باب الأولياء

باب الأولياء


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-04

النسخة: 2014


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


الفهرس

 الفهرس

11

المقدمة

13

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

15

الموعظة القرآنية

15

ما هو الجهاد؟

17

الجهاد في الأديان السماوية

19

ما هي أهمّيّة الجهاد؟

19

أفضل من الحج

19

الفوز العظيم

20

البشرى والرضوان

20

خير الأعمال

20

أفضل الأعمال

21

أحبّ الأعمال

22

درع الله

22

سنام الإسلام

25

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

27

الموعظة القرآنية

27

الجهاد هو المعيار الأساس


 

5


1

الفهرس

 

 

28

الجهاد الثقافي

30

الجهاد السياسي والاقتصادي

31

الجهاد المالي

33

الجهاد بالمال في الروايات

34

هدفنا من الجهاد المالي

37

الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد

39

الموعظة القرآنية

39

تمهيد

39

العزّة والرفعة

41

الحياة والحركة

42

الاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس

43

فصل الحقّ عن الباطل

43

التوحّد في وجه الباطل

44

معرفة الصديق من العدو

44

الغلبة والنصر

47

الدرس الرابع: البركات المعنوية والأخروية للجهاد

49

الموعظة القرآنية

49

الحياة الحقيقية

51

النجاة من العذاب

51

غفران الذنوب

52

عدم الافتتان في القبر

52

الفوز بالجنّة

53

مجاورة الربّ

57

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد

59

الموعظة القرآنية

59

تمهيد

 

6


2

الفهرس

 

60

خراب دورُ عبادة الله

60

الذلّة والمهانة

62

ضعف الإيمان

63

الحرمان من التكامل المعنوي

63

الميل نحو الباطل

63

الحرمان من العدالة

64

عذاب الآخرة

67

الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم

69

الموعظة القرآنية

69

تمهيد

69

المكانة الرفيعة للمجاهدين

69

المؤمنون الحقيقيون

70

أفضلية المجاهدين على غيرهم

70

أحباب الله تعالى

70

دعاؤهم مستجاب

71

أهل الجنّة وقوّادها

71

حسناتهم لا تحصى

71

أهل العبادة المستمرة

72

أجر المجاهدين العظيم

72

الهداية الخاصة

72

غفران الذنوب

72

النعيم الخالد في الآخرة

73

الرحمة والرضوان الإلهيين

73

مقامُ الجرحى

 

7


3

الفهرس

 

77

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

79

الموعظة القرآنية

79

طلّاب الشهادة

80

فضل الشهادة

80

أفضل البر

81

كفّارة الذنوب

81

أشرف الموت

82

أحب الأعمال إلى الله

82

حبّ الشهادة

83

بعض خصال الشّهيد

83

سبع خصال من الله

84

الشهداء أحياء

84

أهل البشرى والرزق الإلهي

86

الأمن من عذاب القبر

86

الشفاعة

86

مرافقة الأنبياء والصدّيقين والصالحين

87

ثلاث مواهب سنيّة

91

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

93

الموعظة القرآنية

93

الشهادة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام

95

طريق الشهادة

95

تمنّي الموت في سبيل الله

96

عدم الانشغال بالدنيا

98

خلوص النيّة

 

8


4

الفهرس

 

99

تذكّر الشهداء وزيارتهم

100

التآسّي بالإمام الحسين عليه السلام وأصحابه

107

الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب

109

الموعظة القرآنية

109

مقدّمة

110

وجوب إعداد عناصر القوّة

110

أهم عناصر القوة

110

تعلّم فنون القتال والسلاح

111

تنويع مصادر القوّة

112

تطوير الوسائل القتالية

113

هدفنا من الجهوزية القتالية

117

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

119

الموعظة القرآنية

119

ما هي الحرب النفسية

119

أهداف الحرب النفسية

120

كيف نواجه الحرب النفسية

121

توحيد صفوف المجاهدين وإيجاد الاختلاف في صفوف العدو

122

تقوية معنويات المجاهدين وإيجاد روحية الشك في صفوف العدو

124

الاستفادة من سلاح التبليغ والإعلام

126

إيجاد السكينة بين المجاهدين وإنزال الرعب في قلوب الأعداء

126

في معركة أحد

127

في فتح مكّة

127

في حرب صفين

128

في حرب الجمل

131

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

133

الموعظة القرآنية

 

9


5

الفهرس

 

133

كيف ننتصر؟

133

الإعداد العسكري الجيد

134

الإمدادات المعنوية والغيبية

135

إيجاد الخوف في قلوب العدو

136

نصرة الملائكة

137

إنزال السكينة على المؤمنين

138

كيف يمكن أن ننهزم؟

138

فقدان البصيرة

139

التفرقة

140

العصيان

141

المفاسد الأخلاقية

145

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

147

الموعظة القرآنية

147

رعاية العهود العسكرية

149

رعاية الأحكام الإنسانية في الحرب

150

النهي عن قتل النساء والعجّز والأطفال

150

النهي عن إلقاء السمّ في الماء والغذا

151

عدم إتلاف الزرع

152

عدم التمثيل بجثث القتلى

152

المعاملة بالمثل

152

الصلح ووقف إطلاق النار

153

التعامل مع الأسرى

155

الإجارة واللجوء

156

لسماع كلام الله والاطلاع على معارف الإسلام

156

إجارة العدو تؤدّي إلى قوة جبهة المجاهدين

 

10


6

المقدمة

 المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله الطاهرين.
 
هو باب الأولياء الذي فتحه الله لمن اصطفاهم من خلقه: "الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِه"1.
 
وأفضل من يتوسّل به المتوسّلون إلى ساحة لقائه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ2.

 

 
والمدرسة التي فيها يتعلّم فنون الحبّ والعشق الإلهي والفناء في ذات الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ3.

 

 
هو الجهاد الذي فضّل الله المنخرطين في ميادينه المختلفة على القاعدين، واللاهثين وراء دنيا فانية، وأوهام بالية: ﴿وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا4.

 

 
هو الجهاد الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخير كلّ الخير محصوراً في ظلّه: "الخير كله في السيف، وتحت ظلّ السيف"5.

1  السيد الرضي، محمد بن الحسن الموسوي، نهج البلاغة، خطبة 25.
2  سورة المائدة، الآية 35.
3  سورة الصف، الآية 4.
4  سورة النساء، الآية 95.
5  العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، تحقيق محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان ، السيد إبراهيم الميانجي، محمد الباقر البهبودي، ط 2 (المصحّحة)، بيروت، مؤسّسة الوفاء، 1403هـ.ق/ 1983م، ج97، ص9.
 
 
11

7

المقدمة

 هو سياحة أمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورهبانيّتها: "سياحة أمّتي ورهبانيّتها الجهاد"1، من هنا فإنّ الحديث عن الجهاد هو اختصار لحقيقة الإسلام، وعرض لمنهجه في تربية الإنسان، وبناء المجتمع الفاضل، مجتمع العدل والإنصاف، حيث لا ظلم ولا غصب ولا دماء، مجتمع يسوده الصفاء والتعاون والإخاء.

 
لذا كان من الضروري فهم حقيقة الجهاد وأبعاده وأهدافه الأساس، وإعادة تشكيل تلك الصورة الحقيقية والواقعية لهذا التكليف الإلهي.
 
وهذا الكتاب (باب الأولياء) ربّما لا يمثّل كامل رؤية الإسلام العميقة بشأن الجهاد وموقعيّته، بل هو أشبه بالمتن التدريسي الذي يُعرّف الإنسان المسلم على الرؤية الأوّلية المطلوبة للنفوذ إلى أعماق حقيقة الجهاد في الإسلام، وتكوين تصوّر أوّلي حول الجهاد وأبعاده المختلفة، وأنواعه. على أمل أن تتسارع الأسئلة إلى أذهاننا لتشكّل لنا دافعاً نحو المعرفة الأشمل وركوب سفينة النجاة الوحيدة في زمن أضحى الظلم فيه سمة الحياة اليومية، وفي عالم يحكمه الطغاة والمستكبرون. 

وهو القائل في كتابه العزيز﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ2، صدق الله العلي العظيم.

 


1  النوري، الشيخ حسين، مستدرك الوسائل،ج16، ص53، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، الطبعة الثانية، 1408 - 1988، بيروت، لبنان.
2  سورة البقرة، الآية 193.
 
 
12

8

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

 الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام



مفاهيم محوريّة:
1- ما هو الجهاد؟
2- الجهاد في الأديان السماوية.
3- ما هي أهمية الجهاد؟
 
 
13

9

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

 الموعظة القرآنية:

 

قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ1.

ما هو الجهاد؟
تشتّق كلمة "الجهاد" من "الجَهْد" و"الجُهْد" بمعنى "المشقّة والعناء" وبمعنى "الوسع والطاقة"، وعليه، يكون معنى الجهاد: بذل الوسع والطاقة وتحمّل المصاعب في مواجهة العدو.

وقد استخدم القرآن المجيد في آياته - التي تحدّثت عن هذا الموضوع - مفردتين اثنتين هما: الجهاد والقتال.

وتطلق كلمة الجهاد غالباً على عملية صَدِّ العدوّ عن طريق الحرب، إلاّ أنّ معناها يتّسع ليشمل دفع كلّ ما يمكن أن يُصيب الإنسان بالضرر، كالمواجهة مع الشيطان الذي يُضلّ الإنسان، أو النفس الأمّارة التي تدعو إلى ارتكاب السيئات، حيث وصفت بعض الروايات مخالفة هوى النفس بالجهاد الأكبر، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر"2.

1  سورة البقرة، الآية 216.
2  بحار الأنوار، ج67، ص 65.
 
