باقر العلوم (شهادة الإمام محمد الباقر عليه السلام) سلسلة مجالس العترة

باقر العلوم (شهادة الإمام محمد الباقر عليه السلام) سلسلة مجالس العترة


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2016-06

النسخة: 0


الكاتب

معهد سيد الشهداء

هو مؤسسة ثقافية متخصصة تعنى بشؤون النهضة الحسينية ونشرها، وإعداد قدرات خطباء المنبر الحسيني وتنميتها، معتمدة على كفاءات علمائية وخبرات فنية وإدارية... المرتكزة على الأسس الصحيحة المستقاة من ينبوع الإسلام المحمدي الأصيل.


المقدمة

"أللهم
 صلِّ على محمّد
 بن عليّ باقر العلم, وإمام الهدى,
 وقائد أهل التقوى, والمنتجب من عبادك،
 أللهم وكما جعلته علماً لعبادك, ومناراً لبلادك,
 و مستودعاً لحكمتك, ومترجماً لوحيك, وأمرت
 بطاعته, وحذّرت عن معصيته، فصلِّ عليه يا ربِّ
 أفضل ما صلّيت على أحدٍ من ذريّة أنبيائك
 وأصفيائك, ورسلك وأمنائك, يا
 ربَّ العالمين"1
 
 
 


1- الطوسيّ: مصباح المتهجّد ص 403. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
5

1

المقدمة

 بسم الله الرحمن الرحيم

 
والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى عترته وأهل بيته المظلومين المعصومين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
 
عاش أئمّة أهل البيت عليهم السلام ظروفاً مختلفة، أحاطت بحياتهم الشريفة من كلّ جهة، وكانت سبباً في اختلاف أدوارهم حسب ما تيسّر لهم من ظروف، مع وضوح الرؤية ووحدة الهدف، وهو الحفاظ على الإسلام الأصيل ومبادئه المشرقة النيّرة.
 
والإمام محمّد الباقر عليه السلام أحد أئمّة أهل البيت عليهم السلام ممّن تسنّت له ظروف خاصّة، ساهمت في قيامه بدور هامّ ومميّز لا سيّما على الصعيد العلميّ والفكريّ.
 
يقول الإمام روح الله الخمينيّ قدس سره الشّريف في وصيّته السياسيّة الإلهيّة: "نحن فخورون أنّ منّا باقر العلوم أسمى شخصيّة في التاريخ، ولم ولن يدرك أحد منزلته غير الله والرسول والأئمّة المعصومين عليهم السلام"1 
 
 
 
 

1-  النداء الأخير ص 12. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
7

2

المقدمة

 ويقول الإمام السيّد عليّ الخامنئيّ دام ظلّه: "الإمام الباقر من الشموس المنيرة التي يعود إليها الفضل في نشر المعارف الإسلاميّة"1.

 
وإنّ تسمية هذا الإمام بباقر العلم- وهي كلمة مأخوذة من البقر بمعنى الشقّ والفتح والتوسعة- لَيشير إلى هذا الدور الهام الذي قام به الإمام على الصعيد العلميّ، وكأنّه كان مختوماً فشقّه وفتحه ووسعه.
 
ولعلّه إلى هذا الأمر كان يهدف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حينما أطلق عليه هذا اللقب قبل عقود من ولادته، وأوصى جابر بن عبد الله الأنصاريّ الصحابيّ الجليل، وأمره أن يبلّغ سلامه إليه قائلاً: " إنّك ستدرك رجلاً منّي اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقراً.."2.
ومن هنا كان جابر الطاعن في السنّ يجلس بين يدي الإمام عليه السلام على صغر سنّه، ويتعلّم منه ويروي عنه، ويقول له: "يا باقر يا باقر يا باقر أشهد بالله إنّك أوتيت الحكم صبيّاً"3.
 
وقد خضعت له الرقاب وذلّت له الأعناق، وتصاغر أمامه علماء عصره اعترافاً منهم بسموّ مقامه:
 
فقد روي عن عبد الله بن عطاء قوله: "ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبي جعفر محمّد بن عليّ لتواضعهم له، ومعرفتهم 
 
 
 

1-  الكلمات القصار لآية الله العظمى السيّد عليّ الحسيني الخامنئيّ دام ظلّه، ص 86.  
2- الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 469.
3-  الصدوق: علل الشرائع ج 1 ص 273.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
8

3

المقدمة

 بحقّه، وعلمه، واقتباسهم منه، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة1 على جلالته وسنّه وهو بين يديه يتعلّم منه، ويأخذ عنه كالصبيّ بين يدي المتعلّم.."، أو "كأنّه عصفور مغلوب على أمره. 

 
وعن محمّد بن المكندر أنّه قال: "ما كنت أرى أنّ مثل عليّ بن الحسين يدع خلفاً لفضله وغزارة علمه وحلمه حتّى رأيت ابنه محمّداً.."2.
 
وعندما التقاه قتادة وهو فقيه أهل البصرة أخذته هيبة الإمام ووقاره فقال: "لقد جلست بين يدي الفقهاء وأمام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي من أيّ أحد مثلما اضطرب قلبي منك.."3.
 
إلى غير ذلك من كلمات منثورة وأقوال مشهورة، يجدها الباحث والقارئ في طيّات كتب التراجم ومصادر التاريخ.
 
إلّا أنّ هذا الإمام وبالرغم من المكانة العالية والمنزلة الرفيعة التي تميّز بها على جميع أهل زمانه، لم يُعط حقّه ولم يبين فضله، حاله كحال العترة من أهل البيت عليهم السلام الذين ظلموا وقهروا واضطهدوا وكانت خاتمة أمرهم الشهادة إمّا بالسمّ وإمّا بالقتل.
 
وهنا تأتي مسؤوليّتنا كمسلمين تجاه أئمّتنا وقادتنا من أهل بيت نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم وعترته الطاهرة، وهي أن نقوم بنشر فضائلهم والتأكيد على محبّتهم ومودّتهم، وتعريف الناس بسيرتهم ومظلوميتهم.
 
 
 

1-  وهو معدود من أجلّ علماء عصره، ويروى أنّه كان إذا قدم المدينة أخليت له سارية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يصلّي إليها.
2- القرشيّ: حياة الإمام محمّد الباقر عليه السلام ج 1 ص 97 98.
3- المصدر السابق ص 27.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
9

4

المقدمة

 هذا الكتاب:


وإنّ من حقّ هذا الإمام علينا ونحن من محبّيه وأتباعه أن نستذكر أحواله وتاريخه وما جرى عليه، ونذكّر الناس بذلك، إحياءً لأمره، وإظهاراً لفضله، علّنا نكون بذلك ممّن يحيي أمرهم فلا يموت قلبه يوم تموت القلوب.
ولهذا قام معهد سيّد الشهداء للمنبر الحسينيّ بإعداد هذا الكتاب باقر العلوم، ليكون واحداً من الإصدارات التي يصدرها ضمن سلسلة مجالس العترة، ليكون معيناً للأخوة القرّاء، ومساعداً لهم في المجالس التي يقيمونها في ذكرى هذا الإمام العظيم.

وقد راعى هذا الإصدار الأمور التالية:

أدرجنا ثلاث قصائد من الشعر القريض، ليتسنّى للقارئ الكريم اختيار ما يشاء منها.

أضفنا للكتاب العديد من الأبيات الشعبيّة الدارجة والمفهومة إلى حدٍّ ما.

ذكرنا موجزاً عن حياة الإمام عليه السلام، ولم نستقص كلّ شيء عن حياته المباركة، لئلّا يخرج الكتاب عن حدّ الإيجاز، واتكالاً منّا على جدارة الأخوة القرّاء من جهة أخرى. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
10

5

المقدمة

 قمنا بتخريج المصادر والمراجع لكلّ ما ورد في المتن، لتسهيل الرجوع إليها لمن أحبّ.


وفي الختام، كلّنا رجاء أن يلقى هذا الكتاب القبول والرضا من إمام زماننا عجّل الله تعالى فرجه، وأن يزوّدنا الأخوة القرّاء بإرشاداتهم وملاحظاتهم الهامّة والبنّاءة لنصل إلى المستوى اللائق والمقبول.

هذا ونسأله تعالى أن يتقبّل منّا ومن الجميع، وأن يرزقنا شفاعة مولانا الإمام محمّد الباقر، إنّه سميع مجيب.

معهد سيّد الشهداء عليه السلام للمنبر الحسينيّ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
11

6

القصائد

 القصيدة الأولى: للشيخ عبد المنعم الفرطوسيّ:

 
أُدْمِي الحَشَا أَلَماً وكُحِّلَ نَاظِرِي     بِالحُزْنِ يَومَ عَرَى مُصَابَ البَاقِرِ
 
هُوَ باقِرٌ لِلعِلْمِ تَعْظِيماً لَهُ            يُهْدَى سَلامُ مُحَمَّدٍ مِنْ جَابِرِ
 
زَاكِي الأَرُومَةِ طَاهِرٌ كَرَماً وَهَلْ    تَلِدُ الزَكِيَّةُ غَيْرَ زَاكٍ طَاهِرِ؟
 
وَإِمامُ حَقٍّ مُبتَلىً كَأَبِيهِ في          مِحَنٍ بِهِنَّ يَبينُ أَجرُ الصَّابِرِ
 
لَاقَى الَّذي لَاقَى أَبُوهُ مِنَ الأَذَى     بِمَصائِبٍ لَيْسَتْ تُعَدُّ لِحَاصِرِ
 
مِنْ قَتْلِ أَنْصَارٍ وَحَرْقِ مَضَارِبٍ    وَضَجِيجِ أَيْتَامٍ وَسَبْيِ حَرَائِرِ
 
وَرَأَى بِيَوْمِ الطَّفِّ مَصْرَعَ جَدِّهِ     مُتَضَرِّجاً بِدَمِ الوَرِيدِ الزَّاخِرِ
 
وَشَجَاهُ مِنْ شُهَدَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ     خَيْرُ الضَّحَايَا فَوْقَ شَرِّ مَجَازِرِ
 
وَالَهْفَتَاهُ عَلَى إِمَامٍ عَادِلٍ          لَاقَى المَصَائِبَ مِنْ إِمَامٍ جَائِرِ
 
أَخْنَى عَلَيْهِ هِشَامُ في طُغْيَانِهِ       وَالبَغْيُ شِيمَةُ كُلِّ بَاغٍ مَاكِرِ
 
وَسَقَاهُ سُمّاً قَاتِلاً مِنْ غَدْرِهِ        أَوْدَى بِهِ مِنْ كَفِّ طَاغٍ غَادِرِ
 
حَتَّى قَضَى وَالحَمْدُ مِلْءُ رِكابِهِ    تَطْوِيهِ طِيباً مِنْهُ خَيْرُ مآزِرِ(1)
 
 


1-انظر: من لا يحضره الخطيب ج 1 ص 357.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
13

7

القصائد

 أبوذيّه:


فخر عدنان والهاشم علمها                 حوى الأسرار والتّقوى علمها
فطرته اعلى الهدى الوادم علمها             سنن دين النّبيّ سيّد البريّه 

شعبيّ:

اعلى ابو جعفر دهلي الدّمع يا عين          نزل متورّم امصوّب الفخذين
سرى السّم اببدن راعي الحميّه              طول الليل ما نام الشفيّه
يون ايلوج لوجات المنيّه                    حن ابنه عليه اوهملت العين
آيا امصاب ابو جعفر المظلوم               عاش اومات ما شاف الفرح يوم
تاليها يموت ابسرج مسموم                 بعدنا امصايب اهله موش ناسين
الله ايساعد ابنه يوم شاله                    قام ايغسله او يبكي اعلى حاله
ألف وسفه على اولاد الرّساله               يقضون ابذبح وبسم على الدّين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
14

8

القصائد

 القصيدة الثّانية: للشيخ إبراهيم بن يحيى العامليّ الطّيبيّ رحمه الله: 

 
هُوَ حُجَّةُ اللهِ الإِمَامُ مُحَمَّدٌ                وَأَبَرُّ بادٍ في الأَنامِ وحَاضِرِ
 
هُوَ ذَلِكَ المَوْلَى الَّذِي أَهْدَى لَهُ الْـ       هادِي شَرِيفَ سَلَامِهِ مَعَ جَابِرِ
 
هُوَ ذَلِكَ النُّورُ الإِلَهِيُّ الّذِي               يُغْنِيكَ عَنْ نُورِ الصَّباحِ السَّافِرِ
 
جَلَّ الَّذِي أَوْلاهُ مُسْتَنُّ العُلَى              فالنَّجْمُ يَرْمُقُهُ بِطَرْفٍ حاسِرِ
 
مَوْلىً أَعادَ العَدْلَ وَهْوَ مُصَوَّعٌ             غَضّاً عَلَى رُغْمِ الزَّمانِ الجائِرِ
 
جَلَّتْ مُصِيبَتُهُ عَلَى كُلِّ الوَرَى            فالكُلُّ باتَ لَها بِطَرْفٍ ساهِرِ
 
يُذْرِي الدُّمُوعَ عَلَى مُصِيبَةِ سَيِّدٍ           مِنْ آلِ أَحْمَدَ بَذَّ كُلَّ مُفاخِرِ
 
لِلَّهِ أَيُّ مُصِيبَةٍ جَلَّتْ فَلا                  يُلْفَى لَها في الكَوْنِ بَعْضُ نَظائِرِ
 
ذَهَبَتْ بِرُكْنِ الدِّينِ مِصْباحِ الهُدَى        غَوْثِ المُؤَمِّلِ والإِمَامِ الطَّاهِرِ
 
الصَّبْرُ عَزَّ لها فَكَمْ مِنْ جازِعٍ             تَهْفُو جَوانِحُهُ ولا مِنْ صابِرِ؟!1
 
 
 

1-الأبيات الخمسة الأخيرة للسّيّد محسن الأمين قدّس سرّه مذيّلاً لها. انظر: المجالس السنيّة ج 5 ص 459.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
15

9

القصائد

 شعبي:

على المسموم يا قلبي تفطّر                     او ذوب امن الهظم لاجله اوتحسّر
وتفطّر يا قلب لمصاب باقر                    وانته يا جفن هل دمعتك دم
بس ما ركب  ذاك السّرج والقلب مالوم     ما نزل وإلا الجسد نفذت بيه لسموم
ظل يتقلّب على افراشه ودنى المحتوم           والتفت لابنه الصّادق ابعبره جريّه
يگله يوالي الدين للاسلام حامي              ودعتك الله يبني انقضت أيّامي
اتولى اموري والكفن يبني احرامي            وانت الخليفة وانتهت ليك الوصيّه
هاليوم بالباقر يبو ابراهيم مأجور              فارق الدّنيا بالسّموم وبقلب مفطور
نور الهداية بعد عوده وانطفى النّور           ظلمه المدينة وكانت ابنوره مضيّه
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
16

10

القصائد

 القصيدة الثالثة: للشيخ حسن القيسيّ البحرانيّ: 

 
لِلْباقِرِ المَسْمُومِ دَمْعِي قَدْ هَمَى               وَعَلَيْهِ قَلْبِي لَمْ يَزَلَ مُتَأَلِّما
 
أَبْكِي عَلَيْهِ قَضَى بِسُمٍّ ناقِعٍ                  وَلَهُ المَعالِي قَدْ أَقامَتْ مَأْتَما
 
لَمْ أَنْسَهُ والصَّحْبُ تَحْمِلُ نَعْشَهُ             ودُمُوعُهُمْ مِثْلُ السَّحابِ إِذَا هَمَى
 
وعَلَيْهِ كُلُّ يَتِيمَةٍ قَدْ أَعْوَلَتْ                  والضَّائِعاتُ بَكَتْهُ دَمْعاً أَسْجَما
 
اليَوْمَ ضَاعَ المُعْوَزُونَ وضَاعَ أَبْـ            ـنَاُءالسَّبِيلِ وحَقُّها أَنْ تُلْطَما
 
اليَوْمَ أُغْلِقَتِ العُلُومُ بِأَسْرِها                 اليَوْمَ شَرْعُ مُحَمَّدٍ قَدْ أُيْتِما
 
سارُوا بِهِ والنَّاسُ خَلْفَ سَرِيرِهِ               يَتَعاوَرُونَ أَباً وبَرّاً أَرْحَما
 
في حَمْلِهِ لا يَرْتَجُونَ رُجُوعَهُ                 نَحْوَ الدِّيارِ فيَوْمُهُمْ قَدْ أُظْلِما
 
يَدْعُونَ وَالأَرْزاءُ مِلْءُ نُفُوسِهِمْ              وعَلَيْهِمُ الحُزْنُ المُرَوِّعُ خَيَّمَا
 
يا حامِلِيهِ إِلَى الثَّرَى رِفْقاً بِنَا                فدُمُوعُنا لِفِراقِهِ تَهْمِي دِما
 
مُرُّوا عَلَى قَبْرِ البَتُولِ بِهِ عَسَى               نَبْكِي هُناكَ وعِنْدَها أَنْ نَلْطُما
 
ونَظَلُّ نُسْعِدُها بِفَقْدِ حَبِيبِها                 فَفُؤادُها مِمَّا عَراهُ تَأَلَّما1
 
 
 

1-انظر: المختارات المكباسيّة ص 230.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
17

11

القصائد

 أبوذيّه:

دموعي دمه الباقر مصبها                   عليه اولهله بالطّف مصبها
جن اونس تتباكه المصبها                   سم او قتل ما منّه ابمنيّه

شعبي:
بطّل ونينه واغمّض الباقر العينين            اوضجّت عليه أهل المدينة اوزاد الحنين
أرض المدينة اعليه ضجّت كل اهلها         او بعده الهواشم مظلمة او موحش نزلها
الزلم تبكي والنّسا اتحيّر بونها                والكل ينادي سدّوا أبواب الميادين
شالوه الگبره او گامت اتنوح النّوايح       او كل البلاد ارتجّت بكثر الصّوايح
وسِّده الصّادق ما بقى على التّرب طايح    مثل السّبط جدّه وأهل بيته الميامين
وسّد الصادق والده الباقر ابلحده           ابيومه او نصب ماتم ابداره خلاف فقده
لاكن انشدني عن أبو السّجاد جدّه         يمته اندفن والماتم اعليه انّصب وين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
18

12

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 هو الإمام محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، خامس أئمّة أهل البيت الّذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً.

