحياة فيها حقيرةً في نظر الإسلام ولا تستوجب الاحترام، فلا بدَّ أن تكون حقوق الأفراد التي تتعلَّق بهذه الدّنيا المحتقرة محتقرةً أيضاً، ولا تستوجب الاحترام؟

القيمة الذاتيَّة والقيمة النسبيّة:
للإجابة على هذا التساؤل ينبغي أن نعرف أولاً معنى تفاهة الدّنيا في نظر الدين. فالإبهام الذي يكتنف هذه الأمور يؤدّي إلى الكثير من الشبهات والتساؤلات. إذا نظرنا إلى قيمة شيءٍ بحدِّ ذاته لكان لكلِّ شيءٍ قيمته الذاتيّة؛ لأنَّ لكلِّ شيءٍ مكانته في الوجود، ومجرَّد كون الشيء موجوداً يعطيه قيمةً ما، وعلى حدِّ تعبير الفلاسفة، فإنَّ الوجود يساوي الخير. 

ولكن إذا نظرنا إلى الشيء لا من حيث قيمته الذاتية، بل من حيث علاقته بشيءٍ آخر، ومن حيث تأثيره في وجود شيءٍ آخر، فمن الممكن أنْ لا يكون له قيمةٌ بالنسبة إليه، فلا يكون له تأثيرٌ نافعٌ أو مضرٌّ في الشيء الآخر، أو قد يكون له تأثيرٌ سلبيٌّ أو إيجابيٌّ فيه، فإن 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
169

156

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

  كان تأثيره إيجابياً قلنا إنَّ هذا الشيء ذو قيمةٍ بالنسبة للشيء الآخر. وهذه القيمة - وهي قيمةٌ نسبيَّة، أي قيمة الشيء بالنسبة للشيء الآخر- على نوعين: فمرَّةً تؤخذ قيمة الشيء بمفرده بنظر الاعتبار، كأن نقول إنّ النقود ذات قيمة للإنسان، ومرّةً تُقاس قيمة الشيء بالنسبة إلى شيءٍ آخر بمقارنتها بقيمتها بالنسبة إلى شيءٍ ثالث، كأن نتساءل عن قيمة المال للإنسان بالقياس إلى قيمة الصحّة أو العلم أو الأخلاق للإنسان.

 
وقد نقول إنّ قيمة حفنةٍ من الحصى، أو قيمة ذبابةٍ أو بعّوضة عند الإنسان لا تساوي شيئاً؛ لأنَّ وجودها وعدم وجودها سيَّان عنده، ولا شكَّ أنَّ الحقوق التي تخصُّ هذه الأشياء التي لا قيمة لها لا قيمة لها أيضاً. أمّا المال، فإنَّه ذو قيمةٍ للإنسان؛ لأنَّه يمكن أن يكون مفيداً له وحلّالاً لمشاكله، ولكن هذا المال نفسه، بالقياس إلى الصحَّة أو الشَّرف أو المنعة، يصبح شيئاً لا قيمة له، ولا نقول تقلُّ قيمته، بل تنعدم.
 
وليس معنى ذلك أنّه إن كان المال كثيراً أصبح من الممكن أن نقارنه بالشرف إن كان قليلاً، لهذا إذا كان شخصٌ ما يحبُّ المال، ولكنَّه كان من ناحيةٍ أخرى شريفاً كريم النفس، فإنَّه يسعى نحو المال إلى الحدّ الذي تكون فيه شرافته وكرامته ومنزلته محفوظة. ولكن، ما إنْ يتوجَّه بعض الخطر نحو كرامته أو شرفه بسبب المال، حتى يتنازل عن المال بصرف النظر عن مقداره، كثيراً كان أم قليلاً، بل حتى لو أعطوه كلَّ أموال الدّنيا فإنَّه لا يتقبَّله ثمناً لشرفه أو كرامته، فهذا شخصٌ يرى أنَّ للمال أو للمقام قيمته، ولكن ليس في مقابل الكرامة؛ إذ إنَّه عند ذلك يفقد قيمته، قليلاً كان أم كثيراً، بل إنَّ كثيره أيضاً لا يساوي قليله.
 
يصف الإمام علي عليه السلام حالته النفسيّة والروحيّة بالطريقة التالية: "واللهِ لوْ أُعْطِيتُ الأقاليمَ السَّبْعَةَ بما تَحْتَ أفلاكها عَلَى أنْ أعصِي اللهَ في نملةٍ أسلُبُها جِلْبَ شعيرةٍ مَا فَعَلْتُه"1؛ أي إنَّ الدُّنيا كلَّها لا قيمة لها إذا كان ثمنها أن أظلم نملةً بسلبها قشرة شعيرة.
 
 
 

1- نهج البلاغة، خطبة 224.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
170

157

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 وليس في هذا تقليلٌ من قيمة الدّنيا وما فيها، بل فيه رفعٌ لقيمة الحقِّ والعدل، فهو عليه السلام لم يردْ أن يقولَ إنّه لا يرضى بالدنيا وما فيها لأنَّها ضئيلةٌ أو لا قيمة لها، بل أراد أن يقول إن الظلم من الكبر بحيث أن أصغر الظلم، وهو سلب نملةٍ قشرة شعيرة، لا يعدلُ قيمة الدُّنيا وما فيها.


يقول سعدي في هذا المعنى ما مؤدّاه:
(لا تستحـقّ الدّنيا أن تسبّـب الاضطـراب لقلـب
                                      فـاحـذر، ولا تقتـرف سـوءا؛ فمـا فعلـه عـاقـل)

وسعدي أيضاً لا يريد أن يقولّ إنَّ قيمة الدّنيا من القلّة بحيث إنَّها لا تستحقُّ أن يقبلها المرء ثمناً للقيام حتى بعملٍ تافهٍ مثل إلقاء الاضطراب في قلبٍ ما، بل مقصوده أنّ إلقاء الاضطراب في قلبٍ ما من الأهميّة بحيث إنَّ الدّنيا لا قيمة لها بإزاء ذلك، وهذا تقييم بالمقايسة، وهو التقييم النسبيّ.

فالدّنيا التي لا قيمة لها في نظر الدّين، إنَّما هي من باب المقارنة، أي إنّ الدّنيا لا تستحقّ أن يقوم المرء في سبيلها بالتخلِّي عن القيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة وعن معنى الإنسانيّة والرفعة، أو أن يكذب أو يخون أو يخلف عهداً أو يظلم أو يدوس على حقوق الآخرين. ولا تستأهل مطامع الدّنيا ومنافعها أن تضطرب القلوب بسببها، أو حتى أنْ يُداسَ حقُّ نملة.

هذا المنطق منطقٌ جيّد رفيع، فمن الخطأ القول إنّ الدّين يرى أنَّ الدّنيا لا تستحقّ حتى كذبةً واحدة، ولا خيانةً ولا ظلماً. إنَّ التفسير الصحيح لذلك هو أنَّ الدِّين يرى أنَّ العقائد والحقوق والأخلاق والإيمان على قدرٍ من الأهميّة والتقدير بحيث إنَّه يقول: ينبغي في سبيل هذه التخلّي عن الدّنيا وما فيها.

وهذا هو الحقّ، إذ إنَّنا لو أدركنا معنى الإنسان والإنسانيَّة والقيم المعنويَّة لما قلنا غير هذا؛ فالإنسان في كلِّ أنحاء الدّنيا، وحتى الإنسان المادّيّ، لا بدَّ وأن يُقرَّ بالقواعد والأصول والحقوق وأنْ يحترمها، ولا يسعه إلَّا أنْ يستصغرَ المطامح والمنافع المادّيّة بإزاء العقيدة والسلوك والحقوق. هذا المنحى يُعبَّر عنه بلغة الدّين الخاصّة بكون الدّنيا لا قيمة لها، وهي 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
171

158

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 ليست جديرةً بالاهتمام. إنَّ المباني الدينية هي وحدها التي تستطيعُ أنْ تُكلِّم الإنسانَ بهذا المنطق، وأنْ تقنعه بأنَّ العقيدة والأخلاق والقواعد والحقوق فوق المنافع الدنيويّة، ولو جرَّدنا الإنسان من المباني الدّينية فلن يبقى أساسٌ للقول بأنَّ الإنسانيّة أعلى مرتبةً من المنافع.

 
ولو أخذنا الدُّنيا بحدِّ ذاتها بعين الاعتبار- بصرف النظر عما إذا كنَّا نريد في سبيلها أن نرتكب إثماً، أو أنْ نخالف قاعدةً أو أنْ نضيِّع حقاً- فإنَّ الدُّنيا تكون من هذه الناحية، ذات قيمةٍ كبيرةٍ لنا، ولكنَّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يصفُ الدُّنيا بقوله: "الدنيا مزرعة الآخرة"1.
 
ويصفها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: "مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللهِ، وَمُصَلَّى مَلاَئِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللهِ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللهِ"2، فهذا مكانٌ لا يمكن القول بأنَّه مكانٌ لا فائدةَ له ولا قيمة.
 
إنَّ الدّينَ، بمنطقه الرفيع هذا، لا يبخس الدّنيا حقَّها من حيث هي، ومن حيث ما يفهمه الجميع، بل يعرّف الناس بالقيم المعنويَّة وبالتقوى والفضيلة، وبالحقوق الاجتماعيّة التي قلَّما يدركها الناس، ويبيِّن ما لها من قيمة. إذاً، فالقول بأنَّ الدّنيا لا قيمة لها أمرٌ اعتباريٌّ نسبيّ، وهذا لا يتنافى واحترام الحقوق المتعلّقة بالحياة الدّنيا، بل هو احترامٌ لهذه الحقوق ذاتها. إنَّ احترام الإسلام الكبير لهذه الحقوق دليلٌ على أنَّ القول بأنّ الدّنيا لا قيمة لها إنَّما هو من باب المقارنة.
 
المنطق الاجتماعيّ:
في الإجابة على ذلك السؤال أقول: ألا يريد الإسلام بقاء المجتمع الإنسانيّ؟ لا شك أنَّه يريده، فإذا كان الأمر كذلك، فهل هذا ممكن دون أن تدور عجلة هذا المجتمع على محور العدالة والحفاظ على حقوق الناس فيه؟ أو لم يقل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نفسه: "المُلْك يَبْقى مَعَ الكُفْرِ، وَلاَ يَبْقى مَعَ الظُّلم"3؟ أي إنَّ مجتمعاً يسوده العدل والاعتدال يمكن أن يبقى حتى وإنْ كان أفراده من الكفار، ولكن إن ساد هذا المجتمع الظلم وهدر الحقوق والإجحاف بسبب التمايز والمحسوبيّة، فإنّه لن يدوم ولن يكون له بقاء، وإن كان 
 
 
 

1- عوالي اللآلي، ج1، ص267. 
2- نهج البلاغة، خطبة 131.
3- الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، مؤسسة الهادي، قم، إيران، الطبعة الثانية، 1996م، ج2،ص477. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
172

159

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 أفراده من المسلمين. إنَّ في القرآن كثيراً من الآيات التي تقول إنّ سبب هلاك الأقوام الفلانيّة والأقوام الفلانيّة هو ظلمهم.

 
يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾1، ويرى المفسّرون أنَّ المقصودَ بالظلم هنا هو الشرك؛ لأنَّ الشّرك نوعٌ من الظُّلم ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾2؛ أي إنَّ الله لا يُهلكَ الناس بسبب الكفر والشرك، إذا كانوا هم من حيث العلاقات والحقوق الاجتماعيّة أناساً عادلين.
 
دور العدالة الاجتماعيّة في المعنويّات:
لنفترض أنّ القول بأنّ الدّنيا لا قيمة لها ليس من حيث قيمتها النسبيّة، بل هي في نظر الدّين شرّ مطلق، ولكنّنا إن شككنا في أيّ شيء، فلن نشكّ في الهدف الذي جاء الأنبياء من أجله، لقد جاؤوا لتعليم مجموعةٍ من العقائد النقيّة، لتطهير أراوح الناس (إنَّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)3، نعم، جاؤوا لتحريض الناس على فعل الخير وعمل الصالحات، ولتحذيرهم من ارتكاب الموبقات.
 
ففي المنظور الدينيّ هناك عددٌ من الأعمال الصالحة جاء الأنبياء ليحملوا الناس على التمسّك بها، وهناك أعمالٌ طالحةٌ جاؤوا لينذروهم من مغبَّة الإتيان بها. إنَّ التعاليم الدينيَّة تنقسم - عموماً - إلى ثلاثة أقسام: العقائد، والأخلاقيّات، والتعاليم العمليَّة.
 
إنَّ التعاليم العقائدية تشمل الإيمان بالله وبرسله وبأوليائه وبالمعاد والثواب والعقاب.
 
والتعاليم الأخلاقيّة تشمل أموراً مثل التقوى والتعفّف والرضى والشكر والصبر والعفو والحلم وطهارة الروح والتآلف والمحبّة والاتّحاد، وتجنّب الحسد والحقد والجبن والبخل والظلم والاعتداء. 
 
 
 
 

1- هود، 117.
2- لقمان، 13.
3- بحار الأنوار، ج68، ص382.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
173

160

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 أمّا التعاليم العمليّة فواضحة، فبعضها يتعلّق بالعبادات، كالصلاة والصوم والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها، وثمّة تعاليمٌ تخصّ المعاشرة، كالإحسان وصلة الرحم والصّدق، وتجنّب الكذب والغيبة والتهكّم والقتل والخمر والقمار والربا والنفاق، وغيرها.


وإن كنّا في شكٍّ من شيء، فلا نشكُّ أنَّ الإسلام يريد تحقيق كلَّ أمرٍ يراه صالحاً، والحيلولة دون تحقيق كلِّ أمرٍ ليس فيه صلاح.

والآن فلنر أنّه إن كانت حقوق الناس محفوظة، وكان المجتمع عادلاً ومتعادلاً، ولم يكن بين الناس تمييز، وحرمان وإحساس بالغبن، وكانت العقائد الطاهرة، والأخلاق الحسنة، وصفاء القلب، والأعمال الصالحة، أكثر شيوعاً بين الناس، ولم تكن أسباب ارتكاب المعاصي، والأخلاق الرذيلة، وشيوع العقائد غير الطاهرة متوفّرة، فإنّه يكون حال الناس أفضل. أمَّا إن لم يكن هناك تعادلٌ بين هذه الأمور، وكان شيوع الإفراط والتفريط، والإجحاف والغبن، والاختلاف والتمايز أكثر، فأيّ الحالين أوصل إلى تزكية النفس وصفاء الروح؟ أم أنّ هناك حالةٌ ثالثة، كأن لا يكون للمجتمع - مهما كان شكله - أيّ تأثيرٍ في هذه الأمور، وإنّ هذه الأمور لا علاقة لها بذلك؟

ما من عاقلٍ يمكن أن يقول إنّه كلّما كان المجتمع مرتبكاً لا تسوده العدالة، تكون ظروفه أنسب لظهور العقائد الطاهرة، والنفوس الزكيّة، والأعمال الصالحة. إنّ أقصى ما يمكن أن يقوله أحدٌ هو أنّ وجود العدالة الاجتماعية وعدم وجودها، والحفاظ على حقوق الناس وعدم المحافظة عليها، لا تأثير له في هذه الأمور ولعلَّ هذا هو ما يراه الكثيرون من المتديّنين عندنا، فيقولون إنَّ لكلٍّ حسابه، ولا علاقة لأحدهما بالآخر.

لو أنّ شخصاً قال بهذا، لكان على خطأٍ كبير، وهو تصوُّرٍ باطل، إذ ما من شكٍّ في أنَّ للأوضاع العامة، ولوجود العدالة الاجتماعيّة وعدم وجودها تأثيراً كبيراً في أعمال الناس وفي أخلاقهم، وحتى في أفكارهم وعقائدهم. إنَّ تأثيرها يشمل المراحل الثلاث: مرحلة الفكر والعقيدة، ومرحلة خلق الملكات النفسيَّة، ومرحلة العمل.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
174

161

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 تأثير العدالة الاجتماعيّة في الأفكار والعقائد:

إذا ما رجعنا إلى أدبنا وآثارنا الأدبيّة وأفكار شعرائنا المبرزين، نجد أنَّهم في الوقت الذي كانوا فيه قد أدركوا الحقائق، وعرفوا الحكم وحملوا أفكاراً لطيفة، فقد ظهرت عليهم حالاتٌ برزت منهم فيها آراءٌ فكريّةٌ عجيبة، فمثلاً نجد أنَّهم قد أولوا عنايةً كبيرةً للحظّ، وقالوا: نَمْ أنتَ وليكن حظّك يقِظاً. إنَّهم إذا سمعوا باسم الحظّ، فقدت الأمور الأخرى قيمتها عندهم، العلم والعقل والسعي والاجتهاد والفنّ والصناعة وقوّة العقل، كلّها لا شيء في نظرهم، يقولون: الحظّ هو الذي يحقِّق الأشياء، لا العقل:
(كثيراً ما يحدث هذا في العالم                         الأحمق رفيع والعامل ذليل)

وإن حَسُن الحظّ فلا أثر للفنّ واللياقة والخبرة:
(لو كان لك في كلّ شعرةٍ مئتا فنٍ                     فلن ينفع الفنّ إن كان الحظّ سيّئا)

فلا قيمة للسعي والاجتهاد، المهم هو الحظّ.
(اسمع من أبي العجائب هذا حديثاً                   فبغير الحظّ لا يعادل الاجتهاد حبَّتَي شعير)

وحُسْن الحظّ هو المطلوب، فقوّة العضل لا تصنع شيئاً:
(ماذا يصنع القويّ المقلوب الحظّ                         فقوّة الحظّ خيرٌ من قوّة العضل)
(بالتعب الفارغ لا يُعْثر على كنز                          إذ الفضل للحظّ لا لقوّة الساعد)

فالكلام كلّه على الحظّ، ولكنّنا لو سألنا هؤلاء الفضلاء المبرَّزين أنفسَهم: ما هو الحظّ؟ عرِّفوه لنا، فلا بدَّ أنّكم تعرفونه ما دمتم لا تتعبون من ذكره، لما أعطوا جواباً.

أصل ظهور فكرة الحظّ:
نعم لقد عثروا على أثرٍ غامض وموضع قدمٍ خفيّة، فظهر عندهم الاعتقاد بالحظّ، ترى ما الذي عثروا عليه؟

كانوا يعيشون في مجتمعٍ أمضى أفراده أعمارهم يكدّون ويكدحون، ولكنهم لم ينالوا غير الفاقة والحرمان، وفي الوقت نفسه كانوا يرون من لا يعمل شيئاً مرفَّهاً ومعزَّزاً، ومن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
175

162

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

  لا يعرف شيئاً عالِماً، ومن يتَّصف بالعقل ذليلاً. كلُّ الذي رأوه هو أنْ ليس هناك تناسبٌ بين الفنّ واللياقة والإدراك من جهة، والحظّ والحقّ والرخاء من جهةٍ أخرى؛ لأنّ هذا هو ما رأوه في مجتمعهم، واتّخذت هذه المشاهدات المنتزعة من مجتمعهم شيئاً فشيئاً صيغة فلسفةٍ باسم فلسفة الحظّ، وأطلقوا اسم الحظّ على كلّ هذه المظالم والتناقضات، بعلمٍ أو بغير علم، ولكم كالوا السباب والشتائم على هذه الفلسفة. إنَّ فكرة الحظّ وفلسفتها لا أصلَ لها سوى الظلم والجور وانعدام العدالة الاجتماعيّة. إنَّ الذي ألهم هذه الفكرة الشيطانيّة هو الهرج والمرج والظلم الاجتماعيّ.

 
وإذا ما تجاوزنا ذلك المصدر، فلا يتبقّى سوى مصدرين آخرين لذلك الإلهام. الأول هو الدّين، حيث إنَّ الشعراء كانوا يستلهمون أحياناً الآيات القرآنيّة، وأحياناً الأحاديث النبويّة، وأحياناً أقوال الأئمّة، ولكنّنا في القرآن كلّه والأحاديث النبويّة وما ورد عن الأئمّة، لا نرى ذكراً للحظّ.
 
والمصدر الآخر هو العقل والعلم والفلسفة. إنَّ الكتب الفلسفيّة التي تذكر الحظّ إنَّما تذكره دائماً على أنَّه وهمٌ من الأوهام. إذاً، فكرة الحظّ هذه ذات القدرة الخارقة من أين جاءت؟ بحيث أصبح الإنسان يتصوَّر أنَّ سلطة الحظّ أعلى من كلِّ عقلٍ وعلمٍ وعملٍ وسعيٍ وفنٍّ وصنعةٍ وقوّة.
 
إنَّ الملهم الأوّل لهذه الفكرة الشيطانيّة ليس سوى انعدام التنظيم والتباين الذي لا موجب له، وإعطاء الأولويات لغير مستحقّيها، فعندما تتزلزل العدالة الاجتماعيّة، ولا يُراعى لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، بل يستعاض عن ذلك بالمحسوبيّة والمنسوبيّة والتحزُّب، فيشتدُّ ساعد أفكارٍ كالحظّ وأمثاله ويتَّسع نفوذها؛ وذلك لأنّ معنى الحظّ هو ألا يكون شيءٌ شرطاً لحصول شيءٍ آخر.
 
ما أوسع الفرق بين أن يقول المرء بوجود أثرٍ للسعي والاجتهاد ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾1، وذلك الذي يقول: كلّ سعيك هباءٌ منثورٌ، وإنّ ليس ثمَّة شيءٌ شرطٌ 
 
 
 

1- النجم، 39.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
176

163

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 لشيءٍ آخر! ما أعظم الفرق بين الاعتقاد بـِ: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾1 والاعتقاد بالحظ! 

 
سوء الظن بالزمان:
نلاحظ في آثارنا الأدبيّة مقولةً تحت عنوان الشكوى من الزّمان، وكم من السبّ واللّعن يصبّونه عليه، والصّفات التي ينسبونها إليه، كالغدّار والظالم والخؤون، وكلّ صفةٍ أخرى تحكي الجور والجفوة والغدر والمكر والخداع، يلصقون كلّ ذلك بالزمان، حتى بلغ بهم الأمر أنَّهم زعموا أنّ الزمان يحقد على الطيّبين من الناس ويحمل لهم العداء والضغينة.
 
وهذا الزّمان الذي يناصبهم العداء ليس زمان الأفلاك ودوران الأرض، بل إنّه زمان القائل نفسه، أي إنَّه محيطه الاجتماعيّ، البيئة التي تحيط به، لا الزّمن الكبير. إنّها أقوال تعكس حالات قائلها النفسيّة الخاصّة، بل إنَّ هذه الأقوال التي يردِّدها الشاعر لا تحكي مشاعره الخاصّة فحسب، وإنَّما هي لسان حال مجتمعه وعصره. 
 
إذا ما جال المرء ببصره حوله ولم ير غير الظلم والغدر، دون أن يعرف السبب، أو إذا عرفه لا يستطيع الجهر به، عندئذٍ يفرغ ما في نفسه من الحقد على الزّمان ودورات الفلك المعاكسة لآماله.
 
ثم ينتج عن كلِّ ذلك نوعٌ من سوء الظن بجهاز الخليقة، ثم يقوى سوء الظّن هذا، بحيث يرى أنَّ بنية الدُّنيا قد ركّبت على ظلم الطيّبين، وعلى نوعٍ من عداءٍ وحقدٍ قديمين يكنّهما الزمان للأخيار. لا شكّ أنَّ هذا يحمل الناس على أنْ يسيئوا الظنّ بالزمان وبالخلق، بل وببدء الكائنات، وفي هذا يقول ابن الراوندي:
كم عاقلٍ عاقل أعيت مذاهبه                     وجاهلٍ جاهل تلقاه مرزوقاً
هذا الذي ترك الأوهام حائرةً                     وصيّر العالم النحرير زنديقاً
 
على كلّ حال، فإن اضطراب التوازن الاجتماعيّ والتمايز بين الناس يورث الاضطراب الفكريّ والاعتقاد بسيادة الفوضى وبلا جدوى العوامل الواقعيّة للسعادة، كالعقل والعلم 
 
 
 

1- الرعد،11.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
177

164

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 والتقوى والسعي والعمل والفنّ واللياقة، الأمر الذي ابتدع ما يسمّى بفلسفة الحظّ، وهي ما نرى آثارها في آدابنا. كما إنّ تلك الحالات والظروف تؤدّي إلى سوء الظنّ بالخليقة وبمبدأ التكوين المقدّس، وهذا يكون بتأثير انعدام العدالة في العقيدة والفكر.


العدالة الاجتماعيّة وسلوك الفرد:
أمَّا من حيث شيوع الظلم الاجتماعي في إفساد الأخلاق والسلوك، فهو ككلّ الأمور الأخرى التي لها عللها وأسبابها، لا تظهر دون سبب. إنّ من جملة تلك المؤثّرات: جبلَّة المرء وطينته، وظروف المحيط وتلقيناته، ومن الأمور التي لها تأثير حاسم في إفساد الأخلاق وتسميم روح الإنسان، هو الحرمان والشعور بالغبن. إنّ الحسد والحقد والعداء وتمنّي الشرّ للآخرين، كلّها تستقي من هذا المنبع.

هناك بالطبع أشخاصٌ مستثنون من هذه القاعدة، بحيث إنَّ الظلم والحرمان لا يؤثِّر فيهم، فهم يختلفون من حيث تمتُّعهم بمثل هذه المعنويّات الروحيّة، إذ إنَّ الإيمان القوي يقف في وجه الكثير من العوامل، وأفرادٌ من هذا الطراز يرتفعون عن مستوى أفكار العامّة، وقد يتطلّب هذا بعض التوضيح.

ثمّة أسرةٌ من الوالدين وأبنائهما، يتمّ فيها توزيع الغذاء والفواكه والحلويات والملابس على أهل البيت، إنّ الانطباع أو الفكرة التي سوف يحملها الأطفال عن كلّ ذلك تكون مختلفةً عمّا يحمله الأبوان عنه، وهما على مستويين متباينين.