 
 
15

10

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

 وقد اعتبر بعض المفسِّرين أنّ آيات الجهاد الواردة في القرآن الكريم ناظرة في الواقع إلى هذين النوعين من الجهاد: جهاد النفس وجهاد العدو.


فعلى سبيل المثال، يرى العلّامة الطباطبائي أنّ معنى الجهاد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ1، وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ2، أعمُّ من الجهاد الأصغر والأكبر، بدليل القرائن الموجودة في هذه الآيات نفسها.

وكذلك، فسّر العلّامة الطبرسي معنى الجهاد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ3 بجهاد الكفّار، وبمجاهدة أهواء النفس4.

أمّا كلمة "القتال" فهي بمعنى الحرب، ولم تستعمل في القرآن المجيد سوى للإشارة إلى الحرب مع العدو الظاهري والخارجي.

وأمّا اصطلاحاً فقد عرّف الفقهاء الجهاد بأنّه: "بذل النفس وما يتوقّف عليه من المال في محاربة المشركين أو الباغين على وجه مخصوص أو بذل النفس والمال والوسع في إعلاء كلمة الإسلام، وإقامة شعائر الإيمان"5.

وحدّد الإمام الخامنئي معنى الجهاد ومعياريّته، حيث قال: "الجهاد هو كلّ كفاح من أجل تحقيق هدف سامٍ مقدّس. والملاك في صدق الجهاد هو أن تكون هذه الحركة موجّهة، وتواجه عقبات تنصبّ الهمم على رفعها. فهذا هو الكفاح. والجهاد 

1  سورة المائدة، الآية 35.
2  سورة الحج، الآية 78.
3  سورة العنكبوت، الآية 69.
4  يُراجع، تفسير مجمع البيان: الشيخ الطبرسي، تحقيق وتعليق لجنة من العلماء والمحققين، ط1، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1415هـ.ق/ 1995م، ج8، ص41.
5  الشيخ الجواهري، جواهر الكلام، تحقيق وتعليق الشيخ عباس القوجاني، تصحيح الشيخ محمد الآخوندي، ط3، طهران، دار الكتب الإسلامية، مطبعة حيدري، 1362 هـ.ش، ج21، ص3.
 
 
 
16

11

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

 هو مثل هذا الكفاح الذي إذا كان ذا منحى وهدف إلهي فسيكتسب بذلك طابعاً قدسياً"1.


الجهاد في الأديان السماوية
يتمتّع الجهاد في جميع الأديان الإلهية بمكانة خاصة. فعلى الرغم ممّا يتصوره بعض الأفراد من أنّ الجهاد منحصر بالدين الإسلامي، ينبغي أن نعلم بأنّ جهاد الظلَمة والطواغيت كان على رأس أهداف كلّ الأنبياء والرسل عليهم السلام.

ويكشف لنا التحقيق في الآيات والروايات، وحتى في الكتب المعرِّفة للأديان السابقة أنّ سائر الأنبياء عليهم السلام قد قاموا بمواجهة الظَلَمَة كلٌّ في زمانه، وقد أدّت هذه المواجهات إلى وقوع الحروب وسفك الدماء.

وقد صرّح القرآن الكريم بدوره عن القتال العسكري للأنبياء عليهم السلام، حيث يقول تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ2. ومعنى الآية أنّه في الوقت الذي أمر الله تعالى به الأنبياء بالجهاد برز رجال لله شديدو الإخلاص، استجابوا لنداء الجهاد وقاتلوا في ركاب الأنبياء ضدّ الكفّار والمشركين.

وقد وردت الإشارة أيضاً في آيات أخرى إلى جهاد بعض الأنبياء عليهم السلام، من قبيل ما ذُكر بشأن الأمر لموسى عليه السلام وأتباعه بالحرب والجهاد لأجل الدخول إلى الأرض المقدَّسة ﴿وهي بيت المقدس أو كل بلاد الشام﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ3.
 

1  الجهاد من وجهة نظر الإمام السيد علي الخامنئي دام ظله، نقلاً عن: WWW.KHAMENEI.Ir.
2  سورة آل عمران، الآية 146.
3  سورة المائدة، الآية 21.
 
 
17

 


12

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

 وفي آية يصوّر لنا القرآن دور داوود عليه السلام كجندي مضحّي في الحرب ضدّ جيش جالوت الظالم، وكيفَ أنّ هذا النبي عليه السلام بإقدامه على الجهاد وقتله لجالوت قد عمل بتكليفه، وكيف آتاه الله الملك والحكمة، وعلّمه ممّا يشاء بعد ذلك: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ1.


ويشير تعالى كذلك في سورة النمل إلى التهديد العسكري الذي وجّهه سليمان عليه السلام إلى ملكة سبأ، والذي هدّد المشركين فيها بالحرب إن هم لم يقبلوا دعوته الإلهية: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ2.

وقد جاء في الروايات أنّ إبراهيم عليه السلام ذهب إلى حرب الروم بهدف إنقاذ لوط عليه السلام من أيديهم، وأنّه كان أوّل شخص قام للجهاد في سبيل الله: "إنّ أوّل من قاتل في سبيل الله إبراهيم الخليل عليه السلام، حيثُ أسرتِ الروم لوطاً عليه السلام فنَفرَ إبراهيم عليه السلام واستنقذه من أيديهم"3.

أمّا بشأن الأنبياء عليهم السلام الذين يذكر بأنّهم توجّهوا إلى الحرب، فينبغي أن نقول بأنّنا:
أوّلاً: لا نملكُ معلومات كاملة ودقيقة عن تاريخهم، حيث لم تُذكر تفاصيل حياتهم ودعوتهم لا في القرآن، ولا في أيّ كتاب آخر.
وثانياً: إنّ أكثرهم كنوحٍ وهودٍ وصالحٍ عليهم السلام عاشوا وضعاً مشابهاً لوضع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة، إذ ليس فقط لم يكن لديهم عدد كافٍ من الأصحاب لإقامة الحكومة، وتشكيلها، بل كان أعداؤهم يحيطون بهم من كلّ جانب 

1   سورة البقرة, الآية 251.
2   سورة النمل، الآية 37.
3  بحار الأنوار، ج12، ص15.
 
 
18

 


13

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

 أيضاً، ولم يكن أمامهم من فرصة للحرب والقتال مطلقاً. وقد كان حال عيسى عليه السلام بين الناس على هذا النحو في أيّامه، وأمّا انتشار دعوته وقبول الناس لدينه فقد تزامن مع ظهور الإسلام عملياً1.


ما هي أهمّيّة الجهاد؟
عندما نتفحّص آيات القرآن الكريم والروايات الشريفة نجد أنّه قلّما نزلت آيات بشأن فرعٍ من فروع الدين الإسلامي كما هو الحال بشأن الجهاد. فقد نزلَ البعضُ منها بلسان صريح، مستعملة مفردتي الجهاد والقتال، في حين نزل البعض الآخر بلسان غير مباشر، وبقصد تفصيل المسائل الجانبية المتعلّقة به:
 
أفضل من الحج:
ولأجل أن يبيّن القرآن المجيد أهمّيّة الجهاد، عمد إلى مقارنته بخدمة الحجّاج وعمارة المسجد الحرام، ثم صرّح بأفضلية الجهاد على ذلك، حيث قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ2، وكل الآيات التي تحدّثت عن علوّ منزلة المجاهدين في سبيل الله، تحكي في الوقت نفسه عن أهمّيّة الجهاد وفضله.

الفوز العظيم:
وقد صرّح القرآن الكريم بأنّ الله نفسه يشتري أرواح المؤمنين المجاهدين، وأموالهم، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم 

1  يُراجع: الميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي قدس سره، قم المقدّسة، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، ج2، ص68.
2  سورة التوبة، الآيتان 19 و20.
 
 
 
19

14

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

 بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ1.


البشرى والرضوان:
واعتبر الله تعالى المجاهدين هم الفائزون حقيقة في هذا العالم وبشّرهم برحمة منه ورضوان، وجنّات تجري من تحتها الأنهار، وخصّهم بها دون العالمين: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ2.

خير الأعمال:
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ3.

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "الخير كلّه في السيف، وتحت ظلّ السيف ولا يقيم الناس إلا السيف، والسيوف مقاليد الجنّة والنار"4.

أفضل الأعمال:
إنّ تحريك العواطف الإنسانية وحثّ الناس على الجهاد كما في قوله تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم 

1  سورة التوبة، الآية 111.
2  سورة التوبة، الآيتان 20 و21.
3  سورة البقرة، الآية 216.
4  بحار الأنوار, ج97، ص9.
 
 
 
20

15

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

 مُّؤُمِنِينَ1، واستخدام لسان الأمر: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ2، واللجوء إلى التوبيخ، واللوم والتهديد، وبيان عقاب تاركه: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ3. وقسمَ القرآن بأنفاس خيول المجاهدين العادِيَةْ، وقدحِ النار من تحت حوافرها، والغبار المتصاعد من حركتها السريعة: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا4، كل ذلك شاهد على عظمة الجهاد.


روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعث بسريّة كان فيها ابن رواحة، وتحرّك الجيش مع الفجر نحو المنطقة المحدّدة، ولكنّ ابن رواحة تخلّف عنه ليصلّي وراء النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. وبعد الصلاة، رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ألم تكن في ذلك الجيش؟ فأجاب: بلى، ولكنّي أحببتُ أن أصلّي خلفك هذه الصلاة ثم ألحقَ بهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "والذي نفسُ محمدٍ بيده لو أنفقتَ ما في الأرض جميعاً ما أدركتَ فضلَ غدوتهم"5.

أحبّ الأعمال:
أشار تعالى إلى أنّ المجاهدين هم في الحقيقة أحباؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ6.

وعن أبي ذرّ الغفاري سأل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله عزّ وجلّ؟ فقال: إيمان بالله، وجهادٌ في سبيله. قال: قلتُ: فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: من عقرَ جواده وأُهرقَ دمُه في سبيل الله"7.