 
ولادته وشهادته:
 
ولد عليه السلام في المدينة المنوّرة، غرّة رجب، أو الثالث من صفر، سنة 57 للهجرة1، قبل وقعة الطفّ بأربع سنين.
 
ومضى عليه السلام بالمدينة يوم الاثنين سابع ذي الحجّة سنة 114 للهجرة، وروي سنة 2116، وقيل سنة 117 عن عمر 58 سنة3، وقيل غير ذلك، ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه عليّ بن الحسين عليه السلام4.
 
كنيته وألقابه:
 
أمّا كنيته: فأبو جعفر.
 
ولقبه: باقر العلم، والشاكر لله، والهادي، والأمين، والشبيه لأنّه 
 
 
 

1- ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 210، الشهيد الأوّل: الدروس ج 2 ص 12.
2- الشهيد الأوّل: الدروس الشرعيّة في فقه الإماميّة ج 2 ص 12، وانظر: المجلسيّ: بحار الأنوار ج 46 ص 217 عن مصباح الكفعميّ في الجدول. وقيل في شهادته عليه السلام غير ذلك، فقد ذكر النيسابوريّ في روضة الواعظين ج 1 ص 207 أنّ شهادته في ذي الحجّة، ويقال في شهر ربيع الأوّل، ويقال في شهر ربيع الآخر، وفي مسند الإمام الباقر عليه السلام ج 1 ص 149 عن ابن خلكان أنّ شهادته في شهر ربيع الأول، وقيل في الثالث والعشرين من صفر.
3- اليعقوبيّ: تاريخ اليعقوبيّ ج 2 ص 320، ولاحظ الأربليّ: كشف الغمّة في معرفة الأئمّةR ج 2 ص 332.
4- الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 469.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
21

13

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 كان يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم1.

 
وأشهر ألقابه هو الباقر، وقد ذكره أئمّة اللغة في كتبهم، ففي لسان العرب: التبقّر: التوسّع في العلم والمال، وكان يقال لمحمّد بن عليّ بن الحسين بن علي: الباقر رضوان الله عليهم، لأنّه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه وتبقّر في العلم، وأصل البقر: الشقّ والفتح والتوسعة، بقرت الشيء بقراً: فتحته ووسّعته2.
 
وقد لقّبه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يولد، وأخبر به جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وروي عنه أنّه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يوشك أن تبقى حتّى تلقى ولداً لي من الحسين يقال له: محمّد يبقر علم الدين بقراً، فإذا لقيته فأقرئه منّي السلام"3.
 
وعن الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام قال: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذات يوم لجابر بن عبد الله الأنصاريّ: يا جابر إنّك ستبقى حتّى تلقى ولدي محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب المعروف في التوراة بالباقر فإذا لقيته فاقرئه منّي السلام. فدخل جابر إلى عليّ بن الحسين عليه السلام فوجد محمّد بن عليّ عليه السلام عنده غلاماً فقال له: يا غلام أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر. فقال جابر: شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربّ الكعبة، ثمّ أقبل على عليّ بن الحسين عليه السلام فقال له: من هذا؟ قال: هذا ابني وصاحب الأمر بعدي: 
 
 
 

1- ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 210.
2- ابن منظور: لسان العرب ج 4 ص 74 مادة بقر.
3- المفيد: الإرشاد ج 2 ص 159.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
22

14

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 محمّد الباقر، فقام جابر فوقع على قدميه يقبّلهما ويقول: نفسي لنفسك الفداء يا بن رسول الله، اقبل سلام أبيك، إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ عليك السلام، قال: فدمعت عينا أبي جعفر عليه السلام ثمّ قال: يا جابر على أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السلام ما دامت السماوات والأرض وعليك- يا جابر- بما بلّغت السلام"1.

 
وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال:"إنّ جابر بن عبد الله كان آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان رجلاً منقطعاً إلينا أهل البيت، وكان يقعد في مسجد الرسول معتجّرا 2بعمامة، وكان يقول: يا باقر يا باقر، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا والله لا أهجر ولكنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنّك ستدرك رجلاً منّي اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقراً، فذلك الذي دعاني إلى ما أقول، قال: فبينما جابر ذات يوم يتردّد في بعض طرق المدينة إذ مرَّ محمّد بن عليّ عليه السلام فلمّا نظر إليه قال: يا غلام أقبل، فأقبل، ثمّ قال: أدبر، فأدبر، فقال: شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفس جابر بيده، ما اسمك يا غلام؟ فقال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب فقبَّل رأسه ثمّ قال: بأبي أنت وأمّي، أبوك رسول الله يقرئك السلام فقال: وعلى رسول الله صلّى الله عليه وآله السلام.. فرجع محمّد إلى أبيه وهو ذعر فأخبره بالخبر فقال: يا بنيّ قد فعلها جابر؟ قال: نعم، قال: يا بنيّ الزم بيتك، قال: فكان 
 
 
 

1- الصدوق: الأماليّ ص 434 435.
2- الاعتجار: هو أن يلفّ العمامة على رأسه ويردّ طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئاً تحت ذقنه.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
23

15

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 فكان جابر يأتيه طرفي النهار فكان أهل المدينة يقولون: واعجباً لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار، وهو آخر1 من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فلم يلبث أن مضى عليّ بن الحسين عليه السلام، فكان محمّد بن عليّ عليه السلام يأتيه على الكرامة لصحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فجلس الباقر يحدّثهم عن الله فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قطّ أجرأ من ذا! فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أهل المدينة: ما رأينا قطّ أحداً أكذب من هذا يحدّث عمّن لم يره! فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن جابر بن عبد الله فصدّقوه، وكان- والله- جابر يأتيه فيتعلّم منه"2.

 
والدته الصِّدِّيقة:
 
أمّ عبد الله بنت الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فهو هاشميّ من هاشميَّين، علويّ من علويَّين، وفاطميّ من فاطميّين، لأنّه أوّل من اجتمعت له ولادة الحسن والحسين عليه السلام3.
 
وعن الباقر عليه السلام قال: "كانت أمّي قاعدة عند جدار فتصدّع الجدار وسمعنا هدّة شديدة، فقالت بيدها: لا وحقِّ المصطفى ما أذن الله لك في السقوط، فبقي معلّقاً في الجوّ حتّى جازته، فتصدّق أبي عنها بمائة دينار".
 
 
 

1- لعلّ الراوي أراد أنّه من آخر من بقي من الصحابة، فإنّهم ذكروا أنّ آخر من توفي من الصحابة هو أبو الطفيل عامر بن وائلة بن عبد الله بن عمر الليثيّ الكنانيّ الذي بقي إلى سنة 100 للهجرة.
2- القطب الراونديّ: الخرائج والجرائح ج 1 ص 278.
3- ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 208.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
24

16

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 وذكر أبو عبد الله عليه السلام جدّته أمّ أبيه يوماً فقال: "كانت صدّيقة، لم تدرك في آل الحسن امرأة مثلها"1.

 
مع أبيه زين العابدين عليه السلام:
 
عن الزهريّ قال: دخلت على عليّ بن الحسين عليه السلام في المرض الذي توفّي فيه...ثمّ دخل عليه محمّد ابنه فحدّثه طويلاً بالسرّ فسمعته يقول فيما يقول: "عليك بحسن الخلق" قلت: يا ابن رسول الله إن كان من أمر الله ما لا بدّ لنا منه- ووقع في نفسي أنّه قد نعى نفسه- فإلى من يُختلف بعدك؟ قال:"يا أبا عبد الله إلى ابني هذا"- وأشار إلى محمّد ابنه-" إنّه وصيّي ووارثي وعيبة علمي، معدن العلم، وباقر العلم"، قلت: يا ابن رسول الله ما معنى باقر العلم؟ قال: "سوف يختلف إليه خُلّاص شيعتي، ويبقر العلم عليهم بقراً"، قال: ثمّ أرسل محمّداً ابنه في حاجة له إلى السوق، فلمّا جاء محمّد قلت: يا ابن رسول الله هلّا أوصيت إلى أكبر أولادك؟ قال: "يا أبا عبد الله ليست الإمامة بالصغر والكبر، هكذا عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا وجدناه مكتوباً في اللوح والصحيفة"، قلت: يا ابن رسول الله فكم عهد إليكم نبيّكم أن يكون الأوصياء من بعده؟ قال: "وجدنا في الصحيفة واللوح اثني عشر أسامي مكتوبة بإمامتهم وأسامي آبائهم وأمّهاتهم" ثمّ قال: "يخرج من صلب محمّد ابني سبعة من الأوصياء فيهم المهديّ صلوات الله عليهم"2.
 
 
 

1- الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 469.
2- المجلسيّ: بحار الأنوار ج 46 ص 232 233.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
25

 


17

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 فضائله ومناقبه وبعض أحواله:

 
كان أصدق الناس لهجة وأحسنهم بهجة.. وكان أقلّ أهل بيته مالاً وأعظمهم مؤونة وكان يتصدّق كلّ جمعة بدينار، وكان إذا أحزنه أمر جمع النساء والصبيان ثمّ دعا فأمّنوا.
 
وكان كثير الذِكر كان يمشي وأنّه ليذكر الله، ويأكل الطعام وأنّه ليذكر الله، ولقد كان يحدّث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكان يجمع ولده فيأمرهم بالذكر حتّى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منهم، ومن كان لا يقرأ منهم أمره بالذكر1.
 
وعن أبي عبد الله جعفر بن محمّد صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إنّ محمّد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أنّ مثل عليّ بن الحسين يدع خلفاً- لفضل عليّ بن الحسين- حتّى رأيت ابنه محمّد بن عليّ فأردت أن أعظه فوعظني. 
 
فقال له أصحابه: بأيّ شيء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة، فلقيت محمّد بن عليّ- وكان رجلاً بديناً- وهو متّكئ على غلامين له أسودين-أو موليين له- فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا! أشهد لأعظنّه؟ فدنوت منه فسلّمت عليه، فسلّم عليّ ببَهَرٍ وقد تصبَّب عرقاً، فقلت: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على مثل هذه الحال في طلب 
 
 
 

1- الأمين السيّد محسن: المجالس السنيّة ج 5 ص 440.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
26

18

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 الدنيا! أشهد لأعظنّه؟ فدنوت منه فسلّمت عليه، فسلّم عليّ ببَهَر 1وقد تصبَّب عرقاً، فقلت: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على مثل هذه الحال في طلب الدنيا! لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال؟! قال: "فخلّى عن الغلامين من يده، ثمّ تساند" وقال: "لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال، جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله، أكفّ بها نفسي عنك وعن الناس، وإنّما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله. فقلت: يرحمك الله، أردت أن أعظك فوعظتني"2.

 
وكان عليه السلام، ظاهر الجود في الخاصّة والعامّة، مشهور الكرم في الكافّة، معروفاً بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسّط حاله:
 
فعن الحسن بن كثير قال: شكوت إلى أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام الحاجة وجفاء الإخوان، فقال:"بئس الأخ أخ يرعاك غنيّاً ويقطعك فقيراً"، ثمّ أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم، وقال: "استنفق هذه فإذا نفدت فأعلمني".
 
وعن عمرو بن دينار وعبد الله بن عبيد بن عمير أنّهما قالا: ما لقينا أبا جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام إلّا وحمل إلينا النفقة والصلة والكسوة، ويقول: "هذه معدّة لكم قبل أن تلقوني".
 
وعن سليمان بن قرم قال: كان أبو جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام يجيزنا بالخمسمائة درهم إلى الستمائة إلى الألف درهم، وكان لا يملّ 
 
 
 

1- البَهَر: تتابع النفس.
2- المفيد: الإرشاد ج 2 ص 161.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
27

19

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 من صلة إخوانه وقاصديه ومؤمّليه وراجيه.

 
وروي عنه عن آبائه عليه وعليهم السلام: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: أشدّ الأعمال ثلاثة: مواساة الإخوان في المال، وإنصاف الناس من نفسك، وذكر الله على كلّ حال".
 
وروي عنه عليه السلام أنّه سئل عن الحديث يرسله ولا يسنده فقال: "إذا حدّثتُ الحديث فلم أسنده فسندي فيه أبي عن جدّي عن أبيه عن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل عليه السلام عن الله عزّ وجلّ". 
 
وكان عليه وآبائه السلام يقول: "بليّة الناس علينا عظيمة، إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا".
 
وكان عليه السلام يقول: "ما ينقم الناس منّا؟! نحن أهل بيت الرحمة، وشجرة النبوّة، ومعدن الحكمة، وموضع الملائكة، ومهبط الوحي"1.
 
وعن محمّد بن سليمان، عن أبيه قال: كان رجل من أهل الشام يختلف إلى أبي جعفر عليه السلام، وكان مركزه بالمدينة، يختلف إلى مجلس أبي جعفر عليه السلام يقول له: يا محمّد ألا ترى أنّي إنّما أغشى مجلسك حياء منّي لك، ولا أقول: إنّ في الأرض أحداً أبغض إليّ منكم أهل البيت، وأعلم أنّ طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أمير المؤمنين في بغضكم، ولكن أراك رجلاً فصيحاً، لك أدب وحسن لفظ، وإنّما الاختلاف إليك لحسن أدبك، وكان أبو جعفر عليه السلام يقول له خيراً ويقول:"لن تخفى على الله خافية".
 
 
 

1- المفيد: الإرشاد ج 2 ص 166 168.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
28

20

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 فلم يلبث الشامي إلّا قليلاً حتّى مرض واشتدّ وجعه، فلمّا ثقل دعا وليّه، وقال له: إذا أنت مددت عليّ الثوب فأتِ محمّد بن عليّ عليه السلام (وسله أن يصلّي علّي)1، وأعلمه أنّي أنا الذي أمرتك بذلك.

 

 
قال: فلمّا أن كان في نصف الليل ظنّوا أنّه قد برد وسجّوه، فلمّا أن أصبح الناس خرج وليّه إلى المسجد، فلمّا أن صلّى محمّد بن عليّ عليه السلام وتورّك- وكان إذا صلّى عقّب في مجلسه- قال له: يا أبا جعفر إنّ فلاناً الشاميّ قد هلك وهو يسألك أن تُصلّي عليه، فقال أبو جعفر:"كلا إنّ بلاد الشام بلاد صِرّوبلاد الحجاز بلاد حرّ ولهبها3 شديد، فانطلق فلا تعجلنّ على صاحبك حتّى آتيكم"، ثمّ قام من مجلسه فأخذ وضوءاً ثمّ عاد فصلّى ركعتين، ثمّ مدّ يده تلقاء وجهه ما شاء الله، ثمّ خرّ ساجداً حتّى طلعت الشمس.
 
ثمّ نهض عليه السلام فانتهى إلى منزل الشاميّ فدخل عليه فدعاه فأجابه، ثمّ أجلسه فسنّده، ودعا له بسويق4 فسقاه، فقال لأهله: "املأوا جوفه وبرّدوا صدره بالطعام البارد"، ثمّ انصرف فلم يلبث إلّا قليلاً حتّى عوفي الشاميّ، فأتى أبا جعفر عليه السلام، فقال: أخلني، فأخلاه، فقال: أشهد أنّك حجّة الله على خلقه، وبابه الذي يؤتى منه، فمن أتى من غيرك خاب وخسر وضلّ ضلالاً بعيداً.
 
قال له أبو جعفر: "وما بدا لك"؟ قال: أشهد أنّي عهدت بروحي
 
 
 

1- هذه الزيادة من البحار.
2- الصِرّ: البرد الشديد.
3- في المصدر: ولحمها، وما في المتن أخذناه من البحار.
4- السويق: دقيق مقلوٌّ يعمل من الحنطة أو الشعير.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
29

21

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 وعاينت بعيني، فلم يتفاجأني إلّا ومنادٍ ينادي، أسمعه بأذني ينادي وما أنا بالنّائم: ردّوا عليه روحه، فقد سألنا ذلك محمّد بن عليّ.