ثمّ هناك الشعور الذي يحمله كلّ طفلٍ نحو الآخر، فمن رأى منهم أنّ حصّته من الفاكهة أو الحلوى أقلّ من حصّة غيره، فيثور ويغضب ويبكي، وبما أنّه يحسّ بأنّه قد ظلم وأنّه مغبون، فإنّه يسعى للانتقام، ولذلك يجب على الوالدين اللذين تعنيهم سعادة أطفالهم، ويريدان أن يربّيا في أبنائهم عواطف سليمة، أن لا يميّزا في تعاملهم مع أبنائهم بين واحدٍ وآخر؛ فالتمييز يبذر بذور الشقاق والحسد والانتقام، إنّ التمييز يؤثّر على روح الطفل المحروم فيعذّبه، ويؤثّر في الوقت نفسه على روح الطفل المقرّب، فيجعله اتّكاليّاً ضعيف النفس مدلّلا. إنّ الأبوين يهتمّان بالطفل إذا ما ألمّ به مرضٌ،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
178

165

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

  فيسرعان به إلى الطبيب، ولكنّهما لا يعنيان كثيراً بسلامة أرواح أطفالهما وعواطفهم، فهما يستصغرانهم في حين إنّ سلامة الأطفال الروحيّة لا تقلّ أهميّةً عن سلامتهم البدنيّة، بل هي أهمّ من تلك بمراتب.

 
الخلاصة؛ هي إنّه لمّا كان الأطفال يفكّرون بمستوىً واحد، فإنّ حرمان أحدهم دون الآخر لا بدَّ أن يخلّف فيهم أثراً سيئاً، ولكن بما إنّ تفكير الأبوين مختلفٌ عن تفكيرهم، وهو أعلى مستوى، فإنَّهما لا يتأثّران بمثل ذاك الحرمان والشعور بالغبن، فلا يرون في عدم حصولهما على حصّتهما من الغذاء أو الفاكهة ما يدعو إلى الإحساس بالغبن أو الدونيّة.
 
كذلك هو الحال في المجتمع، فالأشخاص غير العاديين الذين هم بمثابة آباء الأمة، لا يقعون تحت تأثير انفعالات الحرمان، ولا يتأثّرون بمثل هذا الظلم إن وقع عليهم، وكما إنّ الأبوين لا يريدان إلا الخير لأبنائهما، كذلك لا يريد هؤلاء إلاَّ الخير لأمّتهم.
 
في معركة أُحد، وعندما أصيبت جبين الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بالحجر، وكسرت سنّه، رفع يده بالدعاء قائلاً: "اللَّهمَّ اهدِ قَومي؛ فإنَّهم لا يعلمون"1.
 
ويقول علي عليه السلام في قضيّة فدك: "فَشحَّتْ عليها نفوس قوم، وسَخت عنها نفوس آخرين، وما أصنَعُ بفَدَكِ وغير فَدَك، والنفس مظانُّها في غدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ في ظُلمته آثارها"2.
 
آثار التمييز الأخلاقيّة:
هذا في أفراد غير عاديين. أمّا في سائر أفراد الناس فحالهم كحال أفراد تلك الأسرة، فالتمييز أو التباين في المعاملة يقهر نفوس المحرومين، ويجعلها تميل نحو الحقد والانتقام، كما إنّه يخلق من جهةٍ أخرى أشخاصاً مدلّلين، مسرفين، سريعي الغضب، لا يعملون، مبذّرين. فمن جهةٍ يتولّد الحقد والحسد والضغينة وحبّ الانتقام والعداء، ومن جهةٍ أخرى يتولّد الدلال والنفور من العمل ومن الاستقامة وحبّ التبذير والإسراف والأنانيّة، ولتتخيّلوا 
 



1- بحار الأنوار، ج20، ص20.
2- نهج البلاغة، خطبة45.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
179

166

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 ما يمكن أن يسود المجتمع بسبب انعدام العدالة.

 
هناك دعاءٌ معروفٌ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبدأ بالقول: "اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد، واقسِم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك"1.
 
إنّ الأدعية الإسلاميّة من أهم التعاليم الأخلاقيّة والمعنويّة، فما أعظم الحِكَم الروحيّة والاجتماعيّة التي ترِد بلغة الدعاء! هناك عبارةٌ في هذا الدّعاء نفسه تقول: "اجعلْ ثَارَنا على مَن ظَلَمنا"2؛ أي اجعل انتقامنا يقع على من ظلمنا، إنّ ههنا نقطةً لطيفة، فهو لم يطلب من الله أن ينتقم له ممّن ظلمه.
 
"الثأر" يعني النزوع إلى الردّ، وفي الاصطلاح يعني الرغبة في الانتقام، فالنبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يقول إنّه عندما يقع علينا نحن البشر ظلمٌ أو جورٌ تشعر الروح بالقهر وحبّ الانتقام والثورة، وما أن تظهر هذه الحالة فينا حتى تسعى في أيّ وقتٍ وأيّ مكانٍ وأيّ وسيلة، إلى أن تنفّس عن نفسها، كألسنة النار إذ تمتد إلى كل مكان.
 
يقول علماء النفس اليوم: إنّ مشاعر الحقد والعداء التي تظهر في النفس يمكن أن تغور إلى الأعماق، ويبدو على الإنسان أنّه قد نسيها ظاهريّاً، ولكنّها لا تُمحى، بل تظلُّ في مكمنها تفعل فعلها دون علم العقل الظاهر، لكي تجد متنفَّساً وتخرج إلى الخارج، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يا ربّ، إنَّ هذه النار الكامنة في نفوسنا، والتي قد تندلع ألسنتها يوماً من أعماقنا لا تجعلها تلسع بريئاً، فإن كان لا بدَّ من أن تلسع شخصاً، فليكن ذلك الذي ظلَمنا وتسبَّب في إشعالها.
 
إنَّ الإنسان إن أراد الانتقام مباشرةً بإرادته وبسيطرة عقله الظاهر، فإنَّه لا ينتقم من شخصٍ آخر غير الذي ظلمه، فإن ارتكب حدَّادٌ في "بَلْخ" جرماً بحقّه، فإنّه لا يقطع رأس صفّار3 في "شُوشْتَر"، ولكن عندما لا يكون المرء تحت سيطرة عقله الواعي، بل تحت سيطرة تلك العقيدة الدفينة وحقده الكامن في الأعماق، ويريد الانتقام، فلن يتذكَّر من هو الجدير بانتقامه حقاً.
 
 
 

1- مصباح الكفعمي، ص574.
2- بحار الأنوار، ج2، ص63.
3- صانع النحاس.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
180

167

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 لذلك يدعو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم طالباً من الله أن يجعل انتقامنا وحقدنا بحيث لا يزيد على ضرب الظالم نفسه، وأن لا تتولَّد في أعماقنا على أثر ما يقع علينا من ظلمٍ وجور، تلك العُقد الدفينة التي تثير فينا روح العدوان والعصيان والتمرُّد، بحيث نتلذَّذ بالانتقام وننتشي بإيذاء الآخرين.

 
أخلاقيّة متجانسة في مجتمعٍ متجانس:
الأخلاق السامية هي الأخلاق المتجانسة المتعادلة الموزونة، فممّا لا شكَّ فيه أنَّه إن لم يكن المجتمع متجانساً موزوناً، وإن لم تتجانس المؤسّسات الاجتماعيّة، والقوانين الاجتماعيّة، والحقوق الاجتماعيّة وتتوازن، فإنَّ السلوك الفرديّ لا يبقى متجانساً متوازناً، وتأثير عدم التجانس والانسجام الاجتماعيّ لا يقتصر على الطبقة العامّة الكادحة من الناس، بل إنَّ الطبقة الخاصَّة الممتازة التي تخصُّ نفسها بالامتيازات تتأثّر بذلك أيضاً، والأولى عندها أن تصابَ هذه الطبقة بالضيق والعصبيّة، لتصبح عاطلة، لا نفع فيها، كافرةً بالنعمة، عديمة الصبر.
 
يقول الإمام عليّ عليه السلام في رسالته المعروفة إلى مالك الأشتر: "لَيْسَ أحَدٌ منَ الرعِيَّة أَثْقل على الوالي مَؤُونَةً فِي الرخاء، وأقَلَّ معُونةً له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأَقَلَّ شُكراً عِنْد الاعطاء، وأَبْطأ عُذْراً عِند المَنع، وأضعفَ صَبراً عند مُلِمَّات الدهرِ، مِن أَهل الخاصَّة، وإنَّما عماد الدين، وجماعُ المُسْلمين، والعُدَّةُ للأعداء العامَّة من الأُمَّةِ، فَلْيكُن صَغْوُك لهُم وميلُك مَعَهُم"1.
 
ما أروع وصف عليّ عليه السلام لروحيّة هذه الطبقة الخاصَّة، مدلَّلي المجتمع دون وجه حقّ، وشرحه لها!
 
وثمّة حديثٌ نبويٌّ يقول: "استوَوا تستوِي قُلُوبُكُم"2، أي كونوا على مستوىً واحد، تجنّبوا التمييز فيما بينكم، حتى تستقيم قلوبكم على مستوىً واحدٍ فتتآلف وتتقارب، أي لو
 
 
 

1- نهج البلاغة، من عهده عليه السلام إلى الأشتر، رقم الكتاب 35.
2- الطبراني، المعجم الأوسط، دار الحرمين للطباعة والنشر، ج5، ص214.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
181

168

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 حصل في أعمالكم وعلاقاتكم ونعمِ الله عليكم انشقاقٌ وتباعد، فسوف يحصل ذلك في قلوبكم أيضاً، ولن تعودوا قادرين على التآلف واتّحاد الفكر، وعلى الوقوف في صفٍّ واحد، بل ستقفون حتماً في صفّين مختلفين.

 
ورد في القرآن الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾1.
 
وهذه الآية ذات المضمون الواضح تأمر بالاتحاد الذي أنعم به الله على المسلمين.
 
سرّ نجاح الإسلام:
سبق أن قلنا إنَّ الإسلام لو كان واجبه ينحصر في الجانب الأخلاقيّ، مثل باقي الاتّجاهات الأخلاقيّة التي لا عمل لها سوى عرض النصائح والإرشادات الأخلاقيَّة، لاقتصر عمله أيضاً على إسداء الموعظة والنصيحة، ولما تدخَّل في تركيب البُنية الاجتماعيّة، ولما كان بمقدوره أن يؤسِّسَ مجتمعاً جديداً، مجتمعاً موحّداً، متَّحد الفكر والقلب بحيث يغيِّرُ وجه التاريخ.
 
ما من شكٍّ في أنَّ ما يؤلِّف بين القلوب ويقرّب بعضها من بعض هو الإيمان والعقيدة. لقد أوجد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أعظم عاملٍ من عوامل الوحدة، وهو وحدة العقيدة، فجمع الناس تحت لواء "لا إله إلاَّ الله"، ولكنّه لم يكتفِ بترسيخ العقيدة والإيمان، بل وجّه اهتمامه إلى موانع هذه الوحدة وما يقف في وجهها، فأزالها من الطريق، كما أزال أسباب تباعد القلوب وموجبات الحقد والحسد والانتقام، والتمايز في الحقوق. لا شكَّ أنَّه إن كانت المقتضيات موجودةً والموانع مفقودة، إن كانت العقيدة والإيمان موجودين والتمايز مفقوداً، فإنَّ المعلول، أي الوحدة والتآلف والانسجام سوف يتحقَّق تلقائياً، بخلاف ما لو كان المقتضي موجوداً والمانع موجوداً أيضاً، أو لو كان المقتضي والمانع2 مفقودين معاً.
 
 
 

1- آل عمران، 103.
2- مصطلح يستخدم في علم الفلسفة وعلم أصول الفقه.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
182

169

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 وعليه فلا ينبغي أن نقول إنَّ الإسلام قد وحَّد بين الناس بإيجاده العقيدة فحسب، وإنَّما يضاف إلى ذلك كونه قد أزال الموانع والتمايز والشقاق والاختلافات أيضاً، فهو عندما قال: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾1 فقد أردف ذلك بقوله: ﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾2.

 
وقد قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حجّة الوداع: "يا أيها الناس ألا إنّ ربّكم واحد، ألا إنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيٍّ على عجميّ، ألا لا فضل لأسودٍ على أحمر إلا بالتقوى، ألا قد بلّغت؟ قالوا: نعم، قال: ليبلّغ الشاهد الغائب"3.
 
أثر العدالة في السلوك العام:
يتّضح لنا من هذا إنّ لوجود العدالة وعدمها أثراً في سلوك الناس؛ لأنّها ما دامت تؤثّر في العقائد والأخلاق، فلا بدَّ أن تؤثّر في الأعمال أيضاً: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾4؛ أي إنَّ كلّ امرئ يعمل على وفق فكره وعقيدته وحالته النفسيّة، فأصل الأعمال هو الروح والفكر.
 
بالإضافة إلى أنَّ الظلم والتمايز والإحساس بالغبن والحرمان الاجتماعيّ يورث تلك الآثار، فإنَّ الفقر نفسه مهما يكن سببه، سواءٌ أكان سببه الظلم أم شيءٌ آخر، هو بذاته من أسباب الإثم، وإذا ما رافقه الإحساس بالغبن والحرمان فالحال سيكون أسوأ، ثمَّ إذا رافق ذلك التحسّرُ على ما يرى من ترف الآخرين، فذلك هو أشدّ سوءاً، وعندئذٍ لسان حاله يقول:
(الحقّ أقول لا أستطيع أن أرى                      العذّال يحتسون الشراب وأبقى متفرّجاً)
 
إنّ "لا أستطيع أن أرى" هو سبب اللصوصيّة والسرقة، سبب الرشوة والارتشاء، سبب الاختلاس وخيانة الأمانات، سبب ارتكاب الآثام، سبب الغشّ والخداع والمكر، إنَّه هو الذي 
 
 
 

1- آل عمران، 64.
2- م.ن.
3- كنز العمال، ج3، ص699.
4- الإسراء، 84.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
183

 


170

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

 يدفع ببعض الناس الذين يريدون اللحاق بغيرهم إلى أن يتقبَّلوا الرشوة، وإلى أن يسرقوا، وإلى أن يضربوا بحقوق الآخرين عرض الحائط، وهكذا.

 
يقول الإمام عليّ عليه السلام لابنه محمّد المعروف بابن الحنفية، بخصوص الفقر: "يَا بُني إنّي أخاف عَلَيك الفَقْر، فَاسْتَعِذْ بالله مِنه؛ فإنّ الفقر مَنْقصَةٌ لِلدين، مَدْهَشةٌ لِلعقل، دَاعِيَةٌ لِلمَقْت"1، فما معنى أن يكون الفقر منقصةً للدين؟ معناه إنّه إثم، أقصد إنَّ الفقر يحمل الإنسان الضعيف الإيمان على ارتكاب الإثم، فالفقر منشأ الكثير من الآثام، ولهذا قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "كَادَ الفَقرُ أن يَكُون كُفْراً"2، فالفقر يضعف العزيمة ويؤدِّي إلى المعصية.
 
ومن آثار الفقر الأخرى أنّه "مدهشة للعقل"؛ أي إنّه يربك العقل ويصيبه بالاندهاش، فيتخاذل في مواجهة الحاجة والافتقار إلى وسائل الحياة، فيفقد ملكاته، ولا يعود الإنسان قادراً على أن يكون صائباً في تفكيره وفي إصدار أحكامه، تماماً كما إنَّ المصائب تربك الفكر كذلك.
 
(ينبغي البحث عن التدبير الصائب في القلب                     إنّ رأسمال العافية هو الكفاف أولاً)
(لا تأتي ضربة السيف القويّة من ذراعٍ ضعيفة                    ولا التدبير السليم من القلب الكسير)
 
لا ريب في أنَّ هناك أفراداً مختلفين لا تؤثّر فيهم الحوادث والنكبات، ولكنّ الناس ليسوا جميعاً هكذا. 
 
وأثر الفقر الثالث هو أنَّه "داعيةٌ للمقت"؛ أي إنَّ الفقر يكون سبباً للّؤم والاضطهاد والتحقير، مما يؤدّي بالتالي إلى عقد نفسيَّة عند الإنسان، أو قد يكون معنى العبارة هو أنَّ الفقير يحمل روح العداء تجاه الناس؛ لأنّه يعتبرهم مسؤولين عن سوء حاله وتعاسته.
 
أختتم أقوالي بأقوال واحدٍ من أقرب أصحاب أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، وهو صعصعة بن صوحان العبدي، وهو رجلٌ عظيمُ الشأن، كان من أخلص المقرّبين إلى
 
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج34، ص348.
2- الكافي، ج2، ص307.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
184

171

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

  إمامنا إمام المتّقين علي عليه السلام ، وكان خطيباً مفوّهاً، بحيث إنَّ الجاحظ يصفه (في البيان والتبيين) بقوّة الحجّة والمنطق، ويقول: "وأدَلُّ مِن كُلِّ شيء استنطاقُ عَليٍّ لَهْ"1؛ أي إنَّ عليّاً عليه السلام كان يكلّفه أحياناً بالقيام للخطابة، فكان يصدع بالأمر ويقف خطيباً في حضرة الإمام عليه السلام.

 
لصعصعة كلامٌ قصيرٌ بحقّ عليٍّ عليه السلام في أوّل يوم من أيّام خلافته، وله كلامٌ آخر يوم أُصيب الإمام عليه السلام بضربة سيف المرادي وسُجّي على الفراش، وله كلام مسهبٌ آخر بعد دفن جثمان الإمام عليه السلام ، ففي اليوم الأوّل من الخلافة التفت إلى الإمام، وقال: "زَيَّنْتَ الخِلافة وما زَانَتْك، ورَفعتها وما رَفَعتك وهي إليك أحوَج منك إليها"2.
 
وعند إصابة الإمام بتلك الضربة، كان صعصعة - مثل باقي أصحاب الإمام عليه السلام - متأثّراً أشدّ التأثّر، فجاء إليه لعلّه يستطيع عيادته، ولكن لم توآته الفرصة، فأوصى الساعي بين حجرة الإمام والناس أن يُقرأ الإمام عنه السلام، وأن يبلّغه هذه الكلمات: "يرحمك3 الله يا أمير المؤمنين حيّاً ومَيتاً، لقد كان الله في صدرك عظيماً، وكُنتَ بذات الله عليماً"، وإذ سمع الإمام عليه السلام هذا عن صعصعة، قال: قولوا لصعصعة: "وأنتَ يرحمُك الله، فَلَقد كُنْت خَفيف المؤونة، كثير المعونة"4.
 
وكانت كلمته الثالثة عند دفن الإمام عليه السلام ، وكان ذلك ليلاً، وبحضور عددٍ قليلٍ من الخاصَّة، كان منهم صعصعة، الذي تقدّم نحو القبر بعد الفراغ من الدفن، فوضع يداً على قلبه ورفع بالأخرى حفنةً من التراب أهالها على رأسه، وقال: "بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين، وهنيئاً لك يا أبا الحسن، لقد طاب مولدُك وقوي صبرك، وعظُم جهادك، وربحت تجارتك، وقَدِمت على خالقك" إلى أن يقول: "فأسألُ الله أن يمُنَّ علينا باقتفائنا أثرك، والعمل بسيرتك، فقد نِلْت ما لم ينله أحد، وأدركتَ ما لم يدركهُ أحدٌ"، ويكرّر في
 
 
 

1- الريشهري، محمد، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب والسنة والتاريخ، دار الحديث للطباعة والنشر، قم، إيران، الطبعة الثانية، 2005م، ج12، ص160.
2- م.ن، ج4، ص79.
3- بحار الأنوار، ج42، ص234.
4- م.ن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
185

 


172

إحترام الحقوق وتحقير الدنيا

  الختام قوله: "وهنيئاً لك يا أبا الحسن، لقد شرَّف الله مقامك، لا حرمنا الله أجرك، ولا أضلَّنا بعدك، فوالله لقد كانت حياتُك مفاتحَ للخير، مغالقَ للشرّ، ولو إنَّ الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكنَّهم آثروا الدّنيا على الآخرة"1، ثمّ بكى بكاءً شديداً، وأبكى من كان معه.

 
 
 

1- بحار الأنوار، ج42، ص294.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
186

173

التعرّف على القرآن الكريم

 التعرّف على القرآن الكريم 


ضرورة معرفة القرآن الكريم:
إنّ معرفة القرآن لكلّ فردٍ عالِمٍ باعتباره عالِماً، ولكلّ فردٍ مؤمنٍ باعتباره مؤمناً، أمرٌ ضروري وواجب. إلا إنّ ضرورة معرفة القرآن لعلماء النفس ولعلماء الاجتماع، تتأتّى من حقيقة أنّ هذا الكتاب كان ذا تأثيرٍ على المجتمعات الإسلامية، بل على مصير المجتمع البشري برمّته. 

إنّ نظرةً إلى التاريخ، تؤيّد القول بأنّه لم يكن لأيّ كتابٍ ما كان للقرآن من الأثر في المجتمعات الإنسانية والحياة البشرية. ولهذا يدخل القرآن عنوة إلى ميدان علم الاجتماع، ويصبح جزءاً من مواضيع بحث هذا العلم. وهذا يعني أنّ إجراء أيّة دراسةٍ أو تحقيقٍ حول تاريخ العالم خلال الأربعة عشر قرناً الماضية، ومعرفة المجتمعات الإسلامية على وجه الخصوص، لا يمكن أن يتيسّر قبل أن نعرف القرآن. 

أمّا ضرورة معرفة القرآن للمسلم المؤمن، فناشئة من كونه أصل إيمان المسلم، ومنبع دينه وأساس فكره، فما يمنح حياة المسلم حرارتها ومعناها وحرمتها وروحها إنّما هو القرآن. 

والقرآن ليس كباقي الكتب الدينية التي تطرح سلسلةً من المسائل الغامضة، فيما يختصّ بالله والخليقة والتكوين، ثمّ يتقدّم بسلسلةٍ من المواعظ الأخلاقية البسيطة فحسب، بحيث إنّ المؤمنين لا يرون مندوحةً عن اللجوء إلى مصادر أخرى يستقون منها القوانين والأفكار. 

القرآن كتاب يبيّن أصول المعتقدات والأفكار والآراء اللازمة للإنسان كفردٍ مؤمنٍ وذي عقيدة، ويحدّد أصول التربية والأخلاق والنظام الاجتماعي والأسري، وهو لم يترك على 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
189

174

التعرّف على القرآن الكريم

 عاتق السنّة والاجتهاد سوى ما يحتاج إلى التوضيح والتفسير والشرح، والاجتهاد أحياناً، وتطبيق الأصول على الفروع. لذلك فكلّ رجوعٍ إلى أيّ مصدرٍ آخر، يقتضي أولاً الرجوع إلى القرآن ومعرفته؛ إذ إنّ القرآن هو المقياس والمعيار لكلّ المنابع الأخرى. فالحديث والسنّة يجب أن نقيسهما بمعيار القرآن لكي نرى إن كانا يطابقان القرآن، فنتقبلهما وإلا فلا. 

 
وإنّ أهمّ مصادرنا المقدّسة - بعد القرآن - في الحديث هي الكتب الأربعة، وهي: الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار؛ وفي الخطب: نهج البلاغة؛ وفي الأدعية: الصحيفة السجّادية. إلا إنّها جميعاً فروع من القرآن، وليس لها قطعيّة بتّ القرآن؛ أي إنّ اعتبارنا لحديث الكافي، يعتمد على مقدار تطابقه مع القرآن وتعليماته، وعلى ألا يكون بينهما اختلاف. لقد كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليه السلام يقولون: "إذا جاءكم منّا حديثٌ فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالفه فاطرحوه أَو ردّوه علينا"1.
 
أنواع معرفة القرآن: 
بعد أن شخّصنا ضرورة معرفة القرآن، يبقى أن نعرف طرق معرفة هذا الكتاب، حيث إنّ لمعرفة كلّ كتاب ودراسته طرقاً ثلاثةً في العموم: 
التعرّف على القرآن الكريم 
في هذه المرحلة، نسعى لمعرفة مدى انتساب الكتاب إلى مؤلّفه. فلنفترض أنّنا نريد معرفة ديوان حافظ (الشيرازي)2، فالخطوة الأولى هي أن نرى إن كان كلّ ما يطلق عليه اسم ديوان حافظ هو من نَظْم حافظ نفسه، أو إنّ بعضاً منه فقط من نَظْمه، والبعض الآخر مضافٌ إليه. كذلك الأمر بشأن خيّام وغيره...
 
وهنا تبرز قضيّة تعدّد النسخ، وبالأخصّ الأقدمها تاريخاً والأكثرها اعتباراً. فنلاحظ أنّ أياً من هذه الكتب لا يستغني عن المعرفة والتمحيص. فديوان حافظ الذي طبعه المرحوم 
 
 
 

1- الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1986م، ج7،ص275.
2- حافظ الشيرازي، شاعر ولد في مدينة شيراز في إيران، وهو من أشهر الشعراء الفارسيين، وكان يواصف بشاعر الشعراء, عرف بأشعاره في الغزل والحب الإلهي.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
190

175

التعرّف على القرآن الكريم

 القزويني استناداً إلى أكثر النسخ اعتباراً، يختلف اختلافاً بيّناً عن دواوين حافظ المعروفة التي طبعت في إيران أو في بمبي، والتي يحتفظ بها الناس في دورهم. 

 
فالدواوين التي طُبعت قبل 30 أو 40 سنة، تكاد تبلغ ضعفي الدواوين التي يعتمدها الباحثون اليوم، مع أنّنا نجد بين الأشعار التي يعتبرها الباحثون منحولة أبياتاً لا تقلّ جودةً عن شعره الموثوق.
 
وعليه، فإنّ المرحلة الأولى في معرفة كتابٍ ما هي أن ننظر إن كان ما بين أيدينا يمكن إسناده إلى مؤلّفه أم لا؟ وإلى أيّ مدى يصحّ ذلك، هل إنّ مستنداتنا تؤيّد كلّ ما بين أيدينا، أو إنّها تصحّ على بعضٍ دون بعض؟ وفي هذه الحالة، ما هي النسبة المئويّة لصحّة المنسوب إلى المؤلّف؟ ثمّ ما دليلنا على صحّة الانتساب، أو على الشكّ في الانتساب؟
 
أمّا القرآن فهو غنيٌّ عن هذا النوع من المعرفة؛ ولهذا السبب هو كتابٌ فريدٌ بابه في العالم القديم؛ فما من كتابٍ بين الكتب القديمة يمكن أن تمرّ عليه قرونٌ طويلة دون أن تناله شبهةٌ أو اعتراضات. من قبيل أن تكون السورة الفلانيّة مشكوكاً فيها، أو إنّ الآية الفلانيّة موجودةٌ في النسخة الفلانيّة وغير موجودةٍ في غيرها... إنّ القرآن متقدّمٌ على النسخ وعلم المعرفة بالنسخ، فليس ثمّة أدنى شكٍّ في أنّ الذي أتى بجميع تلك الآيات هو محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم على اعتبار أنّها معجزة، وأنّها كلام الله. 
 
