جوهرة هامون

جوهرة هامون


الناشر: دار المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2018-01

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للترجمة

مركز متخصص بنقل المعارف والمتون الإسلامية؛ الثقافية والتعليمية؛ باللغة العربية ومنها باللغات الأخرى؛ وفق معايير وحاجات منسجمة مع الرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة


إشارة
لم نجد أفضل من كلمات الإمام الخامنئي دام ظله تقديمًا لهذا الكتاب، إذ يقول: "إنّ ذكريات السنوات الثماني من الدفاع المقدس صارت ثروة وطنية عظيمة. وفي هذه الذكريات من الكثرة والتنوع والعمق والنطق ما يعجز أيّ لسان ناطق ولغة معبرة عن بيانها بأسرها وبكل أبعادها. ..فلقد مضى على الحرب ثلاثون عاماً تقريباً. واليوم حين يُؤلّف كتابٌ عنها، أنا العبد الحقير، رغم أني كنتُ حاضراً وشاهداً ومحيطاً بالكثير من الأمور، حين أقرأ ذلك الكتاب، أطّلع على مقدارٍعظيم وعالمٍ كبير من المسائل التي يطرحها بشأن الأشخاص والشخصيات والأقوال والحِكَم. وما نُقل عني ليس من كلامي، وإنما هو من كلام مقاتل همداني حيث قال: "إذا أردتَ اجتياز الأسلاك الشائكة، فعليك العبور أولاً من أسلاك نفسك الشائكة". نحن حينما نكون أسرى أنفسنا لا يمكننا إنجاز شيء. هذا ما علّمنا إياه هؤلاء المجاهدون.

.. إنّ أحد مصادر القوة الثقافية، هذا النبع الفياض لطاقات الدفاع المقدس. إذا استطعنا استثماره، ستقوى ثقافة البلد، وبهذا يتحقق الإنتاج الثقافي. ففي الحقل الثقافي، كما هو الأمر في المجال الاقتصادي، إذا لم ننتج حاجاتنا بأنفسنا سنضطر إلى الاستيراد من 
 
 
 
 
6

1

المقدمة

 الخارج.. يجب ترويج الكتاب والمفاهيم، وعرضها في قالب الفنّ أيضًا، وإدراج أفضلها في الكتب الدراسية، وتخصيص محاور في مناهج الجامعات حول قضايا الدفاع المقدس. فلا نسمح بأن تضيع هذه القضية بكل سهولة". (كلمته في لقاء القائمين على "راهيان نور" 6/3/2017)


يعرّف الحاج قاسم سليماني رفيق دربه "مير حسيني" فيقول: "كان كبير فرقة "ثار الله 41"، وهو الشخص الذي ما زلتُ لحدّ الآن أشعر بغيابه في كلّ مهمّةٍ،.. لقد كان صاحب روحٍ عظيمة، كان بمنزلة مالك الأشتر بكلّ ما للكلمة من معنًى. .. كان قائدًا بكلّ أبعاد القائد الإسلامي وفق التعريف الأصيل لأمير المؤمنين عليه السلام.. كل من كان يستمع إلى تلاوته القرآنيّة العذبة يصاب بالذهول. كان خطيبًا، وإذا شرع بالكلام، كان ــ بحسب تعبير الشباب ــ يسحرُ القلوب. وكانت كلّ كلماته مصحوبةً بشواهد الآيات والروايات.

.. أما في البعد القيادي، فلقد كان صاحب الرأي الأكثر صوابيّةً في الجلسات بشكلٍ دائم..

..أُشهدُ الله إنّني لم أشاهد في وجه الشهيد مير حسيني أيّ نوع من الخوف، وفي أصعب الظروف.. كان هذا الشهيد العظيم يقفُ ثابت القدم، وكنا جميعًا نُذهل من تحرّكاته.. كان يعبّئ الشباب ويحرّكهم ويمازحهم في تلك اللحظات الحسّاسة.

.. لم أشاهده يومًا يترك نافلة الليل، كما إنّني لم أشاهده ينهي نافلة ليلٍ من دون بكاء، والله شاهدٌ، أنّنا كنا نستيقظ على بكاء هذا الشهيد العظيم،.. كان عالَمًا لا حدّ له من العرفان.

..أقسم بالله إنّ مجيء مير حسيني عند اشتداد وتعقّد وضع 
 
 
 
 
7

2

المقدمة

 الجبهة، كان كمجيء فرقة بأكملها، .. كان الشهيد مير حسيني أوّل من يتقدّم وآخر من يرجع.


إنّني لم أشاهد الشهيد في أيّ وقتٍ يتحدّث عن نفسه أنّه منقذ العمليّات الفلانيّة وو.. لقد كان جنديًّا مجهولًا". (قاسم سليماني - ذكريات وخواطر، ص 71-72)

في هذا الكتاب، سعى أحمد دهقان بأسلوبه الروائي الجديد إلى الكشف عن واحدة من الشخصيات التي أوجدت تحولات في الجبهات، وثروة من الثروات الثقافية التي تحدّث عنها الإمام الخامنئي..

في رحلة تعرّفِه إلى "ميرحسيني"، وبأسلوبه الشيّق، يأخذنا الكاتب - في زمانه الحاضر- على أجنحة ذكريات مفعمة بالحياة ناضِحة بآيات الصدق، مقتفيًا آثار "جوهرة" مكنونة، فيعرّج على ذاكرة الأصحاب ويرتشف من عبق مرويات خُطّت بأقلام وصفتْ بعضاً من تضحيات عالم الشهداء وجميل ما رأوا وجمال ما صنعوا..

يسر مركز المعارف للترجمة أن يقدم هذا الإصدار الجديد "جوهرة هامون" في سلسلة سادة القافلة التي تصدر تباعًا، ضمن مجموعة أدب الجبهة، ولا يسعنا إلا أن نشكر كل من ساهم في هذا العمل لا سيما:

المترجمة: إيمان صالح،. المحرّرة: حنان الساحلي،. المصحح اللغوي: عدنان حمود،. المخرج الفنّي: علي عليق.

وكذلك الشكرُ موصول للإخوة في دار المعارف الإسلامية الثقافية الذين نشروا الكتاب.

مركز المعارف للتّرجمة
 
 
 
 
8

3

المقدمة

 بسم الله الرحمن الرحيم


﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

آل عمران 170

مقدّمة الكتاب
نحمد الله الذي وفّقنا لنخطّ على صدر هذه الصفحات البيضاء كلماتٍ نُسجت بغزْلِ العاطفة والمشاعر الرقيقة، لتظهر أصالةً وبراءةً، أشبه بقداسة النور والغيث وكرامات الأئمة عليهم السلام.

صحيح أنّ المجال لا يتّسع لأداء حق أولئك الذين عرجوا إلى فلك الأفلاك، ممتطين صهوة الشهادة القانية، لكنه شرّع لنا كوّة نطلّ منها على المعرفة الوارفة التي غَرَست في أذهاننا معاني ومفاهيم العزّة والعظمة لثلّة من رجال الله الأخيار.

وقد اجتمعنا في أكثر مراحل التاريخ جلالة، أي عصر الثورة الإسلامية، لنكرّم ذكرى رجالٍ أطهار ٍتناثرت أكمامهم لتتفتح أكمة أخرى، وقد ازدانت حياتهم، بل ومماتهم بالصلابة والإعجاز الواهب للحياة. ولا عجب إن لمسنا هذا الكمال والفخر والكبرياء والإعجاز في شخصِ قائدهم - الذي بفضل أنفاسه القدسية ونهضته الإلهية - كُتب 
 
 
 
 
10

4

المقدمة

 لهذه الأمة البقاء والاستمرار. وقائدٌ كالخميني الذي هو بحقٍّ روح الله، يتطلب موالين كهؤلاء هم رهن إشارته، يتنافسون على مسرح العشق في نثر جواهر أرواحهم، ويصلون إلى أعمق وأجمل المفاهيم الإنسانية والإلهية في سوح مقارعة الحق للباطل، وكأنّ مشهدًا أقدسَ وأعمقَ وفاءً لأصحاب الإمام الحسين عليه السلام، يتكرّر في زماننا وأرضنا!


إنّ الذكرى الندية لهؤلاء المتواضعين الذين التحقوا بالملأ الأعلى والذين عبقتْ حياتهم بالفخر والحيوية، قد أسّست لانعقاد هذا المؤتمر التكريمي لشهداء الحرس الثوري و8000 من شهداء محافظتي كرمان، وسيستان وبلوتشستان، وما هو إلا فسحة للوفاء ببعض دَينٍ في رقابنا لأولئك الأشاوس الشامخين في تاريخ الإسلام، ولا شك أنّنا عاجزون عن الإيفاء بذلك في خضمّ هذه اللجج المتلاطمة.

لا يسعنا هنا سوى أن نتوجه بالشكر لكل من ساهم بنحو في كتابة وتأليف ونشر كتب ومذكرات شهدائنا العظام، خاصة مؤلف هذا الكتاب وكل من ساهم في نشره وتوزيعه.

أتمنى أن تتبع هذه الخطوة خطوات أوسع وأكمل، في هذا الطريق المحفوف بالمشاق، لتكريم شهدائنا. وحقًا، نبقى قاصرين عن تحقيق ذلك مهما حاولنا.

وفي النهاية، أهدي سلامي وإخلاصي لقائد ثورتنا المبجّل الحامي الأكبر لقيمنا.

قائد فرقة "ثار الله 41" والأمين العام للمؤتمر
سردار قاسم سليماني
 
 
 
 
11

5

الدرس الأول

 تمهيد

"أقيموا العدالة، لا تطالبوا الآخرين فقط بإقامة العدالة، أقيموا العدالة على أنفسكم أيضاً"1.

يحتل الحديث عن خط الإمام الخميني قدس سره2 من الأهمية مكانةً كبيرة. لأن خط الإمام الخميني قدس سره يمثل التجربة الفريدة المعاصرة لثورة تميزت عن سائر الثورات، ثورة ما زالت تتناولها الأبحاث والتحليلات، لما فيها من مزايا وخصائص تختلف عن سائر الثورات التي شهدها العالم.

وسنتحدث في الدرس الأول عن الميزات التي امتازت بها هذه الثورة المباركة والتي انطلقت بخلفية ما اصطلح على تسميته بخط الإمام الخميني قدس سره3.

الارتباط بالخط الخميني
تنطلق الكثير من الحركات التحررية متأثرة بالخط الخميني كأفق أساسي للتحرك على ضوئه في العمل السياسي والاجتماعي، وهذا الإرتباط يمكن لنا أن نصوره من خلال نوعين من العلاقة بهذا الخط:
 

1- الكلمات القصار للإمام الخميني قدس سره - الفصل الرابع - العدالة الاجتماعية، ص295.
2- ظهر مصطلح "خط الإمام" لأول مرة عند احتلال السفارة الأمريكية، من قبل الطلبة المسلمين، الذين سموا أنفسهم بـ "الطلبة السائرين على خط الإمام" ومنذ هذا التاريخ دخل هذا المصطلح في قاموس الثورة، إلاّ أن مضمون خط الإمام، والمحتوى السياسي والفكري لهذا المصطلح كان موجوداً في عمق الثورة، قبل ذلك بزمان بعيد. (خط الإمام - الشيخ الآصفي - المقدم).
3- هذا الدرس استفيد فيه من كتاب خط الإمام للشيخ محمد مهدي الآصفي.
 
 
 
13

6

الدرس الأول

 1- الارتباط العاطفي:

الارتباط العاطفي، هو انشداد المؤمن إلى الصراط المستقيم، من خلال الأجواء العاطفية التي تشده إلى خط الأنبياء، والأئمة عليهم السلام، وصراط الصالحين من عباد الله، والمجاهدين العاملين. 

وهذه الأجواء لا شك أنها ذات آثار إيجابية، في بناء شخصية الإنسان المؤمن والتحاقه بالخط.

فالاحتفالات بمناسبات أهل البيت عليهم السلام والمناسبات الإسلامية التي تخص شخصيات إسلامية، من العوامل الإيجابية المفيدة، في انشداد الإنسان المؤمن إلى هذه القافلة المباركة، من العاملين في سبيل الله السائرين على صراط الله المستقيم.

وكذلك زيارات مراقد أهل البيت عليهم السلام والأنبياء، والأولياء، والعلماء، والمجاهدين تُعدّ من العوامل المهمة في الانشداد إلى هذا الخط، والصراط العميق في التاريخ، الذي ينتظم عليه كل خطى العاملين المخلصين، والأتقياء الأبرار.

فالارتباط العاطفي بهذه المظاهر الإسلامية والتظاهرات الدينية يولد حالة من الجذب القوي لهذا الخط الذي أرساه هذا الإمام المقدس، والذي أظهر للعلن كل هذه المظاهر الشرعية، كما أن للتطبيق العملي للشريعة الإسلامية حصة كبرى في جذب القلوب الوالهة لرؤية الإسلام بأحكامه مطبقاً في ميادين الحياة.

فهذا النوع من الارتباط العاطفي مطلوب لتأجيج الحماسة في النفوس لتطبيق الإسلام والسعي لرفع لوائه، إلا أنه من دون نوع آخر من الارتباط يظل ناقصاً وتنقصه الخلفية التي تجعله متماسكا أكثر.

2- الارتباط الواعي:
وإلى جانب الارتباط العاطفي بالخط، هناك نوع آخر من الارتباط، وهو الارتباط الواعي بالخط. ويتلخص في فهم الخط وإدراكه بصورة واعية وعقلانية. 

وهذا اللون من الارتباط يحتاج إلى عمل فكري تثقيفي، وجهد علمي، من قبل المبلغين العاملين في سبيل الله، لتقديم خط الثورة الإسلامية بصورة علمية ومقبولة.
 
 
 
 
14

7

الدرس الأول

 إلى الجيل الجديد مقابل الخطوط والأفكار الأخرى المطروحة. 


ويتكفل الإرتباط الواعي بفكر الإمام الخميني قدس سره بإيجاد الخلفية العقائدية والعلمية في النفوس مما يعزز الجهود الرامية للسير على نهج هذا الخط المبارك.

المعالم العامة
سنتحدث في هذه الفقرة عن خمسة أمور هامة يتميز بها الخط المبارك لإمامنا الخميني قدس سره، وهي في الحقيقة أعمدة راسخة ثابتة في وجدان أتباع هذا الخط المبارك:
1- الارتباط بالله تعالى:
من أركان هذا الخط وميزاته وخصائصه "الربانية" الارتباط بالله سبحانه وتعالى، ارتباطاً وثيقاً قائماً على أساس العبودية الحقيقية لله تعالى، والإخلاص له، والاتكال عليه تعالى، في كل الحالات، وهذا هو قوام الخط وأساسه الأول، ومن دونه لا يبقى لهذا الخط شكل ولا محتوى. والتركيز على هذا الجانب هو المهمة الأولى لكل الأنبياء والأئمة عليهم السلام، والدعاة إلى الله تعالى، فإن الدعوة إلى الله، وتوحيده بالعبودية هي الحجر الأساس في رسالة الأنبياء عليهم السلام يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ1.

يقول الإمام الخميني قدس سره:
"وإن الذي نهضتم من أجله أنتم أيها الشعب النبيل المجاهد، هو أعلى وأسمى وأثمن هدف ومقصد طرح ويطرح منذ بدء العالم في الأزل وحتى نهاية العالم إلى الأبد. إنه المدرسة الإلهية بمعناها الواسع، وعقيدة التوحيد بأبعادها السامية. إنه أساس الخلق وغايته في كل آفاق الوجود"2.
 

1- سورة فصلت، الآية 33.
2- الجهاد الأكبر، الإمام الخميني قدس سره، المقدّمة.
 
 
 
15

8

الدرس الأول

 2- الامتداد لنهج الأنبياء والأئمة عليهم السلام:

ومن خصائص هذا الخط، أن الجذور الأولى لهذا الخط تمتد إلى رسالة الأنبياء والأئمة عليهم السلام، فليس هذا الخط خطاً مبتوراً، اجتث من فوق الأرض، ما له من قرار، وإنما هو في أبعاده التاريخية خط الأنبياء والمجاهدين والدعاة إلى الله تعالى والأئمة عليهم السلام وهو بذلك خط عريق، أصيل، ذو أصول ثابتة، والإحساس بهذه الحقيقة، يعمّق صلة الناس العاطفية والعقلية بهذا الخط.

يقول الإمام الخميني قدس سره:
"وهذا الهدف متجلّ في المدرسة المحمدية - على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام - بكل المعاني والدرجات والأبعاد. وإن كل مساعي الأنبياء العظام والأولياء الكرام عليهم السلام انصبت على تحقيق هذا الهدف، وبدونه لا يتيسر السبيل إلى الكمال المطلق ولا إلى الجلال والجمال اللامتناهيين.

إنه هو الذي يجعل "الأرضيين" أشرف من "الملكوتيين"، وما يناله الأرضيون من الاتجاه نحوه، لا تناله الموجودات الأخرى في كل أرجاء الخليقة ما خفي منها وما ظهر"1.

3- خط الجهاد العملي:
إن هذا الخط ليس خطاً سياسياً، وجهادياً نظرياً، تبلور من خلال تنظيرات علمية ودراسات سياسية أكاديمية فقط، وإنما تبلورت أبعاد هذا الخط السياسية والجهادية من خلال ركام من جهاد وجهود العاملين وأتباعهم، وتحركهم، وسهرهم، ودمائهم ودموعهم، ومتاعبهم خلال طريق ذات الشوكة ومن خلال عذابهم، وسجونهم، وهجرتهم، وفرارهم، وقرارهم، خلال هذه الفترة المباركة من عمر المسلمين. 

وهذه الجهود والمجاهدات هي غطاء لخط الإمام، وليس مجرد مجموعة نظريات ودراسات أكاديمية، وهو غطاء مبارك يبعث على الاطمئنان والأمن.
 

1- الجهاد الأكبر، الإمام الخميني، المقدمة.
 
 
 
16

9

الدرس الأول

 فإن الإنسان العامل، عندما يضع خطاه على هذا الخط المبارك يعلم أنه يضع خطاه على طريق شقّته أمة كبيرة من المجاهدين والعاملين في سبيل الله من خلال تجاربهم وآلامهم وعذابهم، وعملهم، وتحركهم، وجهادهم، وما رزقهم الله من نور وبصيرة خلال هذه الحركة المباركة.


4- خط ولاية الفقيه:
ومن ميزات وخصائص هذا الخط "ولاية الفقيه"، والتأكيد على ارتباط الحاكمية بالفقيه، في عصر غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وبذلك تتكامل حلقات سلسلة الحاكمية والولاية في حياة الإنسان، فإن الله تعالى هو مصدر الحاكمية والولاية وقد أولى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحق في حياة الناس: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾1. ويتسلسل الحكم والولاية من أئمة المسلمين عليهم السلام، وفي عصر الغيبة تستقر هذه الولاية بصورة شرعية في الفقيه الجامع للشرائط ، الذي يلي أمور المسلمين ويتصدى لشؤونهم.

5- الثبات على المبادئ السياسية:
من المعالم المتميزة في خط الإمام الثبات السياسي، الصامد على مواقفه المبدئية، تجاه كل القضايا السياسية، فلم يحدث مثلاً تغيير في موقف الثورة بعد الحكم تجاه القضية الفلسطينية، أو تجاه رفض الانتماء إلى الشرق أو الغرب.

وهذه من خصائص خط الإمام البارزة، وإذا وضعنا هذه الخصيصة السياسية، بإزاء المواقف الانتهازية لكثير من الأحزاب والفئات والدول، نعرف عمق مبدئية خط الإمام، والسائرين على هديه.
 

1- سورة الأحزاب، الآية 6.
 
 
 
17

10

الفصل الثاني

 قبيل المغيب لا تزال الحافلة تشقّ بأنينها "المتمغّط" المتواصل قلب الصحراء. بدا الضباب وكأنه يلفّ الأجواء، والرياح الساخنة تخترق شقوق النوافذ فتبتلّ ظهورنا بالعرق. خارج النوافذ، رياح عاصفة تذري الغبار والأتربة الناعمة في السماء فيذكرنا بالضباب.


قطعنا مسافة 100 كلم أو أكثر، مسير يوم كاملٍ. وأشعر الآن كمن تعرّض للضرب من قِبَل ألف رجلٍ سيستاني من أولئك الرجال الذين قرأت عنهم في الأساطير وحكايات العهود الغابرة، فكل خلايا جسمي تؤلمني. وها هي الحافلة مليئة بأنواع البشر وهم يرتدون الملابس السيستانية التقليدية والمناديل على رؤوسهم معقودة. من حسنات هذه الرحلة الطويلة، أنّ لديّ الوقت الكافي لأسأل عن المكان الذي أقصده أين وكيف هو؟ يلتفت الرجل الجالس في المقعد أمامي ويقول: "سنصل قريبًا".

كنت أهرب إلى الخارج من العالم المجهول الذي أقترب منه، ألجأ إلى الخارج، أصغي إلى زمزمات الرياح وأخرج من جيبي صورة مَن لأجله قطعتُ هذه المسافات، فأتأمّلها بدقة. الجموع ذاتها والرجل القصير القامة والنحيل ذاته!
 
 
 
 
27

11

الفصل الثاني

 أنظر من النافذة إلى حيث يمتد البصر، سهول جرداء منبسطة وصحراء لا نهاية لها. يلتفت الجالس في المقعد أمامي ثانية ويقول:

- دعني أخبرك أن سيستان ليست ما تراه الآن، بل هي خضراء خصبة، يعمل أهلها في الزراعة وتربية الماشية، حتى إنّ والدَ من جئتَ لأجله مزارعٌ، وسوف أخبركَ أين يجب أن تنزل من الحافلة.

يقصد والد مير حسيني طبعًا. ينظر إلى الصورة فأحملها بطريقة تسهل عليه الرؤية. يبتسم فأسأله من دون أيّ مقدمات:
- لم تخبرني كيف تعرفت إليه؟

وكأنما سألت سؤالًا في غير محله، اختفت البسمة عن شفتيه وقال:
- لم أدّعِ أنني أعرفه، لكنني سمعت عن صيته، كما إنّهم رفعوا صورته على رأس جادة "جزنيك"، سأريك إياها عندما نصل.

نصل إلى منطقة ذات ربوات، فراحتْ الحافلة تلتفّ حولها لنستوي بعدها على سهل أخضر. كأنني في حلم وقد قُذف بي من عالم إلى عالم آخر. شتان ما بين هذا المكان وذاك الذي خلّفناه وراء تلك الكثبان!

سهول خضراء على امتداد البصر، مزارع القمح والشعير والبرسيم، قد أنهوا حصاد بعض المحاصيل. بين خيوط الضوء المضمحلة أستطيعُ رؤية رجالٍ ونساءٍ يسوقون أمامهم قطعان الغنم والماعز، وبيوتٍ تتوزّع هنا وهناك بسقوفٍ مقبّبةٍ يتصاعد
 
 
 
 
28

12

الفصل الثاني

 دخان كثيف من مداخن بعضها.


تتغلغل من شقوق النوافذ رائحة سنابل الشعير، وينتشر غبار القمح الذهبي في الأجواء. حقيقةً، لم أكن أتوقّع هذا، لقد كانت سيستان مختلفة تمامًا عن تصوّراتي الذهنيّة.

يلتفتُ الجالس في المقدّمة ويقول: "عليك أن تنزل هناك"، ثم يشير بيده إلى نقطة قريبة. أنهض من مكاني بسرعة وأقول بصوت عال: "أريد النزول عند رأس جادة جزنيك".

أودّع القريبين من مقعدي وأتّجه إلى مقدمة الحافلة. وشيئًا فشيئًا، تظهر معالمُ لوحةٍ كبيرة، حيث أرى ملامحَ وجه "مير حسيني" بوضوح. تتوقّف الحافلة أمام اللوحة فأنزلُ منها ويناولني مساعد السائق أغراضي من صندوقها الجانبي. ها قد وصلت إلى "سيستان"!

أقفُ إلى جانب الجادة حيث تمرّ سيارة تويوتا بيك أب فأشير بيدي إلى المكان الذي أقصده وأركب. احترامًا لاسم ذلك الشاب السيستاني البهيّ الطلعة، يوصلني السائق إلى باب الدار.

أترجّلُ من السيارة وأقرع الباب. أغادر سيارة البيك أب بينما أحدّق بالغبار الذي أثارته خلفها. يُفتح الباب، وظهر رجل عجوز أبيضَ الشعر يذكّرني من دون إرادة مني بـ"زال"1.

أعرف أنّهم على علم مسبق بمجيئي. أعرّفه عن نفسي ويقول: "أنا والد مير قاسم، الحاج مراد علي".
 

1- والد رستم، بطل أسطوري في الشاهنامة، و"زال" تعني الشعر الشديد البياض أيضًا.
 
 
 
29

13

الفصل الثاني

 يضمّني العجوز إليه وندخل معًا. يستقبلني خوار بقرة في زاوية الفناء نمرّ بالقرب منها، كما أرى سيدةً عجوزًا أمام الإيوان.


كثيرًا ما قرأت عن تشبيه الظهر المحدودب بالقوس، لكن لو أردنا الإنصاف في الوصف لقلنا إنّ ظهر هذه السيدة كان شديد الانحناء كقوس شُدّ إلى أقصاه تمهيدًا لانطلاق السهم، إنّها والدة مير قاسم. ندخل الدار حيث حضر الجميع، إخوةُ وأخواتُ مير قاسم. نجلس ونتناول الضيافة. نتحدّث أوّلًا عن الرحلة الطويلة والتعب، ثم تعود بوصلة الحديث إليه. يبدأ أخوه الأكبر مير عباس الكلام:
لطالما امتزج اسم سيستان بالبطولة والشجاعة التي اتصف بها أجدادنا إضافة إلى التديّن. عندما أمر بعض خلفاء الأمويّين سبّ الإمام علي عليه السلام لم يرضخ السيستانيّون للأمر. كما جاء في بحار الأنوار أنّ الطائفتين الوحيدتين اللتين لم ترتدّا عن ولاية الإمام علي عليه السلام، هما أهل المدينة وأهل سيستان. ورغم كل التهديد والوعيد الذي مارسه الخلفاء حتى وصل بهم الأمر إلى حلق رؤوس النساء، لم يفلحوا بجعلهم يسيئون الكلام عن الإمام عليه السلام.

في ذلك الزمن، هاجر 7 إخوة وابن عمٍّ لهم من الحجاز إلى إيران وانتشروا فيها. بقي واحد منهم في بلوتشستان، وعاش آخر في قائنات، وآخر في شيراز وواحد في يزد، وتوجّه اثنان إلى أفغانستان بينما جاء اثنان آخران إلى سيستان، وطائفتنا هي من نسل أحدهم. عندما جاء وكلاء النفوس إلى سيستان من أجل إصدار بطاقات الهوية للمرة الأولى،
 
 
 
 
30

14

الفصل الثاني

 كانوا يدوّنون اسم العائلة التي يذكرها الشخص. على سبيل المثال أحدهم قال: "نحن من طائفة مير، ونعيش في ناحية بلدة ناروئي (شهرك ناروئي)1. ومن هنا جاء اسم عائلة أحد فروع طائفتنا "مير شهركي"، وفرع آخر يُعرف باسم "مير" ونحن "مير حسيني".


ما زال الناس هنا يحملون كثيرًا من الذكريات عن والدي الحاج "مراد علي". لقد تعرّض للاعتداء خلال انشغاله بأعمال الزراعة الصيفية في المراعي، لكنه قاومهم ولم يخضع لهم، ويحكي كبار السنّ أنه تعارك مع 7 أشخاص وحده وهزمهم. لم يكن له ندّ في المنطقة من حيث سرعة المناورة وقوة الساعدين. وقد أخبرنا أنه قطع عهدًا على نفسه في مقام "أبو الفضل العباس"2، في حيّنا أن لا يسعى طوال حياته في طلب المال أو أن يظلم أحدًا. وهذا ما يوصينا به على الدوام، حتى أثناء رعي الغنم عندما يدخل خروف ما أرض أحدهم، كان يذبح الخروف ويوزّعه أضحية. وما من شيء أهم عنده من عشق أهل البيت عليه السلام.

كان "مير قاسم" آخر العنقود وطفل العائلة المدلّل. في الصف الأول الأساسي لم يرغب بالذهاب إلى المدرسة والابتعاد عن والدَيْنا. كنتُ حينها في الصف الخامس الأساسي وأخي مير حسن في الصف الرابع، كان علينا أن نقطع مسافة 2 كلم تقريبًا، المسافة الفاصلة بين قريتنا "صفدر مير بيك" والمدرسة. كنّا طوال العام الدراسي نتناوب على حمل "مير قاسم" وحمل كتبه إلى المدرسة. أما في المدرسة، فكان إما يأتي إلى صفي أو إلى صف "مير حسن"، وقد نسّقنا الأمر مع الناظر كي لا
 
 

1- شهرك: بلدة صغيرة.
2- المقام أو المنزل الذي عرف بمقام حيث نزل فيه أبو الفضل العباس.
 
 
 
31

15

الفصل الثاني

 يعترض أحدٌ على ذلك. كان هذا دأبنا طوال العام، وحدث في بعض الأحيان أن ساعدنا رفاقنا على ذلك. لكن في الصف الثاني الأساسي، أظهر تفوّقًا وأصبح التلميذ الأول في الصف وعُيّن عريفًا عليه. في المرحلة الثانوية، انتقلنا نحن الثلاثة إلى المدينة لمتابعة الدراسة، واستأجرنا منزلًا هناك لهذا الغرض. فكنا ندرس طوال تسعة أشهر ونساعد والدنا في أعمال الزراعة في الأشهر الثلاثة المتبقيّة.


عملتْ والدتي، منذ صغرنا، على زرع العقائد الدينية فينا، رغم أنها لم تكن تمتلك من العلوم شيئًا غير ما تلقّته في صفوف القرآن. كانت تعلّمنا الأدعية والأدعية اليومية. كما اهتمّ والدي بتعليمنا الصلاة في أوقاتها، وأدّت تلك التربية لأن ينادي الجميع "مير قاسم"، خلال دراستنا في "زابل"، بـ"شيخك" أي الشيخ الصغير، إذ إنّه كان يرتدي العباءة ويصلي وهو في تلك السنّ.

أصبح مير قاسم في عام 1979م عضوًا فخريًا في حرس الثورة، والتحق في عام 1981م بالجبهة، وأول عملية شارك بها، كانت عملية "بيت المقدس"، آنذاك كنت في الجبهة وعندما عدت أخبروني أنه قد شارك فيها، وبسبب ما شهدتُه من قساوة في الحرب من جهة، ومحبتي وتعلّقي بمير قاسم من جهة أخرى، تمنيت لو أنني ذهبت وعدت إلى الجبهة ألف مرة على أن يذهب هو.

بعد أخيه الأكبر مير عباس، تتصدّى أخته السيدة معصومة مير حسيني، للكلام:
عندما بلغتُ سنّ الدخول إلى المدرسة ولم يكن في قريتنا مدرسة ابتدائية، أرسلني والدي إلى قرية جزنيك. بقيت أسبوعًا كاملًا في
 
 
 
 
32

16

الفصل الثاني

 منزل عمي وعدتُ عصر الخميس إلى منزلنا في قرية "صفدر مير بيك". لقد اشتقت للجميع خاصة لمير قاسم. ما إن اقتربت من المنزل حتى ركض مير قاسم نحوي، وكان يصغرني كثيرًا، عانقته وفرح كثيرًا، ثم حملته على أكتافي ودخلنا المنزل معًا.


تركت المدرسة بعدها إذ لم أتحمّل البعد عن العائلة وعن مير قاسم بالخصوص. وبعد سنوات، ذهبت إلى الكتّاب لتعلّم القرآن، كان مير قاسم في 12 من العمر حينها. قلت لوالدي: "ما الفائدة من تعلم القراءة وأنا لا أجيد الكتابة؟!".

ما إن أنهيت كلامي حتى ألقى مير قاسم بيتين من الشعر:
اليراع في يدي حيران     لا أدري ما أكتب
مشوّش الفكر مشتّت       لا أدري ما أكتب

بهتُّ لسرعة بديهته في الردّ.

ربيع ومنتصف العام 1978م ومع أنّ قريتنا صغيرة، إلا أنّ أهلها قرّروا القيام والتظاهر ضد الشاه. سارت حشود الناس ذلك اليوم يتقدّمهم السيد محمد الطباطبائي مردّدين الشعارات. كان معظم المشاركين من الشباب، ومن بينهم إخوتي الذين كانوا أوّل المتظاهرين، وصل المتظاهرون أمام المخفر وأحرقوا صورة الشاه وزوجته "فرح ديبا". جرى كل ذلك أمام أعين الجنود الذين كادوا ينفجرون غيظًا، وهناك ذَبَحَ والدي خروفًا أضحية.

غداة ذلك اليوم، عاود الناس التظاهر، وجاء الجميع إلى منزلنا حيث طهونا الخروف للغداء، كانت لمير قاسم وأخي مير حسن مشاركة
 
 
 
 
33

17

الفصل الثاني

 واسعة في تلك الأيام، فقد اقترنت روحهما بالثورة.


فيما بعد، وشى أحدهم باسميهما إلى المخفر الذي ترصّد فرصةً للقبض عليهما والاقتصاص منهما، وهذا ما جعلنا نعيش القلق الدائم عليهما. لكنّ الله ردّ كيدهم واقتلع الطاغوت من جذوره وكفّ شرّهم عنّا.

بعد ذلك، تتولّى أخته الثانية، فاطمة مير حسيني الكلام وتُحدّثنا عن إحدى ذكرياتها:
كلّما قرأت آية "أشدّاء على الكفار" تذكّرت أخي مير قاسم. كان ودودًا مع الأصدقاء شديدًا على الأعداء. لم يكن يتحمّل أن ينال أحدٌ من الثورة أو من الشهداء بسوء.

استشهد صهرنا عام 1983م، وكان مير قاسم حينها في الجبهة. في مراسم العزاء، قال أحد الأقارب: "لِم يذهبون إلى الجبهات؟ ها قد ذهب "بهمن" فاستشهد وأصبح تحت التراب!".

آلم هذا الكلام قلوبنا جميعًا وعضضتُ على الجرح إلى أن عاد مير قاسم من الجبهة. كنت ذاهبة إليه عندما ألفيته واقفًا عند الباب، دخلنا إلى الدار وحدّثته بما جرى في غيابه. ما إن أنهيت كلامي حتى نهض من مكانه غاضبًا وخرج. في تلك الليلة أرسل رسالةً إلى قائد الحرس الثوري شكا فيها ذلك الرجل. غداة ذلك اليوم، جاء والد ذلك الشخص إلى أخي مير قاسم وراح يرجوه ويبكي كي يتنازل عن شكواه. تشفّع والدي له فسحب مير قاسم شكواه. كان مير قاسم مصداقَ الكلام الإلهي الجميل.
 
 
 
34

18

الفصل الثاني

 مرة ثانية، في ذكرى انتصار الثورة1، دعت الإذاعة الناس إلى التكبير من على سطوح المنازل في الساعة التاسعة ليلًا. بدأ هطول المطر الشديد أول الليل، وكأن السيول تنهمر من السماء. امتلأت أزقة قريتنا بالمياه واقتربت الساعة من التاسعة، فقال مير قاسم: "هيا انهضوا لنصعد السطح".


لم يكن بالإمكان الخروج خطوة واحدة من الغرفة في ذلك المطر الغزير، لكن "مير قاسم" قال: "لنذهب إلى المسجد، فعلى الجميع أن يكبّروا الليلة".

استعدّت والدتي للخروج قبل الجميع وكان المطر ينهمر من السماء كالسيل، وصعُب المشي على والدتي. دنا مير قاسم منها وجلس القرفصاء أمامها ثم قال: "اركبي على ظهري لنذهب".

وقبل أن تقوم والدتي بأي ردّ فعل، حملها على ظهره وانطلق مسرعًا نحو المسجد.

تلك الليلة، خرجت أول تكبيرة من حنجرة مير قاسم، ثم تلتها تكبيرات من باقي البيوت. كانت تلك ليلة انتصار الثورة.

يدلي كلُّ واحد منهم بإحدى ذكرياته مع مير قاسم وكأن الذكرى عادت بهم إلى ذلك الزمن. يتّكئ الرجل العجوز الذي شبّهته بـ "زال" على الجدار الطيني، يحدّق بشرود ذاهلًا عن كلّ ما حوله.

أيقنتُ أنّ الذكرى حملته إلى تلك الأيام، حين كان مير قاسم
 

1- 22 بهمن (11شباط).
 
 
 
 
35

19

الفصل الثاني

 آخر العنقود المدلّل معهم وبينهم. أنهضُ من مكاني للمغادرة قائلًا إنّي سأعود ثانية. يصرّون عليّ للبقاء لكنّني أقول إنّني بحاجة لأُخرج أوراقي وأقرأها من جديد.


أودّعهم وأنصرف. أصل بعد عدة خطوات إلى الطريق المعبّد وأركب سيارة بيك أب في طريقها إلى مدينة زابل. كان العنوان بحوزتي فوجدته، غرفة صغيرة في مكان هادئ.

ما إن أصل حتى أخرج أوراقي، أريد أن أقرأ أكثر عن طفولته. تقع عيناي أول الأمر على كتابات سلطان علي أحمدي:

لقد تعرّفت إليه قبل الحرب. كان يقطع يوميًا مسافة 24 كلم على الدراجة النارية بين قرية جزنيك ومدينة زابل.

كنا زملاء دراسة. كان لدينا معلِّم يسألنا في كل حصة بضعة أسئلة حول الدرس، في أحد الأيام كنّا في باحة المدرسة، قال "مير حسيني":
- لم أحفظ درسي ولست مستعدًّا للإجابة.
- إذًا ماذا ستفعل اليوم؟
- صحيح أنني لم أدرس، لكنني لا أخاف من المعلم، وسأقول له إنّني غير مستعدٍّ للإجابة.

لم أبالِ بكلامه في تلك الأيام، لكن عندما أصبح مير حسيني، مير حسيني الشهير، أدركت تمامًا معنى ومغزى كلامه.

أُخرجُ الأوراق من الحقيبة وأرتّبها رزمًا رزمًا في أرجاء الغرفة ولا أترك لنفسي غير فسحة صغيرة في الوسط. أرفع الورقة التالية وقد كُتب أعلاها، "مذكرات مهدي مير" وأقرأُ فيها:
 
 
 
 
36

20

الفصل الثاني

 جئنا إلى مدينة زابل للدراسة إذ لم يكن في قريتنا مدرسة ثانوية. كان في المدينة صالتا سينما. وكنت أرتادهما مع أصدقائي، لكن مير قاسم ومير حسن لم يذهبا معنا أبدًا. مهما حاولنا لم نفلح في حثّهما على مرافقتنا، ليس هذا فحسب، بل كانا ينهياننا عن ذلك.


في أحد الأيام، رسمت والأصدقاء خطة لجرّهما إلى السينما بأي حيلة. كنا 15 شخصًا، عدنا إلى المنزل لاهثين وأخبرنا مير حسيني أنّ عراكًا حصل وتعرّضوا لرفاقنا بالضرب. بالتأكيد ثارت ثائرة مير قاسم الغيور. وضع عصا تحت قميصه "البلوتشي" وانطلق معنا نحو السينما. كنا طوال الطريق نقول: "عديمو المروءة كانوا أكثر منّا عددًا و و.."

وصلنا ودخلنا إلى قاعة الانتظار في السينما، كدنا نرقص فرحًا. سألنا مير قاسم:
- أين هم؟
- لندخل.

ارتاب من الأمر فألححنا عليه:
- لندخل، فالجميع في الصالة.

قال لنا وهو يمسك بالعصا من فوق قميصه بإحكام:
- أخرجوهم لنتعارك هنا!

أصررنا عليه ثانية لندخل، لكنّه رفض وخرج من السينما فتبعناه نجرّ أذيال الخيبة وراءنا.

هذا التعطش لمعرفة المزيد ينسيني تعب الطريق. أجلسُ
 
 
 
 
 
37

21

الفصل الثاني

 وسط الغرفة وحيدًا في مقابل فتوّة هذا الرجل السيستاني، وأشرع بقراءة مذكرات غلام علي صاحبي:

كنت أعمل في المطحنة وأتأمل باهتمام القمح الذي تحوّل إلى طحين تحت رحى مطحنة الزمن. تلك كانت الحياة!

صباح ذلك اليوم، حاصروا المطحنة فجأة، وانتشرت قوات الحرس الثوري في الأرجاء. تقدم أحدهم منّا وقال: المطحنة مصادرة.

لم نعرف سبب تلك التصرفات. وقفنا حيارى لا ندري ما الأمر. لجأ كلّ منا إلى زاوية طلبًا للأمان. تقدّم هو وقد عرفته فيما بعد، كان مير حسيني. عندما رأى خوفنا، عانقنا، فذهب عنا الفزع. نظر إلى وجوهنا وابتسم محاولًا زرع الابتسامة عليها أيضًا، ثم أخرج صورًا للإمام وألصقها على صدورنا وقال: "لا تنزعجوا! لقد جاء الإمام ليحرّرنا من نيران العبودية، تابعوا أعمالكم". كانت تلك بداية معرفتي بذلك الرجل العظيم والحليم.

يحلّ الظلام، وأنا لا أزال أنقّب في تلك الأوراق وأتفحّصها، يأخذ مني التعب كل مأخذ، فأتمدّد على الأرض حيث أنا. أحاول تنظيم برنامج عملي، لكنّ ذهني يعجز عن ذلك. تخطر هذه الفكرة على بالي وأنا بين الحلم واليقظة، وهي أن أحقّق في الغد عن ذهابه للمرة الأولى إلى الجبهة. وأستسلم بعدها لسبات عميق.
 
 
 
 
 
38

22

الفصل الثالث

 مع أننا في منتصف فصل الربيع، إلا أنّ الصيف حلّ باكرًا على سيستان، فكان الطقس حارًّا مشبعًا بالرطوبة. قالوا: "لم يهبّ النسيم اليوم، لكن ما إن يحدث ذلك حتى تتحسّن حال الطقس".