 
فقال له أبو جعفر:"أما علمت أنّ الله يحبّ العبد ويبغض عمله، ويبغض العبد ويحبّ عمله"؟ قال: فصار بعد ذلك من أصحاب أبي جعفر عليه السلام1.
 
وعن الحكم بن عتيبة قال: بينا أنا مع أبي جعفرعليه السلام والبيت غاصّ بأهله إذ أقبل شيخ يتوكّأ على عنزة2 له حتّى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثمّ سكت، فقال أبو جعفرعليه السلام:"وعليك السلام ورحمة الله وبركاته"، ثمّ أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت عليه السلام، وقال: السلام عليكم، ثمّ سكت حتّى أجابه القوم جميعاً وردّوا عليه السلام، ثمّ أقبل بوجهه على أبي جعفرعليه السلام ثمّ قال: يا ابن رسول الله أدنني منك جعلني الله فداك، فوالله إنّي لأحبّكم وأحبّ من يحبّكم، ووالله ما أحبّكم وأحبّ من يحبّكم لطمع في دنيا، (والله) إنّي لأبغض عدوّكم وأبرأ منه، ووالله ما أبغضه وأبرأ منه لوترٍ كان بيني وبينه، والله إنّي لأحلّ حلالكم وأحرّم حرامكم وأنتظر أمركم، فهل ترجو لي جعلني الله فداك؟ فقال أبو جعفرعليه السلام: "إليّ إليّ" حتّى أقعده إلى جنبه، ثمّ قال: "أيّها الشيخ إنّ أبي عليّ بن الحسين عليه السلام أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه، فقال له أبي عليه السلام: إن تمت ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى عليّ 
 
 
 

1- الطوسيّ: الأماليّ ص 410، عنه: المجلسيّ: بحار الأنوار ج 46 ص 233.
2- العَنَزَة بالتحريك أطول من العصا وأقصر من الرمح في رأسها حديد.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
30

22

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

  والحسن والحسين وعليّ بن الحسينعليه السلام، وتقرّ عيني، ويثلج قلبي، ويبرد فؤادي، وأستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين، لو قد بلغت نفسي إلى ههنا، وإن أعش أرَ ما يقرّ الله به عيني فأكون معكم في السنام الأعلى؟!! ثمّ أقبل الشيخ ينتحب، ينشج1 ها ها ها حتّى لصق بالأرض وأقبل أهل البيت ينتحبون وينشجون لما يرون من حال الشيخ، وأقبل أبو جعفرعليه السلام يمسح بإصبعه الدموع من حماليق2 عينيه وينفضها، ثمّ رفع الشيخ رأسه فقال لأبي جعفرعليه السلام: يا ابن رسول الله ناولني يدك جعلني الله فداك، فناوله يده فقبّلها ووضعها على عينيه وخدّه، ثمّ حسر عن بطنه وصدره فوضع يده على بطنه وصدره، ثمّ قام فقال: السلام عليكم، وأقبل أبو جعفرعليه السلام ينظر في قفاه وهو مدبر، ثمّ أقبل بوجهه على القوم فقال:"من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا".

 
 

1- النحب والنحيب والانتحاب: البكاء بصوت طويل. والنشج: صوت معه توجّع وبكاء كما يردّد الصبيّ بكاءه في صدره. 
2- الحماليق: جمع حملاق (بالكسر والفتح) وحملوق كعصفور، من العين باطن أجفانها الذي يسوّده الكحل، أو هو ما غطّته الأجفان من بياض المقلة.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
31

23

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 فقال الحكم بن عتيبة: لم أر مأتماً قطّ يشبه ذلك المجلس1.

وعن أبي حمزة الثماليّ قال: كنت جالساً في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل رجل فسلّم فقال: من أنت يا عبد الله؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، فقلت: ما حاجتك؟ فقال لي: أتعرف أبا جعفر محمّد بن عليّعليه السلام؟ فقلت: نعم، فما حاجتك إليه؟ قال: هيّأت له أربعين مسألة أسأله عنها، فما كان من حقٍّ أخذته، وما كان من باطلٍ تركته، قال أبو حمزة: فقلت له: هل تعرف ما بين الحقّ والباطل؟ قال: نعم، فقلت له: فما حاجتك إليه إذا كنت تعرف ما بين الحقّ والباطل؟ فقال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون، إذا رأيت أبا جعفرعليه السلام فأخبرني، فما انقطع كلامي معه حتّى أقبل أبو جعفرعليه السلام وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحجّ، فمضى حتّى جلس مجلسه وجلس الرجل قريباً منه، قال أبو حمزة: فجلست حيث أسمع الكلام وحوله عالم من الناس، فلمّا قضى حوائجهم وانصرفوا التفتّ إلى الرجل، فقال له:"من أنت"؟ قال: أنا قتادة بن دعامة البصريّ، فقال له أبو جعفرعليه السلام:"أنت فقيه أهل البصرة"؟ قال: نعم، فقال له أبو جعفرعليه السلام:"ويحك يا قتادة! إنّ الله جلّ وعزّ خلق خلقاً من خلقه فجعلهم حججاً على خلقه، فهم أوتاد في أرضه، قوّام بأمره، نجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه أظلّة عن يمين عرشه"، قال: فسكت قتادة طويلاً، ثمّ قال: أصلحك الله، والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدّام ابن عبّاس، فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قدّامك، قال له أبو جعفرعليه السلام: 
 
 
 

1- الكليني: الكافي ج 8 ص 76.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
32

24

لمحة عن حياة الإمام عليه السلام

 "ويحك أتدري أين أنت؟ أنت بين يدي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فأنت ثمّ ونحن أولئك"، فقال له قتادة: "صدقت والله جعلني الله فداك، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين.."1.

 
وعن أفلح مولى أبي جعفرعليه السلام قال: خرجت مع محمّد بن عليّ حاجّاً، فلمّا دخل المسجد نظر إلى البيت فبكى حتّى علا صوته، فقلت: بأبي أنت وأمّي إنّ الناس ينظرون إليك فلو رفعت بصوتك قليلاً، فقال لي:"ويحك يا أفلح ولم لا أبكي لعلّ الله تعالى أن ينظر إليّ منه برحمة فأفوز بها عنده غداً"، قال: ثمّ طاف بالبيت، ثمّ جاء حتّى ركع عند المقام، فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتلّ من دموعه، وكان إذا ضحك قال:"أللهم لا تمقتني"2.
 
 
 

1- الكلينيّ: الكافي ج 6 ص 256.
2-لشافعيّ كمال الدين محمّد بن طلحة: مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ج 2 ص 104. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
33

25

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

لقد أدّت السياسات التي انتهجها الأمويّون إلى انحراف الأمّة عن مسيرة الحقّ والعدل، فكان أن انحسرت كلّ معالمه وآثاره الحقيقيّة عن مختلف المواضع والمواقع على امتداد مساحة الدولة الإسلاميّة، في طول البلاد وعرضها.
وظهرت تبعات هذه السياسات الكبيرة والخطيرة على الحياة الفكريّة والثقافيّة والعقيديّة للناس، وعلى كلّ الواقع السياسيّ والاجتماعيّ والتربويّ، وغيره.

وقد كانت لهذه السياسات نتائج مرّة، حيث تمكّنت من تدمير البنية الفكريّة، والعقيديّة، والثقافيّة والتربويّة الإسلاميّة بصورة عامّة تدميراً كاملاً، أو كادت.

وأصبحت الأمّة تعيش غربة حقيقيّة عن الإسلام وعن القرآن وأحكامه، وعن رسومه وأعلامه، وعن عهد الإمامة.

وفي عهد الإمام الباقر عليه السلام، كان قد مضى على هذه السياسات مدّة من الزمن طويت خلالها أجيال، لينشأ ثمّة جيل جديد أشدّ إيغالاً في البعد عن هذا الدين، وعن نبيّه الكريم، وقرآنه العظيم.

وقد كان الإنجاز الكبير والمهمّ جداً للإمام الباقر عليه السلام هو في هذا المجال بالذات. فإنّه قد فتح أبواباً متنوعة في العلم لهذه الأمّة،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
37

26

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

  ولم يترك باباً من أبواب الفقه والشريعة، ولا مجالاً في شتّى مناحي المعارف. ولا شأناً من شؤون العقيدة، والأخلاق، والتربية، والسياسة، والسلوك، وغير ذلك ممّا تحتاج إليه الأمّة إلّا وسجّل فيه وفي أدقّ تفاصيله وجزئيّاته النظريّة والتطبيقية كلمة الإسلام الهادفة، والمرشدة إلى طريق الحقّ، والخير، والهدى.

 
ثمّ جاء بعده ولده الإمام الصادق البارّ الأمين عليه السلام ليكمل المسيرة ويتابع رسم الطريق لكلّ الأجيال، وعلى امتداد العصور والدهور.
 
وكان الإمام السجّاد قبلها هو الذي استطاع بسياسته الفضلى، وبطريقته المثلى أن يهيّئ المناخ المناسب لنشوء مدرستها سيّما التي استقطبت المئات من روّاد العلم بل الآلاف. إذ من البديهيّ: أنّ هذا الامتداد القويّ والعميق لم يكن ليحصل لو لم يسبقه تخطيط وإعداد عمليّ واسع في نطاق ترسيخ قواعد فكريّة واجتماعيّة وخلقيّة أو الاستفادة من ظروف سياسيّة أصبحت مؤاتية فأرسيت القاعدة العقيديّة والفكريّة الصلبة، التي قام عليها ذلك البناء الشامخ لمدرسة استطاعت أن تلهب في العالم الإسلاميّ، جذوة طالما عمل الحكّام والمتسلّطون على إطفائها، وقد تركت بصماتها على كلّ قضيّة، وفي كلّ موضع وموقع، في شتّى مجالات الحياة1.
 
ويمكننا أن نسلّط الضوء على أمرين من أهمّ الأدوار التي قام بها الإمام عليه السلام في عصره:
 
 


1-اقتبسنا هذا الكلام من مقدّمة للعلّامة السيّد جعفر مرتضى على كتاب الإمام الباقر نجيّ الرسول للكاتب سليمان الكتانيّ، وانظر حول تأسيس الإمام السجّاد عليه السلام للمدرسة العلمّية كتاب "سيّد البكّائين" ص 55، من سلسلة مجالس العترة. 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
38

27

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

 أ- النهوض بجامعة أهل البيت عليهم السلام:


إنّ الظروف التي تهيّأت للإمامين الباقر والصادق عليه السلام لم تتهيّأ لغيرهما من الأئمّة عليهم السلام، ذلك لأنّ فترة إمامة الباقر عليه السلام قد رافقتها بوادر النقمة العارمة على سياسة الأمويّين والدعوة في مختلف الأقطار للتخلّص منهم ومن سوء صنيعهم مع العلويّين من أقوى الأسلحة بيد أخصامهم الطامعين بالحكم، ممّا دعاهم إلى اتّخاذ موقف من الشيعة وأئمّتهم أكثر اعتدالاً ممّا كانوا عليه بالأمس، ولمّا جاء عهد الإمام الصادق عليه السلام كانت الدولة الأمويّة تلفظ أنفاسها الأخيرة وتعاني من انتصارات أخصامها العبّاسيّين هنا وهناك وبالتالي تقلّص ظلّها وتمَّ الأمر للعبّاسيّين.

في هذه الظروف الخاصّة انطلق الإمامان الباقر والصادق عليه السلام لأداء رسالتهما وتمّ لهما ذلك بين عهدين: عهد تحيط به الكوارث والهزائم، وعهد ظهرت فيه تباشير النصر وأحلام السيطرة على الحكم، وقامت الحكومة الجديدة على حساب العلويّين، ولم تتهيّأ مثل هذه الظروف لأحد من أئمّة الشيعة، ولمّا استتبّ الأمر للعبّاسيّين الذين تستّروا بأهل البيت وشيعتهم عادوا يمثّلون أقبح الأدوار التي مثّلها الأمويّون معهم، حتّى قال قائلهم:

يَا لَيْتَ جَوْرَ بَنِي مَرْوَانَ دَامَ لَنَا       وَلَيْتَ عَدْلَ بَنِي العَبَّاسِ في النَّارِ

لقد تأسّست جامعة أهل البيت في وقت كانت الدولة الأمويّة تحيط بها الأخطار من جميع جهاتها، واتّسعت لأكثر من أربعة آلاف طالب، ولكن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
39

28

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

  ذلك كان بعد أن مضى على المسلمين أكثر من قرن من الزمن لا عهد لهم فيه بفقه يختصّ بأهل البيت، ولا بحديث يتجاهر الرواة في نسبته إليهم سوى ما كان يروى عنهم أحياناً بطريق الكتابة في الغالب، لأنّ الأمويّين كانوا جادّين في القضاء على كلّ آثارهم والتنكيل بكلّ من يتّهم بولائهم1.

 
أهمّ المجالات العلميّة التي بيّنها الإمام عليه السلام:
 
وقد قام الإمام الباقر عليه السلام بتبيين العديد من الجوانب العقائديّة والفقهيّة والفكريّة، نشير إلى أهمّها:
 
تجديد علم التوحيد، وتعليم الأمّة تنزيه الله تعالى وتحصينها من التشبيه.
 
توضيح مقام النبوّة وردّ التّهم والشبهات حول شخصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكشف تحريفات سنّته وسيرته من قبل الحكومات ورواتها.
 
بيان عقيدة الإمامة وأصالتها في نسيج الإسلام، وتحديد الفئة الناجية، وإرساء معالم عقائدها، وتعليم الأمّة البراءة من مدّعي الإمامة.
 
بيان معالم الفقه الإسلاميّ ووضع أصول الفقه، في مواجهة الفقه الظنّي والكيفيّ، الذي تبنّته الحكومات وعلماؤها، وأصول الحديث في مواجهة الإسرائيليّات والمكذوبات عند بعض الرّواة.
 
 
 

1-الحسنيّ هاشم معروف: سيرة الأئمّة الاثني عشر، ج 2 ص 194.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
40

29

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

 فتح نافذة على الأمّة من الغيب النبويّ، وإخبارها عن بعض الأحداث في مستقبلها القريب والبعيد حتّى يتحقّق الوعد الإلهيّ بظهور مهديّها الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً1.

 
قال الشيخ المفيد قدس سره: "وكان الباقر أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين عليهم السلام من بين إخوته خليفة أبيه عليّ بن الحسين، ووصيّه والقائم بالإمامة من بعده، وبرز على جماعتهم بالفضل في العلم والزهد والسؤدد، وكان أنبههم ذكراً، وأجلّهم في العامّة والخاصّة وأعظمهم قدراً، ولم يَظهر عن أحدٍ من ولد الحسن والحسين عليه السلام من علم الدين والآثار والسنّة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر عن أبي جعفر عليه السلام، وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين، وصار بالفضل به عَلَماً لأهله تضرب به الأمثال، وتسير بوصفه الآثار والأشعار، وفيه يقول القُرَظِيُّ:
 
يَا بَاقِرَ العِلْمِ لِأَهْلِ التُّقَى          وَخَيْرَ مَنْ لَبَّى عَلَى الأَجْبُلِ
 
وقال مالك بن أعين الجهنيّ فيه:
 
إِذا طَلَبَ النَّاسُ عِلْمَ القُرْآ        نِ كَانَتْ قُرَيْشٌ عَلَيْهِ عِيَالَا
 
وَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ ابْنُ بِنْتِ النَّبِـ     ـيِّ؟ نِلْتَ بِذَاكَ فُرُوعاً طِوَالا 
 
 
 

1-الكورانيّ العامليّ عليّ: جواهر التاريخ ج 5 ص 48.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
41

30

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

 ُجُومٌ تَهَلَّلُ لِلْمُدْلِجِينَ          جِبَالٌ تُوَرِّثُ عِلْماً جِبَالا1

 
وقد روى أبو جعفرعليه السلام أخبار المبتدأ وأخبار الأنبياء، وكتب عنه الناس المغازي وأثروا عنه السنن واعتمدوا عليه في مناسك الحجّ التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكتبوا عنه تفسير القرآن، وروت عنه الخاصّة والعامّة الأخبار، وناظر من كان يردّ عليه من أهل الآراء، وحفظ عنه الناس كثيراً من علم الكلام.. .2
 
ب- بناء النخبة الصالحة:
 
لقد جهد الأئمّة عليهم السلام في تربية مجموعة من الأفراد كان لهم قصب السبق في الفضيلة، ومن هنا كان لكلّ إمام ثلّة طاهرة من الأصحاب والأنصار، عرفوا بالحواريّين.
 
وقد كان للإمام الباقر عليه السلام مجموعة من الأصحاب نالوا مرتبة عالية من العلم والعمل، يقول الشيخ الكشّي أحد أئمّة علم الرجال: "أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأوّلين ستّة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسديّ، والفضيل بن يسار، ومحمّد بن مسلم الطائفيّ، قالوا: وأفقه الستّة زرارة، وقال بعضهم مكان أبي بصير الأسديّ أبو بصير المراديّ وهو ليث بن البختريّ"3.
 