ولا يستطيع أحدٌ أن يدّعي وجود نسخةٍ مختلفةٍ من القرآن، ولا الزعم باحتمال وجودها. ولم يظهر من المستشرقين أحدٌ حاول تناول القرآن من هذه الناحية ليقول إنّ علينا أن نبحث عن نسخ القرآن القديمة جداً لكي نرى ما فيها وما ليس فيها. ولئن كانت كتب مثل التوراة والإنجيل والأفيستا1، أو مثل شاهنامة فردوسي2 وگلستان سعدي3 وغيرها، تستلزم هذه الطريقة، فإنّ القرآن غنيٌّ عن كلّ ذلك. 
 
 


1- الافيستا، هو كتاب الرسول زردشت الذي يعد الكتاب المقدس لدى اتباع الديانة الزردشتية.
2- شاهنامه فردوسي، شاهنامه بالفارسية معناها كتاب الملوك، وهو عبارة عن ملحمة ايرانية ضخمة تتكون من 60.000 بيت شعري كتبها الشاعر الفردوسي وتعتبر وأعظم عمل أدبي فارسي ومن أعظم الأعمال الأدبية على مستوى الأدب العالمي وقد ترجمت إلى لغات كثيرة.
3-گلستان، أي روضة الورد، وهي من أمهات الكتب في الأدب الفارسي ، كتبها سعدي الشيرازي في القرن السابع الهجري.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
191

176

التعرّف على القرآن الكريم

 في هذا الموضوع، سبق أن قلنا إنّ القرآن متقدّم على النسخ والعلم بالنسخ، فهو فضلاً عن كونه كتاباً مقدّساً سماوياً وينظر إليه أتباعه من هذا المنظور، فإنّه أقوى دليلٍ وبرهان على صدق دعوى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وأكبر معجزةٍ من معجزاته. 

 
ثمّ إنّ هذا القرآن لم ينـزل دفعةً واحدةً - كالتوراة - لتظهر عندئذٍ مشكلة التساؤل عن النسخة الأصلية، بل تتابع نـزول القرآن خلال ثلاثٍ وعشرين سنة. ومنذ اليوم الأول لنـزوله أخذ المسلمون يَعبّون منه كما يَعبّ العطشان من ماء الفرات عبّاً. فكانوا يستوعبون آياته ويحفظونها في قلوبهم، فقد كان المجتمع الإسلامي يومئذٍ مجتمعاً بسيطاً وليس عنده كتاب آخر يقرؤه ويحفظه إلى جانب القرآن، وكان مجتمعاً يمتاز بخلوّ الذهن وقوّة الحافظة، كما إنّ تفشّي الأميّة بينهم حملهم على أن يتناولوا معارفهم ومعلوماتهم ممّن يرون ويسمعون. 
 
لذلك فقد ارتسم القرآن في قلوبهم - وهو الذي نـزل منسجماً - ارتسام النقش على الحجر. ولمّا كان القرآن عندهم كلام الله، لا كلام بشر، فقد راحوا ينظرون إليه بتقديس، ولا يسمحون بأن يتبدّل فيه حرفٌ واحد، ولا أن يتغيّر مكان كلمةٍ واحدةٍ تقديماً وتأخيراً، بل كانوا لا يفتؤون يتلونه ويرتّلونه تقرّباً إلى الله تعالى. ولا بدّ أن نذكر بأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد انتخب منذ الأيام الأُوَل عدداً من الكتبة، عُرفوا باسم "كُتّاب الوحي". وهذه ميزة أخرى تضاف إلى مميّزات القرآن لم تكن من نصيب أيّ كتاب آخر؛ إذ إنّ تدوين كلام الله منذ البداية، يعتبر من جملة الأسباب الرئيسة في حفظه وصيانته من التحريف. 
 
ومن المظاهر الأخرى التي كانت سبباً في حُسن تقبّل الناس للقرآن، هو جانبه الأدبيّ والفنيّ الرفيع، أي جانب فصاحته وبلاغته. فقد كانت لقوّته الأدبيّة جاذبيّة تشدّ الناس إليه شدّاً، وتحملهم على سرعة استيعابه، بخلاف ما هو عليه الأمر بشأن كتب الأدب الأخرى، مثل ديوان حافظ، وأشعار مولوي، وغيرهما... فقد كان المولعون بها لا يتحرّجون عن التلاعب بما فيها؛ لكي يزيدوها اكتمالاً على ما يدّعون. 
إلا إنّ أحداً لم يُجِز لنفسه أن يمدّ يداً إلى القرآن، وقد نـزل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
192

177

التعرّف على القرآن الكريم

  عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾1. وآيات غيرها تبيّن وخامة التقوّل على الله سبحانه.

 
بناءً عليه، وقبل أن يطرأ أيّ تحريفٍ على هذا الكتاب السماوي، تواترت آياته حتى بلغت مرحلةً لم يعد بالإمكان معها حدوث أيّ تصحيفٍ أو تحريفٍ أو إنكار. ولهذا لسنا بحاجةٍ إلى أن نبحث هذا الجانب من جوانب القرآن، كما لا يحتاج ذلك أيّ خبيرٍ مضطلعٍ بالقرآن. بيد إنّنا لا بدّ أن نتطرّق إلى نقطةٍ بهذا الخصوص؛ وهي أنّه على أثر سرعة انتشار الإسلام ودخول الناس فيه أفواجاً، وبسبب ترامي أطراف بلاد المسلمين وبُعدها عن المدينة المنورة، مركز الصحابة وحفظة القرآن، فقد ظهر احتمال وجود خطرٍ يهدّد القرآن، وبالأخصّ في المناطق النائية، حيث يمكن أن يقوم بعضهم هناك - من باب التعمّد أو السهو - بإضافةٍ أو حذفٍ أو تغييرٍ في نسخ القرآن. غير إنّ ذكاء المسلمين وحُسن تقديرهم للأمور حال دون وقوع هذا الاحتمال؛ فقد تنبّهوا لذلك مبكراً، في النصف الأول من القرن الأول الهجري، وأدركوا أنّ عليهم أن يدرؤوا خطر أيّ تغييرٍ - متعمّد كان أو غير متعمّد - في القرآن. فاستفادوا من حفظته ومن الصحابة، وأرسلوا نسخاً مصدّقة من المدينة إلى تخوم البلاد الإسلامية البعيدة؛ وبذلك وقفوا في وجه أيّ تخريب من هذا القبيل، وبالأخص في وجه اليهود الذين كانوا أساتذة فنّ التزوير والتحريف المشهورين. 
 
2- المعرفة التحليليّة:
في هذه المرحلة يكون تحليل الكتاب هو موضع الدراسة، أي دراسة ما يشتمل عليه الكتاب من مطالب، وما يقصد إليه من أهداف، وما هي نظرته إلى الكون؟ وإلى الإنسان؟ وإلى المجتمع؟ ما هي طريقة عرضه لتلك المطالب وأسلوب معالجته لها؟ هل ينطوي على منظورٍ فلسفي؟ أو كما نقول اليوم: هل فيه منظورٌ علمي؟ هل ينظر إلى الأمور بعين العارف، أم إنّ له أسلوبه الخاص؟ وثمّة سؤال آخر: أيحملُ هذا الكتاب رسالةً ما موجهةً للبشرية؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب، فما هي تلك الرسالة؟
 
 
 
 

1- الحاقة، 43-45.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
193

178

التعرّف على القرآن الكريم

  في الواقع إنّ المجموعة الأولى من الأسئلة تتعلّق بوجهة نظر الكتاب في الكون والإنسان والحياة والموت، أو بعبارةٍ أشمل تتعلّق بوجهة نظره الكونيّة، وهو ما يصطلح عليه فلاسفتنا اليوم بحكمته النظريّة. أمّا المجموعة الأخرى من الأسئلة فتتعلّق بما إذا كان الكتاب يعرض خطةً لمستقبل الإنسان، وعلى أيّ شاكلة يريد أن يبني الإنسان والمجتمع؟ وهذا ما نطلق عليه اسم: رسالة الكتاب. 

 
على كلّ حال، هذا الضرب من المعرفة يخصّ المحتوى، ويمكن إخضاع أيّ كتاب إلى هذه المعرفة، سواء أكان كتاب "الشفاء" لابن سينا1، أو ديوان "گلستان" لسعدي. وقد نجد كتاباً ليس فيه رؤيةٌ ولا رسالة، أو قد يكون له رؤيةٌ بغير رسالة، أو قد يضمّهما معاً.
 
أمّا من حيث معرفة القرآن معرفةً تحليليّة، ينبغي علينا أن نعرف المسائل التي يتناولها، وكيفيّة تناوله لها، وكيف هي استدلالاته ومجادلاته في مختلف المواضيع.
 
وإذا كان القرآن هو الحارس والحافظ، ورسالته رسالة الإيمان، فهل ينظر إلى العقل بعين الرقيب المنافس محاولاً صدّ هجماته، أو إنّه بالعكس ينظر دائماً إلى العقل بعين الحامي والمدافع محاولاً الاستعانة به؟ هذه الأسئلة، والمئات غيرها ممّا يطرح في مجال المعرفة التحليليّة، هي التي تقودنا إلى إدراك ماهيّة القرآن.
 
3- المطابقة مع الأصل:
في هذه المرحلة، وبعد الاطمئنان إلى نسبة الكتاب إلى مؤلّفه، وبعد التحليل التام لمحتواه، علينا أن نبدأ البحث لنعرف إن كانت محتويات الكتاب ومطالبه من إبداعات فكر المؤلّف نفسه، أم إنّها مدينةٌ إلى أفكار الآخرين. ففيما يتعلّق بديوان حافظ مثلاً، وبعد الانتهاء من مرحلتي المعرفة المستنديّة والمعرفة التحليليّة، علينا أن نتساءل إن كانت هذه الأفكار والآراء التي أفرغها "حافظ" في قوالب الكلمات والجمل والأبيات، وعبّر عنها بلغته الخاصة، قد ابتدعها بنفسه، أم إنّ أبوّته لها إنّما تقتصر على الألفاظ والكلمات وجمالها الفنيّ فحسب، وإنّ الأفكار والآراء تخصّ غيره من الناس؟ وبعبارة أخرى: إنّنا بعد أن نتأكّد من أصالة حافظ الفنيّة، ينبغي أن نتأكّد من أصالته الفكريّة أيضاً.
 
 
 

1- ابن سينا، هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، عرف باسم الشيخ الرئيس، وهو عالم وطبيب مسلم من بخاري في إيران, إشتهر بالطب والفلسفة واشتغل بهما. وسماه الغربيون بأمير الأطباء وأبو الطب الحديث.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
194

179

التعرّف على القرآن الكريم

 هذا النوع من المعرفة بخصوص حافظ أو أيّ مؤلّف آخر هو معرفة أصول أفكار المؤلّف وآرائه. وهذه المعرفة متفرّعة من المعرفة التحليليّة، أي إنّنا يجب أولاً أن نعرف محتوى أفكار المؤلّف بدقّة، ومن ثمّ نتوجّه إلى معرفة أصوله. وبغير هذه الطريقة يكون حاصل عملنا مشابهاً لما يقوم به بعض المؤلّفين في كتابة تاريخ العلوم دون أن يكون لهم أيّ علم بها، أو مثل بعض المؤلّفين الذين يكتبون في الفلسفة، كأن يكتبوا عن ابن سينا وأرسطو، ويحاولون إيجاد ما يتشابهان فيه وما يختلفان، لكنّهم - مع الأسف - لا يعرفون ابن سينا ولا أرسطو، فإنّهم ما إن يجدوا عندهما بعض الألفاظ المتشابهة، حتى يبدؤوا بإصدار الأحكام، مع أنّه عليهم عند المقارنة أن يتعمّقوا في فهم الفكرة، وإنّ التعمّق في إدراك عمق أفكار أشخاصٍ كابن سينا وأرسطو ليستغرق عمراً بأكمله، وما يقال غير ذلك ليس سوى تخمينٍ وخبط عشواء.


عند بحث القرآن ومعرفته، وبعد أن نكون قد أنجزنا مطالعتنا التحليليّة، يأتي دور المقارنة والمعرفة التاريخيّة. وهذا يعني إنّه علينا أن نقارن القرآن بكلّ محتوياته مع كتب أخرى كانت موجودةً في عصره، وبالأخصّ الكتب الدينيّة. ولإجراء هذه المقارنة لا بدّ من توفّر جميع الشروط، كمدى ارتباط شبه الجزيرة العربية بالمناطق الأخرى مثلاً، ونسبة الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة يومئذٍ في مكة... إلخ، ثم نقوم بالتقويم والتقدير. 

تُرى هل كلّ ما وُجِد في القرآن موجودٌ أيضاً في كتب أخرى؟ فإن وُجِد، فما هي نسبة وجوده؟ وهل إنّ المطالب الموجودة في الكتب الأخرى تتّخذ شكل الاقتباس أم إنّها مستقلة؟ أو إنّ الأمر لا يعدو كونه مجرّد تصحيحات وتوضيحات لما قد يكون فيها من تحريف؟ 

أصالات القرآن الثلاث:
عندما نقرأ القرآن يتّضح لنا أنّه هناك ثلاث أصالات للقرآن الكريم: 
1. أصالة الانتساب: أي إنّنا بغير أن يخامرنا أدنى شك، أو أن نحتاج إلى دراسة النسخ القديمة، نكون واثقين بأنّ ما يقرأ اليوم باسم القرآن المجيد، هو الكتاب عينه الذي نـزل على محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
195

180

التعرّف على القرآن الكريم

 2. أصالة المحتوى: أي إنّ المعارف القرآنية ليست ملتقطةً ولا مقتبسة، بل هي مبتكرة. والتحقيق في هذا الجانب تتكفّل به المعرفة التحليليّة.

3. الأصالة الإلهيّة: أي إنّ المعارف قد فاضت ممّا وراء أفق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذهنيّ والفكريّ، وإنّه لم يكن سوى ناقل هذا الوحي ومبلّغ هذه الرسالة، وهذا ما تتكفّل به معرفة أصل القرآن. 

إنّ معرفة الأصل، أو بعبارة أخرى معرفة أصالة المعارف القرآنيّة، مبنيّة على النوع الثاني من المعرفة. ولذلك فإنّنا سنبدأ من المعرفة التحليليّة، أي إنّنا سنبدأ ببحث محتويات القرآن، وماهيّة المسائل المطروحة فيه، والمسائل التي تنال حظّاً أوفر من التوكيد، وطريقة عرض تلك المسائل. فإذا استطعنا في المعرفة التحليليّة أن نفي تلك المسائل والمطالب حقّها، وأن نـزداد معرفةً بالمعارف القرآنيّة، نكون - كما قلنا - قد وصلنا إلى أصالةٍ هي أهمّ أصالات القرآن، وهي "الأصالة الإلهيّة" أي كون القرآن معجزة. 

شروط معرفة القرآن:
يتطلّب التعرّف على القرآن بعض المقدّمات التي سوف نوردها فيما يلي: 
إنّ من أهمّ الشروط اللازمة للتعرّف على القرآن هو معرفة اللغة العربيّة، فكما يتطلّب التعرّف على حافظ وسعدي معرفة اللغة الفارسيّة، كذلك لا يمكن التعرّف على القرآن المكتوب باللغة العربيّة إلا بمعرفتها. 

والشرط الآخر هو معرفة تاريخ الإسلام؛ ذلك لأنّ القرآن لم ينـزل دفعةً واحدةً كالتوراة والإنجيل، وإنّما استغرق نـزوله ثلاثاً وعشرين سنةٍ من حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، من بعثته حتى وفاته، في غضون سنواتٍ ثائرةٍ من تاريخ الإسلام. ولذلك فإنّ لآيات القرآن شأن نـزول. ولا يعني هذا أنّ معنى الآية محدّد بحدودها، بل على العكس من ذلك، إذ إنّ معرفة شأن النـزول تساعد كثيراً في توضيح مضمون الآية، وتمهّد السبيل لفهمها.

والشرط الثالث هو معرفة أقوال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ؛ إذ إنّه - حسبما ورد في القرآن 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
196

181

التعرّف على القرآن الكريم

 - المفسّر الأوّل لهذا الكتاب: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾1، وكما في آيةٍ أخرى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾2

 
فالرسول - بحسب القرآن - هو المبيّن لهذا الكتاب والمفسّر له، وكلّ ما وصلنا منه يعيننا على تفسير القرآن. أمّا نحن الشيعة المعتقدون بالأئمة الأطهار عليه السلام ، والمؤمنون بأنّ ما كان عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الله قد نقله إلى أوصيائه الأكرمين عليه السلام ، فنرى أنّ الروايات الموثوقة التي وصلتنا منهم لها ما للروايات الموثوقة التي وصلتنا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نفسه. ولذلك فإنّ الموثوق به ممّا يُروى عن الأئمة عليه السلام يعيننا على التعرّف على القرآن كذلك. 
 
إلى ذلك ثمّة نقطةٌ مهمّةٌ تجب ملاحظتها عند دراسة القرآن والبحث فيه، وهي إنّ مجموع آيات القرآن تؤلّف بنياناً متماسك الأجزاء، أي إنّنا لو أخذنا آيةً واحدةً وقلنا إنّنا نريد أن نفهم هذه الآية وحدها، فلن نكون قد اتّخذنا سبيلاً سوياً، لا شكّ أن فهمنا لتلك الآية قد يكون صحيحاً، ولكنّه عملٌ غير سليم؛ فالقرآن يفسّر بعضه بعضاً، وهذا ما أيّده الأئمة الأطهار عليه السلام حسبما ورد على لسان بعض كبار المفسّرين. إنّ للقرآن طريقةً خاصةً في بيان المسائل، ففي كثيرٍ من الأحيان يكون للآية - إن أُخِذت منفردةً - مفهوماً يختلف كلّ الاختلاف عن مفهومها في حال وضعت إلى جنب الآيات المشابهة لها في المضمون.
 
الحكمة من وجود المحكم والمتشابه:
كمثالٍ على طريقة القرآن الخاصّة، يمكن أن نشير إلى آياته المحكمات والمتشابهات، والتي يحمل العامّة عنها تصوّراً معيّناً، ويظنّ البعض أنّ المحكمات هي تلك الآيات التي تَرِد فيها 
 
 
 

1- النحل، 44.
2- الجمعة، 2.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
197

182

التعرّف على القرآن الكريم

 المسائل بصورةٍ صريحةٍ وبسيطة، والمتشابهات - على العكس - هي التي تَرِد فيها المواضيع بصورة ألغازٍ ورموز. وبهذا يحقّ للناس أن يقتصروا على التدبّر في محكمات آياته الصريحة، معتقدين أنّ متشابهاته عصيّة على الفهم والتدبّر.

 
وهنا يبرز هذا السؤال: ما هي فلسفة وجود الآيات المتشابهات؟ لماذا يعرض القرآن آياتٍ غير قابلةٍ للفهم؟ إنّ الجواب إجمالاً هو أنّه لا المحكمات صريحةً في معناها، ولا المتشابهات غامضة المعنى.
 
إنّ الغامض من التعابير، هو ما يكون معناه مبهماً ومجملاً، وفيه كلماتٌ لا تفيد المعنى بصورةٍ مستقيمة، فمثلاً: عندما كافأ السلطان محمود الغزنوي1 فردوسي الشاعر مكافأةً ضئيلةً مع ما عاناه من تعب، فإنّه رفض صلة السلطان، وأخذ يهجوه في شعره، متّهماً إياه بالبخل والإمساك، وكان بعض هجوه صريحاً وبعضه الآخر مبهماً. من ذلك قوله ما معناه: " لو كانت أمّ السلطان ملكةً لبلغ ذهبي وفضتي ركبتي". 
 
ولكن هل في القرآن آياتٌ ذوات ألغاز، إنّ هذا يتنافى مع نصوص القرآن التي تقول إنّ القرآن كتابٌ ينير الطريق، ويفهمه كلّ الناس، وآياته نورٌ وهداية. إنّ السرّ في ذلك هو أنّ بعض المسائل المطروحة في القرآن تدور حول ما وراء الطبيعة والأمور الغيبيّة، وهي أمور غير قابلة للإفصاح عنها بالألفاظ. كما يقول الشبستري: "لا يمكن ضمّ المعاني في حرف، كما لا يمكن ضمّ البحر اللامتناهي في إناء". 
 
ولكن لمّا كانت لغة القرآن هي لغة الناس ذاتها، كان لا بدّ لتلك المواضيع الدقيقة المعنويّة أن ترتدي تعابير يستعملها الناس للمواضيع المادّيّة. ولغرض الحيلولة دون وقوع سوء فهم، طُرِحت بعض الآيات بحيث لا تكون مندوحة من الرجوع إلى آيات أخرى للاستعانة بها في تفسيرها. وما من سبيلٍ غير هذا في ذلك، مثلاً: إنّ القرآن أراد أن يتطرّق إلى حقيقة "رؤية الله قلبياً"، أي إنّ الإنسان قادرٌ على أن يرى الله بقلبه. 
 
 
 
 

1- الغزنويون، سلالة تركية أغوزية حكمت في أفغانستان وخراسان وشمال الهند ما بين 977- 1186م. والسلطان محمود الغزنوي أحد أفراد هذه السلالة، ومن كبار القادة والفاتحين الذين عرفتهم دولة الإسلام. خلع عليه الخليفة العباسي لقب السلطان. بدأ منذ 1001م القيام بحملات منظمة لغزو الهند، واعتبر بذلك أول من مهد الطريق للإسلام لدخول إلى الهند.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
198

183

التعرّف على القرآن الكريم

 هذه الحقيقة وردت هكذا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾1، فالقرآن يستخدم هنا لفظة النظر لعدم وجود كلمة أخرى تناسب المقصود، ولكنّه لكي يحول دون حدوث أيّ سوء فهم يقول في مكانٍ آخر: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾2

 
فلا شكّ في أنّ القارئ سوف ينتبّه - على الرغم من التشابه اللفظي - إلى عدم العلاقة بين هذين الأمرين، وإنّهما منفصلان كلّ الانفصال. ولئلا تختلط تلك المعاني الرفيعة الشامخة بالمعاني المادّيّة، يطلب القرآن منّا أن نرجع بالمتشابهات على المحكمات: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾3
 
والمحكمات هنّ اللواتي لا يمكن إخراجهنّ عن معانيهن، ولا أن نستنتج منهنّ معاني أخرى، تلك هي الآيات الأمّ، فكما إنّ الطفل يرجع إلى أمّه، وهي مرجع طفلها، أو كما إنّ أمّ القرى هي مرجع المدن الصغرى، كذلك تكون الآيات المحكمات مراجع للآيات المتشابهات. فالآيات المتشابهات للفهم والتّفكر، ولكن لا بدّ من الاستعانة بالآيات المحكمة لكي نتدبّر فيها ومن دون الاستعانة بالآيات الأمّ لا يكون ما نأخذه من الآيات المتشابهات صحيحاً موضع اعتبار. 
 
ما معنى معرفة القرآن؟ 
عند تحليل القرآن ومعرفة محتواه، يتبادر إلى الذهن السؤال الآتي: أيمكن التعرّف إلى القرآن ودراسته أصلاً؟ 
 
أيمكننا أن نتدبّر في آياته، أم أنّه لم ينـزل لكي يتعرّف إليه الناس، بل نـزل لمجرّد التلاوة والقراءة، ولنيل الثواب والتبرّك والتيمّن ليس غير؟ قد يبدو للوهلة الأولى أنْ لا داعي لإيراد مثل هذا السؤال، وأنّه لا شكّ في أنّ القرآن نـزل لكي يعرف، ولكن بما إنّه قد ظهرت في دنيا الإسلام أمورٌ يؤسف لها، حيث ما زالت ذات جذورٍ لأفكارٍ منحطّةٍ وخطيرةٍ 
 
 
 
 

1- القيامة، 22-23.
2- الأنعام، 103.
3- آل عمران، 7.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
199

184

التعرّف على القرآن الكريم

 في مجتمعنا، فقد رأينا أنّ علينا أن نورد ما يوضح هذا الجانب من الأمور. 


قبل ثلاثة أو أربعة قرون ، ظهر من بين علماء الشيعة أفرادٌ اعتقدوا أنّ القرآن ليس حجّة، ورفضوا القبول بثلاثةٍ من أصول الفقه الأربعة التي كان علماء الإسلام قد اعتبروها معياراً لمعرفة المسائل الإسلامية، وهي: القرآن، والسنّة، والعقل، والإجماع. ففيما يتعلّق بالإجماع كانوا يقولون: إنّ هذا من تقاليد أهل السنّة فلا يمكن اتّباعه. وبخصوص العقل كانوا يقولون: كيف يجوز اعتماد العقل وهو كثير الأخطاء. 

أمّا عن القرآن فكانوا يدّعون - من باب التقدير والاحترام - أنّه أكبر من أن نتمكّن نحن التافهين من البشر أن نطالعه ونتفكّر فيه، بل إنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام وحدهم الذين يحقّ لهم أن يتلوا آياته، وهؤلاء هم الأخباريون.

لذلك كان مرجع الأخباريين الوحيد الجائز هو الأحاديث والأخبار. وقد ينتابكم العجب إذا علمتم أنّ في بعض التفاسير التي كتبها هؤلاء، كانوا يدرجون الآية - إن كان لها ثمّة حديث - وإن لم يجدوا حديثاً اقتنعوا حتى من ذكر الآية وكأنّها ليست من القرآن، هذا لونٌ من الظلم والجفوة بحقّ القرآن. 

ومن البديهيّ، أنّ مجتمعاً يهمل كتابه السماوي - كتاباً كالقرآن - بهذه الصورة ويطرحه في زاوية النسيان، لا يمكن أن يكون سائراً على هدي القرآن.

وكان غير هؤلاء جماعات أخرى أيضاً، اعتقدت بضرورة إبعاد القرآن عن أيدي العامة، ومن هؤلاء الأشاعرة الذين كانوا يعتقدون أنّ معرفة القرآن لا تعني تدبّر آياته، بل تعني فهم معانيها الحرفيّة، أي إنّ علينا أن نقبل بالمعنى الظاهر للآيات، ولا شأن لنا بعد ذلك بالباطن.