كنتُ قد قرأت في الكتب أنّ الرياح التي تهبّ على سيستان تستمرّ 120 يومًا، فَرُحْتُ أنتظرها. عندما سألت عن موعدها قالوا إنها تصل بعد 15 يومًا تقريبًا.

أقرّر مواعدتها وأشغل نفسي بقراءة المذكّرات هربًا من الملل.

بدايةً، أقرأُ مذكرات "أمير عباس صحرا نشين":
كنّا في ثكنة "دو كوهه"، كان الطقس باردًا، لذا أشعلنا المدفأة النفطية وسط الغرفة، وكان أهالي "زنكي" قد أرسلوا لنا الفستق النيء، فوضعناه في وعاء معدني لتحميصه على المدفأة.

سلبني ذلك الفستق الحارّ لبّي، فرحت أتناوله بنهم من دون انتباه مني أنه حصتنا نحن الثلاثة. فجأة دنا مير حسيني مني، حمل الملعقة التي كنا نحرك بها الفستق ووضعها على يدي فقفزت من مكاني، لقد كانت حارة جدًّا فسألته بحدّة:
- ما الذي فعلته يا أخ مير حسيني؟
 
 
 
 
 
39

23

الفصل الثالث

 أجابني بهدوء كأنّه يحاول تهدئتي:

- انظر، هكذا هي الذنوب التي يرتكبها الإنسان في هذه الدنيا، يقوم بها بجهالة وغفلة وشيئًا فشيئًا تتراكم لتصبح جبلًا، تجلب الجحيم للإنسان. على الإنسان أن ينتبه لأعماله وسلوكه الدنيوي.


كلامه هذا بقي حلقة في أذني ودرسًا لن أنساه ما حييت.


مرة أخرى، كنت في معسكر "حميد الثائر" للتدريب، والطقس الحار قد أنهك قوانا. تقرّر أن يلقي "مير حسيني" كلمة فينا، لكنه لم يكن قد وصل بعد. نال العطش منّا، لكنّنا انتظرنا وصوله وانتهاء كلمته. جاء بجسمه النحيف، قال بسم الله، وبدأ الكلام. حدّثنا عن الإمام الحسين، عن الصبر والتحمّل ظهيرة اليوم العاشر. وقال إنّه علينا، حبًّا بالإمام الحسين عليه السلام، تحمّل الحرّ، وهذا نوعٌ من التدريب.


تحدّث مطوّلًا، لم نشعر بمرور الوقت، ثم ختم كلامه بالصلاة على محمد وآل محمد. حينها تعجّبنا من تحمّل البقاء مدة ساعتين كاملتين تحت أشعة الشمس الحارقة نستمع لكلامه من دون أن نشعر بمرور الوقت.


لا أدري، هل أشبّه سيف "مالك الأشتر" بلسان مير حسيني، أم أشبّه لسان مير حسيني بسيف مالك الأشتر؟ فكلاهما قاطعان في سبيل الحقّ. أقلّب الأوراق وأجد مذكرات أخرى لمهدي مير. يبدو من خلال مذكراته أنّه شقيّ ومشاكس، أدركت ذلك من قراءتي لمذكراته الأولى حول الخدعة التي افتعلها لجرّ مير حسيني إلى السينما، لقد راقني ذلك. في القصة الثانية أقرأ التالي: 


قبيل عمليات والفجر التمهيدية، أرسلوا مجموعة من الموظفين إلى

 

 

 

 

40


24

الفصل الثالث

 الجبهة، وكنت أنا واحدًا منهم. لم يكن يجيد أفرادها القتال وحمل السلاح، يمكن إدراك ذلك من خلال النظرة الأولى. 


جاء مير حسيني فتعانقنا وتذكّرنا زابل وما جرى لنا فيها. ما إن رأى أفراد المجموعة ذلك، حتى أخذوني الواحد تلو الآخر جانبًا وبدأوا يرجونني:
- بالله عليك أخبره أننا لسنا أهلًا للحرب.
- اطلب منه أن يرسلنا إلى الخطوط الخلفية، إلى الأهواز مثلًا.

كان كلّ واحد منهم يطلب شيئًا. نظرت إلى مير حسيني مبتسمًا وقلت:
- أقول لك وبكلّ صراحة، هؤلاء ليسوا أهلًا للحرب والقتال، وهم يرجونني كي أطلب منك أن ترسلهم إلى الخطوط الخلفية.

ذهب إليهم ضاحكًا ممازحًا وأرسلهم جميعًا إلى وحدات الإسناد في الخطوط الخلفية. ثم قال لي:
- هذه الحرب حربُ الشعب، وسيشارك فيها كل من يتطوّع لها. ولن نجبر أحدًا على ذلك.

مرّت سنوات على ذلك اليوم، وجميع أولئك الأشخاص أصبحوا مسؤولين في أماكن مختلفة، وكلّما التقينا تحدّثنا عن ذكريات ذلك اليوم. لم يكن مير حسيني كغيره من البشر!

يأتي من أنتظرهم، "سلطان علي مير" أحد أقرباء مير حسيني الذي رافقه حتى استشهاده، مير عباس وموسى أخوا مير قاسم. كان موسى أبيض الشعر، وكما أخبرني فهو يكبر مير قاسم بحوالي 20 عامًا. نركب سيارة تويوتا "بيك آب"
 
 
 
41

25

الفصل الثالث

 بمقطورتين للركاب، ما يدهشني أنّ جميع السيارات هنا من نوع "بيك آب". أخبرهم أنني في صدد التحقيق والبحث عن أولى العمليات التي شارك فيها مير قاسم، وجميعهم يؤكّدون أنّ عمليات بدر لم تكن كغيرها، ولا يمكن نسيان ذكرياتها، يقولون أيضًا إنّه يمكنني التحدّث إلى شخصين شاركا مير قاسم في تلك العمليات، ونتّفق أن نحدّد موعدًا ليوم غد. ثم يشرع موسى بالكلام أثناء الطريق:


إلتحق مير قاسم بالجبهة بعد أن خضع لدورة تدريبية، وكانت عمليات "بيت المقدس" أولى العمليات التي شارك فيها، والتي استشهد فيها صديقه المقرّب "عوض كرك". حزن مير قاسم كثيرًا لاستشهاده وكان يقول: "لقد اشترى عوض كرك لطفله لعبة وكانت بحوزته عندما استشهد. انفجرت قذيفة هاون بعيدًا عنه، لكن شظية باردة أصابته وعلقت بين أضلاعه. لقد أصبحتُ وحيدًا بعده".

وكما يقول أيضًا: "بعد شهادة "عوض كرك"، أصبحت حقيبة ملابسي صاحبي القريب1. لم أكن أعرف أحدًا وأضحت حقيبتي جزءًا من ذكرياتي، ذكريات زابل، قرية صفدر مير بيك، جزنيك وغيرها. حتى إنّني طلبت من مسؤول التموين والدعم أن يحملها إليّ أينما تموضعنا بعد العمليات".

في تلك الأيام، كان مير قاسم ابن الثامنة عشرة من العمر المقاتل في الجبهات.

التقيت بعد ذلك بمير قاسم مرّات عدة في الجبهات، كنت في
 

1- أي فقدت الاصحاب.
 
 
 
42

26

الفصل الثالث

 الجيش الإيراني وهو في الحرس الثوري.


بعد انتهاء عمليات "بيت المقدس". أظهر العديد من جنود الجيش استياءهم من استمرار الحرب خاصة بعد الدعايات التي روّج لها صدّام من أنه على استعداد للسلام وما شابه من هذا الكلام. حينها، كان مير قاسم يزورني كثيرًا ويقول لي في كل زيارة إنّنا ملزمون بالدفاع، وإنّ شرفنا على المحك في هذه الحرب. أذكر أنّنا كنّا قبيل عمليات رمضان مستقرّين في كوشك الأهواز عندما جاء مير قاسم لوداعي وقد أودع وصيّته عندي. لقد أثارت إرادته الصلبة دهشة جميع زملائي. كان ذلك اليوم أصعب وأقسى أيام الحرب.

ذهب مير قاسم بإرادة وعزم ثابتين، ودّعني وكأنّ لقاءنا هذا هو الأخير. انتابني شعور عجيب، حينها بكيت أمام زملائي حتى ارتويت، خاصة بعدما قرأت وصيّته.

"سلطان علي" صامت، لكن ما إن يصل الكلام إلى هذه النقطة، حتى ينتبه كأنما تذكّر شيئًا ويقول:
كانت عمليات "رمضان" والقوات في حال انسحاب إلى الخطوط الخلفية، ولم يكن خط الدفاع قد ثُبّت بعد. وقف مير حسيني قبالة القوات المنسحبة وصرخ عاليًا: "إلى أين تذهبون؟ لمَ تُخلون الخط؟ أُقسم إنّ يوم المعاد حقّ، وإنّ يوم الجزاء حقّ، لمَ تولّون الأدبار؟".

لم يستطع ردعهم عن الانسحاب، وعندما أدرك أن لا فائدة من ذلك، نظر إليّ وقال: "هؤلاء التعبويون إن قرروا الانسحاب فلا أحد يستطيع ردعهم، هيا لنذهب".
 
 
 
 
43

27

الفصل الثالث

 لم نستطع البقاء، أعطاني مير حسيني جهاز اللاسلكي وحمل بعضًا من قطع السلاح على كتفيه وقال: خسارة أن نترك هذه الأسلحة هنا، لنأخذها معنا إلى الخطوط الخلفية".


انطلقنا وسرنا مع القوات بمحاذاة الساتر الترابي. رأينا خلال سيرنا سيارة جيب 106 وسط السهل ولا يوجد أحد بالقرب منها. قال مير حسيني: "خسارة أن يبقى هذا هنا". ذهبنا نحو الجيب، كانت قذائف الدبابات تتساقط في الأنحاء. تفقّد مير حسيني الجيب، وجده سالمًا، ركبناه، لكن لا أحد منّا يجيد القيادة. أدار مير حسيني المحرّك وقال: "سأقوده كيفما كان، سأحرّك عصا السرعة ولا بدّ أن ينطلق".

حرّك عصا السرعة فتحرّك الجيب مهتزًّا بشدّة. يا لها من قيادة! كان ممسكًا بالمقود ويسير ببطء، لكنه لم يدع حفرةً إلا ونزل فيها، كأنه نذر أن ينزل فيها كلّها!

وصلنا إلى الخط الخلفي شبهَ أمواتٍ. التقينا بمجموعة من عناصر المدرّعات ومهمتهم الرمي على دبابات الأعداء. أعطاهم "مير حسيني" الجيب ليستخدموه في مهمتهم ثم قال لي: "وا أسفاه لو لم نحضره معنا لوقع بأيدي العراقيين!".

إنه فصل الحصاد، الرجال والنساء ينتشرون في مزارع القمح في حركة دؤوبة.

شارك مير عباس1 مرات عدّة في جبهات القتال. ومع أنه كان أكبر سنًّا من مير قاسم، إلا أنه كان يأتمر بأقواله. أتذكر كلامه
 
 

1- أخو مير قاسم.
 
 
 
 
44

28

الفصل الثالث

 عن المرة الأولى لذهاب مير قاسم إلى الجبهة، وكيف أنه بكى وتمنّى لو ذهب بدلًا عنه، قال: ذهبت إلى الجبهة مع بدء عمليات "والفجر1"، ووصلت إلى هناك في الليلة الثانية للعمليات. سألت عن مير قاسم فقالوا إنّه ذهب إلى منطقة المواجهات، وجُرح في الليلة الأولى من بدء العمليات، وبقي هناك رغم أنّ يده معلّقة في عنقه.


يقول محمد حسين بودينه: "شارك مير قاسم في العمليات بعنوان قائد كتيبة الاقتحام الخاصة، وعلى الرغم من انكشاف أمر معبر القوات والاستعداد المسبق للعراقيّين للتصدي لنا، إلا أنه دخل بقواته إلى المعبر وسار آخر الرتل. عندما أصبحوا داخل المعبر بالكامل، سلّط العراقيون عليهم الأضواء وبدأوا يرمونهم بالرصاص وقذائف "الآر بي جي"، فاضطر المقاتلون للانبطاح أرضًا. قال "محب علي فارسي" أحد قادة سرايا مير حسيني: "الإخوة يرفضون التقدم".

- حسنًا، بما أنهم لا يريدون ذلك فسأذهب وحدي.

قال بصوت عال: "من يريد منكم التقدّم فليتبعني!". ثم أطلق لساقيه العنان. سلّط العراقيون عليه أضواء المصابيح الكاشفة وأمطروه بالرصاص. وصل مير حسيني إلى ساتر العراقيّين الترابي ورمى قنبلة يدوية داخل المتراس الأمامي، ثم تبعه باقي الإخوة، وصلوا إلى الساتر الترابي وسيطروا عليه".

هناك، مع اقتراب الصباح، جاء الأمر بالانسحاب، فقد انفضح أمر المعبر وأصبح تحت مرمى النيران العراقية. وقف مير قاسم عند حافة المعبر مشرفًا على انسحاب قواته، ثم تبعهم إلى الخطوط الخلفية،
 
 
 
45

29

الفصل الثالث

 وألقى فيهم كلمة أجرت الدموع من مآقيهم، فراحوا يصرخون مطالبين بالعودة إلى الخطوط الأمامية ومتابعة المعركة.


يحدّثنا مير عباس عن معنويات مير قاسم وعمّا يقوله الآخرون فيه:
قبل ليلتين أو ثلاث من بدء عمليات "والفجر 8"، دخلنا منطقة العمليات برفقة 4 أو 5 عناصر من الاستطلاع والمعلومات. لم يكونوا قد وزّعوا القوات بعد وقالوا: "ابقوا أنتم إلى جانب القائد".

كنتُ قد خضعت لدورات تدريبيّة أكثر من غيري فأبقوني مع "بودينه"1 قائد اللواء. اعترضت عليهم لأنهم لم يرسلوني مع مير قاسم فقالوا لي: "لم نرسلك كي لا يعطيك الأوامر خلال العمليات، كما لا يصحّ إرسال أخوين إلى المواجهات، فإن حدث شيء لا سمح الله..".

انطلقتُ مع "بودينه" بينما تولّى مير قاسم توجيه الغواصين عند نهر "أروند"2. وصلنا إلى ضفة نهر أروند وبدأت العمليات. انطلق مير قاسم مع أول سرية لغوّاصي الاقتحام نحو الضفة الأخرى.

تقرّر صباح اليوم التالي أن تدخل كتيبة الاشتباك ميدان العمليات. قالوا إنّ القوارب ستعلق في الأوحال، انزعج قاسم من ذرائعهم وأصرّ على انطلاق الكتيبة ورافقتهم.

أخبرنا عامل الإشارة3: "كنّا خائفين كثيرًا، لكن مير قاسم ربط
 

1- Podineh.
2- Rood arvand، وسُمّي في الجانب العراقي شطّ العرب.
3- عامل الاتصالات اللاسلكية.
 
 
 
 
46

30

الفصل الثالث

 قنبلتين وانطلق إلى الأمام، بينما انتشر العراقيون في مزارع النخيل الممتدة على الجانبين. توقّعنا أن يتساقط الرصاص علينا في أي لحظة، لكن رغم ذلك لم يهدأ مير قاسم أو يستكن، وبقي يتنقّل هنا وهناك حتى الصباح".


في الصباح، سمعت صوت مير قاسم يقول عبر جهاز اللاسلكي: "الحمد لله، لقد حقّقنا جميع أهدافنا وهذا ما رفع من معنوياتنا". رغم كلامه هذا، إلا أنّ بودينه راح يضحك ويقول: "هكذا هو مير حسيني دائمًا، حتى في حال الانسحاب يتكلم بطريقة لا يمكنك أن تميّز معها حقيقة الوضع فلا تعرف، ما إذا كانت القوات تقتحم أو تفرّ. الله أعلم ما الذي يجري هناك الآن! لربما كانت قواتنا تنسحب ومير حسيني يتحدّث بهذه الطريقة!". كان بودينه يضحك ويتحدث عن الروح المعنوية لمير قاسم، وعن شجاعته وكيف أنه يكون في رأس الحربة لأي هجوم واقتحام، كما تحدث عن مدى شراسته في الحرب.

نذهب للقاء حميد شفيعي من أبناء كرمان.. كان هذا اللقاء الأول الذي يجمعنا. ثم نحدّد في اليوم التالي موعدًا آخر للّقاء. شارك حميد شفيعي في عمليات بدر مع مير حسيني ويحدثنا عن معنوياته ومدى محبته وتقديره له، كما تقرّر أن يحدّثنا عن تفاصيل ذكرياته في اليوم التالي، لكنه خلال هذا اللقاء القصير أيضًا لم يبخل علينا بذكر شذرات منها:
قبل بدء الهجوم لعمليات "والفجر 2"، التقيت مير حسيني حيث أمسك بيدي وقال: "أريد أن أحدّثك في أمر".

أدركتُ أنه علم بما يدور في ذهني، هذا دأبه، كان رأيي أنّه يجب
 
 
 
 
 
47

31

الفصل الثالث

 اقتحام خط الأعداء والسيطرة عليه بسرعة، وإلا فإنّ قواتنا ستُباد عن بكرة أبيها! وقد انصبّ تفكيري على السبيل لتحقيق ذلك وفرص النجاح. ابتسم مير حسيني وقال:

- عندما تصل إلى خطوط الأعداء، ورغم كل الصعاب واليأس، فإنّ دقائق من الصمود والمقاومة ستغيّر جميع المعادلات وتعود عليك بالنصر.

دنت ليلة العمليات. انطلقنا وانبطحنا خلف حقل ألغام العدو، أعطيتُ الأوامر بإطلاق النار وبدء المعارك. كان علينا عبور جدار من الأسلاك الشائكة يرتفع حوالي 3 أمتار ومن ثم عبور القناة. تلك كانت أصعب لحظات حياتي. قال عناصر الاستطلاع المرافقون لنا: "حاولوا أن تعبروا الأسلاك الشائكة أوّلًا".

حينها أدركت أنّ مير قاسم مطّلع على أوضاع المنطقة بشكل وافٍ ويعلم شدة الضغوط التي سأتعرّض لها والتي من الممكن أن تُفقدني الأمل فأنسحب، في تلك اللحظات تذكّرت كلامه.

لقد امتدّ أمامنا حقل ألغام. أصبت بشظية في قدمي وداس "ماهاني" على لغم فبُترت ساقه1، وقد كَمن العراقيون لنا خلف الأسلاك الشائكة وبدأوا باصطياد الإخوة الواحد تلو الآخر.

صمدنا وقاومنا إلى أن وصل عددٌ من الإخوة، من بينهم الشهيد مرتضوي، إلى الأسلاك الشائكة وهاجموا مواقع العراقيين من أعلى القناة فتمكّنا بعد ساعة من اقتحام الخط والسيطرة عليه. هناك اتضح لي سرّ كلام مير حسيني!
 
 

1- استشهد فيما بعد.
 
 
 
 
48

32

الفصل الثالث

 مرة أخرى، تقرّر قيامنا بالهجوم على جسر "غزيله" المؤدي إلى العمارة. كان المسير طويلًا، حوالي 45 كلم للوصول إلى الجسر، وتوجّب علينا أن نقطع مسافة 80 كلم ذهابًا وإيابًا سيرًا على الأقدام. وصلنا إلى طريق مسدود، فذهبتُ أنا وبهرام سعيدي والشهيد مصطفوي إلى مير حسيني. قال مصطفوي:

- حتى لو وصلنا إلى هناك فإننا بحاجة إلى الإسناد المدفعي.

أجاب مير حسيني: " ليس متوافرًا".
نظرنا إليه بدهشة، فبدأ الكلام. في البداية، تلا آية من الذكر الحكيم، ثم قال إننا لا نملك أي تجهيزات، وليس لدينا سوى توكّلنا على الله وأداء تكليفنا، لكن القعود وعدم القيام بشيء، لن يؤمّن السلاح والدبابات أو المدافع و..

لقد قال أشياء كثيرة ذلك اليوم حتى أنسانا كل حججنا السابقة. كان تكليفنا القيام بالعمليات، لقد غرست روحية مير حسيني ومعنوياته البطولة والشجاعة في قلوب جميع العناصر.

نودّعه ونكمل طريقنا. ذكّرني كلامه بمذكرات "علي نجيب زاده" التي قرأتها سابقًا:
على المرتفعات المشرفة على مدينة "بنجوين" التقيته فتبادلنا التحية والسلام، ثم سألني عن عباس حسيني، فأخبرته أنّه في المقدّمة، وانطلقنا معًا إليه. كنا 4 أشخاص وقد حُرّرت المنطقة حديثًا وما زال العدو يصب نيرانه عليها، ما اضطرّنا للسير منحني الظهور، إلّا مير حسيني سار من دون انحناء، وفي غمضة عين أزاح رأسه فسمعنا من
 
 
 
 
49

33

الفصل الثالث

 خلفه صوت "يا حسين". أدركنا أنه في اللحظة التي أزاح مير حسيني رأسه، تجاوزته رصاصة وأصابت الواقف خلفه. فكّرت في لحظة: "هل يا تُرى رأى مير حسيني الرصاصة قادمة نحوه فتنحّى جانبًا؟!".


شغل هذا الموضوع بالي مدة من الزمن، وبعد 3 سنوات في عمليات "والفجر 8"، رأيته أثناء هجوم الأعداء يقف على الساتر الترابي يراقب تحركاتهم بدم بارد. قلقت عليه كثيرًا فقلت معترضًا:

- يا حاج! هل تنوي الانتحار؟ هيا انزل!

التفت نحوي ورمقني بنظراته ثم قال:
- لا تخف لن أُصاب بأذى.

عندما أصررت عليه أن ينزل قال:
- أنا أعرف متى وأين سأستشهد، لذا يجب أن لا أحني رأسي.

لم أقل شيئًا، لكن كلامه بقي راسخًا في ذهني: "قيام القائد بعمل مكروه مساوٍ لقيام التعبوي بعمل حرام!". كان ينفّذ ما يقوله!

نذهب للقاء "محمد كار بخش" بالقرب من سدّ سيستان حيث تنتشر المزارع التي تُروى من مياه نهر "هيرمند". في الجولة الأولى، نشاهد مساحات شاسعة من الأراضي الخضراء، وقد بُني السدّ لتجميع مياه النهر وجرّها إلى تلك الأراضي.

يبدأ محمد كار بخش المبتسم دومًا الحديث عن مير حسيني:
كانت المرة الأولى التي أشارك فيها في العمليات، ولم أمتلك تجربة كافية عن المعارك، كما لم أكن أفقه شيئًا عن عمل الكتائب أو الجبهة
 
 
 
 
50

34

الفصل الثالث

 والحرب. كان "علي بينا"1 قائد الكتيبة ومير حسيني مسؤول المحور.


عند الساعة الرابعة، انطلقنا نحو المواقع العراقية، وما إن اقتربنا حتى تساقط رصاصهم علينا من كل حدب وصوب. كنّا قريبين جدًّا منهم، وهم يطلقون النار يمينًا وشمالًا من خلف تلّ صغير. فلم نستطع التقدّم خطوة واحدة. جلسنا منتظرين الأوامر منبطحين أرضًا بسبب غزارة الرصاص.

فجأة وقف أحدهم، عرفته من تحت نور القنابل المضيئة، إنه مير حسيني حاملًا بيده مكبّر الصوت، وبدأ الكلام وبثّ الحماسة. كانت أنفاسه أشدّ حرارة من الرصاص المتساقط فوق رؤوسنا، وكلماته أسرع من رشقات الرشاش:
- أيها الإخوة! إنها كربلاء، وعندما أنادي "يا حسين" انهضوا واتبعوني.

غلت الدماء في عروقنا، وما إن صدع بنداء "يا حسين" حتى انطلقنا في أثره غير عابئين بالرصاص المنهمر من حولنا كالمطر، فمير حسيني حامل اللواء، وحتى لو اعترض سبيلنا سبعة عوائق كتلك التي اعترضت رستم2 لما عبئنا بها ولعبرناها. قلت لكم، لقد كان مير حسيني حامل لوائنا. تقدّمنا واقتحمنا خط الأعداء وسيطرنا عليه.

بعد تلك المعركة، لزمتُ الجبهة وحاولت نقل تجربتي التي اكتسبتها للآخرين. كنا قبيل العمليات ننظّم صفوفًا متنوّعة للمقاتلين حتى
 
 

1- انتقل إلى جوار ربّه في عمليات كربلاء 5.
2- أحد أبطال الشاهنامة الذي انطلق لتحرير ملك إيران الأسير عند الشيطان الأبيض، وقد اعترض سبيله 7 عوائق، كعبور صحراء قاحلة، العراك مع التنين وغيرها.
 
 
 
51

35

الفصل الثالث

 يتمتّعوا بالجهوزية المطلوبة للعمليات، منها صفوف التدريب على السلاح. في ذلك اليوم، كنت أدرّبهم على سلاح الـ"آر بي جي" والمسافة المناسبة لإطلاق القذائف على الدبابات وما شابه.

 


قبيل انتهاء التدريب، جاء مير حسيني وجلس آخر الصف. عندما أنهيت كلامي قال:
- هل تأذن لي، أريد قول شيء.

- تفضل يا حاج.

- أخي "كار بخش"! لا تخافوا من الدبابات العراقية، عندما تصل إلى مرمى الآر بي جي، ارموها، لكن عندما تصل إلى الساتر الترابي لا تفعلوا.

اعتقد الإخوة أنه يمزح فضحكوا وقالوا:
- أخبرنا، في النهاية، هل علينا أن نرمي على الدبابة أم لا؟

قال مير حسيني:
- وماذا تستطيع الدبابة المسكينة أن تفعل أمام الساتر الترابي؟ فهي لا تستطيع القتال وإطلاق النار إلا في المناطق السهلية المنبسطة، وإلا فإنها تصبح عاجزة تمامًا عند السواتر الترابية، وفي اللحظة التي تدنو وتقترب ويزيد خوفكم منها، يزول خطرها وتستطيعون شدّها من أذنها ورميها في زاوية!

حتى ذلك الحين، كنت قد اكتسبت تجارب كثيرة في مواجهة الدبابات، لكن كان لكلام مير حسيني طعمٌ آخر! لم أنس نصيحته حتى نهاية الحرب، وقد أفادتني كثيرًا في مواجهة الدبابات.
 
 
 
 
 
52

36

الفصل الثالث

 من ذكرياتي الأخرى، عندما ذهبت الفرقة إلى الجبهة الغربية، وتموضعنا في "كامياران". كانت الفرقة تعجّ بالعناصر والحركة الدؤوبة، فقد جاء القائد العام للحرس الثوري الأخ "محسن رضائي" إلى معسكرنا والجميع مشتاق لرؤيته. اجتمعنا أمام مبنى القيادة ولم يسمح لنا الحرّاس بالدخول. كنّا نسترق النظر من النافذة ونبحث عن طريق للدخول.


رحل الإخوة الواقفون أمام الباب الواحد تلو الآخر، ولم يبقَ في الخارج غيري مع عدد من العناصر. في تلك الأثناء قالوا إنهم أرسلوا من ينادي مير قاسم، فهو لم يكن حاضرًا في الاجتماع، وما هي إلا دقائق حتى أطلّ بلباس مغبرّ واتجه نحو الباب ليدخل. انتظرنا ريثما يدخل فنتمكّن من رؤية من في داخل الغرفة. عندما وصل إلى الباب وهمّ بالدخول، شدّه أحد الحرّاس من يده وقال:
- إلى أين؟

أجاب مير حسيني ببرودة أعصاب وهدوء: "أريد الدخول، لديّ عمل".

منعه الحارس وقال: "ارجع، فهناك اجتماع في الداخل".

لم يُجب مير حسيني بشيء ولم يعترض أو يغضب، بل رجع إلى الخلف ونظرنا إليه بدهشة. ما هي إلا بضع دقائق حتى خرج أحد قادة الفرقة من الاجتماع ونظر إلى مير حسيني بتعجّب ثم تقدّم منه ودعاه باحترام للدخول. هنا انتبه الحارس لمقام مير حسيني واعتذر منه. لكن مير حسيني بادره بالقول: "لا داعي لذلك، فقد كنت تقوم بواجبك".

ما أذكره عن مير حسيني هو اندفاعه، وشجاعته، وذلك الصوت القرآني الرخيم.
 
 
 
 
53

37

الفصل الثالث

 أعود ثانيةً إلى هذا العالم. فقد كنت في سياحة في عالم آخر بعيدًا كل البعد عن عالمي هذا. قرابة الظهيرة، نودّع مضيفنا وننطلق. في الطريق، أفكّر بالعشق الذي يكنّه أبناء سيستان لمير حسيني. هم يهيمون بأميرهم عشقًا، حتى إنّهم لا يطيقون رؤيته مقطّب الجبين، كما يروي "محمد علي غرغيتش"1 في مذكراته:

كانت عمليات "والفجر 4"، تقدّمت القوات إلى الخطوط الأمامية إيذانًا ببدء العمليات، بينما كنت أنا في الخلف، فقد أعاقت آلام قدمي وظهري حركتي.

كان قائد سيستان قائدَ الهجوم. كنت أسمع صوته عبر جهاز اللاسلكي ينشر الحماسة بين المقاتلين، ويعطي الأوامر بالهجوم، وإطلاق النار، فتسيل الدموع من عينيّ. كان بطل مدينتنا يقاتل. بعد ساعة، تضاعفت مقاومة العراقيين ولم تتمكّن قواتنا من إنجاز مهمتها. عند الصباح، اتصل مير حسيني بقائد الفرقة وقال: "لا نستطيع إنجاز المهمة".

بكيتُ، وبدأتُ بالتوسّل والدعاء له ولجميع من يواجهون الرصاص وشظايا القذائف هناك، وكأنما أنا من أُهينَ ولا أدري لماذا!

رأيته بعد ساعة، لم أحتمل فارتميتُ في حضنه وبكيت. راح يواسيني ظنًا أن بكائي لأجل استشهاد "بهمن خسروي" وغيره من الرفاق، قال:
- لا تحزن فكلّنا سائرون على هذا الدرب، إن لم يكن اليوم ففي الغد. صحيح أنّ بهمن كان صديقك لكنّه أيضًا كان صهر عائلتنا.
 
 

1- گرگيچ
 
 
 
 
54

38

الفصل الثالث

 لم أقل شيئًا وعدت للبكاء. لقد كان مير حسيني قائد ديارنا وهزيمته كانت هزيمة لسيستان وهامون ورستم و..


ألتقي "حميد سركزي" الذي شارك مع مير حسيني في عمليات بدر، ونحدّد موعدًا في اليوم التالي ليحدّثني عن عمليات بدر فيوافق. أسرّ لذلك وعندما أهمّ بالانطلاق يقول:
كنتُ "رسول" مير حسيني، وكنّا في جزيرة مجنون حيث قضينا أيامنا وليالينا تحت أزيز الرصاص وشظايا القذائف والقصف الجوي، لم نستكن ولم نهدأ. كانت حربًا من نوع آخر.

صباح يوم العمليات كانت الجرّافات والحفّارات ما زالت تعمل على بناء الساتر الترابي. كانت المنطقة منبسطة مسطّحة من دون أي عائق طبيعي أو غير طبيعي. كنت رسول مير حسيني إليهم وكان عليّ عبور منطقة لم يتم بناء أي ساتر ترابي فيها بعد. تلوت الشهادتين وانطلقت.

كان قصف الأعداء شديدًا، وكل شيء يحترق كأنهم يحرقون جزر مجنون. وصلتُ إلى نهاية الساتر الترابي وبدأت بالركض تحت النيران. كنت وحيدًا، حاولت أن أصل إلى هدفي بأسرع وقت. رحت أركض لا ألوي على شيء عندما ناداني صوت، التفتّ إلى مصدره فإذا به مير حسيني. جاء إليّ وقال:
- عد للخلف سأذهب أنا.
- لكن يا حاج..

لم يدعني أكمل كلامي وقال: "هيا ارجع بسرعة".

أذعنت لطلبه. فيما بعد سألته عن الأمر فلم يُجب، لكنني أعلم أنه
 
 
 
 
55

39

الفصل الثالث

 لم يشأ أن يرسلني تحت النيران كي لا أُصاب أو..


ننطلق إلىمقصدنا التالي "كلية الزراعة في زابل"، نريد التعرف إلى شخص لديه كثير من الذكريات مع مير حسيني، خاصة ذكريات الأيام الأخيرة حيث كان برفقته. في الطريق، نعرّج على "زاهد شيخي"، وهو أيضًا لديه كثير ليقوله عن مير حسيني في عمليات خيبر:
كان الأخ سعيدي، في عمليات خيبر، قائد كتيبة أمير المؤمنين عليه السلام. تعرّضت الكتيبة للقصف الكيميائي قبل وصولها إلى المحور، وقد تسلّم الشباب الخط برغم الجراح المتقيّحة على أجسادهم والسعال الذي أنهك صدورهم.

كانت نوبتي للحراسة، جلستُ في متراسي أنظر إلى الأمام، رأيت أحدهم يبتعدُ عن خط العراقيين ويتّجه نحونا واضعًا قماشة بيضاء على صدره. ما إن رأيته حتى نهضت من مكاني وصرخت: "عراقي عراقي". علت أصوات الإخوة، وخرج الجميع من مكامنهم إلى أعلى الساتر الترابي وازدحم الخط.

جهّزنا أسلحتنا على وضعية إطلاق النار، وصوّبنا نحو العراقي، منتظرين وصوله إلى مرمى نيراننا لنطلق عليه الرصاص، غافلين عن أنّ أحدهم يراقب ما يحدث، ولا أقصد غير مير حسيني طبعًا، في اللحظة التي أردنا فيها إطلاق النار صرخ عاليًا، إذ كان يقف أعلى الساتر، وقال بلهجته السيستانية: "لا يحق لأحد إطلاق النار".

كنت حينها في ريعان الشباب وكثير الحماسة. التفتنا ناحية الصوت فقال: "لينزل الجميع وليبقَ فقط عناصر استطلاع العمليات
 
 
 
 
56

40

الفصل الثالث

 على الساتر". أطعنا الأوامر ونزلنا. ما إن نزلنا حتى علا صوت من خلف الساتر الترابي: "الدخيل الدخيل..". نظرت إلى الأعلى فرأيت شخصًا ترتعد فرائصه خوفًا قد اندفع نحو مير حسيني، وارتمى في أحضانه. حضنه مير حسيني بأخويّة وهدّأ من روعه. عندها أدركنا أنّ هذا العراقي من أهالي النجف الأشرف، اصطحبه مير حسيني إلى دشمة القيادة.


بعد حوالي 4 ساعات خرجوا من الدشمة. وعلمنا أنه أُجبر على المشاركة في الحرب، وحسب ترجمة الإخوة لكلامه، قال:
- لقد أحضروني من المدرسة لتلقّي التدريب العسكري، وعندما أرادوا إرسالي إلى الجبهة قالت لي أمي وهي تنوح وتبكي: "إياك أن تُقتل مع جيش الكفر"، وفي الخط الأمامي بقيت في متراسي كي لا أُقتل. الليلة الماضية كنت في متراس الكمين، ونويت أن أبقى فيه وألجأ إليكم في الصباح، وعندما كنت أركض كنت أدعو الله أن لا تطلقوا النار عليّ، إذ لم أشأ أن أُقتل برصاصكم...

شاء الله أن يكون مير حسيني حينها موجودًا في الخط الأمامي لينقذ هذا الأسير. غداة ذلك اليوم اندهشت لرؤيتي الأسير يجول في المكان بزيّ التعبئة، عندما سألت الإخوة عن الأمر قالوا: "لقد أعطانا إحداثيات منصّات الصواريخ والمراكز العسكريّة وتقرّر قصفها".

فيما بعد، أصبح الأسير مقاتلًا في صفوف "فيلق بدر" المناوئ للنظام البعثي، ولا أدري هل علم باستشهاد من أنقذه وضمّه إلى صدره في ذلك اليوم أم لا! أتمنّى أن لا يعلم لأنني على يقين أنّ ذلك سيلهب أعماق أعماقه.
 
 
 
 
57

41

الفصل الثالث

 هناك، كان العراقيون يصبّون حمم نيرانهم على رؤوسنا يوميًّا وفي كل الأوقات. لطالما أوصانا مير حسيني بعدم الخروج من دون الخوذات. لكن حدث أن رأيته في الساتر الترابي ذي الجدارين، يتوضّأ بمياه قارورته من دون خوذة على رأسه. فقلت له ممازحًا:

- يا حاج! إنّك لا تلتزم بالأوامر، أين خوذتك؟

نهض وقال: "لا تقلق، عندما يريد أن يأتي (القدر) فسيعلمني بالأمر، والآن عد إلى متراسك بسرعة".

فيما بعد، أدركتُ أنّ مير حسيني كان يرى أنّ الانحناء في مواجهة رصاص وشظايا الأعداء على حد الشرك بالله، ربما كان قول هذه الجملة سهلًا، لكن العمل به شيء آخر..

نصل إلى كلية الزراعة، كان في انتظارنا عند الباب معاون الكلية السيد "حسن بور إسماعيل" وهو شاب طويل القامة، يصطحبنا إلى غرفته. نبدأ بالحديث، فقال بور إسماعيل لسلطان علي مير ضاحكًا: "أَتَذكُر لو لم أكن حينها لعلقت وسط العراقيين!".

وتتتالى الذكريات، كانا معًا في اليوم الأخير، جُرح سلطان علي مير وبقي في أرض العراقيين، فطلب مير حسيني متطوّعًا لإحضاره، عندها رفع بور إسماعيل يده وتصدّى للمهمة و..

أقطع عليهما ذكرياتهما فينتبها إلى أنّنا جئنا لأمر آخر! نؤجّل الخوض في الذكريات إلى يوم آخر. أطلبُ من بور إسماعيل أن يحدّثني عن ذكرياته مع مير حسيني:
 
 
 
 
 
58

42

الفصل الثالث

 في تلك الأيام، كنت رامي "دوشكا"، سألتُ عن مهمتي قبل العمليات فأجاب مير حسيني: "ابقَ في الخلف وسأطلب منك التقدّم في الوقت المناسب".


ليلة العمليات، كنت أسمع صوته عبر جهاز اللاسلكي، وأسمع ما ينقله عنه الجرحى المنسحبون للخلف. كان يقول عبر اللاسلكي: "لقد وصلت إلى الأعداء، هيا تقدّموا!".

أدهشني كلامه! فبدل أن يعطي الأوامر بالتقدّم، كان يقول للآخرين أن يلحقوا به سريعًا إلى حيث هو! كما أخبرونا أنّ مير حسيني قد جُرح، لكنه تابع التقدّم ووصل قبل الجميع إلى تلّ الشجرة1، ثم نادى العناصر كي تذهب إليه. كنا حتى الصباح نسمع أخبار تقدّم مقاتلي الفرقة، ومع شروق الشمس سمعت صوته عبر جهاز اللاسلكي، يقول بعد السلام والتحيات:
- يا حسن! لقد أرسلت لك عدة "سوبر اتاندارد"، حمّل أولادك فيها واصعد إلينا.

مهما فكرت، لم أفهم ماذا يقصد بـ "سوبر اتاندارد". صادف أن قامت فرنسا في تلك الفترة بتأجير طائراتها "سوبر اتاندارد" للنظام العراقي ليقصف بها سفننا في الخليج الفارسي.

كنت أبحث عن مفهوم هذا الرمز في دفتر الملاحظات2، عندما رأيت رجلًا يقود 3 بغال قادمًا نحونا. ما إن وصل حتى سأل بصوت عال:
 
 

1- تك درختي.
2- دفتر الإشارة.
 
 
 
59

43

الفصل الثالث

 - هل بور إسماعيل هنا؟

- أجل أنا هو.
- يقول لك الحاج مير حسيني أ
ن تُحمّل الدوشكا على البغال وتصعد إليه.

تعجّبتُ لقوله، إذ لم يخطر ذلك على بالي أبدًا. ساعدني الإخوة في تحميل الدوشكا على البغال وانطلقنا إلى التلّ. هناك رأيت مير حسيني فذهبت إليه. ما إن رآني حتى ضحك. قلت له:
- يا حاج! اعتقدتُ أنّك أرسلتَ وسيلة مريحة لتقلّني، لكن..

ضحك ثانية، لكن أثر ألم الجرح الذي أُصيب به الليلة الماضية بدا على وجهه.

التقيته ثانية في جزيرة مجنون، ومع أنّنا سيطرنا على الخطّ بشكل كامل، إلا أنّ العراقيّين كانوا يواصلون هجماتهم علينا، وقد فكّكوا الألغام والعوائق استعدادًا للهجوم المضاد. كان الظلام دامسًا تلك الليلة، وكلّنا متيقّظون لأدنى حركة تصدر من الأمام. كنت جالسًا في المتراس عندما سمعت صوت دراجة نارية قادمة، كان مير حسيني، لقد عرفتُ صوت دراجته لكثرة ذهابه ومجيئه عليها. ما إن وصل حتى نزل عن الدراجة وصرخ فينا: "استعدّوا يا رفاق، فالعدو يتقدّم نحونا". ثم بدأ بإعطاء التعليمات وتوزيع القوات. قبل أن يبدأ العدو هجومه طلب منّا تصويب كل ما نملك من أسلحة باتجاه خطّهم وفتح النار عليهم. حينها ظنّ العدو أننا ننوي الهجوم عليهم فسدّوا الثغرة التي أحدثوها في ساترهم الترابي. بعدها طلب مير حسيني منا أن نكبّر بصوت واحد.
 
 
 
60

 


44

الفصل الثالث

 صعدنا منتصف الليل إلى أعلى ساترنا الترابي وأطلقنا العنان لحناجرنا مكبّرين بأعلى الأصوات. كنّا نكبّر والعدو يقابلنا بإطلاق النار. بعدها ساد السكوت على طول الجبهة وتراجع العدو عن هجومه. بقي مير حسيني حتى الصباح في الخطّ متنقلًا فيه من مكان إلى آخر يتحدّث إلى المقاتلين واحدًا تلو الآخر. كان التعب قد أنهكني ودهمني النعاس عندما وصل إليّ فقال ضاحكًا:

- ما الأمر؟
- لا شيء يا حاج.
- هيا لنذهب إلى آخر الخط ونعُد.