1  سورة التوبة، الآية 13.
2  سورة البقرة، الآية 244.
3  سورة التوبة، الآية 1.
4  سورة العاديات، الآيات 1 - 4.
5  الترمذي، جامع الصحيح، تحقيق وتصحيح: عبد الرحمن محمد عثمان، ط2، بيروت، دار الفكر، ج2، باب ما جاء في السفر يوم الجمعة، ح525، ص20.
6  سورة الصف، الآية 4.
7  بحار الأنوار، ج97، ص11.
 
 
21

16

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

 درع الله:

وفي خطبة خطبها أمير المؤمنين عليه السلام في أواخر عمره، حيث يقول: "إنّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنّة، فتحهُ الله لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودِرعُ الله الحصينةُ، وجُنّتهُ الوثيقة"1.

سنام الإسلام:
وعن أبي جعفر عليه السلام، حيث قال لأحد أصحابه: "ألاَ أُخبرك بالإسلام وفرعه وذروته وسنامه؟ قال: قلتُ: بلى جعلت فداك، قال عليه السلام: أمّا أصله فالصلاة، وفرعه فالزكاة، وذروته وسنامه الجهاد..."2.

وبالإضافة إلى ما ذُكِرَ منَ الآيات والروايات، فإنّ التدقيق في دور الجهاد في الإسلام، ومنزلته بالنسبة لسائر الواجبات الدينية، يطلعنا أيضاً على أهمّيّته وعظمته. فالجهاد الدفاعي سبب في توفير الأمن، والذي في ظلّه فقط يمكن إقامة سائر الواجبات والحدود الإلهية.

وفي الجهاد الابتدائي أيضاً رفع للموانع من أمام تبليغ الدين الإلهي، وهو ما يسبّب في ميل عدد من المجتمعات البشرية نحو الدين الحقّ، ومن الواضح أنّه مع تحقّق هذا الميل وازدياد عدد المسلمين يصبح بالإمكان إرساء قواعد حكومة العدل وتنفيذ الأحكام الإسلامية بشكل واسع.

وباختصار، إنّ تبليغ أصول الدين والعمل بفروعه، مرهون في كثيرٍ من الموارد بأداء هذه الفريضة الإلهية الكبرى، وهو ما يدلّ بدوره على عظمتها.

1  نهج البلاغة، الخطبة 27.
2  بحار الأنوار، ج66، ص392.
 
 
22

17

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

المفاهيم الرئيسة

 

1- الجهاد لغة هو بذل الوسع والطاقة وتحمّل المصاعب في مواجهة العدو.


2- تطلق كلمة الجهاد غالباً على عملية صَدِّ العدو عن طريق الحرب، إلاّ أنّ معناها يتّسع ليشمل دفع كل ما يمكن أن يصيب الإنسان بالضرر.

3- الجهاد اصطلاحاً هو: "بذل النفس والمال والوسع في إعلاء كلمة الإسلام وإقامة شعائر الإيمان".

4- حدّد الإمام الخامنئي معنى الجهاد ومعياريّته، حيث قال: "الجهاد هو كل كفاح من أجل تحقيق هدف سامٍ مقدّس".

5- أولت الشريعة الإسلامية الجهاد أهمّية كبرى, حيث وردت آيات وروايات عدّة تبيّن أهمّية الجهاد ودوره في حفظ الدين والمجتمع والدولة.
.
 
23

18

الدرس الأول: الجهاد ومنزلته في الإسلام

 

 

 24

 

 


19

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد



مفاهيم محورية:
1- الجهاد هو المعيار الأساس.
2- الجهاد الثقافي.
3- الجهاد السياسي والاقتصادي.
4- الجهاد المالي.
 
 
 
25

20

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ1.

الجهاد هو المعيار الأساس
تمثّل الحرب المسلّحة بعداً واحداً من أبعاد الجهاد، وهو البعد المادّي في مقابلة العدو, إلا أنّ أعداء الإسلام لا يأتون لحربه دائماً عن طريق الأسلحة وعبر جبهةٍ واحدة، بل يختارون طرقاً مختلفة لتحقيق أهدافهم المشؤومة، حيث تُعدُّ مواجهتهم على هذه الجبهات "جهاد في سبيل الله" أيضاً.
 
وإنّ الساحات السياسية والأمنية والصناعية والاقتصادية والثقافية والعلمية والفنية... من الممكن أن تُبدَّل إلى ساحة حرب للحقّ ضد الباطل، وعلى المؤمنين أن يذهبوا لحرب العدو في هذه الساحات بكامل قواهم، وأن يجاهدوا لأجل إعلاء كلمة الحقّ. ومن الواضح أنّ مجاهدي هذه الميادين هم العلماء والكتّاب والقوى الإعلامية والفنّانون... كما أنّ أسلحتها هي العلم والقلم والبيان والفن...
 
ويشير الإمام الخامنئي إلى هذه الأبعاد بقوله: "وللجهاد ميادينه، ومن ميادينه

1  سورة التوبة، الآية 36.
 
 
27

21

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 المشاركة في القتال المسلّح. وهناك الميدان السياسي، وميدان العلم، وكذلك الأخلاق. وليس الجهاد مجرّد قتال وتوجّه إلى سوح الحرب. فالسعي في ميادين العلم، والأخلاق، والتعاون السياسي، والبحث العلمي يعدّ أيضاً جهاداً. وصنع الثقافة والأفكار السليمة في المجتمع هو أيضاً جهاد. فإذن، ليس المعيار الجهاد بالسيف في ساحات القتال، وإنّما المعيار هو الكفاح، ولا بدّ للكفاح من أمرين لازمين: أحدهما أن يكون فيه جدّ وجهد وحركة، والثاني أن يكون في مقابل الأعداء"1. وفيما يلي، نوضح أبرز أبعاد الجهاد المشار إليها.


الجهاد الثقافي
لقد أمر الله تعالى بالمواجهة الثقافية للعدو، وقال لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا2.
 
ولمّا كانت هذه الآية قد نزلت في مكة، فهي لا تحمل إشارة إلى الجهاد في ميدان الحرب، ذلك أنّ حكم الجهاد لم يكن قد شُرّع بعد في مرحلة وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة. فطوال ثلاث عشرة سنة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسكن فيها بمكة، عكف من خلال تبليغ القرآن للناس، والدعوة والتبليغ، وتحمّل الأذى على هذا الجهاد الثقافي العظيم.
 
وممّا يستفيده العلّامة الطبرسي من قيد "جهاداً كبيراً" في الآية، أنّ الجهاد الثقافي والردّ على شبهات الكفّار وأعداء الدين هو أثمن أنواع الجهاد عند الله تعالى وأعظمها .
 
واليوم تُعدّ مواجهة الغزو الثقافي الغربي للإسلام والمسلمين من المصاديق البارزة لجهاد أعداء دين الله أيضاً، وذلك أنّهم يسعون بكلّ وسيلة ممكنة وعن طريق

1  الجهاد من وجهة نظر الإمام السيد علي الخامنئي دام ظله، نقلاً عن: WWW.KHAMENEI.Ir.
2  سورة الفرقان، الآية 52.
3  يُراجع، مجمع البيان، للشيخ الطبرسي، ج7، ص175.
 
 
 
28

22

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 خداع الشباب إلى جرّهم نحو الفساد وإهمال القيم الدينية والإنسانية. وهذا بدوره يفرض ضرورة انتباه المراكز التي تُعنى بالشأن الثقافي إلى أهمّيّة التواجد في جميع الساحات بكامل الأهبّة والاستعداد، للقيام بنشر المعارف الإسلامية الأصيلة إضافة إلى ما يؤدّونه من مواجهة الثقافة المنحرفة وتحطيمها.

 
وهو ما أشار إليه الإمام الخميني قدس سره في وصيّته السياسية - الإلهية وحثّ عليه، داعياً الحوزة العلمية والجامعة وأهل القلم إلى أن يعوا رسالتهم العظيمة ويعملوا بها.
 
ومما قاله قدس سره في وصيّته: "أوصي الجامعيين والشبّان الراشدين الأعزّاء أن يبذلوا غاية وسعهم لجعل عقد المحبّة والانسجام مع علماء الدين وطلّاب العلوم الإسلامية أكثر استحكاماً، وان لا يغفلوا عن مخطّطات ومؤامرات العدو الغادر. فإنّ خطّتهم تقضي بحرف الشبّان عن ثقافتهم وآدابهم وقيمهم المحلية، وجرّهم نحو الشرق أو الغرب"1.
 
وقال قدس سره: "من جملة المخطّطات التي تركت - وللأسف - أثرها الكبير في مختلف البلدان وفي بلدنا العزيز - والتي ما زالت بعض آثارها باقية بنسب كبيرة - هي جعل الدول المستعمرَة تعيش حالة فقدان الهوية والانبهار بالغرب والشرق، إلى درجة تجعل هذه البلدان تحتقر ماضيها وثقافاتها وقدراتها وتعتبر الغرب والشرق القطبين المقتدرين والعنصرين المتفوّقين أولي الثقافة الأسمى وأنّهما قبلة العالم وتجعل من الارتباط بأحدهما أمراً مفروضاً لا يمكن الفرار منه. والحديث حول هذه المؤامرات حديث محزن وطويل والضربات التي تلقّيناها – وما زلنا – من هؤلاء المستكبرين قاتلة ومدمّرة. والأشدّ إيلاماً من كلّ ذلك هو حرص أولئك على إبقاء الشعوب المظلومة المستعمرَة متخلِّفة في كلّ شيء وجعل دولهم دولاً استهلاكية. فقد أذعرونا من تقدّمهم ومن قدراتهم الشيطانية إلى حدّ سلبنا الجرأة على المبادرة 

1  الإمام الخميني، الوصية السياسية الإلهية.
 