لا شكّ في أنّ هذه النـزعة تؤدّي إلى الانحراف والضلال؛ وذلك لأنّ هؤلاء كانوا مضطرّين إلى توضيح معاني الآيات، ولكنّهم - بإلغائهم عمل العقل - لم يكن أمامهم من القرآن إلا مفهوم هو أقرب إلى مفهوم العوام؛ لذلك سرعان ما انحرفوا عن جادّة الصواب، واعتنقوا معتقداتٍ غير صحيحة. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
200

185

التعرّف على القرآن الكريم

 من ذلك مثلاً، تجسيدهم الله تعالى سبحانه، ومئات أخرى من المعتقدات الخرافيّة، كإمكان رؤية الله تعالى عياناً ومخاطبته، إلى غير ذلك. 

 
وفي مقابل هذه الجماعات التي تركت القرآن من الأساس، ظهرت جماعةٌ أخرى جعلت من القرآن وسيلةً للوصول إلى غاياتها وأهدافها، حيث أخذ هؤلاء يؤوّلون القرآن كيفما اقتضت منافعهم، ونسبوا إلى القرآن أموراً لم تكن فيه إطلاقاً، وكانوا يردّون على كلّ اعتراضٍ قائلين إنّهم وحدهم الذين يدركون المعاني الباطنيّة للقرآن، وإنّ تأويلاتهم تلك متأتيّةٌ من معرفتهم بآياته. 
 
إنّ أبطال هذه الجماعات فئتان: الفئة الأولى هم الإسماعيليّة، ويعرفون بالباطنيّة أيضاً، والثانية هم المتصوّفة. وأكثر الإسماعيليّة في الهند وقليل منهم في إيران. وقد بلغ بهم الأمر أنّهم أنشؤوا حكومتهم أيضاً، وهي الدولة الفاطميّة بمصر. ويُعرّف الإسماعيليّون بأنّهم من الشيعة الذين يعترفون بستّة من الأئمة، غير إنّ المقطوع به - وبإجماعٍ واتّفاقٍ تامٍ من علماء الشيعة الاثني عشرية - أنّ هؤلاء أبعد ما يكونون عن الشيعة والتشيّع؛ حتى إنّ أهل السنّة الذين لا يعتقدون بأئمّة الشيعة ما يعتقد الشيعة، أقرب إلى التشيّع من هؤلاء المحسوبين على الشيعة. 
 
إنّ هؤلاء، بسبب تشبّثهم بالباطنيّة، أساؤوا إلى الإسلام وخانوه خياناتٍ عديدةً في التاريخ الإسلامي، وكان لهم دورٌ كبيرٌ في إيجاد الانحرافات في أمور الإسلام. 
 
بعد هؤلاء نأتي إلى المتصوّفة الذين كانت لهم اليد الطولى في تحريف الآيات وتأويلها بحسب عقائدهم الخاصّة، وكمثالٍ على ذلك نذكر نموذجاً من تفاسيرهم؛ ليتبيّن نمط تفكيرهم، حيث يستطيع القارئ أن يقرأ المفصل من هذا المجمل: 
لقد جاء في القرآن ذكر إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل، وإنّ الله قد أمر إبراهيم عليه السلام في المنام - عدّة مراتٍ - بذبح إسماعيل تقرّباً إليه. ويعجب إبراهيم عليه السلام أولّ الأمر من هذا، ولكنّه بعد تكرّر الرؤيا يؤمن بذلك ويسلّم أمره لله، ويفاتح ابنه بذلك، فيستسلم إسماعيل استسلام المخلص له: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
201

186

التعرّف على القرآن الكريم

  الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾1

المقصود هنا هو التسليم أو الرضا بقضاء الله، ولذلك عندما قام الأب والابن، بكلّ نيّة خالصة وسريرة نقيّة بإعداد العدّة لتنفيذ أمر الله، توقّف التنفيذ بأمر من الله أيضا. أمّا المتصوّفة فيرون في تفسير هذه الآية أنّ المقصود من إبراهيم عليه السلام هو العقل، وأنّ إسماعيل هو النفس، وأنّ العقل ههنا كان ينوي ذبح النفس!! 
 
من الواضح أنّ هذا المفهوم لا يعدو كونه تلاعباً بالقرآن، ولوناً من المعرفة التحريفيّة. إنّ هذه المفاهيم المنحوتة المبنيّة على الأهواء الشخصية، هي التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "من فسّر القرآن برأيه، فليتبوّأ مقعده من النار"2. إنّ هذا التلاعب خيانةٌ للقرآن، بل هو خيانةٌ عظمى. 
 
المنهج السليم في تفسير القرآن:
والقرآن في قِبال جمود الأخباريين وجفاف تفكيرهم، وكذلك في مواجهة انحرافات الباطنيّة ومفاهيمهم الخاطئة وأمثالهما، يعرض سبيلاً وسطاً، هو التأمّل والتدبّر الخالص والمنصف. إنّ القرآن لا يحرّض المؤمنين فحسب على التفكّر في آياته، بل إنّه يحثّ المخالفين له على ذلك أيضاً، ويطلب منهم ألا يتحزّبوا، بل أن يتأمّلوا في آياته، ويقول:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾3.
 
وفي آية أخرى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾4
 
أي إنّه كتاب غزير الثمر، كثير البركة،لم نرسله إلى الناس ليقبّلوه ويضعوه فوق الرفوف، بل أرسلناه ليفكروا ويتدبروا في آياته.
 
إنّ هذه الآيات وغيرها العشرات التي تؤكّد على ضرورة تدبّر القرآن، تجيز كلّها




1- الصافات، 102.
2- المحدث النوري، مستدرك‏الوسائل، مؤسسة آل البيت، قم المقدسة، 1988م،ج17، ص337. 
3- محمد، 24.
4- ص، 29.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
202

187

التعرّف على القرآن الكريم

 تفسير القرآن وتؤيّده، لكن ليس التفسير المبنيّ على هوى النفس، بل المبنيّ على أساسٍ من الصدق والإنصاف والتجرّد عن الغرض. فعندما نتأمّل في القرآن صادقين وغير مُغرضين، لن تكون ثمّة ضرورة إلى أن تكون لنا القدرة على حلّ كلّ مسائله دفعة واحدة. 

 
إنّ القرآن من هذا المنظور أشبه بالطبيعة؛ ففي الطبيعة الكثير من الأسرار التي ما زالت تفتقر إلى الحلّ، وليس بالإمكان حلّها في الظروف السائدة فعلاً، ولكنّها سوف تكتشف في المستقبل. ثمّ إنّ الإنسان في سعيه لمعرفة الطبيعة ينبغي عليه أن يلائم بين تفكيره وبين الطبيعة كما هي، لا أن يفسّر الطبيعة على حسب ما يشاء هو. وكذلك هو القرآن، فإنّه لم ينـزل لزمانٍ واحد، ولو لم يكن الأمر كذلك، لانكشفت أسراره منذ أمد، ولفقد هذا الكتاب السماوي كلّ جاذبيته وتأثيره، غير إنّنا نرى أنّ الرغبة في تدبّره والتفكّر فيه واستكشاف جديده لم تزل باقيةً كما كانت، وهذه ملاحظةٌ سبق أن شرحها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام. 
 
وفي حديث منقول عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (ما معناه) يقول فيه: مثل القرآن كمثل الشمس والقمر، فهو مثلهما في جريان دائم. أي إنّه ليس ثابتاً ولا يبقى في مكان واحد، وقال أيضاً: "القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق"1
 
وجاء في عيون أخبار الرضا عليه السلام عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه سُئِل عن السرّ في أنّ القرآن تزداد طراوته وجدته بتقادم الزمان عليه وبتكرار تلاوته، فقال: "لأنّ الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمانٍ دون زمان، ولا لناسٍ دون ناس، فهو في كلّ زمانٍ جديد، وعند كلّ قومٍ غضٌّ إلى يوم القيامة"2
 
إنّ مُنـزّله قد صاغه بحيث إنّه يتقدّم على كلّ تطوّرٍ في العلم والتفكير، على الرغم من التطوّر الهائل في المعارف والعلوم، كما إنّه يَعْرِض من المعاني والمفاهيم القابلة للدرك بما يتّسع لظرفيّة الزمان وإشباعه. 
 
 
 

1- بحارالأنوار، ج75، ص206. 
2- م.ن، ج17، ص213.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
203

188

المعرفة التحليليّة للقرآن الكريم

 المعرفة التحليليّة للقرآن الكريم 
مقدّمة
نريد في هذا الفصل أن نبحث في محتويات القرآن. ومن الطبيعيّ، إنّنا لو أردنا تناول موضوعاته موضوعاً موضوعاً لاقتضى ذلك أطناناً من الورق؛ لذا سوف نعالج الكليّات أولاً، ثمّ نعود لبعض الجزئيات. 

يتناول القرآن كثيراً من المطالب بالبحث، وخلال ذلك يؤكّد بعضها تأكيداً أكبر من بعضها الآخر. ومن جملة الأمور التي جرى بحثها في القرآن إله الكون والكون نفسه، علينا أن نرى كيف ينظر القرآن إلى الله، هل يعرّفه معرفة فلسفيّةً؟ أم معرفةً تعبديّة؟ هل يذهب - كالتوراة والإنجيل - مذهباً دينياً؟ أم إنّه يسير كما تسير الديانات الهندية؟ أم إنّ له مذهبه الخاصّ والمستقلّ في معرفة الله؟

والموضوع الآخر هو الكون؛ لا بدّ لنا أن ندرك النظرة التي ينظر بها القرآن إلى الكون، فهل ينظر إلى الخليقة والكون نظرة عبثٍ ولهو؟ أم إنّها نظرة صدقٍ وحقّ؟ وهل يرى جريان العالم على وفق سننٍ ونواميس؟ أم إنّه يجري على غير هدًى أو قاعدة، بحيث لا يظهر لأيّ شيءٍ سببا؟

ومن جملة المسائل الكليّة المطروحة في القرآن مسألة الإنسان؛ فلا بدّ من تحليل نظرة القرآن إلى الإنسان، هل يرى القرآن أصالةً للمجتمع الإنساني؟ أم الأصالة عنده للفرد؟ وهل الحياة والموت، والرفعة والانحطاط صفاتٌ مختصّةٌ بالفرد فقط؟ أم أنّها تشمل المجتمع أيضاً؟ وهنا تدخل مسألة التاريخ، وكيف ينظر القرآن إليه؛ تُرى ما هي القوّة المحرِّكة للتاريخ؟ وما هو مقدار تأثير الفرد في التاريخ؟

هناك مسائل كثيرةٌ أخرى يطرحها القرآن، ونحن نُورِد هنا سرداً لبعضٍ منها: نظرة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
205

189

المعرفة التحليليّة للقرآن الكريم

  القرآن إلى القرآن، ثمّ مسألة الرسول في القرآن، وكيف يعرّف القرآن الرسول؟ وكيف يحادثه؟... ثمّ مسألة تعريف المؤمن في القرآن، وماهيّة صفات المؤمنين، وغيرها...

 
ولا شكّ أنّ لكلّ واحدةٍ من هذه المسائل الكليّة مسائل فرعيّة، فمثلاً عند الكلام على الإنسان، لا بدّ لنا أيضاً أن نتكلّم على الأخلاق، أو إن تحدّثنا عن المجتمع، لا بدّ أن نتحدّث عن روابط الأفراد، وعن مسألة الأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر، وعن مسائل الطبقات الاجتماعيّة... وغير ذلك كثير.
 
كيف يعرِّف القرآن نفسه؟ 
من الأفضل في تحليل القرآن أن نبدأ من ملاحظة رأيه في نفسه، وكيف يعرِّف نفسه؟
 
وأوّل ما يطالعنا في هذا الشأن هو تصريح القرآن بإنَّ هذه الكلمات والعبارات هي كلام الله. إنَّه يعلن صراحةً أنَّ الرسول ليس هو مُنشِئ القرآن، بل إنّه يبيّن فقط ما ينزل به الروح القدس أو جبرائيل بإذن الله. 
 
والأمر الآخر الذي يوضّحه القرآن هو تعريف رسالته وهدفه، وهي هداية أبناء البشر وقيادتهم للخروج من الظلمات إلى النور: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾1
 
ولا شكّ أنّ الجهل والجهالة من مصاديق هذه الظلمات. فالقرآن يقود البشر من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ولكن لو كانت هذه الظلمات تنحصر في الجهل فحسب، لكان بإمكان الفلاسفة أن يقوموا بتلك المهمّة، غير إنّ هناك ظلمات أخرى أخطر بكثير من ظلمة الجهل، ولا يستطيع العلم أن يعالجها، فهناك مثلاً: حبّ المال، والأنانيّة، واتّباع الشهوات، وغيرها... ممّا يعتبر من الظلمات الفرديّة الأخلاقيّة. وثمة ظلماتٌ اجتماعيّة، كالظلم، والتمييز، وغيرها... والظلم من مشتّقات الظلام، ما يوحي بنوعٍ من الظلام الاجتماعيّ المعنويّ، وإنّ مكافحة هذه الظلمات من شأن القرآن والكتب السماويّة الأخرى. 
 
 


1- إبراهيم، 1.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
206

190

المعرفة التحليليّة للقرآن الكريم

 يخاطب القرآن موسى بن عمران قائلاً: ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾1.

 
إنّها ظلمات الظلم، ظلم فرعون والفراعنة، والنور هو نور الحريّة والعدالة. وقد التفت المفسّرون إلى أنّ القرآن لا يورد كلمة "الظلمات" إلا بصيغة الجمع، ومقرونةً بالألف واللام للدلالة على الاستغراق، فتشمل كلّ ضروب الظلمات، ولكنّه يورد النور بصيغة الفرد، وهذا يعني أنّ الطريق الصحيح واحدٌ لا أكثر، بينما سُبل الانحراف والضلال عديدة، من ذلك مثلاً: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾2.
وهكذا يعيّن القرآن هدفه وهو تحطيم أغلال الجهل والضلال والظلم والتردّي الأخلاقيّ والاجتماعيّ، وبكلمةٍ واحدةٍ: القضاء على الظلمات، والهداية نحو العدالة والخير والنور. 
 
لغة القرآن: 
قد يظنّ بعضهم أنّ القصد من تلاوة القرآن هو قراءته طمعاً في الثواب دون إدراك شيءٍ من معانيه. وقد يختم البعض القرآن الكريم مرّاتٍ عديدة، ولكنّنا إن سألنا أحدهم إن كان قد فهم معنى ما يقرأ فقد يعجز عن الجواب. إنّ قراءة القرآن بقصد تفهّم معانيه أمرٌ لازمٌ ومطلوب، لا فقط بقصد الحصول على الثواب. 
 
إنّ لإدراك معاني القرآن مستلزماتٍ لا بدّ من الاهتمام بها. إنّ ما يحصل عند القارئ الذي يريد تعلّم كتاب ما، هو سلسلةٌ من الأفكار الجديدة لم تخطر له من قبل، فهنا يكون العقل وقوّة فكر القارئ هما الفاعلان النشيطان. وفيما يتعلّق بالقرآن يجب أن يكون التعلّم والإدراك هما القصد من قراءته، والقرآن هو نفسه يقول: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾3
 
إنّ واحدةً من وظائف القرآن التعليم؛ وهنا يخاطب القرآن عقل الإنسان بلغة المنطق
 
 
 

1- إبراهيم، 5.
2- البقرة، 257.
3- ص، 29.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
207

191

المعرفة التحليليّة للقرآن الكريم

  والاستدلال، ولكن للقرآن لغةٌ أخرى لا يخاطب بها العقل، بل القلب، ويطلق على هذه اللغة الثانية اسم الإحساس. فمن أراد أن يتعرّف إلى القرآن وأن يأنس به، عليه أن يعرف هاتين اللغتين، وأن يستفيد منهما معاً، إذ إنّ الفصل بينهما يؤدّي إلى الخطأ وسوء الفهم، وما هذا إلا خسرانٌ كبير. 


إنّ ما نطلق عليه اسم القلب هو ذلك الإحساس العظيم والعميق الكامن داخل الإنسان، وقد يطلقون عليه أيضاً اسم الإحساس بالوجود، أي ذلك الإحساس الذي يرتبط بالوجود المطلق. إنّ من يعرف التكلّم بلغة القلب ويخاطب به الإنسان، فإنّه يهزّه من أعماق حياته وكنه وجوده، وعندئذٍ لا يكون العقل وحده تحت التأثير، بل الوجود بأكمله يكون متأثّراً.

وإذا أردنا أن نضرب مثلاً للغة الإحساس، فإنّنا نضرب الموسيقى مثلاً لذلك؛ فالموسيقى - على اختلاف أنواعها - تشترك في أمرٍ واحد، وهو أنّها تعالج إحساس الإنسان، إنّها تهيِّج روح الإنسان وتغرقه في عالمٍ خاصٍ من المشاعر. وبالطبع تختلف أنواع التهيّجات باختلاف أنواع الموسيقى. 

فقد يمتاز نوعٌ ما بإثارته مشاعر البطولة والحماس، فهو يخاطب الإنسان بهذه اللغة، إنّكم تعرفون أنّهم يعزفون الموسيقى العسكرية والأناشيد خلال الحروب؛ ذلك لأنّ تأثير هذه الموسيقى يكون أحياناً من القوّة بحيث إنّ الجندي المرتعد خوفاً من العدوّ داخل خندقه، يندفع خارجاً متحديّاً هجمات العدوّ بل ويقابله بالهجوم. 

إنّ من أرفع غرائز الإنسان وإحساساته هي حسّه الدينيّ، وفطرته في البحث عن الله، والقرآن يتوجّه نحو مخاطبة هذا الحسّ الشريف السامي. 

تأثير القرآن في النفوس:
القرآن نفسه يوصينا أن نقرأه بلحنٍ لطيفٍ وجميل، إنّ هذا اللحن السماويّ هو اللحن الذي يخاطب به القرآن فطرة الإنسان الإلهيّة ويجتذبها إليه. عند وصف القرآن ذاته يقول إنّه يتكلّم بلغتين، فهو مرّةً كتاب الفكر والمنطق الاستدلالي، ومرّةً أخرى كتاب المشاعر والعشق، وبعبارة أخرى، ليس القرآن غذاء العقل والفكر، بل هو غذاء الروح أيضاً. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
208

192

المعرفة التحليليّة للقرآن الكريم

 والقرآن يؤكّد على موسيقاه الخاصّة تأكيداً كبيراً، تلك الموسيقى التي يكون تأثيرها في استثارة مشاعر الإنسان العميقة والسامية أقوى من كلّ موسيقى. فالقرآن يطلب من المؤمنين أن يقضوا بعض ليلهم في تلاوته، وأن يقرؤوه كذلك خلال الصلاة عند توجّههم إلى الله، إنّه يخاطب الرسول قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾1

 
قمْ ناجِ ربّك، ورتّل القرآن في صلاتك، والترتيل يعني عدم الإسراع في القراءة لئلا تتداخل الكلمات فلا تُفهم، وعدم الإبطاء إلى درجة فصل الرابط بين المعاني. يقول: اقرأ القرآن بتأنٍ وبتوجّه إلى المعنى، ويضيف في آيات أخرى في السورة نفسها مخاطباً الناس: إذا ما ألجأتكم أعمالكم اليوميّة، كالتجارة والجهاد في سبيل الله، إلى فترة نومٍ أطول، فلا تنسوا خلوة العبادة. 
 
إنّ السبب الوحيد الذي كان يزيد نشاط المسلمين وقدرتهم الروحيّة وخلوصهم وصفاء بواطنهم هو موسيقى القرآن، لقد أحال نداء القرآن في فترةٍ وجيزةٍ النفوس الخشنة الجافّة في جزيرة العرب إلى مؤمنين ثابتةٍ أقدامهم، فتمكّنوا من مصارعة أقوى سلطات زمانهم والقضاء عليها. لم يكن المسلمون ينظرون إلى القرآن أنّه مجرّد كتابٍ للدرس والتعليم فحسب، بل كانوا يرون فيه غذاء الروح ومادةً لكسب القوّة وازدياد الإيمان. كانوا يتلونه أثناء الليل بنيّة خالصة، يناجون ربّهم، وفي النهار يهجمون على الأعداء كالأسود البواسل. ولقد كان القرآن يتوقّع هذا من المؤمنين به، إذ يقول مخاطباً الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: 
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾2.
 
إنّ قصّة حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نفسها مصداقٌ لهذا القول؛ فهو بمفرده وبغير معين يرفع القرآن، ويبدأ ثورته، فيصبح القرآن كلّ شيء بالنسبة له، يعدّ له الجند، ويهيِّئ السلاح والعدّة، وأخيراً يجبر العدوّ على الخضوع والتسليم، ويجتذب أفراد العدوّ لينحنوا أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهكذا يفي الله بما وعد. 
 
 
 

1- المزمل، 1-2.
2- الفرقان، 52.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
209

193

المعرفة التحليليّة للقرآن الكريم

 عندما يسمّي القرآن لغته بلغة القلب، إنّما يقصد ذلك القلب الذي يريد أن يصقله ويهذبّه بآياته ويثيره، وهذه غير لغة الموسيقى التي تغذّي أحياناً رغبات الإنسان الشهوانيّة، وهي كذلك غير لغة المارشات العسكريّة والأناشيد الحربيّة التي يعزفونها في الجيش لاستثارة روح الحرب في الجنود، بل إنّها تلك اللغة التي تجعل من أعراب البادية مجاهدين قيل فيهم: "حملوا بصائرهم على أسيافهم". 

 
أولئك الذين وضعوا معارفهم ونظراتهم وأفكارهم النيّرة ومداركهم الإلهيّة والمعنويّة على أسيافهم التي شهروها في سبيل تلك المعتقدات، لم تكن لديهم منافع شخصيّةٌ ولا مسائل فرديّة، مع أنّهم لم يكونوا معصومين من الخطأ، وكانت تصدر عنهم أخطاء، إلا إنّهم كانوا يمثّلون مصداق القول: "قائمٌ بالليل وصائمٌ بالنهار"، كانوا دائماً على ارتباطٍ عميقٍ بالوجود، فيقضون ليلهم بالعبادة ونهارهم بالجهاد. 
 
فالقرآن - بالنظر لخصوصيته في كونه كتاباً للقلب والروح - يثير الأشجان، ويسيل الدموع، ويهزّ الأفئدة، ويصدق هذا حتى على أصحاب الكتب الأخرى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾1
 
ويؤكّد في آية أخرى إنّ النصارى من أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من اليهود والمشركين: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى﴾2.
 
ثمّ يصف النصارى الذين يؤمنون عند سماع القرآن فيقول: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾3
 
وعند الإشارة إلى المؤمنين عموماً، يصفهم هكذا: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾4
 
 
 

1- القصص، 52-53. 
2- المائدة، 82.
3- المائدة، 83.
4- الزمر، 23.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
210

194

المعرفة التحليليّة للقرآن الكريم

 في هذه وفي كثير من الآيات الأخرى (كالآية: 58 من سورة مريم، والآيات الأول من سورة الصف)، يشير القرآن صراحةً إلى أنّه ليس كتاباً علميّاً وتحليليّاً فحسب، بل إنّه في الوقت الذي يُستفاد فيه من منطلق الاستدلال كذلك يتحدّث مع مشاعر البشر وأذواقهم، ويضع أرواحهم تحت تأثيره. 

 
من يخاطبهم القرآن: 
من النقاط الأخرى التي ينبغي استنباطها من معرفة القرآن هي معرفة الذين يخاطبهم. إنّنا نجد في القرآن تعابير مثل: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾1، و﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾2، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾3. وهنا نتساءل: إنّ الهداية لا لزوم لها للمتقين لأنّهم متقون؟
 
ومن جهةٍ أخرى نجد القرآن يعرّف نفسه قائلاً: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ* وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾4.
 
إذاً، هل نزل الكتاب لكلّ الناس؟ أو للمؤمنين دون غيرهم؟ وفي آيةٍ أخرى يخاطب الله رسوله فيقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾5
 
سيأتي توضيح ذلك مفصّلاً عند الكلام على التاريخ في القرآن. ولكنّنا هنا نجمل قائلين: إنّ الآيات التي تخاطب أهل العالم كلّهم، يريد في الواقع أن يقول بأنّ القرآن لا يختصّ بقومٍ أو بجماعةٍ بعينها، فمن يقترب من القرآن هو الذي ينجُ.
 
أمّا في الآيات التي يخاطب فيها المؤمنين والمتّقين، فالمقصود منها الإشارة إلى نوع الناس الذين سيجتذبهم القرآن إليه، والنوع الآخر الذي سيبتعد عنه في نهاية الأمر. والقرآن لا يشير إلى قبيلةٍ بعينها أو قومٍ معيّنين على أنّهم من المرتبطين به والمؤيّدين له، وهو لا يقول إنّه مختصٌّ بقومٍ دون قوم، أو إنّه يضع إصبعه على منافع طبقةٍ معيّنةٍ كما قد يفعل البعض. فلا يقول إنّه جاء لحماية مصالح الطبقة الفلانيّة فحسب، كما إنّه لا يقول -
 
 
 

1- البقرة، 2.
2- النمل، 2.
3- الأنفال، 42.
4- ص، 87-88.
5- الأنبياء، 107.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
211

195

المعرفة التحليليّة للقرآن الكريم

  مثلاً - إنّه جاء ليحمي مصالح الطبقة العاملة دون غيرها، أو لتأييد طبقة الفلاحين فقط، بل إنّه يؤكّد على كونه كتاباً هدفه بسط العدل. 

 
ويقول بشأن الرسل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾1
 
يريد القرآن القسط والعدالة لكلّ المجتمعات الإنسانيّة، لا لهذه الطبقة أو تلك، أو لقومٍ دون قوم، لا يريد القرآن - بخلاف بعض التيارات كالنازية - أن يجتذب الناس فيضع إصبعه على مواطن عصبيتهم، وكذلك هو خلاف الماركسية مثلاً، فلا يستند إلى ما في الإنسان من روح النفعيّة والمصلحة الشخصيّة، ولا يحرّكه عن طريق منفعته.
 
وكما إنّ القرآن يقول بأصالة الإنسان العقليّة، يقول أيضاً بالوجدانيّة والفطريّة، وإنّ فطرة البحث عن الحقّ والعدالة هي التي تحمل الإنسان على السير والحركة. 
 