 
 

1-المفيد: الإرشاد ج 2 ص 157
2-المصدر السابق ج 2 ص 163.
3-الطوسيّ: اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي، ج 2 ص 507.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
42

31

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

 ونحن لا يسعنا في هذا المختصر استقصاء أحوال جميع أصحابه، إلّا أنّنا نكتفي بالإشارة إلى بعض النماذج منهم:

 
1- زرارة بن أعين:
 
وهو من أجلّة أصحاب الإمام الباقر عليه السلام، قال عنه الرجاليّ الكبير المعروف بالشيخ النجاشيّ: "أبو الحسن، شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدّمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلّماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقاً فيما يرويه"1.
 
وقد رويت في حقّه روايات عديدة:
 
منها: ما رواه هو عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال له: "يا زرارة إنّ اسمك في أسامي أهل الجنّة بغير ألف"، قلت: نعم جعلت فداك اسمي عبد ربّه، ولكنّي لقّبت بزرارة2.
 
ومنها: ما عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: "رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي عليه السلام"3.
 
ومنها: عن ابن أبي عمير، قال:" قلت لجميل بن درّاج: ما أحسن محضرك وأزين مجلسك؟ فقال: إي والله ما كنّا حول زرارة بن أعين إلّا بمنزلة الصبيان في الكتاب حول المعلم"4.
 
 
 

1-النجاشيّ: رجال النجاشيّ ص 175 الرقم 463.
2-الطوسيّ: اختيار معرفة الرجال ج 1 ص 345.
3-المصدر السابق ص 348.
4-المصدر السابق ص 346.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
43

32

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

 2- أبان بن تغلب: 

 
أبو سعيد، قال عنه النجاشيّ: "عظيم المنزلة في أصحابنا، لقي عليّ بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد الله عليهم السلام، روى عنهم، وكانت له عندهم منزلة وقدم". "وكان قارئاً من وجوه القرّاء، فقيهاً، لغويّاً، سمع من العرب وحكى عنهم".
 
وكان أبان رحمه الله مقدّماً في كلّ فنٍّ من العلم في القرآن والفقه والحديث والأدب واللغة والنحو.
 
وقال له أبو جعفر الباقر عليه السلام: "اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنّي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك". 
 
وكان أبان إذا قدم المدينة تقوّضت إليه الحلق، وأخليت له سارية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
 
وعن أبان بن محمّد بن أبان بن تغلب قال: سمعت أبي يقول: دخلت مع أبي إلى أبي عبد الله عليه السلام، فلمّا بصر به أمر بوسادة فألقيت له، وصافحه واعتنقه وساءله ورحّب به. 
 
وقال أبو عبد الله عليه السلام لمّا أتاه نعيه: "أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان"1.
 
3- محمد بن مسلم: 
 
الثقفيّ الطائفيّ أبو جعفر، قال عنه النجاشيّ: "وجه أصحابنا بالكوفة، فقيه، ورع، صحب أبا جعفر وأبا عبد الله عليه السلام، وروى
 
 
 

1-النجاشيّ: رجال النجاشيّ ص 10 12 الرقم 7، وانظر: الطوسيّ: اختيار معرفة الرجال ج 2 ص 622.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
44

33

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

  عنهما وكان من أوثق الناس"1.

 
عن عبد الله بن أبي يعفور، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلَّ ما يسألني عنه، قال: "فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفيّ، فإنّه قد سمع من أبي وكان عنده وجيهاً"2.
 
عن حريز، عن محمّد بن مسلم، قال: ما شجر3 في رأيي شيء قطّ إلّا سألت عنه أبا جعفر عليه السلام حتّى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ستّة عشر ألف حديث4.
 
عن هشام بن سالم، قال: أقام محمّد بن مسلم بالمدينة أربع سنين يدخل على أبي جعفر عليه السلام يسأله، ثمّ كان يدخل على جعفر بن محمّد يسأله، قال ابن أحمد: فسمعت عبد الرحمن بن الحجّاج، وحمّاد بن عثمان يقولان: ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمّد بن مسلم5
 
وكان محمّد بن مسلم، يدخل على أبي جعفر عليه السلام فقال أبو جعفر: بشّر المخبتين، وكان رجلاً موسراً جليلاً، فقال أبو جعفر عليه السلام: "تواضع"، فأخذ قوصرة من تمر فوضعها على باب المسجد وجعل يبيع التمر، فجاء قومه فقالوا: فضحتنا! فقال: أمرني مولاي بشيء فلا أبرح حتّى أبيع هذه القوصرة، فقالوا: أمّا إذا أبيت إلّا هذا فاقعد في
 
 
 
 

1-لنجاشيّ: رجال النجاشيّ ص 324، الرقم 882.
2-الطوسيّ: اختيار معرفة الرجال ج 1 ص 383.
3-شجر بين القوم إذا اختلف الأمر بينهم.
4-المصدر السابق ص 386.
5-المصدر السابق ص 391.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
45

34

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

 الطحّانين، ثمّ سلّموا إليه رحاً، فقعد على بابه وجعل يطحن.

 
وقيل: إنّه كان من العبّاد في زمانه1.
 
عن زرارة، قال: شهد أبو كريبة الأزديّ ومحمّد بن مسلم الثقفيّ عند شريك بشهادة وهو قاضٍ، فنظر في وجوههما مليّاً، ثمّ قال: جعفريّان فاطميّان! فبكيا، فقال لهما: ما يبكيكما؟ قالا له: نسبتنا إلى أقوام لا يرضون بأمثالنا أن يكونوا من إخوانهم لما يرون من سخف ورعنا، ونسبتنا إلى رجل لا يرضى بأمثالنا أن يكونوا من شيعته، فإن تفضّل وقبلنا فله المنّ علينا والفضل، فتبسّم شريك، ثمّ قال: إذا كانت الرجال فلتكن أمثالكم، يا وليد أجزهما هذه المرّة...2
 
عن محمّد بن مسلم، قال: خرجت إلى المدينة وأنا وجع ثقيل. فقيل له (يعني للباقر عليه السلام): محمّد بن مسلم وجع، فأرسل إليّ أبو جعفر بشراب مع الغلام مغطّى بمنديل فناولنيه الغلام وقال لي: اشربه فإنّه قد أمرني ألّا أرجع حتّى تشربه، فتناولته فإذا رائحة المسك منه وإذا شراب طيب الطعم بارد، فلمّا شربته قال لي الغلام يقول لك إذا شربت فتعال، ففكّرت فيما قال لي ولا أقدر على النهوض قبل ذلك على رجلي. فلمّا استقرّ الشراب في جوفي كأنّما نشطت من عقال3، فأتيت بابه فاستأذنت عليه، فصوَّت بي: "صحّ الجسم، ادخل ادخل"، فدخلت وأنا باكٍ فسلّمت عليه وقبّلت يده ورأسه، فقال لي: "وما يبكيك يا محمّد"؟
 
 
 

1-المصدر السابق ص 388 -389.
2-المصدر السابق ص 384 -385.
3-كذا والقياس أنشطت. نشط الحبل: عقده. وأنشطه حلّه. ويقال هذا للمريض إذا برأ، وللمغشيّ عليه إذا أفاق. والعقال حبل يشدّ به البعير في وسط ذراعه.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
46

35

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

  فقلت: جعلت فداك أبكي على اغترابي وبعد الشقّة وقلّة المقدرة على المقام عندك والنظر إليك. فقال لي:"أمّا قلّة المقدرة: فكذلك جعل الله أولياءنا وأهل مودّتنا وجعل البلاء إليهم سريعاً، وأمّا ما ذكرت من الغربة: فلك بأبي عبد الله أسوة بأرض ناءٍ عنّا بالفرات. وأمّا ما ذكرت من بعد الشقّة: فإنّ المؤمن في هذه الدار غريب، وفي هذا الخلق المنكوس حتّى يخرج من هذه الدار إلى رحمة الله. وأمّا ما ذكرت من حبّك قربنا والنظر إلينا وأنّك لا تقدر على ذلك: فالله يعلم ما في قلبك وجزاؤك عليه120.

 
4- جابر بن يزيد: 
 
أبو عبد الله الجعفيّ،كان باب الإمام الباقر عليه السلام2، ومن حملة الأسرار.
 
عن جابر بن يزيد الجعفيّ، قال: حدّثني أبو جعفر عليه السلام بسبعين ألف حديث لم أحدّث بها أحداً قطّ، ولا أحدّث بها أحداً أبداً، قال جابر: فقلت لأبي جعفر عليه السلام جعلت فداك إنّك قد حمّلتني وقراً عظيماً بما حدّثتني به من سرّكم الذي لا أحدّث به أحداً، فربّما جاش في صدري حتّى يأخذني منه شبه الجنون، قال:"يا جابر فإذا كان ذلك فاخرج إلى الجبّان فاحفر حفيرة ودلّ رأسك فيها، ثمّ قل: حدّثني محمّد بن عليّ بكذا وكذا"3.
 
 
 

1-لمصدر السابق ص 391- 392.
2-بن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 211.
3-الطوسيّ: اختيار معرفة الرجال ج 2 ص 441- 442.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
47

36

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

 عن عبد الحميد بن أبي العلاء، قال: دخلت المسجد حين قتل الوليد، فإذا الناس مجتمعون قال: فأتيتهم فإذا جابر الجعفيّ عليه عمامة خزّ حمراء وإذا هو يقول: حدّثني وصيّ الأوصياء ووارث علم الأنبياء محمّد بن عليّ عليه السلام، قال: فقال الناس: جنّ جابر جنّ جابر1.

 
عن جابر بن يزيد الجعفيّ، قال: خدمت سيّدنا الإمام أبا جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام ثماني عشرة سنة، فلمّا أردت الخروج ودّعته، وقلت: أفدني. فقال: "بعد ثماني عشرة سنة، يا جابر"! قلت: نعم إنّكم بحر لا ينزف ولا يبلغ قعره.
 
فقال: "يا جابر، بلّغ شيعتي عنّي السلام، وأعلمهم أنّه لا قرابة بيننا وبين الله عزَّ وجلَّ، ولا يتقرّب إليه إلّا بالطاعة له. 
 
يا جابر، من أطاع الله وأحبّنا فهو وليّنا، ومن عصى الله لم ينفعه حبّنا.
 
يا جابر، من هذا الذي يسأل الله فلم يعطه، أو توكّل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم ينجه!
 
يا جابر، أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته تريد التحويل عنه، وهل الدنيا إلّا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب ولا آخذ بعنانها، أو كثوب لبسته أو كجارية وطئتها.
 
يا جابر، الدنيا عند ذوي الألباب كفيء الظلال، لا إله إلّا الله إعزاز 
 
 
 

1-الطوسيّ: اختيار معرفة الرجال ج 2 ص 441- 442.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
48

37

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

 لأهل دعوته، الصلاة تثبيت للإخلاص وتنزيه عن الكبر، والزكاة تزيد في الرزق، والصيام والحجّ تسكين القلوب، القصاص والحدود حقن الدماء، وحبّنا أهل البيت نظام الدين، وجعلنا الله وإيّاكم من الذين يخشون ربّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون"1.

 
عن النعمان بن بشير قال: كنت مزاملاً لجابر بن يزيد الجعفيّ، فلمّا أن كنّا بالمدينة دخل على أبي جعفرعليه السلام فودّعه وخرج من عنده وهو مسرور حتّى وردنا الأخيرجة- أوّل منزل نعدل من فيْد إلى المدينة- يوم جمعة فصلّينا الزوال، فلمّا نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال آدم معه كتاب، فناوله جابراً فتناوله فقبّله ووضعه على عينيه وإذا هو: من محمّد بن عليّ إلى جابر بن يزيد وعليه طين أسود رطب، فقال له: متى عهدك بسيّدي؟ فقال: الساعة فقال له: قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ فقال: بعد الصلاة، ففكّ الخاتم وأقبل يقرؤه ويقبض وجهه حتّى أتى على آخره، ثمّ أمسك الكتاب فما رأيته ضاحكاً ولا مسروراً حتّى وافى الكوفة، فلمّا وافينا الكوفة ليلاً بتّ ليلتي، فلمّا أصبحت أتيته إعظاماً له فوجدته قد خرج عليّ وفي عنقه كعاب2، قد علّقها وقد ركب قصبة وهو يقول: "أجد منصور بن جمهور أميراً غير مأمور" وأبياتاً من نحو هذا فنظر في وجهي ونظرت في وجهه فلم يقل لي شيئاً ولم أقل له، وأقبلت أبكي لما رأيته، واجتمع عليّ وعليه الصبيان والناس، وجاء حتّى دخل الرحبة وأقبل يدور مع الصبيان، والناس يقولون: جُنّ جابر بن 
 
 
 
 

1-الطوسيّ: الأماليّ ص 296.
2-الكعاب: فصوص النرد، واحدها كعب وكعبة.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
49

38

من أهم أدوار الإمام عليه السلام

 يزيد جُنّ، فوالله ما مضت الأيّام حتّى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى واليه أن انظر رجلاً يقال له: جابر بن يزيد الجعفيّ فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه، فالتفت إلى جلسائه فقال لهم: من جابر بن يزيد الجعفيّ؟ قالوا: أصلحك الله كان رجلاً له علم وفضل وحديث، وحجّ فجنّ وهو ذا في الرحبة مع الصبيان على القصب يلعب معهم، قال: فأشرف عليه فإذا هو مع الصبيان يلعب على القصب، فقال: الحمد لله الذي عافاني من قتله، قال: ولم تمض الأيّام حتّى دخل منصور بن جمهور الكوفة وصنع ما كان يقول جابر1.

 
 

1-لكلينيّ: الكافي ج 1 ص 396. قال العلّامة المجلسيّ في البحار ج 46 ص 283، بعد نقله لهذا الحديث: بيان: فيد: منزل بطريق مكّة، والمعنى أنّك إذا توجّهت من فيْد إلى المدينة فهو أوّل منازلك، والحاصل: أنّ الطريق من الكوفة إلى مكّة وإلى المدينة مشتركان إلى فيْد ثمّ يفترق الطريقان، فإذا ذهبت إلى المدينة عادلاً عن طريق مكّة فأوّل منزل تنزله الأخيرجة.
وقيل: أراد به أنّ المسافة بين الأخيرجة وبين المدينة كالمسافة بين فيْد والمدينة. 
وقيل: المعنى أنّ المسافة بينها وبين الكوفة كانت مثل ما بين فيْد والمدينة وما ذكرنا أظهر.
ومنصور بن جمهور كان والياً بالكوفة ولّاه يزيد بن الوليد من خلفاء بني أميّة بعد عزل يوسف بن عمر في سنة ستّ وعشرين ومائة، وكان بعد وفاة الباقر عليه السلام باثنتي عشرة سنة، ولعلّ جابراً رحمه الله أخبر بذلك فيما أخبر من وقائع الكوفة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
50

39

مع حكام عصره

 عاصر الإمام الباقر عليه السلام العديد من الحكّام الطغاة من بني أميّة، فبعد هلاك يزيد بن معاوية، وتنحّي معاوية ولده عن الخلافة وموته في ظروف مريبة، آلت خلافة بني سفيان إلى مروان بن الحكم وبنيه.


فكان من عاصرهم الإمام عليه السلام فترة إمامته على الشكل التالي:

1- مروان بن الحكم.
2- عبد الملك بن مروان.
3- الوليد بن عبد الملك.
4- سليمان بن عبد الملك أخو الوليد.
5- عمر بن عبد العزيز.
6- يزيد بن عبد الملك.
7- هشام بن عبد الملك.

وينقل ابن أبي الحديد المعتزليّ رواية عن الإمام الباقر عليه السلام يصف فيها المحن والابتلاءات التي حلّت بأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، منذ التحاق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى إلى حين عصر الإمام عليه السلام وزمانه، حيث يقول لبعض أصحابه: "يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيّانا وتظاهرهم علينا، وما لقى شيعتنا ومحبّونا من الناس! إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قُبِض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس، فتمالأت
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
53

40

مع حكام عصره

 علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا، ثمّ تداولتها قريش، واحد بعد واحد، حتّى رجعت إلينا، فنكثت بيعتنا، ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود، حتّى قتل، فبويع الحسن ابنه وعُوهد، ثمّ غُدِر به، وأسلم، ووثب عليه أهل العراق حتّى طعن بخنجر في جنبه، ونهبت عسكره، وعولجت خلاليل أمّهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته، وهم قليلُ حقٍّ قليل.


ثمّ بايع الحسين عليه السلام من أهل العراق عشرون ألفاً، ثمّ غدروا به، وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم وقتلوه، ثمّ لم نزل- أهل البيت- نُستَذَلّ ونُستضام، ونُقصى ونُمتهن، ونحرم ونقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كلّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله وما لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، وكان عُظم ذلك وكُبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام، فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظِّنّة، وكان من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن أو نُهب ماله، أو هُدِمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد، إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة، وأخذهم بكلّ ظنّة وتهمة، حتّى أنّ الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحبّ إليه من أن يقال: شيعة عليّ، وحتّى صار الرجل الذي يذكر بالخير- ولعلّه يكون ورعاً
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
54

41

مع حكام عصره

 صدوقاً- يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل بعض من قد سَلَف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من قد رواها ممّن لم يعرف بكذبٍ ولا بقلّةِ ورع"1.