منذ ليالٍ لم يكن قد أُغمض لي جفن بعد. ذهبنا معًا إلى نهاية الخط، كان يتحدث ويمازح كل من يصل إليه ويشجّعه لرفع معنوياته. بقي على تلك الحال حتى الصباح، بينما أعياني التعب وخارت قواي.

ما إن طلع الصباح حتى استطلعنا حقيقة ما كان سيجري الليلة الماضية. كان حقل الألغام قد فُكّك، ولو أن مير حسيني لم يكن موجودًا تلك الليلة...

يمضي الوقت، ننهض ونودّعه ونغادر. في الطريق يقول موسى:

في شتاء عام 1985، كانت فرقة "زاهدان 88" متموضعة في منطقة سومار. جاء مير قاسم لزيارتي ليلًا. عند الصباح سألني:
- أي المناطق تحت تصرُّف فرقتك؟
- مرتفعات كيسكه، بند بير علي، كهنه ريك، مرتفع 402، كله قندي و..
 
 
 
 
61

45

الفصل الثالث

 - أي المناطق أكثر حساسية؟

- كله قندي.
- لنذهب إلى هناك.

انطلقنا، وكانت كتائب القدس في الجيش الإيراني قد تموضعت في المكان. عندما دخلنا الخندق في الخط الأمامي، سمعنا صوتَ "ثاقبٍ كهربائي"، لقد كانت القوات العراقية تحفر خندقًا. قال مير قاسم:
- القوات العراقية تقترب من خطّكم، فهل قمتم بشيء لصدّهم؟

أجبت بالنفي، فقال:
- هذه التلّة استراتيجيّة بالنسبة إلى القوات العراقية، ومن دونها لن يستطيعوا رؤية شيء، لذلك يسعون بكلّ ما أوتوا من قوة للسيطرة عليها..

في 2 شباط سيطر العراقيون على التلّة. عندما عدت في إجازة أخبرته عن الأمر فكان على علم وسألني: "والآن ما هي خطّتكم؟".

أخبرته أنّ اللواء يتدرّب ليستعيد السيطرة على التلّة، فقال: "إذا حاولتم ذلك عن طريق تركيز الهجوم على نقاط محدّدة فستفشلون لأنّ الجيش العراقي سيصبّ عليكم حمم نيرانه ويصدّكم عن ذلك!".

في 8 آذار من العام ذاته، أنجزت المرحلة الأولى لاستعادة التلّة، لكنّنا أجبرنا على الانسحاب تحت وطأة قصف القوات العراقية ونيرانها تمامًا كما توقّع مير قاسم.

يحين وقت الوداع. أعلم أنّي أثقلت عليهم كثيرًا اليوم.
 
 
 
 
62

46

الفصل الثالث

 يرحلون وأعود أنا إلى غرفتي لأستريح حتى الغروب، ولأجول بين الأوراق والمذكرات ثانية. الجميع تحدّث عنه، والمثير أنني صرت أستطيع أن أجسّم في ذهني صورة لقائد نحيل يقف وسط النار والدخان، يحمل مكبّر صوتٍ عاجي اللون ويصيح. الجميع يتحدث عن نداءاته الحماسية، عن صيحاته وقراءته القرآن.


أحمل كتابات محمد رضا حيدري وأقرأ:
كانت عمليات خيبر، وكان العدو قد أمطر الجزيرة بنيرانه، فاستشهد قائد الكتيبة الذي كان مستقرًّا في الخط. كُلّف مير حسيني من قِبَل قاسم سليماني بالذهاب إلى الجزيرة والاهتمام بأمر القوات والوضع فيها، إضافةً إلى التحقيق بأمر غمر المياه لبعضٍ من أجزائها.

رافقته وانطلقنا. صرنا كمن ألقي به في جهنم! كانت القذائف المتتالية تنفجر في الأنحاء لدرجة شعرت أنني إذا ما أبعدت يدي عن جسمي قليلًا فسوف تتعرّض لمئات الرصاصات والشظايا في دقيقة واحدة. ذُهلت عندما نظرت إليه، كان هادئًا من دون أي خوف أو وجل، وكأننا لسنا عالقين وسط النيران.

في تلك الليلة، انتقلنا مرات عدة ما بين جزيرتي مجنون الجنوبية والشمالية. وفي اليوم التالي، كان مفعمًا بالنشاط والسعي والعمل ولم يسترح لحظة واحدة.

وفي اليوم التالي، 12 نيسان 1984، قصفت الطائرات المعادية الجزيرة، وجُرح خلالها عدد كبير من المقاتلين من بينهم مير حسيني. لكنه عوض أن يهتم بمداواة جروحه، صبّ اهتمامه على رفع معنويات المقاتلين كأنه لم يُجرح هو أيضًا. كان كعادته هادئًا وقورًا عند الشدائد.
 
 
 
 
63

47

الفصل الثالث

 مرة أخرى، ذهبت للتدرّب على القتال البرمائي في وحدة البحرية المتموضعة بالقرب من نهر كارون. كنّا ننزل إلى المياه ليلًا، ونستعدّ للعمليات ونصارع أمواج "أروند رود" العاتية نهارًا.


في إحدى الليالي، أُعطيت الأوامر بالتأهّب ووقفنا في طابور. نظّمنا أحد القادة في رتل وأعطى الأمر بالتحرّك. خرجنا من المعسكر وقطعنا مسافة طويلة إلى أن وصلنا إلى ضفة كارون. كانت مياه السيل قد غمرت الضفة منذ بعض الوقت فأضحت موحلة. أجلسنا القائد على الأرض وبدأ بالكلام. تحدّث عن العمليات وعن كيفية السير ليلًا وتطهير الضفة. في تلك الأثناء، رمى أحدهم، في آخر الرتل، حجرًا في الماء، فسأل القائد: من فعل هذا؟

لم يُجب أحد، فسأل ثانية، لكن من دون جدوى. عندها أمرنا بالنهوض والسير نحو الأوحال على الضفة. اعترض بعضنا على ذلك وتجادلوا مع القائد، ثم تركوا الرتل وعادوا إلى المعسكر.

بعد مدة جاء مير حسيني للقاء الإخوة في المعسكر، فشكا بعضهم ذلك القائد لمير حسيني. فاستنكر عدم انصياعنا للأمر، وقال: عليكم الانصياع للأمر أثناء التدريب والاعتراض عليه فيما بعد.

دُهشنا كثيرًا لردّ فعله، لكن بعد أن شهِدْنا طاعته للقيادة أدركنا معنى تصرّفه ذاك. لقد كان نموذجًا ومثالًا للمقاتل المطيع. تلك القيادة التي أعارت جماجمها للولاية وجاءت إلى ساحات الوغى والنزال عشقًا لمولاها.

ما زلت أذكر حادثة أخرى جرت معه. لا شك أنّ صاحب الأمر الحجة| كان حاضرًا معنا طوال 8 سنوات من الحرب المفروضة، لكن أن يدّعي أشخاص، وفي مدة زمنية محدّدة في الجبهة، أنهم رأوا إمام
 
 
 
64

48

الفصل الثالث

 الزمان، فهذا ما يثير الشكّ والريبة.


سألت مير حسيني عن هذا الموضوع، فكان يدحض هذه الادعاءات. لكنّه حدّثني عن إحدى ذكرياته قائلًا: "في عمليات "والفجر 3"، حوصر الشهيد "إمام دوست" وقواته 48 ساعة في الجبال القريبة من مهران. كان فصل الصيف، والحرّ الشديد قد أخذ منهم كل مأخذ. سمع إمام دوست صوتًا منتصف الليل يناديه بالاسم. ظنّ أنّ صاحب الصوت من الأعداء، وقد توسّل هذه الحيلة لتحقيق هدف ما. حمل بندقيته واتّجه ناحية الصوت، وكان كلّما سار نحوه ابتعد الصوت عنه، إلى أن اصطدم بعدد من مطرات المياه الباردة، فحملها وعاد إلى قواته. شربوا واستردّوا قوّتهم واستطاعوا كسر الحصار".

يؤمن مير حسيني بأنّ ما حصل هو من ألطاف الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف. كان يقول: "شخصٌ كالشهيد إمام دوست بما له من كمالات روحية، يستطيع أن يدرك عظمة هذه الألطاف؟!".

بعد ذلك، أمسك بمذكرات محمد كيخا. لم ألتقِ بأي من هؤلاء الأشخاص، لكنني أستطيع أن أجسّد صورة لهم في ذهني. جميعهم يتحدّثون عن مير حسيني حديث العشق والحسرة. حسرة فقدانه بالطبع. أي شخص هو مير حسيني؟ وماذا نثر هذا الشاب السيستاني على قلوبهم حتى سحرهم وأضحوا متيّمين به على هذا النحو؟:

في تلك الأيام قصفت الطائرات المعادية الجزيرة بالقنابل الكيميائية وأُصيب أحد الرفاق ليلًا بالحمّى. كانت الدموع تسيل من عينيه، كما أُصيب بالغثيان وراح يتلوّى من شدّة الألم. 

ذهبت إلى مير
 
 
 
 
65

49

الفصل الثالث

 حسيني وأخبرته بحال هذا التعبوي. عدنا إليه سريعًا، وما إن رآه مير حسيني حتى أمر سائقه بنقل التعبوي بسرعة إلى قسم الطوارئ، ثم التفت نحوي وسألني:

- ماذا عنك؟ هل أنت بخير؟
- لقد حقنت نفسي بالدواء المضادّ للكيماويات كما استخدمت القطارة لهذا السبب.

في تلك الليلة، نُقلت إلى المستشفى ومن هناك إلى طهران. في المستشفى، كان مير حسيني أول من التقيت به وقد وصل إليه قبلي. لقد أصيب بالقصف الكيميائي تلك الليلة، لكنه لم يخبر أحدًا كي لا يفقد المقاتلون معنوياتهم.

بقينا في المستشفى أسبوعًا كاملًا، عندما أردنا الخروج منه نويت الذهاب إلى زابل، فقال مير حسيني: "لا تخبر أحدًا بما جرى، سوف أعود إلى المنطقة لأنهم بحاجة ملحّة إليّ هناك".

ذهبت إلى زابل بينما عاد هو إلى جزيرة مجنون.

كان مير حسيني بعد كلّ عملية يدوّن أسماء الجرحى لزيارتهم وعيادتهم عند عودته إلى الديار. أذكر أنني جُرحت في عمليات "كربلاء 1" ونُقلت إلى مستشفى شيراز فجاء لعيادتي. لم أصدّق! لقد جاء برفقة عدد آخر من أبناء سيستان، جلس بقربي، فشعرت كأنني أمتلك الدنيا.

تجاذبنا أطراف الأحاديث، وأوصاني بكيفية قضاء الوقت هنا، ثم طلب من أحدهم أن يحضر لي من سيارته مجموعة من الكتب والمصحف
 
 
 
66

50

الفصل الثالث

 الشريف، في نهاية الزيارة أوصاني بالاهتمام بباقي الجرحى.


بعد مغادرته، جاء عدد من الجرحى وسألوني عنه ومن هو قائلين: "يا له من إنسان نادر الوجود". أخبرتهم أنّه معاون قائد فرقة ثار الله. لم يصدّقوا بادئ الأمر، وسألوني من أكون أنا وما هو عملي في الفرقة حتى يأتي لعيادتي؟ أوضحت لهم الأمر، وأنّ هذا هو ديدنه، حيث يدوّن أسماء الجرحى بعد كلّ عملية ويأتي لزيارتهم.

هناك ذكرى أخرى لن تُمحى من بالي أيضًا، حين كنّا عند غروب أحد الأيام في شلمتشة12 نستطلع مواقع العدو تمهيدًا للعمليات. كنت أجلس معه على الساتر الترابي المقابل لمواقع العدو وأمامنا لجة من الأمواج تتراقص عليها أشعة الشمس، تحدثنا بأمور مختلفة في ذلك الغروب الكئيب. سألني مير حسيني:
- ماذا ترى في هذا الماء؟
- لا شيء، مجرد أمواج.

هزّ رأسه قائلًا: "لكنّني أرى فيه دماء مقاتلين غيّروا لونه، أرى تماوج الدماء في لججه".

لم يكن قد حدثت أي معارك في تلك المنطقة بعد، لكن بعد سنتين غيّرت الحرب وجهها. في عمليات "كربلاء 5"، سمعتُ نبأ استشهاد مير حسيني عند الصباح، نظرت إلى الماء المائج وكأنه بحر من الدماء.

أقوم بإعداد برنامج الغد، فقد تقرّر أن يأتي شخصان ويتحدّثا عن عمليات بدر. أشعر بالنعاس وأنا أنظم مذكرات
 
 
 
 
67

51

الفصل الثالث

 عملية بدر ليوم آخر، يسقط بينها صدفةً مذكرات إسماعيلي، أسحبها وأقرأها:

جُرحت في عمليات خيبر، وبعد أيام عدة خرجت من المستشفى وعدت إلى المقرّ التكتيكي للفرقة في جفير. رآني مير حسيني وقال: "ابقَ هنا وأنجز الأعمال المطلوبة".

عندما كانت الكتائب ترجع من الخط، لم يكن أحدٌ هناك لاستلام الأسلحة وتسوية أوضاعهم، لذا تصدّيت أنا للمهمة. وُجد في المكان سيارة عسكرية لا أدري لمن تكون. استلمت الأسلحة ووضّبتها في صندوق شاحنة التويوتا الصغيرة. جاء مير حسيني وأراد العودة إلى الجزيرة. عندما رأى صندوق الشاحنة مليئًا بالسلاح سأل غاضبًا:
- لماذا استلمتَ أنتَ السلاح؟ أفرغ الشاحنة بسرعة!
- لم يكن مسؤول التسليح موجودًا.

أفرغتُ السلاح وأنا مستاء، بينما ذهب هو إلى الخط الأمامي.

عندما عاد ضمّني إليه وقال بلهجته الزابلية:
- أخ ميرزا! لا تنزعج مني، لقد تصرّفت هكذا لأنّ لكل عملٍ مسؤوله الخاص به، ويجب أن لا نتصرّف على هوانا.

طأطأت رأسي إذ كنت أعلم أنّني مخطئ.

أنهض من مكاني. الوقت تأخّر، غدًا سأذهب إلى "بدر" شرق نهر دجلة. جادة الخندق - جزيرة مجنون، إلى المجاري المائية المتداخلة، ورجل يقتحم ميادين الوغى. غدًا يوم آخر.
 
 
 
 
68

52

الفصل الرابع

 أُصاب بالدوار من كثرة الأوراق المكدّسة بعضها فوق بعض في هذه الغرفة الصغيرة، ففي كل زاوية منها توجد مجموعة، هذه تحكي حادثة، وتلك تحكي عن إحدى العمليات. أُسرّ لأنني أستطيع فرز المذكرات المتعلقة بعمليات بدر فأتمكن من قراءتها قبل أن يصل ضيفي. يبدأ "موسى مير شكار" كما يلي:


كنتُ مع طلائع القوات الواصلة إلى شرق نهر دجلة، قمنا بتمشيط الخط وتطهيره من أوّله إلى آخره، وعملت الزوارق على نقل المقاتلين إلى منطقة المعارك.

لم تكن الفرقة قد استقدمت العتاد الكافي بعد، وكنا ندحر العدو ونجبره على التقهقر بما تيسّر من السلاح والعتاد. التقيت مير حسيني صباح العمليات، كان يصيح ويوجّه القوات. ذهبت نحوه، وما إن رآني حتى قال:
- أحضر الماء للمقاتلين فحسب.

لم تكن المنطقة قد طُهّرت من الأعداء بالكامل، وما زال الجنود العراقيون مختبئين في الدشم والمتاريس. لم يكن معه أيّ سلاح، قدّمت له رشاش عوزي1 كان بحوزتي وقلت له:
 

1- غوزي أو أوزي، وهو مسدّس رشاش أتوماتيكي ونصف أتوماتيكي.
 
 
69

53

الفصل الرابع

 - احتفظ بهذا الرشاش معك فلربما احتجته.


رفض بداية، لكن بعد إصراري قال:
- حسنًا! دعه هنا، ثم تابَعَ عمله.

وضعت الرشاش بالقرب منه، وذهبت لإحضار الماء. كان العراقيون قد استشرسوا في المقاومة، ومقاتلونا يدحرونهم شبرًا شبرًا.

انشغلتُ بإيصال الماء والعتاد إلى القوات ساعة من الزمن، وعدت إلى مير حسيني لأرى إن كان لديّ عمل آخر، فرأيتُ السلاح في مكانه لم يمسسه أحد. حملته وقلت مستنكرًا:
- لكن يا حاج...

قاطعني قائلًا: "أخبرتك أنني لا أحتاجه".
التقيتُ به مرة أخرى في العمليات التالية، وكان يحمل بدل البندقية مكبّرًا للصوت له مقبضٌ عاجيّ اللون، لطالما رأيته، وفي أحلك الظروف وأقساها، يهتف وينشر الحماسة بين قواته فينقضون على الأعداء. كان سلاحه مكبّرًا للصوت ولسانًا قاطعًا كلسان مالك الأشتر.

أشعرُ بالنشاط اليوم، والنسيم منعش والهواء بارد، يذهب عني الانقباض الذي شعرت به أمس. أحمل كتابات "حبيب دانش شهركي". كان عليّ أن أنتقي بعضًا منها لأضمّها إلى مجموعة أخرى من الأوراق لأستفيد منها في الوقت المناسب، وأبدأ بقراءة ما كتب عن عمليات بدر:

اصطفّت الزوارق في المجاري المائية، وانتشرت على الضفتين حقول القصب والنجيليّات. كانت المجاري المائية متداخلة، لا أعرف كيف لا
 
 
 
 
70

54

الفصل الرابع

 يتيه الملّاحون فيها. وصلنا إلى مفترق طرق فرأيت الفوانيس وقطع الفلّين الأبيض التي تدلّنا على الطريق الصحيح.


كنت أجلس في القارب، وأنظر إلى الخلف محدّقًا بمجاري المياه، محاولًا حفظ كلّ ما أراه.

عندما رآني مير حسيني أنظر إلى الخلف باستمرار سألني:
- ما بك، لِمَ تنظر إلى الوراء باستمرار؟

أجبته وأنا أحدّق في المجرى المائي التالي:
- أُمعنُ النظر بمجاري المياه لأحفظها حتى إذا ما أجبرتُ على الانسحاب، لا أتوه فيها.

ما إن سمع كلامي حتى انتفض قائلًا:
- لا يحق لك النظر إلى الخلف. نحن نسير إلى الأمام، ولا يحق لنا النظر إلى الخلف، علينا النظر أمامنا فحسب، حيث خط الأعداء.

قال ذلك بحزم كبير، فلم أجرؤ معه على النظر إلى الخلف ثانيةً.

تقدّمنا، واقتحمت القوات خطّ الأعداء بشجاعة، وتوغّلنا في عمق جبهتهم. لم يفصل بين جزيرة مجنون والخطّ غير الماء، كانت الذخائر والعتاد تصل بصعوبة بالغة، كما إنّ مروحيات العدو كانت تقصف مجاري المياه وحقول القصب ما أعاق عبور الزوارق.

في الخط، أُجبرنا على الدفاع بما تيسّر من الإمكانيات المحدودة. حوصرنا بين الأعداء والمسطحات المائية، وكنا نرى أمامنا دبابات العدو وأعدادها تتزايد باستمرار. تراجعت قواتنا إذ لم يعد في الإمكان الصمود والدفاع أكثر من ذلك. كنت في المقدّمة مع مير حسيني،
 
 
 
 
71

55

الفصل الرابع

 سرغزي زاده، بودينه وعدد قليل من الإخوة. قلت لمير حسيني:

- بما أن قواتنا قد انسحبت، لِمَ لا نتراجع نحن أيضًا إذ لم يعد في اليد حيلة.

حينها نطق مير حسيني بما جعلني أخجل أن أطلق على نفسي بعد ذلك اليوم، اسم مقاتل أو مجاهد:
- قال لي قائد الفرقة الحاج قاسم سليماني، إمّا أن تحفظ الخطّ أو تستشهد فيه. وأنا بناءً لأوامر قائدي سأبقى هنا، إما أحفظه أو أستشهد دونه.

كنت أعرف مدى احترام مير حسيني وتقديره للحاج قاسم سليماني، لكنني لم أتصوّر أبدًا أنه على استعداد لبذل آخر قطرة من دمائه ليحافظ على عهده. كنا على يقين أن مير حسيني يعلم عجزنا عن البقاء، وأن الأعداد الغفيرة والهجوم الواسع للأعداء سيجبراننا على التراجع والانسحاب في النهاية، إلا أنه عقد العزم على الوفاء بالعهد الّذي قطعه على نفسه.

خلال العمليات، أسرنا أحد قادة الجيش العراقي، وكان قوي البنية طويل القامة، يبلغ طوله حوالي المترين. كانت هذه المرة الأولى التي أقيّد فيها يديّ أسير. كان من الخطر إبقاؤه طليقًا مخافة أن يهاجم الإخوة فيقطّعهم إربًا. حملناه في الزورق وأرسلناه إلى الخط الخلفي حيث بدأ مير حسيني باستجوابه. وبما أنني أجيد اللغة العربية بعض الشيء، رحت أترجم له.

تحدّث مير حسيني إليه حوالي الساعة بهدوء، رويدًا رويدًا
 
 
 
 
72

56

الفصل الرابع

 انقلبت حال القائد العراقي وهدأ روعه تمامًا، كأنّنا صببنا الماء على النار. بعد ساعة تقريبًا أمرنا مير حسيني بحلّ وثاقه، ثم قدّم إليه البرتقال. فجأة أجهش الأسير بالبكاء، ثم ضمّ إليه مير حسيني وأخذ يقبّله. كان مير حسيني يمتلك رأفة علي عليه السلام في الحرب.


يُقرع الباب. إنهما "حميد شفيعي" و"حميد سرغزي زاده". يدخلان ويتعجّبان لوجود كلّ تلك الأوراق التي تطوّقني. أشرحُ لهما الأمر فيضحكان. نجلس على الأرض، نتبادل أطراف الحديث، وخاصةً الحديث عن مير حسيني، فهو محور كلامنا وأحاديثنا. يبدأ حميد شفيعي الكلام، أضعُ آنية حفظ الحرارة المليئة بالشاي والأقداح بجانبي كي لا أضطر للنهوض وإحضارها أثناء حديثه، أريد أن أكون أذنًا صاغية لكلّ كلمة يتفوّه بها. يبدأ الكلام:
وصلنا إلى شرق دجلة. شرحتُ لمير حسيني الوضع وسألته: "أين نتموضع كي لا نتعرض للمشاكل كثيرًا؟".

حدّدَ مواقعَ القوات ونقاط الدفاع، ووزّع قادة الكتائب قواتهم على تلك النقاط. قلت له:
- سنواجه مشاكل بهذا العدد القليل من العناصر.
- أوافقك الرأي، لذا أحضرنا كتيبة عباس زاده1 أيضًا.

هاجمنا العراقيون، وكان الصمود في مواجهتهم صعبًا للغاية، لكن مير حسيني أصرّ على قراره، وقال: "خذوا وضعية القتال وقاوموا".
 

1- عرج إلى السماء الزرقاء بوجه أحمرٍ قانٍ.
 
 
 
73

57

الفصل الرابع

 أرسلني أنا وبودينه إلى ميمنة القوات، وأرسل عددًا آخر من قادة الكتائب إلى الميسرة، بينما تولّى هو رأس الحربة.


اتصل مير حسيني بـ "بودينه" عبر اللاسلكي وقال له:
- أيها الرفاق لا خيار لدينا سوى المقاومة، فلا معنى للتقهقر في قاموسنا، لقد دخلنا المعركة كالإمام الحسين عليه السلام وسنخرج منها مثله مرفوعي الهامات.

هاجمنا الأعداء من كل حدب وصوب، ودارت معارك ضارية بالسلاح الأبيض. رغم ذلك، وكي يرفع مير حسيني من معنويات المقاتلين، وقف أعلى الساتر الترابي وراح يرمي على الدبابات العراقية. بقي على تلك الحال حوالي الساعة، ونحن نتوقع أن يتصل في أي دقيقة ويطلب منّا الانسحاب ولو مئة متر، لكنه لم يفعل. كان المقاتلون يدافعون عن مواقعهم بالرشاشات وقذائف الـ"آر بي جي"، وقد استشهد منهم عدد لا بأس به، لكننا لم نتزحزح عن مواضعنا قيد أنملة. صمدنا وقاومنا إلى أن تمكن العدو من فصل ميسرة قواتنا. عندها بدأنا انسحابًا تكتيكيًا متراسًا بعد متراس.

كان مير حسيني على الساتر الترابي عندما أصيب برصاصة فتدحرج على الأرض. ذهبتُ إليه ورأيته يبكي. نظرت لأرى مدى تقدّم القوات العراقية حين قال لي:
- أوصل سلامي للحاج قاسم سليماني.

اشتدّ قصف الأعداء خلف خطّنا في محاولة لعزلنا عن خطوطنا الخلفية. قلت:
 
 
 
 
74

58

الفصل الرابع

 - كفى يا حاج! هيا اركب لأحملك على ظهري ولنغادر المكان.


رفض قائلًا: "دعني هنا وارحل".

أجبرته على النهوض وانطلقنا. كنت قد تعلّمت من الإخوة في وحدة الاستطلاع في جبهة غرب البلاد دعاءً وَرد في حديث للإمام الصادق عليه السلام، يحتوي على معانٍ جميلة، ومما جاء فيه أن الله تعالى إذا شاء أن يحمي عبدًا ويحفظه كان له حصنًا ودرعًا منيعًا. رحتُ أتمتم بهذا الدعاء في الطريق.

أدرت رأسي لحظةً، فرأيت أن دبابة العدو قد وصلت إلى الساتر الترابي وصوّبت مدفعها نحونا. تمتمتُ بالدعاء، وأطلقتْ قذيفة، ولكنّها مرّت بمحاذاة جسمي.

أسرعتُ مع عدد من الإخوة نحو الزوارق. كان بالقرب من الـ"بَّد" (الموقع)1 مستنقع فغرقنا في الوحل إلى الركبتين. لم أكد أتوقف حتى رأيت مروحية الأعداء تحوم فوق رؤوسنا وتطلق النار نحو الزوارق واحدًا تلو الآخر. أخرجنا الزوارق بصعوبة من بين القصب كان الظلام قد حلّ فقال مير حسيني:
- لقد عذّبتك بما فيه الكفاية، دعني هنا و..

قاطعته قائلًا: "يا حاج! ما إن يصل العراقيون إلينا حتى يصبح تكليفي أن أتركك هنا وأرحل.

بقينا هناك حتى منتصف الليل، لم يكن القارب يتحرك، سمعت
 

1- بّد: مواقع مائية محصنة بطريقة خاصة، حيث تردم المستنقعات وتقام عليها طرقات مستوية، وتجعل على جوانب وزوايا الطريق مواقع وتحصينات، قتالية، وللحراسة، والدعم والتجهيزات والمخازن أو الإسناد يطلق عليها (Pad).
 
 
 
75

 


59

الفصل الرابع

 صوتًا خافتًا يقول: "إيراني... إيراني!".


أصغينا جيدًا لنتأكد إن كان صاحب الصوت إيرانيًا أم لا! كان صوته مألوفًا. عرفناه، إنه منصور حسيني1، مسؤول تسليح الفرقة، وقد أرسله قاسم سليماني بحثًا عن مير حسيني.

ناديناه وقلت له إنّ العراقيين في المكان. حملنا مير حسيني على مهل ووضعناه في الزورق الصغير الذي حضّره وانطلقنا في النهر لا نعرف ما إذا كنّا في الطريق الصحيح أم لا. كما إنّ قصف الأعداء لم يتوقف.

نظر مير حسيني في الأنحاء وقال: "إنه نهر إحسان، نحن في الطريق الصحيح". غطّت السحب وجه السماء. استعنّا بنباتات القصب لدفع الزورق إلى الأمام وتقدّمنا وسط النهر إلى أن ابتعدنا مسافة كافية عن الأعداء، ثم شغّلنا محرك الزورق مبتعدين عن المكان. بعد مسافة قصيرة سمعنا بعض الأصوات، كانت عناصر طهرانية. لما اقتربنا أكثر رأيت الحاج قاسم سليماني يقف بالانتظار. كان ينتظر مير حسيني.

يتنفّسُ بعمق، فأقدّم له الشاي كي يرطّب شفتيه. يصمت حميد سرغزي زاده كأنه عاد إلى ذلك اليوم وتلك الساعة وذلك المكان ومن دون أن أنطق بأي كلمة أو سؤال، بدأ بالكلام:
كان الوضع صعبًا جدًا، فقد انسحبتْ قواتنا ولم يبقَ سواي مع 7 أو 8 عناصر، لا ندري ما العمل. فجأة وصل مير حسيني وقال:
- يقول الحاج قاسم سليماني الانسحاب ممنوع.

أخبر الجميع، كان العراقيون قريبين جدًا، فراح يرمي عليهم
 

1- ارتقى إلى الملأ الأعلى مرتديًا ثوب الشهادة الأبهى.
 
 
76

60

الفصل الرابع

 القنابل اليدوية، ثم نهض وحمل سلاح الـ"آر بي جي"، وضع يده على الزناد لكن القذيفة لم تنطلق فرماه جانبًا وعاد لرمي القنابل.


مرت دقائق وهو على تلك لحال. بيد أن ذلك لم يرضه فعاد وحمل الـ"آر بي جي"، لكن أيضًا لم تنطلق القذيفة، فرماه بغضب داخل الماء. فقدنا الأمل في الحفاظ على مواقعنا وشعرنا بالاضطراب. فقد اقتربت دبابات العدو وراحت تفصل بين قواتنا، ولم يعد من سبيل أمامنا غير الوقوع في الأسر أو النزول إلى المستنقعات.

زحفتُ نحو مير حسيني، قال لي:
- سنبقى، لقد أمرنا قائد الفرقة بالبقاء.

- لكن يا حاج سنقع في الأسر، ولن يرضى الحاج قاسم بوقوعك أسيرًا. على الأقل أنقذ أرواح من تبقّى من عناصر.

لم يكن راضيًا، لكنه أعطى الأمر بالانسحاب. كان علينا الوصول إلى الضفة حيث الزوارق، انطلقنا ونحن نتوقع وصول العراقيين إلينا في كل لحظة ليمطرونا برصاصاتهم. وصلنا إلى حيث تركّز قصف الأعداء، كانت القذائف تعبر من فوق رؤوسنا لتسقط في الماء وتنفجر. لم يسمح لنا القصف بالعبور فوق السدّ، اضطررنا للسير بمحاذاته وقد غمرنا الوحل حتى الركبتين. تناثر الجرحى هنا وهناك، لكننا لم نستطع فعل أيّ شيء لهم.

وصلتُ إلى أحد الجرحى، فأصرّ عليّ أن أخبر أهله بأنه وقع أسيرًا، وعلى بعد خطوات أمسكَ أحدُ الجرحى بقميص مقاتل يرجوه أن يأخذه معه، وعندما وصلتُ إليه تعلّق بقدمي. إلهي! 
ماذا عساي أفعل؟ حررّتُ
 
 
 
 
 
77

61

الفصل الرابع

 نفسي من قبضته بكل قسوة وتابعت طريقي. ليتني جُرحت أيضًا فلا أصاب بعذاب الوجدان هذا. بعد مسافة رأيتُ عامل إشارة اللواء يجلس وينظر نحوي، لا أدري هل جلس من التعب أم هو مصاب. جلستُ قربه قليلًا ثم نهضتُ وتابعتُ طريقي. بعدها رأيت جريحًا مخضبًا بدمائه، وقد رفع كمّي قميصه كأنما ينوي الوضوء.


نظرتُ إلى الخلف فرأيت الجنود العراقيين قد وصلوا إلى ذلك الجانب من الساتر الترابي، يهلّلون ويحتفلون بنصرهم.

وصلتُ إلى الضفة، كان في القارب ثلاثة جرحى، فقد أرسل مير حسيني الجميع إلى الخلف. رأيته، وكان هو مصابًا أيضًا. ذهبتُ إليه ورأيت معاون اللواء قد سقط في الماء فسحبته. 

أصر مير حسيني علينا أن ننسحب ونتركه. لم يرضَ أحد بذلك، حمله "شفيعي" على ظهره رغمًا عنه، وراح يركض به. انتابني قلقٌ شديدٌ وخشيتُ أن يحدُثَ لشفيعي أي مكروهٍ فينتهي أمرنا حينها. ما إن نهضت حتى غابا عن ناظريّ.

ركضتُ إلى جانب الصخرة فوجدتهما قد احتميا خلفها، بدا شفيعي خائر القوى. قلتُ لمير حسيني إنّي سأذهب لأحضر زورقًا، فلم يعقّب على الأمر. في النهر، رأيتُ أحد العناصر يصلح زورقًا فسبحت نحوه وركبت معه وجذفنا به نحو الضفة حيث ركب مير حسيني وشفيعي وانطلقنا. على بعد مئة متر من السدّ التقينا أحد العناصر في الماء، طلب من مير حسيني أن يقلّه معنا فسبح نحونا وركب الزورق. لم نكد نقطع مسافة قصيرة حتى علق الزورق بين نباتات القصب الصغيرة وباءت جميع محاولاتنا لجعله يتحرك بالفشل. راح كلٌّ منّا يقدّم اقترحًا. كنا خمسة أشخاص وتضاعف قلقنا عندما سمعنا أصوات العراقيين.
 
 
 
 
 
78

62

الفصل الرابع

 كنا نأمل القيام بشيء ما عند حلول الظلام. بعد ساعة، عمّ الظلام وتعلّقت آمالنا بسماع أصوات قواتنا الذين قد يُرسَلون لإنقاذ مير حسيني. تنبّهنا لصوت زورق لكنّنا لم نكن متأكدين إن كان من قواتنا أم لا. أُطفئ محرك الزورق على مقربة منّا، وسمعنا أصواتًا، لكنّ كلامهم كان مبهمًا، لذا لم نتأكد من هويتهم. عيل صبرنا فالانتظار قاتل. بدأنا بالمناداة والصياح. نادى أحدهم: "مقاتل حسيني".


فقلتُ بصوتٍ عالٍ: "مير حسيني وليس مقاتل حسيني".

تقدّم منا وما إن رآنا حتى نادى طاقم الزورق، فشغّلوا محرّكه واقتربوا نحونا. حينها بدأ مير حسيني بالبكاء. لم أكن قد رأيت بكاءه من قبل حتى في أحلك الظروف، فبكيت معه أيضًا.

قال مير حسيني:
- كيف لي أن أنسحب؟ ماذا سأقول للحاج قاسم؟ كيف لي أن أتراجع وقد غرق "ميرزائي" أمام ناظري؟!

صُعقتُ للخبر، لقد ذهب ميرزائي لجوار أخيه! رفع شفيعي مير حسيني وساعده على ركوب الزورق الآخر. قال أحدهم: "إن لم يتسع الزورق فسأبقى هنا؟!".

لكن الزورق اتسع للجميع. انطلقنا في الاتجاه الخاطئ ناحية القوات العراقية الذين بدأوا بإطلاق النار نحونا. أطفأنا محركَ الزورق كي لا يكشف مكاننا للأعداء، وتوقعنا أن يأتوا لأسرنا 
في أي لحظة.

كان الظلام دامسًا، وقد غاب القمر خلف الغيوم، لذا لم نستطع أن نتبيّن طريقنا، كما إنّ مجاري المياه المتداخلة قد صعّبت مهمتنا.
 
 
 
 
79

63

الفصل الرابع

 كان مير حسيني قد غاب عن الوعي، فانتظرنا ريثما يعود إلى وعيه، ويرشدنا إلى الطريق الصحيح للانسحاب. بعد ساعات عدة، عاد وعيه وقد ساءت حالته كثيرًا. نظر في الأنحاء وقال إنّه علينا الحركة عكس اتجاه أنوار مدينة القرنة العراقية ثم فقد وعيه ثانية. اختلفت آراؤنا وقدّم كلٌّ منا رأيه الخاص، وما زاد من قلقنا صوت الزوارق في الأنحاء ونزيف جرح مير حسيني. في النهاية انطلقنا ووصلنا إلى النهر الأساس. 


آلمنا أنين مير حسيني الخافت كثيرًا، كانت الرصاصة قد خرقت عظامه فاشتدّ ألمه.

خلال لحظات شعرنا أن أحدًا ما يعطينا إشارات بواسطة الضوء. أطفأنا محرك الزورق لنتأكد أولًا من هويتهم. كم فرحنا لدى سماع صوتٍ باللغة الفارسية. اتجهنا نحو الصوت، وجدنا زورقًا آخر أمامنا. كان قائد الفرقة في ذلك الظلام واقفًا على الزورق، وقال عندما رآنا:
- مير حسيني؟
- هو معنا!

أجبته ثمّ أسرع إليه وسلّط ضوء مصباحه اليدوي على وجهه. فتح مير حسيني عينيه وبدأ بالبكاء لدى رؤيته الحاج قاسم، كان بكاؤه يشتدّ أكثر فأكثر.

وضع الحاج قاسم رأسه على كتفه وأسرّ له بكلام ليهدّئ من روعه. أحضروا زورقًا آخر ثم وضعوا مير حسيني فيه وانطلقوا نحو قسم الطوارئ.

أسكبُ لهما الشاي ثانية، بدا التعب والإرهاق عليهما جليًا.
 
 
 
 
80

64

الفصل الرابع

 لقد وقعتْ أعباء الحرب على كاهل هؤلاء الرجال الذين يعمل اليوم كلّ واحد منهم في مكانٍ ما. يا لها من أيام عاشوها! كانت بعض أحاديثهم ورواياتهم عن مير حسيني أشبه بالأساطير، فهل يعقل أن يتحمل إنسان كل تلك المصائب؟ تُرى من كان مير حسيني ذاك؟!


يتحدّث مير عباس عن المستشفى وما جرى فيه، وكانت الحلقة المفقودة في أحاديثنا، أحداث عمليات "بدر". يغادر الضيوف فأعود وأجلس وسط الغرفة وأنا أتذكر حديث "مير عباس": علِمتُ في النصف الأول من شهر آذار1 بخبر إصابة مير قاسم. قلت للعائلة إنّني في مهمة إدارية، وانطلقت نحو مدينة شيراز حيث وجدته في أحد مستشفياتها. لم أره قبل ذلك اليوم يعاني من مشكلات. كان يقول: "إنّه مستشفى خاصّ، لا يراعون فيه الأمور الشرعية، فالشبّان والفتيات يجولون معًا في ممرّاته. منذ أيام، عندما اعترضت على ذلك صاروا يحقنونني بالمهدّئات والمورفين كي أبقى نائمًا. أصبحتُ لا أستطيع أن أمضي يومًا من دون حقني بتلك المادة، أشعر أنني أصبحت مدمنًا عليها...".

كان يبكي من سوء تلك الأوضاع. قال مسؤول المستشفى إنّهم لم يصادفوا مريضًا كهذا من قبل. وقال الطبيب الجراح إنّه أجرى عملية جراحية لآية الله فلان وفلان، لكن أحدًا منهم لم يعترض كما يفعل هو و...".

استنكرتُ الأمر، وتواصلت مع مركز (أركان) نقل الجرحى في
 

1- 17 أو 18 من شهر اسفند الهجري الشمسي. 
 
 
81

65

الفصل الرابع

 الأهواز، فوضعوا سيارة إسعاف في تصرّفنا، ونقلنا مير قاسم إلى كرمان. وبسبب عدم تلقيه العناية اللازمة في مستشفى شيراز، فَقَدَ وعيه في الطريق. وصلنا بصعوبة بالغة إلى قسم الطوارئ في "بردسي"، وبعد تلقّيه العلاج تابعنا طريقنا إلى كرمان حيث أدخلناه مستشفى الشهيد "باهنر". مع أنها كانت عطلة عيد النوروز، إلا أنّ الممرضين كانوا يأتون تطوعًّا للاهتمام بعلاجه. بقي في المستشفى أسبوعًا كاملًا، كان الناس خلال تلك المدة يعودونه من الصباح وحتى الساعة 12 ليلًا، جاء أيضًا إمام جمعة المدينة، قادة الفرق، مسؤولو المحافظة، المقاتلون وغيرهم.


انطلقنا نحو زابل. كان مير قاسم يتألم كثيرًا في الطريق. توقفنا في "ماهان" ووضعنا حجرًا في سيارة الإسعاف كي نزيد من وزنها، وبالتالي يقل اهتزازها. وصلنا أول الليل إلى زاهدان، وجاء الإخوة من الحرس والتعبئة لاستقباله. هناك بدّلنا سيارة الإسعاف وتابعنا طريقنا نحو مدينتنا.

كان الجزء السفلي من بدن مير قاسم مغطّى بالجبيرة، لكنه خلال الشهرين حين بقي في المدينة للعلاج لم يهدأ لحظة واحدة. كنّا نحمله على النقالة من مجلس إلى آخر لإلقاء الكلمات، فيخطب بالمتطوّعين إلى الجبهات في المسجد والمصلّى، وفي الجامعة والمدارس وغيرها. كان يرفع رأسه وهو ممدّد على النقالة ويلقي كلمته. كما إنّه تابع دراسته خلال تلك المدة، إذ كان ينوي الالتحاق بالجامعة، كان الأساتذة يأتون إلى المنزل ويشرحون له الدروس.

عاد مير قاسم بعد تماثله للشفاء إلى الجبهة مباشرة.

أريد أن أدع العمل جانبًا اليوم لأجول قليلًا في مدينتي
 
 
 
 
82

66

الفصل الرابع

 سيستان وزابل. أسكبُ قدح شاي آخر لي وأسحب ورقة من بين كومة الأوراق. كتب حسن معزي:

في ذلك اليوم، دعونا للذهاب إلى المسجد الجامع حيث سيلقي مير حسيني كلمة. كنت قد سمعت باسمه سابقًا، وأعلم أنه أحد قادة فرقة "ثار الله". ذهبتُ مع الرفاق إلى هناك، كان المسجد مكتظًا. وجدنا لأنفسنا مكانًا وسط الجموع وجلسنا، لكنّ شقاوة أيام الشباب لم تدعنا نثبت في مكان واحد، قضينا الوقت ما بين إثارة الضوضاء والتقلّب والتململ.