لذلك فرسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليست موجّهةً إلى العمّال أو الفلاحين أو المحرومين أو المستضعفين، بل إنّ القرآن يخاطب الظالم والمظلوم معاً، فيدعوهما إلى طريق الحقّ. 
 
النبيّ موسى عليه السلام جاء برسالته مبلّغاً لبني إسرائيل ولفرعون معاً، ويطلب من الفريقين الإيمان بالله والمسير في طريقه، وكذلك عرض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رسالته ودعوته على سراة قريش17، وعلى أمثال أبي ذرٍ وعمّار. يورد القرآن نماذج عديدةً لتحريض الفرد على التمرّد على ذاته، والرجوع عن طريق الضلال والفساد إلى طريق التوبة. وممّا لا شكّ فيه أنّ توبة الذين كانوا يعيشون في رفاهٍ ونعيمٍ أصعب بكثيرٍ من توبة المحرومين والمظلومين؛ فهؤلاء يسيرون بمقتضى الطبع في طريق العدالة، أمّا الأوّلون فعليهم أن يتنازلوا عن مصالحهم الشخصيّة وامتيازاتهم القبليّة وأهوائهم. 
 
يقول القرآن إنّ أتباعه هم ذووا الأرواح الطاهرة النقيّة، وإنّ تبعية هؤلاء للقرآن متأتّية من حبّهم الفطريّ للبحث عن العدالة والحقيقة، وليس من ميولهم الدنيويّة ومنافعهم المادّيّة وأهوائهم الخاصّة. 
 
 
 

1- الحديد، 25.
2- سراة، أشراف قريش.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
212

196

القرآن وقضية الفكر

 القرآن وقضية الفكر

 
أصل الفكر:
إنَّ واحداً من تعاليم القرآن الكريم هو التَّحريض على التدبّر وإعمال الفكر في مخلوقات الله تعالى، للوصول إلى أسرار الخليقة، تفكُّرٌ في التَّاريخ وفي سِيَرِ الماضيين، للتعرّف على السُنن والقوانين التي وضعها الله لحياة المجتمعات البشريَّة.
 
إنَّ التَّفكير السَّطحي أمرٌ سهلٌ وميسورٌ، إلَّا أنه لا يوصل إلى نتيجةٍ مفيدة. ولكنَّه إذا كان علمياً يستند إلى مطالعات دقيقة واختبارات وحماية مضبوطة، أو إذا أراد المرء، على الأقل، أن يطالع بإمعان الآثارَ الفكرية للآخرين، فإنَّ ذلك يكون من الصعوبة بمكان، مع أنه عظيم الفائدة، ورأسماله كبير، ويشكّل ذخيرةً وافرةً لإغناء الرّوح الإنسانيّة.
 
لقد جعل الإسلام التّوحيد ركنه الأساس الأصيل، فالتَّوحيد من أعظم الأفكار التي استبطنها العقل الإنساني. إنَّه بحاجة إلى منتهى الدِّقة والتّروي في العمل فمن ناحية نجد عدم جواز التَّقليد في أصول هذا الدَّين وعلى الأخص أصل أصوله، أي التوحيد، بل يتوجّب فيه التحقيق، فلا مندوحة لهذا الدّين عن فرض التدبُّر والتفكير فرضاً إلزامياً، وعن تخصيص الكثير من آيات القرآن لهذا الموضوع، وهذا ما فعله حقاً.
 
لم يترك القرآنُ موضوعَ التفكير مبهماً مطلقاً، أي إنَّه لم يقل: اذهبوا وفكروا في أي موضوع تشاؤون مهما يكن، وتدبَّروا في أيِّ أمرٍ كان!
 
ولكنه إنَّما يطرح المواضيع طرحاً إجمالياً، ففي الآية 164 من سورة البقرة، يعيِّن القرآن مواضيعَ ويطلبُ من النَّاس أن يشمِّروا عن ساعد الجدّ ويتعمَّقوا في بحثها ودراستها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾1، اذهبوا وادرسوا الكرة الأرضية
 
 
 

1- آل عمران، 190.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
213

197

القرآن وقضية الفكر

  وتعاقب اللَّيل والنهار. تعرَّفوا إلى نظام الكواكب والنُّجوم. ادرسوا الأرض وطبقاتها وآثارها والعامل الذي يجعل الأرض تغير موضعها في كل 24 ساعة بالنسبة إلى الشمس، فيحدث اللَّيل والنهار، وادرسوا الكواكب والنًّجوم وحققوا في علم الهيئة علم طبقات الأرض ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾1، هذه السفن التي تمخر عباب البحار وتجلب للناس المنافع وتطوي المسافات، فيزداد الإنسان معرفةً، أو يتأخَّر، ويستفيد من الإمكانات التي وهبت له. فالبحر والسّفن وعدم غرقها، والمنافع التي ينالها الإنسان بتسيير السّفن، كلّها تجري وفق حسابٍ وقانونٍ ونظامٍ لا يعرفها الإنسانُ إلَّا بدراستها والتَّحقيق فيها: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾2، وهذا المطر الذي ينزل ماء فيحيي به الله الأرض الميتة، وفي هذا آلاف الأسرار الخفية التي لا يسبر أغواها إلَّا الذي يفكّر ويدرس ويعمل فكره فيها فيتعرّف إلى الجو والكائنات الجوية وخصائص الأمطار والنباتات: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾3 إنَّ هبوب الرّياح وحركتها والسّحب التي تجوب السَّماء فوق الأرض كلّها مسخّرة وفي حركة دائبة، وهي علامات وآياتٌ لمن يستطيع التعقُّل والتدبُّر.

 
ولو أنَّ أحداً لم تره عيناك ألَّف كتاباً، ثم أرسل إليك رسالةً يقول فيها: إن أردت معرفتي حقّ المعرفة فاقرأ كتابي، ويخصّص لك بعض فصول الكتاب طالباً منك مطالعتها بإمعان. فلا شك أنَّك يجب أن تبذل جهدك في فهم الكتاب بالرجوع إلى معلّم أو أستاذ، وإلى كتب اللغة وتعلّم اللغة والحروف والكلمات التي كتب بها ذلك الكتاب، عندئذٍ تستطيع أن تقرأ الكتاب وتتعرَّف إلى المؤلّف الذي لم تره، فلا شكَّ بأنَّك لا يمكن أن تعرفه بمجرد النظر إلى غلاف الكتاب وجهه وظهرَه.
 
إنَّ المطالعة السطحية لعوالم الوجود، تلك العوالم التي توصَّل إلى اكتشافها علماء وفنَّانون مختصُّون في علم الهيئة والنُّجوم علوم الأرض والاجتماع والنَّفس، لا تنفع إن لم
 
 
 

1- البقرة، 164.
2- الجاثية، 5. 
3- البقرة، 164.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
214

198

القرآن وقضية الفكر

  تكن مطالعَةً متعمِّقة وفاحصة، بل تكون أشبه بمن ينظر إلى غلاف كتاب ليتعرّف إلى المؤلف، أو إلى ما فيه. 


في الحقيقة، إنَّ التفكُّر والتحليل من الملكات الكامنة في ذهن الإنسان، والتفكير مسيرة يقطعها الإنسان بين معلومات تخطر للذهن، كالغّواص الذي يسبح بين أمواج البحر. فلا بدَّ من وجود معلومات حتى يستطيع الإنسان أن يتفكّر فيها، إذ لا بدَّ من وجود الماء حتى يستطيع الغواص من الغوص فيه.

إنَّ من يعرف نبتةَ وردٍ معرفةً كاملةً، من حيث جذورها، وسيقانها، وأوراقها، وكيف تتغدّى، تتنفَّس، وتنمو، وطريقة تكاثرها وغير ذلك، فإنَّه يكون قادراً على التَّفكير فيها وإدراك الحكمة والعلم والقدرة والتَّدبير الذي صيغت به. أما الذي لا يعرف من الوردة غير شكلها ولونها ورائحتها، دون معرفة أسرارها الأُخرى، فإنه لن يكون قادراً على التفكير والتأمُّل فيها وربط كلّ ذلك بالقدرة والحكمة اللتين تسودان العالم.

العلم هو مادة الفكر!
يُقال إنَّ الأمر بشيء يشمل الأمر بمقدماته. فلما كان التفكر غير ممكن بغير العلم والمعلومات، فإنَّ الأمر بالتفكر أمر بمادته أيضاً، أي أمر باكتساب المعلومات الصحيحة حول تلك المخلوقات. القصد هو أنَّ القرآن لم يحثّ الناس على التفكّر فحسب، بل إنَّه يذكر مواضيع التفكير أيضاً في هذه الآية وفي كثير غيرها.

انحراف المسلمين عن مسار التفكير الإسلامي:
ممَّا يؤسف له أن يحصل في تاريخ الإسلام ما يحرف المسلمين في مسارهم عن التوجّه الذي وجّهَهُم إليه كتابنا المقدَّس السماوي. بالطبع كان هناك نفر ممَّن أدركوا مقاصد التعاليم القرآنية والموضوعات التي ينبغي لهم التفكّر فيها، وقد فعلوا. وأولئك هم الذين يعدّون اليوم من مفاخر المسلمين، بل من مفاخر البشرية. ولكن الأكثرية قد انحرفت عن طريقة القرآن الكريم، وراحوا يتباحثون ويتجادلون في مواضيع لم يطلب القرآن منهم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
215

199

القرآن وقضية الفكر

 وُلُوجَها، بل نهاهم عنها أشدَّ النهي، لأنَّها لغوٌ لا فائدة من ورائها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾1.
 
المجادلات الكلامية:
لو أنَّ أحداً طالع كتب المتكلّمين والمواضيع التي بحثوها وجادلوا فيها، والتي شدَّت إليها أفكار الناس قروناً، واستنفدت ثروات طائلة وجهوداً مضنية، وحاول عرضها على القرآن ليعرف إن كانت من تلك المواضيع التي حثَّ الناس على بحثها، يجد أنَّها أبعد ما تكون عن تلك، بل لا رابط بينهما إطلاقاً. ولكن كثيراً من الناس أمضوا سنوات طوالاً يبحثون ذلك اللغو الذي لا أساس له، ويتجادلون حوله، تاركين المواضيع التي حرَّض القرآن الناس عليها وشوَّقهم إليها، فبقيت على حالها، حتى جاء أُناس آخرون يحدوهم الشوق إليها وأخذوا على عواتقهم دراستها، فنالوا أعلى المراتب في العالم، بينما نحن -الآن- يجب علينا أن نتعلَّم من أولئك وبكلِّ تذلُّلٍ وخضوع، تلك الدروس التي حثّنا القرآن عليها من قبل.
 
سبق أن قلت: إنَّ الإنسان كلَّما تعمّق في دراسة سُنَنَ خلق الموجودات في هذا العالم، ازداد له وضوح التآلف والنظام والانسجام الذي يربط أجزاء العالم بعضها إلى بعض. وإنّه ليدرك أنَّه في الوقت الذي يكون فيه لكلِّ موجودٍ ولو ذرّة قوَّة وطاقة وحركة خاصّة به، فإنَّه غير متروكٍ لنفسه على الإطلاق، بل إنَّ هناك رابطاً واتِّصالاً بين جميع الأجزاء، وإنَّ لكلِّ جزءٍ هدفاً ووظيفةً ضمن المجموعة الكلّية، وعلى هذا يتَّضح له أنَّ كلَّ زاويةٍ من العالم تستبطن حكم كل جزء فيها.
 
وحدة الوجود ووحدة الخالق في القرآن:
إنَّ الدليل على وجود الله تعالى والدليل على وحدانيته واحدٌ في القرآن، لأنَّ ما يدلَّ على وجود الله هو نفسه يدلُّ على وحدانية ذات الله. 
 
لقد اعتاد الفلاسفة على بحث إثبات واجب الوجود وبحث توحيد واجب الوجود كلاً 
 
 
 

1- المؤمنون، 3.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
216

200

القرآن وقضية الفكر

 



على حدة. وكذلك الحال مع علماء الكلام المسلمين الذين يحذون حذو الفلاسفة. إلّا أنَّ الأمر ليس كذلك في القرآن؛ أي إنَّ القرآن لا يأتي في مكان بالدليل لإثبات أنَّ الوجود لذاته وأنّه بذاته موجود، ثم يأتي في مكان آخر بدليل آخر على أنَّ الخالق وواجب الوجود، ذات واحدة لا أكثر. وهذا أمر عجيب في القرآن، فالقرآن يعرّف الذات الإلهية تعريفاً لا يمكن معه افتراض التعدُّد أو الثنائية في الذات المقدَّسة، وهذا ما يرِدُ بصورةِ إشارةٍ أو تلميحٍ في القرآن. ولكن أمير المؤمنين عليه السلام يفصّل هذا في نهج البلاغة تفصيلاً كاملاً. 
 
وهذا من المعارف القرآنية الكبيرة الدالّة بوضوح على إعجاز القرآن، والذي يوضح هذا الإعجاز هو الإمام علي عليه السلام ، وإنَّ بيان هذا الإعجاز إعجاز آخر.
 
لقد جاء في الأحاديث أنَّ الإمام عليّاً عليه السلام قد سُئل مرة: هل عندكم شيء من الوحي؟ قال عليه السلام: "لا والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبداً فهماً في كتابه"1، أي أنَّ العلوم العجيبة التي وصلتنا منه كانت بسبب فهمه لمعاني القرآن وإدراكه لمقاصده.
 
إنَّ النظام الذي يسود الخليقة يشير إلى الانسجام والارتباط الموجود بين المخلوقات، وإلى أنَّ من مجموع أجزاء العالم يتألَّف كلّ واحد. ويمكن توضيح ذلك بالمثال التالي:
إنَّ القطيع من الغنم مجموعة تفتقر أجزاؤها إلى الاتصال والانسجام، فكل شاة تسير مستقلة عن الأخرى، وتعلف وحدها وتنام وحدها، وتمثل بمجموعها بناءً واحداً. إنّ هذا الانسجام الموجود بينها يكفي الراعي لقيادتها. إلّا أنَّ كلَّ شاةٍ من تلك الشياة يتألف جسمها من ملايين الملايين من الخلايا الحيّة، فعدد منها يكون نسيج الجلد، ووظيفتها صنع محفظة تحفظ بقية أجزاء الجسم. وعدد آخر يبني العضلات، وخلايا غيرها تبني القلب، وأخرى العين وهكذا... وهي كلها في الوقت الذي تؤدّي فيه وظائف مختلفة ومتعدّدة ولكل منها هدف معيّن، فإنَّ أي مجموعة منها لا علم لها بوجود 
 



1- تفسير الميزان، ج3، ص71.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
217

201

القرآن وقضية الفكر

 المجموعة الأُخرى، فخلايا الدم لا تدري بوجود خلايا اسمها خلايا اللّحم، وخلايا اللّحم لا تدري بخلايا الأعصاب، ولا بخلايا البشرة، ولا تعلم أي مجموعة أنَّها تحت تسخير مجموعة هي المجموعة الكاملة التي تؤلّف كيان الشاة نفسه، ولهذا الكيان نفسه روح وحياة، وهدفه أوسع وأشمل. إنَّ هدف كل مجموعة من هذه الخلايا هدف جزئي، وهو مقدّمة ووسيلة لبلوغ هدف أكبر وأعمّ.

 

 

 

 

 

 

 

 

218


202

العقل في المنظور القرآني

 العقل في المنظور القرآني

 
مقدّمة
تكلّمنا في الفصل السابق - باختصارٍ - عن لغة القرآن، وذكرنا أنّ القرآن يستعين بلغتين في إبلاغ رسالته، وهما لغة الاستدلال المنطقي ولغة الإحساس، ولكلٍ من هاتين اللغتين مخاطَبوها المختصّون، فالأولى تخاطب العقل، والثانية تخاطب القلب. في هذا الفصل سوف نتناول بالبحث نظرة القرآن للعقل.
 
علينا أن نعرف إن كان القرآن يعتبر العقل سنداً، أو كما يقول علماء الفقه والأصول: هل العقل حجّة؟ أي إن كان المكتشَف حقّاً من مكتشَفات العقل الصحيحة، فهل ينبغي على البشر أن يحترموه وأن يعملوا بموجبه أم لا؟ فإن عمل به وارتكب في ذلك - أحياناً - خطأً ما، فهل سيعذره الله على ذلك أم سيعاقبه؟ وإن لم يعمل به، فهل سيعاقبه الله على عدم العمل به مع أنّ عقله قد حكم بذلك أم لا؟
 
إنّ كون العقل حجةً وسنداً في نظر الإسلام أمرٌ ثابت، كما إنّ علماء الإسلام جميعاً، ومنذ البداية وحتى الآن - عدا مجموعة صغيرة -، لم يشكّوا في سنديّة العقل، واعتبروه أحد مصادر الفقه الأربعة.
 
الدعوة إلى التعقّل في القرآن:
بما إنّنا نبحث في القرآن، فلا بدّ لنا من الرجوع إلى القرآن نفسه للحصول على الدليل الذي يثبت كون العقل حجّة. إنّ القرآن يضع توقيعه على مستند سنديّة العقل بطرق مختلفة، فمن الآيات يمكن أن نعدّ ستّين أو سبعين آيةً وردت في القرآن تشير إلى موضوع التّدبر والتّفكر العقلي. ولنضرب مثلاً إحدى الآيات العجيبة في القرآن: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذينَ لا يَعْقِلُونَ﴾1.
 
 
 

1- الأنفال، 22.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
219

203

العقل في المنظور القرآني

 من الواضح طبعاً، إنّ المقصود بالصمّ البكم ليس العضويّ منهما، بل المقصود هو الجماعة من الناس الذين لا يريدون أن يسمعوا الحقيقة، وإذا سمعوها لا يعترفون بها بألسنتهم، فالأُذن التي تعجز عن سماع الحقائق، ولا تعجز عن سماع لغو الكلام الفارغ، هي في القرآن أذنٌ صمّاء، واللّسان الذي يقتصر على الهَرَاء، هو في القرآن لسانٌ أبكم.

 
أمّا ﴿الَّذينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ فهم الذين لا ينفعهم تفكيرهم، وهؤلاء لا يراهم القرآن جديرين بصفة الإنسان؛ فأدرجهم في سلك الحيوانات والدواب، فيخاطبهم بهذا المنظور.
 
وفي آيةٍ أخرى يطرح مسألة التوحيد بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ﴾1.
 
وعلى إثر طرح هذه المسألة الغامضة التي لا يتّسع الوقت لدركها تستأنف الآية قولها: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾2.
 
في هاتين الآيتين اللتين أوردتهما مثالين، يدعو القرآن إلى إعمال العقل بدلالة التطابق، حسب تعبير أهل المنطق، وهناك آياتٌ كثيرةٌ أخرى يؤكّد فيها القرآن سنديّة العقل بدلالة الالتزام؛ أي إنّه يتكلّم بأمور يستحيل قبولها دون القبول بسنديّة العقل وحجيّته، فهو مثلاً يطلب من الخصم استدلالاً عقلياً، حيث يقول: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾3.
 
أي إنّه يريد أن يبيّن، بدلالة الالتزام، أنّ العقل حجّةٌ وسند، أو إنّه لكي يُثبت وحدة الوجود صراحةً يعتمد المقياس المنطقيّ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾4.
 
وهنا يقيم القرآن قضيةً شرطيّة، فقد استثنى المتقدّم وأهمل المتأخّر. فالقرآن بتأكيده العقل يريد إبطال أقوال بعض الأديان التي تقول إنَّ الإيمان غريبٌ على العقل، وإنّه لكي يؤمن المرء عليه أن يعطّل عمل العقل، وأن يكتفي بعمل القلب، لكي يدخله نور الله.
 
الاستفادة من قانون العلّيّة:
من الأدلَّة الأخرى على قول القرآن بأصالة العقل بيانه لبعض المسائل باستخدام قانون
 
 
 
 

1- يونس، 100.
2- م.ن.
3- البقرة، 111.
4- الأنبياء، 22.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
220

204

العقل في المنظور القرآني

  العلّيّة والمعلوليّة. فالعلّة والمعلول، وأصل العليّة، قواعد للفكر العقلي، وهذا ما يحترمه القرآن ويعمل به. فمع أنَّه كلام الله، وأنّ الله هو خالق العلّة والمعلول، فإنَّه مع ذلك لا يغفل عن ذكر السببيّة والمسبّبيّة لهذا العالم، ويضع الوقائع والظواهر تحت سيطرة هذا النظام. من ذلك الآية التي تقول: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾1.

 
ومع أنّ كلّ المصائر بيد الله، فإنّ الله يحمّل البشر مصائرهم بسبب اختيارهم وتصميمهم وعملهم، ولا يقوم بعملٍ جزافاً، بل حتى المصائر لها نظام، ولن يغيّر الله مصير مجتمعٍ بغير بديل، إلا إذا غيّر المجتمع ما به، كأن يغيّر نظامه الأخلاقيّ أو الاجتماعيّ.
 
والقرآن، من ناحيةٍ أخرى، يحثّ المسلمين على النظر في أحوال الأقوام السالفة ومصائرها، ليستخلصوا منها الدروس والعِبَر. ومن البديهي أنَّه لو كانت مصائر الأقوام والملل وأنظمتها قد سارت خبط عشواء ومصادفة، أو لو كانت تلك المصائر مفروضةً من فوق، لما كان ثمَّة داعٍ لدرسٍ أو عِبرة، فبهذا التأكيد يريد القرآن أن يشير إلى أنّ مصائر الأقوام تتحكّم بها أنظمةٌ واحدة، فلو تشابهت ظروفُ مجتمعٍ ما مع مجتمعٍ آخر لتشابه مصيرهما.
 
وقد جاء في آيةٍ أخرى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾2.
 
نجد في الخلاصة أنّ التدبّر في تطبيقات نظام العلّة والمعلول - بحسب ما ورد في القرآن الكريم - يوصلنا إلى القبول بحجيّة العقل.
 
فلسفة الأحكام:
من الدلائل الأخرى على القبول بحجّية العقل في نظر القرآن، هو القول بوجود فلسفةٍ للدساتير والأحكام، أي إنّ العلّة في وضع الدستور هي المصلحة، كما يقول علماء الأصول
 
 
 

1- الرعد، 11.
2- الحـج، 45-46.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
221

205

العقل في المنظور القرآني

  إنّ المصالح والمفاسد تتدرّج في سلسلة علل الأحكام، فمثلاً يقول القرآن: أقيموا الصلاة، ثم يذكر في مكانٍ آخر فلسفة هذا الأمر: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾1؛ ليشرح الأثر الروحي للصلاة، وكيف أنّها ترتفع بالإنسان عن الفحشاء، فيبتعد عن المفاسد والموبقات.

 
أو إنّه يذكر الصوم، ويأمر الناس به، ثم يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾2.
 
وهكذا الأمر فيما يتعلّق بأحكام أخرى، كالزكاة والجهاد، فقد بيّن القرآن في جميع الموارد نتائجها الفرديّة والاجتماعيّة. 
 
وعليه، فالقرآن يمنح هذه الأحكام جانبها الدنيوي، مع كونها سماويّة ومن الأعلى، ويطلب من الإنسان أن يتأملّها، ويتفكّر فيها، لكي يستبين له كُنْهُ الأمور، ولئِلاّ يحسبها مجرّد سلسلةٍ من الرموز أسمى من فكر البشر.
 
مكافحة شطحات العقل:
ثمّة دليلٌ آخر، أقوى مما سبق، على أصالة العقل في نظر القرآن، وهو مكافحة القرآن لشطحات العقل، ولكي نوضح هذا الأمر لا بدّ لنا من إيراد مقدّمةٍ قصيرة.
 
لا شكّ في أنّ فكر الإنسان يقع في الخطأ في كثير من الأحيان، وهذا أمرٌ معروفٌ وشائع، ولكنّه ليس مقصوراً على العقل، فالحواس والمشاعر تخطئ أيضاً، وقد أحصوا لحاسّة البصر عشرات الأنواع من الأخطاء. وفيما يتعلّق بالعقل، كثيراً ما يتّفق أن يستدلّ الإنسان على أمرٍ ويتوصّل إلى نتيجةٍ ما، ثمّ يتّضح أنّ استدلاله كان خاطئاً من أساسه، وهنا يطرح هذا السؤال نفسه: أيجب علينا أن نلغي عمل العقل بسبب خطئه هذا؟ أم ينبغي أن نوجد وسائل وأسباباً تحول دون ارتكاب العقل للخطأ؟ 
في الردّ على هذا السؤال يقول السفسطائيون: إنّ الاعتماد على العقل غير جائز، بل
 
 
 
 

1- العنكبوت، 45.
2- البقرة، 183.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
222

206

العقل في المنظور القرآني

  إنّ عملية الاستدلال لغوٌ لا طائل منها. ويردّ الفلاسفة عليهم ردوداً مفحمة، قائلين مثلاً: إنّ الحواس تقع أيضاً في الخطأ كالعقل، غير إنّ أحداً لم يحكم بتعطيل الحواس وبعدم استعمالها، ولمّا لم يكن بالإمكان الاستغناء عن العقل، اضطر المفكرون إلى الحيلولة دون وقوعه في الخطأ.


وفي غضون بحثهم في هذا الموضوع لاحظوا أنّ كلّ استدلالٍ يتكوّن من قسمين: المادّة، والصورة. كما هي الحال عند تشييد عمارة؛ إذ نكون بحاجة إلى الإسمنت والحديد والجصّ وغيره... (المادّة)، وإلى هيكل البناء وشكله (الصورة)، ولكي نبني العمارة على خير ما يكون، علينا أن نهيّئ أفضل المواد، وأجمل خريطةٍ مكتملةٍ وصحيحة. وللتوصّل إلى صورةٍ سليمةٍ للاستدلال ظهر منطق أرسطو، أو المنطق الصوري. وكانت وظيفة المنطق الصوري هذا أن يبيّن صحّة صورة الاستدلال أو عدم صحّتها؛ ليعِين العقل كي لا يخطئ في صورة الاستدلال.

إنّ القضيّة الرئيسة في ضمان صحّة الاستدلال هي أنّ المنطق الصوري وحده لا يكفي لإثبات صحّة الاستدلال، فهذا المنطق إنّما يضمن جانباً واحداً(الصورة)، ولكي نطمئنّ إلى صحّة مادّة الاستدلال لا بدّ من اللجوء إلى منطق المادّة أيضاً، أي إنّنا نحتاج إلى معيار نقيس به المادّة الفكريّة كذلك.