 
ونحن نشير إلى أبرز ما روي من أحداث وقعت بين الإمام عليه السلام وحكّام عصره:
 
مع عبد الملك بن مروان:
 
أبرز ما يمكن الحديث عنه في هذه المرحلة ما روي من تدخّل الإمام الباقر عليه السلام وتحريره للنقد الإسلاميّ من أيدي الأجانب، حيث قدّم الإمامعليه السلام هذه الخدمة الجليلة للأمّة الإسلاميّة وخلّصه من التبعيّة للإمبراطوريّة الروميّة آنذاك.
 
تحرير النقد الإسلاميّ:
 
روي أنّ القراطيس كانت للروم وكانت تطرز بمصر، وكان طرازها الشعار المسيحيّ: الأب والابن والروح القدس، فتنبّه عبد الملك بن مروان لذلك حينما أمر بترجمة ما في بعضها إلى العربيّة، فأنكره وأمر عامله على مصر عبد العزيز بن مروان بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك، واستبداله بآخر يطرز عليه سورة التوحيد وشهد الله أنه لا إله إلّا هو، وكتب إلى الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرّزة بطراز الروم ومعاقبة من وجد عنده من بعد هذا النهي شيء منها.
 
 
 

1-ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ج 11 ص 43 44.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
55

42

مع حكام عصره

 ولمّا اطلع ملك الروم على عمل عبد الملك أنكره وغلظ عليه واستشاط غضباً، وكتب إلى عبد الملك يعاتبه وأرسل مع الكتاب هديّة يستميله بها طالباً منه إعادة الطراز إلى ما كان عليه.


فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب ردّ الرسول وأعلمه أن لا جواب له ولم يقبل الهديّة.

فأعاد ملك الروم الكرّة وقام بإرسال الهديّة مضاعفة مع الكتاب، فأعاد عبد الملك ردّ الهديّة ولم يجبه.

فكتب ملك الروم يتهدّده ويتوعدّه إن لم يردّ القراطيس إلى حالها الأوّل، وجاء في كتابه: ".. لتأمرنّ برد الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرنّ بنقش الدنانير والدراهم فإنّك تعلم أنّه لا ينقش شيء منها إلّا ما ينقش في بلادي ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام فينقش عليها من شتم نبيّك ما إذا قرأته ارفضّ جبينك له عرقاً فأحبّ أن تقبل هديّتي وتردّ الطراز إلى ما كان عليه وتجعل ذلك هديّة برّرتني بها وتبقى على الحال بيني وبينك، فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه وضاقت به الأرض وقال: احسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأنّي جنيت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من شتم هذا الكافر ما يبقى غابر الدهر ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب، إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم، فجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعمل به، فقال له (شخص يقال له) روح بن زنباع: إنّك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنّك تتعمّد
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
56

43

مع حكام عصره

  تركه، قال: ويحك من؟ قال الباقر من أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: صدقت ولكنّه ارتجّ عليّ الرأي فيه، فكتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص إليّ محمّد بن عليّ بن الحسين مكرّماً ومتّعه بمائتي ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته وأزح علّته في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه واحتبس الرسول قبله إلى موافاته عليه، فلمّا وافى أخبره الخبر فقال له الباقر:"لا يعظمنّ هذا عليك فإنّه ليس شيء من جهتين إحداهما: أنّ الله عزَّ وجلَّ لم يكن ليطلق ما تهدّدك به صاحب الروم في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والأخرى: وجود الحيلة فيه"، قال: وما هي؟ قال:"تدعو في هذه الساعة بصنّاع فيضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي تضرب فيه تلك الدراهم والدنانير...".


ثمّ شرح له الإمام كيفيّة أوزانها، ففعل عبد الملك ذلك وأمره محمّد بن عليّ بن الحسين عليهم السلام أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام وأن يتقدّم إلى الناس في التعامل بها وأن يتهدّد بقتل من يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير وغيرها وأن تبطل وتردّ إلى مواضع العمل حتّى تعاد إلى السكك الإسلاميّة، ففعل عبد الملك ذلك وردّ رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ويقول: إنّ الله جلَّ وعزَّ مانعك ممّا قدرت أن تفعله وقد تقدّمت إلى عمّالي في أقطار البلاد بكذا وكذا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
57

44

مع حكام عصره

 وبإبطال السكك والطراز الروميّة فقيل لملك الروم: افعل ما كنت تهدّدت به ملك العرب، فقال: إنّما أردت أن أغيظه بما كتبت إليه لأنّي كنت قادراً عليه، والمال وغيره برسوم الروم فأمّا الآن فلا أفعل لأنّ ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام وامتنع من الذي قال. وثبّت ما أشار به محمّد بن عليّ بن الحسين1...

مع عمر بن عبد العزيز:
يعدّ عمر بن عبد العزيز مفخرة البيت الأمويّ وسيّد ملوكهم ونجيب البيت الأمويّ2، وذلك لما صدر عنه من مواقف خالفت مواقف سواه من الأمويّين.
 
إلّا أنّ ذلك وإن بيّض له في التاريخ صفحته وميّزه عن غيره من الجائرين، لكنّه لم يكن ليشفع له بعد أن أبقى منصب الإمامة تحت يديه وسلطانه ولم يسلّمه إلى أهله.
 
فعن أبي بصير قال: كنت مع الباقر عليه السلام في المسجد، إذ دخل عليه عمر بن عبد العزيز عليه ثوبان ممصّران3، متّكئاً على مولى له،
 
 
 
 

1- انظر: الأمين السيّد محسن: أعيان الشيعة ج 1 ص 654 - 655، والقرشيّ: حياة الإمام محمّد الباقرعليه السلام ج 2 ص 36 39. قال السيّد الأمين قدّس سرّه بعد نقله لما في المتن: أقول قد مرّ في الجزء الثالث في سيرة أمير المؤمنينعليه السلام عن دائرة المعارف البريطانيّة أنّ أوّل من أمر بضرب السكّة الإسلاميّة هو الخليفة عليّ بالبصرة سنة 40 من الهجرة الموافقة لسنة 660 مسيحيّة ثمّ أكمل الأمر عبد الملك الخليفة سنة 76 من الهجرة الموافقة لسنة 695 مسيحيّة. ويمكن الجمع بأنّ عليّاً أمر بضرب السكّة في البصرة مع بقاء التعامل بسكّة أخرى وكذلك ما ضربه رأس البغل من الدراهم لعمر مع أنّه كان بسكّة كسرويّة أمّا عبد الملك فإنّه ضرب السكّة بإشارة الإمام الباقرعليه السلام على الصفة المتقدّمة ومنع من التعامل بغيرها.
2-القرشيّ: حياة الإمام الباقرعليه السلام ج 2 ص 44.
3-الممصرة من الثياب التي فيها صفرة خفيفة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
58

45

مع حكام عصره

  فقال عليه السلام: "ليلينّ هذا الغلام فيظهر العدل ويعيش أربع سنين ثمّ يموت فيبكي عليه أهل الأرض ويلعنه أهل السماء"، فقلنا: يا بن رسول الله، أليس ذكرت عدله وإنصافه؟ قال: "يجلس في مجلسنا ولا حقّ له فيه"، ثمّ ملك وأظهر العدل جهده!.1

 
وعلى أيّ حال فإنّ أهمّ ما يمكن تسجيله من مواقف لعمر بن عبد العزيز أمران:
 
الأوّل: رفعه السبّ عن الإمام عليّ عليه السلام، والذي كان معاوية قد سنّه وسار عليه بقيّة الخلفاء من بعده، فلمّا ولي عمر الخلافة كتب إلى العمّال في الآفاق بتركه.
 
وينقل أنّه قال: كان أبي إذا خطب فنال من عليّ رضي الله عنه تلجلج فقلت: يا أبت إنّك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر عليّ عرفتُ منك تقصيراً؟ قال: أَوَفطنت لذلك؟ قلت: نعم. فقال: يا بنيّ إنّ الذين حولنا لو يعلمون من عليّ ما نعلم تفرّقوا عنّا إلى أولاده!
 
فلمّا ولي الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب هذا الأمر العظيم لأجله فترك ذلك وكتب بتركه وقرأ عوضه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ الآية، فحلَّ هذا الفعل عند الناس محلّاً حسناً وأكثروا مدحه بسببه2
 
الثاني: ردّ فدك:
 
فقد روي أنّ عمر بن عبد العزيز لمّا استُخلف قال: يا أيّها الناس
 
 
 

1-لقطب الراونديّ: الخرائج والجرائح ج 1 ص 276.
2-ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 5 ص 42.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
59

46

مع حكام عصره

 إنّي قد رددت عليكم مظالمكم، وأوّل ما أردّ منها ما كان في يدي، قد رددت "فدك" على ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولد عليّ بن أبي طالب، فكان أوّل من ردّها. وروي أنّه ردّها بغلّاتها منذ ولي..

 
وعندما اعترضوا عليه، قال عمر بن عبد العزيز: قد صحّ عندي وعندكم أنّ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ادّعت "فدك"، وكانت في يدها، وما كانت لتكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع شهادة عليّ وأمّ أيمن وأمّ سلمة، وفاطمة عندي صادقة فيما تدّعي وإن لم تقم البيّنة، وهي سيّدة نساء أهل الجنّة، فأنا اليوم أردّها على ورثتها، أتقرّب بذلك إلى رسول الله وأرجو أن تكون فاطمة والحسن والحسين يشفعون لي في يوم القيامة.. فسلّمها إلى محمّد بن عليّ الباقرعليه السلام وعبد الله بن الحسن، فلم تزل في أيديهم إلى أن مات عمر بن عبد العزيز.
 
وروي أنّه لمّا صارت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز ردّ عليهم سهام الخمس، سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسهم ذي القربى، وهما من أربعة أسهم، ردّ على جميع بني هاشم وسلّم ذلك إلى محمّد بن عليّ الباقرعليه السلام وعبد الله بن الحسن1.
 
وعن هشام بن معاذ، قال: كنت جليساً لعمر بن عبد العزيز حيث دخل المدينة، فأمر مناديه فنادى: من كانت له مظلمة أو ظلامة2 فليأت الباب، فأتى محمّد بن عليّ- يعنى الباقر عليه السلام- فدخل إليه مولاه
 
 
 

1-الأربليّ: كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ج 2 ص 120- 121.
2-المظلمة بكسر الميم والظلامة بضمّ الظاء ما احتملته من الظلم وما أخذ منك ظلماً والجمع مظالم.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
60

47

مع حكام عصره

  مزاحم فقال: إنّ محمّد بن عليّ بالباب، فقال له: أدخله يا مزاحم، قال: فدخل وعمر يمسح عينيه من الدموع، فقال له محمّد بن عليّ عليه السلام: "ما أبكاك يا عمر"؟ فقال هشام: أبكاه كذا وكذا يا ابن رسول الله، فقال محمّد بن عليّ عليه السلام: "يا عمر إنّما الدنيا سوق من الأسواق منها خرج قوم بما ينفعهم، ومنها خرجوا بما يضرّهم، وكم من قوم ضرَّهم بمثل الذي أصبحنا فيه، حتّى أتاهم الموت فاستوعبوا، فخرجوا من الدنيا ملومين لمّا لم يأخذوا لما أحبّوا من الآخرة عدّة، ولا ممّا كرهوا جنّة، قسم ما جمعوا من لا يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم، فنحن والله محقوقون1، أن ننظر إلى تلك الأعمال التي كنّا نغبطهم بها، فنوافقهم فيها، وننظر إلى تلك الأعمال التي كنّا نتخوّف عليهم منها، فنكفّ عنها. فاتق الله واجعل في قلبك اثنتين، تنظر الذي تحبّ أن يكون معك إذا قدمت على ربّك فقدّمه بين يديك، وتنظر الذي تكرهه أن يكون معك إذا قدمت على ربّك فابتغ فيه البدل، ولا تذهبنّ إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك، ترجو أن تجوز عنك، واتق الله يا عمر وافتح الأبواب وسهّل الحجّاب، وانصر المظلوم وردّ الظالم"، ثمّ قال: "ثلاث من كنّ فيه استكمل الإيمان بالله"، فجثا عمر على ركبتيه وقال: إيه يا أهل بيت النبوّة، فقال: "نعم يا عمر، من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحقّ، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له"، فدعا عمر بدواة وقرطاس وكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ردَّ عمر بن عبد العزيز ظلامةَ 

 
 
 

1-هو حقيق به ومحقوق به أي خليق وجدير به.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
61

48

مع حكام عصره

 محمّد بن عليّ عليه السلام فدك"1.

 
وممّا يروى عن الإمام الباقر عليه السلام في ما وعظ به عمر بن عبد العزيز، أنّه قال له: "أوصيك بتقوى الله، واتّخذ الكبير أباً، والصغير ولداً، والرجل أخاً"، فقال: رحمك الله جمعت لنا والله ما إن أخذنا به وأماتنا الله عليه استقام لنا الخير إن شاء الله..2.
 
مع هشام بن عبد الملك:
 
وكان شديد البغض للعلويّين، وهو الذي قتل زيد بن عليّ رضوان الله عليه. وقد تعرّض الإمام أبو جعفرعليه السلام في عهده إلى ضروب من المحن والآلام3 كان من بينها:
 
إشخاص الإمام عليه السلام إلى دمشق:
 
فعن الصادق عليه السلام أنّه قال: "لمّا أشخص أبي محمّد بن عليّ إلى دمشق سمع الناس يقولون: هذا ابن أبي تراب؟ قال: فأسند ظهره إلى جدار القبلة، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ قال: اجتنبوا أهل الشقاق، وذريّة النفاق، وحشو النّار، وحصب جهنّم، عن البدر الزاهر، والبحر الزاخر، والشهاب الثاقب، وشهاب المؤمنين، والصراط المستقيم، من قبل أن نطمس وجوهاً فنردّها على أدبارها، أو يلعنوا كما لعن أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولاً.
 
 
 
 

1-لصدوق: الخصال ص 104، الحديث 64 من باب الثلاثة.
2-ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ج 54 ص 270.
3-انظر: القرشيّ: حياة الإمام محمّد الباقرعليه السلام ج 2 ص 57.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
62

49

مع حكام عصره

 ثمّ قال بعد كلام:"أبصنو رسول الله تستهزؤون؟ أم بيعسوب الدين تلمزون؟ وأيّ سبيل بعده تسلكون؟ وأيّ حزن بعده تدفعون؟ هيهات هيهات، برز والله بالسبق، وفاز بالخصل، واستوى على الغاية، وأحرز الخطار، (وأحرز على الختار)، فانحسرت عنه الأبصار، وخضعت دونه الرقاب، وفرع الذروة العليا، فكذَّب من رام من نفسه السعي، وأعياه الطلب، فأنّى لهم التناوش من مكان بعيد، وقال:

 
أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ لا أَباً لِأَبِيكُمُ             مِنَ الَّلوْمِ أَوْ سُدُّوا (ال)مَكَانَ الَّذِي سَدُّوا
 
أُولَئِكَ قَوْمٌ إِنْ بَنُوا أَحْسَنُوا البِنَا       وَإِنْ عَاهَدُوا أَوْفُوا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا
 
"فأنّى يسدّ ثلمة أخي رسول الله إذ شفعوا، وشقيقه إذ نسبوا، ونديده إذ قتلوا (نثلوا)، وذي قرني كنزها إذ فتحوا، ومصلّي القبلتين إذ تحرّفوا، والمشهود له بالإيمان إذ كفروا، والمدّعي لنبذ عهد المشركين إذ نكلوا، والخليفة على المهاد ليلة الحصار إذ جزعوا، والمستودع الأسرار ساعة الوداع"، إلى آخر كلامه1.
 
وعن أبي بكر الحضرميّ قال: لمّا حمل أبو جعفرعليه السلام إلى الشام، إلى هشام بن عبد الملك، وصار ببابه قال لأصحابه ومن كان بحضرته من بني أميّة: إذا رأيتموني قد وبّخت محمّد بن عليّ ثمّ رأيتموني قد سكتّ فليقبل عليه كلّ رجل منكم فليوبّخه، ثمّ أمر أن يؤذن له، فلمّا دخل عليه أبو جعفرعليه السلام قال بيده: "السلام عليكم" فعمّهم جميعاً بالسلام ثمّ جلس، فازداد هشام عليه حنقاً بتركه السلام عليه بالخلافة، وجلوسه
 
 
 
 

1-المجلسيّ: بحار الأنوار ج 46 ص 317، ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 203.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
63

50

مع حكام عصره

 بغير إذن، فأقبل يوبّخه ويقول فيما يقول له: يا محمّد بن عليّ لا يزال الرجل منكم قد شقّ عصا المسلمين، ودعا إلى نفسه، وزعم أنّه الإمام سفهاً وقلّة علم، ووبّخه بما أراد أن يوبّخه، فلمّا سكت أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبّخه، حتّى انقضى آخرهم، فلمّا سكت القوم نهض عليه السلام قائماً ثمّ قال: "أيّها الناس أين تذهبون؟ وأين يراد بكم؟ بنا هدى الله أوّلكم، وبنا يختم آخركم، فإن يكن لكم ملك معجّل فإنّ لنا ملكاً مؤجّلاً، وليس بعد ملكنا ملك، لأنّا أهل العاقبة، يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾"، فأمر به إلى الحبس، فلمّا صار إلى الحبس تكلّم فلم يبق في الحبس رجل إلّا ترشّفه1 وحنّ إليه، فجاء صاحب الحبس إلى هشام فقال: يا أمير المؤمنين إنّي خائف عليك من أهل الشام أن يحولوا بينك وبين مجلسك هذا، ثمّ أخبره بخبره، فأمر به فحمل على البريد هو وأصحابه ليردّوا إلى المدينة، وأمر أن لا يخرج لهم الأسواق، وحال بينهم وبين الطعام والشراب، فساروا ثلاثاً لا يجدون طعاماً ولا شراباً حتّى انتهوا إلى مدين، فأغلق باب المدينة دونهم، فشكا أصحابه الجوع والعطش قال: فصعد جبلاً ليشرف عليهم فقال بأعلى صوته:"يا أهل المدينة الظالم أهلها، أنا بقيّة الله، يقول الله: ﴿بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وما أنا عليكم بحفيظ﴾"، قال: وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال لهم: يا قوم هذه والله دعوة شعيب النبيّ، والله لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذنّ من فوقكم ومن تحت أرجلكم، فصدّقوني في هذه المرّة وأطيعوني،

 
 
 

1-كناية عن أخذ العلم.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
64

51

مع حكام عصره

  وكذّبوني فيما تستأنفون، فإنّي لكم ناصح، قال: فبادروا فأخرجوا إلى محمّد بن عليّ وأصحابه بالأسواق، فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشيخ فبعث إليه فحمله، فلم يدر ما صنع به1.