هناك تعرّفت إليه لأول مرة. جسمٌ نحيلٌ ووجه نحيف، قدمه مجبّرة ويجلس على كرسي متحرك. أمر لا يُصدَّق! كان بعيدًا عن الصورة التي رسمتها له في ذهني، بُعد السماء عن الأرض. 

جلس قبالتنا وبدأ بالكلام، وأيّ كلام! في الدقائق الأولى، لم نكن نلتفت كثيرًا لكلامه، لم يمضِ وقت قصير حتى تحوّلت جدران المسجد إلى آذان واعية. الجميع صامت، وكأنّ على رؤوسنا الطير، حتى إنّنا نسينا التنفس، فقد ضجّ كلامه بالحماسة.

لم أدرِ كيف ومتى انتهى كلامه. عندما عدنا إلى المدرسة، قررنا جميعًا الذهاب إلى الجبهة. قد يصعب عليكم التصديق، لكنّ اثنين فقط من زملاء صفّنا لم يذهبا إلى الجبهة. أحدهما من 
الإخوة السنّة، والثاني بقي بصفته معيل العائلة، ليتمكّن أخوه من الذهاب إلى الجبهة. هذا أشبه بالأساطير، لكنّني عاينتُ ذلك بنفسي: رجلٌ على كرسيّ متحرّك، خطاب لا يُنسى، وصفّ خالٍ من تلامذته. حقًّا كانت حياة ذلك الرجل أشبه بالأسطورة.
 
 
 
 
 
83

67

الفصل الرابع

 أنهضُ من مكاني، فأنا أيضًا إنسان، وكيف لي أن أتحمّل كلّ ذلك؟! وكم هي طاقتي كي أتحمّل خلال يومين أو ثلاثة، التعرّف إلى رجل يعادل ألف رجل، هو جوهرة خاتم هذه الديار!


كلّ الظن أنني أمام أسطورة. لقد قابلت وتعرّفت إلى كثير من الرجال، لكنّ هذا الرجل يختلف عنهم.

أنهض إذ عليّ الذهاب.
 
 
 
 
 
84

 


68

الفصل الخامس

 تتوقّف السيارةُ أمام الباب ويطلق السائق العنان لبوقها. أجهّز نفسي بسرعة، أحمل الأوراق التي أحتاجها وأخرج. ينتظرني في الخارج شاحنة (تويوتا) صغيرة وشخص لا أعرفه. ألقي التحية وأركب بسرعة. أعرّف عن نفسي فيقول:

- أنا محمد ميري، ابن أخت الشهيد مير حسيني.

كنتُ قد أخبرتهم أنني أريد الذهاب إلى منزل "عائلة مير حسيني" القديم، فقالوا لي إنّهم سيرسلون في الصباح أحدهم ليأخذني. كانت الطريق مزدحمة، ويسير التلامذة على جانب الطريق باتجاه المدرسة وهم يراجعون دروسهم من دون الالتفات إلى ما يجري حولهم. فهذا فصل إجراء الامتحانات.

بداية، نجول في المدينة، يعرّفني محمد ميري إلى مهنية الزراعة حيث كان مير قاسم يدرس، ومن ثم نذهب إلى منزله في المدينة بعد الزواج حيث أُصيبت أخته برصاصة. قرأتُ مختصرًا عمّا حدث، لكنّني كنت أريد معرفة المزيد.

أدوّن ملاحظة على هامش الورقة لأتذكرها فيما بعد وأسأل عنها. أتصفّح الأوراق التي أحضرتها معي، وأقرأ ما كتب "يوسف كيخا":
 
 
 
 
 
85

69

الفصل الخامس

 عُقدت في العام 1985م جلسة خطابية حول الحرب والجبهة لموظفي الحكومة في مسجد رضوان. كان الوقت عصرًا، وشارك فيها مير حسيني خطيبًا، على أن تقام صلاة المغرب جماعةً مباشرة بعد خطابه. بدأت الجلسة بعد ساعة عن موعدها المقرر مسبقًا، كما طالت التحضيرات لها. بعدها اعتلى مير حسيني المنبر لإلقاء كلمته.


وسط إلقاء الخطاب، دخل الشيخ "بياني" إمام الجمعة في زابل ليؤمّ الصلاة، فقطع مير حسيني خطابه احترامًا له ودعاه لإلقاء كلمة، فقال الشيخ: "علينا التحضير لإقامة الصلاة لذا ينبغي أن تنهي كلمتك".

أنهى مير حسيني كلامه وانشغل الجميع بالتهيّؤ للصلاة. بعدها ذهبنا إلى منزل مير حسيني المستأجر والقريب من المسجد، وبما أن الشيخ بياني قطع كلمة مير حسيني بقيت الجلسة ناقصة، وهناك خاطب مير حسيني الحضور قائلًا: "يجب توجيه الشكر لإمام الجمعة، فجلّ اهتمامنا منصبّ على إقامة الدولة الإسلامية وإقامة الصلاة، وهذا ما قام به. فلا تنزعجوا كي لا يغضب الله مني".

أسكتنا جميعًا بهذا الاستدلال، بعد ذلك لم يتطرق أحد إلى هذا الموضوع.

أتعجّب كثيرًا لسلوك هذا الرجل. إذ التقيتُ عدداً من الرجال، وكل من التقيتُ به إلى الآن مثّل بُعدًا واحدًا، أو كان الغالبُ على شخصيته أمرًا واحدًا، فكان أحدهم شجاعًا، والآخر أهل سير وسلوك أو أهل مطالعةٍ فقط. قلّما عرفت محاربًا يجمع كل هذه الخصال. كتب عبد الله أفشاري عن أيام الجبهة: ذهبتُ إلى الجبهة حديثًا، في ذلك اليوم وقفت أمام مركز الحراسة،
 
 
 
 
86

70

الفصل الخامس

 ركبتُ سيارة متجهة إلى الأهواز، وأجريت اتصالًا بزابل فقد اشتقت كثيرًا لمدينتي. أثناء ذلك وصلت سيارة مير حسيني وتوقفت خلف نقطة الحراسة، كان يريد الخروج من المعسكر. حدّثت نفسي أن ألوّح له بيدي ليتوقف. لكنّ عزة نفسي لم تسمح لي بذلك، لذا سرت بمحاذاة الأشجار على جانب الطريق ريثما يبتعد.


سمعتُ صوت محرك السيارة إشارة لخروجها من نقطة الحراسة، ومن ثم سمعت بوقها. بداية لم أتوقع أن البوق يقصدني أنا، لكنني التفتّ إليه فتأكدت أنّه إشارة إليّ. سرت نحوه فسألني:
- إلى أين؟
- إلى المدينة، أريد أن أجري اتصالًا.

ركبتُ السيارة وانطلقنا، عندما وصلنا إلى تقاطع طرق "نادري" بالقرب من مركز الهاتف قلت له:
- سأنزل هنا.
- اصبر قليلًا.

وصلنا إلى فندق بالقرب من نهر كارون. نزلنا من السيارة ولم أدرِ ما الأمر، لكنني أدركت أن عائلات القادة تسكن فيه. لا أدري إن كنا وصلنا إلى الطابق الثاني أو الثالث، طرق الباب ودخلنا.

قام مير حسيني بواجب الضيافة وأنا أتصبّب عرقًا من الخجل. أحضر الهاتف وقال: "اتصل بمن تشاء".

أنهيتُ اتصالي وقال لي: "ستبقى هنا للغداء، لقد مرض ابن الأخ بودينه وهو ليس هنا، لذا سآخذ طفله إلى الطبيب وأعود".
 
 
 
 
87

71

الفصل الخامس

 بعد كثير من الترجّي والأعذار استطعتُ أن أتملّص منه وأغادر، ولولا إصراري الكبير لما تركني وشأني. ودّعته ورحلت، لقد عاملني كأنه ليس قائدًا من قادة الفرقة، ولستُ تعبويًا جاء حديثًا إلى الجبهة!


نخرج من المدينة، نمرّ بالمزارع الخضراء والذهبية حيث الرياح الحارة، ونصل إلى منزل الحاج مراد علي، يركب معنا وننطلق ثانية.

قال الوالد: "جئنا إلى هنا بعد سيل عام 1991م، وكبر وترعرع أبنائي في هذا المنزل". لا أدري لمَ تعلّقت بهذا الرجل العجوز والحيوي إلى هذه الدرجة، ففيه تتجسّد أساطير القدماء، عجوز أشيب الرأس ذو قامة منتصبة، يرتدي زيّ سيستان الأرجواني.

نصل إلى مسجد فيقول الوالد: "لقد بنى مير قاسم وإخوته هذا المسجد بعد الثورة". ندنو منه وننظر عبر النافذة، نجد أنّ الغبار والتراب يغطّيان المكان، يقول الوالد: "لم يعد من أحد ليهتم بالمكان بعد استشهاد مير حسن". نذهب خلف المسجد إلى منزل من 3 غرف، يشير الوالد إلى الغرف بعصاه قائلًا: "كانت هذه غرفتنا، وهنا عاش مير حسن وزوجته، وتلك كانت غرفة مير قاسم".

كانت الغرفة التي أشار إليها صغيرة، ندخل ونرى تشقّقات في السقف. المنزل مبني من الطين والقش. نجد في إحدى الغرف روث البقر وفي الأخرى عددًا من الدجاجات والديكة ينقدون الحبّ. نعود ونجلس قرب جدول الماء. هناك يبدأ محمد
 
 
 
 
88

72

الفصل الخامس

 ميري الكلام:

كان عليه في أحد أيام الجمعة إلقاء كلمة قبل الخطبة في المسجد. اهتمّ بهندامه كثيرًا وارتدى زيّ الحرس الأخضر المكويّ جيدًا، لمّع حذاءه العسكري (البوتين)، سرّح شعره ورشّ العطر. قلت له ممازحًا:
- كم تهتم بهندامك يا حاج؟

أجاب وهو يعقد رباط حذائه:
- أولًا، أنا قائد وعليّ الظهور أمام الناس بمظهر لائق، خاصة عندما أريد إلقاء كلمة فيهم. ثانيًا، أنا ذاهب لصلاة الجماعة، وإذا رأيتني تزيّنت وتطيّبت فلأنني سأكون في حضرة الباري جلّ وعلا.

توقّف قليلًا وأردف:
- أريد أن أُطلع الناس على أخبار الحرب والجبهة، ويجب أن أظهر أمامهم بمظهر أنيق.

قال هذا وذهب.

في تلك الأيام طال شعر رأسي، كنت حينها في المدرسة الثانوية. كان مير حسيني قد عاد حديثًا من الجبهة، وما إن رآني على تلك الحال حتى سألني ضاحكًا:
- لِمَ طال شعرك إلى هذا الحدّ؟
- لا شيء، هكذا!

- تعال لأقصّره لك، فالشعر القصير سهل الغسل والتسريح فلا تهدر وقتك لأجله.
 
 
 
 
89

73

الفصل الخامس

 - لكن بشرط واحد يا حاج!


- أي شرط؟
- إن كنتَ لا تجيد تقصير الشعر فلا تفعل!

ضحك وقال: "حاضر".

أحضر المرآة والمقص وبدأ العمل. قصّره بطريقة جيدة لم أكن أتصوّرها. بعدها قال: "الآن يمكن أن نُطلق عليك اسم تعبوي". ثم ضحكنا معًا. كان لمير قاسم سلوك استثنائي. أذكر أنه جاء إلى المنزل بعد زواجه بيوم واحد، وكان في المنزل أحد الأقارب. دخل مير قاسم، وما إن رآه حتى خرج وأغلق الباب. سألته:
- لم فعلت ذلك يا حاج؟

- الذين لا يميّزون الصالح من الطالح، ولا يعرفون مصلحة الوطن والعائلة، لا يجدر بنا أن نتحدث إليهم، ناهيك عن مسامرتهم والتودّد إليهم والضحك معهم.

في إحدى المرات، كان الحاج علي يبني هذا المنزل ويساعده جميع أبنائه على ذلك. عند المغيب غسل مير قاسم رأسه وجفّفه بالمنشفة، في تلك الأثناء جاء الشخص نفسه، سلّم على الجميع، لكنّ مير قاسم لم يعره اهتمامًا. بعد أن ذهب اعترض الجميع على سلوك مير قاسم ما اضطره للقول: "أنا لن أسلّم أو أتحدث إلى شخص كهذا، ونسلٍ كهذا، فأنا أذهب إلى الجبهة وأرى أفضل شبّان أمتي يقطّعون إربًا إربًا أمام عينيّ، ويخسرون أعضاءً من أجسامهم لأجل حفظ قيم هذه الثورة، ولحفظ عرض وشرف هذا الرجل، ولأجل أن يتمكن من العيش والعمل
 
 
 
 
 
90

74

الفصل الخامس

 براحة بال. بينما هو يضرب بفأسه على جذور الثورة، ويستهزئ بمن يضحّي بنفسه في جبهات القتل، فكيف لي أن أتحدّث وأتودّد إليه؟!".


لم يتفوّه أحد بشيء بعد هذا الكلام. هو مير حسيني، لكن بأخلاق ولسان أبي ذر الغفاري.

في إحدى المرات، جاء في إجازة، وقدِم لزيارته قائد فيلق "النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم10"، السيد جاهد مع زوجته وأبنائه. جرى الحديث عن الحرس الثوري لمدينة زابل، قال مير حسيني: "لِمَ لا يسمحون لأبناء المدينة بالذهاب إلى الجبهة، لِمَ ترسلونهم إلى بلوتشستان ولِمَ...

ومهما قال مير حسيني واعترض، لم يُجد نفعًا ولم يغيّر السيد جاهد رأيه، احتدم الجدال بينهما فقال مير حسيني غاضبًا: "لو لم تكن ضيفًا في منزلي لكان لي معك تصرّف آخر".

بعد كثير من الجدال، مُدّت مائدة الطعام فجلسا إليها يتسامران ويتمازحان كصديقين حميمين كأنهما لم يتشاجرا منذ وقت قليل.

كان مير حسيني عطوفًا مع شبّان المدينة، كان كالأب الحنون معنا، وكنّا نتوقع منه الكثير.

نركب السيارة وننطلق. يقول الرجل المسنّ الأسطورة: "سنذهب إلى البستان". أشاهد البيوت الطينية تتوزّع على طول الطريق. أمعن النظر فأجد أنّ لكلّ منزل عددًا من الدجاج والديكة والخراف وكلب حراسة، وأشاهد الأبقار في بعض البيوت.

نصل إلى مزرعة محاطة بأشجار التفاح. جميع الأشجار تبدو قصيرة، ونادرًا ما شاهدت خلال الأيام المنصرمة شجرةً
 
 
 
91

75

الفصل الخامس

 طويلة. فالرياح التي تستمر 121 يومًا في العام لا تسمح بأن تطول الأشجار وتنمو بشكل طبيعي. ننزل من السيارة، ويسير العجوز أمامنا. يسير ويشير بعكازه إلى أشجار الرمان ويقول: "لقد زرعها مير قاسم كلّها".


كان يعدّها ويقول بفخر واعتزاز: "18 شجرة!".

نجول في البستان الذي يضم أشجار التفاح والمشمش وعرائش العنب، ونزولًا عند رغبة وإلحاح العجوز نملأ جيوبنا بالتفاح. نجلس أنا ومحمد ميري خلف الشاحنة الصغيرة، يريد العجوز أن يجلس معنا فلا نرضى. تتحرّك السيارة، وأستمع في الطريق إلى أحاديث محمد ميري أيضًا:
كان مير حسيني كلما جاء إلى سيستان، يزور القرى، قريةً قريةً، ويدعو أهلها للالتحاق بالجبهة، ولم يتوانَ عن ذلك، وبقي على تلك الحال يدعو الناس قرابة العشرة أيام.

في إحدى إجازاته، قرّرتُ الذهاب إلى الجبهة. لكن ما إن أخبرتُ الأهل بالقرار حتى تصاعدت الأصوات المعارضة. كلُّ واحدٍ أدلى بدلوه: "أنت صغير الجسم، ضعيف البنية، ما زلت صغير السنّ على الحرب...".

لم أتراجع عن قراري، وتوسّلت كل سبل الرجاء والتهديد، لكن العائلة قابلتني بالمعارضة والاستنكار. في أحد الأيام، جاء مير حسيني إلى منزلنا، فتحلّقت العائلة حوله تطالبه بمنعي من الذهاب. يومها قال كلامًا لافتًا: "بصفتي قائدًا أدعو الآخرين للالتحاق بالجبهة، وأقول لك نحن بحاجة إليك، ومن الصواب أن تقوم بالتطوّع. لكن
 
 
 
 
 
92

76

الفصل الخامس

 بصفتي خالك أقول لك إنّ عددًا كبيرًا من أفراد العائلة في الجبهة، وأنت ضعيف البنية. وإذا أردت يمكنك الالتحاق في الدفعة التالية".


كان هذا الجواب كالمياه الباردة التي أطفأت النيران المتأجّجة. وتغيّر مجرى الحديث فراحوا يقولون له: "لِمَ تذهب دائمًا إلى الجبهة؟ فهل سُجّل قيدها باسمك فقط؟ دع الآخرين يذهبون...".

أجاب مير قاسم: "حسنًا! لن أذهب ثانية، لكن هل تتعهّدون إن بقيتُ أنا داخل المنزل أن لا يأتي الموت إليّ؟ وإن حان أجلي أن تؤخّروه إلى وقت آخر كي أبقى على قيد الحياة؟".

صمت الجميع بعد سماع هذا الكلام. بعد أيام، رجع مير قاسم إلى الجبهة، وبقيتْ معنوياته تلك مطبوعة في ذهني.

أتذكر السؤال الذي شغل ذهني: "حقًا، كيف أصيبت أخت مير قاسم برصاصة؟"، أسأل ميري..

في المرة التالية عندما عاد مير قاسم إلى سيستان، وقعت حوادث جعلتني أتذكر صلابة الجبال. فالله يمتحن الإنسان امتحانات صعبة، لو وضعت على الجبال لتصدّعت، وقلائل هم الذين يخرجون من تلك الامتحانات مرفوعي الرؤوس. كان الوقت شهر أيلول، اصطحب معه زوجته وعائلته لزيارة مشهد المقدسة. في طريق العودة، تعرّضوا لحادث سير وأصيبوا جميعهم، لكنّ إصابة والده الحاج مراد علي كانت الأخطر. نَقَلَ مير قاسم، بالرغم من إصابته، الجميع إلى المستشفى. ونقل الحاج مراد علي إلى مستشفى زاهدان حيث أصيب في عنقه. قال مير قاسم عن تلك الحادثة: "كانت تلك المرة الأولى التي أحصل فيها على إجازة لأجل نفسي وعائلتي، وشاء الله أن يقول لي...".
 
 
 
 
93

77

الفصل الخامس

 عاد إلى الجبهة، ووالده ما زال راقدًا في المستشفى، ليرجع بعد عدة أيام. حينها كانت أخته التي استشهد زوجها في عمليات "والفجر4"، تقيم مع زوجة مير قاسم. عندما رجع وضع مسدسه في المنزل. حملت زوجة مير قاسم المسدس وأطلقت منه رصاصة عن طريق الخطأ، فقُتلت الأخت على الفور. في تلك الأيام، لم يكن أيّ من إخوته في سيستان، وبالرغم من حالته النفسية إلّا أنه عمل على تنظيم مراسم الدفن. وفي اليوم نفسه الذي شارك فيه أخي وابن عمي في مراسم دفن خالتي وقع حادث سير معهما وقُتلا أيضًا.


لقد نزلت كل هذه المصائب، خلال يومين، على رأس مير قاسم، وهذا ما قصدت به أن الله يمتحن عبده أحيانًا امتحانًا صعبًا. كان الجميع يعيش الصدمة، بينما عمل مير حسيني على رفع معنوياتهم وتطييب خواطرهم.

بعد دفن خالتي عدنا سريعًا، فأخبرونا أنّ أمي قد وَلَدَت ولم تكن في حال جيدة، فقد حزنت كثيرًا لموت خالتي، فراح مير قاسم يمازحها ويسألها عن الاسم الذي اختارته للمولودة الجديدة. ولأنّ أمي لم ترغب في رؤيته حزينًا قالت له: "كُبرى".

ابتسم مير قاسم وقال: "هذا جيد، يجب أن يبقى اسم "كُبرى" حيًّا بيننا. يومها واسى مير قاسم أمي والجميع، لقد رأيت فيه جبلًا شامخًا صلبًا.

نصل وأنا لا أزال أفكر بما سمعته من محمد ميري. يدعوني الرجل العجوز إلى منزله، لا أفعل فأنا أفكر بأمر آخر، أقول له إنّني سآتي في يوم آخر، ثم أودّعه وأركب سيارة البيك أب.
 
 
 
 
94

78

الفصل الخامس

 أسأل: "هل يمكننا الذهاب إلى المقبرة؟".


ينظر محمد ميري إلى السائق الذي يتململ: "لقد فرغنا من البنزين... وأصبح الوقت ظهرًا...".

لم يرغب في ذهابنا فأقول: "حسنًا سندع ذلك ليوم آخر"، وأطلبُ من محمد ميري أن يحدّثني أكثرَ عن ذكريات ذلك اليوم. يبدأ بالكلام:
كان مير حسيني معلّم أخلاق. أوّل مرة ذهبت فيها إلى الجبهة كتب تعقيبات الصلاة على ورقة وأعطاني إياها قائلًا: "احفظها". كان يسألني عنها باستمرار.

في تلك الأيام، ذهبنا إلى منطقة الهور، وعند عودتنا كنت أفكر أنني سأحصل على طعام أفضل بما أنني مع مير قاسم، واشتد جوعي لمجرد التفكير بالأمر.

وصلنا إلى المعسكر وذهبنا حيث يقدّمون الطعام فأخبرونا أنّ الطعام قد نفد. لم أصدّق حين نظرت إلى القدر، وغضبت لأنّهم لم يحتفظوا بحصّتينا جانبًا. حينها جمع مير حسيني الطعام المتبقي في صحون الإخوة وقال لي هاشًّا باشًّا: "انظر كم بقي من الطعام، لقد تركوا هذا كلّه لنا". ثم جلس إلى المائدة وبدأ بتناول الطعام بشهية كبيرة، تأفّفت بدايةً، ثم دنوت من المائدة رويدًا رويدًا وشاركته الطعام.

تقرّر القيام بعمليات في منطقة الهور، انتظرنا وقتًا طويلًا بعض الشيء، قبل أن يبلّغونا بإلغائها. في تلك الأيام طلب مير قاسم مني مرافقته إلى المنطقة. بقينا هناك حوالي الساعة، وفي طريق العودة
 
 
 
 
95

79

الفصل الخامس

 ركبنا قاربًا صغيرًا ذا محرّك، وكنا نتحدث عن مشابهة هذه المنطقة بسيستان وهامون. فجأة، ظهرت أمامنا عوّامة تكاد تتسع لشاحنة تويوتا صغيرة، اصطدمت بالقوارب بشكل مفاجئ، وغرق قاربنا بلمح البصر. اتجهت العوّامة نحونا مباشرة وحُشرنا نحن بين القاربين. كنا في وضع خطير لا نُحسد عليه، وقد رأينا الموت بأمّ العين. أردتُ أن أقوم بحركة ما فلم أُفلح، فقد التصقت يداي بصدري وبطني. كنت في وضع سيّئ للغاية. شكّل اثنان من ركاب القارب درعًا للبقية، أصيب أحدهم بقطع في نخاعه الشوكي والآخر كان مير حسيني الذي تعرض لرضوض كبيرة. تراجعت العوّامة، ورأيت مير حسيني الذي لم يعد يستطيع التحرك محاولًا العوم والسباحة بقدميه فقط، كاد أن يغرق في المياه الراكدة ولم يكن باستطاعة أحد منا مساعدته.


كنتُ قد تعلّقت ببدن قاربنا، فربطت كالون (جالون) المحروقات الخالي سعة 20 ليترًا بحبل، ثم رميته ناحية مير قاسم، وطلبت منه أن يمسك به. تذكرت أن مير حسيني عاجز عن تحريك يديه فكيف له بالسباحة وتحريك جسمه. وعلى الرغم من صعوبة وضعه إلّا أنه كان يطمئنني باستمرار: "أنا بخير فلا تقلق...".

كان يفكر بي وهو على تلك الحال، حقًّا لقد أخجلني تصرّفه. ساعدته مع بعض الإخوة وسحبناه خارج الماء. كان في حال سيئة جدًا، نقلناه بسرعة إلى المستشفى. هناك حاولت أكثر من مرّة أن أفهمهم من يكون كي يهتموا أكثر بعلاجه، لكنه لم يسمح لي قائلًا: "أريد أن أعامل كالتعبويين تماماً!".

بعد مدة من الاستشفاء والعلاج عدنا إلى الفرقة، كانت كلماته لا
 
 
 
 
96

80

الفصل الخامس

 تزال ترنّ في أذني "أريد أن أكون كالتعبويين تماماً!".


في الليلة الثالثة لعمليات "والفجر 8"، كانت كتيبتنا في محور "خور عبد الله"، وأمام أنظارنا الكثير من التحصينات المنيعة التي أقامها العدو. تلقّينا التوجيهات والإرشادات اللازمة للعمليّات من قِبَل مير حسيني في ثكنة قشلة العراقية. هناك قال لنا: "شدّوا أحزمتكم جيدًا. وحافظوا على معنوياتكم العالية المنبثقة من إيمانكم ومعتقداتكم. لا تعطوا للأعداء أي فرصة، بادروا لاصطياد دباباتهم بحول الله وقوّته. صَفّوا نيّاتكم هاهنا، واطردوا عنكم أي ذرّة من الشك أو الريبة. أيها التعبويّون! النصر لنا إن شاء الله".

طلبوا منّا أن نستريح إلى أن يحين موعد الانطلاق، تمدّدت على الأرض ولشدّة التعب غالبني النعاس. استيقظت قبل انبلاج ضوء النهار، ولأنني عامل الإشارة اتصلت بمير حسيني الذي قال: "هيا ابدأوا بالهجوم وسيتحقّق الوعد الإلهي عاجلًا".

ما إن قال هذا حتى انطلق رتل الكتيبة. بعد مسافة قليلة، غطّى الغمام الأسود السماء وعمّ الظلام. في تلك اللحظة، نظر قائد كتيبتنا، وقد كنت برفقته، إلى السماء وقال: "الحق أنّ مير حسيني قائد لائق".

لا أدري أيّ حالٍ ألمّت به ليقول هذه الجملة من دون أي مقدمات. لكن بعد مسافة أدركت أنّ الأعداء كانوا يترصدون هجومنا طوال الليل، وعندما حلّ الصباح ولم يرصدوا أي حركة لنا ذهبوا للاستراحة.

بدأت العمليات وبدأت قواتنا بالهجوم. كان عددنا قليلًا، فقد بقيت معظم العناصر في الخلف كعناصر احتياط. أطلق مقاتلونا النار وتقدّموا، ولم يكن العراقيون قد استفاقوا من الصدمة بعد. سقط
 
 
 
 
 
97

81

الفصل الخامس

 عامل إشارة إحدى السرايا أرضًا فاعتقدت أنّه جرح، لكن عندما دنوت منه علمت أنّ معنوياته قد انهارت فأجبرني قائد السرية على الذهاب معهم. كان العراقيون على مقربة من مثلّث طرق خور عبد الله يقصفون المنطقة بشكل جنوني. حتى إنّهم استخدموا المضادات الجوية للقصف الأرضي. في تلك اللحظة، رأيت أحد القادة العراقيين يفرّ في سيارة "باترول" عسكرية.


انسحب الأعداء من الخطوط الأمامية إلى خطوطهم الخلفية، وجمعوا قواتهم في نقطة واحدة، ثم زادت تحركاتهم شيئًا فشيئًا. أدّت كثافة النيران لانهيار معنويات مقاتلينا، وشُلّت حركتنا. كم رغبتُ في تلك اللحظة أن تنشقّ الأرض وتبتلعني لأتخلص من كثافة النيران. كنت أفكر بما يمكن القيام به عندما انفجرت قذيفة دبابة بالقرب منّا أدت إلى احتراق جسم قائد السرية الذي كنت برفقته فاستشهد على الفور. شعرتُ بالعجز عندما وصل قائد الكتيبة ورأى الوضع، قال: "اتصل بمير حسيني لنعرف تكليفنا".

اتصلت به، ولأنني لم أكن أحمل دفتر الرموز والشيفرات، ناديته باسمه في جهاز اللاسلكي:
- مير حسيني... مير حسيني

جاء صوته من الجانب الآخر:
- أسمعك، من معي؟
- أنا أحمد.

أخبرته بالوضع. كان صوتي مضطربًا من دون إرادة مني، فغضب
 
 
 
 
98

82

الفصل الخامس

 وصاح بي قائلًا:

- ما بك؟ لِم انهارت معنوياتك؟ تمالك نفسك.
- لكن يا حاج! أنا لم أفقد معنوياتي، لقد نقلت لك كلام قائد الكتيبة فحسب.

صمت لحظة ثم قال:
- قاوموا... واصبروا أنا قادم.

لم يطل الوقت حتى سمعت صوت دراجة نارية من الخلف، نهضتُ ونظرت نحوه، إلّا أنّ العدو علم بقدومه عندما ناديته من دون رمز، فأمطروا الجادة بالنيران. ومع توالي الانفجارات، كانت الدراجة تتمايل يمينًا وشمالًا. بهرنا برؤيته، ونسينا الحرب والمعارك.

عندما وصل إلينا، وقف فوق دراجته، كان الجميع خائفًا. أشار بيده إلى أحد قادة الفصائل وقال بحدّة: "ماذا تفعل هنا!".

عرّف القائد عن نفسه، فقال له مير حسيني بصوت عال: "إذًا أين قواتك؟ وماذا تنتظر؟".

بينما كان قائد الفصيل يعود القهقرى، حمل سلاح أحد الجرحى وأسرع إلى قواته الذين كانوا يقاتلون في المقدّمة.

تولّى مير حسيني قيادة القوات، فكان يصيح بصوت عال ويرفع من معنوياتهم. حينها شعرت بالأمان. قال لي: "اتصل بوحدة الهاون والـ106".

اتصلت بالحاج مهدي زندي، أخذ مير حسيني مني سماعة
 
 
 
 
 
99

83

الفصل الخامس

 اللاسلكي وقال: "لقد وجدت ساحة صيد الدبابات فأرسل المدفع 106، بسرعة يا حاج".


هو أيضًا تحدث من دون شيفرة أو رمز وقال: "سيخاف العدو أكثر عندما يسمع ذلك".

في ذلك الوضع، كان يقول بكثير من الحماسة في اللاسلكي: "العدو يفرّ أمامنا، لقد حوصروا وسيُقضى عليهم بالكامل...".

لم تكن سيارة الجيب التي تحمل مدافع 106 المضادّة للدروع قد وصلت بعد، عندما خرج العراقيون من دشمهم رافعين أيديهم فوق رؤوسهم مستسلمين.

بعد تلك المرحلة من العمليات، ركبت الدراجة النارية وعُدت مع مير حسيني إلى الخطوط الخلفية، وفي الطريق التقينا الحاج قاسم سليماني قائد الفرقة، كان منزعجًا جدًا فقال: "لمَ تتدخل في المعارك لأجل 70 أو 80 عنصرًا؟ لمَ لا تراعي التسلسل في الرتب والمراتب؟ في البداية قائد الكتيبة، يليه قائد اللواء والمحور، ثم التخطيط والعمليّات، وفي النهاية يأتي دورك. لمَ تتصرّف كما فعلت في عمليات بدر...".

كان الحاج قاسم يريد بذلك القول له أن يحافظ على سلامته أكثر. بعد كل هذا الكلام الناري، ضحك مير حسيني ضحكة قصيرة وقال: "حاليًا ما زلت سالمًا".

كنتُ أعلم، كما مير حسيني وقائد الفرقة، أن لا فائدة من هذا الكلام فلن يطبّقه.

نصلُ إلى المنزل الذي حبست فيه نفسي خلال الأيام الماضية.
 
 
 
 
100

84

الفصل الخامس

 أترجّلُ من السيارة وأدعو من برفقتي للدخول فلا يفعلون. أودّعهم وأدخل الغرفة وأصبح وحيدًا وحيدًا..


اليوم، لا أريد أن أقرأ شيئًا أو أن أكتشف سرًا آخر من أسراره، وأوكلُ هذا للغد. أتمدّدُ في الغرفة، أضع الأوراق التي أنهيت قراءتها حتى هذا اليوم في زاوية، والأوراق التي ما زالت تحمل الكثير عنه، في زاوية أخرى. أمدُّ يدي وأحملُ إحدى تلك الأوراق. كانت تضم كلمات حبيب الله دانش شهركي:

كان مير حسيني يولي أبناء المحافظة الأصليّين اهتمامًا خاصًّا، ليس ذلك من باب الشعور القومي، وإنما لإيمانه أن النمو الفكري والديني والثقافي لهؤلاء سينعكس إيجابًا على الوضع في سيستان.

أذكر عندما تقرّر تشكيل الكتيبة 409، كأوّل كتيبة مستقلّة لمحافظة سيستان وبلوتشستان، اقترح بداية على الشهيد خدري تولّي تشكيلها، ومن ثم على السيد محب علي فارسي، اللذين تهرّبا من الأمر. ثم اقترح عليّ ذلك فاختلقتُ له الأعذار ورفضت.

كنتُ خارجًا عندما وجدتُ نفسي وجهًا لوجه مع قائد الفرقة الذي وجّه الحديث لمير حسيني، وتطرّقا بالحديث إلى تشكيل وحدة قتالية خاصة بمحافظة سيستان وبلوتشستان، فقال الحاج قاسم سليماني معاتبًا: "كيف لك أن تتحدّث عن تأسيس الوحدة القتالية بينما علينا حلّ مشاكلنا بدايةً".

قال هذا ثم ودّعه وخرج. عاد مير حسيني إلى الغرفة وبسبب مرارة ما سمعت عزفت عن الذهاب وعدت إلى الغرفة فرأيت مير حسيني جالسًا على الأرض يبكي. نظرت إليه بتعجب، فقال وهو يبكي بحرقة:
 
 
 
 
 
101

85

الفصل الخامس

 "لمَ نتصرف بشكل يجعل قائدًا كقاسم سليماني، وبسبب التعاطي السلبي لبعض الإخوة، يطلق علينا أحكامًا كهذه؟! لماذا؟".


تأثرتُ كثيرًا لحاله، وكي أخرجه مما هو فيه قلت له: "حسناً يا حاج! سأتولّى تشكيل الكتيبة".

وهكذا وضعنا اللبنة الأساسية لتشكيل الكتيبة، لكنني أبدًا لم ولن أنسى حُرقة بكاء مير حسيني في ذلك اليوم، ومدى محبته لقائد الفرقة، الأمر الذي طالما شهدته، فهو كان ينضح بالعشق، العشق فحسب.
 
 
 
 
102

86

الفصل السادس

 غدًا أريد أن أقرأ وأكتب عن عمليات "والفجر 8". آخذ رقم هاتفٍ من جيب قميصي. الاسم: محبّ علي فارسي. أحملُ سماعة الهاتف وأتصل بالرقم.


"مُحِبّ علي فارسي"، رجل عريض المنكبين طويل القامة بنيّ الشعر. عندما رأيته أول مرة ظننتُ أنّه معلّم، فهو يشبه المعلّمين إلى حدٍّ كبير. عندما تحدّثنا أخبرني أنّه كان أستاذًا وذهب إلى الجبهة مع بداية الحرب، كما شارك في الأنشطة الثوريّة ووقع في الأسر بيد العراقيين سنوات عدّة.

أطلب منه أن يبدأ الكلام، فيسألني: "من أي عمليات أبدأ؟".

- من حيث ترغب.

لم أشأ أن يحصر كلامه في عمليّة محدّدة.

يبدأ الحديث:
كنّا في عمليات خيبر. هاجمنا العدو مرات عدّة، لكن هجومه هذه المرة كان أشرس من المرات السابقة، لم يكن بإمكاننا التحرك تحت وطأة القصف العنيف. سحبني "بودينه" معه من الخطّ الثاني إلى الخطّ الأمامي. كانت القذائف تتساقط من حولنا كحبّات الملبن وسكر النبات
 
 
 
 
 
103

87

الفصل السادس

 وتنفجر، فتجبرنا على الانبطاح أرضًا حينًا وعلى النهوض حينًا آخر، ننظر حيارى يمنة ويسرة، وألسنتنا تلهج بالأذكار وتنطق بالشهادة.


بحثنا عن "مير حسيني" بداية، كان في الخطّ الأمامي، فأشاروا إلى الدشمة حيث هو. دخلنا فتعجّبنا لما شاهدناه منه.

- يا حاج! العراقيون قادمون وأنت تسرّح شعرك؟!

- ما العيب في ذلك؟ إذ لم يتغيّر شيء، كما إنّ النظام والترتيب يساعدان على إنجاز الأعمال بشكل أفضل.

ثم طلب من "بودينه" مراقبة سير العمل والمجريات، وقال لي: "لننطلق".

انطلقنا نحو الخطوط الخلفية. في الطريق، وجد مكانًا بين القصب. لم أكن أعلم ما ينوي فعله! خلع ملابسه بهدوء وقفز إلى الماء، كان يوم الجمعة وأراد أن يغتسل غسل الجمعة.

بعد ذلك وبنفس الهدوء، ارتدى ملابسه وسرّح شعره ثم عدنا إلى الخطّ وكأنّنا لسنا في حرب.

في أوقات الإجازة، كان يهتم بأمور الناس ويزور المقاتلين، أذكر في إحدى المرات، أننا عدنا من زيارة المقاتلين والتعبويّين وكانت الساعة 11 ليلًا. حينها، كان منزله في زابل بالقرب من منزل والدي، عندما وصلنا استأذنتُ منه للذهاب إلى منزل والدي فأجاب:
- لا! بل سنذهب إلى منزلي لتناول العشاء.

رفضتُ فأصرّ، عندها قلت له:
 
 
 
 
 
104

88

الفصل السادس

 - أيها المنصف! قضيت مدّة من الزمن في الجبهة، الآن اهتمّ بعائلتك في هذه الأيام القلائل. على الأقل اهتم بعائلتك لبضعة أيام. لقد رفضت المجيء معك انطلاقًا من هذا، وإلا فإنني أتمنى أن أبقى معك طوال الوقت.


- أبلغتُ العائلة أننا سنعود معًا الليلة.

قال هذا ومشى، ولم يترك لي خيارًا سوى اللحاق به، ما إن التففنا حول الساحة حتى التقينا بسائقي شاحنة نقل بري واقفين قربها، لوّحا لنا بأيديهما فاقتربنا منهما، سألانا عن نُزلٍ أو مطعم، قلنا لهما إنّ جميع الأماكن مقفلة الآن، كما إنّ عدد الفنادق والنُزل هنا قليل جدًا لندرة تردّد المسافرين إلى هذه المدينة.

قال مير حسيني لهما: "أقفلا شاحنتكما وتفضّلا إلى منزلي".

رفضا في البداية، لكن مير حسيني أصرّ قائلًا: "لدينا ما يكفي من الطعام تفضّلا".

أظن أنهما كانا جائعين فقبلا الدعوة. كان العشاء معكرونة. بعد تناول الطعام، أصرّ "مير حسيني" عليهما للمبيت عنده، لكنّهما قالا إنّهما لا يستطيعان ترك شاحنتهما، ثم ودّعاه وانصرفا.

هذه هي الروحية التي ميّزت "مير حسيني" عن غيره.

في عمليات "والفجر 4"، كنتُ أيضًا مع "محمد حسين بودينه"، عند سفح جبال "هركنه" وعلى مسافة من الجمارك، وكان قد اجتمع هناك عدد من قادة الفرقة ليبحثوا بعض القرارات.

عند أول وصولنا، سقط صاروخ كاتيوشا عليهم، فاستشهد 9 منهم
 
 
 
 
 
105

89

الفصل السادس

 وجرح الآخرون. كان "كازروني وإمام دوست" هناك فاستشهدا، كما جرح بودينه فنقلته إلى المستشفى، واتصلت بـ"مير حسيني" الذي أعطاني عنوانه وطلب منا التحرّك في أسرع وقت. منذ تلك اللحظة رافقته طوال العمليات.


تقرّر في المرحلة الثانية من العمليات أن تحرّر فرقة "ثار الله 41" المرتفعات المشرفة على مدينة "بنجوين"1، فيفتح الفريق الأول طريقًا وسط الأسلاك الشائكة وحقل الألغام بواسطة طوربيدات بنغلور. فُتح الطريق وتقدّم مير حسيني مع الفريق الثاني.

حرّرنا التلّ الأوّل، ثمّ صعد رتل الكتيبة إلى الأعلى. كان بحوزة مير حسيني مكبّر للصوت، فقال لقائد الكتيبة المشاركة: "تابعوا التقدّم وحرّروا التلال المحيطة".

لكنّ قائد الكتيبة اختلق عدّة أعذار تهرّبًا من تنفيذ التكليف، عندها قال له "مير حسيني" بلهجة آمرة: "قلت لك تابع المهمة...".

علا صوت القائد مستنكرًا وقال إنّ الأعداء قد كشفوا مكاننا واشتدّ قصفهم علينا. انبطحنا جميعنا على الأرض إلّا "مير حسيني". فقد بقي منتصبًا وكأننا لا نتعرّض لنيران قصف جهنمي. حمل مكبّر الصوت وراح يخطب بالمقاتلين ويحثّهم على النهوض والقتال وعدم التثاقل إلى الأرض إلى حين وصول الأعداء والقضاء علينا فردًا فردًا.

ولأنّ كلامه مطاع، استنهض همم المقاتلين وانطلق الرتل للسيطرة على التلال الأخرى. كنت منبطحًا على الأرض عندما ناولني مكبر
 

1- تلفظ: Pengven.
 