 
29

23

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 بالقيام بأيّ إبداع ودفعنا للتسليم لهم في كلّ الأمور وتفويضهم مصائرنا وبلادنا والانصياع لأوامرهم انصياعاً أعمى وأصم. وهذا الخواء والفراغ العقلي المفتعل جعلنا لا نعتمد على فكرنا وإبداعنا في أي أمر ونقلّد الشرق والغرب تقليداً أعمى، بل إن الأمر بلغ حداً جعل الكتاب والخطباء الجهلة المأسورين للغرب أو الشرق يتناولون بالانتقاد والسخرية ويدمّرون كلّ ما لدينا من الثقافة والأدب والصناعة والإبداع للقضاء على فكرنا وإمكاناتنا الذاتية وزرع اليأس والقنوط لدينا، مروّجين - بدلاً من ذلك - للعادات والتقاليد الأجنبية - رغم انحطاطها وابتذالها - وذلك بالقول والكتابة والسلوك العملي"1.


الجهاد السياسي والاقتصادي
من الميادين الأخرى للجهاد الميدان السياسي والاقتصادي، فينبغي التوجّه أيضاً نحو قتال العدو وسدّ منافذ تسلّطه وسيطرته على المجتمع الإسلامي في المجالين السياسي والاقتصادي, لأنّ القرآن قد صرّح لأول مرّة وبمنتهى القاطعية - بأنّ الله سيقطع جميع الطرق والسبل أمام تسلّط الكافرين على المؤمنين - ولهذا السبب، يجب علينا أن نجدّ في السعي من أجل تنفيذ هذا القانون الإلهي، حيث يقول تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً2.
 
ومن هنا، تقع على المسلمين مسؤولية الانتباه لتحرّكات العدو على مثل هذه الجبهات بمنتهى الوعي واليقظة، وأن لا يسمحوا له عن طريق تقدّمه التكنولوجي والاقتصادي أو عن طريق سوء الاستفادة من الروابط التجارية، والإمكانات السياسية والمؤسّسات الدولية، أن يمتلك زمام المبادرة للإضرار بالمجتمع الإسلامي، وبالتالي أن يستعمره ويستغلّه، وينفث سمومه العقائدية والفكرية في داخله.

1  الإمام الخميني، الوصية السياسية الإلهية.
2  سورة النساء, الآية 141.
 
 
30

24

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 ولذا نجد الإمام الخميني من موقع مرجعيّته الدينية، وببصيرته الثاقبة، يشير إلى سُبل تسلّط العدو على المجتمع الإسلامي، ويدعو إلى يقظة الأمة الإسلامية ومشاركتها في الجهاد، قبل أن يتمكّن العدوّ من السيطرة، وهو لهذا الغرض قد أفتى قائلاً: "لو خِيفَ على حوزة الإسلام من الاستيلاء السياسي والاقتصادي المُنْجَرّ إلى أسرهم السياسي والاقتصادي، ووهنِ الإسلام والمسلمين وضعفهم، يجب الدفاع بالوسائل المشابهة والمقاومات المنفية، كترك شراء أمتعتهم، وترك استعمالها وترك المراودة والمعاملة معهم مطلقاً"1.

 
ولقد اعتبر الإمام الخميني قدس سره مثل هذه الروابط السياسية وعقد الاتفاقات المخالفة لمصلحة الإسلام والمسلمين، والتي تؤدّي إلى نفوذ الأجانب وتسلّطهم، اعتبرها عملاً محرّماً.
 
كما ويشير إلى أنّه إن أذعن بعض قادة الدول الإسلامية ووقّعوا مثل هذه الاتفاقات، فقد خانوا، ويُعدُّون معزولين من مقامهم.
 
وفي المقابل، يجب شرعاً على المسلمين في مثل هذه الأحوال أن يواجهوا إلى أن تنقطع سيطرة الكفار عن بلاد المسلمين، إلى أن يصير النصر حليف المؤمنين على هذه الصُّعُد أيضاً2.
 
الجهاد المالي
ويُعدّ الجهاد المالي من الميادين الأخرى للجهاد, حيث اعتبر القرآن المجيد أنّ الجهاد على قسمين: جهاد بالمال وجهاد بالروح، وبالإضافة إلى أنّه أوصى بالجهاد مطلقاً - وهو ما يشمل هذين القسمين معاً - نجدهُ قد ذكر كلاًّ من هذين القسمين في إحدى عشرة آية. وكمثال، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ 

1  الإمام الخميني قدس سره، تحرير الوسيلة، بيروت، دار التعارف، 1424هـ.ق، 2003م، ج1، ص437.
2  يُراجع: تحرير الوسيلة، ج1، ص437-438.
 
 
31

25

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ1.

 
وفي عشر من الآيات التي ورد فيها ذكر الجهاد بالمال جنباً إلى جنب مع الجهاد بالنفس، يُلاحظ تقدّم الحديث عن الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس. ومن الممكن أن تكون حكمة هذا التقديم هي الآتي:
أولاً: أنّ الجهاد بالمال يُمثّل في الغالب مقدّمة للوصول إلى الجهاد بالنفس، حيث لا بدّ للمجاهدين من صرف مقدار من أموالهم في تهيئة عدّة الجهاد وعتاده، وذلك قبل التوجّه إلى الجبهة ومواجهة العدو.
 
ثانياً: أنّ أكثر المسلمين إن لم نقل جميعهم يحوزون شروط الجهاد بالمال، في حين أنّ الجهاد بالنفس هو نصيب أفرادٍ محدّدين يمتلكون شروط المشاركة فيه. فمع أنّ القاعدين عن الخروج إلى الحرب بسبب الكهولة أو المرض... بالإضافة إلى النساء هم معذورون عن المشاركة في الجهاد بالنفس، إلاّ أنّه يجب عليهم بقدر الاستطاعة أن يشاركوا في الجهاد بالمال. وعليه، فدائرة الجهاد بالمال أوسع من دائرة الجهاد بالنفس وأكثر شمولاً لأفراد المسلمين.
 
وفقط في مورد واحد ذُكِرَ الجهاد بالنفس قبل الجهاد بالمال، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ2، والسبب في ذلك أنّ الله تعالى قد أشار فيها إلى نفسه باعتباره مشتري أرواح المؤمنين وأموالهم، ومن الطبيعي حينئذٍ أنّه ينبغي أن يختار تقديم البضاعة الأَنْفَس.

1  سورة التوبة، الآية 20. 
2  سورة التوبة، الآية 111.
 
 
32

26

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 الجهاد بالمال في الروايات:

وكذلك، جاء ذكرُ الجهاد بالمال والجهاد بالروح معاً في الروايات. ونذكر على سبيل المثال منها، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله عزّ وجلّ ليُدخل في السهم الواحد الثلاثةَ الجنّةَ: عامل الخشبة والمقوي به والرامي به في سبيل الله"1.
 
وفي بعض الروايات، اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم المجاهدين بأموالهم كمن يُجاهدون بأرواحهم، حيث ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من جهّز غازياً بسِلْكٍ أو إبرة غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر"2.
 
ولقد كان المؤمنون في صدر الإسلام يُقدِمون على الجهاد بالمال بالرغم من صعوبته، حيث كان كلُّ شخص يُنفق في سبيل الله بما يتناسب مع وضعه المالي، ولو مقدار شقّ تمرة3. وفي بعض الأحيان، كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يطلب من الأشخاص الذين كانوا يفتقدون جرأة الخروج إلى القتال، أن يؤدّوا تكليفهم بالجهاد المالي، مع أنّ للجهاد المسلّح منزلة خاصة في نفسه، حيث ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من جَبُنَ من الجهاد فليجهّز بالمال رجلاً يجاهد في سبيل الله، والمجاهدُ في سبيل الله إن جُهِّز بمال غَيره، فله فضل الجهاد، ولِمن جهّزه فضل النفقة في سبيل الله، وكلاهما فضلٌ، والجود بالنفس أفضلُ في سبيل الله من الجود بالمال"4.
 
ومن الواضح كما أورد الفقهاء في كتاب الجهاد أنّ المقاتلين في جيش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا مكلّفين بتأمين جيادهم وأسلحتهم من أموالهم.

1  الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط3، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1367هـ.ش، ج5، باب فضل ارتباط الخيل، ح13، ص50.
2  مستدرك الوسائل، ج11، ص24.
3  يُراجع، مجمع البيان، للشيخ الطبرسي، ج5، ص54.
4  مستدرك الوسائل، ج11، ص24.
 
 
 
33

27

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 هدفنا من الجهاد المالي

مع أنّ المصداق البارز للجهاد بالمال هو الإنفاق والصرف في الجبهات العسكرية، إلاّ أنّه بالالتفات إلى أبعاد الجهاد، يُعلمُ بأنّ الجهاد المالي لا ينحصر في المجالات العسكرية، بل ينبغي عدم الامتناع عن بذل المال في سائر المجالات، ويجب - مع رعاية الإمكانات والظروف الموجودة والاحتياجات اللازمة - الإنفاق في كلٍّ منها، وإفشال أهداف العدو.
 
ولكن يبقى أنّه كما يستلزم الدفاع والجهاد في سبيل الله صرف أموال كثيرة لأجل هذا الغرض، كذلك الأمر بالنسبة لامتلاك الجهوزية الدفاعية وتهيئة أسباب الردّ على الحملات المفاجئة للعدو.
 
وعلى الرغم من أنّ سدّ هذه الحاجة وتأمين الميزانية اللازمة هو من ضمن مسؤوليات الحكومة الإسلامية، إلاّ أنّه يجب أيضاً على الشعب أن ينفق بقدر استطاعته من أجل تأمين مصاريف الحرب والدفاع.
 