لقد سعى علماءٌ من أمثال بيكن وديكارت لوضع منطقٍ لمادّة الاستدلال، كما وضع أرسطو منطقه لصورة الاستدلال، ولقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ ما، ولكنّهم لم يبلغوا به الكمال الذي اتّصف به منطق أرسطو، وإن استطاع الإنسان أن يستعين به لدرء أخطاء الاستدلال، ولكن الذي قد يثير عجبكم هو أنّ القرآن قد عرض أموراً لمنع الخطأ في الاستدلال لها الفضل في التقدّم، وهي متقدّمة على تحقيقات أمثال ديكارت وغيره.

منشأ الخطأ في نظر القرآن:
من جملة مناشئ الخطأ التي ذكرها القرآن هي أنّ الإنسان يأخذ الشكّ مأخذ اليقين، فإن تقيّد الإنسان دائماً باليقين ولم يقبل بالظنّ، فإنّه لن يقع في الخطأ. وهذا ما يؤكّده
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
223

207

العقل في المنظور القرآني

  القرآن كثيراً، حتى إنّه يصرّح بأنّ أكبر مزالق الفكر البشري هو اتّباعه الظن.

 
وفي مكانٍ آخر يخاطب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾1.
 
وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾2. وهذه التذكرة تصدر من القرآن لأوّل مرّةٍ في تاريخ البشر، وتنهى الإنسان عن ارتكاب مثل هذا الخطأ.
 
وأمّا المنشأ الثاني لحصول الخطأ في مادّة الاستدلال، وبخاصّة في الأمور الاجتماعيّة، هو التقليد. فبعض الناس يثقون بصحّة الأمر ما دام المجتمع يثق بصحّته؛ أي إنّ الأمر المقبول عند المجتمع، أو الذي ارتضاه الأسلاف الأقدمون، يكون مقبولاً عند الجيل الحاضر أيضاً.
 
أمّا القرآن فيقول: عليكم أن تزِنوا كلّ أمرٍ بميزان العقل، لا أن تثقوا بكلّ ما كان يفعله أجدادكم، أو أن تنبذوه كليّاً لهذا السبب. فثمّة مسائل كثيرةٌ طُرِحت في الماضي وكانت خطأً في الوقت نفسه، ولكنّ الناس تقبّلوها. وثمّة مسائل أخرى كانت صحيحةً في زمانها، ولكنّ الناس رفضوها من باب الجهل؛ فلا بدّ من أخذ رأي العقل في قبول الأمور أو رفضها، لا أن نقلّد الآخرين فيها تقليداً أعمى. 
 
والقرآن يضع اتّباع الآباء والأجداد، في معظم الأحوال، في تعارضٍ مع العقل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾3.
 
يؤكّد القرآن على أنّ قِدم الفكرة لا يكون دليلاً على صحّتها أو خطئها. صحيحٌ أنّ لتقادم الزمن أثراً في الأمور المادّيّة، ولكن حقائق الوجود لا يمكن أن يصيبها البلى مهما تقادم عليها الزمان، فحقيقة ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾4 تظلّ صادقةً ما دامت الدّنيا قائمة. 
 
 
 

1- الأنعام، 116.
2- الإسراء، 36.
3- البقرة، 170.
4- الرعد، 11.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
224

208

العقل في المنظور القرآني

 والقرآن الكريم يشدّد على أنّه تجب مواجهة الأمور بسلاح العقل والفكر، فلا ينبغي نبذ عقيدةٍ صحيحةٍ لمجرّد كون بعضهم يلصقها بالناس، ولا أن نتقبّلَ أخرى لمجرّد كونها تقترن باسم هذا أو ذاك من الشخصيّات المعروفة، بل يلزم القيام بالدرس والتحقيق في كلّ المسائل.

 
ومن العوامل المؤثّرة في حصول الخطأ والمذكورة في القرآن هو اتّباع هوى النفس وميولها وأغراضها المريضة، وفي ذلك يقول مولوي ما مضمونه: إذا ما بُرزت الأغراض حُجب الفنّ، ومُدّ مئةُ ستارٍ بين القلب والعين. فما من إنسانٍ استطاع أن يكون سليم التفكير إلا إن ابتعد عن شرّ الهوى والتحيّز؛ لأنّ العقل لا يستطيع أن يعمل إلا في محيطٍ يخلو من أهواء النفس.
 
هناك حكايةٌ تُروى عن العلامة الحلّي جديرةٌ بضرب المثل بها، فقد سُئِل العلامة الحلّي مرةً عن مسألةٍ فقهيّة، وهي إنّه إن مات حيوانٌ في بئر وبقيت الميتة النجسة في البئر، فكيف يمكن الاستفادة من ماء البئر؟ وقد حدث من باب المصادفة والاتّفاق أن وقع حيوانٌ ومات في بئر دار العلامة الحلّي نفسه، الأمر الذي اضطرّ معه إلى أن يستنبط لنفسه حكماً شرعيّاً بهذا الشأن، ولم يكن أمامه غير طريقين: فإمّا أن يردم البئر نهائيّاً، ويستفيد من بئرٍ أخرى، أو أن يستخرج مقداراً معيّناً من ماء البئر، ثمّ يستعمل البئر دون وازع، ولكنّه رأى أنّه لا يستطيع أن يحكم في هذه المسألة دون أن يلتفت إلى مصلحته الشخصيّة، فكان أن أمر بردم البئر أوّلاً، ثمّ راح يفكّر براحة بالٍ ودون وسوسة النفس في استنباط الحكم.
 
وفي القرآن إشاراتٌ كثيرةٌ إلى اتّباع هوى النفس، منها: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾1.
 
 
 

1- سورة النجم، 23.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
225

209

القلب في القرآن الكريم

 القلب في القرآن الكريم

 
مقدّمة
إنّ المقصود بالقلب في المصطلح الأدبيّ والدينيّ ليس ذاك العضو العضليّ الذي يقع في الطرف الأيسر من الجسم، ويضخّ الدم في العروق؛ ففي قول القرآن: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾1.
 
أو ما جاء في هذا التعبير الأدبيّ اللطيف لحافظ:
هلع قلبي وإنّي أيّها الدرويش غافل                فماذا جرى يا ترى لهذا الصيّاد الحائر
 
يتّضح إنّ المقصود من القلب شيءٌ سامٍ ورفيع، يختلف عن عضو الجسم هذا كلّ الاختلاف، وإن أصابه المرض أيضاً: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾2.
 
إلا إنّ معالجة هذه الأمراض ليست من اختصاص أطبّاء القلب، وإن كان ثمّة طبيبٌ يعالجها، فهو الطبيب المختصّ بالأمراض الروحيّة.
 
تعريف القلب:
ما المقصود بالقلب؟ علينا أن نبحث عن جواب هذا السؤال في حقيقة وجود الإنسان. فمع أنّ الإنسان كائنٌ فردٌ واحد، فإنّ له مئات الأبعاد، بل آلافها. فالـ "أنا" إنسانٌ يتألّفُ من العديد من الأفكار والآمال، ومن الخوف والرجاء والحبّ، إلخ... وكلّ هذه الأفكار أشبه ما تكون بالأنهار والسواقي التي تلتقي في مركزٍ واحد، وهذا المركز نفسه بحرٌ عميق، لم يدّعِ أحدٌ من البشر بعد أنّه قد سبر أعماقه وعرف كنهه. ومع أنّ الفلاسفة والروحانيّين وعلماء النفس، قد وصل كلٌّ منهم إلى كشف بعض أسراره ولكنّ الظاهر أنّ الروحانيّين كانوا أكثر
 
 
 

1- ق، 37.
2- البقرة، 10.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
227

210

القلب في القرآن الكريم

  توفيقاً من غيرهم. فالذي يسمّيه القرآن بالقلب هو في الحقيقة ذلك البحر، وإنّ ما نسمّيه نحن بالروح إن هو إلا الأنهار والروافد التي تتّصل بهذا البحر.

 
وبما إنّ القرآن يتحدّث عن الوحي، فإنّه لا يذكر العقل، بل يقتصر على التوجّه إلى قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهذا يعني أنّ القرآن لم يحصل للرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق قوّة العقل، ولا بالاستدلال العقلي، وإنّما هو قلب الرسول الذي بلغ حالةً لا نستطيع نحن تصوّرها، فأصبح فيها قادراً على إدراك تلك الحقائق السّامية وشهودها، وإن كيفيّة هذا الارتباط مبيّنة إلى حدٍّ ما في آياتٍ من سورتي النجم والتكوير.
 
فعندما يتحدّث القرآن عن الوحي، ويخاطب القلب، فإنّ بيانه يكون أوسع من العقل، ولكنّه ليس ضدّه؛ ذلك لأنّ ما يعرضه القرآن أوسع في منظوره من منظور العقل والشعور، بحيث لا يقدر العقل على إدراكه ويعجز عن نيله.
 
مميّزات القلب في القرآن الكريم:
القلب في نظر القرآن أداةٌ من أدوات المعرفة، إذ إنّ القرآن في معظم رسالته يخاطب القلب، تلك الرسالة التي تستطيع أُذن القلب وحدها سماعها، وما من أذُنٍ أخرى قادرةٍ على سماعها؛ لذلك فالقرآن كثيراً ما يُعنى بالحفاظ على هذه الأداة وتعهدّها وتربيتها.
 
هنالك الكثير من الآيات في القرآن نقرأ فيها عن تزكية النفس، ونور القلب، وصفائه:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾1؛ ﴿إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾2، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾3؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾4.
 
وبالنظر إلى أنّ السيئات تلقي الظلام على روح الإنسان وتكدّر صفاءه، وتبعد عنّه حبّه للخير وسعيه إليه، فقد تكرّر القول في القرآن بهذا الشأن، وقد جاء على لسان المؤمنين: 
 
 
 

1- الشمس، 9.
2- الأنفال، 29.
3- المطففين، 14. 
4- العنكبوت، 69.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
228

211

القلب في القرآن الكريم

 ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾1، أو يقول في وصف المسيئين: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾2.

 
أو إنّه يتحدّث عن إغلاق القلوب وختمها وقساوتها: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾3، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾4، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾5؛ ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾6.
 
كلّ هذه الآيات تؤكّد أنّ القرآن يرى الإنسان في جوٍّ روحيٍّ ومعنويٍّ عالٍ، ويرى أيضاً أنّ على الإنسان أن يحافظ على هذا الجوّ نظيفاً نقياً، ولمّا كان كلّ سعيٍ يقوم به الفرد في الحفاظ على طهارته، في مجتمع غير سليم، يعود في الأغلب عقيماً غير موفّق، فإنّ القرآن يحثّ الناس على بذل الجهد لتصفية مجتمعهم، وتزكية محيطهم. ويشير القرآن - صراحةً - إلى أنّ ما تستثيره آياته من العشق والإيمان والرؤى والتطلّعات السامية، وتقبّل النصح، وغير ذلك، يتوقّف كلّه على تجنّب المجتمع الإنساني والإنسان نفسه الرذائل والدناءات وحبّ الذات والشهوات.
 
قوى الباطل واستهدافها للقلب:
يدلّنا استعراض تاريخ البشر أنّه كلّما أرادت القوى الحاكمة أن تبسط سيطرتها على مجتمعٍ ما لاستغلاله، سعت إلى ذلك المجتمع فنشرت فيه الفساد، فتُيسِّر لأفراده مجالات إشباع الشهوات، وتحثّهم على اتّباع الملذّات.
 
لقد ظهرت أمثولة هذا الاتّجاه الشائن، الفاجع، ذي العِبرة، في أندلس الإسلام، الأندلس الذي كان يُعتبر من منابع عصر النهضة، وكان من أكثر دول أوروبّا تقدّماً، فلكي ينتزع المسيحيّون الأندلس من المسلمين، أخذوا يفسدون روحيّة الشباب المسلم وأخلاقه، فلم
 
 
 

1- آل عمران، 8.
2- الصف، 5. 
3- البقرة، 7. 
4- الإسراء، 46. 
5- الأعراف، 101.
6- الحديد، 16.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
229

212

القلب في القرآن الكريم

  يألوا جهداً في توفير أسباب اللهو واللعب والانغماس في الملذّات للمسلمين، ولقد نجحوا في هذا إلى درجة أنّ القادة وكبار رجالات الدولة وقعوا في حبائلهم، فلوّثوا نفوسهم، وبذلك تمكّنوا من أن ينتزعوا ما كان في المسلم من عزمٍ وإرادةٍ وقوةٍ وشجاعةٍ وإيمانٍ وطهارة روح، فأحالوهم إلى أفراد جبناء، ضعفاء، شهوانيين، يشربون الخمر، ويرتكبون الموبقات. وممّا لا ريب فيه هو أنّ قهر شعب هذا شأنه ليس بالأمر العسير.

 
لقد انتقم المسيحيّون من حكومة المسلمين ذات القرون العديدة انتقاماً يخجل التاريخ أن يذكره، ويشمئزّ من ترديد تلك الجنايات الشائنة، لقد كانوا هم أولئك المسيحيّون الذين كان المسيح عليه السلام قد علّمهم أن يديروا خدّهم الأيسر لمن يصفعهم على خدّهم الأيمن، فأجرَوا في الأندلس بحاراً من دماء المسلمين، وبيّضوا بذلك وجه جنكيز (المغولي)! وبالطبع، كان السبب في هزيمة المسلمين ضعف همّتهم، وفساد روحهم، جرّاء إهمالهم تعاليم القرآن ودستوره.
 
وفي زماننا هذا، حينما وضع المستعمرون قدمهم في بلادنا، اعتمدوا الحالة نفسها التي حذّر منها القرآن؛ أي إنّهم سعوا إلى إفساد روح الطالب وقلبه. إنّهم يدركون حقّ الإدراك أنّ القلب المريض لن يكون قادراً على المقاومة، بل يستكين إلى كلّ انحطاطٍ واستغلال.
 
لذلك يولي القرآن أهميّةً كبرى لطهارة روح المجتمع، إذ يقول: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾1.
 
فيطلب من الناس أن يتوجّهوا أولاً إلى عمل الخير وتجنّب الإثم، ثمّ أن يكون توجّههم هذا جماعيّاً.
 
فيما يتعلّق بالقلب، سنورد لكم بعض أقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام لتكون حسن الختام لهذا الموضوع. جاء في كتب السِيَر، أنّ رجلاً قدِم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقال إنّ لديه ما يسأل عنه، فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أتريد أن تسمع الجواب أم تريد أن تسأل؟ فقال أريد
 
 
 

1- المائدة، 2. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
230

213

القلب في القرآن الكريم

  الجواب، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: لقد جئت تسأل عن البِرّ والخير، وعن الإثم والشر. فقال الرجل: هو ذاك، فضمّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أصابع وضرب بها صدر الرجل بلطف، وقال: استفتِ قلبك، ثمّ قال: لقد صُنع قلب المرء بحيث يكون متّصلاً بالخير، فهو يهدأ بالخير، ويضطرب بالشر. مَثَل ذلك مَثَل الجسم، إن دخل ما لا يتجانس معه اختلّ نظامه وتوازن أعضائه، كذلك روح الإنسان، تختلّ بالأعمال القبيحة. إنّ ما يسمى عندنا بعذاب الضمير، ينشأ من عدم انسجام الروح مع الآثام والأعمال الشائنة.

 
هنا يضع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إصبعه على أمرٍ مهمّ، وهو أنّه إن كان الإنسان باحثاً عن الحقيقة بتجرّد، وخلوص نيّة، فإنّ قلبه لن يخونه أبداً، وإنّما يهديه إلى الطريق الصحيح. في الحقيقة، إنّ الإنسان ما دام باحثاً عن الحقّ والحقيقة، ويتقدّم في طريق الحقّ، فإنّ كلّ ما يصادفه هو الحقّ والحقيقة. إلا إنّ ثمّة نقطةٌ ظريفةٌ تبعث على سوء الفهم، وهي إنّه إن ضلّ الإنسان طريقه، فالسبب هو أنّه كان منذ البداية متوجهاً وجهةً خاصّة، بعيدةً عن البحث عن الحقيقة بخلوص نيّة.
 
لقد أجاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الشخص الذي سأله عن البرّ قائلاً له: إنّك إن كنت حقّاً تبحث عنه، فاعلم أنّك إن وجدت ضميرك قد استراح إلى أمر، فذاك هو البرّ، ولكنّك إن رغبت في شيءٍ لم يرتح له قلبك فاعلم أنّ ذاك هو الإثم.
 
ويسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن معنى الإيمان، فيقول: إنّ من إذا ارتكب القبيح قلق وندم، وإذا عمل صالحاً سرّ وفرح، فهذا له نصيبه من الإيمان.
 
ينقل عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: إذا تحرّر المرء من تعلّقه بالدنيا أحسّ بحلاوة حبّ الله في قلبه، فيرى الأرض قد ضاقت به، ويسعى بكل وجوده للتحرّر من عالم المادّة والخروج منه. وهذا ما أكد أولياء الله والمنقطعون إليه صحّته بطريقة معيشتهم1
 
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى بالنّاس الصّبح فنظر إلى شابّ في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرّاً لونه قد نحف جسمه
 
 
 

1- عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "إن القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو". أصول الكافي،ج2،ص130. تجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية والتي سبقتها، نقلها الشهيد مطهري بالمعنى لا باللفظ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
231

214

القلب في القرآن الكريم

  وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف أصبحت يا فلان قال أصبحت يا رسول الله موقناً فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله وقال إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك فقال إنّ يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدّنيا وما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون وعلى الأرائك متّكئون وكأنّي أنظر إلى أهل النّار وهم فيها مُعَذّبون مصطرخون وكأَنّي الآن أسمع زفير النّار يدور في مسامعي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه هذا عبد نَوّر الله قلبه بالإيمان ثمّ قال له الزم ما أنت عليه فقال الشّابّ ادع الله لي يا رسول الله أن أرزق الشّهادة معك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر"1.

 
والقرآن الكريم أيضا يشير إلى أن صقل القلب يوصل الإنسان إلى مقام بحيث إنه إذا رفعت دونه الحجب لما زادته يقيناً، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً"2.
 
إنّ ما يرمي إليه القرآن بتعليماته هو تربية الإنسان، مستفيداً من سلاح العلم والعقل، ومن سلاح القلب أيضاً. وهو يستعملها بأفضل أسلوب، وأرفع طريقة في سبيل الحقّ، ذلك الإنسان الذي يجسّده في أمثلة حيّة أئمتنا عليهم السلام وتلامذتهم الصالحون حقّاً.
 
 
 


1- الكافي، ج2، ص53.
2- بحار الأنوار،ج40،ص 153.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
232

215

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

 استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

 
الربيع والانبعاث:
إن موضوع الحياة والموت من المواضيع التي ما برحت تدفع الناس إلى التفكير والتأمل. والقرآن يتناول هذا الموضوع على أنه آية من آيات الله العظيمة، وتَرِدُ هذه السُّنة الجارية في بعض الآيات على أنها آية من الذات المقدسة، كما في الآية 164 من "سورة البقرة"1، وترد في آيات أخرى على أنها مثال لاستبدال نشء بنشء جديد، أو على أنها انبعاث صغير يمكن أن يمثّل البعث الأكبر، يوم القيامة، كما جاء في سورة فاطر، حيث يقول: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾2.
 
أو كما جاء في سورة "ق"، حيث يقول:
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾3 وفي بعض الآيات إشارة إلى حالتي الموت والحياة، كما في سورة الحج: ﴿... وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾4، وفي عدد من آيات أخرى.
 
 
 

1- ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ البقر، 164.
2- فاطر، 9
3- ق،9- 10.
4- الحج، 5- 6.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
233

216

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

 ُعنى القرآن كثيراً بأنْ يصِف الله بالمحيي والمميت، وبأنْ يجعل الإحياء صفةً يختصُّ بها الله تعالى، وهناك الكثير من الآيات القرآنية بهذا الشَّأن لا موجبَ لذكرها، وإنما قصْدنا هو التعرُّف إلى المنطق القرآني.
فالذي يلفت النَّظر هو في ما ما نزل من آيات عن التوحيد وعن القدرة الإلهية الأزلية هو حديثها عن سنَّة الإحياء والإماتة التي نراها، فما يراه الناس من هذه السّنة فإنما يعبّر عن مظهر من مظاهر ملكوت الله.

وعلى الرَّغم من أن كثيراً من المسائل التي تتعلَّق بالحياة والموت ما زال مجهولاً وسراً من الأسرار عند البشر الذين نفذوا إلى قلب الذرّة، وجابوا الفضاء، ولعلّهم سوف يسخِّرون قريباً النجوم والكواكب والشمس (إذ قد يأتي وقت يسخّرها الإنسان عن قرب كما يسخّر الأرض الآن)، هؤلاء البشر أنفسهم يقفون حائرين أمام الأسرار المعقدة الغامضة في ذرة واحدة!!

يقول أحد العلماء: أتعلمون ما هو أهم وأعلى من خلق الأرض والسيارات، بل وحتى من الكون برمته؟ إنه هذه الذرَّة الصغيرة التي هي مادة الحياة، هي (البروتوبلازم) أو جرثومة الحياة. ثم يأخذ بشرح عجائب أعمال هذه الذرة المجهرية وفاعلياتها، ففي الوقت الذي ما يزال كثير من المسائل المرتبطة بالحياة أسراراً لم تُحلَّ، فإنَّ هذه الذرة تشكّل درساً بسيطاً ومفيداً لنا لنعتبر به.

الحياةُ حقيقةٌ أرفع من المادّة:
إنَّ المقدار الذي نستطيع أن نفهمه هو أنَّ الحياة نور يسطع من أفقٍ أعلى وأرفع على المادّة المظلمة. فالمادّة بذاتها ميّتة لا حياة فيها، ولكنها في ظروف معينة تكون على استعداد لتقبُّل ضوء أفقٍ أعلى وأرفع من أفُق المادّة وخواصّها، وأن تكون تحت تصرُّف قوانينه الخاصة وتأثيراته، لتصبح أمامه مغلوبة على أمرها.

وأما الذين يحصرون أفكارهم بالمادّة ويحدّدونها بالجسم، فإنَّهم سوف يجدون في هذا دليلاً واضحاً على وجودِ أفقٍ أعلى وأرفع تتجلَّى مظاهره على هذه المادَّة التي لا روح 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
234

217

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

 فيها، ثم تُسترجع هذه المظاهر منها، فهذا الأفق الأعلى يبسط ويقبض، يحيي ويميت!


ولكن من زاوية التوحيد ومعرفة الله، فالمادّة والحياة لا يختلفان من حيث كونهما كلاهما من مخلوقات الله، ومن صُنع يده، ودلائلَ على ذاته، ولكن من زاوية الذين اقتصروا وحدَّدوا أنفسهم بحيث لا يتعدَّى شُعاع نظرهم إلى ما وراء جدار المادَّة وخصائصها، عليهم أنْ يدركوا أنَّ الوجود لا ينحصرُ بالجسم وخواصه، وأنَّ هناك أفقاً أعلى من الأجسام وأرفع، وأنَّ تأثيره يبلغ الأجسام نفسها.

إنَّ عالم الوجود لا ينحصر بقشر هذا الجسم، بل هناك عوالم في بطن هذا العالم، وتحيط به، وما ظهورُ الحياة إلَّا مظهرٌ من مظاهر تلك العوالم حتَّى أنَّ المادّة، إذا واتتها ظروفٌ تصقلها، فإنَّها تعكس نورَ تلك العوالم، وهي تلكَ الموادُ التي لها القابليَّة على الحياة. 

إنَّكم لتشاهدون في جسم المادّة الميّت ضوءَ الحياة، وترون في جوهر المادّة السيَّال والمتحرّك الذي يموت ويعود إلى الحياة خيطاً ثابتاً من الحياة. 

هناك -إذاً- شيءٌ ميِّتٌ في ذاته، وشيءٌ حيٌّ في ذاته، وشيءٌ متغيِّرٌ وغير ثابت في ذاته. وشيءٌ باقٍ وثابتٌ في ذاته، وشيء لا هيئة ولا صورة له في ذاته، وشيء هو ذاته هيئة وصورة فعلاً:
(المخلوقات ككأس من الماء الصافي الزلال
                                تسطع فـيـهـا صـفـات ذي الجـلال)

هل الحياة من خصائص المادّة؟
قد يتصور بعضهم أنَّ الحياة جزءٌ من خصائص المادّة وأنَّها ليست إضافةً مكملةً للمادَّة.

إنَّ الجواب على هذا الموضوع يتطلَّبُ بحثاً علمياً عميقاً، إلَّا أنَّه من الممكن القول بإيجاز: إن المقدار الذي نستطيع أن ندركه هو أنَّ أيَّ عنصرٍ ماديّ لا حياة له بمفرده، وليست له صفة الحياة، وأنَّه إذا ما أضيف عنصرٌ إلى عنصرٍ أو أكثر، فأكثر ما يحصل
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
235

218

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

  هو أنَّ كلّ عنصرٍ يعطي بعض ما عنده إلى العنصر الآخر ولكنه لا يستطيع أن يعطي ما ليس عنده للآخرين. وعليه فإنّ أكثر ما ينتجه الفاعل بين العناصر هو أنَّ المجموع يتّسم بخصائص عامّةٍ مشتركةٍ لا تخرج عن خصائص كلّ عنصر، وتتولَّدُ حالة وسطية.


ولذلك وجد العلماء، وعلى الأخص العلماء المحْدثين، في أبحاثهم أنَّ الحياة بخصائصها العجيبة لا تحمل أيَّ وجه شبه بخصائص المادّة مطلقاً.

يقول أحد العلماء المحدثين: "إنَّ المادّة لا تؤدي عملاً إلَّا وفق ما ركِّب فيها من قانون ونظام. وليس لها قوة ابتكار، ولكن الحياة لها قوّة ابتكار، إذ إنَّها في كلّ لحظةٍ تكشفُ عن أشياءَ جديدةٍ وموجودات بديعة".

فالحياة هي الحاكمة على المادّة وقاهرة لها، وليست محكومة أو تابعة لخصائص المادّة.

يقول العالم المذكور أيضاً: "إنَّ الحياة في صورها العديدة، وفي الخليّة الواحدة، حتى في الحشرات، والأسماك، والثديات، والطيور، والإنسان، وبأيِّ صورة أخرى، فإنَّها تهيمن على عناصر الطبيعة، وتخرجها من تركيبها الأصلي لتحوّلها إلى تراكيب جديدة".