 
 
 
106

90

الفصل السادس

 الصوت قائلًا: "هيا تابع أنت"، ثم انشغل بالحديث على جهاز اللاسلكي.


نهضتُ من مكاني وبدأت بإطلاق الشعارات الحماسية، ثم تقدّمت إلى الأمام كي يسمع الإخوة في أسفل التل صوتي، بينما كنتُ التفتُ إلى جهة "مير حسيني" انفجر أمامي شيء ما، أصابت شظيةٌ يدي وسقطتُ أرضًا. شعرتُ بدوار ولم أعد أرى مير حسيني الذي تقدّم مع الرتل، بينما عدتُ أنا إلى الخطوط الخلفية ونُقلت إلى المستشفى.

في عمليات "والفجر 8" أيضًا، وقبل ليلتين من بدء العمليات، وصلنا إلى ضفة نهر "أروند". وكنتُ برفقة حميد شفيعي. دخلنا الدشمة فوجدنا الجميع نيامًا، بحثنا لأنفسنا عن زاوية وخلدنا إلى النوم أيضًا. عند أذان الصبح، أيقظني "مير حسيني" وتعانقنا طويلًا. كانت أمنيتي أن ألتقي به، وها قد تحقّقت الأمنية.

تقرّر أن نتوزّع وأن يكون كلُّ واحد منا بمعيّة قائد من القادة. عرفتُ مسبقًا مع من سأكون. فـ"بودينه" لن يسمح لي أن أكون مع "مير قاسم". وهذا ما كان يحدث في عدد من العمليات التي كنت فيها معه. لكنني، وكالعادة، كنتُ أُمنّي نفسي أن يصاب "بودينه" في بداية المعركة فأتمكن من الالتحاق بـ"مير حسيني" كما حدث في عمليات عدّة.

في اليوم الأول للعمليات، توجّهنا ناحية النهر وقد أصيب "بودينه". هناك، وكما في المرات السابقة أوصلته إلى المستشفى، وعدت سريعًا للالتحاق بـ "مير حسيني"!

في الليلة الثانية للعمليات، تموضعت كتيبة أبناء سيستان في مقدمة رتل الفرقة بأمر من "مير حسيني". وصلت الفرقة إلى تقاطع طرق، إحدى الطرق تتجه نحو منصة الصواريخ، والأخرى نحو خور عبد
 
 
 
 
107

91

الفصل السادس

 الله. كان عند التقاطع عدد من دبابات الأعداء التي ما زالت تقاوم، فاستهدفها مقاتلو الكتيبة، وتابعوا تقدّمهم نحو خور عبد الله.


اتجهنا ناحية الجنود العراقيين عند نهاية الجادة، في الليلة الماضية كانوا قد فرّوا إلى داخل المستنقعات، عندما رأونا ظنوا أننا عراقيون مثلهم، فأسرعوا نحونا مهلّلين مبتهجين، وقد خلع معظمهم ملابسهم عند المستنقع كي يصلوا إلينا سريعًا. عندما وصلوا إلينا كادوا يموتون رعبًا فصاح بعض الإخوة:

- اليوم يوم الانتقام.

ردّ مير حسيني: "لا، اليوم يوم المرحمة".

كأن مشهد دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة المكرمة يتكرّر اليوم. كان من بين الجنود العراقيين من يجيد اللغة الفارسية فقال: "لا تقتلونا".

تحدّث "مير حسيني" إليهم بعطف ولين قائلًا: "ستتذوّقون اليوم طعم الحرية الحقيقية"، ووعدهم بالبقاء على قيد الحياة.

بعد ذلك، ركبنا الدراجة النارية وانطلقنا نحو منصة الصواريخ التي كانت مليئة بالمعدات والتجهيزات العسكرية. كانت "الكتيبة 419" لا تزال في حالة اشتباك هناك، وتمكنّا عبر التنسيق مع الفرقة العاملة بالقرب منّا من السيطرة على الوضع. خلال تفتيش المنطقة عثرنا على دشمة مليئة بالأثاث، كان فيها مدفئة نفطية جديدة وطقم من الأواني الصينية الجميلة. في ذلك الوقت، كان بودينه قد تزوّج حديثًا فقرّرنا أن نهديه هذه الأدوات. وهكذا كان، عندما عدنا في إجازة اشترينا باقة زهور وحملنا طقم الأواني إلى منزله. صحيح أنّ تلك كانت هدية
 
 
 
 
108

92

الفصل السادس

 زواجه، لكن وبسبب إصابته في بداية كل عملية وتمكّني من مرافقة مير حسيني، خطر في بالي أنه يستحق هذه الهدية أكثر!


نضحك، ثم ينظر إلى ساعته ويقول: "لديّ موعد عند الطبيب فلنتابع في وقت آخر". أوافق ثمّ ينهض وينصرف، بينما أعودُ أنا إلى أوراقي. حملتُ مذكرات أحدهم وبدأت القراءة:
كان مير حسيني رجل عبادة وشجاعة.

كانت عمليات "والفجر3". انطلقنا من "دهلران" باتجاه منطقة العمليات، حان موعد أذان الصبح لكنّنا لم نستطع التوقف. كان علينا الوصول إلى المكان المحدّد في أسرع وقت ممكن. في السيارة، كان "مير حسيني" قلقًا من أن يفوتنا وقت الصلاة، فقال: "صلّوا وأنتم على هذه الحال".

نظرنا إليه بدهشة فالسماء ما زالت مظلمة! ثمّ أردف: "إذا وصلنا قبل شروق الشمس سنعيد الصلاة".

مررنا في لحظات حسّاسة جدًا، إذ إنّ العدو كان قد بدأ هجومه وأضحى لكلّ ثانية قيمتها وأهميتها. تجهّزنا للصلاة ونحن على تلك الحال. قال مير حسيني: "لا يهم في أي اتجاه تصلّون".

صلّينا، ويا لها من صلاة، بعضنا صلّى من جلوس وبعضنا الآخر صلّى في حال قرفصاء والسيارة تهزّنا هزًّا عنيفًا ... لكن لن أنسى أبدًا نظرات مير حسيني القلقة.

كان يولي أهمية كبيرة للعبادة والتهجّد. مرة أخرى، كنّا في منطقة "جفير" حيث ستجرى مناورات ليليّة، وكانت الرياح شديدة البرودة. كان
 
 
 
 
 
109

93

الفصل السادس

 الإخوة يركضون في كلّ اتجاه ووقع أقدامهم يتردّد في كل أنحاء السهل. كمنّا في المتاريس بانتظار بدء تحرّك كتائب العدو في الجهة المقابلة حيث من المقرّر أن يهاجمونا من الجهة المقابلة فنطلق النار عليهم.


وزّعنا مير حسيني في مواجهة جناحي القوات المهاجمة، وكانت الدوشكا مجهّزة للإطلاق. حمل التعبويون القابعون في الجهة المقابلة العتاد معهم أيضًا. كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحًا وكنت أشعر بالنعاس. رأيت "مير حسيني" متّجهًا نحو سيارة الإسعاف التي ستقلّ الجرحى المرجّح إصابتهم في المعركة، ولا أدري ما الذي ينوي فعله. نهضت وذهبت نحوه وتفاجأت عندما رأيته واقفًا يؤدّي صلاة الليل. لم أتصوّر أنّه في ظلّ هذه الأوضاع والتعب وحركة القوات سيفكّر بصلاة الليل. حقيقةً، كان أمرًا لا يصدّق.

كانت ليلة عمليات "والفجر 8"، اقتحم الغواصون الخطّ على ضفة نهر "أروند"، وحان دور المشاة في الهجوم. أمر قائد الفرقة مير حسيني بالانطلاق نحو الضفة الأخرى حيث كانت القوات لا تزال مشتبكة، وأمكن معرفة ذلك من خلال غزارة تبادل إطلاق النار بين الطرفين.

ركبنا الزوارق وانطلقنا. أقولها وبكل جرأة، كان زورق "مير حسيني" أول زورق رسا على الضفة الأخرى. نزلنا من الزورق وانتشرنا. بدا مير حسيني وكأنّه يتنقل في أزقة مدينة زابل. أدهشني تقدّمه من دون خوف أو وجل رغم خطورة الأوضاع. أحسستُ أنّه يعرف المنطقة تمامًا لكثرة ما رسم خريطتها وحدّدها على المخطّط، وكان في ذلك الليل الحالك يختار الطرقات بسهولة ويتوغّل مع قواته فيها.

الطريف في تلك الليلة، هتافات مير حسيني التي ضاعفت قوة كلّ
 
 
 
 
 
110

94

الفصل السادس

 تعبوي سمعها أضعافًا مضاعفة.


كان بموازاة الضفة مدفع رشاش لا يسكت أبدًا، حتى إنّ مير حسيني دنا منه مرتين من دون أن يتمكّن من إسكاته، وشكّل خطرًا على خاصرة قواتنا. قرابة الصباح، استدعى جميع رماة الـ"آر بي جي". عندما حضروا التفت نحوي وقال: "عندما أطلق أول قذيفة "آر بي جي"، اطلب من الجميع إطلاق قذائفهم في وقت واحد".

تموضعنا وتجهّزنا. كنت أحملق في الظلام عندما لمع نور "آر بي جي" مير حسيني وانطلاق قذيفته، حينها صرخت: "الآن!".

أُطلقت القذائف معًا فسكت الرشاش وهاجمنا الدشمة. هكذا وبسهولة أمنّا طرق عبور قوات الفرقة، ثم سمعت صوت مير حسيني يصرخ في الظلام: "تقدّموا!".

انطلقت القوات وكانت معركة طاحنة.

كلّ من تحدث وكتب عن عمليات "والفجر 8"، لم يستطع تجاهل هتافات وحديث وصيحات مير حسيني التي شكّلت نقطة مشتركة بين جميع المذكّرات.

روى "علي زارعي" الحادثة من زاوية أخرى:
أضحت مدينة سبنتا1 أكثر صخبًا من المعتاد، فقد عجّت بمقاتلي الحرس الثوري من فرقة "النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم" المتطوّعة من محافظات كرمان، سيستان وبلوتشستان. 

كان قادة الكتائب يأتون لاستلام ما ينقصهم من عديد ثمّ ينصرفون. في كل زاوية تقف مجموعة من
 

1- spenta.
 
 
 
111

95

الفصل السادس

 المقاتلين بانتظام، إما يتحدث قائدهم إليهم أو يسيرون في طابور نحو الحافلات.


عند العصر، كان ما زال في المكان عدد كبير من القوات. كانوا يقولون نحن قوات دعم وإسناد ولم يرغبوا في الانضمام إلى كتائب الهجوم. احتار القادة في أمرهم، إذ لم تكن فرق الإسناد بحاجة إلى هذا العدد من المقاتلين. لقد اختار قادة الإسناد حاجتهم من العناصر ورغم ذلك بقي الكثير منهم.

بعد حوالي 4 أيام، وصل مير حسيني عند الساعة 9 أو 10 صباحًا. جمعَ العناصرَ في الساحة، وقف قبالتهم وبدأ خطابه قائلًا: "نحن ورثة الأنبياء والذاكرون لجهادهم. والكلم الطيب إذا ما جرى على ألسنتنا، نحن أبناء الإسلام، فهو ببركة الشهادة المغمّسة بدماء شهداء كربلاء. وإذا ما نظرنا إلى خنادق القتل فسنرى وجوه شهداء تتلو القرآن قدّموا أنفسهم قرابين، ونرى أقدامًا قد تقرّحت متنقلة من مكان إلى آخر مقتفيةً أثر قائدها. لقد رفعنا راية الالتزام بالدين وشفاهنا تلهج بذكر الشهادة، سائرون في أثر القافلة...".

تحدّث مير حسيني حوالي ساعة من الوقت ثم ودّعهم وانصرف، لكنّ كلماته تركت أكبر الأثر في صفوف العناصر لدرجة لم نعد نسمع من يقول إنّني جئت لأكون في فرقة الإسناد وحسب.

بعد الظهر، توزّعتْ جميع القوات على الوحدات والكتائب، وخلتْ قرية سبنتا من أي عنصر. كانت القوات تنتظر العمليات بفارغ الصبر، وجميع مقرّات الكتائب تصدح بالدعاء وتشعّ بالأنوار. رأيتُ مير حسيني لعدّة ليالٍ يبتعد عن الجموع، فانتابني الفضول. كان
 
 
 
 
112

96

الفصل السادس

 يذهب إلى آخر مقرّ الكتيبة حيث يخيّم الظلام والسكون. في البداية، اعتقدت أنه يتفقّد المخيم، لكن لمَ كلّ ليلة؟! وهكذا قررت تعقّبه.


بدأت بمراقبته من أول الليل إلى أن حان وقت ذهابه. سار في عتمة الليل إلى حيث خشعت الأصوات في المخيم ولم يعد من شيء غير الظلام الدامس. تملّكني شعور عجيب وأنا أراقبه، مزيج بين الفضول والخوف. توقّف، وبالكاد كنتُ أرى شبحه. أضعته للحظة. بقيتُ حائرًا مذهولًا لا أدري أين اختفى. نظرتُ بدقة في الأرجاء وتقدّمت قليلًا فتناهى إليّ صوت مناجاة ضعيف. تسمّرت في مكاني مصغيًا. كان صوته! تقدّمت قليلًا، كان يبكي ويتوسّل بحرقة تلهب الفؤاد. كان قد حفر في الأرض حفرة بحجم القبر، ونزل إليها يدعو خالقه ويناجيه. لم أطق البقاء وعدت أدراجي بهدوء.

صباح ذلك اليوم، وأنا أمرّ بالقرب من نهر كارون وقعت عيناي على مير حسيني. كان يسبح في النهر وقد تقطعت أنفاسه من شدّة البرد. حرفت طريقي ودنوت منه. شعرت ببرد أكبر عندما رأيته. اقترب من الضفة سلّم عليّ ثمّ استعان بالأعشاب الجافة على ضفة النهر للخروج من الماء. كان بدنه يرتجف كأوراق شجرة الصفصاف من شدة البرد. سألته بدهشة: "لمَ تسبح في مثل هذا البرد القارس يا حاج؟!".

أجاب وهو يبتسم: "من المقرّر أن تتدرّب الكتائب اليوم على السباحة، فأردت أن أختبر المياه وأشعر ببرودتها قبل أن نرسل أولاد الناس إليها".

لم أقل شيئًا، أعني لم أكن أملك ما أقوله. كل حركة من حركات مير حسيني عالم من العبر.
 
 
 
113

97

الفصل السادس

 أمّا في عمليات "والفجر 8"، فقد شاركت الكتيبة 422 مع سريّتين في العمليات. تعيّن على هذه الكتيبة الانطلاق خلف الكتائب الأخرى. كانت المعارك ضارية، ولم تسكت أجهزة اللاسلكي لحظة واحدة.


بعد ساعة، وصلت الكتائب إلى النقاط المحدّدة لها، وبذلك حان دور انطلاق الكتيبة 4221. كان الجميع بانتظار نتائج المعارك عندما وصل الخبر أنّ دبابة الأعداء قد سدّت طريق قواتنا وشلّت حركتهم، أعلن قائد الكتيبة أنّه غير قادر على التقدّم بقواته.

كنّا في مقرّ الفرقة فقال مير حسيني: "جهز الدراجة النارية يا علي". وضع حزام مسدسه، حمل مكبّر الصوت بيده وركب الدراجة.

سألته: "إلى أين يا حاج؟".

- لقد تعثّرت الكتيبة، سأساعدها على النهوض.

قال هذا وانصرف. فيما بعد، حدّثني أحد العناصر الذين كانوا في الكتيبة 422 بما جرى: "كنا جميعنا منبطحين أرضًا عندما وصل مير حسيني، وكانت الرشاشات تزرع المكان بالرصاص لكنه لم ينبطح، ركن الدراجة جانبًا وراح يبثّ الحماسة فينا. لقد استنهض أسلوبه في الكلام جميع العناصر المنبطحة قرب الساتر الترابي من أماكنهم، وتقدّموا كأنّ جيشًا قدم لإسنادهم. تقدّمنا مكبّرين بأعلى الأصوات وهاجمنا دبابة الأعداء، وقد لاذ البعض بالفرار، وتمكّنت هذه الكتيبة من أسر 600 جندي عراقي".

بعد العمليات رجعنا إلى "الموقع الصاروخي" للعدو في الفاو. وقد
 
 

 1- بقيادة الشهيد فروخي.
 
 
114

98

الفصل السادس

 أمضينا بضعة أيام صعبة والجميع لجأوا إلى الخنادق منهكين متعبين.


عند غروب ذلك اليوم، حضر الجميع للصلاة، وقفنا للصلاة بملابسنا المعفّرة بالتراب والدماء بإمامة مير حسيني. بعدها قرأ مير حسيني الدعاء. ثمّ ارتمى الجميع على أرض الدشمة واستسلموا للنوم بعد تعب شديد وسهر لأيام متتالية. وجدت لنفسي زاوية في الدشمة فتمدّدت على الأرض و خلال لحظات غططتُ في نوم عميق.

استيقظتُ على صوت أحد الإخوة، نهضت بسرعة ونظرت في أرجاء الدشمة. فوجدتُ مائدة طعام قد مدّت وسط الدشمة وتوزّع حولها الإخوة المتعبون النائمون. كان مير حسيني عند مدخل الدشمة. نظرت إليه بتمعّن فرأيته يسكب الطعام والماء ويضعهما على المائدة. استيقظ الإخوة الواحد تلو الآخر. شعرنا جميعنا بالخجل، لقد جهّز مير حسيني كل شيء بمفرده. في الحقيقة، خجلتُ في تلك الليلة من النظر في وجهه حتى الانتهاء من تناول العشاء.

في يوم من تلك الأيام، ذهبنا معًا على الدراجة النارية إلى الفاو، كان هو السائق. في الطريق توقف وسط الصحراء فظننت أن الدراجة قد تعطّلت. ترجّلنا عنها وركنها جانبًا، ثم جلس على الأرض إلى جانبها في اتجاه القبلة وأخرج كتاب الدعاء من جيبه وبدأ القراءة. دُهشتُ من فعله هذا، بعد أن نهض سألته:
- ماذا حدث يا حاج؟ لِمَ توقفت فجأة؟

أجابني وهو يركب الدراجة ويضرب على دواسة الوقود:
- تذكّرتُ أنني لم أقرأ دعاء اليوم بعد.
 
 
 
115

99

الفصل السادس

 ثم ركبنا الدراجة ثانية وتابعنا الطريق.. ما زالت تلك الحادثة راسخة في ذهني.


سابقًا سمعتُ باسم "عبد الحسن طاهري"، لكن لا أذكر أين. كتب في السطر الأول عن الدرس والجامعة. تذكرت! نعم سمعت باسمه عندما ذهبت للقاء حسين بور إسماعيل في كلية الزراعة، إنه رئيس كلية الزراعة:
كنتُ طالبًا في طهران وتقرّر أن نذهب في رحلة علمية مع أساتذة سيستان وبلوتشستان. ذهبنا نحو جنوب البلاد، وفي الطريق أُعلن بدء عمليات "والفجر 8". في تلك اللحظة طار ذهني إلى مير حسيني. حين وصلنا إلى الأهواز في الصباح، انفصلت عن المجموعة لأذهب إلى الفاو. كان شوقي للقاء مير حسيني كبيرًا جدًا لدرجة أني ما فكرت في أنني أستطيع الوصول إلى هناك أم لا، ناهيك عن التمكّن من رؤيته. انطلقت ولا أدري إلى أين يجب أن أذهب. انقضى يوم حتى وصلت إلى آبادان وعبرت نهر "أروند". يا لهذا الصخب! كانت القوات تتجه إلى هناك، وطائرات الأعداء لا تغادر الأجواء لحظة واحدة. سألتُ هذا وذاك إلى أن وصلت إلى مقر الفرقة. لم أصدّق أنني وصلت. أخبروني أنّ مير حسيني في الدشمة، وقفت لدى الباب وناديته فأجابني صوت: "الحاج مير حسيني نائم".

ناديته ثانية بصوت أعلى، فسمعتُ صوته ورأيته عند المدخل خلال لحظات. كدتُ أبكي من فرحة اللقاء. تعانقنا ودخلنا الدشمة. كان "محبّ علي فارسي" في الداخل أيضًا. قلتُ:
- لقد تأخرت في الوصول للمشاركة في العمليات.
 
 
 
 
116

100

الفصل السادس

 - لم تتأخر كثيرًا.


بقيت الليل هناك، وفي الصباح ركبنا الدراجة باتجاه الخطّ الأمامي. كان العراقيون يقصفون المنطقة باستمرار، بينما راح مير حسيني يبحث عن موقع مناسب للمقر التكتيكي للفرقة. 

وصلنا إلى عدة متاريس بُني سقفها على شكل قوس من أعجاز النخل. نزلنا من على الدراجة وصرنا نطل على الدشم والمتاريس، أعجبه المكان وأرادوا تجهيز اللاسلكي عندما علا صوت من فوق السقف: "عراقي... عراقي... ناولني قنبلة".

هالني الخوف، وللحظة لم أدرِ ما يحدث! صعد مير حسيني السقف وأمسك بالعراقي وأنزله. مع أنه مضى 3 أيام على انتهاء العمليات، إلا أنّ العراقي بقي مختبئًا لينجو بنفسه. كان خائفًا فنظر إليه مير حسيني وقال: "يكاد المسكين أن يموت أعطوه طعامًا".

لقد عامل مير حسيني الأسير بعطف بالغ وقد راقني ذلك. عندما شبع الأسير أرسلناه إلى الخطوط الخلفية. ذهبنا إلى الخطّ الأمامي، جال مير حسيني في مرصد العراقيين، فجأة انفجر ضاحكًا. لقد شاهد "بختياري" قادمًا نحونا، وهو من أبناء كرمان، قال مير حسيني له: "ما هذا المظهر؟".

لم يكن ينتعل حذاءه العسكري، كما كان سرواله فضفاضًا من دون حزام، فيسقط عن خصره باستمرار. أجاب بختياري وببساطته المعهودة: "كان أحد الإخوة بحاجة إلى حذاء فأعطيته حذائي، وأعطيتُ الحزامَ لآخر...".

عدنا إلى الخطوط الخلفية. وكان عليّ العودة إلى مدينتي فودّعته وانصرفت.
 
 
 
 
117

101

الفصل السادس

 انتهت رحلتي التي استمرت يومين إلى الجبهة والعمليات، لكن ذاكرتي ما زالت ملأى بأحداثها ومشاهدها حتى اليوم، خاصة بساطة وتواضع الشهيد "بختياري".


عمّت الفوضى الغرفة. أُبعثرُ الأوراق المكدّسة حولي عدة مرات في اليوم، وأعود لتوضيبها. لقد غرقت وسط 6 آلاف ورقة. أحملُ مدوّنة أخرى وأبدأ القراءة. كانت لـ "منصور هاشمي": حاصرنا العراقيون فرحتُ أردّد منذ الصباح وأقول عبر جهاز اللاسلكي: "أرسلوا إلينا الدعم، أرسلوا المقاتلين، أرسلوا الذخائر، الذخائر!". فجأة رأيتُ أحدهم منتصبًا أمامي. 

رفعت رأسي، كان مير حسيني نفسه. نظرتُ إليه مدهوشًا. جلس، أخذ سماعة اللاسلكي مني بهدوء وقال بالشيفرة1: "وصل الدعم ولدينا ما يكفي من الذخائر فلا ترسلوا شيئًا".

نهضت من مكاني مسرورًا ونظرت إلى ما حولي. كان مير حسيني بمفرده ولا أثر لقوات الدعم أو الذخائر. حدّقت به مليًا فهدأ فؤادي. لا أدري لماذا! لكنني شعرتُ بالأمان، كأنّ مئات الكتائب قد وصلت لنصرتنا. نهضت وركضت إلى الجهة الأخرى. رأيت عامل إشارة آخر، كان منذ دقائق يطلب الدعم والمساعدة، قد نهض وهو يقول عبر جهاز اللاسلكي:

"لا ترسلوا أي شيء فقد وصل كلّ ما نحتاجه".

كان الجميع قد هدأ عند وصوله وكأنه بعث السكينة فيهم واستنهض همم التعبويين فأمطروا الأعداء بكلّ ما في حوزتهم من رصاص وقذائف، بينما عامل الإشارة راح يردّد عبر أجهزة اللاسلكي:
 

1- تحدّث طبقًا للائحة المرمزة حتى لا ينكشف الحديث للعدو.
 
 
 
118

102

الفصل السادس

 "لا ترسلوا الذخائر، لا ترسلوا الآليات، فلدينا ما يكفي لمدة أسبوع...".


وضعت العمليات أوزارها وكتبت الغلبة لنا. فجأة جاء مير حسيني إليّ وقال:
- لم قلت ما قلت عبر اللاسلكي؟ لمَ تعثّرت؟ عندما تجبُن يستشرسُ عدوّك ويهاجمُك. يجب أن تقول عبر جهاز اللاسلكي، لسنا بحاجة إلى عناصر، لدينا ما يكفي من الذخائر، لسنا بحاجة لأي شيء. هل غفلت عن التوكل على الله؟!

طأطأنا رؤوسنا خجلًا، في الحقيقة لم يكن لدينا ما نقوله.

مرة أخرى كنت عائدًا من العمليات وقد استشهد عدد من الرفاق وجُرح آخرون. غصةٌ أثقلتْ صدري فراحت تتحيّن الفرصة المناسبة لتنفجر وتخرج منه فتغسل الدموع فؤادي المكلوم لينجلي من جديد، ولا فرصة أفضل من دعاء التوسل. لا أدري كيف مرّ الوقت، فقد طال الدعاء قرابة ثلاث ساعات. عدتُ إلى خيمتي، بعد وقت قصير استدعوني من خيمة القيادة. ذهبت ورأيت "مير حسيني" هناك. سررت كثيرًا، سلّمتُ وجلستُ بالقرب منه. كان منزعجًا، سألت قائد الكتيبة عن سبب انزعاجه فقال: "اسأله بنفسك!".

عندها نطق "مير حسيني" وقال:
- كيف لي أن لا أنزعج. متى وأين رأيت أن دعاء التوسل يمتدّ لثلاث ساعات؟ لمَ تقوم بما يجعل المقاتلين يفرّون من المشاركة في مراسم الدعاء؟

صمتَ قليلًا ثم تابع:
 
 
 
 
119

103

الفصل السادس

 - لو أنّك لم تكن منهكًا من البكاء لأمرتك بالزحف حتى الصباح عقابًا لك.


ثم التفت إلى الآخرين وقال:
- يجب أن لا يتحوّل التوسّل بـ14 معصومًا إلى 14 قراءة، حتى لا نسمع أحدهم يقول بعد انتهاء الدعاء: "الحمد لله ها قد انتهى وارتحنا!".

أيضًا لم أستطع قول شيء فبقيتُ صامتًا.

أقوم، فلم أعد أستطيع تحمّل هذه الغرفة الغارقة بالفوضى. أرتب الأوراق في مجموعات واضعًا بعضها فوق بعض.

فرغت القارورة(FLASK) من الشاي. تقع عيناي على ورقة أخرى. المكان يضج بالذكريات. كان "علي كيخا" أيضًا، أنا أملك كنزًا:
كان اليوم السابع لعمليات "والفجر 8"، استعدّ العراقيون للقيام بهجوم مضاد كبير لاستعادة المناطق التي سيطرنا عليها. كنّا قد تموضعنا في "مصنع الملح"، وقد تولّى وزير الدفاع العراقي عدنان خير الله بنفسه قيادة الهجوم المضاد في تلك المنطقة.

كان الوقت ظهرًا والعراقيون يقصفون خطوط إمدادنا بلا انقطاع. كانت أشعة الشمس الحارقة تسطع على رؤوسنا، وقد أزكمت أنوفنا رائحة الأرض الملحية النتنة. وقد منع القصف العراقي المتواصل والشديد وصول الماء والطعام إلينا. كان الإخوة يصدّون الأعداء بالروح والقلب، وإلا فلن تستطيع الأسلحة "المادية" فعل شيء أمام هذا الهجوم.
 
 
 
 
120

104

الفصل السادس

 كنت على الساتر الترابي عندما سمعت صوتًا. التفتتُ بسرعة إلى ناحية الصوت، كان مير حسيني أسفل الساتر يردّد الشعارات والهتافات الحماسية. لم أصدّق أن نائب قائد الفرقة يأتي إلى الخطّ في مثل هذا الوضع.


خلال دقائق علم الجميع بوجود مير حسيني. حتى لو كنت هناك لن تصدق ما تراه عيناك! لقد ارتفعت معنويات المقاتلين لدرجة أنهم تسلقوا الساتر الترابي من دون أي وجل، وصبّوا نيرانهم على الأعداء. ما زال صوته يتردد في أذني إلى الآن. كان مير حسيني يصرخ:
- يا الله! هيا تسلقوا الساتر الترابي، فقد جاء وزير دفاعهم اليوم ليشارك في المعارك. يجب أن نمرّغ أنوفهم بالتراب...

كان المقاتلون يطلقون النار من دون توقف، ومير حسيني ينشر الحماسة فيهم بهتافاته وأشعاره، حتى إنّ بعض الفتية أرادوا الذهاب إلى قلب الدبابات العراقية قائلين إنّهم سيشدّون وزير الدفاع العراقي من أذنه ويحضرونه إلى هنا. قال أحدهم:
- ما هي جائزتي يا حاج إذا ما أحضرت لك عدنان خير الله؟

- أنت أحضره أولًا وسأدعو لك بالشهادة!

في اليوم السابع للهجوم العراقي، مُرّغ أنف البعثيين بالتراب بفضل قيادة مير حسيني.

كتب "على نجيب زاده" الذي تعرّفت إليه في اليوم الأول، عن عمليات "والفجر 3"، وكيف تعرّف إلى مير حسيني في أحد الخنادق. ما أكملت قراءة باقي مذكراته، وكنت وضعتها جانبًا
 
 
 
 
121

105

الفصل السادس

 لأعود إليها في الوقت المناسب. أتناول المذكرات وأبدأ القراءة:


وسط العمليات، وصل مير حسيني وحسامي على دراجة نارية. كان الأعداء يتقدمون خطوة خطوة. تسلّق الاثنان الساتر الترابي وراحا يستطلعان قوات العدو ودباباته. كان القصف العراقي شديدًا، وقد تساقطت مختلف أنواع القنابل والقذائف والهاون. انفجرت إحداها بالقرب من مير حسيني، وفي لحظة رأيت التراب حيث يجلس يتناثر في الهواء، وكذلك الرصاص المتساقط من حوله كان ينثر الغبار والتراب في الهواء.

لم أعد أطيق صبرًا، أسرعت نحوه وأمسكته من يديه وأجبرته على النزول أسفل الساتر وقلت له بصوت عالٍ:
- ما الذي أتى بك في هذا الوقت، وبما أنك جئت فما الداعي لتسلُّقك الساتر...

ضحك مير حسيني، وربّت على جبهتي ثم قال:
- لا تقلق عليّ.

مرّة أخرى، عاد إلى مكانه في أعلى الساتر. وقد اشتدّ أزيز الرصاص وراح ينهمر من حوله، لكنه تابع مراقبة تحرك الأعداء من دون اكتراث. لم أستطع التحمل أكثر، فأمسكت بقدمه وسحبته إلى الأسفل. عندما نهض مسح على وجهي وقال:
- أخ نجيب! قلت لك لا تقلق. لن يصيبني مكروه، فأنا أعرف متى سيحدث ذلك. والآن، هل ستدعُني أكمل عملي أم لا؟!

في ذلك اليوم، وما دام "مير حسيني" يقف أعلى الساتر الترابي
 
 
 
 
122

106

الفصل السادس

 وإلى أن نزل وذهب، شعرت أنني متّ وعدت للحياة مئة مرّة. إذ لم يكن لدينا غير مير حسيني واحدٍ وفرقة ثار الله واحدة!


بعد معارك ضارية، تموضعنا على الضفة الأخرى لنهر "أروند". مرّت أيام عصيبة علينا في معارك بحيرة الملح. كانت القوات منهكة، فدخلنا أحد مباني ثكنة "قشلة" العراقية وارتمينا على الأرض كالأموات، وكل واحد أخذ زاوية ليستريح فيها، حتى إنّنا لم نستطع تناول العصير الذي أعدّوه لأجلنا.

عند العصر، كنت مع "محمود كاظم زاده". قلت له: "هيا نصلّي ثم ننام". لم يستطع فتح جفنيه جيدًا. توضأنا ووقف هو للصلاة. هوى للسجود ولم يقم. وضعت يدي على كتفه فهوى أرضًا. كان النعاس قد غلبه. نهض ثانية توضأ ثم وقف للصلاة. كان يترنّح في كل اتجاه من شدّة التعب وشفتاه تتمتمان بالصلاة، وكالمرة السابقة هوى للسجود ولم يقم، ثم ذهب ثالثة ليتوضأ. لقد أحصيت له 24 وضوءًا، لكنه في كل مرة كان ينام قبل أن يتمّ الصلاة.

بعد حوالي الساعة، جاء مير حسيني فهبّ المقاتلون كسلك مطاطي وتجمعوا، وقف أمامنا وبدأ يحدثنا عن الجهاد ومشاق الحرب وقلّة العديد، ثم طلب أن نستعد للذهاب إلى الخطّ الأمامي. عندما أنهى مير حسيني كلامه، جلس كاظم زاده وقد ضمّ ركبتيه وقال بهدوء: "انهض لنحضّر أغراضنا ونذهب إلى الخطّ الأمامي".

نهضنا معًا، كانت عينا محمود كاظم زاده1 شديدتي الاحمرار. جهّزنا السلاح والعتاد.
 

1- بعد مدة صافح كاظم زاده مير حسيني في الجنة.
 
 
 
123

107

الفصل السادس

 بعد العمليات عدنا إلى الخطوط الخلفية للحصول على إجازة. كانت في حوزتنا سيارة إسعاف. وصلنا ليلًا إلى مدينة "بهبهان" وكنا متعبين جدًا. ذهبنا إلى مقر الحرس، كنت أعرف أنهم لن يسمحوا لنا بالدخول فخطرت ببالي فكرة. أسرعت نحو مدخل نقطة الحراسة ودست على الفرامل بقوة. تقدّم الحارس مني، فقلت له: "الإخوة معي".


فتح الباب ودخلنا. سُررنا كثيرًا لأننا تمكّنا بهذه الحيلة من الدخول إلى مقر الحرس الثوري. ركنّا السيارة جانبًا وبحثنا عن المسجد أو المصلّى فأرشدونا إليه. توضّأنا وجاء الحارس إلى مير حسيني وسأله:
- يا أخي! لأي كتيبة أو وحدة تنتمون؟
- فرقة ثار الله 41.
- يجب أن تغادروا إذًا.
- سأله مير حسيني بتعجّب: لماذا؟
- لأنه عليكم الذهاب إلى مقر التعبئة للاستراحة والصلاة. ولأن السائق قال إنّ الإخوة معه فاعتقدت أنكم من عناصر الحرس لدينا.

ما إن سمع مير حسيني هذا حتى نظر إلينا وقال:
- هيا يجب أن نخرج من هنا.

قلت: لكن ما الفرق يا حاج سواء ذهبنا إلى مقر التعبئة أو بقينا هنا، فنحن أيضًا مقاتلون.
- الأوامر والنظام تقتضي ذلك.
- إذًا دعنا نصلّي أولًا.
 
 
 
 
124

108

الفصل السادس

 - لا، لا يسمح لنا بذلك، فلا فائدة لصلاتنا هنا.


خرجنا وقال لي مير حسيني معاتبًا:
- ما كان عليك خداع الحارس، الله يعلم إن كنت كذبت عليه. لِم تفوّهت بهذا الكلام؟ حاول أن تكون صادقًا في جميع أعمالك.
- ثم تابع بلطف وعطف: هاك نصيحتي، لا تدع الغرور يتغلب عليك.

حوالي منتصف الليل، وصلنا إلى كرمان. كان مير حسيني نائمًا عندما ذهبنا إلى محطة الوقود لنتزوّد بالبنزين. جاء المسؤول وقال إنّه لا يبيع البنزين من دون البطاقة التموينية الخاصة.

ولكي نحصل على بنزين، بدأ السائق بالتلاعب ومحاولة خداع المسؤول مدّعيًا أننا ننقل جريحًا. استيقظ مير حسيني فجأة على صوت مسؤول المحطة يقول: "سأعطيكم 15 ليترًا فقط كي تتمكّنوا من الوصول إلى المحطة التالية، ولا يمكنني بيع أكثر من ذلك من دون البطاقة.

- سأل مير حسيني: ماذا يجري؟
- أجاب السائق: لا شيء يا حاج عد للنوم.

عدّل مير حسيني من جلسته وقال: "لا أشعر بالنعاس فلِم أنام؟".

شرحت له ما يجري، فترجّل من السيارة وهو يقول للسائق: "لقد كذبت". لا أدري لمَ كان جسمه يرتجف، قال لمسؤول المحطة:
- يا سيد، لقد كذب عليك. أعتذر منك، فلا جريح معنا، وسننفذ المطلوب حسب المقررات والنظام.
 
 
 
 
125

109

الفصل السادس

 أُجبرنا على البقاء ليلًا هناك. عند الصباح، سألتُ مسؤول المحطة عن السبيل للحصول على المحروقات فقال: "اذهبوا إلى مركز المحافظة واحصلوا على رسالة خاصة".


أقرضنا 4 ليترات بنزين لنصل إلى هناك. ذهبنا للحصول على الرسالة ثم عدنا إلى المحطة. بقي تصرّف مير حسيني تلك الليلة حلقة في أذني على الدوام.

توجد على أوراق المذكرات المكدسة والعائدة لعمليات "والفجر8"، مذكرتان أخريان لم أقرأهما بعد. أنهض وأشعل المدفأة النفطية وأضع إبريق الماء عليها ، ثم أعود إلى المذكرات لأقرأ إحداها، ريثما يسخن الماء. كانت مذكرات يحيى شيخ ويسى:

أردت الذهاب إلى الخطّ الأمامي حيث كنا نهاجم منطقة الفاو. رآنا بور خسروي فكتب رسالة إلى "غلام حسين شهرياري" وطلب منا أن نوصلها له. قلت:
- للوصول إلى دشمة شهرياري، علينا عبور مثلث طرق الشهادة، وهناك شرط لإعطائه الرسالة!
- أي شرط؟
- أن أصفعه صفعة عن كل كلمة كتبتها.
- ضحك وقال: حسنًا، موافق.

وصلت إلى الخطّ وذهبت مباشرة إلى دشمة القيادة. رأيت مير حسيني، بعد السلام والتحية سألته:
- أين شهرياري؟
 
 
 
 
126

110

الفصل السادس

 - الآن يأتي.


عندما جاء أخبرته بأمر الرسالة والشرط. ضحك وقال:
- حسنًا، لكن نفّذ الحكم غدًا صباحًا.

لم أقبل وصرنا نتجادل، فسألنا مير حسيني عن الأمر. أخبرته بأمر الرسالة والشرط فقال:
- أنا أضمن لك حضور شهرياري في الصباح، فهل توافق؟

وافقت حينها وأعطيته الرسالة. في الصباح، عند الساعة 8 ذهبتُ في مهمة وبعد عودتي توجهت مباشرة إلى مير حسيني الذي سألني:
- تريد تنفيذ الحكم صحيح؟!
- أجل، وأين شهرياري الآن؟

فجأة رأيت الدموع تفيض من عينيه. سألته:
- ماذا جرى يا حاج؟
- نُقل إلى الخطوط الخلفية.
- سألته بلهفة: هل جُرح؟
- لا!

طأطأ رأسه، فتسمّرت في مكاني ولفّني الحزن. قال مير حسيني:
- كان أول شخص أضمنه، لذا يمكنك أن تنفّذ الحكم بي.

انفجرتُ بالبكاء وخرجت من الدشمة.
 
 
 
 
127

 


111

الفصل السادس

 كان "غلام عباس كاووسي"1 صغير السن في ذلك الوقت، أقرأ السطر الاول من كتابته فأدرك ذلك:

تطوّعت للجبهة عام 1985م. كنت صغير الجسم، قالوا لي يجب أن أعود، لكنّني أصررتُ كثيرًا، فوافقوا في النهاية على بقائي.

في أحد الأيام، أراد مير حسيني الذهاب إلى الخطّ الأمامي، ورافقته بصفتي عامل إشارة. كانت هذه المرة الأولى التي أذهب فيها إلى الخطوط الأمامية. كانت القنابل والقذائف تتساقط من حولنا فأجبرتُ على الزحف بين الحين والآخر. لكن مير حسيني لم يكن حتى ليحني رأسه، بل بقي منتصبًا وكأننا لسنا في ساحة حرب.

تقدّمنا قليلًا، كان الخطّ قد حُرّر حديثًا. أصرّ مير قاسم مير حسيني على بقائي في أحد المتاريس وأن لا أتقدّم أكثر، فرفضت.

في الأمام، لا أدري بالتحديد ماذا حدث، هل انفجر مخزن الذخيرة أم انفجرت قذيفة! فقد أصابت قطعة إسمنتية كبيرة خاصرتي وسقطت أرضًا وغبت عن الوعي. بعدها أخبرني الإخوة بما جرى، أدرك مير حسيني أن فقداني للوعي ناتج عن الخوف وليس عن الضربة التي تلقيتها، فضحك ورشّ الماء على وجهي لأستعيد وعيي. يومها ضمّني إليه وسار بي بهدوء وهو يواسيني بكلامه الإلهي. رويدًا رويدًا، شعرت أن ألم خاصرتي قد خفّ.


بعد تلك الحادثة لم يصطحبني معه أبدًا. طالما رغبت في أن يأخذني معه، لكن...
 

1- تلفظ: كافوسي.
 