ولكي يشجّع الله تعالى الناس على الإنفاق في هذا الطريق، بشّرهم بأنّ كلّ ما ينفقونه من أجل تأمين الجهوزية الحربية، سوف يُرَدّ إليهم. حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ1.
 
فهذا الوعد الإلهي يبعث الأمل في نفوس المؤمنين، ويدفعهم إلى الإنفاق في سبيل الجهاد بطمأنينة, لأنّ هذه المعاملة هي مع الله، وأنّ الله سوف يُثيبهم على ما فعلوا في هذه الحياة أو في الحياة الآخرة.

1  سورة الأنفال، الآية60.
 
 
34

28

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 المفاهيم الرئيسة

1- للجهاد ميادينه، ومن ميادينه المشاركة في القتال المسلّح. وهناك ميادين أخرى، منها:الميدان الثقافي، والميدان السياسي، والميدان الإقتصادي، والميدان المالي.
 
2- الجهاد الثقافي: تُعدّ مواجهة الغزو الثقافي الغربي للإسلام والمسلمين من المصاديق البارزة لجهاد أعداء دين الله، وذلك أنّهم يسعون بكلّ وسيلة ممكنة وعن طريق خداع الشباب إلى جرّهم نحو الفساد وإهمال القيم الدينية والإنسانية.
 
3- الجهاد السياسي والاقتصادي: من خلال سدّ منافذ تسلّط العدو وسيطرته على المجتمع الإسلامي في المجالين السياسي والاقتصادي، والحؤول دون أن يمتلك زمام المبادرة للإضرار بالمجتمع الإسلامي، وبالتالي أن يستعمره ويستغلّه.
 
4- الجهاد المالي: باعتبار أنّ إعداد القوّة العسكرية والجهوزية التامّة تحتاج إلى دعم مالي كبير، إضافة إلى دعم الميادين السياسية والثقافية والعلمية والتربوية باعتبارها من الميادين التي يمكن أن ينفذ العدو من خلالها للإضرار بالمجتمع الإسلامي والتسلّط عليه.
 
 
35

29

الدرس الثاني: تنوّع سوح الجهاد

 

 

36


30

الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد

 الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد



مفاهيم محورية:
1- العزّة والرفعة.
2- الحياة والحركة.
3- الاكتفاء الذاتي، والاعتماد على النفس.
4- فصل الحق عن الباطل.
5- التوحّد في وجه الباطل.
6- معرفة الصديق من العدو.
7- الغلبة والنصر.
 
 
37

31

الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ1.
 
تمهيد
كما هو الحال في سائر العبادات، فإنّ لتأدية الجهاد بنيّة خالصة في سبيل الله آثاراً كثيرة، سيظهر البعض منها في دار الدنيا والبعض الآخر في يوم القيامة والدار الآخرة. ونحن سنقوم ببيان هذه الآثار بالاستفادة من الآيات والروايات:
 
العزّة والرفعة
ترتبط حياة المجتمع بحياة أفراده. فالمجتمع الذي يتواجد فيه أشخاص مجاهدون بفعاليّة، يبقى في حالة دائمة من النشاط والتقدّم السريع، ويحافظ على دوامه واستمراريّته، ولكنّ المجتمع الذي يحوي أفراداً ضعافاً وخاملين، وبلا تأثير، هو مجتمع ميّت.

1  سورة المائدة، الآية66.
 
39

32

الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد

 ومن هنا، يُعدُّ حفظ حياة المجتمع الإسلامي من أفضل آثار الجهاد، حيث يكونُ الجميع فيه مستعدين للدفاع عن الدين الإلهي وعن المظلومين، وللهجوم على العدو في الفرصة المناسبة, لإبطال كيده وإضعافه أو القضاء عليه. وتفويت فرصة امتلاك العدو قدرة التسلّط والاعتداء على أموال المسلمين وأرواحهم وأعراضهم وحقوقهم.

 
فمثل هكذا مجتمع يقضي حياته بعزّة ورفعة، وطالما أنّه يحافظ على هذه الروحية فلن يُبتلى بالذلّ أبداً. وقد عرّف القرآن المجيد الجهاد بعنوانه منشأ صيانة المجتمعات الإيمانية ضدّ أذى الكفّار والمشركين، حيث يقول تعالى بعد توجيه الأمر إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالحرب: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً1.
 
وإنّ تاريخ صدر الإسلام هو خير شاهد على هذا المدّعى. فإلى الحين الذي تمسّك فيه المسلمون بالجهاد، وحافظوا على زمام المبادرة بالهجوم في أيديهم، كانوا يعيشون مكلّلين بالنصر والعزّة. ولكن في ذلك الوقت الذي تركوا فيه الجهاد وسعوا وراء الدنيا، وجلسوا على عرش الرئاسة، وانصرفوا إلى الملذّات، فقدوا مكانتهم، وهجم عليهم أعداء الداخل والخارج، وأبادوا مجدهم وعظمتهم.
 
ولقد شهدنا في العصر الأول توسّع نفوذ الحكومة الإسلامية، ووصول نداء التوحيد والعدل إلى أكثر بلاد تلك الأزمنة. غير أنّنا شهدنا بعد ذلك أفول الحكومة الإسلامية، وانفصال البلاد المفتوحة، بل وحتى عودة عدد من المسلمين الجدد إلى أديانهم السابقة.
 
فإنّ العزّة والرفعة اللذين يحدثان على أثر الجهاد يمتدُّ أثرهما أحياناً إلى الأجيال اللاحقة، ولا يقتصران على الجيل الحاضر. وعلى هذا الصعيد، يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أُغزوا تُورِّثوا أبناءكم مجداً"2.

1  سورة النساء، الآية 84.
2  الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج15، باب 1 من أبواب الجهاد، ح16، ص15.
 
 
40

33

الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد

 ويشير الإمام الخامنئي إلى ذلك بقوله: "أوج عظمتكم المعنوية الملفتة هو في هذه الناحية الخفية، حيث كنتم تعون ماذا تفعلون وتعرفون لأي شيء تقاتلون. وإذا كان هذا سند عملكم الوحيد فسيرتجف العدو عندئذ من سماع اسمكم، فكيف وأنتم أرفع من ذلك، حيث سمعتم بآذانكم المعنوية النداء القرآني السماوي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ1"2.

 
الحياة والحركة
حيث يدفعُ حصول الحرب وما ينتج عنها من مشكلات الناس إلى التحرّك، فتصير سبباً لاهتمام الجميع بالسُّبل الآيلة إلى صدّ العدو.
 
وهذا الأمر، يمنعُ أكثر أفراد المجتمع عن الخوض في الأمور الجزئية وغير المفيدة، ويبدّل روحيّة حبّ الاسترخاء والرفاه إلى روحيّة السعي والجدّ وارتفاع المعنويات القتالية. والجهود والقدرات العسكرية تعدُّ أيضاً من أفضل الآثار التي تنشأ على أثر تحرّك القوى.
 
وفي سياق بيانه أنّ الحرب تُخرج الناس من حالة الخمود وتُجبرهم على التحرّك، يقول الإمام الخميني قدس سره: "تُعدّ الحرب أمراً جيداً من بعض النواحي، وذلك أنّها تُبرِز الشجاعة الموجودة في داخل الإنسان، وتؤدّي إلى تحريكه وإخراجه من حالة الخمود... فإنّ قوى الإنسان تتّجه دائماً نحو الخمود، وأولئك الذين يعتادون على الرخاء والرفاهية خصوصاً، سيكون حالهم أسوأ، ولكن عندما تقع حرب ما وتتجلّى خلالها الملاحم... ولا يبقى إلاّ صوت المدافع، فكلُّ ذلك يُخرج الإنسان من حالة الخمود والضعف، فتظهر حقيقة الإنسان وتبرز فعاليّته وطاقاته إلى العلن"3.

1  سورة سبأ، الآية 46.
2  پيام انقلاب، ص49.
3  بلاغ، سخنان موضوعى، امام خميني قدس سره، سازمان تبليغات اسلامى، ج3، ص272.
 
 
41

34

الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد

 الاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس

تؤدّي الحربُ إلى إيجاد صعوبات جمّة، وإلى وقوع المجاهدين تحت وطأة الحصار أحياناً. وهذه الضغوط نفسُها تدفع بالشعب إلى قطع يد الاعتماد على الأجانب، والى الاعتماد على النفس في المقابل.
 
فعامل الاعتماد على النفس والسعي لأجل رفع الاحتياجات عن طريقه، يؤدّي إلى نموّ الأدمغة ونضجها، ولهذا السبب قال الإمام الخميني قدس سره: "لقد كانت هذه الحرب، وهذا الحصار الاقتصادي وإخراج الخبراء الأجانب هدية إلهية كنّا غافلين عنها. واليوم، مع توجّه الحكومة والجيش لحظر بضائع ناهبي العالم، وللسير في طريق الابتكار بكلّ جدٍّ ونشاط، فإنّ الأمل معقود على حصول البلد على الاكتفاء الذاتي، والنجاة من الفقر والتبعية للأعداء. ولقد رأينا بأمّ العين كيف أنّ كثيراً من المصانع والوسائل المتطوّرة - كالطائرات وغيرها من الوسائل - والتي لم يكن يُتصوّر أن يتمكّن المتخصّصون الإيرانيون من تشغيلها، في وقت كان الجميع قد مدّوا أيديهم إلى الغرب أو الشرق من أجل أن يدير متخصّصوهم هذه المصانع والوسائل. ورأينا كيف أنّه وعلى أثر الحصار الاقتصادي والحرب المفروضة، قام شبابنا أنفسُهم بصنع قطع الغيار الضرورية وبقيمة أقل من المعروض، وسدّوا باب الحاجة، وأثبتوا أنّنا إن عزمنا فنحن قادرون على القيام بكلّ شيء"1.
 