يؤكد علماء اليوم، عموماً، أنَّه إذا كان جوهر الحياة من حيث القالب تابعاً لظروف المادّة، إلّا إنه من جهات عديدة أخرى يسيطر على المادّة ويحكمها فهو ليس تابعاً كلياً للمادة، ولا أية خاصية من خواصها. إن للحياة تجلياتها الخاصة التي تفتقر إليها المادّة مطلقاً. فما أن تبدأ الحياة بالظهور حتَّى تظهر تحرّكات وتطوّرات لم تكن موجودةً من قبل، فتظهر الخطط، ويظهر التنظيم الهندسي، وتظهر مظاهر الجمال، ويظهر الشعور والإدراك، ويظهر الشوق والرغبة والعشق والتدبير والتخطيط، وتظهر أشياء ما كانت موجودة في المادّة الميتة، إنَّ العالم كلّه مرآة جمال الباري وكماله، وحتّى تلك المادّة التي لا روح فيها، مجرد وجودها مرآة تعكس قدرة الحق الأبدية.

العـوالــم مــرآة لـنـا تـطــالـعـنـا فـشـاهـدوا وجـهـه فـي كـل مـرآة وبقدر ما تكون الحياة أكمل من المادّة، فإن شهادتها وحكايتها عن الخالق العليم الحكيم، تكون أظهر وأبلغ.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
236

219

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

 نظام الوجود وسنّته:

إنَّ النقطة التي أريد تكرار ذكرها، هي أن القرآن أيضاً يستدلّ بهذا النظام الثابت الجاري على الحياة والممات ويستشهد به. وهو لا يترك هذه السنّة الثابتة الجارية جانباً ليستشهد بحوادث غريبة نادرة الوقوع، بل إنَّ هذا النظام الثابت؛ الموعد السنوي لبعث الحياة في الأرض، النظام الثابت لظهور الجنين في النطفة وتكامله، كل هذا المشهد خلقٌ جديد يحدث في كل لحظة، وكل هذه إفاضات تصل من الغيب آناً فآناً، فما حاجتنا للذهاب بعيداً؟ بل علينا أن نتفكّر في كنه هذا الخلق، ونتعمَّق فيه حتى نرى الله في مظاهره الخلاقة الدائمة، وإيجاده للاكتمال الدائم.
 
يقول تعالى في "سورة المؤمنون": ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ *ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾1.
وعليه، فالقرآن نفسه يستشهد بهذا النظام الثابت السائر، هذا النّظام المألوف الطبيعي، إنّه نظام الخلق والإيجاد والتكوين، نظامٌ لو تعمَّقنا فيه لأوصلنا إلى أفقٍ من المعرفة أرفع من أفق المادّة. فالقرآن يتخذ من معارف الإنسان الثابتة واسطة لتعريفه بالله، وهي معلومات إيجابية، لا سلبية. وهذا ما ينبغي توضيحه حتى تتبين أهمية تعليمات القرآن بهذا الشأن بشكلٍ كامل.
 
البحث عن الله في المعلومات:
اعتاد بعض الناس على البحث عن الله في مجهولاته الشَّخصية، أي: إنَّه كلّما صادف لغزاً لم يستطع حلّه أرجعه إلى ما وراء الطبيعة.
 
إذا سألت أحدهم: كيف حصل هذا الخبز الذي تأكله؟ لقال:
- كان دقيقاً عجنه الخباز في التنور.
 
 
 
 

1- المؤمنون، 12-13.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
237

220

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

 - كيف أصبح دقيقاً؟ كان حنطة فطحنوها في الطاحونة.

- وكيف وجدت الحنطة؟ زرعها الفلاح، فنبتت، فنمت، فحصدها فدرسها.
- وكيف نبتت؟ نزل المطر، وأشرقت الشمس، فاخضرت.
- كيف نزل المطر؟ هذا ما جاء به الله.

فكأنَّ الله لم يكن له حضور قبل هذه المرحلة، وأنَّه تدخل في هذه المرحلة فقط.

إن هذا الضرب من تصور الله خطأ ومضلٌّ، بل كفرٌ وإلحاد. فالمرء في تصوُّر كهذا يضع الله في مستوى أحد مخلوقاته ويعتبره نداً له، فيراه علّةً من بين العلل والأسباب في هذه الدّنيا، وهو الذي فوق كل علّة وسبب، وهو منبع كلّ العلل والأسباب.
في مثل هذا التصوّر يبدو الأمر وكأنّ العمل قد قُسِّم بين الله والأسباب المادّية، قسمٌ يقوم به الله وقسمٌ يقوم به غير الله، كأنه لا يوجد لله يدٌ في الأعمال الأخرى، وأنَّه لم يتدخَّل في سائر الأمور الأخرى كما تدخل في الإتيان بالسحاب وإنزال المطر، ولم يكن سوى سبباً من الأسباب. 

أما إذا قال إنّ لتحرّك السّحاب ونزول المطر سبباً مثل الأسباب الأخرى، فإنه لا يكون قد أبقى لله مكاناً!

فطالما أنه يرى أسباباً ظاهرية طبيعية لطحن الحنطة وخبزها، وبذر الحب، وحرث الأرض، ونزول المطر، فإنه لن يرى لله دخلاً في الموضوع! وعندما لا يعود يلحظ سبباً ظاهراً، طبيعياً يعرفه، يدخل الله في القضية! أي: إنَّه يأخذ بالبحث عن الله ضمن مجهولاته، كما لو كان ما وراء الطبيعة مخزناً تُصَفُّ فيه المجهولات كلّها.

إنّ الله الذي يوضع في مصاف العلل المادّية الطبيعية ليس إلّا حقيقة، والله الذي يصفه القرآن ليس على هذا النّحو!

إنّ هذا الطراز من التّفكير، في عرف توحيد القرآن، شركٌ وكفرٌ وإلحاد. إنّ الله الذي يصفه القرآن موجودٌ في كلّ مكان، حاضرٌ مع كلّ شيء لا يخلو منه مكان، ونسبته إلى كلّ الموجودات والعلل والأسباب متساوية، فجميع سلسلة العلل والأسباب قائمةٌ بذات الله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
238

221

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

 إنّ هذا الطّراز من التّفكير يتّبعه الذين لا حظَّ لهم من عمق التفكير، حيث يفتشون عن الله بين المجهولات والأمور التي لا يعرفون لها علةً ظاهرة. ولكن القرآن يأخذ بيدنا ويسير بنا في طريقٍ وسط بين الحياة والموت ونظام الوجود المتقن، الطريق الذي فيه أفق الحياة أرفع من أفق المادّة، النور الذي يشع على جسد المادّة الميّتة، والكمال الذي يفيض عليها، والحقيقة التي تتقبُّلها المادّة تقبلاً دون فاعليةٍ وعطاءٍ، هنالك يقترب بنا القرآن إلى أفق الملكوت وباطن العالم.


وبموجب هذا البيان، تكون الحياة حيثما وجدت وفي أي مادّة حلّت، ووفق أي قانون أو ظرف ظهرت، سواء أظهرت منذ الخلق الأوّل، أم في ظروف التدرُّج التكاملي، وسواء أكان ظهورها في حيّ عن حي، أم أنها ظهرت تحت ظروف أخرى وسواء أكان الإنسان هو الذي هيّأ الظروف لها - فيما إذا استطاع البشر في يوم ما أن يحقّق ذلك- أم لم يكن، ففي كلِّ هذه الحالات وغيرها تكون الحياة فيضاً من نوره وعطائه. فالحياة نورٌ يفيض على المادّة ضمن توافر الظروف والاستعداد.

قضية بدء الحياة:
يحاول بعض النَّاس دائماً العثور على الله في مجهولاته، لا في معلوماته، وليس شيء أخطر من هذا المنحى في التفكير قد يتعامل به أحدٌ مع قضية التّوحيد. والبعض الآخر من غير المتثبّتين الذين لا علم لهم يحاولون، فيما يتعلّق بالحياة ومعرفة الله، البحث في مسألة بدء الحياة، ويتساءلون عن كيفية ظهور الحياة على الأرض بادئ ذي بدء. فمن جهة يقول العلم، إن منشأ كلّ شيءٍ حيٍّ، حيٌّ آخر، إذ لم يتفق لحدّ الآن أن نشأ حي، وإن يكن خلية واحدة، من مادّةٍ لا حياة فيها. 

ومن جهة أخرى يقول العلم أيضاً، إنَّه مضى على أرضنا هذه زمانٌ لم يكن فيها أيُّ شيءٍ حيّ، وما كان يمكن أن يكون كذلك، لأنَّ درجة الحرارة قبل ملايين ملايين السنين لم تكن تسمح، كما يقولون، أن يبقى كائنٌ حيٌّ حياً، ثم حتى بعد ذلك عندما برد سطح الأرض خلال ملايين السنين لم يكن هناك سوى المواد غير العضوية، فكيف ظهرت الحياة إذن؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
239

222

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

  وهذا الأمر مجهولٌ آخر يضاف إلى مجهولات الإنسان. 

 
وأما الذين يبحثون عن الله في مجهولاتهم، فيقولون: بما أن ذلك غير ممكن بالطرق العادية المألوفة، فإن يدَ قدرة الله قد ظهرت من كمّها فأوجدت الحياة للمرة الأولى!
 
داروين والنفخة الإلهية:
على الرَّغم من أنَّ داروين، العالم الإحيائي المعروف وصاحب فلسفة "النشوء والارتقاء"، كان شخصاً متديّناً يدّعي المسيحيّة، فقد أساء النّاس تفسير فلسفته، وأظهروه على أنه ينكر وجود الخالق!
 
عندما يسرد داروين تسلسل نشوء الأحياء يصل إلى مكان يقول فيه، إنَّه لم يكن على الأرض سوى عددٌ قليل من الأحياء، أو في الأقل نوعٌ واحدٌ من الأحياء لم يخرج من حيٍّ آخر، وهنا يقول: أمَّا هذا النّوع البدائي فقد خلقه الله بنفخةٍ من عنده.
 
ما من شكّ في أنّ الحياة الأولى قد ظهرت بنفخةٍ إلهيّةٍ، مثل جميع سلاسل الأحياء، إلا أنَّ الأمر ليس كما ظنَّ هذا الرَّجل في مقولته بأنَّ النّفخة الإلهيّة قد أوجدت الحيَّ الأوَّل فحسب، وأنَّ البدء كان من الله، أي: إنَّ وظيفة الله كانت الشروع بالأمر، ومن ثم أصبحت المادّة قادرةٌ بذاتها على نقل الحياة إلى الأجيال القادمة. 
 
في حين أنّ بدء العمل ووسطه ونهايته لا يختلف، فالحياة دائماً وفي كلِّ الأحوال- سواء في البدء أم خلال التكامل - نفخة إلهية.
 
وهناك آيةٌ في سورة السجدة تفيدُ بأنَّه مثلما خُلق آدم أبو البشر بنفخة إلهية، فإن جميع أفراد البشر يخلقون بالإفاضة الإلهية ذاتها التي اسمها النفخة في تفسير القرآن: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ*﴾1.
 
 
 
 

1- السجدة، 7-8-9.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
240

223

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

 وفي آية أخرى من سورة الأعراف يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾1. وهنالك أيضاً آيات أخرى في القرآن يستدل منها على أن آدم ليس هو أول من خُلق بالنفخة الإلهية.

 
قصَّة آدم في القرآن:
من العجيب أنَّ قصة آدم عليه السلام أبي البشر قد وردت في القرآن على أنها درسٌ آخر، لا على أنَّها دليلٌ على التوحيد، ولا لكون حياة البشرية الأولية قد بدأت هكذا، فتعالوا واعترفوا بربوبية الله!
 
إن القرآن الكريم يورد قصّة خلق آدم عليه السلام بصورة خاصة نعرفها جميعاً بشكلٍ من الأشكال. وإذا اعتبرنا علوم الحياة قد بلغت مرحلة متقدّمة، وإن قوانين تسلسل الأنواع صحيحة، فليس ثمة دليل يؤكّد استحالة حدوث طفرةٍ عظيمةٍ بحيث تخلَّقت حفنةٌ من التراب في مدة وجيزة وأصبحت إنساناً.
 
أي إنَّ المراحل التي كان ينبغي أن تُطوى في قرون طويلة، وأن تتوالد الأجيال وتدخل ضمن ظروف مساعدة فإنّه يمكن أن تتهيّأ ظروفٌ أخرى تعجِّل بالتطوُّر. وليس في هذا ما يخالف السُّنن الطبيعيَّة السَّائدة في الكون. فالسرعة تتغيَّر في الكون باختلاف الظُّروف والأحوال، كما أنَّه لا يوجد ما يمنع من تقليل تلك السُّرعة، فقد يمكن في ظروفٍ خاصَّةٍ أن نزيدَ من طول فترة الطُّفولة والشَّباب والكهولة فتراتٍ طويلةٍ.
 
على كلّ حال، كان القصد توضيح أسلوب القرآن حول مسألة التوحيد وأنه أثناء الحديث عن التوحيد ينبغي أن لا يُتمسَّك بموضوع بدء الحياة، ولا يقال إنَّه بما أنّ للحياة بدءاً، سواء بدأت في خليّةٍ واحدةٍ أو من كائنٍ عمرُه ملايين السّنين، فتجب لذلك معرفة الله. 
 
إنَّ قصّة آدم أبي البشر قد وردت بقصدٍ آخر، وقلّما نجد قصّة مثل قصّة آدم فيها هذا المغزى الكبير. فقد وردت هذه القصَّة لإعلاء شأنِ الإنسان، والإنسان إذا تعلَّم الأسماءَ الإلهيَّة يكون أعلى مرتبةً من الملائكة، بل تخضع الملائكة له وتسجد. وكذلك تحذّر هذه
 
 
 
 

1- الأعراف،11.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
241

224

استدلال القرآن على التوحيد بالحياة

  القصّة من عداوة الشَّيطان، وتوعّي البشر إلى ما توسوسه لهم أهواؤهم الداخلية لكيلا تنحرف بهم عن طريق الصواب. 

 
والقصّة تكشف عن عاقبة التكّبر الذي هوى بالشيطان وأخرجه من قرب الله. وتكشف عن أخطار الطمع والسقوط التي تحيق بالإنسان فتنزله درجات بسبب تهاونه في إطاعة أوامر الله، وعن المقام الرفيع الذي يتسنَّمه الإنسان، مقام خلافة الله.
 
إنّ القصة مجموعة من الدروس الأخلاقية والتعليمات العرفانية:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ *وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾1.
 
في هذه القصة مغازٍ أخرى كثيرة، لا مجال لشرحها هنا، خاصة الأمر المهم الذي لا يتمّ الالتفات إليه؛ وهو اعتبار خلق آدم عليه السلام دليلاً على التَّوحيد.
 
 
 
 

1- البقرة، 30 - 33.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
242

225

نماذج من تفسير القرآن الكريم

نماذج من تفسير القرآن الكريم
 
تفسير سورة الانشراح
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
 
إنّ سورة الانشراح المباركة، التي تخاطب شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تتألّف من ثلاثة أقسام،
القسم الأوّل: تذكيرٌ وامتنان، تذكيرٌ بألطاف الله وعناياته بالرسول الكريم نفسه.
القسم الثاني: نوعٌ من التعلّم، أي العناية وبيان علّةٍ من العلل.
القسم الثالث: استنتاج النتيجة.
 
في سورة الضحى التي تأتي قبل سورة الانشراح ثلاث آياتٍ هي في سياقٍ واحدٍ مع الآيات الأربع لسورة الانشراح تلك، الآيات الثلاث هي: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾1.
 
أي تَذْكُر ما تفضّل به الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل، ثمّ تأتي الآيات:
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾2.
فكأنَّ آية ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ معطوفةٌ على ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، لذلك
 
 
 
 

1- الضحى، 6 - 8.
2- الضحى، 9 - 11.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
243

226

نماذج من تفسير القرآن الكريم

  فإنَّ بعض المفسّرين من الشيعة والسنّة يدّعون أنّ سورة الانشراح وسورة الضحى سورةٌ واحدة، لا سورتان منفصلتان، بل قد ورد في بعض الروايات أنّه في الصلاة الواجبة تجب قراءة سورةٍ كاملةٍ بعد سورة الفاتحة - أهل السنّة لا يشترطون هذا الشرط، ويكتفون بجزءٍ من سورة، حتى وإن كانت آيةً واحدة، ومن المألوف أن تشاهدوا أئمّة صلاة الجماعة في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي، كثيراً ما يبدؤون من منتصف إحدى السور - لذلك يحتاط الفقهاء في قراءة سورة الانشراح وحدها، أو سورة الضحى وحدها. وكذلك الأمر بشأن سورة الفيل وسورة قريش، إذ يُقال إنّهما سورةٌ واحدة، ولكنّ هذا الأمر لا يرتبط بالتفسير ارتباطاً كبيراً.

 
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، إنّني أؤكّد كلمة الشرح لكي نعرف معنى (شرح الصدر). لقد وردت هذه الكلمة في القرآن في صورٍ مختلفة، من ذلك أنّ القرآن يقول عن موسى بن عمران إنّه عندما بُعِث وقيل له: إنّك رسول الله، اذهب إلى فرعون... كان أوّل طلب له من الله أن قال:
﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾1.
 
ونقرأ في مكانٍ آخر: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾2.
 
كانت الآية الأولى تتعلّق بشخص الرسول، وآية ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ بطلب موسى عليه السلام ، فموسى عليه السلام يطلب من ربّه أن يشرح له صدره؛ فشرح الصّدر لا يختصّ بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنّ موسى عليه السلام طلب الشيء نفسه من الله، واستجاب له، فيكون واضحاً أنّ (شرح الصّدر) ليس ممّا يقتصر على الأنبياء، فكلّ من اهتدى إلى الإسلام، وكلّ من أشرق نور الإسلام في قلبه، يكون قد "شرح صدره" في الواقع، فما هو شرح الصّدر هذا؟
 
 
 
 

1- طه، 25 - 34.
2- الأنعام، 125.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
244

227

نماذج من تفسير القرآن الكريم

 لا بدّ لنا أوّلاً أن نعرف معنى الصّدر، ومعنى الشرح. كلمة الصّدر، من حيث أصلها، تدلُّ على التجويف الصدري، ولكن هل هذا هو المعنى المقصود في آية ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؟ أو في آية ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾؟ أو في آية ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾؟ فهل يعني هذا أنّ عملاً مادّياً يجري في الصّدر؟ من البديهي أنّ الأمر ليس كذلك، بل هو القلب، على اعتبار أنّ القلب موضعه الصّدر، وحتى القلب قد جيء به هنا من باب الكناية لما يختصّ به القلب الحقيقيّ، وهو روح الإنسان نفسه، فالمقصود لا يعني أنّ الله يشرح قلب الإنسان، بصرف النظر عن معنى كلمة "شرح". إذاً، فالصّدر مهما يكن، فالمقصود به شيءٌ روحيّ، شيءٌ معنويّ، وليس شيئاً ماديّاً جسمانيّاً.

 
والآن إلى معنى كلمة (شرح). يرى المفسّرون عموماً أنّ "شرح الصّدر" تعني "سعة الصّدر"، فمن الواضح أنّ المقصود هو اتّساعه وكبره، ولكن من الواضح هنا أيضاً أنّ القصد ليس القول بإنّ من كان صدره واسعاً كبير الحجم يكون متّسعاً بسعة الصدر، أو إن كان المرء نحيفاً صغير الجسم يكون محروماً من "آلة الرياسة".
 
سعة الصّدر تعني التحمّل، فهي كنايةٌ عن قدرة المرء على التحمّل والصّبر، أي إن أراد شخصٌ أن يصبح رئيساً، كثير التعامل مع الناس، يدير شؤونهم، فعليه أن يكون واسع الصّدر، قادراً على التحمّل؛ فالشخص الذي لا يتّسع صدره، السريع التأثير والتهيّج، أي تأثّر الأعصاب، لا يمكن أن يصبح مديراً ولا رئيساً يدير جماعةً من الناس، مهما يكن نوع هذه الإدارة. خذ مديراً لمدرسة، أو معلّماً في الصف يدير التلاميذ، فإن لم يتّسم بسعة الصّدر، لم يستطع إدارتهم. والرجل ربّ الأسرة إن أراد أن يدير شؤون أسرته الداخليّة، يلزمه أن يكون واسع الصّدر. وكلّما كان مجال إدارة الرجل أوسع، تطلّب منه ذلك صدراً أوسع، وحلماً أكبر. وهذا هو على وجه العموم المعنى الذي يفسّر به المفسّرون هذه الكلمة، إذ يقولون إنّ الله قد منَّ بها على الرسول الكريم، فهو يذكره بهذه النعمة، نعمة الصّبر الوافر، نعمة سعة الصدر.
 
ولكن يبدو أن بين "شرح الصّدر" و"سعة الصّدر" بعض اختلاف، فحيثما يكون "شرح
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
245

228

نماذج من تفسير القرآن الكريم

  الصّدر" تكون "سعة الصّدر"، ولكن ما كلّ "سعة صدر" تشمل "شرح الصّدر".

 
لم يكن القرآن قاصراً عن قول "ألم نوسع لك صدرك"، ولكنّه لم يقل ذلك، بل قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، فما معنى الشرح؟ إنّه هو هذا المعنى الدارج الآن؛ فقد يؤلّف شخصٌ ما كتاباً ملخّصاً بشدّة، بحيث لا يتمكن القارئ من إدراك كلّ الجزئيّات التي يقصدها المؤلّف، فينبري شخصٌ آخر لشرح هذا الكتاب، كما لو كان يفتحه ويوسّع ما بين معانيه، حتى إنّه قد يشرح السطر الواحد في صفحةٍ كاملة، وهذا عمل المتضلّعين المتعمّقين.
 
ألَّف الخواجة نصير الدّين الطوسي كتاباً بعنوان "تجريد الاعتقاد" يبحث في علم الكلام، ويتألّف من قسمين: "تجريد المنطق" و"تجريد الاعتقاد"، والمؤلّف رجلٌ ضليعٌ في نظريّات علماء الكلام من جهة، وضليعٌ كذلك في النظريّات الفلسفيّة من جهةٍ أخرى، وفضلاً عن تمكّنه من هذين الموضوعين فإنّ له نظرته الخاصّة أيضاً. يتناول المؤلّف في كتابه هذا أُمّهات القضايا الفلسفيّة وقضايا الكلام، في عباراتٍ مختصرةٍ وجملٍ موجزة، ثمّ جاء بعده تلميذه العلّامة الحلّي، الذي لا يقلّ عنه نبوغاً وإن كان أقرب إلى الفقه من اقتراب أستاذه إلى الفلسفة والرياضيّات والعلوم الأُخرى فشرح كتاب أستاذه تحت عنوان "كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد"، وهو لم يُسهب كثيراً في الشرح، إلّا إنّه ألقى الضوء - لأوّل مرّة - على مضامين الكتاب، فقد كان العلّامة الحلّي من العرب، والطوسي من الإيرانيين.
 
ثم جاء أُناسٌ كثيرون بعد ذلك حتى اليوم، بعد أن مضى على تأليف "تجريد الاعتقاد" أكثر من سبعة قرون، وبالأخصّ إلى ما قبل ثلاثة قرون أو أربعة، أي قبل مجيء الميرداماد والملا صدرا، فحاولوا جمع ما تناثر من أفكار الخواجة الطوسي، وكتبوا له الشروح العديدة، والحواشي الكثيرة، ثم جاء من كَتَب الشروح على الشروح، والحواشي على الحواشي، بحيث إنّنا قلّما نجد كتاباً في دنيا الإسلام أُثير حوله هذا القدر من الكلام، فكلّما ظهر عالمٌ راح يبحث في هذا الكتاب، ولعلّ عدد الذين كتبوا له الشروح والتعليقات
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
246

229

نماذج من تفسير القرآن الكريم

 والحواشي يبلغ المئة. كان هؤلاء يقولون إنّه لولا قيام هذا العربيّ الشيعيّ - ويقصدون العلّامة الحلّي - بشرح كتاب "تجريد الاعتقاد"، بعد أن شرحه علماء السنّة أيضاً، لما عرفنا إلى أين تقصد بنا القافلة، ويُطلق على هذا العمل كلّه اسم الشرح.
وأحياناً نرى بيتاً من الشعر يحتاج إلى كتابٍ لشرحه، ولكن ليس كلّ الشعر كذلك، إذ ليس كلّ شاعرٍ قادراً على قول بيتٍ من الشعر يحتاج إلى كتاب، إلّا أنّ أمثال هؤلاء الشعراء موجودون، مثل مولوي وحافظ، فهؤلاء أُناسٌ واسعو الاطّلاع، متمكّنون من آداب زمانهم، يجمعون في أيديهم زمام القول والبيان. خذوا حافظاً مثلاً، لاحظوا كيف أنّ العديد من العلماء الأعلام بحثوا في بيتٍ واحدٍ من شعره، وكتبوا المقالات الطوال في شرحه. كذلك كُتِبت فصولٌ حول بعض أشعار مولوي، ونُشِرت بحوثٌ عنها، يشرحون فيها مقاصد الشاعر.
 
هذا كلّه شرح. إنّ القضيّة فيها تقطيعٌ وتشريح، ويُجعل منها شرائح خفيفة، بحيث إنّها تكاد تكفي لتغطية أرض الغرفة؛ أي أخذ شيءٍ مشدودٍ ومضغوطٍ ومتراص؛ لكي نفتحه ونشرحه.
 