 
 
 
128

112

الفصل السادس

 كان الماء يغلي في الإبريق، آخذه وأفرغه في محفظة المياه الساخنة، لكنّ ذهني كان مشغولًا بـ "مير حسيني". بحسب البرنامج سأبقى هنا ثلاثة أيام أخرى، خلالها ينبغي أن أكتشف زوايا حياته الخفية. أعود وسط الأوراق المكدّسة التي أصبحت كلّ حياتي لأستخرج وأستشفّ من كلماتها صورةً لـ "رجل" أرسمه على تراب هذا الوطن لليوم والغد وإلى الأبد.

 

 

 

129

 

113

الفصل السابع

 انتهت عمليات "والفجر8" وأيام الفاو، بحيرة الملح، جادّة أمّ القصر، مثلث طرق الشهادة، نهر أروند وغيرها من الأيام المعروفة عند أهل السماء أكثر منها عند أهل الأرض، تمامًا كرجالها الرجال.


أنتقلُ إلى ملف عمليات "كربلاء1"، إلى تلك الديار التي وطئتها قدما مير حسيني وقاتل فيها، فقد قاتل مرّة أخرى في عمليات "والفجر3"، ودارت عجلة الأقدار لتعود به إلى تلك الديار ثانية، وتحلّقت معه أفكاري إلى هناك.

أخطو في هذه الديار المألوفة، وأرافق رجالًا شهدوا جهاد مير حسيني عن كثب. وأولهم حبيب شهركي:
في نيسان 1986م، وبعد مضي ثلاثة أشهر على عمليات "والفجر8" القاسية والشاقة، عدنا جميعًا في إجازة إلى الديار، قادة وعناصر. ولم يبقَ في المنطقة غير عددٍ قليل. كنت في المدينة عندما جاء السيد فارسي وقال:
- اتصل مير حسيني وأخبرني أن "طريق البهار" التي هي تحت سيطرة الفرقة معرّضة لتهديد الأعداء، إذ ليس من قوات منظمة هناك سوى مجموعة من العناصر المتفرقة التي جمعناها في سرية
 
 
 
 
131

114

الفصل السابع

 وجعلنا عليها قائدًا مؤقتًا، وطلب منك العودة إلى المنطقة خلال 24 ساعة إن استطعت ذلك.


كانت هناك طائرة جاهزة للإقلاع فأقلّتنا مع البقية إلى المنطقة. ما إن وصلت حتى أعطاني "مير حسيني" التعليمات والتوجيهات اللازمة، فالأعداء على أهبة الاستعداد للهجوم علينا. أرسلني "مير حسيني" إلى الخطّ الأمامي حيث نظّمنا القوات المتموضعة هناك استعدادًا للدفاع.

عندما كنتُ أفكر بمير حسيني وأنا في الخط، أيقنت أنه جعل حياته وقفًا1 للحرب، وهو متأهّب في جميع الظروف للدفاع والتصدّي. كان مجاهدًا فريدًا ونادرًا.

بعد ذلك شاركت في عمليات "كربلاء1"، انطلقت القوات في الرتل رقم (1) عبر بستان "خسرو آبادي" إلى "قلافيزان"، وفي الطريق قال لي مير حسيني: "لا تضيّعني".

كنت بريده الخاص2 وإن أضعته سيتعثّر في مهمته. كنت أوصل رسائله إلى آخر الرتل وإلى قادة الكتائب والسرايا والوحدات وأعود إليه سريعًا. بدأت قوات الفرقة هجومها من ثلاثة محاور، المحور الأيسر والأيمن والأوسط، وشكّل المحور الأوسط رأس الحربة والأساس في الهجوم بقيادة "مير حسيني".

بعد أن سرنا حوالي الساعتين، وصلنا إلى حقل ألغام زرع بأنواع الألغام المضادة للأفراد من "فالمارا"، pomz" - "vs و"Ts50" وغيرها.
 

1- "الوقف" مصطلح فقهي، وهنا كناية عن أنه نذر حياته للحرب و....
2- بريد أو مرسال، مهمّته في الحرب إيصال الأوامر والرسائل والتعليمات.
 
 
 
 
132

115

الفصل السابع

 عندما تمكّن عناصر وحدة التخريب من فتح معبر وسط الحقل، كان أمر العمليات قد فُضح وتنبّه الأعداء لحركة قواتنا في المحورين الأيمن والأيسر. استعددنا للهجوم وعند الحقل أعطي رمز ونداء العمليات. كان العدو يقصف بعنف خط الهجوم من أوله إلى آخره ويرشق رصاصه بمحاذاة سطح الأرض ليشلّ حركتنا، لدرجة أننا عجزنا عن رفع رؤوسنا. أردت النهوض، لكن الرصاص مرّ بمحاذاة رأسي ليستقر في التراب بالقرب مني. كان رأسي ملصقًا بالأرض، حينها قال لي مير حسيني:

- هيا انهض واضرب الخط.

التفتُّ نحوه بتعجب، فقال:
- لقد صدّ العدو قواتنا وشلّها، هيا انهض وتحرك.

كان حقل الألغام واسعًا ويفصلنا عن العدو الذي كان يمطرنا بنيرانه من تلال "قلافيزان" مسافة طويلة، لذا لم نستطع الحركة، وانتظرنا ريثما تخفّ حدة القصف.

مرّت عشر دقائق. كان من المقرر أن يُطلق رمز العمليات قبل طلوع القمر بنصف ساعة، فتقترب قواتنا من العدو في الظلام الدامس، ومن ثمّ تطهّر متاريسهم وتحصيناتهم على نوره.

دنت لحظة طلوع القمر فقلت لمير حسيني بين الجد والهزل: "كما ترى! فإن رصاص العدو منهمر عليّ بينما تطلب مني الهجوم على الخط!".

كان هذا ما مرّ في خاطري فنطقت به. فجأة! نهض "مير حسيني" من دون أن يبالي بالرصاص، الرشاشات، الدوشكا ومضاد الطائرات
 
 
 
 
133

116

الفصل السابع

 المنهمرة علينا. رأيتُ رصاصة رشاش "كاليبر" الأوتوماتيكي تخرق طرف قميصه وأخرى تمرّ بين قدميه، نظرتُ إليه وأنا منبطح أرضًا، بدا لي بقامته وهامته أطول بعشر مرات بل وبمئة مرة. كان كالطود في مواجهة الأعداء. طودٌ احتمينا خلفه.


انطلق هو وبقي الرتل مكانه. عندما رأيته يتقدم دبّت الجرأة في كياني للنهوض. سار مير حسيني في المعبر ونحن خلفه متجاهلين النيران التي كانت تنصبّ علينا، وكأنها تنهمر من فم تنين قابع في مرتفعات "قلاويزان".

كان مير حسيني أول الواصلين إلى مواقع ودشم الأعداء، ومن خلفه نحن، وبهذه البساطة سيطرنا على الخطّ. لكن لو لم يكن موجودًا لكان...

في الصباح، كانت الكتائب ما زالت تطهّر دشم العدو وتتقدّم بينما الأعداء ينسحبون ويتقهقرون.

كنتُ أسير خلف "مير حسيني" الذي لم يهدأ دقيقة واحدة. كان يرمي القنابل اليدوية داخل الدشم، ثم يتابع تقدّمه وقواتنا من خلفه.

صعدتُ إحدى الدشم للحظة، فسمعت صوت انفجار تحت قدمي واهتزت الدشمة. فجأة صرخ "مير حسيني" من أمام الدشمة فقفزت إلى الأسفل. كان غاضبًا فصرخ في وجهي: "لم صعدت الدشمة؟ ماذا لو أصابك مكروه لا سمح الله؟".

اعتذرتُ منه فطوّق عنقي وقبّل وجهي، وأسف لصراخه في وجهي. كنت أعتذر لعدم حذري فقال: "لقد خفتُ أن تصاب بجرح أو ..."
 
 
 
 
 
 
134

117

الفصل السابع

 حاول طوال ذلك اليوم أن يزيل الكدر الناتج عن سلوكه معي.


في الصباح وبعد تطهير الدشم تموضعنا في الساتر الترابي، ورويدًا رويدًا كانت دبابات العدو التي فرّت تحاول التقدم نحونا. من جديد عادت حمم مدفعيتهم وقذائفهم تنهال علينا من جديد. بعد ساعة تقريبًا صرنا كمن يسير في جهنم نيران الأعداء.

لم تكن أجهزة اللاسلكي لتهدأ دقيقة واحدة، وقد تأزّم الوضع، والمحور كلّه سيصبح عرضة للخطر إذا انسحبنا إلى الخلف. ركب مير حسيني دراجة نارية وطلب مني الركوب خلفه.

أعطاني آر بي جي وذهبنا وسط الدبابات للاستطلاع والصيد في آن.

عدنا، وذهب ثانية لصيد الدبابات مع خسروي، وثالثة مع هراتي. ومن خلال تلك المناورات في ذلك اليوم، تمكن من إعطاب 8 دبابات للعدو فشلّ حركته كليًّا.

لمحتُ علي كيخا مرّة، رجل طويل القامة نحيل الجسم يتحدّث بلهجة زابلية، إن لم تكن تتقنها فيتوجب عليك الإصغاء جيدًا لتفهم ما يقوله. كانت مذكراته مدسوسة بين كومة الأوراق. وضعتُ نموذجين أو ثلاثة من مذكراته جانبًا:

لم يكن مير حسيني ليهدأ دقيقة واحدة في مكان واحد، كان يضع قدمًا في الخطوط الخلفية وقدمًا ثانية في الخطّ الأمامي. في بعض الأحيان كان يدّعي عدد من المقاتلين أنهم رأوا مير حسيني في الساعة عينها في أماكن أخرى، ويدور الجدال بينهم: أن من رأيته أنا كان "مير حسيني" وليس من رأيته أنت!
 
 
 
 
135

118

الفصل السابع

في عمليات "كربلاء 1"، كنت أتقدّم بقوات الكتيبة، وقد دارت معارك ضارية على تلال "قلافيزان". شاهدنا من مكاننا تبادل إطلاق قذائف الآر بي جي ورصاص الدوشكا بين الطرفين.

ما إن اقتربنا من منطقة المعارك، حتى قفز عدد من مقاتلينا عن إحدى الدبابات وصرخوا بنا ليمنعونا من متابعة التقدّم، فطلبت من الرتل التوقف. أشاروا بأيديهم إلى ناحية "تلال قلافيزان"، وقالوا إنّ العراقيين قد أسروا عناصر الكتيبة المشتبكة. نظرت بالمنظار إلى منطقة المعارك التي غطتها سحب الدخان والغبار ورأيت عددًا من المقاتلين المنتصرين وآخرين وقعوا في الأسر، لكنني لم أستطع أن أتبين ما إن كان المنتصرون من قواتنا أم من الأعداء.

عدت بالدراجة النارية إلى الخلف وأخبرت الحاج قاسم سليماني بما جرى، فطلب بدوره من "مير حسيني" الذهاب واستطلاع الأمر. عدنا وما إن وصلنا إلى الرتل حتى أخذ مير حسيني المنظار، ثم قال بعد أن دقّق النظر إلى منطقة الاشتباك، إنّ العراقيين هم من وقعوا أسرى بيد عناصر فرقة "نصر5". انزعج مير حسيني كثيرًا للخبر غير الدقيق وأنّب مطلقيه بشدّة. بعدها سار نحو منطقة المعارك ولحقنا به. علمت في الطريق أنه حوصر من قِبَل العراقيّين، لكنّه تمكّن من الإفلات منهم. عندما وصلنا أسرناهم جميعًا.

لم يكن مير حسيني ممن يستكينون في مكان، فروحه المتوثبة دومًا كانت تتوق لدنيا أوسع. حقًّا كان صاحب روح عظيمة ونبيلة.

أجل! لقد جالت روح هذا الرجل السيستاني الكبير في جميع الجبهات، وتشهد تلال قلافيزان على شجاعته وبسالته،
 
 
 
 
136

119

الفصل السابع

 فما زالت هتافاته يتردّد صداها في سهول مهران. "علي آقائي" شاهد آخر على تلك الحقائق:

لم يكن لسان مير حسيني قاطعًا في المعسكر فحسب، بل وفي المعارك أيضًا. في عمليات "كربلاء 1"، سيطرت قواتنا على تلال قلافيزان، وتابعوا زحفهم نحو مدينة مهران. بدأ العدو هجومه العنيف علينا، وعانقت صدور مقاتلينا الساتر الترابي مستميتين في الدفاع عن الخط. لكن شحّ الذخيرة وحرارة الطقس والعطش أنهكتنا. وراحت دبابات العدو تتقدّم نحونا لتقضم المنطقة رويدًا رويدًا.

كنّا حيارى لا حيلة لنا عندما وصل مير حسيني، ووقف أعلى الحصن حاملًا مكبر الصوت بيده متجاهلًا رصاص رشاش كاليبر. رفع صوته بالتكبير وصاح:
- يا أصحاب أبي عبد الله! هذه ساحة الاختبار، هذه كربلاء. وإذا كنتم ممن يلبون النداء فاحزموا أمركم وادحروا عدوكم. هيا استعدّوا للاختبار، فها هنا ساح الفرقان بين الحق والباطل. هيا! كبّروا وانقضّوا على الأعداء.

استعاد المقاتلون قواهم، كأنّهم قد وصلوا إلى ساح الحرب لتوّهم! فانقضّوا على الأعداء ودارت رحى حرب ضروس انجلت بعد ساعة عن تقهقر الأعداء وعودة الهدوء للمنطقة.

كانت آخر مذكرات تلك العمليات تعود لـ "علي رضا حيدري نسب":
في عمليات "كربلاء1" كانت المرة الأولى التي أشارك فيها في
 
 
 
 
137

120

الفصل السابع

 العمليات. نقلونا إلى الخطّ الأمامي وأعطوا الأوامر بالحركة ليلًا. وقفنا في رتل وانطلقنا. كانت المعارك قاسية والرصاص ينهمر علينا من كل حدب وصوب. كنا نسير في شق، ولم نكد نصل منتصف الطريق حتى ردّونا على أعقابنا وغيروا المسير. وأيضًا في منتصف الطريق الثاني غيّروا مسيرنا وعدنا أدراجنا. تكرّر هذا الذهاب والإياب عدة مرات حتى مللت. لم نكن نعلم ما الذي يرمي إليه القادة. وكان قصف العدو شديدًا فجرح واستشهد عدد من الرفاق، وكنت أنا من الجرحى وعدت إلى الخطوط الخلفية بمشقة كبيرة.


التقيت مير حسيني بعد أيام عدة فسألني عن أحوالي، وتحدثنا عن العمليات فشكوت له عدم التنسيق ورحلات الذهاب والإياب ليلتها، منتقدًا قادة المحور بشدّة. عندها وضّح مير حسيني بعض الأمور التي خفيت عني، وحدّثني عن العقبات التي واجهت العمل، وافترقنا بعد ذلك الحديث المفصل والطويل.

في اليوم التالي تحدّثت عن العمليات مع الرفاق فقال أحدهم إنّ مير حسيني كان في مقدمة الرتل. تعجّبتُ كثيرًا وبهتُّ، ثم سألته بلهفة:
- هل أنت متأكد؟
- أجل! لقد كان قائد المحور في الليلة الأولى للعمليات.

انهرتُ وتذكّرت حديثه البارحة، أيّ كلام قاسٍ قلته، وكيف مرّ مير حسيني عليه مرور الكرام. لقد سحرني بحسن أخلاقه وسلوكه القيادي.

أقفلُ ملف عمليات "كربلاء1"، وأضع المذكرات مع باقي
 
 
 
 
138

121

الفصل السابع

 أوراق هذه الكومة، لأسحب غيرها من كومة أخرى. أريد أن أعرف أكثر عن لحظات عبادته، صحيح أنني وجدتُ ضالتي في بعض الكتابات، وسمعت بعض الأمور من هنا وهناك، إلا أنني كنت بحاجة لمعرفة المزيد.


أقرأُ المذكرات المتفرقة في معظمها صفحة صفحة. مقابلات ألف شخص وألف من الذكريات المختلفة.

تجذبُ أول ورقة نظري، وكانت لـ "عبد الحسين مير شهركي":
جئتُ في أحد الأيام للقاء مير حسيني، وكان وقت الظهيرة حيث توجّه الجميع نحو قاعة "مهدية"1 للصلاة، عندما وجدت أن الوقت غير مناسب، قررت الذهاب للصلاة أولًا ومن ثم ألتقي به.

بعد الصلاة، بحثت عنه في "مهدية" ولم أجده. توجه الجميع إلى قاعة الطعام للغداء وتبعتهم. وقف التعبويون والمجندون في صف الطعام، ووقفت أنا في آخره.

أخذتُ الطعام وجلست في زاوية وبدأت الأكل. كان ظني أن القادة يتناولون طعامهم في المركز2 وقررت الذهاب إلى هناك بعد أن يكون مير حسيني قد تناول طعامه.

وقع نظري عليه، كان يقف في صف الطعام يحمل بيده سبحة ويردد الأذكار والأوراد. نهضت بسرعة ودنوت منه. بعد السلام والتحية قلت له:
- اجلس يا حاج وسأحضر لك طعامك.
 

1- قاعة تشبه الحسينية، يستفاد منها في مجالس العزاء وإقامة الصلوات.
2- المقر أو الستاد.
 
 
 
 
139

122

الفصل السابع

 لم يقبل. وأصرّ عددٌ آخر من الرفاق على إحضار الطعام له لكنه لم يقبل أيضًا.


وقفتُ بجانبه إلى أن حصل على طعامه، ثم ذهبنا إلى حيث كنت أجلس، كان يتصرف كباقي التعبويين، وكأنه لم يكن نائب قائد الفرقة.

رسم "محمد علي جامي" بساطةَ حياة مير حسيني، صورةً طُبعتْ في قلبه، كالصورة المعلقة على الجدار عند رأسي، ويا ليتني أستطيع أن أدسّها في قلبي. أقرأ في تلك الصفحات:

يحدثُ أن تنطبع في ذهنك صورةٌ أو مشهدٌ واحد عن شخص ما، لكن هذه الصورة الفريدة تلهب روحك وتأسرك إلى الأبد.

تقرّر إرسالنا إلى الجبهة، وكنا جميعنا من أبناء سيستان. ركبنا الحافلة متجهين إلى كرمان، لنركب القطار هناك مع باقي قوات المحافظة إلى المنطقة (الجبهة).

رافقنا مير حسيني في تلك الرحلة، ووصلنا عند الظهر إلى "بردسير" كرمان. قال الإخوة إنّه قد حان وقت صلاة الظهر، فطلب مير حسيني من السائق التوقف. وقفت الحافلة بالقرب من منطقة سكنية فترجلنا منها وتوضأنا، ثم وقفنا للصلاة بإمامة مير حسيني. المشهد الذي أعنيه وأبينه حدث في ذلك المكان، وما زلت أذكرُ تفاصيله.

كنا في السجدة الأخيرة للصلاة عندما طرق سمعي صوت مير حسيني، كان يقول: "إلهي العفو" بطريقة ولحنٍ شعرتُ معها أن الحصى سيتفتّت من تحتنا، أو أن الأرض ستنشق وتقوم الساعة. لا أدري ماذا ألمّ بي حتى ارتجف جسدي على وقع صوته.
 
 
 
 
140

123

الفصل السابع

 رفع مير حسيني رأسه من السجود ونهضنا نحن أيضًا. انتهت صلاة ذلك اليوم، لكنّ صوته الملكوتي ما زال يطُنّ في أذنيّ. في ذلك الصوت، رأيت الله، ومير حسيني وكل الدنيا والآخرة1. هذا ما عنيتُه أن صورةً ما تنطبع بعض الأحيان في ذهننا إلى الأبد، أَجَل، صورةٌ واحدة!


كنتُ قد شهدتُ طائراتٍ كثيرة مرّت فوق رأسي، في تلك الأيام كانت تأتي وتقصف المدن، ورأيتُ الرجال والنساء ينتشرون في كل الأنحاء والاتجاهات، كقطيعٍ هاجمه الذئب كلّ واحد يهيم في اتجاه. كتب "حسن كشتكر نكاهي" عن مير حسيني من زاوية أخرى:

أحضروا القوات إلى معسكر الغابة (جنگل)، بالقرب من الأهواز، ليتم توزيعهم على الكتائب. وقد امتلأ المعسكر بقوات قادمة من مختلف المناطق والمدن، من كرمان، زابل، زهدان، شهر بابك، سيرجان وغيرها. حلّ وقت الظهر ولم يكن توزيع القوات قد انتهى، وما زال هناك عناصر تتردّد في الأنحاء والأرجاء. تقرّر أن يصلّوا ويتناولوا الطعام، ثم يتابعوا توزيع القوات. بعد الصلاة، ذهبوا إلى قدور الطعام والبحث عن مصدر لمياه الشرب.

ما إن وقف مير حسيني للصلاة حتى سمعنا صوت الطائرات. كانت طائرات معادية، وإلا فلا مبرر لدوران طائراتنا في الأجواء بهذا الشكل. ركضنا كلٌّ في اتجاه، تمامًا كقطيع هاجمه الذئب. كنت أجول بنظري بين الأشجار والسماء، فلمحت مير حسيني واقفًا في الساحة للصلاة، وكأن لا طائرات معادية قد جاءت لقتلنا. في الحقيقة خجلتُ
 

1- كأن قصده: شعرت بوجود الله في ذلك الصوت ورأيت فيه الدنيا والآخرة.
 
 
 
 
141

124

الفصل السابع

 من الهرب بعد أن رأيت هذا المشهد. وقفت أراقبه وهو يصلّي بهدوء تامّ. وبعد أن سلّم منهيًا الصلاة، رفعَ بصره نحو السماء، كأنه جاء من كوكب آخر، ولا يدري أنه في معسكر الغابة، وأنّ في السماء ...


كان مير حسيني من سنخ آخر، من سنخ أولئك الذين لم نعدْ نرى أمثالهم منذ سنوات.

عثرت في تلك الأوراق على مذكرات مهدي صوفي، الرادود (المداح) ومسؤول التبليغ، وقد كتب كثيرًا من الذكريات عن مير حسيني، وكنت قد قرأتها سابقًا:
كان مير حسيني، وكان عشقه لزيارة عاشوراء.

لم تقم مراسم زيارة عاشوراء لعدة أيام في المعسكر، بسبب عدم وجود الرواديد، إضافة إلى مشاكل "مهدية" وغيرها.

عندما علم مير حسيني بالأمر ناداني بغضب، ذهبت إليه وسألني بحدّة ووضوح:
- لِمَ توقفت مراسم زيارة عاشوراء؟

عندما أخبرته عن السبب الأول قاطعني قائلًا:
- ليس من الضرورة أبدًا أن يكون قارئ الزيارة صاحب صوت جميل وحسن، المهم أن تقرأ بشكل جيد وصحيح، وأن لا تنسى تلاوة الزيارة في جبهات الإسلام.

كنا نقرأ زيارة عاشوراء في "المهدية" كل يوم قبل أذان الصبح. وإن حدث وتأخر القارئ، يتوجه القائم على المصلى مباشرة إلى مير حسيني الذي ينظر في الأرجاء متسائلًا عمن يريد قراءتها، فإذا لم ينبرِ أحد
 
 
 
 
 
142

125

الفصل السابع

 للمهمة، يحمل المذياع (الميكرفون) ويقرأها بنفسه. لم يكن صوته جميلًا، لكن كما قال، المهم القراءة والمواظبة عليها في جبهات الإسلام.


في إحدى المرات كنا ذاهبين من خيمة التبليغ إلى المهدية وكان مير حسيني يومها يتحدث عن المداح والرادود قائلًا:
- على الرادود أولًا أن يتحرق شوقًا كي يستطيع نقل تلك المشاعر للآخرين. ومهما حاول لن يستطيع أن يلهب المجلس إن لم تكن قراءته وأذكاره نابعة من الإخلاص ومن حرقة القلب.
وفي يوم آخر التفت نحوي بعد انتهاء الدعاء وقال:
- لِمَ تثير كل هذا الضوضاء في قراءة الدعاء؟ فقراءته لا تحتاج للحشو في الكلام. ما هو مطلوب منك فعله أن تقرأ من صميم القلب، كما لا يجب عليك أن تكرّر الدعوة لسكب الدمع ورفع الصوت ليصل إلى كربلاء وما شابه ...

وكان يقول أيضًا:
- هناك مقدّمات للقيام بواجباتنا العبادية. الوضوء و... ولقراءة الدعاء والمدائح والتعزية ينبغي أن نكون على وضوء أيضًا. يجب أن نشعر أننا في حضرة الحق تعالى في كلّ لحظة. والوضوء يمنح الإنسان السكينة، ويهيّئه للتوسل ومخاطبة أهل البيت عليهم السلام.

كان يريد إقامة مراسم الدعاء في كلّ مكان، ولم يكن يتوانى عن القيام بجميع ما يلزم لأجل ذلك.

كنا في منطقة الأهوار حيث تلفح الرطوبة والرياح وجوهنا فتنعشنا. في ذلك اليوم، ذهبت إلى متراس التبليغ وكان على الماء حينها. عندما
 
 
 
 
 
143

126

الفصل السابع

 جلست سمعت صوت زورق. توقف الزورق قرب المتراس، ثم دخل مير حسيني. تبادلنا التحية والسلام، وسألني:

- إلى متى ستبقى هنا؟
- لقد جئت لأبقى.
- إذًا تعال غدًا إلى متراسنا لقراءة زيارة عاشوراء!

قبلت. كان لديه عمل، وبقي عندي دقائق معدودة وغادر بعد أن أنجز عمله.

في اليوم الموعود، ركبت زورقًا مع قائده وانطلقنا. عبرنا وسط نباتات القصب إلى أن وصلنا إلى مقر القيادة. نزلت من الزورق وذهبت مباشرة إلى متراس مير حسيني والقلق ينهشني من أن أكون قد تأخرت عن الموعد.

عندما دخلت المتراس نظرت في الأنحاء، فرأيت مير حسيني قد استقبل القبلة وحده، يتلو الدعاء من كتاب مفاتيح الجنان، بينما جلس بعض العناصر هنا وهناك بشكل متفرّق.

ألقيت السلام فالتفت نحوي وردّ السلام. جلست بالقرب منه مندهشًا لأن المقاتلين لم يجتمعوا لسماع الدعاء بعد، فبادرني مير حسيني بالقول:
- اِبدأ بقراءة الدعاء.

استقبلنا القبلة معًا وبدأتُ القراءة. ومن اللحظة الأولى بدأ مير حسيني بالبكاء والتمتمة بالدعاء، متجاهلًا أننا أنا وهو فقط في المجلس! كان في حال روحية وكأنه في مجلس تلاوة كبير يشارك فيه الآلاف.
 
 
 
 
 
144

127

الفصل السابع

 لن أنسى أبدًا حاله ذلك اليوم، تلك الحال المعنوية التي جعلته متميّزًا في ساحات الوغى والقتال.


أثناء العمليات جلسنا في مركز أركان الفرقة، وصل مير حسيني بيدٍ ووجهٍ وجسمٍ مدمّاة ومضمّدة، ولم يكد يصل حتى سأل عن العمليات وتقدم القوات وأوضاع الكتائب متجاهلًا جروحه، فَعَلَتْ أصواتنا استنكارًا. وسأله الحاج قاسم سليماني عن الذي حدا به للمجيء إلى المنطقة وهو بهذه الحال، وألم يكن في استراحة؟! كما اعترضنا عليه، أصررنا عليه للعودة إلى الخطوط الخلفية. لكنه لم يعر حاله الجسدية أيّ اهتمام، وباءت جميع محاولاتنا بالفشل، لم يرجع، بقي وعمل على إرشاد وتوجيه القوات.

تعود آخر ذكرياتي إلى تلك الصورة التي أحتفظ بها في ألبوم الصور.

عند الظهر، أجمعُ الأوراق، وأترك المذكرات الأخرى لأقرأها في وقت لاحق. لن أقرأ شيئًا الآن، إذ تنتظرني أيام حسّاسة. إنها الأيام الأخيرة، وكلّ يوم منها هو بألف يوم حيث إنّ "مير حسيني" قاتل خلالها آلاف المرات. وسأبقى بانتظار الآتي.
 
 
 
 
145

128

الفصل الثامن

 كنت نائماً عندما أحضروا بطاقة السفر مع ملاحظة كتب عليها: "لقد اشترينا بطاقة السفر لبعد غدٍ، وبالمناسبة سنرسل لك غداً سيارةً قرابة الظهيرة لتقلّك إلى ضريح الشهيد، فكن مستعدّاً".


ها قد شارفت رحلتي على نهايتها. أُدرك ذلك عندما أقرأُ الملاحظة. غدوتُ الآن على معرفة وثيقة بمير قاسم، وقد صار من أكثر معارفي قربًا. وقد علّقتُ صورته على الجدار لأتأمّلها في اليوم مئة مرة،.. شامخًا كالطود مخاطبًا الجموع.

أقرر أن أتحرّى دقائق حياته لحظة بلحظة، أين ذهب؟ ماذا فعل؟ ماذا رأى؟ وكلّ شيء.

علمت أنه جاء في آخر إجازة له قبل عمليات "كربلاء 4" في انتظار قدوم مولوده الأول الذي أبصر النور بعد مرور أربع سنوات من زواجه. كيف ذهب؟ هل كان المولود فتى أم فتاة؟ حقًّا! لمَ لم يخبرني أحد عن ذلك الأمر؟

راحت التساؤلات تتوارد إلى ذهني، إذ ينبغي أن يكون الآن في الحادية عشرة من العمر، وأنا لم أرَ ولدًا بهذه السنّ في منزل الحاج مراد!
 
 
 
 
147

129

الفصل الثامن

 بدأت القراءة، وتذكرت كلام الحاج مراد الذي أخبرني عن آخر إجازة للشهيد:

جاء مير قاسم في إجازة، وكان في كلّ يوم يزور قرية من القرى يلقي الخطب ويحثّ الشباب على الجهاد ويساعدني في بعض الأحيان. في أحد الأيام، قال لي: "أبي! انذر أضحية لنصرة المقاتلين في الجبهات". عندما كان صغيراً كان يذبح الخروف الذكر أضحية وقرباناً، أجبته قائلًا:
- حسناً كما تشاء.
- إذًا، انذر هاتين البقرتين لنصر المقاتلين.

وافقتُ، وبقيتْ تلك البقرتان في انتظار النصر لتُقدّما قرباناً. مرّت أشهر لم يحدث أيّ جديد في الجبهات، وعندما عاد مير قاسم في إجازة قلت له:
- لا أخبار جديدة عن الجبهة، كما إنّ كميّة العلف أضحت قليلة جداً، فماذا أفعل بهاتين البقرتين؟
- بعهما وأودع المبلغ في المصرف، وعندما تسمع أخبار النصر أودع المبلغ في حساب الجبهة.

وهذا ما فعلته. بعدها استشهد مير قاسم وبقيت بانتظار النصر. وعندما انتهت الحرب أودعت المبلغ في حساب الجبهة.

لم يحدث أن طلب قاسم مني شيئًا لنفسه، لكن في آخر إجازة له التفت نحوي وقال:
- أعطني واحدة من هذه البقرات.
 
 
 
 
 
148

130

الفصل الثامن

 - ما هذا الكلام يا بني فكلّها لك!

- أريدها لمصاريف شهادتي.

عندما رأيت إصراره قلت:
- اذهب واختر إحداها.

دخلنا إلى الحظيرة واختار إحداها فقلتُ:
- حسناً هي لك.

بعد أيام عدة من عودته إلى الجبهة، بثّ الراديو صوت نفير الحرب والعمليات من الراديو. خرجت من الغرفة فسمعت خوار إحدى البقرات، كانت تهيج وترتطم بالجدار كأنها تساق إلى المسلخ. كانت تلك البقرة التي اختارها مير قاسم.

فيما بعد تنبهت للأمر، إذ إنّ ردّ فعل تلك البقرة كان متزامناً مع يوم ولحظة استشهاد قاسم!

أرتّب الغرفة، فقد قرأت كثيرًا من الأوراق، أضعُ المذكّرات التي قرأتها في علبتيّ الكرتون البنيّة اللون، والتي لم أقرأها بعدُ أتركها خارجًا. أرتّب الغرفة وأعجب لسرعة إنجازي المهمة! أضع المذكّرات التي لم أقرأها بعد أمامي وأبدأ بـ "عوض علي فقيري"، الذي تفوح من كلماته رائحة الوداع:

شعرت في أحد الأيام أن مير حسيني يريد أن يقول لي شيئاً ما وعندما اختليت به سألته:
- هل تريدني في أمر يا حاج؟
 
 
 
 
 
 
149

131

الفصل الثامن

 لم ينبس ببنت شفة فأصررت عليه، عندها قال:

- أردت أن أسألك أمراً، وأقسم بالله عليك أن تجيبني بصدق!

سألته مندهشًا: ما الخطب يا حاج؟
- هل بقيت قطعة من الموكيت؟

كنا في تلك الأيام نشتري الموكيت والسجاد من المصنع، ونوزّعها على عوائل المقاتلين بأسعار تشجيعية.
- أجل، ولمَ تسأل؟

سكت، فقلت:
- بالله عليك أخبرني ما الأمر يا حاج؟

طأطأ رأسه وقال:
- أردت قطعة موكيت.
- من عيني.
- ولكن ...

قلتُ بحدّة:
- أنت من قدامى المقاتلين وأحقّ منا بذلك، كما إنّك لم تأخذ شيئاً حتى اليوم.

قال وكأنه منزعج من أمر ما:
- بالله عليك أصدقني القول يا سيد فقيري، هل حصل جميع التعبويين على حصصهم؟ فأبي يريد قطعة موكيت ...
 
 
 
 
 
150

132

الفصل الثامن

 - يا حاج لدينا سجاد وكلّ شيء أيضاً.

- لا، أريد فقط موكيتًا، لكن تأكد من أنّ الجميع حصل على حصّته، ومن ثم أعطني واحدة.

وأصرّ عليّ مجدداً أن لا أعطيه شيئاً قبل أن يحصل جميع التعبويين على حصصهم. وبالمناسبة! حتى إنه لم يأخذ قطعة الموكيت أبداً. أقصد أنني جهزتها له، لكن، وصلنا نبأ استشهاده قبل أن يستلمها.

كان في كل مرة يتحدث إلي يقول:
- بما أنك هنا فاحترس من أمور عدة، منها إن لم تكن نيتك خالصة لله، فاعلم أن جهادك وكدحك ليل نهار لن يكون ذا بال. اعمل لرضى الله ولعوائل الشهداء والمقاتلين، وإن لم تحصل على النتيجة المرجوة فحينها لن تلام، علينا العمل بالتكليف فحسب.

وقال أيضًا:
- دورك في الحرب والجبهات ليس بأقل من دور المقاتل. إذا كان المقاتل مطمئناً لا يعاني من مشاكل حتى ليوم واحد، ففي الوهلة الأولى سيكون بال القائد مطمئناً فيفكر ويخطط ويقاتل براحة أكبر. وإذا كانت عوائل الشهداء راضية عنك، فالله سيكون راضيًا عنك أيضاً.

وكان يقول أيضًا:
أرتّب الأوراق وأرافق "حسن مير شهركي" إلى الجبهة نحو شلمجة:
في شهر أيلول، جاء مير حسيني إليّ وقال:
 
 
 
 
 
151

133

الفصل الثامن

 - أريد الليلة الذهاب إلى كرمان، وإن شئت رافقني فأنا بمفردي.


لقد حقق الله لي أمنيتي في مرافقته، كان عليه إلقاء كلمة قبل خطبة الجمعة في زاهدان، ألقى كلمة حماسية في زاهدان، ثم اتجهنا نحو زابل ليودّع عائلته. ودّع العائلة وعدنا إلى مستشفى خاتم الأنبياء في زاهدان حيث أصيب والده في حادث سيرٍ وخضع فيه للعلاج. في تلك الليلة مازح أباه كثيراً، فوالده الحاج مراد علي رجل مفعم بالحيوية.

انطلقنا نحو كرمان عند الساعة الحادية عشرة والنصف، غمرته السعادة لعودته إلى الجبهة، كما كان الإخوة في الفرقة ينتظرونه في كرمان، ليعودوا برفقته إلى الجبهة. بعد مسافة 200 كلم شعرنا بالتعب فسألني:
- ما رأيك أن نبيت هنا؟

كنّا على مشارف "كهورك وشوره كز" ولم تكن آمنة في ذلك الوقت، فقلت له:
- المنطقة غير آمنة.
- لنسلّم أمرنا لله.

نام وبقيت مستيقظاً أحرس المكان وبندقيتي بيدي. استيقظ بعد ساعتين وسألني:
- كم الساعة؟
- الساعة الثانية والنصف.

نهض وقال: "لننطلق على مهل".
 
 
 
 
152

134

الفصل الثامن

 انطلقنا ثانية وهو ما زال متعباً، لاحظت أنّ سرعة السيارة كانت تخفّ أحيانًا واللافت في الأمر أنه كان يستيقظ عند القيادة على المنعطفات ويغفو في الطرقات المنبسطة الممتدة. سألته:

- هل أنت نائم يا حاج؟

أجاب ببرودة: لا تقلق فأنا أقود دائماً من زابل إلى الأهواز. سيعيننا الله في ذلك.

بعدها راح يتمتم:
- إن كان حافظي هو الله ...

في الحقيقة، خفتُ كثيراً، وبدأت التحدث إليه. كنت أطرح عليه شتى أنواع الأسئلة لأجبره على التحدث فلا ينام. سألته عن الأمور العقائدية، السياسية، الثقافية وحتى الفقهيّة. لم يعد من سؤال في ذهني، لكن لحسن الحظ حان موعد أذان الصبح. توقفنا في مكان للصلاة وعندما انطلقنا غالبه النعاس ثانية، فقلت:
- هل عدت ...

لم يدعني أكمل وقال:
- إذا كنت منزعجاً فنم على المقعد الخلفي.

تمددت على المقعد الخلفي وقلت في نفسي "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" واستسلمت للنوم.

استيقظت على أصواتٍ وضوضاء تأتي من خارج السيارة، حيث توقفت عند تقاطع طرق وسط مدينة كرمان. فركت عيني ووقع نظري
 
 
 
 
 
153

135

الفصل الثامن

 على مير حسيني الذي سألني ضاحكاً:

- هل استيقظت؟

أومأت برأسي: نعم. فقال: "لطالما سرت في هذه الطرق فصرنا أصدقاء، ولكثرة ما ترددت عليها ذهاباً وإياباً حفظتها عن ظهر قلب وصرتُ أقطعها إلى الجبهة وأنا مغمض العينين".

في الحقيقة كان مير حسيني رجل هذه الطرقات!

هناك ركبنا وباقي المقاتلين في الحافلة وانطلقنا عبر طريق سيرجان إلى الأهواز. بعد أن قطعنا مسافةً، وإذا بالسيل قد غمر المنطقة وحال دون استكمال رحلتنا فعدنا أدراجنا، وصلنا ليلًا إلى إحدى البلدات واستقررنا في مسجدها.

قال مير حسيني:
- وزّع الخبز والجبن الذي بحوزتنا بين الإخوة.

نهضت لأنفذ المهمة، ثم أردف قائلًا:
- اقتصد فالكمية قليلة.

لم نتناول ليلتها غير الخبز والجبن مع أننا كنا برفقة نائب قائد الفرقة الذي يمكننا من خلال مرافقته الحصول على أفضل الإمكانات، لكن أن تكون مع مير حسيني يعني دائمًا حضور المعاناة، وفي تلك الليلة عشتُ أشدّ المعاناة لأنني نمت بمعدة خاوية.

أتناول مذكّرات مهدي صوفي، وهي عبارة عن صفحة واحدة وقد كبس عليها صورة. أنظر إلى الصورة، إنّه مير حسيني
 
 
 
 
 
154

136

الفصل الثامن

 واقف للصلاة مطأطئ الرأس بعينين نصف مغمضتين. بدا كأنه لم يكن في هذا العالم، وإنما حلّق بعيدًا في العوالم القدسية. أقرأ ما كتب:


قبل عمليات "كربلاء 4"، كنا في خرمشهر، وكان معي آلة تصوير فقررت أن ألتقط صورة لمير حسيني من دون أن يلتفت لذلك.

كمنت له في الليل عندما وقف للصلاة، حملت الكاميرا والتقطت له صورة ثم ابتعدت بسرعة، إذ كنت أعلم أنه يجب أن لا أزعجه في مثل تلك الأوقات. طبعت الصور، وبعد أيام عدة أريته إياها وسألته ضاحكاً:
- هل تعرفه؟

نظر إلى الصورة بدهشة وقال:
- أين التقطت هذه الصورة؟
- في خرمشهر، قبل العمليات.

لم ينتبه تلك الليلة إلى أنني التقطت له الصورة! عندها تذكرت قصة الإمام علي عليه السلام عندما كان يصلي فتمكنوا حينها من نزع السهم الذي أصاب قدمه. كم كان مير حسيني شبيهاً بمولاه أمير المؤمنين عليه السلام.

أنظر ثانية للصورة وقد طُبع آخر ما قاله مهدي صوفي عنه في قلبي: "كم كان شبيهاً بمولاه".

يتحدّث السيد "إبراهيم يزدي" عن بدء الانطلاق نحو منطقة العمليات:
قبل أيام عدة من عمليات "كربلاء 4"، وبعد صلاتي المغرب والعشاء
 
 
 
 
155

137

الفصل الثامن

 قال لي مير حسيني:

- لنذهب معًا إلى الخطّ الأمامي.

كان معي شاحنة تويوتا صغيرة (بيك آب) فقلت:
- في خدمتكم يا حاج!

انطلقنا، وكي لا تزدحم الجادّة في أطراف مدينة خرمشهر ويفتضح أمر العمليات، توجّب علينا الذهاب عبر جادّة الأهواز- عبادان، ومن ثم عبر جادة ماهشهر مروراً بقرية "أبو شانك" لننعطف بعدها نحو عبادان حيث مقر الفرقة. كان علينا قطع مسافة50 كلم من دون إضاءة مصابيح السيارة.

قطعنا المسافة إلى أن وصلنا إلى قرية "أبو شانك". كان نور القمر ضعيفاً تلك الليلة فلم نستطع الرؤية بوضوح. بعد ثلاثة أو أربعة كيلومترات لم أعد أستطيع رؤية شيء على الإطلاق، وقد نصطدم بشيء ما في أي لحظة وتتعرّض حياة مساعد الفرقة للخطر.