ويشير الإمام الخامنئي دام ظله إلى ذلك بقوله: "حافظوا على المسار في خططكم من أجل الاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس. وإنّني أتهم كلّ من يقول باستحالة هذا الأمر. فلا يوجد شيء اسمه "مستحيل", لأنّ الإنسان ينطوي على قابليّات جبّارة تجعل المستحيل ممكناً"2.

1  بلاغ، سخنان موضوعى، امام خميني قدس سره، سازمان تبليغات اسلامى، ج3، ص454.
2  الإمام الخامنئي، حديث ولايت، ج1، ص54.
 
 
42

35

الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد

 فصل الحقّ عن الباطل

من الآثار الأخرى المهمّة للجهاد، هو فصل خطّ النفاق عن المجتمع الإسلامي. ففي كلّ مجتمع يعيش المؤمنون الخُلّص جنباً إلى جنب مع ضعاف الإيمان والمنافقين من الناس، ومن الصعب جدّاً في زمن السلم والصلح تمييز هذه الفئات، إذ كثيراً ما يُظهر المنافقون وضعاف الإيمان أنفسهم بصورة المدافعين عن الحقّ أكثر من المؤمنين الحقيقيين. ولكن في الشدائد، بالخصوص في أوقات وقوع أحداث من قبيل الحرب والجهاد، تُعرف معادن الرجال وتمتاز صفوف الحقّ عن الباطل، فيبقى المؤمنون الحقيقيون، الصابرون والأوفياء، في الساحة حتى النهاية، في الوقت الذي يُخلي الآخرون الميدان ويفرّون.
 
ولقد أشار القرآن المجيد إلى هذه الحقيقة بشكل متكرّر، وإلى أنّ الله لو شاء لنصر الحقّ من دون الاستفادة من الفئة المجاهدة، ولجعل دينه ينتشر في كلّ العالم، ولكنّه لم يختَرْ هذا الطريق، بل أراد أن يمتاز الخُلّص عن غير الخُلّص في ساحة الحرب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ1.
 
وفي آية أخرى، ولأجل توبيخ المنافقين، يخاطب تعالى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، قائلاً: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ2، لأنّ المنافقين لو لم يأخذوا الأذن بالخروج من ميدان الحرب، وبقوا بين المؤمنين، فسوف يُعرفون بعد مدّة قصيرة من الزمن، وتتّضح حقيقتهم.
 
التوحّد في وجه الباطل
إنّ الشعب الذي يكون مُبتَلى في أيام الصلح والهدوء بالمشاكل الداخلية، ومشغولاً بالاختلافات الجزئية، يتوحّد على أثر اشتعال الحرب وظهور العدو، ويقوم في وجهه.

1  سورة محمّد، الآية 31.
2  سورة التوبة، الآية 43.
 
 
43

36

الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد

 فإنّ الحرب تقود جميع الطاقات والقوى في اتجاه واحد، وتجعلها تنضوي تحت راية واحدة، وتوجِدُ روح التعاون فيما بينها، وتصير سبباً في بروز الإيثار والتسامح وعشرات الصفات الأخلاقية السامية.

 
معرفة الصديق من العدو
إنّ معرفة الأصدقاء من الأعداء خارج حدود البلد لهي من الآثار الأخرى للحرب والجهاد، ذلك أنّه ما لم تقع الحرب، فإنّ الكثير من الدول تتحدّث عن أواصر الصداقة والعلاقات المتينة، ولكن في زمن الحرب والمصاعب، يمتاز الأصدقاء الحقيقيون عن الأعداء، ويُظهرون أنفسهم للعيان.
 
الغلبة والنصر
في بعض الموارد، يُعدّ الانتصار على العدو أحد أفضل آثار الجهاد، لأنّه مع عدم بذل الجهد في ساحة الحرب لا يتحقّق الانتصار، والشعب الذي قد جلس منتظراً النصر دون تحمّل العناء وتقديم الجهود، لن يقطف سوى الحسرة جرّاء ذلك.
 
والقرآن المجيد، بعد تعداد الآثار المعنوية والأخروية للجهاد، يشير في سورة الصف المباركة إلى هذا الأثر الدنيوي، حيث يقول تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ1.
 
وممّا ينبغي الإشارة إليه أنّ المجاهدين في سبيل الله منتصرون وأعزّاء حتماً، سواء عن طريق الانتصار الظاهري وهزيمة العدو، أم بنيل الشهادة والوصول إلى جوار رحمة الحقّ سبحانه، حيث قد أثنى القرآن الكريم على هاتين النتيجتين: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ2.

1  سورة الصف، الآية 13.
2  سورة التوبة، الآية 52.
 
 
 
44

 


37

الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد

 المفاهيم الرئيسة

1- إنّ لتأدية الجهاد بنيّة خالصة وفي سبيل الله آثاراً كثيرة، بعضها يظهر في دار الدنيا والبعض الآخر في يوم القيامة والدار الآخرة.
 
2- العزة والرفعة: من النتائج الدنيوية للجهاد، فالمجتمع الذي يتواجد فيه أشخاص مجاهدون بفعالية، يبقى في حالة دائمة من النشاط والتقدّم السريع، ويحافظ على عزته وكرامته.
 
3- الحياة والحركة: حيث يدفعُ حصول الحرب وما ينتج عنها من مشكلات الناس إلى التحرّك، فتصير سبباً لاهتمام الجميع بالسُّبل الآيلة إلى صدّ العدو.
 
4- تقوية روح الاكتفاء الذاتي: حيث تؤدّي الحربُ إلى إيجاد صعوبات جمّة، وإلى وقوع المجاهدين تحت وطأة الحصار. وهذه الضغوط نفسُها تدفع بالشعب إلى قطع يد الاعتماد على الأجانب، والى الاعتماد على النفس.
 
5- فصل الحق عن الباطل: ففي الشدائد، وبالخصوص في أوقات وقوع أحداث من قبيل الحرب والجهاد، تُعرف معادن الرجال وتمتاز صفوف الحقّ عن الباطل.
 
6- الوحدة: لأنّ الحرب تقود جميع الطاقات والقوى في اتجاه واحد، وتجعلها تنضوي تحت راية واحدة، وتوجِدُ روح التعاون فيما بينها.
 
7- معرفة الصديق من العدو: ففي زمن الحرب والمصاعب، يمتاز الأصدقاء الحقيقيون عن الأعداء، ويُظهرون أنفسهم للعيان.
 
8- النصر: لأنّ المجاهدين في سبيل الله منتصرون وأعزّاء حتماً، سواء عن طريق الانتصار الظاهري وهزيمة العدو، أم بنيل الشهادة والوصول إلى جوار رحمة الحقّ سبحانه.
 
 
45

38

الدرس الثالث: الآثار الدنيوية للجهاد

 

46


39

الدرس الرابع: البركات المعنوية والأخروية للجهاد

 الدرس الرابع: البركات المعنوية والأخروية للجهاد



مفاهيم محورية:
1- الحياة الحقيقية.
2- النجاة من العذاب.
3- غفران الذنوب.
4- عدم الافتتان في القبر.
5- الفوز بالجنة.
6- مجاورة الربّ.
 
 
47

40

الدرس الرابع: البركات المعنوية والأخروية للجهاد

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ *خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ1.

للجهاد مجموعة من الآثار المعنوية والأخروية، فيما يلي نذكر نبذة عنها:
 
الحياة الحقيقية
إنّ لمفهوم الحياة مراتب عديدة، تبدأ بالحياة الدنيوية وتُختم بالحياة الأخروية للإنسان. وتقع الحياة الدنيوية بالنسبة إلى الحياة الأخروية في درجة متدنّية جدّاً إلى الحدّ الذي وصفها القرآن المجيد في آياته - قياساً إلى الحياة الأخروية - باللهو واللعب، مشيراً إلى أنّ الحياة المطلقة والحقيقية هي الحياة الآخرة. يقول تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ2.

1  سورة التوبة، الآيات 20 - 22.
2  سورة العنكبوت، الآية64.
 
 
 
49

 


41

الدرس الرابع: البركات المعنوية والأخروية للجهاد

 وقـوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ1.

 
وقوله تعالى أيضاً: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ2.
 
فلم يكن الهدف من إرسال الأنبياء عليهم السلام ونزول الكتب السماوية والشرائع الإلهية سوى العمل على جعل الحياة الدنيوية للإنسان حياة أخروية، ليستفيد من نعيمها ويتمتّع ببركاتها.
 
ومن جملة الآيات التي تدعو الإنسان إلى هذا الأمر المهم، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ...3.
 
وعلى الرغم من أنّ هذه الآية مطلقة، ويستفادُ منها أنّ إجابة الله والرسول في قبول كلّ المعتقدات السماوية والعمل بجميع التعاليم والأحكام يؤدّي إلى حياة الإنسان وعيشه عيش الآخرة، إلاّ أنّ وجودها بين آيات الجهاد يجعلها ناظرة إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ المؤمنين يوصلون أنفسهم إلى نبع الحياة الخالدة في حال استجابوا لدعوة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم للجهاد في سبيل الله والتزموا بأحكامه. وهذه الاستجابة وحدها هي التي سترتقي بهم بعيداً عن هذه الحياة الدنيا، وتربطهم بالأحياء الحقيقيين.
 
ولعل الحديث الذي نُقل عن الإمام علي عليه السلام بهذا الشأن ناظر إلى هذا المعنى، حيث قال عليه السلام: "المجاهدون تُفتّح لهم أبوابُ السماء"4, فلفظ "أبواب السماء" يشير من ناحية إلى علوّ المنزلة والمقام الذي يحوزه المجاهدون، والى الحياة المعنوية الخالدة من ناحية أخرى.