إنّ مسألة (شرح الصّدر) مسألة روحيّة ونفسيّة، وما من شيءٍ في العالم أحوج إلى الشرح من روح الإنسان.
أتزعم أنّك جرمٌ صغير                 وفيك انطوى العالم الأكبر
 
فخطاب الله إلى رسوله بأنّه قد شرح له صدره لا يعني أنّه وسّعه. نحن نقول إنّ الدار صغيرة، ومساحتها مئة متر، ثمّ نشتري مئة مترٍ أُخرى نضيفها إليها، ونقول إنّك قد وسّعت دارك. على كلّ حال، حيثما وُجِد الشرح وُجِدت التوسعة أيضاً، ولا يلزم أن يكون الشرح حيثما تكون التوسعة، فهو لا يريد أن يقول إنّنا وهبنا روحك سعة الصدر، بمثلما يوسع المرء داره، أو إنّنا زدنا سعة هذا الإناء، إنّما القول يدور على أنّنا فتحنا هذا الإناء الكبير جدّاً بعضه عن بعض، فتحنا لك صفحات كتاب الروح، فتحنا لك صفحات كتاب الروح المتراصّة بعضها فوق بعض، ولكن هل في شرح الصّدر سعادةٌ للإنسان أم لا؟ لذلك تقول الآية: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ أي إذا أراد الله أن يهدي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
247

230

نماذج من تفسير القرآن الكريم

  شخصاً فإنّه يفتح صدره للإسلام، لحقائق الإسلام، وفي الحقيقة إنّ الآية ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ تعني "ألم نشرح لك صدرك للتوحيد" و"ألم نشرح لك صدرك للإسلام"، إذ ربّما يكون صدر أحدهم قد فُتِح للكفر، وقد نجد إنساناً جاهلاً لم يُشرح صدره لا للإسلام ولا لغير الإسلام، ولا للكفر. الويل لمن يُشرح صدره، ويُثار فيه نوعٌ من الغليان الروحيّ والمعنويّ للكفر. أو هل يمكن أن تكون للمرء سعة صدرٍ في الكفر؟ أجل، يمكن؛ أي إنّ رأس المال هذا يمكن أن يُستثمر في هذا الاتجاه. 

 
لاحظوا هؤلاء الذين يقولون إنّ لديهم الدليل، إنّما لديهم كلّه غرور، هذا الشخص نفسه كان متزوجاً من إفرنجيّة، فكان يسمح لها بالحضور، ثمّ وصل به الأمر إلى أن يقول لها إنّ في جنوب المدينة رجلاً يكتب الأدعية، فاذهبي إليه وأتيني منه بأحد الأدعية. هذا هو نفسه الذي كان يقول إنّ لديه سبعين دليلاً على عدم وجود الله، ولكنّه أخذ فيما بعد يبحث عمّن يكتب له الدعوات، هذا شرح الصّدر للكفر.
 
وعليه، فإنّ شرح الصّدر غير سعة الصدر، شرح الصّدر هو أنّ الله يفتح روح الإنسان المتضامّة على بعضها، ويلقي بنوره فيها، وهذا هو شرح الصّدر للإسلام، وهو شرح صدرٍ إلهي، حتى إنّه أجرى على لسان شخصٍ أميٍّ أجلّ الحِكَم وأعمّها، ورد في الحديث النبوي: "مَنْ أَخْلَصَ الْعِبَادَةَ لِلهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِه‏"5، فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ يعني: ألم نفتح لك قلبك حتى فاضت منه الحكمة والحقيقة والعلوم؟
 
﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾، أي إنّنا رفعنا عنك الحمل الذي يَثْقل عليك، وهذه نعمة الله الثانية، فما هو الحمل الثقيل هذا؟ إذا ما وضعنا سورة الانشراح إلى جانب تلك الآيات التي خاطب بها موسى عليه السلام ربّه نجد أنّها تصدّق بعضها بعضاً، لقد قال موسى عليه السلام: ﴿... رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ أي اجعلْ مهمّتي سهلة، فما هي مهمّة موسى؟ مهمّته الدعوة، دعوة الناس وهدايتهم، وهي مهمّة صعبة.
 
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج53، ص326. 


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
248

 


231

نماذج من تفسير القرآن الكريم

 ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ أي اجعل كلامي يسيراً، يفهم الناس منه قصدي؛ أي إنّهم إن فهموني، وأدركوا ما أقول، وإلى أين أريد أن أقودهم، فهذا يكفي.

 
﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ فما معنى الوزير؟ لقد استعملت هذه الكلمة مع الملوك استعمالاً كثيراً، جعل معناها يقتصر على السائر خلف الملك والممتثل لأوامره، إلّا إنّ معنى الكلمة غير ذلك. إنّ معناها المعين، أي الذي يعين غيره على رفع حملٍ ثقيل. أنتم أيضاً لو أتيتم في محلّ عملكم بمن يساعدكم على تخفيف أعباء العمل عن كواهلكم، يكون هذا وزيراً لكم. وهذا هو المعنى نفسه الذي وصف به الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام باعتباره وزيراً له؛ أي إنّه يساعده في حمل هذا العبء الثقيل؛ ولذلك قال في حقّه: "يا علي أنت خليفتي على أمّتي، وأنت قاضي ديني، وأنت منجز عداتي"1.
 
كلمة "الوزير" مأخوذة من "الوِزر"، والوِزر هو الحمل الثقيل، والوزير هو الذي يساعد على رفع الحمل الثقيل.
 
والوِزر، باعتبارها تعني الحمل الثقيل، تستعمل للدلالة على الإثم أيضاً؛ لأنّ الإثم كالحمل الثقيل على الإنسان، ولقد سبق أن قلنا مراراً إنّ من صفات الإثم أنّه يُثقِل روح الإنسان؛ أي إنّه يستفرغ قوّة الإنسان وطاقته، فإذا مشى فكأنّه يحمل ثِقلاً على كاهله، بخلاف طاعة الله، فإنّها تمنح القوّة.
 
﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾2.
 
إنّ من مميزات عمل الخير أنّه يمنح القوّة، فالذي يفعل الخير يحسّ كأنّه قد تغذّى تغذيةً جيّدة، أو إنّه قد زُرِقت فيه عقاقير مقوّية. أمّا في حالة ارتكابه الإثم، فيحسّ كأنّ حِملاً يُثقِل كاهله، ويشعر بالإرهاق حتى في السير العادي.
 
 
 
 

1- بحار الأنوار، ج38، ص111.
2- البقرة، 45.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
249

232

نماذج من تفسير القرآن الكريم

 فإذا أطلقت كلمة "وِزر" على الإثم؛ فذاك لأنّ الإثم حِملٌ ثقيل، الحمل الثقيل الذي كان بعهدته رسالته إلى الناس، ودعوتهم، وهدايتهم. إن أراد أحدٌ أن يهدي الناس حقاً، فلا عبئاً أثقل من ذلك. فإذا قال الله للرسول: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ بعليّ، فذلك هو الحق الواقع؛ أي إنّنا خفّفنا عنك هذا العبء بهذا الرجل الذي هو منك بمنزلة هارون من موسى، فيه رفعنا عنك الحِمل، أولم يقل الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: "إن علياً منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا بني من بعدي"1، وهذا من الأحاديث المتواترة عند الشيعة والسنّة.

 
فقد رُوي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصحب عليّاً في كلّ حربٍ يخوضها ضدّ المشركين، ولكنّه عندما عزم على التوجّه إلى حرب تبوك لم يأخذ عليّاً معه؛ وذلك لأنّها لم تكن حرباً فعليّة، بل كانت حرباً استعراضيّةً لإظهار قوّة المسلمين وشوكتهم أمام شمال جزيرة العرب في سورية، فذهبوا وعادوا، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أبقى علياً عليه السلام مكانه في المدينة، فأظهر عليّ عليه السلام أنّه كان يفضّل لو ذهب معه، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى" باختلافٍ واحدٍ هو "إلّا أنّه لا نبيّ بعدي"2، وهذا يعني أنّ هارون كان نبيّاً، إذ إنّه كان بمقدوره أن يكون نبيّاً بعد موسى، ولكنّك لا تكون نبياً؛ لأنّه لا نبيّ بعدي، فكلّ ما بيني وبينك من روابط هي ما كانت بين موسى وهارون، فعليّ وزير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
 
عندما أعلن النبيّ دعوته كان الأمر صعباً، ثمّ بعد ذلك في المدينة، عندما أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، خفّ الأمر، وأُزيح الثِقل عن كاهل الرسول، كانت مهمته قد انتهت.
 
﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾، أي ذلك الحمل الذي أخرج الأصوات من عظام ظهرك، كما يضع امرؤ ثِقلاً على سقفٍ خشبيّ، فيصدر صوتٌ من الخشب حتى يكاد ينكسر. يريد الله أن يقول إنّ الحِمل كان من الثقل بحيث إنّ عظام ظهرك أخذت تفرقع، فأزحنا عنك هذا الثقل، وكنت موفّقاً.
 
 
 
 

1- وسائل الشيعة، ج2، ص208.
2- بحار الأنوار، ج2، ص 225.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
250

233

نماذج من تفسير القرآن الكريم

 ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، لقد أنزلنا حملك، ولكنّنا رفعنا اسمك، وجعلنا صوتك يعلو، وقرنَّا اسمك باسم الله، فعندما ينادي المنادي: أشهد أن لا إله إلّا الله، يليه مباشرةً: أشهد أنّ محمّداً ر سول الله.

 
إلى هنا تتناول الآيات النعم الإلهيّة، ثم يبيّنها بصورةٍ فلسفيّة. إلى هنا كانت الآيات شخصيّة: كنت كذا، وفعلنا كذا، ثم يضع الموضوع في صيغةٍ فلسفيّة، ليصل منها إلى النتيجة.
 
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، المعنى الكليّ هو إنّ الصعوبة تأتي ومعها السهولة، والسهولة في الصعوبة. وتشير الآيتان إلى مهمّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كم كانت صعبةً في البدء، وكم كان حملك ثقيلاً حتى فرقعت عظام ظهرك، وكان العدو يسعى لأن يمحو اسمك، فصار العكس، هذا هو قانون الله.
 
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، مع الصعوبة سهولة، وإنّ الصعوبة تليها السهولة، نهاية ظلام الليل صباحٌ أبيض، ولكن ماذا يقصد القرآن بقوله إنّ الصعوبة مع السهولة؟ ليس المقصود هو القول إنّ هناك تعاقب، أي هناك أمرٌ صعب، ثم يعقبه أمر سهلٌ بالتناوب، ليس الأمر كذلك، بل إنّ السهولة وليدة الصعوبة، والصعوبة أمّ السهولة؛ أي إنكم إن أردتم بلوغ اليسر والرفاه والسعادة، فلا يُتاح لكم ذلك ما لم تعبروا طريق الشدائد، إنّه لتعبيرٌ عجيب، وهي قاعدة كليّة عجيبة، فمع أنّ البدء يخصّ شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، والنعم التي أنعم الله بها عليه، من شرح صدره، ورفع عنه الثقل، ورفع اسمه، ولكن بناءً على أيّ قانون؟ فأعمال الله كلّها تجري وِفق القوانين والسنن، فما هذه القوانين والسنن؟
 
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾: هذا هو القانون، ونقرأ في سورة السجدة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾1.
 
إي إنّنا عيّنّا منهم قادةً يرشدون الناس بأمرنا، لماذا؟ لأنّهم صبروا في الشدائد، وآمنوا بآياتنا، الإيمان مع العمل في الشدائد.
 
 
 

1- السجدة، 24.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
251

234

نماذج من تفسير القرآن الكريم

 وقد ورد هذا أيضاً في آياتٍ أُخرى مثل سورة آل عمران:

﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾1.
 
فكم في التاريخ من أُناسٍ إلهيين يعبدون الله، وكم من أنبياءٍ قاتل أولئك معهم في سبيل الله ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ أي كم تحمّلوا من الشدائد، ولم يستولِ عليهم الوهن ﴿وَمَا ضَعُفُواْ﴾، وظلّت معنويّاتهم عالية، ﴿وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ ولم يُظهروا الجزع والخضوع والذلّ، ولم تتحطّم نفوسهم، ولم يتزلزل إيمانهم، بل لجؤوا إلى الله واستعانوا به، ولم يقولوا شيئاً سوى الطّلب من الله أن يملأهم صبراً واستقامةً في سبيله، وأن ينصرهم على الكفّار؛ ولذلك، ﴿فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ لِما تحمّلوا من الِمحن والشدائد. 
 
في إحدى خطب أمير المؤمنين عليه السلام في (نهج البلاغة)، يلوم أصحابه على أنّ الناس أخذت تظهر عليهم حالةً من الكسل والتهاون. وكانت دعواهم أننا نحن أصحاب عليّ عليه السلام ، ونحن أعوانه، أوليس عليّ صهر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أوليس وصيّه؟ أوليس خليفته بالحقّ؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلا بدّ أن ننتصر على جيش معاوية. نعم، ما دمنا من أتباع عليّ عليه السلام ، وجب أن ننتصر على جيش معاوية.
 
ولكن عليّاً عليه السلام كان يقول: ليس الأمر كذلك؛ إذ ليس من سنّة الله أنّنا ما إن بايعنا عليّاً حتى وجب أن ننتصر؛ وذلك لأنّنا - مع أنّنا بايعنا محمّداً وآمنا به، فإنّ الله لم يمنّ علينا بالنّصر بهذه السهولة - "ولقد كنّا مع رسول الله نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً"2إن وقف في طريقنا أحدٌ منهم، وَلَكَم تحمّلنا المشاقّ والشدائد، وَلَكَم صادف أن قابلنا العدوّ وجهاً لوجه في ميادين الحرب،
 
 
 

1- آل عمران، 146- 148.
2- نهج البلاغة، خطبة 56.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
252

235

نماذج من تفسير القرآن الكريم

  فنتصاول كفحلين، فنغلب حيناً، ونُغلَب حيناً. فلم يكن الأمر كما تظنّون، بأنّنا لكوننا نسير في رِكاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فما إن نجرّد سيوفنا حتى يفنى الأعداء جميعاً، ولكنّنا خرجنا من بوتقة الامتحان بنيّة صادقة.

 
ويضيف الإمام عليّ عليه السلام ما معناه قائلاً: لقد ظهرت نيّتنا الصادقة في أعمالنا، لا في الإدلاء بالشهادتين، وعندئذٍ أيّدنا الله بنصر من عنده. وهذا هو معنى الآية ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فيا أيُّها الرسول، لقد عانيت كثيراً، وها هي ثمرات العناء.
 
ثم نأتي إلى أمر عجيب آخر: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾. هل يعني هذا أنّك بعد أن فرغت من ذلك، ورفع الثقل عن كاهلك، اذهب ونم مستريحاً؟ لئن فعلت ذلك، فأنت قد جلبت لنفسك سوء الحظّ؛ إذ إنّ سوء الحظّ يأتي من التعوّد على النوم والاستراحة والرفاهيّة، وما من أمرٍ أشدّ عداءً للإنسان من الرفاهيّة: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ إذا فرغت من كلّ ذلك، فألقِ بنفسك في التّعب والنّصب، ابحث عن الشدائد، ولا تعوّد نفسك على الراحة.
 
لنفرض أنّ رجل لم يجد أمامه من المشكلات الاجتماعيّة ما يشتغل بها، فهل زالت عنه شدائد العبادة؟ عندما لم يكن للنبيّ من المشكلات الاجتماعيّة ما يشغله، فهل كان يقضي الليل في النوم حتى الصباح؟ كلا، ما كان ليستريح، .﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾  ألقِ بنفسك في المتاعب الحقّة، ولا تركن إلى الراحة فهي عدوّ الإنسان.﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
253

236

نماذج من تفسير القرآن الكريم

 تفسير سورة الزلزلة

 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
 
سورة الزلزلة من السور المكيّة القصيرة التي تتناول يوم القيامة، وهي من السور المثيرة والمؤثّرة، وتعدّ من مجالات بروز إعجاز القرآن، لما فيها من روعة اللحن والجمال، وقوّة النفوذ إلى النفوس.
 
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، أي ذلك الزلزال الذي ليس له شبهٌ بأيٍّ من الزلازل التي يعرفها الناس في العالم؛ وذلك لوجود اختلافين بينهما:
الأوّل: هو إنّ الزلازل التي تحدث في عالم الإنسان زلازل جزئيّة ومحدودة، أي إنّ قطرها قصير، قد يكون 25كم في 25كم، أو أكثر 100كم، أو حتى إذا فرضنا أكثر من ذلك 500كم في 500كم، وهذا ما لم يحدث حتى الآن. ولكنّه يرتبط بأنواعٍ من التحوّلات والتغيّرات في باطن الأرض، سواء أكانت هذه تخلخلاً، أم ضغطاً للغازات الموجودة في مكانٍ معيّن، أم غير ذلك، ثمّ تخرج هذه الحِمم من باطن الأرض، أو الانهيارات التي تسبّب تزلزل الأرض في قسمٍ منها. إلّا إنّ هذه، على كلّ حال، تهمّ أُناس تلك المنطقة الذي يتعرّضون لها، أمّا البعيدون فلا يحسّون بها أبدا. 
 
وهناك زلزلة تقلب المنطقة رأساً على عقب، فتُطمر مدينةٌ في باطن الأرض، ولكنّك إن ابتعدت بضع عشراتٍ من الكيلومترات، تجد الناس لا يعلمون بما حدث.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
255

237

نماذج من تفسير القرآن الكريم

 أما الزلزلة التي يشير إليها القرآن فلا ترتبط بنقطةٍ معيّنةٍ من الأرض، إنّها تشمل الأرض كلّها، بل لا تشمل الأرض وحدها، وإنّما تشمل كلّ الكون، وكلّ الشموس، وكلّ الكائنات، فانظر كيف هذا؟

 
والاختلاف الثاني هو أنّ الزلازل المألوفة تحدث بسبب تأثير عاملٍ في آخر، أو قوّةٍ تؤثّر في قوّةٍ أخرى أو في شيءٍ آخر.
 
لنفرض أنّه - وخلال فترة جلوسنا هنا - مرّت بهذا البناء شاحنةٌ ضخمة، فإنّها سوف تجعل البناء يهتزّ قليلاً، فهذه البناية لم تهتزّبذاتها، بل بقوّة عاملٍ خارجيٍّ أثّر فيها وأدّى إلى اهتزازها. أو كأن يكون امرؤٌ واقفاً فيصدمه شخصٌ آخر. أمّا الزلزلة العامّة التي يشير إليها القرآن فناشئةٌ من الداخل، من باطن الكون. فمن باب المثال نقول: إنّ الجنين في رحم أُمّه لا تصدر منه حركةٌ في أشهره الأولى2، ولكنّه عندما يبلغ الشهر الرابع مثلاً، يُقال إنّه تصدر منه أوّل حركة، فهل حركة الطفل حصلت بفعل عاملٍ خارجيّ، أم أنّه قد تحرّك بذاته وبفعل قوّة باطنيّة؟
 
إنّ قضيّة الزلزلة هذه تتعلّق في الواقع بقضيّة أُخرى، وهي إنّ هذه الموجودات التي عليها اسم الجمادات التي لا تحسّ ولا تشعر، هل هي حقاً فاقدةٌ للشعور بكلّ معنى الكلمة؟ أم أنّها - بحدّ ذاتها، وليس بحدّ ذات الإنسان - تمتلك نوعاً من الشعور والإدراك؟ هذا موضوع يتكرّر وروده في القرآن، فهو يقول ما من كائنٍ إلّا ويسبّح بحمده، ولكنّكم لا تفقهون ذلك3.
 
هناك أيضاً نقطةٌ أُخرى يذكرها القرآن، وهي: متى تتبدّل الدّنيا إلى الآخرة؟ عندما تظهر من جميع الموجودات وجوهها الأخرى، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾4 حينذاك تنكشف الوجوه الأخرى للأشياء، تلك هي الزلزلة التي ستحدث في
 
 
 
 

1- في الأصل، (نهتز).
2- في الأصل، (الأوّل).
3- ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، سورة الإسراء، الآية: 44.
4- العنكبوت، 64.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
256

238

نماذج من تفسير القرآن الكريم

  الكون، كالجنين الذي يصل إلى مرحلة الحركة، عندئذٍ يحسّ الإنسان أنّ لكلّ ذرّة من ذرّات العالم حياةً وشعورا.

 
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، أي عندما يخرج من باطن الأرض ما هو مدفون فيها، كلّ الناس الذي دفنوا في الأرض، وهم دفائن الأرض الثمينة، لا الذهب والمعادن والنفط، ولا ما هو مرتبطٌ بهذه الدنيا. 
 
﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾، ولكن الإنسان الذي سبق أن عرف الزلازل يقول، وهو جاهلٌ بما يجري، ما الذي يحدث للأرض؟!
 
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، أي إنّ الأرض يومئذٍ تسرد سيرتها، سيرتها الطويلة الممتدّة امتداد ملايين السنين.
 
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾، أي إنّ الله هو الذي أمرها.
 
هناك أبيات من شعر مولوي الذي كان متعمّقاً إلى حدّ يقلّ نظيره تخصّ هذا الموضوع، حيث يقول:
عالَم أفْسُرْدهست نام أو جَماد                      جماد أفسرده بود اى اوسْتاد
باش تاگر كَسى بِحَشْر آيد عيان                    تا بِتِيْنى جُنْبِشِ جسم جَهانْ
 
ترجمة الشعر:
العالم جامدٌ، اسمه الجماد                           والجماد كان جامداً أيُّها الأستاذ
ابْقَ حتى نجتمع في الحشر عياناً                    لترى حركة جسم العالم
 
إنَّه يشير إلى هذه الزلزلة ويقول: لا تحسب الميت ميتاً، إنَّما أنت لا تفهم، لا تدرك ذلك، إنّك لا ترى الآن إلّا جانبه الميت، ثمّ يقول: 
چُون عَصاي موسى إيْنجا مار شد                     عقل را از ساكنان إخْبار شد
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
257

239

نماذج من تفسير القرآن الكريم

 ترجمة الشعر:

عندما انقلبت عصا موسى حيّة                     أدرك العقل أخبار الساكنات
 
ففي اليوم الذي انقلبت فيه عصًا جامدةٌ إلى حيّة، تبيّن للعقل أنّ الموضوع شيءٌ آخر، وإنَّنا ينبغي ألا نحسب الجمادات جامدةً تماماً.
پارئي خاك تُراچون زِنده ساخت                        خاكَ هارا جُمْلِكَى بايد شِناخْتْ
 
ترجمة الشعر الفارسي:
إنّه إذ أحياك من بعض ترابٍ                         فلا بدَّ من معرفة التراب بجملته
 
إنَّ جسمك كان تراباً ميتاً، ولكنّه الآن حيّ، إذاً يتضح أنَّ المسافة بين الميت والحيّ ليست بعيدةً جداً، فالمّيت قد يحيا سريعاً، ولذلك علينا أن نتعرّف إلى كلّ الأتربة؛ إذ فيها تكمن قابليّة الحياة. إنَّ وجوهها التي تواجهنا ميتة، ولكنّ وجوهها التي تتجّه نحو الباري سبحانه وتعالى حيّة، إنَّها من حيث الطبيعة الربانيّة حيّة، ومن حيث الطبيعة الخلقيّة ميتة.
 
مُرده زيْنْ سُويَند وَزان سُو زِنْده اند                    خاموُشى إينجا وآنجا گوينده اند
جونكه آنها را فِرِسْتَدْ سُوى ما                          آن عَصا گَرده سُوى ما إژدها
 
ترجمة الشعر الفارسي:
ميتةٌ من هذا الجانب وحيّةٌ من ذاك                    صامتةٌ هنا وناطقةٌ هناك
وهو إذ يرسلها إلينا                                     تتحوّل تلك العصا حيّةً عندنا
 
فهو إذ يرسلها إلينا يراها حيّةً لا ميتة، فإن أمرها حولّت جانبها الحيّ إلينا، ثم تشير القصيدة إلى جماداتٍ أحياها الله، كالريح التي سخّرها لسليمان، والبحر الذي ائتمر بأمر موسى عليه السلام ، والجبال لداود، وانشقاق القمر لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتحوّل النار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام... ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، تذكر ما مرَّ بها بحسب ما أوحى لها الله.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
258

240

نماذج من تفسير القرآن الكريم

 وقد جاء كذلك في القرآن المجيد، في سورة يس:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾1.
 
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، أي يوم يصدرالناس جماعاتٍ متفرّقة، لماذا؟ إنَّه تعبيرٌ عجيبٌ أيضاً.
 
﴿لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، أي إنَّ الناس يذهبون ليستعرضوا أعمالهم وأعمال الناس في هذه الدّنيا طيلة حياتهم، صغيرها وكبيرها، حيث يتجسّد العمل نفسه ويحضر. فكيف يكون حال الإنسان وهو يدخل معرض الأعمال؟ إنَّه لا يرى سوى السواد والظلام وأشياء على هيئة نيرانٍ وحيَّاتٍ وعقارب. وعلى عكسه الذي يؤخذ إلى معرض ثواب الأعمال، حيث إنَّ أكثر ما يرى هو الأعمال الحسنة الجميلة، بحيث قيل إنَّه لو كان الموت ممكناً يوم القيامة، لمات أهل السعادة فرحاً، وأهل الشقاء كمدا؛ أي لو إنَّ تلك السعادة التي توهب للإنسان في الآخرة وُهِبت له في دار الدّنيا، لتوقف قلبه مباشرةً ومات. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُم﴾.
 
ثم يشرح القرآن معنى ﴿لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ بقوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
 
والذرَّة هي أصغر وحدةٍ قياسيّة، أي بمقدار الذرَّة التي لا جسم أصغر منها. من المعروف عندما نقول (ذرَّة) نقصد أصغر معيارٍ نعرفه ممَّا لا يمكن أن نراه بالعين المجرّدة، وهي الذرَّات التي لا نراها إذا كنّا في الشمس، ولا نراها إذا كنّا في الظلّ، ولكنَّنا نراها إذا كنّا في الظلّ ومرّ منه عمودٌ من نور، كأن تدخل أشعّة الشمس من إحدى النوافذ، عندئذٍ يرى الإنسان وسط عمود النور ذاك دقائق صغيرة تتحرّك، فهذه هي الذرّات، أي أصغر شيءٍ يظهر للعيان من الجسم. ومصطلح الذرَّة هذا يستعمله العلماء والفلاسفة في قضايا الجسم ومكوّناته، فكان عددٌ منهم يرى - وهي النظريّة التي تأيّدت فيما بعد - إنَّ كل جسمٍ يتألف من أجسامٍ صغيرةٍ جدّاً، وهذه الأجسام الصغيرة جداً أطلقوا عليها اسم الذرَّات،
 
 



1- يس، 65. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
259

 


241

نماذج من تفسير القرآن الكريم

  ذرَّاتٌ صغيرةٌ صلبة، كانوا يعتقدون أنَّها غير قابلةٍ للانشطار، وهذه أيضاً هي الذرَّة في العلوم الحديثة.

 
على كلّ حال، يقول القرآن إنَّ من عمِل مقدار ذرَّة من الشرّ، فإنَّه سوف يرى جزاءه.
 
والآن لاحظوا اللحن في السورة، مع ملاحظة المعنى:
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
 
صدق الله العظيم.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
260

242
المعرفة العقلية والقلبية