كنا نتحدث كي لا نشعر بطول الطريق، فقال لي:
- قف جانباً لأتولى القيادة.
- لا يا حاج سأسير على مهل.
- لا، بل سأقود أنا.

جلس خلف المقود، ولو أنّي لم أرَ ذلك بأمّ العين لما صدّقت، كان يسير في تلك الجادة المظلمة والمزدحمة بسرعة سبعين كيلومتراً في الساعة تقريباً، من دون أن يحيد عن الطريق المعبّدة قيد أنملة.
 
 
 
 
156

138

الفصل الثامن

 وصلنا ووقفنا خلف صف من السيارات المتوقفة. وعند انبلاج الصباح، سيكونون قد جمعوا الجسر الممتدّ من فوق النهر. كانت الساعة الثالثة صباحاً تقريباً وسيتمّ سحب الجسر من فوق النهر بعد وقت قصير جدًّا، وإذا توقفنا فلن نتمكن من عبور الجسر وسنضطر إلى أن نعود أدراجنا. انحرف مير قاسم بالسيارة إلى جانب الجادة وسار على التراب مطلقًا بوقها من دون انقطاع إلى أن عبرنا الجسر قبل سحبه بثوانٍ.


وصلنا إلى المكان المحدّد لنا، صلّينا صلاة الصبح، ثم جمع القادة ووضع مخطّط العمليات على الأرض ليشرحها لهم، عندها تركته وذهبت للنوم. تابع عمله وكأنه لم يكن إنساناً مثلنا بحاجة للراحة والنوم، أو كأنه لم يكن من هذا العالم الترابي.

شاركت في عمليات "كربلاء 4" في كتيبة الغواصين الهجومية. أعدّ العدو دشمًا منيعة، وكانت ضفة نهر "أروند رود" مليئة بالعتاد والسلاح الثقيل والخفيف. ما إن نزلنا إلى الماء حتى بدأوا بقصفنا من كلّ جانب فأضحينا كالإوزات العالقة في شباك صياد وسط المياه. لم نكترث لذلك، وتابعنا تقدمنا إلى أن تمكنا بعون الله ومعين إيمان وإخلاص المقاتلين من السيطرة على الخطّ.

جاء مير حسيني صباح العمليات. كنا متعبين وقد اشتدّ القصف علينا، وقف بيننا واتصل بالحاج قاسم سليماني عبر جهاز اللاسلكي وقال:
- لقد رأيت محمود ..

ثم بدأ بسرد البطولات وضخّ المعنويات قائلًا:
 
 
 
 
 
157

139

الفصل الثامن

 - لقد فرّ الأعداء، ومقاتلونا يلاحقونهم...


كان بفعله ذلك يرفع من معنويات قائد الفرقة والمقاتلين على السواء، وكأنّنا لم نكن نتعرض للقصف، أو أن القوارب لم تستطع الوصول إلى الضفة... كان مير حسيني يسدّ الثغرات أينما وجدت! وهناك تذكرت عمليات خيبر مجدداً.

أصبحت الآن على معرفة وثيقة بعلي نجيب زاده، وكنت قد قرأت مذكّراته عن مير حسيني وقد أعجبتني كثيراً. ليتني ألتقيه:
سدّ العدو بقصفه وقذائفه طريق العبور، لكنّ بعض الزوارق تمكّنت من التنقل بين الضفتين ناقلةً القوات والعتاد إلى الخطّ الأمامي، وحاملةً أجساد الشهداء والجرحى إلى الخطوط الخلفية.

كنت مع مير حسيني في زورق واحد، وما إن خرج زورقنا من مصب نهر كارون، حتى تمكنت من رؤية جزيرة أم الرصاص. كان يمكن من هذه المسافة البعيدة رؤية الأسلاك الشائكة والعوائق الشمسية وجميع العوائق الأخرى التي تحصّن العدو خلفها.

وصلنا إلى الساحل، عبر قائد الدفة بالزورق بين العوائق ووصل إلى اليابسة. ما أشبه المشهد بيوم الحشر! كان كلٌّ يهرول في اتجاه، وقد انتشرت صناديق الذخائر المليئة والفارغة في كلّ مكان.

قفزتُ من الزورق، نظرت إلى هذا المكان الغريب بحيرة، وجلت بنظري في المنطقة التي سيطرت عليها قواتنا الليلة الماضية. كانت قذائف الهاون تتساقط من حولنا ورائحة البارود والشظايا قد غطت
 
 
 
 
158

140

الفصل الثامن

 المكان. ألتفت لأسأل مير حسيني عن تكليفنا، فلم أره. سألت عنه قائد الدفة فقال إنّه لم يره، لا أعرف أين ذهب.


رحت أسأل عنه المقاتلين المنتشرين على الضفة: "مير حسيني! هل رأيتم مير حسيني؟".

لم يكونوا يعرفونه، وبعضهم يعرفه بالاسم فقط، ولم يكن قد رآه من قبل.

عندما وصفته لهم قالوا: "أجل.. أجل لقد ذهب حامل إحدى هذه الصفات إلى الأمام".

اتجهت نحو الخطّ الأمامي، وقد انبطحت أرضاً ونهضت مئة مرّة قبل أن أصل إليه. في النهاية رأيته بين التعبويين منبطحًا على الساتر الترابي يستطلع المعركة والمناطق الأمامية. جلست لاهثًا أسفل الساتر بانتظار أن ينهي عمله، وقد ارتاح بالي لأنني وجدته.

نزل إلى الأسفل، كنت أتبعه أينما ذهب كي لا أضيّعه مع يقيني بأنّني سأجده دوماً حيث التعبويّون وقصف الهاونات، وحيث يحلّق طائر الشهادة القاني.

غداً هو اليوم الأخير لي هنا، وأريد زيارة ضريح الشهيد. أنهض وأُحضر رقم هاتف "سلطان علي" في دفتر الملاحظات، كنتُ قد تواعدت معه يوم التقيته لزيارة ضريح مير حسيني ولقاء حسن بور إسماعيل ليحدثني عن ذكريات الأيام الأخيرة من حياة مير حسيني.

أتصلُ به وأُخبره عن الأمر فيقول إنّه سينسق اللقاء مع بور
 
 
 
 
 
159

141

الفصل الثامن

 إسماعيل على أن يوافينا إلى هناك.


أُخبره أنني أقرأ مذكّرات عمليات "كربلاء 4"، وأسأله إن كان حينها مع مير حسيني، فيقول إنّه كان معه، ويحدّثني عما جرى ذلك اليوم:
قال مير حسيني صباح عمليات "كربلاء 4": "لنذهب إلى الضفة المقابلة".

أخذنا دراجة نارية (Trial) وذهبنا إلى الضفة، كان المكان يغصّ بالقوات والعتاد والزوارق، وقد انخفض منسوب المياه، فلم تتمكن الزوارق من الاقتراب من الضفة. نزلنا مع "إسحاقي"1 ووضعنا الدراجة بمشقة داخل الزورق.

كانت الدراجة النارية ومكبر الصوت اليدوي الوسيلتين الوحيدتين اللتين يستخدمهما مير حسيني في العمليات. انطلق الزورق، كان العراقيون يقصفون مختلف أنحاء المنطقة بشكل جنوني، ونهر "أروند" هائجٌ مائج. وصلنا إلى الضفة الأخرى وأنزلنا الدراجة النارية إلى اليابسة بنفس المشقة، لكن لم تكن الأرض مناسبة للسير عليها، فاضطررنا لتركها هناك والتوجّه مشيًا نحو الخطّ الأمامي. لم يكن هناك غير طريق ضيق يمرّ بين القصب، كان مليئاً بأجساد الشهداء الذين بلغ عددهم ما يقارب عدد أفراد سرية. قال مير حسيني: "يجب نقل الجثث إلى الخلف في أسرع وقت، فمشهد الأجساد سيوهن عزائم المقاتلين الذين سيمرّون من هنا".
 

1- استشهد فيما بعد.
 
 
 
160

142

الفصل الثامن

 بعد مسافة التقينا بـ "تاجيك" قائد الكتيبة. كان العراقيون يقصفون كل شبرٍ من المكان. وصلنا إلى الخطّ الأمامي بصعوبة بالغة، وهناك نظّم مير حسيني المقاتلين وأمضى معهم حوالي الساعتين، ثم عاد أدراجه بينما بقيت أنا.


بعد ساعات عدة التقيت مير حسيني مجدداً فقال لي ضاحكًا: "أين كنت وماذا عساي أقول لعائلتك لو حدث لك مكروه؟".

ضحكنا مع أننا وسط معركة طاحنة، إلا أنّ ملامحه لا تنفكّ تبقى هادئة. اتصل لاسلكيًّا بمسؤول تعاون القوات وطلب نقل الجرحى والجثث إلى الخلف في أسرع وقت. أدركت من خلال كلامه هذا ما نحن مقدمون عليه. لقد أرسلَ القوات إلى الخلف بينما نحن تقدمنا. وصلنا إلى ضفة نهر أروند وكانت الدراجة لا تزال هناك فقال:
- خذوا الدراجة أيضاً.

لكن لم نتمكن من ذلك، فأعداد الجرحى والعناصر كثيرة. أَركب "مير حسيني" الجميع في الزوارق وركبتُ معه في آخر زورق.

بعد حوالي أسبوعين شاركت في عمليات "كربلاء 5"...

أطلب منه رقم حسن بور إسماعيل بغرض الاستفسار عن العمليات، فيجيب: "لقد تحدث حسن بور إسماعيل عن ذكرياته في تلك العمليات من قبل، وقد أرسلناها لكم، ابحث جيداً بين الأوراق سوف تجدها".

أشكره وأضع سماعة الهاتف مكانها، ثم أبدأ البحث بين الأوراق، فأجد مذكّرات بور إسماعيل:
 
 
 
161

143

الفصل الثامن

 انتهت عمليات "كربلاء 4" وطلبوا منا العودة إلى الخط الخلفي. انطلقنا بالسيارة ورحنا نجول في شوارع عبادان وخرمشهر لا نلوي على شيء، كنّا حيارى هل نعود إلى معسكر الفرقة أم نبقى هنا! وقد خجلنا من النظر في وجوه بعضنا بعضًا كأننا ارتكبنا إثماً كبيراً.


كان لا بدّ من العودة إلى الأهواز. كان مير حسيني في السيارة معنا، لكنه أيضاً لم يتحدّث بشيء، وفي الطريق خيّم الصمت علينا جميعًا.

عندما وصلنا إلى معسكر الفرقة خفّفت السيارة من سرعتها خلف الساتر الترابي قبل نقطة التفتيش. كانت سيارة الحاج قاسم سليماني مركونة على جانب الطريق، وقد جلس أرضًا إلى جانب الساتر الترابي جامعًا ركبتيه بيديه. لم نتوقف، بل تابعنا سيرنا وهنا، أدركت عمق الألم!

خجلنا أن نكون أول الداخلين إلى الاجتماع، فتريّثنا كي يسبقنا الآخرون. دخلنا صامتين نرمق بعضنا بعضًا بأطراف عيوننا. كان الحاج قاسم سليماني يذرف الدمع، وكذلك نحن. لم يجرؤ أحد على الكلام، تصدّى مير حسيني للكلام كأنّما أراد تأنيبنا: "ما بكم؟ لم تنظرون إلى بعضكم بعضاً هكذا؟ لم جئنا إلى هنا إذًا؟ إن كان الهدف اتخاذ القرارات هيا لماذا التأخير لنعود إلى أعمالنا".

عندها تجرأنا ورفعنا رؤوسنا. فتابع مير حسيني: "هذا جيد، لكن ليس من المقرر أن تبقوا صامتين. أنا مستعد من الآن، ومهما كانت العقبات فسوف ...".

تغيرت أجواء الاجتماع وتولى تاجيك الحديث بعد مير حسيني وقال: "كتيبتنا على أتم الاستعداد ...".
 
 
 
 
162

144

الفصل الثامن

 ثم نهض مشايخي وقال: "توزعت بيوت الشهداء في زقاقنا على الجانبين، فكيف لي العودة إلى كرمان والنظر إليهم! أنا على أهبّة الاستعداد، ولن أعود قبل النصر أو الشهادة".


وكأنّها ثورة قامت فتجرّأ قادة الكتائب وأعلنوا استعدادهم للمعركة. حينها قال مير حسيني: "علينا الانطلاق فليس من المقرر البقاء هنا، نحن أيضاً لم ننتصر في عمليات بدر ...".

هنا تابع الحاج قاسم سليماني الكلام وقال: "لقد رأيتم كيف كنت أجلس خارج المعسكر خجلاً من الدخول إليه، علينا الاستعداد ...".

كان ذلك الاجتماع شرارة إعلان حال التأهب والاستعداد في الفرقة، بعد حوالي أسبوعين بدأت عمليات "كربلاء 5".

يجعلني اسم عمليات "كربلاء 5" أرتجف. هناك أنفصل عنه، سأنفصل عن ذلك الشاب السيستاني الذي عشت بين أوراق مذكّراته أياماً وأيامًا. لقد ألفته كثيراً خلال هذه المدة، ولم أعد قادراً على مفارقته. تُرى ما الذي حلّ برفاقه بعد استشهاده؟ ما الذي حلّ بالحاج قاسم سليماني؟ وماذا عن أبيه وعائلته؟ لست متأهبًا لوداعة بعد، فكيف يمرّ الوقت بهذه السرعة؟

كتب عباس شهركي:
عندما انسحبنا خلال عمليات "كربلاء 4"، رأيت غضب مير حسيني عن كثب. كاد أن يجن. كان يقول: "لقد تجرأ العدو ويعدّ العدّة للهجوم على منطقة الفاو".

أرسلوا كتيبتنا إلى المنطقة وطلبوا منّا الذهاب مع باقي قادة
 
 
 
 
163

145

الفصل الثامن

 الكتائب إلى مقرّ الفرقة للحصول على التعليمات من مير حسيني، فتحلّقنا في الدشمة حول خارطة ومخطط المنطقة. تحدث مير حسيني عن تحركات العدو واستعداده للهجوم. كان يتحدث بهدوء: "سيهاجم العدو هذه المنطقة بين الليلة والغد، وعلينا التصدي له. لقد أحضرنا كتيبة من نخب كتائب الفرقة إلى المنطقة لردعهم ...".


كان مير حسيني يتحدث وأنا أتساءل كيف له أن يتحدث ببرودة وهدوء عن هجوم الأعداء المحتمل على المنطقة وعن واجبنا في الدفاع؟ حقًّا كانت الدنيا في نظره شيئًا لا قيمة له.

الورقة التالية تعرض ذكريات رضا محمد خان:
حزن الجميع لفشل العمليات من اليوم الأول. عدنا إلى المعسكر الذي أطلق الإخوة عليه اسم "جنكل" (أي الغابة) لا ندري ما ينبغي القيام به إذ لم يكن هذا الفشل متوقّعًا.

جاء مير حسيني إلى كتيبتنا فتحلّقنا حوله، كان في جعبتنا ألف سؤال وسؤال، لكنّه قال من دون مبالاة: "هيا لنلعب كرة القدم!".

بداية لم أعِ ما قاله، وهل هذا وقت اللعب؟! بيد أنه قرأ أفكاري فقال: "لم أنت منزعج؟ فالحرب كرّ وفرّ. لقد سعينا، لكنّ الله لم يشأ لنا النصر. فهل علينا أن نبكي الفشل ليلاً نهاراً؟ ربما أراد الله بذلك أن ينبهنا كي لا نصاب بالغرور".

حملنا الكرة وذهبنا إلى الملعب. زارنا مير حسيني في الأيام التالية كثيرًا كي يرفع من معنوياتنا إلى أن حان وقت عمليات "كربلاء 5".

يتحدّث علي آقائي في آخر ورقة من مذكّراته، عن معنويات
 
 
 
 
164

146

الفصل الثامن

 القوات بعد العمليات، وعن صيحات مير حسيني. لا أرغب بقراءتها الآن لأنها ستأخذني إلى عمليات "كربلاء 5". لكن، هل يمكن ذلك؟ هل يمكن أن أقاوم قراءة واقعة حدثت قبل أحد عشر عاماً في 19 دي 1365(9 كانون الثاني 1987)؟:


بعد عودتنا من عمليات "كربلاء 4" التي وخلافاً لتوقعاتنا لم تكن موفقة. كان عدد الشهداء والجرحى والأسرى كبيراً، وقد تهاوت معنويات المقاتلين.

سرى الحديث عن تسوية حسابات الإخوة، فمنهم من قرر العودة إلى الحياة العادية والأعمال بما أن العمليات قد انتهت. كان الوضع مأساوياً والقادة يبحثون عن حلّ لإنهائه.

في أحد الأيام، دعا مير حسيني عناصر كتيبة 409 إلى اجتماع، حضرناه جميعنا، تحدّث عن كربلاء والإمام الحسين عليه السلام وعاشوراء. ليتك ترى الوجوه كيف انقلبت أحوالها. قال مير حسيني: "من يريد منكم تسوية حسابه فلينهض، لكن مع من سيسوّي حسابه؟ مع الإسلام؟ مع إمام الزمان؟ مع القرآن؟ ...".

كان يبكي ويتحدث وجميعنا مطأطئو الرؤوس نبكي لبكائه.

فجأة نهض أحدنا هاتفًا: "قائدنا! قائدنا ... لبيك، لبيك ...".

شقّ هتافنا السقف وبلغ عنان السماء. وهكذا جدَّدنا البيعة لمير حسيني.

بعد أيام عدة، جرت عمليات "كربلاء 5" التي استشهد فيها عدد كبير من الإخوة الذين حضروا الاجتماع.
 
 
 
 
165

147

الفصل التاسع

 بعد صلاة الصبح، أَبقى مستيقظا، فقد طار النوم من عينيّ لعلمي أنه آخر يوم لي في هذه الديار. أحاول إغماض جفوني فلا أفلح. أجلس وأنظر إلى صورته على الجدار. لقد استشهد اليوم. أعلم أنّ تاريخ استشهاده ليس في مثل هذا اليوم، لكنه استشهد اليوم في قلبي، وها هو يحلّق بعيدًا أمام ناظريّ.


تهاجمني آلاف الأفكار، أعجز أمامها ويصيبني حزن وغمّ ثقيلان، فألجأ إلى الأوراق القريبة مني. أحمل بعضها وأقرأ ما كتبه عبد العزيز خوشدلي:
في إحدى الليالي، كنّا في معسكر "جنكل" (الغابة)، وقد عدت من الصلاة لتوّي، سمعت شخصًا يقول بصوت مرتفع خارج الخيمة: "يا الله".

كان صوته مألوفًا، وعندما أطلّ برأسه إلى داخل الخيمة عرفته، إنّه مير حسيني مساعد قائد الفرقة. انتفضنا من أماكننا دفعة واحدة مرتبكين. دخل وسلّم علينا فردًا فردًا، ثم جلس وتحلّقنا حوله نتجاذب أطراف الحديث. سألنا عن الوضع في كتيبتنا، عن الغذاء والحمّام واللباس وعن كلّ شيء. كان العشاء تلك الليلة مرق اللحم. بعد أن شاركنا طعام العشاء، نهض لغسل الأطباق، لكنّنا منعناه، فكيف ندعه
 
 
 
 
 
167

148

الفصل التاسع

 يفعل ذلك؟ أصرّ كثيرًا على الأمر، وعندما لم يفلح بدأ بتنظيف المائدة. فكدت أذوب خجلًا.


بعد جمع المائدة، تحلّقنا حوله ثانية نتحدث بحميميّة أكثر. في نهاية هذا اللقاء، تلا علينا حديثًا شريفًا وغادر.

بالمناسبة! خلال العشاء قشّر البصل وراح يضربه بقبضته ليشقّه ويوزّعه على الإخوة. كانت ليلة لا تُنسى، ما زلت أستطيع تذكّر ووصف كلّ لحظة من لحظاتها. يا لها من ليلة عزيزة.
أضع مذكّرات علي رضا ستاري إلى جانب مذكّرات خوشدلي عن تلك الليلة:
بعد عمليات "كربلاء 4"، عادت جميع القوات إلى معسكر "جنكل". كان مركز أركان الفرقة يبعد عدة كيلومترات عن المعسكر، فكنا نلوّح للسيارات العابرة بأيدينا لتتوقف وتقلّنا إلى هناك.

في أحد الأيام، ذهبت من المقر إلى المعسكر سيرًا على الأقدام مع 3 من الشباب. كانت المسافة طويلة والطريق شاقة. مرّت بعض السيارات فأشرنا لها لتتوقّف لكنّها لم تفعل. تعبنا كثيرًا وراح الرفاق الثلاثة يتململون ويتذمّرون فقلت لهم: "لو كانت روحية السائقين كروحية قادة الفرقة لما واجهنا المشاكل... أنا واثق لو مرّ مير حسيني على هذا الطريق لأركبنا معه".

لم يبالِ الإخوة بكلامي، وقال أحدهم: "بسبب كثرة المشاكل لن يلتفت أحد إلينا".

أخيرًا، وبعد انتظار، مرّت بنا شاحنة تويوتا صغيرة (بيك أب)
 
 
 
 
168

149

الفصل التاسع

 متجهة نحو المعسكر، وعندما رأينا أنها مكتظة بالعناصر الواقفين خلفها لم نلوح لها. لكنها ما لبثت أن توقفت على مسافة منّا. نظرنا إلى بعضنا بعضًا وابتسمنا ثم أسرعنا نحوها. بمشقة بالغة، وجد الرفاق مكانًا لهم، لكن لم يبقَ متّسع لي، فذهبت إلى السائق وقلت له: "اذهب فقد امتلأت الشاحنة".

 


ما إن رأيته حتى تفاجأت! كان مير حسيني خلف المقود وبجانبه اثنان من العناصر. قلت: "هذا أنت يا حاج! لقد امتلأت الشاحنة فاذهب". قال متبسمًا: "هيا اركب بجانبي". فتح الباب فركبت بجانبه وأقفلت الباب بصعوبة بالغة. لقد ذكرته للرفاق الثلاثة من دون مناسبة، فأرسله الله إلينا. ربما شاء الله أن "لا يسوَدّ وجهي أمامهم".

أنظر من النافذة الصغيرة إلى الخارج. أرى الشمس تشرق من ناحية بحيرة هامون. ستشرق الشمس ثانية ويشعر الناس بدفئها وأشعتها، لكنّ الغائب الأكبر هو مير حسيني، مير قاسم مير حسيني.

تهبّ رياح منعشة فأحمل الورقة التالية لأقرأ مذكّرات "عبد العلي ميرشهركي" أمام النافذة حيث أقف:
عندما كان مير حسيني يأتي إلى كتيبة "حمزة سيد الشهداء 409"، كان يتصرّف وكأنه في منزله. يزور جميع الخيم ويتحدث إلى الإخوة، ثم يستريح وينام في خيمة التبليغ.

كنت مسؤول التبليغ حين حلّ مير حسيني ضيفًا علينا تلك الليلة. استيقظت منتصف الليل، شعرت أنّ أحدهم مستيقظ. استرقتُ النظر من تحت البطانية. كان مير حسيني واقفًا ويصلّي في إحدى الزوايا.
 
 
 
 
169

150

الفصل التاسع

 نظرت إلى الساعة، ما زال الوقت باكرًا جدًا لصلاة الصبح، فعدت للنوم مجددًا. بعد ساعة، سمعت مير حسيني يقرأ القرآن، فرحت أنصت إليه من مكاني. لم أستطع النهوض من شدّة النعاس. فجأةً، هزتني يد، فنهضت من مكاني. كانت يد مير حسيني وقال لي: "لا بأس إن نهضت قبل دقائق عدة من الأذان فتشغّل مولّد الكهرباء وتبثّ المناجاة عبر مكبّر الصوت، فلربما أراد بعضهم الاستيقاظ".


ذهبتُ نحو مولد الكهرباء متثاقلًا، فشغّلته، ثم وضعت كاسيت المناجاة بصوت منخفض على مكبّر الصوت. عندما ذهبت إلى مسجد الكتيبة رأيت التعبويين قد هبّوا للصلاة.

لقد كان تعبويّو ذلك اليوم، أي شهداء اليوم، تمامًا كـ "مير حسيني" قائد سيستان وبلوتشستان.

يتحدّث الجميع عن الأيام الأخيرة في معسكر "جنكل" فالقادة وتعبويّو كرمان شهر، بابك، سيرجان، بم، زاهدان وخاش، لديهم الكثير من الذكريات المتنوعة والمختلفة. كتب عبد الرحيم ميرشهركي:
قبل عمليات "كربلاء 5"، كنا نجلس في خيمة تبليغ "كتيبة 409". حمل أحد الإخوة آلة التصوير لالتقاط صور لمير حسيني ولنا.

وقف مقابلنا، نظّم عدسته فقال له مير حسيني:
- لا تفعل!
- أريد التقاط صورة لك مع الإخوة فحسب.
- لمن هذا الفيلم حتى تريد التقاط صور
 
 
 
 
170

151

الفصل التاسع

 لي؟ اذهب والتقط صور أصحاب الحقّ.


كان المصور يصرّ على التقاط الصور بينما مير حسيني كان يرفض ويردّد باستمرار أنّ هذا الفيلم من حقّ التعبويين وليس من حقه. في النهاية قال له المصور:
- ألست أنا تعبويًّا أيضًا، ألا يحق لي أن أستخدم الفيلم؟ وبما أنه يحقّ لي ذلك فأنا أريد أن أصوّرك. فهل من اعتراض؟

عندها، أُسقط في يد مير حسيني وأُجبر على الجلوس وسط الإخوة لالتقاط الصور.

قبل بدء العمليات، كنا في المعسكر وراح الإخوة يكتبون رسائل الشفاعة ويوقّعون على رسائل بعضهم بعضًا لتدفن هذه الرسائل معهم.

التقيت مير حسيني في ذلك اليوم وهو يركب السيارة ليغادر، وبما أن سوق تبادل رسائل الشفاعة كان رائجًا وفي أوجه، دنوت منه وقلت:
- ما هذه الحال يا حاج؟
- ماذا، ما بك؟
- لا شيء، الجميع حصل على رسالة الشفاعة إلا أنا. لقد كنت منشغلًا ببعض الأعمال فاكتب لي شيئًا.

ضحك وأخذ دفتر ملاحظاتي وكتب فيه: "باسمه تعالى، عبد الرحيم شهركي ابن عم هذا الحقير. وأرجو من حضرة عزرائيل أن يكون واسطة بين عبد الرحيم وبين ربه، وإذا ما أُجيز لي ذلك سأكون شفيعه، مير قاسم مير حسيني".
 
 
 
 
171

152

الفصل التاسع

 ما زالت هذه المدوّنة بحوزتي وأرجو أن تتحقّق كلماتها.


الجميع كتب أن مير حسيني كان شخصًا مختلفًا تلك الأيام وبانت على ملامحه علامات لم نفهمها أو ندركها، إلى أن حان يوم 8 كانون الثاني (18 دي). الجميع ذكر أن أحواله تبدّلت. كان يتعبّد ويتحدّث بطريقة أخرى!

كتب علي آقائي:
جاء ثانية قبل بدء العمليات إلى "كتيبة 409"، جمع قادة الكتائب وتحدّث إليهم بكلمات حول الحرب. تحدّث بيقينٍ عن مولانا علي عليه السلام وتلا علينا خطبته حول الحرب. قال مير حسيني: "واجهوا وحاربوا عدوّكم بعينين مفتوحتين، وفكّين مطبقين وقدمين مغروزتين في الأرض".

وقال أيضًا: ربما هي آخر ليلة لي بينكم. غدًا، قد يُرزق أكثركم الشهادة، وربما وفّقني الله لها، وقد جئت الليلة لأطلب المسامحة منكم، إن كان لي حقّ عند الآخرين فقد سامحتهم، لكن لا سمح الله إن قصّر أحدكم في الحرب، أقسم بالله إنّني سأعترض سبيله على الصراط في الآخرة، ولن أسمح له بالتملّص من المسؤولية. لا تتهاونوا في المعركة...".

اغرورقت عيناه بالدموع، وانشغل تلك الليلة بالمناجاة والعبادة حتى الصباح. تلك الليلة...

عندها، تذكرت ما قاله "محب علي فارسي". فقد اتصلت به البارحة 10 مرات، وتحدثت إليه مرتين، كان يتحجّج بالعمل في كل مرة. اتصلت أيضًا مرات عدّة بمحمد حسين بودينه
 
 
 
 
172

153

الفصل التاسع

 وميرعباس، أخي مير قاسم، وجميعهم قالوا إنّهم منشغلون بأعمالهم، أخيرًا قلت في نفسي إنّ الجميع يعمل في هذه المدينة إلا أنا. قال محب علي إنّه سيكتب بعض الأمور، وحدثني بهذا:

كنت أقصّ شعر رأس مير حسيني دائمًا. في حال وجودي لم يكن يسمح لأحد أن يقصّ شعره أو يقود سيارته، بل كان يطلب ذلك منّي، وبالطبع كنا نتبادل الأحاديث أثناء ذلك. سألني في أحد الأيام قبيل عمليات "كربلاء 5":
- هل لديك وقت لتقصّر لي شعري؟
- أجل يا حاج، تفضل!
- سآتي إليك فيما بعد.

هذه المرة وخلافًا لكلّ المرات، ذهبت بنفسي إليه وبدأت العمل. بينما أنا أسوّي له شعره، قال لي: "انتبه وقم بقصّ شعري بطريقة جيدة فهذه آخر مرة ستقصّه لي". لم آخذ كلامه على محمل الجد في ذلك اليوم، لكن بعد يومين عندما جاء نبأ استشهاده...

كتب فريدون شهركي 5 سطور فحسب:
جلسنا حول المائدة ورحنا نتحدث عن طعام الغداء الذي كنا نتناوله وعن ذكريات الماضي. فجأة التفت أحد الإخوة إلى مير حسيني وقال:
- متى ستستشهد يا حاج حتى نأكل في عزائك؟

طأطأ مير حسيني رأسه، مكث قليلًا وقال:
- عندما أصبح نقيًّا جدًا، سيأخذني إليه.
 
 
 
 
173

154

الفصل التاسع

 عندها صمت الجميع، ولم نتفوّه بكلمة إلى أن أنهينا طعام الغداء. لقد كنا نفكر بما قاله مير حسيني.


أعلم أن مير حسيني كان يحب الحاج قاسم سليماني كثيرًا، قرأت عن ذلك في أكثر من مذكرة، حيث تحدثوا عن تلك العلاقة.

يقول الحاج قاسم سليماني عن الليلة الأخيرة:
جلسنا في الدشمة ليلًا وتحدّثنا في مواضيع شتّى. في العمليات السابقة، قلق الجميع من أن يصاب مير حسيني بمكروه، إذ قلّما خرج من المعارك من دون إصابة. قبل بدء عمليات "كربلاء 4" قال: "لا تخافوا لن أستشهد في هذه العمليات ولن أجرح حتى".

لكن في تلك الليلة، أشار إلى جبهته وقال: "ستصيبني رصاصة هنا وسوف أستشهد". وهذا ما حدث.

يتملّكني شعور بالانقباض، فأنهض وأخرج من الغرفة. ليتني أستطيع أن لا أقرأ هذه الكتابات. أعلم أنّ مشوار صداقتي معه سينتهي هذا اليوم، صديقي الذي عثرت عليه في الأيام العشرة الماضية. أحمل مذكّرات علي نجيب زاده لأقرأها. ليت السيارة تصل باكرًا فأفرّ من هذه الغرفة:
بدأت العمليات. انطلق مرتضى بشارتي1 مع مير حسيني إلى الخط الأمامي فقلت لمرتضى:
- انتبه، إذا أصيب مير حسيني بمكروه فاسحبه إلى الخلف بسرعة، فقد اعتاد أن يُجرح في كل العمليات.
 

1- استشهد فيما بعد.
 
 
 
 
174

155

الفصل التاسع

 - حاضر.


بعد ساعات، كنت في الدشمة عندما وصل بعض المقاتلين وكان بشارتي معهم. نظرت إليه فبدأ بالبكاء. لم يقف، بل خرج وناداني. خرجت إليه وسألته:
- هل استشهد مير حسيني؟
- وكيف علمت بذلك؟
- من بكائك.

قلت له لأهوّن عليه:
- هذا ليس بالأمر المحزن، فجميعنا جئنا لأجل الشهادة.
- أبكي لأنني لم أتمكن من سحب جثمانه، أقسم إنّني حتى أنا لم أكن أستطيع الانسحاب...
- لا يهم، فالإخوة في الفرقة يعرفونه وسوف يحضرون جثمانه معهم.

ثم سألته:
- كيف استشهد؟
- كنا في الخندق، دارت المعارك بالسلاح الأبيض. حمل مير حسيني بندقية الكلاشينكوف وبدأ بإطلاق النار. قلت يا حاج لا يفصلنا عن العراقيين غير مسافة قصيرة، فكن أكثر حذرًا، لكنه قال: "يا بشارتي، ليس الأمر متعلقًا بشخصي، بل بالحرب والإسلام"، ثم قال: "شئتُ أم أبيتُ سأصاب برصاصة، ومن الأفضل أن أصاب بها هنا". لم يطل
 
 
 
 
175

156

الفصل التاسع

 الوقت حتى أصابت رصاصة جبهته. وضعتُ يدي على قلبه.. كان قد فارق الحياة. حينها لم أعد أعي شيئًا حتى إنّني لم أستطع سحب جثمانه.


قال هذا وعاد للبكاء.

خنقتني العبرة. فأنا أيضًا بلغني نبأ استشهاده، وستغدو بحيرة الملح، الخندق المزدوج، الجسر، جميع الأسماء والأماكن والأسماء الخالدة محور حياتي. جلست ضامًّا ركبتيّ. أنا الآن في شلمتشه (شلمجه) وأقرأ مذكّرات جعفري في الخندق المزدوج:
كنا أول القوات الواصلة إلى الخندق المزدوج، كان العراقيون يفرّون فزعين نحو البصرة، وقد امتلأت الجادة على الطرف الآخر للخندق بالدبابات وناقلات الجند والآليات. تموضعنا على هذا الجانب من الجسر وتوقفنا.

كنا قد جهزنا ما يلزم لنسف الجسر حين وصل الحاج مرتضى وقال: "لا تفجروا الجسر، فمن الممكن أن نفجر موضعًا آخر".

كان هناك عدد قليل من القوات في الجانب الآخر للجسر، عناصر من وحدة التخريب من دون سلاح، إضافة إلى نفر قليل من المشاة. لم يكن يفصل بيننا وبين العراقيين أكثر من خمسين مترًا، كانوا يخرجون من الدشم ويفرّون. ما إن وصل مير حسيني حتى بدأ بملاحقتهم صارخًا: "لا تدعوهم يفرّون أيها الإخوة. هيا لاحقوا فلولهم".

لم يكن هناك الكثير من العناصر وإلا لكان مير حسيني لاحقهم إلى البصرة. أعاد العراقيون تشكيل قواتهم وعادوا. التصقوا بالخندق
 
 
 
 
176

157

الفصل التاسع

 المزدوج ولم نعد نستطيع التريث أكثر فنسفنا الجسر بعد التنسيق مع قواتنا. كان هناك عدد من عناصر وحدة التخريب على الجانب الآخر من الخندق المزدوج. فنزلوا إلى الماء وانسحبوا نحونا. وصل العراقيون وبدأت المعركة والاشتباكات.


قصفوا التحصينات الموجودة فوق الخندق المزدوج، فنزلت إلى أسفله حيث كان مير حسيني يوجّه القوات لتتموضع خلفه: "حافظوا على الخطّ فحسب". كنا نتحدث والرصاص يتساقط علينا من كل اتجاه فقلت له: "انتبه من الرصاص". أشار إلى الجهة اليمنى وقال: "إذا شاء الله هكذا يقتلون الإنسان".

فجأة! سقط على أرض الخندق شهيدًا. تركناه هناك ولم نخبر المقاتلين بأمر استشهاده، لأنهم إذا أدركوا أنه استشهد فسوف... .

لا أعلم كم الساعة. يعلو بوق السيارة فأنهض حاملًا الأوراق التي أحتاجها، وأجرّ أذيالي كمن يذهب إلى مكان الواقعة. أشعر بثقل حركتي وكأنني أسير في طريق موحلة! فأي يوم هو هذا؟!

أركب سيارة الـ"بيك آب". ينظر السائق إليّ من خلال المرآة فأقول له: "اذهب إلى منزل مير حسيني".

أريد اصطحاب الحاج مراد علي معنا. تنطلق السيارة بينما أنا أتصفّح مذكّرات عباس أنجم شجاع:
كان مير حسيني يضحك ويمزح بشكل متواصل. خطر في ذهني للحظة أن مير حسيني اليوم غير ذاك الذي عرفته. وقف مع مسؤول المدفعيّة (الإسناد المدفعي) في الفرقة الحاج مهدي زندي وقال له:
 
 
 
 
177

158

الفصل التاسع

 "الأعداء المستقرون في هذا الجزء يسببون لنا المشاكل، هل يمكنك القيام بما يلزم؟".


جلس الحاج مهدي على الأرض وقال: "سأهتم بالأمر".

أنزل سحّاب معطف المطر وأخرج من داخله مخطط المنطقة (الكالك)، ثم أعطى الإحداثيات لمسؤول المدفعية. وبدأ قصف المنطقة التي أشار إليها مير حسيني. لم تمر دقائق حتى ارتاح بال مير حسيني، ربّت على كتف الحاج مهدي زندي، وقال ضاحكًا:
- حلالٌ عليك خبز "الفرقة 41".

ضحكنا، فالتفت نحوي وقال:
- اذهب وساعد الإخوة حيث هم عالقون.

أشار بيده نحو الساتر الترابي أمامنا فقلت متردّدًا:
- الوضع يزداد سوءًا، فالعدو مشرف على المكان..
- وهل نسيت الأذكار؟

انطلقت مع أحد العناصر وعدنا بعد إنجاز المهمة، وهم يمطروننا بوابل رصاصهم. عندما وصلنا إلى مير حسيني، رأيته يضحك أيضًا، فسألته:
- ما حدث ثانية يا حاج؟
- لقد نهض العراقيون خلفكما، كانوا يمطرونكما برصاصهم، لكنّهم لم يصيبوا أيًّا منكما.
- تلوت الأذكار التي علّمتنيها.
 
 
 
 
178

159

الفصل التاسع

 ضحك ومسح على رأسي، فشعرت بقوة وجرأة. لقد تبدّلت حاله، وكان لضحكه معنى خفي...


تذكّرت عمليات خيبر، حين توغّلت قواتنا حتى منتصف الجزيرة وازداد ضغط العدو علينا. كنا كمن رُمي في قلب النار. كانت القذائف والقنابل تنفجر من حولنا فتُشلّ حركة قواتنا.

كان مير حسيني قائد قوات الهجوم يجول علينا ويعطي التوجيهات. رأيت "دريجاني"1 في ناحية، مشمّرًا عن ساعده ليضمّد جرحًا سبّبته له شظية. وصلت إليه، وما إن رآه مير حسيني حتى قال له ضاحكًا: "أنزل كمّ قميصك فقد يراك أحد المقاتلين ويقول إنّك رفعت كمك رياءً"، فضحكنا جميعًا. وهناك بالضبط، أوصلت إليه رسالة قائد الفرقة ومفادها: "إذا كان ضغط الأعداء شديدًا فاسحب القوات للخلف". ما إن قلت ذلك حتى انتفض قائلًا: "اذهب إليه وأخبره أننا بخير ولا نعاني من أي مشكلة".

كنتُ على يقين أن أي شخص آخر غير مير حسيني كان ليقول شيئًا آخر. رغم القصف الوحشي واستشهاد أفضل المقاتلين، وضغط الأعداء الشديد، كان هذا جواب مير حسيني!

تذكرت خيبر ثانيةً، وعدت إلى جانب الساتر الترابي حيث مير حسيني. أردت أن أقول له أن يقرأ تلك الأذكار، لكنّ لساني انعقد ولا أدري لِمَ! كانت ضحكاته الغامضة تفصح عن شيء ما لم أدركه إلا عندما...
 

1- مساعد أركان الفرقة، وأضحى نجمة من نجوم السماء فيما بعد.
 
 
 
 
179

160

الفصل التاسع

 نصل ونقرع الباب. يفتح الحاج مراد الباب بنفسه فأقول له: "نريد الذهاب إلى الضريح". يمسك بعكازه ويخرج من المنزل بقامته المديدة وبهيبته التي شبّهتها بـ"زال"1، نركب السيارة وننطلق.


بعد مسافة قصيرة، تنعطف السيارة نحو طريق ترابي، تتراصف البيوت الطينية على طرفيه. الرجال والنساء في المزارع يحصدون القمح وينزعون رؤوس سنابله! تقع عيني على أرض مرتفعة عن سطح السهل منصوب عليها الأعلام الإيرانية، إنها المقبرة. تتوقّف السيارة وننزل منها. لا أدري لمَ أرتجف! يخطو العجوز بضع خطوات ويتوقّف فأقف. نقرأ الفاتحة معًا، ثم يسير ثانية حيث أرى سلطان علي مير وحسن بور إسماعيل قادمين. لا ألتفت إليهما ولا أستطيع أن أبدي أي رد فعل. يتّجه العجوز صوب قبور يحيط بها صف من الحجارة، يعبرها ويشير بعكّازه إلى أول قبر ويقول: "ابني، مير حسن". نجلس ونقرأ الفاتحة. ثم ينهض العجوز ثانيةً ويشير بعكازه إلى القبر التالي قائلًا: "ابني مير قاسم".

قبر متواضع، آية قرآنية واسم مير قاسم مير حسيني إلى جانب تاريخ الميلاد والاستشهاد. هذا هو لقاؤنا الأول، وما أصعبه من لقاء! نقرأ الفاتحة، أتمتم بالكلمات من دون وعي مني، فذهني يحلّق في مكان آخر، وتتعطّل جميع أفكاري. ينهض العجوز ويتّجه نحو قبر يحيط به سياج ويقول:
 

1- بطل أسطوري، والد رستم. سمي زال لأنه ولد بشعر أبيض، من أساطير الشاهنامة.
 