1  سورة آل عمران، الآية 169.
2  سورة البقرة، الآية 154.
3  سورة الأنفال، الآية 24.
4  الآمدي، عبد الواحد بن محمد تميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، انتشارات دفتر تبليغات اسلامي، قم، 1366هـ.ش، ح1347.
 
 
50

42

الدرس الرابع: البركات المعنوية والأخروية للجهاد

 وعنه أيضاً عليه السلام: "ألا وإنّه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلاً، وأقبل منها ما كان مدبراً، وأزمعَ التِّرحال عباد الله الأخيار، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى، ما ضرّ إخواننا الذين سُفِكت دماؤهم بصفّين ألا يكونوا اليوم أحياء... أين إخواني الذين ركبوا الطريق، ومضوا على الحق؟!... الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة"1.

 
النجاة من العذاب
لقد عبّر القرآن المجيد عن الجهاد في سبيل الله بتعبير التجارة المنجّية، حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ2.
 
وحول هذا الأمر، يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يَجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخانٌ في جهنّم"3.
 
غفران الذنوب
يُعدّ شمول الوعد الإلهي بغفران الذنوب للمجاهدين، أحد آثار الجهاد في سبيل الله، حيث يفيض سبحانه عليهم هذه النعمة الكبرى. ويشير القرآن المجيد إلى هذه الحقيقة، في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ4.
 
والسرّ وراء هكذا إكرام، يكمن في أنّ المجاهد بمجرّد وضعِ قدمه في ساحة الحرب، يكون قد أعرض عن الدنيا وزخارفها، ووضع نصب عينيه تهذيب النفس وإصلاحها، والوصول إلى المقامات المعنوية السامية، حيث تتكامل روحه في أجواء

1  ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مؤسّسة إسماعيليان، ج10، ص99.
2  سورة الصف، الآيتان 10 و11.
3  مستدرك الوسائل، ج11، ص13. 
4  سورة الصف، الآية 12.
 
 
 
51

43

الدرس الرابع: البركات المعنوية والأخروية للجهاد

 القتال والجبهة، ويقع مورداً لعناية الله تعالى ولطفه. بل ليس تغفر ذنوبه الماضية فحسب، بل يتشكّل في باطنه استعداد أعلى يمنعه عن ارتكاب المعاصي.

 
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "كلّ ذنب يكفّره القتل في سبيل الله إلا الدَين، فإنّه لا كفارة له إلا أداؤه، أو يقضي صاحبه، أو يعفو الذي له الحقّ"1.
 
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "من قُتِلَ في سبيل الله لم يعرّفه الله شيئاً من سيئاته"2.
 
عدم الافتتان في القبر
فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لقي العدو فصبر حتى يقتل أو يغلب لم يفتن في قبره"3.
 
وعنه أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم لمّا سُئل عن عدم افتتان الشهيد في القبر: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة"4.
 
الفوز بالجنّة
إنّ الجنّة محلّ ضيافة الله تبارك وتعالى لعباده الصالحين وأحبائه المقرّبين، أولئك الذين قدّموا إرادة الحبيب في الدنيا على أهوائهم، والتزموا طاعته وعملوا بأوامره.
 
والمجاهدون هم الفئة الأبرز من بين عباد الله الصالحين هؤلاء، إذ إنّهم قد ترفّعوا عن أرواحهم وأموالهم وكل وجودهم، وقدّموها رخيصة للحبيب. فبهجرتهم 

1  العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي بن جمعة، تفسير نور الثقلين، صححه وعلق عليه أشرف على طبعه الحاج السيد هاشم الرسولي المحلاتي، مؤسسة اسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، قم - إيران، ج1، ح402، ص517.
2  وسائل الشيعة، ج15، باب 1 من أبواب الجهاد، ح19، ص16.
3  المتقي الهندي، كنز العمال، الطبعة: 1989م – 1409هـ، مؤسسة الرسالة – بيروت، لبنان، ح10662. 
4  م. ن، ح10662.
 
 
52

44

الدرس الرابع: البركات المعنوية والأخروية للجهاد

 وجهادهم نصروا دين الله، وبسيوفهم فتحوا أقفال الجنّة، كما قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "السيوف مفاتيح الجنّة"1.

 
وفي هذا بيان لما وعد الله تعالى به المجاهدين في القرآن الكريم حيث قال: ﴿...وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ2.
 
مجاورة الربّ
يسعى المؤمنون عن طريق الجدّ والالتزام الدائم بأداء العبادات وترك المعاصي نحو الوصول إلى محضر الحقّ عزّ وجل، وهم يتحمّلون لذلك مصاعب جمّة. إلا أنّ وجود العلائق يدعو الإنسان بشكل متواصل إلى عالم الدنيا المادّي، ويمنعه من السير إلى الله سبحانه.
 
ومن بين الواجبات الإسلامية، يتمتّع الجهاد بخاصّيّة فريدة تُمكّنه من قطع تعلّقات الإنسان, نظراً للشدائد في الحرب ومواجهة العدو. فهو يجعل من المجاهد حقّاً شخصاً يتوجّه إلى مبدأ القدرة، ويتوكّل على الله، ويُدنيه من مقام القرب الإلهي.
 
فبعد أن يأمر القرآن المجيد المؤمنين بابتغاء الوسيلة للتقرّب من الله، يأتي على ذكر الجهاد مباشرة، وفي ذلك إشارة إلى عظمة الجهاد وأثره في تحقيق هذا القرب. حيث يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ3.
 
وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا الموضوع أيضاً، فقال: "أيها الناسُ استعدّوا لقتالِ عدوّ في جهادهِم القربةُ إلى الله عزّ وجل ودركُ الوسيلة عنده"4.

1  مستدركُ الوسائل، ج11، ح12293، ص13.
2  سورة الصف، الآية 12.
3  سورة المائدة، الآية 35.
4  شرح نهج البلاغة، ج2، ص194.
 
 
53

45

الدرس الرابع: البركات المعنوية والأخروية للجهاد

 المفاهيم الرئيسة

للجهاد مجموعة من الآثار المعنوية والأخروية، أبرزها الآتي:

1- الحياة المعنوية: لأنّ المجاهدين يوصلون أنفسهم بالجهاد إلى نبع الحياة الخالدة، وتُفتّح لهم أبوابُ السماء.
 
2- النجاة من العذاب الإلهي: حيث كتب الله تعالى على نفسه تنجية المجهادين من العذاب إذا التزموا بالجهاد.
 
3- غفران الذنوب: لأنّ المجاهد بمجرّد وضعِ قدمه في ساحة الحرب، يكون قد أعرض عن الدنيا وزخارفها، ووضع نصب عينيه تهذيب النفس وإصلاحها، والوصول إلى المقامات المعنوية السامية، حيث تتكامل روحه في أجواء القتال والجبهة، ويقع مورداً لعناية الله تعالى ولطفه. بل ليس تغفر ذنوبه الماضية فحسب، بل يتشكّل في باطنه استعداد أعلى يمنعه عن ارتكاب المعاصي.
 
4- عدم الافتتان في القبر: فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لقي العدو فصبر حتى يقتل أو يغلب لم يفتن في قبره".
 
5- الدخول إلى الجنّة: حيث جعل الله تعالى الجنة محلّ ضيافة عباده الصالحين وأحبّائه المقرّبين، والمجاهدون هم الفئة الأبرز من بين عباد الله الصالحين هؤلاء، إذ أنّهم قد ترفّعوا عن أرواحهم وأموالهم وكلّ وجودهم، وقدّموها رخيصة للحبيب.
 
6- مجاورة الرب: حيث يتمتّع الجهاد بخاصّيّة فريدة تمكّنه من قطع تعلّقات الإنسان, نظراً للشدائد في الحرب ومواجهة العدو. فهو يجعل من المجاهد حقّاً شخصاً يتوجّه إلى مبدأ القدرة، ويتوكّل على الله، ويُدنيه من مقام القرب الإلهي.
 
 
54

46

الدرس الرابع: البركات المعنوية والأخروية للجهاد

 

 

55


47

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد



مفاهيم محورية
1- خراب دور العبادة.
2- الذلّة والمهانة.
3- ضعف الإيمان.
4- الحرمان من التكامل المعنوي.
5- الميل نحو الباطل.
6- الحرمان من العدالة.
7- عذاب الآخرة.
 
 
57

48

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾1.
 
تمهيد
بالإضافة إلى ما ذكرناه من الآثار السلبية على المستوى الدنيوي، إن لترك الجهاد آثاراً سلبية أيضاً على المستويين المعنوي والأخروي هي أخطر وأفدح بكثير، حيث يؤدّي التهاون في أمر الجهاد والقعود عنه إلى عواقب وخيمة جداً على عاقبة الإنسان ومصيره. وسوف نقوم في هذا الدرس بالتعرّض لها وبحثها مفصّلاً على ضوء الآيات والروايات. من أهم هذه العواقب:
 
بالإضافة، إلى خسران الآثار الطيّبة التي أشرنا إليها في الدرسين السابقين، يؤدّي التهاون في أمر الجهاد والقعود عنه إلى عواقب ونتائج غير محمودة، وسوف نقوم في هذا الدرس بالتعرّض لها وبحثها مفصّلاً على ضوء الآيات والروايات، ومن هذه العواقب:

1  سورة آل عمران، الآيتان 167.
 
 
 
59

49

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد

 خراب دورُ عبادة الله

من التبعات المضرّة لترك الجهاد، زوال دُور التوحيد ومَحَال عبادة الإنسان لله. فقد حذّر القرآن المجيد من أنّ الناس ما لم يقوموا بتكليفهم في الدفاع، فسوف تتهدّم دور عبادة الحقّ، وليس فقط دور عبادة المسلمين، بل جميع دور عبادة الأديان التوحيدية الأخرى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ1.
 