 
ورواية أخرى:
 
وهناك رواية أخرى تذكر ما جرى من اعتقال على الإمام عليه السلام وأخذه إلى الشام وما جرى معه، فعن عمارة بن زيد الواقديّ، قال: حجّ هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين، وكان قد حجّ في تلك السنة محمّد بن عليّ الباقر وابنه جعفرعليهم السلام، فقال جعفر في بعض كلامه: "الحمد لله الذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، وأكرمنا به، فنحن صفوة الله على خلقه، وخيرته من عباده، فالسعيد من اتبعنا، والشقيّ من عادانا وخالفنا، ومن الناس من يقول: إنّه يتولّانا وهو يوالي أعداءنا ومن يليهم من جلسائهم وأصحابهم، فهو لم يسمع كلام ربّنا ولم يعمل به".
 
قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد عليه السلام: "فأخبر مسيلمة أخاه بما سمع، فلم يعرض لنا حتّى انصرف إلى دمشق، وانصرفنا إلى المدينة، فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه، فأشخصنا، فلمّا وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيّام، ثمّ أذن لنا في اليوم الرابع، فدخلنا وإذا هو قد قعد على سرير الملك، وجنده وخاصّته وقوف على أرجلهم سماطين متسلّحين، وقد نصب
 
 
 
 

1-الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 471.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
65

52

مع حكام عصره

  البرجاس1 حذاءه، وأشياخ قومه يرمون.

 
"فلمّا دخل أبي وأنا خلفه ما زال يستدنينا منه حتّى حاذيناه وجلسنا قليلاً، فقال لأبي: يا أبا جعفر، لو رميت مع أشياخ قومك الغرض.
 
"وإنّما أراد أن يهتك بأبي ظنّاً منه أنّه يقصر ويخطئ ولا يصيب إذا رمى، فيشتفي منه بذلك، فقال له: إنّي قد كبرت عن الرمي، فإن رأيت أن تعفيني.
 
"فقال: وحقّ من أعزّنا بدينه ونبيّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لا أعفيك.
 
"ثمّ أومأ إلى شيخ من بني أميّة أن أعطه قوسك.
 
"فتناول أبي عند ذلك قوس الشيخ، ثمّ تناول منه سهماً فوضعه في كبد القوس ثمّ انتزع ورمى وسط الغرض فنصبه فيه، ثمّ رمى فيه الثانية فشقّ فوق سهمه إلى نصله، ثمّ تابع الرمي حتّى شقّ تسعة أسهم بعضها في جوف بعض، وهشام يضطرب في مجلسه، فلم يتمالك أن قال: أجدت يا أبا جعفر، وأنت أرمى العرب والعجم، كلّا زعمت أنّك قد كبرت عن الرمي. ثمّ أدركته ندامة على ما قال". 
 
"وكان هشام لا يكنّي أحداً قبل أبي ولا بعده في خلافته، فهمّ به وأطرق إطراقة يرتأي فيه رأياً، وأبي واقف بحذائه مواجهاً له، وأنا وراء أبي.
 
"فلمّا طال وقوفنا بين يديه غضب أبي فهمّ به، وكان أبي إذا غضب
 
 
 

1-لبرجاس: غرض في الهواء يرمى به.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
66

53

مع حكام عصره

  نظر إلى السماء نظر غضبان يتبيّن للناظر الغضب في وجهه، فلمّا نظر هشام ذلك من أبي قال له: يا محمّد، اصعد، فصعد أبي إلى سريره وأنا أتبعه، فلمّا دنا من هشام قام إليه فاعتنقه وأقعده عن يمينه، ثمّ اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي، ثمّ أقبل على أبي بوجهه فقال له: يا محمّد، لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك، ولله درّك، من علّمك هذا الرمي؟ وفي كم تعلّمته؟ فقال له أبي: قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه، فتعاطيته أيّام حداثتي، ثمّ تركته، فلمّا أراد أمير المؤمنين منّي ذلك عدت إليه. 


"فقال له: ما رأيت مثل هذا الرمي قطّ مذ عقلت، وما ظننّت أنّ في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي، أين رمي جعفر من رميك؟ فقال: إنّا نحن نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما الله على نبيّه عليه السلام في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ والأرض لا تخلو ممّن يكمل هذه الأمور التي يقصر عنها غيرنا.

"قال: فلمّا سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فاحولّت واحمرّ وجهه، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب، ثمّ أطرق هنيئة، ثمّ رفع رأسه فقال لأبي: ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد؟ فقال أبي: نحن كذلك، ولكنّ الله جلّ ثناؤه اختصّنا من مكنون سرّه وخالص علمه، بما لم يختصّ أحداً به غيرنا.

"فقال: أليس الله جلَّ ثناؤه بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم من شجرة عبد مناف إلى الناس كافّة، أبيضها وأسودها وأحمرها، من أين ورثتم ما
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
67

54

مع حكام عصره

  ليس لغيركم؟ ورسول الله مبعوث إلى الناس كافّة، وذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى آخر الآية، فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمّد نبيّ ولا أنتم أنبياء؟ فقال: من قوله تعالى لنبيّه عليه السلام: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فالذي أبداه فهو للناس كافّة، والذي لم يحرّك به لسانه، أمر الله تعالى أن يخصّنا به من دون غيرنا.

"فلذلك كان يناجي أخاه عليّاً من دون أصحابه، وأنزل الله بذلك قرآناً في قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ فقال رسول الله لأصحابه: سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا عليّ، فلذلك قال عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه بالكوفة: علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب من العلم يفتح من كلّ باب ألف باب، خصّه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكنون علمه ما خصّه الله به، فصار إلينا وتوارثناه من دون قومنا.
"فقال له هشام: إنّ عليّاً كان يدّعي علم الغيب، والله لم يطلع على غيبه أحداً فمن أين ادعى ذلك؟ فقال أبي: إنّ الله جلَّ ذكره أنزل على نبيّه كتاباً بيّن فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، في قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. وفي قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. وفي قوله: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾. وفي قوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾. وأوحى الله تعالى إلى نبيّه عليه السلام أن لا يبقي في غيبه وسرّه ومكنون علمه شيئاً إلّا يناجي به عليّاً، فأمره أن يؤلّف القرآن من بعده، ويتولّى غسله وتكفينه وتحنيطه من دون 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
68

55

مع حكام عصره

 قومه، وقال لأصحابه: حرام على أصحابي وأهلي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي عليّ، فإنّه منّي وأنا منه، له ما لي وعليه ما عليّ، وهو قاضي ديني ومنجز موعدي. ثمّ قال لأصحابه: عليّ بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلّا عند عليّ عليه السلام، ولذلك قال رسول الله لأصحابه: أقضاكم عليّ، أي هو قاضيكم. وقال عمر بن الخطاب: لولا عليّ لهلك عمر. أفيشهد له عمر ويجحد غيره؟! 

 
"فأطرق هشام طويلاً ثمّ رفع رأسه فقال: سل حاجتك. فقال: خلفت أهلي وعيالي مستوحشين لخروجي. فقال: قد آمن الله وحشتهم برجوعك إليهم ولا تقم أكثر من يومك. فاعتنقه أبي ودعا له وودعه، وفعلت أنا كفعل أبي، ثمّ نهض ونهضت معه".
 
مع عالم النصارى:
 
"وخرجنا إلى بابه وإذا ميدان ببابه، وفي آخر الميدان أناس قعود عدد كثير، قال أبي: من هؤلاء؟ قال الحجّاب: هؤلاء القسّيسون والرهبان، وهذا عالم لهم، يقعد لهم في كلّ سنة يوماً واحداً يستفتونه فيفتيهم. فلفّ أبي عند ذلك رأسه بفاضل ردائه، وفعلت أنا مثل فعل أبي، فأقبل نحوهم حتّى قعد عندهم، وقعدت وراء أبي، ورفع ذلك الخبر إلى هشام، فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي، فأقبل وأقبل عدد من المسلمين فأحاطوا بنا، وأقبل عالم النصارى وقد شدّ حاجبيه بحريرة صفراء حتّى توسّطنا، فقام إليه جميع القسّيسين والرهبان مسلّمين عليه، فجاء
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
69

56

مع حكام عصره

 إلى صدر المجلس فقعد فيه، وأحاط به أصحابه، وأبي وأنا بينهم، فأدار نظره ثمّ قال لأبي: أمنّا أم من هذه الأمّة المرحومة؟ فقال أبي: بل من هذه الأمّة المرحومة. 


"فقال: أمن علمائها أم من جهّالها؟ فقال له أبي: لست من جهّالها؟ فاضطرب اضطراباً شديداً، ثمّ قال له: أسألك؟ فقال له أبي: سل. فقال: من أين ادعيتم أنّ أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يُحدثون ولا يبولون؟ وما الدليل فيما تدّعونه من شاهد لا يُجهل؟ فقال له أبي: دليل ما ندّعي من شاهد لا يُجهل الجنين في بطن أمّه يطعم ولا يُحدث. قال: فاضطرب النصرانيّ اضطراباً شديداً ثمّ قال: كلّا، زعمت أنّك لست من علمائها! فقال له أبي: ولا من جهّالها، وأصحاب هشام يسمعون ذلك.

"فقال لأبي: أسألك عن مسألة أخرى. فقال له أبي: سل. فقال: من أين ادّعيتم أنّ فاكهة الجنّة أبداً غضّة طريّة موجودة غير معدومة عند جميع أهل الجنّة، لا تنقطع، وما الدليل فيما تدّعونه من شاهد لا يجهل؟ فقال له أبي: دليل ما ندّعي أنّ ترابنا أبداً غضّ طريّ موجود غير معدوم عند جميع أهل الدنيا لا ينقطع. 

"فاضطرب النصرانيّ اضطراباً شديداً، ثمّ قال: كلّا، زعمت أنّك لست من علمائها! فقال له أبي: ولا من جهّالها. فقال: أسألك عن مسألة. فقال له: سل. قال: أخبرني عن ساعة من ساعات الدنيا ليست من ساعات الليل ولا من ساعات النهار. فقال له أبي: هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يهدأ فيها المبتلى،
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
70

57

مع حكام عصره

 ويرقد فيها الساهر، ويفيق المغمى عليه، جعلها الله في الدنيا رغبة للراغبين، وفي الآخرة للعاملين لها، ودليلاً واضحاً وحجاباً بالغاً على الجاحدين المنكرين التاركين لها. قال: فصاح النصرانيّ صيحة، ثمّ قال: بقيت مسألة واحدة، والله لأسألنّك عنها، ولا تهتدي إلى الجواب عنها أبداً. فأسألك؟ فقال له أبي: سل فإنّك حانث في يمينك. فقال: أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد، وماتا في يوم واحد، عمر أحدهما خمسون ومائة سنة، والآخر خمسون سنة في دار الدنيا.

 


"فقال له أبي: ذلك عزير وعزرة، ولدا في يوم واحد، فلمّا بلغا مبلغ الرجال خمسة وعشرين عاماً، مرّ عزير وهو راكب على حماره بقرية بأنطاكية وهي خاوية على عروشها، فقال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟! وقد كان الله اصطفاه وهداه، فلمّا قال ذلك القول غضب الله عليه فأماته مائة عام سخطاً عليه بما قال.

"ثمّ بعثه على حماره بعينه وطعامه وشرابه، فعاد إلى داره وعزرة أخوه لا يعرفه، فاستضافه فأضافه، وبعث إلى ولد عزرة وولد ولده وقد شاخوا، وعزير شاب في سنّ ابن خمس وعشرين سنة، فلم يزل عزير يذكّر أخاه وولده وقد شاخوا، وهم يذكرون ما يذكّرهم، ويقولون: ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون والشهور؟! ويقول له عزرة وهو شيخ ابن مائة وخمس وعشرين سنة: ما رأيت شاباً في سنّ خمس وعشرين سنة أعلم بما كان بيني وبين أخي عزير أيّام شبابي منك، فمن أهل السماء أنت أم من أهل الأرض؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
71

58

مع حكام عصره

 "فقال عزير لأخيه عزرة: أنا عزير، سخط الله عليّ بقول قلته بعد أن اصطفاني وهداني، فأماتني مائة سنة، ثمّ بعثني لتزدادوا بذلك يقيناً أنّ الله على كلّ شيء قدير، وها هو حماري وطعامي وشرابي الذي خرجت به من عندكم، أعاده الله لي كما كان، فعندها أيقنوا، فأعاشه الله بينهم خمساً وعشرين سنة ثمّ قبضه الله وأخاه في يوم واحد. فنهض عالم النصارى عند ذلك قائماً، وقام النصارى على أرجلهم فقال لهم عالمهم: "جئتموني بأعلم منّي وأقعدتموه معكم حتّى يهتكني ويفضحني، وأعلم المسلمين أنّ لهم من أحاط بعلومنا وعنده ما ليس عندنا، لا والله لا أكلمكم من رأسي كلمة، ولا قعدت لكم إن عشت سنة. فتفرّقوا وأبي قاعد مكانه وأنا معه، ورفع ذلك في الخبر إلى هشام بن عبد الملك، فلمّا تفرّق الناس نهض أبي وانصرف إلى المنزل الذي كنّا فيه، فوافانا رسول هشام بالجائزة، وأمرنا أن ننصرف إلى المدينة من ساعتنا ولا نحتبس، لأنّ الناس ماجوا وخاضوا فيما جرى بين أبي وبين عالم النصارى".


في الطريق إلى المدينة:

"فركبنا دوابنا منصرفين، وقد سبقنا بريد من عند هشام إلى عامل مدين على طريقنا إلى المدينة: "إنّ ابني أبي تراب الساحرين محمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد الكذّابين- بل هو الكذّاب (لعنه الله)- فيما يظهران من الإسلام وردا عليّ، فلمّا صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسّيسين والرهبان من كفّار النصارى، وتقرّبا إليهم بالنصرانيّة، فكرهت أن أنكّل بهما لقرابتهما، فإذا قرأت كتابي 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
72

59

مع حكام عصره

 هذا فناد في الناس: برئت الذمّة ممّن يشاريهما، أو يبايعهما، أو يصافحهما، أو يسلّم عليهما، فإنّهما قد ارتدّا عن الإسلام، ورأى أمير المؤمنين أن تقتلهما ودوابهما وغلمانهما ومن معهما شرّ قتلة". 

 
"قال: فورد البريد إلى مدين، فلمّا شارفنا مدينة مدين قدّم أبي غلمانه ليرتادوا له منزلاً ويشتروا لدوابنا علفاً، ولنا طعاماً. 
 
"فلمّا قرب غلماننا من باب المدينة أغلقوا الباب في وجوهنا وشتمونا، وذكروا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليه)، وقالوا: لا نزول لكم عندنا، ولا شراء ولا بيع، يا كفّار، يا مشركين، يا مرتدّين، يا كذّابين، يا شرّ الخلائق أجمعين. فوقف غلماننا على الباب حتّى انتهينا إليهم، فكلّمهم أبي وليّن لهم القول، وقال لهم: اتقوا الله ولا تغلطوا، فلسنا كما بلغكم ولا نحن كما تقولون، فاسمعونا، فأجابوه بمثل ما أجابوا الغلمان، فقال لهم أبي: فهبنا كما تقولون، افتحوا لنا الباب، وشارونا وبايعونا كما تشارون وتبايعون اليهود والنصارى والمجوس.
 