 
 
180

 


161

الفصل التاسع

 "صهري بهمن خسروي".


يجلس ويقرأ الفاتحة، ثم ينهض ليذهب إلى قبر آخر. أليس هذا الرجل إنسانًا؟! كم هي قدرة الإنسان على التحمّل؟! يشير إلى القبر التالي ويقول: ابنتي، زوجته".

يقصد زوجة بهمن خسروي. يجلس وتلهج شفتاه. جميع سكان هذه المقبرة يعرفونه. ينهض أيضًا ويتجه نحو آخر القبر حيث يقبع قبر صغير، بطول شبر أو شبرين!

نذهب إليه، وما إن نصل إليه حتى تخنقه العبرة، فترتجف شفتاه وهو يقول: "حفيدتي زينب، ابنة مير قاسم".

وكأنّ جبلًا أُلقي عليّ فأثقل كاهلي. أجلس عند قبر ابنة قاسم. أقرأ الفاتحة وأنظر إليه. إذًا ابنة مير قاسم ترقد إلى جانب والدها. أقرأ تاريخ الولادة والوفاة. لم تعش أكثر من 43 يومًا. أتمتم: "يا لك من دنيا قليلة الوفاء".

أنهض ويخيّم الصمت علينا، ولا شيء غير الصمت والسكوت سيّدا المكان. تهبّ رياح فتنثر الرمال في المقبرة. نجول قرب الحجارة المصفوفة كأننا في مأتم. يبدأ سلطان علي الكلام من دون أي مقدّمات:
جاء مير قاسم إلينا قبل بدء العمليات، وكنت مع دولتي مقدّم1. كنّا في كل مرة يستدعينا نعرف أن هناك أمرًا ما. ذهبنا إلى المنطقة، كنا في مقر قيادة الفرقة ليلة العمليات حيث صدر الأمر بالهجوم، وانشغل مير
 

1- استشهد فيما بعد.
 
 
 
181

162

الفصل التاسع

 قاسم والحاج قاسم سليماني بتوجيه وإرشاد قادة الكتائب المشاركة. شعرت تلك الليلة أن مير حسيني هذا غير ذاك الذي كنت أعرفه، كان سلوكه مختلفًا. كان ينصتُ حينًا إلى جهاز اللاسلكي ويدخل الدشمة حينًا آخر لقراءة القرآن. قلّ كلامه، وإن قال شيئًا فهو لتوجيه وإرشاد الكتائب. بقينا هناك إلى حين انبلاج الضوء. ركبنا الزورق نحو أرض المعركة وذهبنا إلى الخط الأمامي. عاين مير حسيني أوضاع القوات وقدم تقريره لقائد الفرقة، ثم طلب إرسال المزيد من القوات لمتابعة العمليات. كنا في المقر أمام قناة تربية الأسماك التي سيطرت عليها قواتنا، فطلب من القوات الاستعداد للتصدي لهجوم الأعداء. تقدم صفّ من الدبابات العراقية نحونا وبدأوا بقصفنا، التفت مير حسيني نحوي أنا ودولتي مقدم وقال: "اصعدا إلى الأعلى وارمياها بقذائف الـ "آر بي جي".


صحيح أننا "بريد"1 مير حسيني الخاصّين، إلا أنّنا كنا على أهبة الاستعداد للقيام بما يطلبه منا عندما تستدعي الضرورة. كان دولتي مقدّم يجهز القاذف وأنا أقوم برميه. وبسبب اشتداد القصف، كنت أُلقم القاذف أسفل الساتر الترابي ثم أتسلّقه لإطلاق النار. بعد حوالي 8 قذائف، علا صراخ دولتي مقدّم. فبسبب دنوّه منّي حين إطلاق القذيفة، احترق جزء من وجهه. صعدت ثانية لإطلاق النار، لكنّي شعرت فجأة أنني معلّق في الهواء ثم ارتطمت بالأرض. لم أعد قادرًا على التنفس وشعرت أنني أفارق الحياة. نظرت بطرف عيني إلى الساتر الترابي، فرأيت حيث كنت أقف حفرة كبيرة سبّبتها قذيفة دبابة. لم أستطع الحركة، فقد تلاشت إحدى قدميّ وكُسرت الثانية،
 

1- ساعي بريد أو مرسال.
 
 
 
 
182

163

الفصل التاسع

 واستقرت تحت جسدي. حين كان مقاتلونا ينسحبون جاء أحد عناصر فرقة كربلاء 25 إليّ.


عندما رأى حالي قال:
- قل يا زهراء.

ظنّ أنني ميت لا محالة، فقلت له:
- إذا أمكن ساعدني لأنسحب إلى الخلف.

سمعت صوت مير حسيني حين كنت أنظر تجاه قواتنا، وكان صوته يبعث فيّ الأمل. لم أدر أين هو، لكنّ صوته منحني القوة. مرّت بضع دقائق قبل أن أسمع صوت دولتي مقدّم وقد صعد أعلى الساتر يناديني، فصحت بأعلى صوتي:
- إبراهيم... تعال إلى هنا.

سمع صوتي وجاء. كان قلقًا عليّ وقال:
- لقد أرسلني مير حسيني بحثًا عنك.

لم أستطع الحركة، وجاء بور إسماعيل أيضًا فحملاني وانطلقا. كانت قدماي متدليتين وتتأرجحان. بعد أن قطعنا مسافة، بدأت دبابات العدو بإطلاق النار علينا، فسقطنا على الأرض. أمسك دولتي مقدّم بذراعي وسحبني باتجاه قواتنا. وصلنا إلى الخندق حيث اجتمعت قواتنا فرأيت مير حسيني، وعندما مرّ بالقرب مني ضربت على قدمه بكفي. نظر إليّ فقلت: "يا حاج..".

لم تدعني نظراته أكمل ما أردت قوله، كانت نظراته تلك مختلفة
 
 
 
183

164

الفصل التاسع

 عن نظراته السابقة. كانت نظرات محبة وشفقة، نظرات انفصال وفراق. لم يقف، بل ذهب وطلب من عنصرين آخرين أن يحملاني إلى الخلف. ومن ثم نُقلت إلى مستشفى شهداء تبريز. في أحد الأيام رأيت أحد التعبويين في الفرقة يبكي بحرقة. وقد أخبرني باستشهاد مير حسيني. حينها فقط، أدركت مغزى تلك النظرات. بكيت، إذ كان البكاء عليه مباحًا حقًا.


يتابع حسن بور إسماعيل الكلام:
مضت ساعة على بدء العمليات. وضعت الدراجة النارية بمشقة في الزورق، واتجهت نحو خطّ العراقيين الذي يفصلنا عنه مساحات من الماء، وصلت إلى الضفة وأنزلت الدراجة بصعوبة أيضًا. لا أدري في تلك اللحظات التي يواجهنا فيها العراقيون ما حاجته للدراجة. ذهبت إلى الأمام ووجدته وما إن رآني حتى قال:
- هل ترى الساتر الترابي ذاك؟

أشار إليه قائلًا:
- لقد تموضعت قواتنا هناك، فاذهب لترى كيف توزّعوا، وأخبرني بالأمر.

أدرتُ محرّك الدراجة وانطلقت حيث أشار. لم أجد أحدًا على الساتر الترابي لكنني رأيت عراقيًا يقف خلف الساتر. عندما ناديت عناصرنا انتبه العراقي لوجودي، لم يعد بوسعي البقاء فعدت أدراجي. وصلت إلى مير حسيني وقلت له:
- لا أحد في الساتر الترابي غير العراقيين.
 
 
 
 
184

165

الفصل التاسع

 - لا ! أنت لم ترهم إذًا، سنذهب هذه المرة معًا.


جلس على الدراجة خلفي وانطلقنا. بحثنا على طول الساتر الترابي لكننا لم نجد أحدًا من عناصرنا. قال مير حسيني: "سأبقى هنا، اذهب واستدعي بعض العناصر".

عندما عدت كانت "كتيبة 414" في الخط، وصلت إليهم وقلت: "أسرعوا في التقدّم، فقد ذهب مير حسيني إلى الأمام".

كان الشهيد "علي بينا" قائد تلك الكتيبة، ما إن قلت إنّ مير حسيني هناك حتى نهرني قائلًا: "ولِمَ تركته حيث يوجد العراقيون؟".

كانت القوات تقف قرب الخندق المزدوج لا تجرؤ على التقدّم لاعتقادها أن العراقيين هناك. لكن ما إن أعلمتهم بالأمر حتى انطلقوا إلى الأمام. كان ضوء الصباح قد انبلج تمامًا عندما ثبّتنا تموضعنا في الخط. عبرت قوات "الكتيبة 414" الخندق المزدوج، وكان الأعداء يفرّون من أمامهم. لم تكن عناصرنا قادرةً على ملاحقتهم، فكان مير حسيني يردّد باستمرار: "ليتنا امتلكنا دراجتين بدل الواحدة".

استمرت المعارك فقال لي مير حسيني: "اركب لنذهب ونستطلع أماكن وجود العراقيّين".

عبرنا ساترين ترابيين ووصلنا إلى حيث تموضعت القوات العراقية. كانوا بضعة أفراد، ما إن رأونا حتى رفعوا أيديهم مستسلمين وتقدّموا نحونا. نزل مير حسيني عن الدراجة وربط أيديهم بملابسهم ثم أشار إليهم للذهاب إلى خلف الخطّ. ذهب العراقيون واستكملنا استطلاع المكان ثم عدنا للخلف. طلب مير حسيني أن أنقل رامي "آر بي جي"
 
 
 
185

166

الفصل التاسع

 وكيسًا مليئًا بالقذائف على الدراجة إلى نقطة محددة. كان العراقيون قد اقتربوا وبدأوا هجومهم. تمكّن رامي الـ "آر بي جي" من إصابة دبّابتين عراقيّتين، لكنهم تابعوا تقدّمهم وأصبحوا خلفنا. في تلك المعمعة والضوضاء سمعت صوت مير حسيني عبر مكبر الصوت يطلب منا الانسحاب.


هناك، شعرت أنّ مير حسيني يقوم بعمل كتيبة كاملة. لقد تموضعت قواتنا في الخلف، بينما معاون قائد الفرقة يحارب في المقدّمة نيابة عن الجميع. زاد ضغط العدو علينا فكنّا نتراجع خطوة خطوة نحو الخندق. قلت لمير حسيني:
- لقد وصل العراقيون يا حاج!

فنظر إليّ ببرودة أعصاب وقال:
- يجب أن ينسحب الجميع قبلي وقبلك.

في تلك الأثناء ضاع سلطان وانتبهت لسقوط قذيفة دبابة حيث كان يقف.

سألني مير حسيني:
- أين سلطان؟ هل انسحب أم هو في الأمام؟
- لا أدري؟

أرسل جميع العناصر إلى الجهة الأخرى من الخندق، وكنا آخر المنسحبين. عندما صعدت أوّل دبابة عراقية الجسر، أمر مير حسيني وحدة التخريب بتفجيره. في تلك الأثناء قال الحاج قاسم سليماني عبر جهاز اللاسلكي: "يجب تنفيذ أوامر مير حسيني كاملة". كنا نبحث
 
 
 
186

167

الفصل التاسع

 وكيسًا مليئًا بالقذائف على الدراجة إلى نقطة محددة. كان العراقيون قد اقتربوا وبدأوا هجومهم. تمكّن رامي الـ "آر بي جي" من إصابة دبّابتين عراقيّتين، لكنهم تابعوا تقدّمهم وأصبحوا خلفنا. في تلك المعمعة والضوضاء سمعت صوت مير حسيني عبر مكبر الصوت يطلب منا الانسحاب.


هناك، شعرت أنّ مير حسيني يقوم بعمل كتيبة كاملة. لقد تموضعت قواتنا في الخلف، بينما معاون قائد الفرقة يحارب في المقدّمة نيابة عن الجميع. زاد ضغط العدو علينا فكنّا نتراجع خطوة خطوة نحو الخندق. قلت لمير حسيني:
- لقد وصل العراقيون يا حاج!

فنظر إليّ ببرودة أعصاب وقال:
- يجب أن ينسحب الجميع قبلي وقبلك.

في تلك الأثناء ضاع سلطان وانتبهت لسقوط قذيفة دبابة حيث كان يقف.

سألني مير حسيني:
- أين سلطان؟ هل انسحب أم هو في الأمام؟
- لا أدري؟

أرسل جميع العناصر إلى الجهة الأخرى من الخندق، وكنا آخر المنسحبين. عندما صعدت أوّل دبابة عراقية الجسر، أمر مير حسيني وحدة التخريب بتفجيره. في تلك الأثناء قال الحاج قاسم سليماني عبر جهاز اللاسلكي: "يجب تنفيذ أوامر مير حسيني كاملة". كنا نبحث
 
 
 
186

168

الفصل التاسع

 عن سلطان في هذا الجانب من الخندق، فمن جهة كانت هناك قرابة بينه وبين مير حسيني، ومن جهة أخرى، كان يأنس أحدهما بالآخر بشكل عجيب. قال مير حسيني لي:

- دع كلّ شيء وأحضر لي سلطان.

كما إنّه استعدّ لعبور الماء والبحث عنه فلم أسمح له، فقال:
- لن تستطيع ذلك وحدك!

اصطحبت معي إبراهيم دولتي مقدّم1 للبحث عنه. عبرنا الماء حيث كان يرشدنا عبر مكبر الصوت ويردد الهتافات الحماسية منوّهًا بالشجاعة والشهامة. تموضع العراقيون على مسافة منّا في الساتر الترابي، بعد أن عبرنا الخندق وجدنا سلطان قرب الساتر وقد تلاشت أجزاءٌ من جسده، إذ انفجرت قذيفة دبابة بالقرب منه، وقد استدارت إحدى رجليه أعلى الركبة 180 درجة، بينما سحقت ساقه الأخرى أسفل الركبة. دنونا منه فأصرّ علينا أن نعود قائلًا بأنه ميت لا محالة ولا داعي لتعريض حياتنا للخطر لأجله. فقلت له: "لقد طلب مير حسيني منا إحضارك، فإما أن نذهب معًا أو لن يذهب أيٌّ منّا".

حملتُه على ظهري، وحمل دولتي مقدّم ساقيه. كان وضعه مزريًا. تناسينا قصف الأعداء، وكنا نصغي فقط لمكبّر الصوت. كان مير حسيني يقول: "لقد بيضتم لي وجهي.. وأثبتت يا بور إسماعيل أنك من المخلصين".

حملنا سلطان إلى جانب الخندق وأمر مير حسيني المقاتلين بإطلاق
 

1- استشهد فيما بعد.
 
 
 
187

169

الفصل التاسع

 النار على المهاجمين بكلّ ما أوتوا من قوة، ثم جاء نحو الحصن مكان وجودنا. أمسكت مع دولتي مقدّم بقدمي ويدي سلطان ورميناه في الماء من الجانب الآخر للحصن، وذهب دولتي مقدّم وراءه في الماء، بينما بقيت وحدي خلف القناة. شعرت بالخوف فقد اشتد قصف العراقيين علينا. أردت النهوض والقفز إلى الجانب الآخر فلم أستطع، كأنما تجمدت يداي وقدماي. كنت أرى العراقيين قادمين نحوي، وكان بإمكانهم قتلي لكنهم على ما يبدو أرادوا أسري. جاء مير حسيني من خلف القناة، ورمى نحوي، بقماشة تشبه الحبل وأصرّ عليّ لإمساك طرفها. لكنني لم أستطع! حتى إنّني عجزت عن رفع ذراعي. وكآيسٍ من الحياة، بدأت المناجاة والدعاء. كنت أقول: "إلهي! لقد جئتُ طاعةً لأمر قائدي، وإن تقرّر بقائي هنا فبأمر منه أيضًا، فقائدي هو مير حسيني".


لا أدري ماذا حادث إذ لهج لساني بذكر "يا حسين" حينها. ولا أدري كيف أصبحت على الجانب الآخر للقناة. أمسك مير حسيني بيدي وساعده عنصر آخر وعادا بي إلى حيث توجد قواتنا. بعد حوالي الساعتين، استعدتُ قواي وهدأ الخطّ وتموضع العراقيون على الجانب الآخر من القناة في مقابلنا تمامًا. طلب مير حسيني مني البقاء حيث أنا، وقال إنّه سيذهب للخطوط الخلفية ليرسل قوات جديدة إلى الأمام.

كان بشارتي عامل الإشارة الخاص به برفقته، لكن ما إن خطى بضع خطوات حتى استدار وقال لي: "سأرسل لكم كتيبة زابل". وضع الرفاق حمالات الجرحى قرب جدار القناة المتموضعين فيها. كنت مستغرقًا بالتفكير عندما جاء أحدهم وسألني: "هل لديك حمّالة؟".
- لِمَ تريدها؟
 
 
 
188

170

الفصل التاسع

 - أحتاجها لأمر


عندما سألته ثانيةً، أخبرني باستشهاد مير حسيني، وطلب مني عدم إخبار أحد بالأمر.. وهكذا رحل قائدنا.

تهبّ ريح قوية، فننهض من دون أن ينبس أحد ببنت شفة. يخيّم الحزن علينا. نركب السيارة. مذياعها مشغّل. ينزل كلّ منا في ناحية، وأنزل أنا إلى سجن وحدتي. أدخل الغرفة وأقفل الباب على نفسي. إذ كان عليّ البقاء وحيدًا في هذه الأرض الغريبة.

أخرج من الغرفة ليلًا وقد عمّ الظلام المكان وتضجّ في قلبي أحزان ليلة الوحشة. ليت أحدًا يطل على دار الأحزان هذه. أبحث بين الأوراق وأجد مذكّرات "محمد حسين بودينه" المشغول كثيرًا والذي يتولّى مسؤولية كبيرة، وقد تأسف لأنه لم يجد الفرصة لتدوين جميع ذكرياته. أقرأ ما كتبه في بضعة سطور عن اليوم الأخير:
في صباح يوم عمليات "كربلاء 5"، وُفّقنا للوصول إلى الأهداف المحددة، وتهيّأت الأرضية اللازمة للقضاء على فلول الأعداء ودباباتهم. قدتُ كتيبةً إلى الأمام وانشغلنا بالدفاع. كنت أرسل التقارير لمير حسيني الذي كان يقاتل إلى يسار خطّنا، وطلبت منه أن يمرّ بنا عندما ينهي عمله.

لم يطل الوقت حتى جاء على دراجة نارية. عندما رأى إنجازات قواتنا فرح كثيرًا، فضمني إليه وقبلني وهو يكرّر: "أحسنت صنعًا".

وقفنا وتحدثنا عن ترتيب أوضاع الخط، كان من المقرر أن تستكمل
 
 
 
189

171

الفصل التاسع

 الكتيبة التالية المهمة، لكنّها لم تصل في الوقت المحدد. مهما اتصلتُ بهم لم أحصل على جواب. قال مير حسيني إنّه سيذهب ويحضر الكتيبة لتثبيت الخط. ركب على دراجة وابتعد عنا حوالي 200 متر، وانصرفت أنا إلى عملي. وكما أخبرني الإخوة فقد أصيب برصاصة في جبهته في تلك اللحظة. عندما سمعت الخبر شعرت أن قلبي سيتوقف.


ما زلت أذكر وداعه الأخير وفرحه، وقوله وتأكيده على تقدير عمل المقاتلين. طابت ذكراه وطاب ثراه.

أعود إلى غرفتي. كان عليّ تَوضِيبُ باقي الأوراق في العلبة الكرتونية الثالثة، وقراءة بضع ورقات أخيرة. المذكّرات الأولى كانت لعبد العلي ميرشهركي:
كان مير حسيني يأتي صباح كلّ عملية إلى الخط الأمامي، يعانق التعبويين فردًا فردًا، ويهتم بأمر تجهيز الخط. كنّا نستمد الروحية من رؤيته، ويُطمئن قلوبنا. في عمليات "كربلاء 5"، عبرنا الأسلاك الشائكة والعوائق المائية وحقول الألغام وغيرها. بعد وصول كتيبتنا إلى منطقة العمليات، تبادلنا المواقع مع الكتيبة الموجودة في الخط، فعادت تلك الكتيبة إلى الخلف بينما تابعت "الكتيبة 409" المهمة. طهّرنا الجزء الشرقي لقناة الأسماك وتابعنا التقدّم، فقُتل عدد من الأعداء وأُسر عدد آخر. تموضعنا في الخط الجديد، وحسب ما خَبرته من العمليات، كنت بانتظار مجيء مير حسيني فلم يأتِ. بدأ الإخوة بالتساؤل حول سبب عدم مجيء مير حسيني إلينا، قال بعضهم من المؤكد أنه أصيب بمكروه، وإلا فمن المستحيل أن لا يأتي!

بقينا في المنطقة بضعة أيام وعيوننا شاخصة تترقّب وصوله.
 
 
 
 
190

172

الفصل التاسع

 بعد عودتنا للخطوط الخلفية أخبرونا بأمر استشهاده. لقد رحل أبو التعبويّين في سيستان وأبو جميع الرفاق في الفرقة. ما زالت ذكريات الماضي تتداعى في ذهني إلى الآن، من أيام معسكر "جنكل" إلى زابل وجزنيك وغيرها. لقد انتهى كلّ شيء...


لم يكن "يوسف كيخا" موجودًا لحظة استشهاد "مير حسيني"، لكنّه تحدّث عن لحظة سماعه النبأ:
كانت الساعة 11 صباحًا من يوم 8 كانون الثاني1، في تلك الساعة تمكن لواء الإمام جعفر الصادق عليه السلام من السيطرة على مقر أحد ألوية الأعداء، وعلى الفور وصل الخبر إلى الخطوط الخلفية. بعد دقائق، وصل مير حسيني راكبًا على دراجة نارية. نزل عنها وضمّ إليه التعبويّين فردًا فردًا وقبّلهم. ثم جاء وأخذ مني المنظار وانشغل باستطلاع المنطقة. وقفت بجانبه، كانت قوات الأعداء تتحضر للهجوم، تتقدّمها القوات المؤلّلة ومن خلفها المشاة.

نزل مير حسيني عن الساتر الترابي بسرعة، نظّم القوات وأوكل إليهم المهام. كما تابع بنفسه أمر إيصال الذخائر والعتاد للقوات المتقدّمة. كان الأعداء في حال تقدّم فاستدعاني إليه وطلب منّي اصطحاب عدد من العناصر للانقضاض على خاصرة القوات المهاجمة. ناديت العناصر وانطلقت. بعد مسافة قريبة، أُصبت بشظية، حيث انفجرت قذيفة هاون بالقرب منا، فألفيت نفسي ممدّدًا على الأرض يحملني اثنان من عناصر إسعاف مركز الطوارئ في الخطّ الخلفي. التقيت بإبراهيم دولتي مقدّم ساعي بريد مير حسيني وسألته عن أحوال مير
 

1- 19 دي.
 
 
 
191

173

الفصل التاسع

 حسيني فلم يقل شيئًا، لكنني شعرت أنه يخفي عني أمرًا. فيما بعد علمت أن مير حسيني قد استشهد.


آخر مذكرة كانت لـ "اسفنديار مير"، هو أيضًا لم يكن ذلك اليوم في "شلمتشه":
كنت في خط الفاو عندما بدأت عمليات "كربلاء 5"، فأسرعت نحو منطقة العمليات، وعلمت في معسكر "جنكل" أنّ مير حسيني قد استشهد. انقلبت أحوال المعسكر وكأننا في يوم عاشوراء. كان الجميع يذرف الدمع، وكانت مراسم الدعاء تقام كلّ ليلة في أنحاء عدة، فيذرف الإخوة الدموع وينتحبون. شعرنا بفراغ عجيب في الفرقة، وأُخبرنا بتجمّع الكتائب في مسجد الفرقة. ذهبنا إلى هناك فتحدث الحاج قاسم سليماني عن مير حسيني، كانت الجدران والأبواب تبكي وتنوح لبكاء الإخوة. يا له من يومٍ عجيب.

أوضّب الأوراق وتعود الغرفة كما كانت في اليوم الأول. أتمدّد حيث أنا ولكن أنّى لي النوم.
 
 
 
 
 
192

174

الفصل العاشر

 منتصف الليل، أستيقظ وأنتظر انبلاج الفجر، فاليوم سأغادر هذه الديار. لقد جئت في أثر رجل غريب عني لأتعرّف إليه هنا وأذرف الدموع لاستشهاده، وها أنا أغادر والحزن يلفّني. إنه اليوم الأخير لي هنا.


من بعيد يتناهى لسمعي صوت أذان، أصلّي وأنطلق نحو جزنيك. أريد توديع الجميع. يقولون لي: "تريّث ريثما تصل السيارة"، لكنني أرغب بالمشي قليلًا. لا أدري كم ساعة مضت وأنا أمشي. أصل وأقرع الباب، فتفتح لي فتاة. أسألها: "هل أنت زينب؟"، لكنّها تسرع إلى الداخل ويأتي الحاج موسى لاستقبالي، ندخل معًا وأخبره عن سبب زيارتي. نجلس ويحضّر الحاج مراد علي الشاي فيُخجلني. يقول الحاج موسى:
في 8 كانون الثاني اتصل بي، تحدثنا قليلًا، وشعرت أنه يخفي عني أمرًا ما، لكنه لم يقل شيئًا. بعد اتصاله ذهبتُ إلى جبهة سومار حيث تقرر القيام بعمليات كربلاء 6 في المنطقة. بدأت العمليات لكنني كنت أستمع إلى الراديو باستمرار لأعرف أخبار جبهة الجنوب حيث بدأت عمليات "كربلاء 5" هناك. كنت في مركز آمر المدفعية عندما جاءت سيارة جيب من مقرّ "الفرقة 88". عند غروب 15 كانون الثاني،
 
 
 
193

175

الفصل العاشر

 ركبت السيارة وانطلقنا نحو المقرّ. هناك، كان رئيس تفتيش الفرقة بانتظاري، ما إن رآني حتى أعطاني ورقة الإجازة وقال:

- اذهب في إجازة!
- لقد عدت من الإجازة منذ 4 أيام فحسب..

عندما طال سكوته قلت:
- يشارك اثنان من إخوتي في عمليات "كربلاء 5"، فأخبرني إن حدث لهما مكروه.
- لا، لكن قائد الفرقة قرّر إعادة ما تبقّى من قوات إلى مقرهم الأساسي، لذا عد، هناك بعض الأمور التي يجب أن تهتم بها.

كنت أتوقع سماع خبر مشؤوم عن مير قاسم منذ عمليات "رمضان". لكن ذلك اليوم انشغل ذهني بأخي الآخر فقلت له:
- أنت تعلم معنوياتي جيدًا، أنا على استعداد لسماع خبر استشهاد أخويّ. فأصدقني القول.
- برأيك من منهما استشهد؟
- مير قاسم؟
- لا، أبعد الأفكار السيئة عنك وانطلق بسرعة.

ذهبت إلى كرمانشاه، حيث كانت المدينة خاوية. توجهت إلى مسجد الأتراك محل اجتماع المقاتلين، ومن هناك اتصلت بالمنزل. رفع السماعة أحد الأقارب، ولم يخبرني بدايةً بالأمر، لكن بعد إصراري قال إنّ مير قاسم قد استشهد وسوف يشيّعونه في كرمان بعد يومين. كانت
 
 
 
 
194

176

الفصل العاشر

 جميع المحلات والإدارات مغلقة في المدينة بسبب القصف. بقيت ليلتي هناك، لكنني لم أستطع النوم، لقد سمعت صوت قصف الطائرات مرتين أو ثلاثًا. كانت ليلة شاقة، لم أستطع فيها إطباق جفنيّ لحظة واحدة. عند الصباح، لم أجد سيارة تاكسي فركبت الحافلة وجئت إلى "كنكافر"، ومنها إلى همدان، ومن هناك إلى قم. تنقّلتُ من مدينة إلى أخرى، وركبتُ الحافلة عند نقطة شرطة سير كاشان ــ زاهدان.


وصلت في الصباح الباكر إلى كرمان، وقد جاء عدد من الأقارب والمعارف. سُجّيت في إحدى الساحات توابيت 60 شهيدًا، يتقدّمهم مير قاسم. هناك رأيت أخي.

يجتمع أهل المنزل حوله وكأنّ التاريخ يعيدُ نفسه أمام أنظارهم. تقول أخته، مرضية مير حسيني:
كنتُ أعدّ الخبز في المنزل، وكان الهواء باردًا في الخارج، فمنحتنا النار دفئًا مناسبًا في الداخل. كانت الموسيقى الثوريّة تُبثّ عبر الراديو، فالعمليات قد بدأت قبل بضعة أيام. كنت أنا وزوجة مير قاسم نتساعد على أعمال المنزل، مع أنها كانت على وشك الولادة إلا أنها لم تكن لتقصّر في عملها، حتى إنّنا كنا نطلب منها باستمرار أن تخفّف من العمل والحركة.

في ذلك اليوم، ونحن على تلك الحال، جاءنا نبأ استشهاد مير قاسم، كأنّ رصاصةً اخترقت قلبي. كنت أتلوّى من شدة الحزن وألطم على صدري وانعقد لساني، كأنّ زلزالًا وقع فقتل الجميع ودمّر كلّ شيء. دائمًا ما أتذكّر مير قاسم وطفلته التي وُلدت يتيمة. أتذكره وأتذكر كلامه لي: "كوني صبورة يا أختي وواسي أمّنا". أتذكره وزوجته
 
 
 
 
195

177

الفصل العاشر

 التي كانت تتلوّى وتنتحب. أتذكر مير قاسم و...


يتدفّق الدمع من مقلتيّ، لكنّي أتماسك. لم تكن أخت مير قاسم الثانية موجودة في سيستان آنذاك. تتحدّث بهدوء:

كنت في المنزل عندما رن جرس الهاتف ورفع زوجي السماعة. كانت العمليات قد بدأت، وكنا ننتظر خبرًا في أي وقت. شعرتُ باضطراب، وفجأةً تغيرت ملامح زوجي. رمى سماعة الهاتف وجلس في مكانه. ثم أشعل سيجارة وبدأ ينفث دخانها. رفع أحد أبناء مدينتنا الذي كان في زيارتنا ذلك اليوم سماعة الهاتف وتحدّث.

ما إن وضع سماعة الهاتف في مكانها حتى سألته باضطراب عن الأمر. انتظرت جوابًا، لكنّ أحدًا لم يتفوّه بكلمة. أقسمت عليهما بأن يخبراني ما الأمر، فقال الضيف: "لا تنزعجي. لم يحدث شيء. لقد وقع حادث اصطدام لأخي زوجك. فلنذهب إلى زابل".

نهضت مسرعة، لا أدري ما العمل. كنت مرتبكة لكنني جهّزت نفسي كيفما كان وانطلقنا. وصلنا في الصباح الباكر إلى زابل، وذهبنا إلى منزل أخي زوجي الآخر. أصررت عليهما أن يخبروني بما حدث، كنت أشعر من نظراتهم أنهم يخفون أمرًا. قلت:
- حتمًا حدث مكروه لأحد أخوي ولا تريدون إخباري بذلك.

حاولوا تهدئتي لكنّ صبري نفد، فنهضت وذهبت إلى منزلنا. هناك، رأيت مشهدًا جعلني أدرك كل شيء. كانت أختي وزوجة أخي مير قاسم تجلسان متقابلتان وتبكيان بكاءً مريرًا. وقفتُ مذهولة أنظر إليهما، وكأنني صُعقت بالكهرباء. سمعت خلال بكائهما اسم
 
 
 
 
196

178

الفصل العاشر

 مير قاسم فسقطت أرضًا ولم أعد أعي شيئًا. بعدها، لم يعد من شيء سوى اسم مير قاسم والدموع وجبال من الحزن والغم. كاد قلبي أن ينخلع حزنًا عليه.


في اليوم الثالث لاستشهاد مير قاسم، ولدت طفلته. فشعرنا وكأنه عاد للحياة ثانية. كان مير قاسم قد أوصى بأن نسمي الطفل إن كان ذكرًا "حسين" وإن كان بنتًا "زينب".

ذلك اليوم، تناقلت أيدي العائلة زينب. شممنا فيها رائحة مير قاسم. كانت نفس مير قاسم، وفي غيابه أضحت سلوتنا وأمل عائلتنا.

مضى أربعون يومًا على استشهاد مير قاسم. قال أخي إنه سيصطحب زوجة مير قاسم مع العائلة إلى زاهدان ليبتعدوا عن أجواء المأتم والأحزان. في اليوم التالي ذهبوا إلى زاهدان.
اجتمعوا في المنزل ليلًا يشاهدون التلفاز وفي وقت متأخر من الليل وضعوا الفراش لزوجة مير قاسم وابنتها زينب في الغرفة المجاورة. عند الصباح استيقظوا فزعين على صوت صراخ أم زينب...

لقد انهار كل شيء وانتهى بالنسبة إلى العائلة. لقد قصم حزن فراق وديعة مير قاسم الوحيدة ظهورنا. كان لفراقها لوعة فراق مير قاسم نفسها. أضحت زينب كل أملنا من بعده. كنا نراه في نظراتها ونسمع رنين صوته في بكائها. أضحت كل شيء بالنسبة إلينا، لكنها لم تبقَ.

أنهض وأجهّز تذكرة السفر إذ لم يبقَ متّسع من الوقت لحلول الظهيرة. أودّع الجميع وأعانق مراد علي، "زال" سيستان الذي
 
 
 
 
197

179

الفصل العاشر

 تفوح منه رائحة القمح، رائحة النقاء والصفاء والشهامة.


تقف والدة مير قاسم في الخارج متّكئةً على عكازها تنظر إليّ. أقول بصوت عالٍ إنّني جئت لوداعهم. تُفهمني من نظراتها أنها لم تفهم ما قلته. أحني رأسي أمامها. ليتني أستطيع تقبيل يدها، فهي أمي، أمّ سيستان. وظهرها المقوّس يوحي أنها عانت ألم وحزن فراق أبناء هذه الديار، جميع أبناء هذه الديار. من سهراب إلى مير قاسم.

أخرج من منزلهم وأصل إلى السيارة، إنها شاحنة البيك أب ذاتها. أركب وألوّح بيدي للجميع وأنطلق. يعطيني السائق ورقة، إنّها مذكّرات محبّ علي فارسي:
من سمات عائلة مير حسيني المميزة، الصبر اللامتناهي، وكما يقول كبارنا: "الصبر علامة الإيمان". وإيمان الحاج مراد علي هو الذي رفع بنيان هذه العائلة وأحكمه. تعرضت هذه العائلة لعددٍ من الحوادث خلال مسيرة حياتها، وأقول بكل ثقة لو أن ربّ هذه العائلة كان غير والد مير حسيني لتلاشت، وهذه الحادثة التي سأقصّها عليك خير دليل على ما أقوله.

كان مير حسيني قد تزوج منذ 4 سنوات لكنّه لم يُرزق بأولاد. وخلال تلك المدة في الجبهة، احتاج الحرس للعناصر من أجل تفقّد وحراسة المطار، وبما أن زوجته كانت تقضي أوقاتها وحيدة، اقترحوا على مير حسيني أن تعمل زوجته هناك فوافقت. شاركت الزوجة في دورة تدريبية وبدأت عملها في الحراسة.

في عمليات والفجر 4, استشهد صهر العائلة السيد بهمن خسروي,
 
 
 
 
198

180

الفصل العاشر

 فبقيت زوجته وابنهما "قائم" وحيدين, لذا أحضرهما مير حسيني إلى منزله لكي لا يشعر أحد بالوحدة في غيابه.


في إحدى الإجازات، اصطحب مير حسيني عائلته لزيارة مشهد المقدسة وفي طريق العودة انفجر إطار سيارة التويوتا ستيشن التي كانت تنقلهم فانحرفت عن الطريق وتهورت. أصيب والده الحاج مراد علي في عنقه ونقل إلى مستشفى في زاهدان للمعالجة.

في ذلك الوقت، عندما عاد مير حسيني إلى المنزل في إجازة، حملت زوجته السلاح ممازحة وصوبته نحو أخت مير حسيني فانطلقت الرصاصة وأصابت رأس الأخت وقتلتها على الفور. كانت حادثة مريرة، لكن "مراد علي" تحمّلها بصبر وأناة. بعد مدة أصبحت زوجة مير حسيني حاملًا واستشهد هو في عمليات "كربلاء 5".

الاعتقاد بالحظ الجيد والحظ السيّئ موجود في كل المجتمعات. فكيف إذا كان هذا المجتمع في قرية منغلقة تسري وتنتشر فيها مثل تلك العقائد بكثرة؟! كان يمكن لتلك الحوادث المتتالية أن تحرف أذهان أفراد العائلة لا سيما الحاج مراد علي، لكن هيهات أن يحدث ذلك.

ولدت طفلة مير حسيني في اليوم الثالث لاستشهاده، كان مير حسيني قد أوصى بتسمية المولود إن كان ذكرًا "حسين" وإن كانت بنتًا "زينب".

عندما انتهت مراسم الأربعين اصطحب الأخ الأكبر لمير قاسم الزوجة وطفلتها زينب إلى زاهدان. كانوا يشاهدون فيلمًا سينمائيًّا على التلفاز في وقت متأخر من الليل. قال مير عباس: "منتصف الليل سمعنا بكاء زينب فأيقظت زوجتي وطلبت منها أن توقظ والدة زينب لترضعها. كنت أعلم أنّ نومها عميق. في تلك اللحظة انقطع صوت
 
 
 
199

181

الفصل العاشر

 بكاء الطفلة فعدنا للنوم. عند الصباح، استيقظنا على صوت صراخ أم زينب. أسرعنا نحو الغرفة حيث رأينا زينب بوجهٍ أزرق مائل إلى السواد. كان النعاس قد أثقل الأم عندما كانت ترضع طفلتها فنامت عليها و...".


أعلم كيف تؤثر همزات ولمزات الآخرين على إيجاد أجواء التشنج، لكن الحاج مراد لم يتأثر بذلك. بل كان كالأب لزوجة مير قاسم، وكان يراعيها كابنته تمامًا. لقد أسكنها في منزله، وكان يهتم بها أيما اهتمام.

بعد مدة، جاء ابن خالتها لخطبتها، لم يقف الحاج مراد علي عائقًا في وجهها، بل وأعطاها كل ما هو متعلق بمير قاسم وأقام لهما مراسم جيدة.

إنّ نقاء وصفاء روح الحاج مراد علي وعدم تأثره بالعقائد المغلوطة جعله يسير عكس التيار ليبيّن للجميع كيف أصبح مير قاسم مير حسيني على ما هو عليه. أجل كان وجود مير قاسم مدينًا لهذا الأب.

نصل فأقول للسائق انتظرني ريثما أحضر حقيبتي. كانت غرفتي مرتبة. الورقة التي لم أضعها في علبة الكرتون بعد، هي مذكّرات اسفنديار. أبدأ بقراءتها. أرغب أن أستغل كل لحظة لمعرفة المزيد عن هذا القائد:
في ذلك اليوم، كنت خلف الرشاش طوال الوقت، كنت عندما يعلق سلاحي أتناول سلاحًا آخر. كنّا نحفر المتاريس بأيدينا وأظفارنا ونصد الأعداء. حتى إنّنا أخذنا مخازن أسلحة الشهداء لنستخدمها في القتال. كنا كمن انقطع عن هذه الدنيا ولم يبقَ لنا من أمل سوى
 
 
 
200

182

الفصل العاشر

 مشهد مير حسيني الراقد على بعد خطوات منا. وإذا ما تعبنا أو أحسسنا بانهيار، اتّجهنا بأنظارنا نحوه، نتحدّث إليه ونستمد منه الروحية والمعنويات.


في إحدى المرات، اقترب الأعداء منا كثيرًا ولم يكن يفصلنا عنهم أكثر من 5 أمتار. كان مشهدًا عجيبًا. لقد رأيت الإخوة قد يمّموا وجوههم شطر مرقد مير حسيني حامل لواء فرقتهم، مرارًا وتكرارًا ليستمدّوا القوة منه وليعاهدوه على عدم السماح بتقدم الأعداء. ألصقت صدري بالرشاش ورحتُ أطلق النار وأكرر العهد: "مير حسيني! أقسم بالله لن أدع الأعداء يتقدمون إلى هذا الجانب من الساتر الترابي".

كان مير قاسم مير حسيني في تلك الأيام التي عجنت بالنار والدماء، الداعم والسند الوحيد لرفاق الفرقة في غربتهم ووحدتهم تلك. كان لرحيله حُرقة في قلوب الجميع. شعر الجميع باللوعة لفقده، من الحاج قاسم سليماني إلى التعبويين. فقد كان مير حسيني أمير فرقة ثار الله. كان مير حسيني عباس كربلاء وسقّاء الإخوة في الفرقة. كان رجل لحظات الوحدة وأيام الحصار. كان مير حسيني...

سأقول هذا فقط. كان مير حسيني، هو مير حسيني فحسب.

أضع آخر ورقة في العلبة الكرتونية وأغلقها.

عند الظهيرة، آخذُ ورقةً وأبدأ الكتابة: "سلام، لقد قرأت جميع المذكّرات المتعلقة بـ "مير حسيني" ولا أدري إن كنت أستطيع أن أُظهر عظمته. سأعود وأحاول جهدي. أشكركم لأنكم عرّفتموني إليه. لقد حُفرت ذكراه عميقًا في قلبي وإلى الأبد.
 
 
 
 
201

183

الفصل العاشر

 لقد وضعتُ جميع الأغراض والمذكّرات في العلب ثانية، ولم آخذ منها سوى صورته التي ستبقى معي للذكرى، والسلام".

أضعُ الورقة على العلب الكرتونية، ثم أنزعُ الصورة عن الحائط وأضعها في الجيب الأيسر لقميصي وأخرج.

تهبّ رياح ساخنة إيذانًا بقدوم الصيف. بيد أنّه في هذا الصيف ستلمعُ ذكرى مير حسيني كجوهرة على صدر هامون قلبي.
 
 
 
202

184
جوهرة هامون