"فقالوا: أنتم أشرّ من اليهود والنصارى والمجوس، لأنّ هؤلاء يؤدّون الجزية وأنتم ما تؤدّون. فقال لهم أبي: افتحوا لنا الباب وأنزلونا، وخذوا منّا الجزية كما تأخذون منهم. فقالوا: لا نفتح، ولا كرامة لكم حتّى تموتوا على ظهور دوابكم جياعاً نياعاً وتموت دوابكم تحتكم. فوعظهم أبي فازدادوا عتوّاً ونشوزاً. قال: فثنى أبي رجله عن سرجه ثمّ قال لي: مكانك- يا جعفر- لا تبرح. ثمّ صعد
 
 
 

1-لنائع: العطشان والمتمايل جوعاً.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
73

60

مع حكام عصره

  الجبل المطلّ على مدينة مدين، وأهل مدين ينظرون إليه ما يصنع، فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة وحده، ثمّ وضع إصبعيه في أذنيه ثمّ نادى بأعلى صوته: وإلى مدين أخاهم شعيباً- إلى قوله (عزَّ وجلَّ)- ﴿بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ نحن والله: بقيّة الله في أرضه. فأمر الله (تعالى) ريحاً سوداء مظلمة، فهبّت واحتملت صوت أبي فطرحته في أسماع الرجال والنساء والصبيان، فما بقي أحد من الرجال والنساء والصبيان إلّا صعد السطوح وأبي مشرف عليهم. وصعد فيمن صعد شيخ من أهل مدين كبير السن، فنظر إلى أبي على الجبل، فنادى بأعلى صوته: اتقوا الله يا أهل مدين، فإنّه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيبعليه السلام حين دعا على قومه، فإن أنتم لم تفتحوا له الباب ولم تنزلوه، جاءكم من الله العذاب وأتى عليكم، وقد أعذر من أنذر. ففزعوا وفتحوا الباب وأنزلونا. وكتب العامل بجميع ذلك إلى هشام فارتحلنا في اليوم الثاني، فكتب هشام إلى عامل مدين يأمره بأن يأخذ الشيخ فيطمره1، فأخذوه فطمروه (رحمة الله عليه).

 
"وكتب إلى عامل مدينة الرسول أن يحتال في سمّ أبي في طعام أو شراب.. "2.
 
 
 

1-لطمر: الدفن.
2-لطبريّ بن رستم: دلائل الإمامة ص 233 -241.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
74

61

الشهادة

 وقضى الإمام في مدينة جدّه صلى الله عليه وآله وسلم مسموماً شهيداً، قيل: دسّ إليه السمّ هشام بن عبد الملك1، وقيل: إبراهيم بن الوليد2، وقيل: إنّه مات مسموماً بسمّ دُسّ إليه في سرج، فركبه الإمام عليه السلام فنزل متورّماً.3

 
وكان الإمام يعلم بدنو أجله، فعن سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمّد عن أبيه أنّه قال: "قتل عليّ عليه السلام وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ومات عليّ بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأنا اليوم ابن ثمان وخمسين سنة"4.
 
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنّ أبي عليه السلام استودعني ما هناك، فلمّا حضرته الوفاة قال: ادع لي شهوداً فدعوت له أربعة من قريش، فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر فقال: اكتب، هذا ما أوصى به يعقوب بنيه ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، وأوصى محمّد بن عليّ إلى جعفر بن محمّد وأمره أن
 
 
 

1- المجلسيّ: بحار الأنوار ج 46 ص 217 عن الكفعميّ في المصباح.
2-  ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 210. قال السيّد محسن الأمين في المجالس السنيّة ج 5 هامش ص 455: لا يخفى أنّهعليه السلام توفّي في ملك هشام بن عبد الملك لا في ملك إبراهيم بن الوليد، إلّا أن يكون المراد أنّ إبراهيم سمّه في ملك هشام.
3- القطب الراونديّ: الخرائج والجرائح ج 2 ص 604.
4- الأربليّ: كشف الغمّة في معرفة الأئمّة ج 2 ص 332.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
77

62

الشهادة

 يكفّنه في برده الذي كان يصلّي فيه الجمعة، وأن يعمّمه بعمامته، وأن يربّع قبره، ويرفعه أربع أصابع، وأن يحلّ عنه أطماره عند دفنه، ثمّ قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت له: يا أبت- بعد ما انصرفوا- ما كان في هذا بأن تشهد عليه، فقال: يا بنيّ كرهت أن تغلب وأن يقال: إنّه لم يوص إليه، فأردت أن تكون لك الحجّة"1.

 
وعنه عليه السلام أيضاً قال: "كتب أبي في وصيّته أن أكفّنه في ثلاثة أثواب، أحدها رداء له حبرة كان يصلّي فيه يوم الجمعة وثوب آخر وقميص، فقلت لأبي: لم تكتب هذا؟ فقال: أخاف أن يغلبك الناس وإن قالوا: كفّنه في أربعة أو خمسة فلا تفعل، وعمّمني بعمامة، وليس تعدّ العمامة من الكفن، إنّما يعدّ ما يلفّ به الجسد"2.
 
وعنه عليه السلام أنّه قال: "كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه أبي محمّد بن عليّ، فأوصاني بأشياء في غسله وفى كفنه وفى دخوله قبره، قال: قلت: يا أبتاه والله ما رأيت منذ اشتكيت أحسن هيئة منك اليوم، وما رأيت عليك أثر الموت، قال: يا بنيّ أما سمعت عليّ بن الحسين عليه السلام ناداني من وراء الجدران: يا محمّد، تعال عجِّل"3.
 
وعنه عليه السلام أيضاً أنّه أتى أبا جعفر بليلة قبض وهو يناجي، فأومأ إليه بيده أن تأخّر، فتأخّر حتّى فرغ من المناجاة، ثمّ أتاه فقال: "يا بنيّ، إنّ هذه الليلة التي أقبض فيها، وهي الليلة التي قبض فيها
 
 
 

1- الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 307.
2- المصدر السابق ج 3 ص 144.
3- الصفّار: بصائر الدرجات ص 502.



 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
78

63

الشهادة

 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"، قال: "وحدّثني أنّ أباه عليّ بن الحسين أتاه بشراب في الليلة التي قبض فيها، وقال: اشرب هذا، فقال: يا بنيّ إنّ هذه الليلة التي وعدت أن أقبض فيها، فقبض فيها"1.

 
وروي أنّه لمّا قربت وفاته عليه السلام دعا بأبي عبد الله جعفر ابنه عليه السلام فقال: "إنّ هذه الليلة التي وعدت فيها، ثمّ سلّم إليه الاسم الأعظم ومواريث الأنبياء والسلاح"، وقال له: "يا أبا عبد الله، الله الله في الشيعة". فقال أبو عبد الله: "والله لا تركتهم يحتاجون إلى أحد"2
 
وفي رواية أنّه قال: "لمّا حضرت أبي عليه السلام الوفاة قال: يا جعفر أوصيك بأصحابي خيراً، قلت: جعلت فداك والله لأدعنّهم- والرجل منهم يكون في المصر- فلا يسأل أحداً"3.
 
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال لي أبي: يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادبٍ تندبني عشر سنين بمنى أيّام منى"4.
 
گله يبعد الروح يا باقي البقيّه        اتجلّد يبعد الروح واسمع هالوصية
من بعد عيني لازم اتنصبوا عزيّه    ونوحوا على العطشان ظامي ذابحينه
 
وأوصى أبو جعفرعليه السلام بثمانمائة درهم لمأتمه، وكان يرى ذلك
 
 
 

1- المصدر السابق ص 502.
2- المسعوديّ: إثبات الوصيّة ص 182.
3- الكلينيّ: الكافي ج 1 ص 306.
4-لمصدر السابق ج 5 ص 117.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
79

64

الشهادة

  من السُنّة، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "اتخذوا لآل جعفر طعاماً فقد شُغِلوا"1.

 
ثمّ إنّهعليه السلام، أدار وجهه في أهل بيته وقال: "حفظكم الله، سدّدكم الله، الله خليفتي عليكم وكفى به خليفة"، ثمّ صار يؤدّي الشهادتين، (أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله)، فغمّض عينيه، وقضى نحبه مسموماً..
 
وا إماماه واسيّداه وا باقراه
 
فأخذ في تجهيزه ولده الصادق عليه السلام، وصلّى عليه، ودفنه بالبقيع إلى جنب أبيه2.
 
عليه صاحت الوادم فرد صيحه    الصادق غسله او حطّه ابضريحه
بس جثة السبط ظلّت طريحه      او بالخيل الصدر منّه تهشّم
 
لَمْ يَبْقَ ثَاوٍ بِالعَرَاءِ كَجَدِّهِ           دَامٍ تُغَسِّلُهُ دِمَاءُ وَرِيدِ
قَدْ بُدِّدَتْ أَوْصالُهُ يا لَلْهُدَى         بِشَبَا الصِّفَاحِ أَيَّما تَبْدِيدِ
 
 
 
 

1- المصدر السابق ج 3 ص 217.
2- الهاشميّ السيّد عليّ بن الحسين: المطالب المهمّة ص 149.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
80

65

الشهادة

 الإمام الباقر عليه السلام ومصائب كربلاء:

 
روي عنه عليه السلام قوله: "قُتل جدّي الحسين عليه السلام ولي أربع سنين، وإنّي لأذكر مقتله وما نالنا في ذلك الوقت"1.
 
وكان عليه السلام يروي أحداث كربلاء ويحدّث الناس بها، فكان يقول عن قتل جدّه الحسين عليه السلام: "لقد قتل بالسيف، والسنان، وبالحجارة، وبالخشب، وبالعصا، ولقد أوطأوه الخيل بعد ذلك"2
 
ويقول: "أصيب الحسين بن عليّ عليه السلام ووجد به ثلاثمائة وبضع وعشرون طعنة برمح أو ضمْرة بسيف أو رمية بسهم"، فروي أنّها كانت كلّها في مقدّمه لأنّه عليه السلام كان لا يولّي3.
 
ركن الدين عالباقر تهدّم                لمّن سمّه هشام او مات بالسم
تحمّل من زغر عينه النوايب            او شاف ابكربله ابعينه المصايب
للشامات راح ويّه الغرايب             او من ذل اليسر كبده تولّم
ظل من عقب هظم الغاضريّه          مكظّم على الصبر من جور أميّه
 
 
 
 

1- اليعقوبيّ: تاريخ اليعقوبيّ ج 2 ص320.
2- المجلسيّ: بحار الأنوار ج 45 ص 91.
3- الصدوق: الأماليّ ص 228.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
81

66

الشهادة

 لمّن جرّعوه كاسات المنيّه           او كبده ذاب واتقطّع من السم

 
وعندما التقى بعقبة بن بشير الأسديّ قال له أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين عليهم السلام: "إنّ لنا فيكم يا بني أسد دماً"، قال: قلت: فما ذنبي أنا في ذلك رحمك الله يا أبا جعفر، وما ذلك؟ قال: "أُتي الحسين بصبيّ له فهو في حجره إذ رماه أحدكم يا بني أسد بسهم فذبحه، فتلقّى الحسين دمه فلمّا ملأ كفّيه صبّه في الأرض، ثمّ قال: ربّ إن تك حبست عنّا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين"1.
 
وكان يذكر دخوله الشام على يزيد، ويقول: "دخلنا على يزيد، ونحن اثنا عشر غلاماً مغلّلين في الحديد وعلينا قمص.."2.
 
ومشى ويّه الأطفال مقيِّدينه        يسير وينضرب لو بكت عينه
ينظر والده ويسمع ونينه          على الناقه وعليه يتراكم الهم
 
وهكذا بقيت أحداث كربلاء تتردّد في قلبه الزكيّ وعلى لسانه الشريف، فكان الشعراء يدخلون عليه لرثاء الحسين عليه السلام فيأذن لهم ويبكي لمصاب جدّه الحسين عليه السلام. 
 
 
 

1- الطبريّ: تاريخ الطبريّ، ج 3 ص 332.
2- ابن قتيبة الدينوريّ: الإمامة والسياسة ج 2 ص 12.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
82

67

الشهادة

 فعن الكميت بن أبي المستهلّ قال: دخلت على سيّدي أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام فقلت: يا ابن رسول الله إنّي قد قلت فيكم أبياتاً أفتأذن لي في إنشادها. فقال: "إنّها أيّام البيض". قلت: فهو فيكم خاصّة. قال: "هات"، فأنشأت أقول:


أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ وأَبْكَانِي           والدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ وأَلْوانِ
لِتِسْعَةٍ بِالطَّفِّ قَدْ غُودِرُوا          صَارُوا جِمِيعاً رَهْنَ أَكْفانِ

فبكى عليه السلام وبكى أبو عبد الله وسمعت جارية تبكي من وراء الخباء، فلمّا بلغت إلى قولي:

وَسِتَّةٌ لا سَحارَى بِهِمُ              بَنُو عَقيلٍ خَيْرُ فِتْيانِ
ثُمَّ عَلِيُّ الخَيْرِ مَوْلاكُمُ             ذِكْرُهُمْ هَيَّجَ أَحْزَانِي

فبكى ثمّ قال عليه السلام: "ما من رجل ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينيه ماء ولو قدر مثل جناح البعوضة إلّا بنى الله له بيتاً في الجنّة، وجعل ذلك حجاباً بينه وبين النّار"، فلمّا بلغت إلى قولي:

مَنْ كَانَ مَسْرُوراً بِمَا مَسَّكُمْ       أَوْ شَامِتاً يَوْماً مِنَ الآنِ
فَقَدْ ذُلِّلْتُمُ بَعْدَ عِزٍّ فَمَا              أَدْفَعُ ضَيْماً حِينَ يَغْشَانِي


أخذ بيدي وقال: "أللهم اغفر للكميت ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر"، فلمّا بلغت إلى قولي:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
83

68

الشهادة

 مَتَى يَقُومُ الحَقُّ فِيكُمْ مَتَى    يَقُومُ مَهْدِيُّكُمُ الثَانِي؟

 
قال: "سريعاً إن شاء الله سريعاً"، ثمّ قال: "يا أبا المستهلّ، إنّ قائمنا هو التاسع من ولد الحسين.."1.
 
 
 

1- الخزّاز القمّي: كفاية الأثر ص 248.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
84

69

الشهادة

 في زيارته عليه السلام:

 
روي عن أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ عليه السلام أنّه قال: "من زار جعفراً وأباه لم يشتك عينه، ولم يصبه سقم، ولم يمت مبتلى".
 
وعن زيد الشحّام قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما لمن زار أحداً منكم؟ قال: "كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"1.
 
ويزار عليه السلام بما ورد في زيارة أئمّة البقيع عليهم السلام:
 
"السلام عليكم أئمّة الهدى، السلام عليكم أهل التقوى، السلام عليكم الحجّة على أهل الدنيا، السلام عليكم القوّام في البريّة بالقسط، السلام عليكم أهل الصفوة، السلام عليكم أهل النجوى، أشهد أنّكم قد بلّغتم ونصحتم وصبرتم في ذات الله، وكُذّبتم وأُسيء إليكم فغفرتم، وأشهد أنّكم الأئمّة الراشدون المهديّون، وأنّ طاعتكم مفروضة، وأنّ قولكم الصدق، وأنّكم دعوتم فلم تجابوا وأمرتم فلم تطاعوا، وأنّكم دعائم الدين وأركان الأرض، ولم تزالوا بعين الله ينسخكم في أصلاب كلّ مطهّر، وينقلكم من أرحام المطهّرات، لم تدنّسكم الجاهليّة الجهلاء، ولم تشرك فيكم فتن الأهواء، طبتم وطاب منشأكم، منَّ بكم علينا ديّان الدين، فجعلكم في بيوت أذن الله
 
 
 

1-لطوسيّ 0: تهذيب الأحكام ج 6 ص 78 -79.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
85

70

الشهادة

 أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وجعل صلواتنا عليكم رحمة لنا، وكفّارة لذنوبنا، إذ اختاركم لنا، وطيّب خلقتنا بما منَّ به علينا من ولايتكم، فكنّا عنده مسمّين بعلمكم وبفضلكم، معترفين بتصديقنا إيّاكم، وهذا مقام من أسرف وأخطأ، واستكان وأقرّ بما جنى، ورجا بمقامه الخلاص، وأن يستنقذه بكم مستنقذ الهلكى من الردى. فكونوا لي شفعاء، فقد وفدت إليكم إذ رغب عنكم أهل الدنيا، واتخذوا آيات الله هزواً، واستكبروا عنها، يا من هو ذاكر لا يسهو، ودائم لا يلهو، ومحيط بكلّ شيء، لك المنّ بما وفّقتني، وعرّفتني بما ثبّتني عليه، إذ صدّ عنه عبادك، وجحدوا معرفتهم، واستخفّوا بحقّهم، ومالوا إلى سواهم، فكانت المنّة لك ومنك عليّ، مع أقوامٍ خصصتهم بما خصصتني به، فلك الحمد إذ كنت عندك في مقامي مذكوراً مكتوباً، ولا تحرمني ما رجوت ولا تخيّبني فيما دعوت".

 
وادع لنفسك بما أحببت ثمّ تصلّي ثمان ركعات إن شاء الله.
 
فإذا أردت الانصراف فقف على قبورهم وقل: "السلام عليكم أئمّة الهدى ورحمة الله وبركاته، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام، آمنّا بالله وبالرسول وبما جئتم به ودللتم عليه، أللهم فاكتبنا مع الشاهدين".
ثمّ ادع الله كثيراً واسأله أن لا يجعله آخر العهد من زيارتهم1.
 
 


1-المصدر السابق ص 79 - 80.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
86

71

خاتمة في المراثي

 رثاء السيد الصالح الشهير بالقزويني رحمه الله:


يا إِماماً آياتُهُ كَرَزايا                        هُ جِسَامٌ لا تَنْتَهِي بِعِدادِ 

وفَقِيداً أَجْرَى العُيُونَ وأَوْرَى                أَبَداً في القُلُوبِ قَدْحَ زِنادِ

ومُقِيماً لِلْعِلْمِ سُوقَ رَوَاجٍ                   بان عَنْهُ فَسُوقُهُ في كَسَادِ

عَجَباً لِلرَّدَى عَلَيْكَ تَعَدَّى                   بَعْدَ مَا كانَ مُلْقِيَ الانْقِيَادِ

عَجَباً لِلْبِحارِ فاضَتْ بِمَدٍّ                    بَعْدَمَا غاضَ دَائِمُ الإِمْدادِ

عَجَباً لِلرَّشادِ يَزْهُو وَقَدْ غُـ                 يِّبَ بَدْرُ الرَّشادِ في الأَلْحَادِ 

عَجَباً لِلْوَرَى وَقَدْ غِبْتَ عَنْها                لِلهُدَى تَهْتَدِي وَأَنْتَ الهادِي

عَجَباً لِلْبِلادِ بِعْدَكَ قَرَّتْ                     وَبِها انْهَدَّ شَامِخُ الأَطْوادِ

عَجَباً لِلصَّباحِ أَسْفَرَ لِمْ لا                    شُقَّ وَجْداً عَمُودُهُ بِسَوادِ؟

عَجَباً لِلْوُجُودِ بَعْدَكَ باقٍ                    وَلَهُ كُنْتَ عِلَّةَ الإِيجادِ

هَلْ دَرَى هاشِمٌ بِأَبْناهُ أَوْدَتْ                 بِحِمَى السُمِّ غِيلَةً والحِدادِ؟

أَمْ دَرَى أَحْمَدٌ تُذَادُ ذَرارِيـ                 هِ وَتُدْنَى مِنْهُ ذَرارِي المِدادِ

أَمْ دَرَى حَيْدَرٌ مِنَ الآلِ قادَتْ               آلُ مَرْوانَ كُلَّ صَعْبِ القِيادِ

أَمْ دَرَتْ فَاطِمٌ بِشَمْلِ بَنيِها                  بَعْدَ جَمْعٍ تَأْدَّى الأعَادِي بِدِادِ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
89

72

خاتمة في المراثي

 أَمْ دَرَى المُجْتَبى مُحَمَّدُ أَضْحَى              مِنْ هِشَامٍ مُشَرَّداً في البِلادِ

 
أَمْ دَرَى المُسْتَضامُ نالَ هِشَامٌ                 مِنْهُ ما لَمْ تَنَلْهُ آلُ زِيادِ
 
أَمْ دَرَى المُبْتَلَى العَلِيلُ بِما قا                 سَى ابْنُهُ مِنْ مَضَاضَةٍ واضْطِهادِ
 
أَمْ دَرَى الدِّينُ أَنَّ أَرْجاسَ مَرْوا               نَ أَمادُوا لِلدِّينِ كُلَّ عِمادِ
 
بِأَبِي مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ لِرُسْلِ                    اللهِ غَطُّ الأَكْبادِ لا الأَبْرادِ
 
بِأَبِي مَنْ عَلَيْهِ أَعْوَلَتِ الأَمْـ               لاكُ حُزْناً فَوْقَ الطِّباقِ الشِّدادِ
 
بَأَبِي مَنْ تَرَدَّتِ الشِّرْعَةُ البَيْـ              ضاءُ شَجْواً ثِيابَ الحِدادِ
 
بِأَبِي مَنْ عَلَيْهِ زَهْرُ المعَالِي                   أَذِنَتْ بِالخُمُودِ بَعْدَ اتِّقادِ
 
بِأَبِي مَنْ عَلَيْهِ أَقْلَعَ غَادِي                   المُزْنِ وَجْداً وَجَفَّ زَرْعُ الوادِي
 
بِأَبِي مَنْ بَكَتْ عَلَيْهِ بَنُو الآ                 مالِ مِنْ رائِحٍ إِلَيْها وغَادِي
 
بِأَبِي مَنْ يَداهُ رُغْماً غَدَتْ عَنْ               صَفَداتِ الإِلَهِ في الأَصْفادِ
 
مَنْ يُفِيدُ الوُفَّادَ رِفْداً وَقَدْ أَلْـ               وَيْتَ عَنْهُمْ وا خَيْبَةَ الوُفَّادِ
 
مِنْ عَوادِي الزَّمانِ كُنْتَ مُجِيراً             كَيْفَ جَارَتْ عَلَيْكَ مِنْهُ العَوادِي؟
 
كُنْتَ رَوْضاً مُوَرِّداً وخِضَمّاً                مُزْبِداً لِلرُّوَّادِ والوُرَّادِ
 
أَمْحَلَتْ بَعْدَكَ البِلادُ وكانَتْ                سُحْبُ (كَفَّيْكَ) خَصْبَ كُلِّ بِلادِ
 
لَمْ تَجُدْ بَعْدَكَ الغَوادِي بِقَطْرٍ                إِنمَّا مِنْكَ تَسْتَمِدُّ الغَوادِي
 
أَنْتَ كَهْفِي المَنِيعُ يَوْمَ التَّقاضِي             وإِمامِي الشَّفِيعُ يَوْمَ التَّنادِ
 
وعِصامِي الَّذِي إِلَيْهِ مَآلِي                   وعِمادِي الَّذِي عَلَيْهِ اعْتِمادِي1
 
 


1- الشاكريّ حسين: موسوعة المصطفى والعترة ج8،ص496.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
90

73

خاتمة في المراثي

 رثاء الشيخ حسين الدرّازيّ البحرانيّ:

 
سَأَقْضِي حَياتِي بِالكَآبَةِ والشَّجا                   عَلَى باقِرِ العِلْمِ الَّذِي لَيْسَ يُوجَدُ
 
لَهُ شَبَهٌ في العالَمِينَ وَقَدْ حَوَى                     فُنُونَ عُلُومِ اللهِ فَهْوَ المُوَحِّدُ
 
فَلَوْلاهُ ما قامَتْ لأَحْمَدَ رايَةٌ                      ولا كانَ مِنْ بَعْدِ الوَصِيِّينَ مُرْشِدُ
 
فيَا قاتَلَ اللهُ الغَوِيَّ الَّذِي سَعَى                    لَهُ بِسُمُومٍ فَهْوَ باغٍ ومُخْلِدُ
 
أَيُقْتَلُ نَفْسُ المُصْطَفَى وَوَصِيُّهُ                    ونَجْلُ حُسَيْنٍ وابْنُهُ ويُشَرَّدُوا 
 
ذَرارِيَ لِلزَّهْرا وتَيْتِيمُ شِيعَةٍ                      تَوَالَوْا بِهِمْ حَتَّى أُبِيدُوا وَبُدِّدُوا
 
فَذاكَ كِتابُ اللهِ يَبْكِي لِفَقْدِهِمْ                   وهَذَا رَسُولُ اللهِ حُزْناً يُعَدِّدُ
 
وتِلْكَ مَحارِيبُ المَساجِدِ قَدْ خَلَتْ               فلا عابِدٌ فِيها ولا مُتَهَجِّدُ
 
وتِلْكَ دُرُوسُ العِلْمِ أَمْسَتْ دَوارِساً              فلا حَكَمٌ فِيها ولا حُكْمَ يُمْهِدُ1
 
 
رثاء لبعضهم: 
لَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ آياتِهِمْ                            كَما أَظْهَرَ النُّورَ مِنْ شَمْسِها
 
وَأَحْيا مَعَالِمَ دِينِ الإِلَهِ                           وشَيَّدَها بَعْدَما أَسَّهَا
 
وقَوَّمَ أَعْلامَهُمْ في الوَرَى                        جِهاراً وَقَدْ كَانَ في نَكْسِها
 
فَوا لَهْفَتَا لإِمامٍ مَضَى                           وأَبْقَى مَرائِرَ في نَفْسِها
 
أَيُقْتَلُ خَيْرُ الوَرَى جَهْرَةً                         ويُصْبِحُ ذِي الدِّينِ في نَكْسِها
 
أَباقِرَ عِلْمِ النَّبِيِّ الَّذِي                            تَوالَى الخَلائِقُ مِنْ أُنْسِها
 
ومَنْ جَنَّها في قِفارٍ لهَا                           كذَاكَ المَلائِكُ في قُدْسِها
 
فيا دَمْعَتِي فاسْكُبِي دَمَّها                        ويا فَرْحَتِي فاذْهَبِي أَمْسِها
 
 
 

1- كتاب الوَفَيَات ج 2 ص 190.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
91

74

خاتمة في المراثي

 وعِيدُ الأَنامِ فَما مَرَّ بِي                          ولا مَالَتِ النَّفْسُ في عُرْسِها

 
ودَمْعِي مُراقٌ ونَوْمِي جَفَا                       جُفُونِي وَلا ذَاقَ مِنْ نَعْسِها1
 
 
رثاء لبعضهم أيضاً: 
 
بَنِي أُمَيَّةَ لاَ قَرَّتْ عُيُونُكُمُ                        بِمَا جَنَيْتُمْ عَلَى أَبْناءِ ياسِينِ
 
جَحَدْتُمُ لحُقُوقٍ أُوجِبَتْ لَهُمُ                     بِنَصِّ قُرْآنِهِ في آيِ تَبْيِينِ
 
حَسَدْتُمُوهُمْ عَلَى ما خَصَّهُمْ ودَعا               إليهم مِنْ وُلاةِ الأَمْرِ والدَّينِ
 
أَسْقَيْتُمُوهُمْ سُمُوماً بَعْدَما نَهِلَتْ                 في دَمِّهِمْ عَنْوَةً بَتْرَ الملاعِينِ
 
أَطْفَيْتُمُ لمصَابِيحِ الهُدَى فَغَدَتْ                    دَياجِيَ الكُفْرِ عَمَّتْ كُلَّ مِسْكِينِ
 
يا نَسْلَ مَرْوانَ ماذا قَدْ أَباحَ لَكُمْ                دَمَ الرِّسالَةِ يا نَسْلَ المَلاعِينِ
 
أَمْلَيْتُمُ الأَرْضَ مِنْ جارِي دِمَائِهِمُ                وقَدْ غَدَوْا بَيْنَ مَأْسُورٍ ومَسْجُونِ
 
فَما هِشامُكُمُ قَدْ عَفَّ مُذْ مَلَكَتْ                يَمِينُهُ عَنْهُمُ مِنْ بَعْدِ تَمْكِينِ
 
سَعَى لِقَتْلِهِمُ حَتَّى أَبَادَهُمُ                       عَنِ البَسِيطِ بِتَنْكِيلٍ وتَوْهِينِ
 
يا بَاقِرَ العِلْمِ قَدْ جَلَّتْ رَزِيَّتُكُمْ                   عَلَى القُلُوبِ فَما دَمْعِي بمَخْزُونِ
 
وَقَدْ تَنَسَّى لِهَاتِيكَ الخُطُوبِ وَقَدْ                دُكَّتْ مَعالِمُ دِينِ اللهِ في حِينِ
 
اللهُ يَجْبِرُ كَسْراً قَدْ أَصابَكُمُ                     بِالقائِمِ المُرْتَجَى بِالنَّصْرِ والعُونِ
 
 
 
 

1- المصدر السابق ص 196.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
92

75

خاتمة في المراثي

 رثاء الشيخ جعفر الهلاليّ:


عُجْ عَلَى طَيْبَةٍ وَحَيِّ الإِماما                      بَاقِرَ العِلْمِ مَنْ سَما إِعْظَاما

وابْكِهِ في "البَقِيعِ" مُنْهَدِمَ القَـ                    بْرِ وَقَدْ كانَ شامِخاً يَتَسامَى

غَادَرَتْهُ يَدُ الجُناةِ بِفِعْلِ الْحِـ                     قْـدِ فانْهَدَّ لِلصَّعِيدِ رِمَاما

لَمْ تُراقِبْ بِهِ النَّبِيَّ وَلَمْ تَحْـ                     فَظْ بِهِ حُرْمَةً لَهُ أَوْ ذِماما

لَيْتَ تِلْكَ الأَكُفُّ شُلَّتْ غَدَاةَ اسْـ              تَهْدَفَتْ مِنْ ذُرَى الكَمَالِ السَّناما

أَسَّسَتْها لَهُمْ أُمَيَّةُ أَضْغا                          ناً فَعَلُّوْا عَلَى الأَسَاسِ انْتِقاما

وأَنالُوا الإِمامَ ظُلْماً وعَسْفاً                      حِينَ جارُوا وأَوْسَعُوهُ اهْتِضاما

ولَقَدْ كانَ لِلْبَرِيَّةِ مَأْوىً                          ولِسُبْلِ الرَّشادِ بَدْراً تمَاما

فَلَكَمْ حَلَّ مُشْكِلاً كَانَ لَوْلا                     هُ حِجَى القَرْمِ عِنْدَهُ يَتَحامَى

فَحَدِيثُ النُّقُودِ حِينَ تَمادَى                     مَلِكُ الرُّومِ قَدْ حَباهُ اهْتِماما

وهِشَامٌ عَراهُ مِنْهُ ذُهولٌ                          حِينَ راحَتْ تَرْمِي السِّهامُ السِّهاما

واغْتَدَى عالِمُ النَّصارَى وَقَدْ نا                   ظَرَهُ كانَ قَدْ أَماطَ الظَّلاما

فتَحَاماهُ واغْتَدا بيعت اللَّوْ                        مَ لِأَتْباعِهِ هُناكَ وَقَاما

فَتَجَلَّى فَضْلُ الإِمامِ لأَهْلِ الـ                    شَّامِ كَالشَّمْسِ حِينَ تَجْلُو الظَّلاما

وَلَدَى «مَدْيَنٍ» وَقَدْ سَدَّ فَيها                     القَوْمُ أَبْوابَها لِيَقْطَعُوا الإِماما

وهُناكَ اعْتَراهُمُ مِنْهُ خَوْفٌ                       فانْثَنَوْا عَنْ عِنادِهِمْ إِحْجاما
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
93

76

خاتمة في المراثي

 وَمَضَى بَعْدَهَا لِطَيْبَةَ حَتَّى                        مَلَّهَا وَاسْتَقَرَّ فِيها لِمَاما

 
وغَدَا ابْنُ الوَلِيدِ يَنْتَظِرُ الفُرْ                       صَةَ حَتَّى أَحَلَّ فِيهِ الحِمَاما
 
دَسَّ سُمَّاً لَهُ نَقِيعاً فَأَوْدَى                        بِابْنِ طَهَ وَأَثْكَلَ الإِسْلاما
 
فَقَضَى مِنْهُ يا لَهُ مِنْ مُصابٍ                      أَوْرَثَ القَلْبَ لَوْعَةً وضِراما
 
فَنَعَتْهُ السَّماءُ والأَرْضُ شَجْواً                    وأَسالَتْ لَهُ الدُّمُوعُ سِجاما1
 
 
رثاء الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ: 
 
تَعْساً وبُؤْساً لِهِشَامِ الشُّومِ                       مِنْ هَتْكِهِ لِباقِرِ العُلُومِ
 
ومَهَّدَ السَّرْجَ لَهُ تَمْهِيدا                          حَتَّى قَضَى بِسُمِّهِ شَهِيدا
 
وَيْلٌ لِمَرْوانَ وماذا يَنْبَغِي                         مِنَ الطَّرِيدِ الوَزِغِ بْنِ الوَزْغِ؟
 
ومَنْبِتِ السُّوءِ وَأَصْلِ الشَّجَرَهْ                    خَبِيثَةٌ أَغْصَانُها وَالثَّمَرَهْ
 
مَنَابِتٌ خَبِيثَةٌ أَثْمارُها                             لَمْ يَبْقَ في الأَيَّامِ إِلَّا عارُها
 
أَثْمارُها الضَّلالُ والإِلْحَادُ                        والبَغْيُ والبَغا والفَسادُ
 
وكَمْ دَمٍ مُحَرَّمٍ أَراقُوا                            سالَتْ بِهِ الحِجازُ والعِراقُ!
 
سَلِيلُ مَنْ بِسَيْفِهِ أَقامَهُ                            يَعْرِفُ كُلُّ مُسْلِمٍ مَقَامَهُ
 
حَتَّى تَرائَى غَضَبُ الجَبَّارِ                        مِنْ وَجَناتِ مُهْجَةِ المُخْتارِ
 
سُحْقاً لِرَأْسِ الكُفْرِ والفَسادِ                      رَمَى إِمامَ الحَقِّ بِالإِلْحادِ2
 
 
 
 

1- الشاكريّ حسين: موسوعة المصطفى والعترة ج 8 ص 498.
2- الشاكريّ حسين: موسوعة المصطفى والعترة ج 8 ص 498.


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
94

77
باقر العلوم (شهادة الإمام محمد الباقر عليه السلام) سلسلة مجالس العترة