وبالطبع، من الممكن أن يكون ذكر المساجد والمعابد في الآية قد ورد على سبيل المثال، وعليه فهي تتعدّاها لتشمل المراكز الثقافية، وتلك المسؤولة عن تقدّم الأفراد والمجتمع ونضجهما.
 
ومن هنا نفهم أنّ المجال لتطوّر الناس وتكاملهم المعنوي والفكري لا يعود موجوداً في حال إهمال القيام بمسؤولية الدفاع، ويؤول مصير مثل هذه المراكز إلى الفناء والزوال.
 
الذلّة والمهانة
من العواقب الملموسة بشدّة للإعراض عن الجهاد، عاقبة الذلّة والمهانة، والتي تشمل كلّ أمّة تركت الجهاد في سبيل الله. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ترك الجهاد ألبسه الله ذلّاً في نفسه، وفقراً في معيشته، ومحقاً في دينه، إنّ الله تبارك وتعالى أعزّ أمّتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها"2.

1  سورة الحج، الآية 40.
2  الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، الأمالي، ط1، قم المقدّسة، قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة، 1417هـ.ق، ح906، ص736.
 
 
 
60

50

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد

 ولذا، بعد أن يشجّع المؤمنين على هذا الحكم الإلهي، نجدُ أمير المؤمنين عليه السلام يشير إلى تبعات التهاون عن القيام به، حيث يقول: "... فمن تركَهُ رغبةً عنهُ ألبسَهُ اللهُ ثوبَ الذلِّ، وشمِلَهُ البلاءِ، ودُيِّثَ بالصَّغارِ والقَماءَة"1.

 
فمن المشكلات الكبيرة التي واجهت أمير المؤمنين عليه السلام طوال مدّة حكمه، كانت عدم استعداد الناس لأجل الدفاع عن دين الله. وقد بيّن الإمام علي عليه السلام في العديد من الكلمات والخطب عدم رضاه عن أصحابه وموقفِهم من مسألة الجهاد، موجّهاً انتقاداته لهم، وموضّحاً عواقب الضعف عن القيام بهذا الواجب في السياق.
 
وفي أحد هذه الموارد، يشير الإمام عليه السلام إلى أنّ القعود عن الجهاد يؤدّي إلى انتصار العدو وانفلات زمام إدارة المجتمع من يد الحكّام، حيث يقول عليه السلام: "... فتواكلتم وتخاذلتم حتى شُنّت عليكم الغاراتُ، ومُلكتْ عليكمُ الأوطان"2.
 
ومن مظاهر هذه الذلّة التي تشملهم أنّهم يعجزون عن أن يكونوا قوّة يُنتقم بها من الباطل، أو يستفاد منها في تحقيق أيّ من أهداف الإسلام، حيث يقول عليه السلام: "فما يدركُ بكم ثارٌ ولا يُبلغُ بكم مُرام"3.
 
وفي مثل هكذا مجتمع لا يتوقّع حدوث التوفيق والتقدّم، ويوماً بعد يوم يزداد الضعف وتقلّ الاستفادة من المعارف الإلهية، وسيُبتلى هذا المجتمع بسقوط القيم والانحطاط.
 
وتشهد تجارب التاريخ على أنّ المجتمع الذي كان أمير المؤمنين عليه السلام يعيش فيه، والذي من ثمَّ تركَ الجهاد، قد عانى من عواقب وخيمة وظلم شديد، إلى الحدّ الذي تسلّط عليه - وخلال مدّة قصيرة - أشخاص كانوا يخنقون أقلّ صوت يرتفع طالباً الحقّ. وبوقاحة تامّة، عمدوا إلى قتل الأئمة عليهم السلام، الذين ارتفعوا شهداء في

1  نهج البلاغة، الخطبة 27.
2  (م.ن).
3  (م.ن)، الخطبة 39.
 
 
61

51

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد

 سبيل الله، وفقد كلّ إنسان قدرة الدفاع عن الحقّ. فهل تتصوّر ذلّة أكبر من هذه الذلّة، يمكن لها أن تصيبَ مجتمعاً إسلامياً؟

 
وبالإضافة إلى التحذيرات المتكرّرة من القعود عن الجهاد، أشار القرآن الكريم في أحد المواطن، وبشكل صريح، إلى عاقبة الذلّة في الدنيا عند تركه، حيث ذكر أنّ بني إسرائيل قد عوقبوا بالتيه أربعين سنة على أثر عصيان هذا الأمر الإلهي: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ1.
 
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشأن الإعراض عن الجهاد والانشغال بالدنيا،قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر وتبايعتم بالعِينَة وتركتم الجهادَ في سبيل الله، ليلزمنّكُم الله مذلّة في أعناقكم ثمّ لا تُنزعُ منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه أو تتوبوا إلى الله"2.

ضعف الإيمان
دين الله هو عبارة عن مجموعة من الأحكام والقوانين الإلهية التي تزداد درجة إيمان كلّ فردٍ بمقدارها يعمل بها ويأخذها بقوّة، كما أنّ تلك الدرجة تنقص وتضعف في المقابل بقدر ما يترك العمل بهذه الأحكام ويميل بعيداً عنها.
 
وبناءً على هذا الأساس، كل من يترك الجهاد في سبيل الله، فإيمانه والتزامه العملي بالدين سيكون ناقصاً وضعيفاً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الشأن: "من لم يَغزُ أو يُحدّث نفسهُ بغزوٍ مات على شُعبةٍ منَ النِّفاق"3.

1  سورة المائدة، الآية 26.
2  أحمد بن حنبل، مسند أحمد، بيروت، دار صادر، ج2، ص84.
3  البيهقي،السنن الكبرى، بيروت، دار المعرفة، ج9، ص48.
 
 
62

52

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد

 الحرمان من التكامل المعنوي

يُعدّ الأشخاص الذين يمتنعون عن أداء هذه الفريضة الإلهية الكبرى، أشخاصاً قد فقدوا الفهم الصحيح، وبتعبير أمير المؤمنين عليه السلام: "فمن تركه رغبة عنه... وضُرب على قلبهِ بالأَسْداد"1.
 
ويكتب الشهيد مطهري قدس سره كلاماً بديعاً في شرح هذا الحديث، فيقول: "إنّها لنكتة فريدة أن يعتبر عليّ عليه السلام بصيرة القلب ونورانيّته موقوفة على هذا الأمر (الجهاد)، فقد ذُكر في منطق الإسلام صراحة أنّ البصيرة وليدة العمل، ولكن لم يشرْ في أي مكان وبمثل هذه الصراحة إلى أنّ عملاً اجتماعياً كالجهاد هو ركن من أركان التكامل المعنوي والسلوك إلى الله، بحيث إنّ تركه يوجب ظهور الحُجب على القلب"2.
 
الميل نحو الباطل
إنّ الأفراد الذين لا يهبّون لنصرة الحقّ، ويحترفون السكون والحيادية، هم أشخاص قد ابتعدوا عن الحقّ بلا أدنى شكّ، ومالوا إلى الباطل. وعلى أثر ذلك، لم يَعدْ هؤلاء يملتكون لياقة رفع لواء الإسلام، والدين القويم، وضاعت من أيديهم حكومة الحقّ، التي أُودِعَت أمانة عندهم تماماً، كما قال الإمام عليّ عليه السلام بهذا الشأن: "وأُديل الحقّ منه بتضييع الجهاد"3.
 
الحرمان من العدالة
سوف يُحرَم تاركوا الجهاد من العدالة والإنصاف، وسوف يتعرّضون للحرمان ولامبالاة من قبل الآخرين بسبب قعودهم والإعراض عن هذا الواجب الإلهي، كما قال الإمام عليّ عليه السلام: "ومنع النّصفَ"4.

1  نهج البلاغة، الخطبة 27.
2  قيام وانقلاب مهدي، انتشارات صدرا، ص92.
3  نهج البلاغة، الخطبة 27.
4  (م.ن).
 
 
63

53

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد

 وفي سياق شرحه لهذه الجملة من كلام الإمام علي عليه السلام، يقول الشهيد مطهري: "إنّ المراد من كلامه عليه السلام هو أنّه ما دامت أمّةٌ ما أمّةً غير مجاهدة، لا يَحسِبُ الآخرون لها حساباً، ولا يُبقي لها الآخرون أي كيان، ويتشدّدون في حرمانها من أيّ نوع من أنواع الإنصاف"1.

 
فما ينتج عن ذلك هو أنّ حقوق هذه الأمّة تُداس في المحافل السياسية والاقتصادية والعسكرية والدولية، ولا يعيرون طلباتها وطروحاتها أيّة أهمّيّة.
 
عذاب الآخرة
إنّ العذابَ الأخروي لتاركي الجهاد يكمن في البعد عن رحمة الله والسقوط في نار جنهم. ولهذا، نجد أنّ القرآن المجيد يهدّد في سورة التوبة أولئك المنافقين الذين امتنعوا عن الذهاب إلى الجبهة بحجّة حرارة الطقس، واعتبروا أنفسهم معذورين أمام الله، نجده يهدّدهم بعذاب جهنم، فيقول تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ2.
 
وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ3.
 
وبالطبع، إنّ لفظ هذه الآية مطلق، ولذا يمكنُ أن يكون شاملاً للعذابات الدنيوية أيضاً، وخصوصاً أنّ الله قد هدّدهم في سياق الآية بالهلاك الدنيوي وباستبدالهم بقوم غيرهم لا يتركون الجهاد.

1  قيام وانقلاب مهدي, ص 92,93.
2  سورة التوبة، الآيتان 81 و82.
3  سورة التوبة، الآية 39.
 
 
64

54

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد

 المفاهيم الرئيسة

يؤدّي التهاون في أمر الجهاد والقعود عنه إلى عواقب غير محمودة، ومن هذه العواقب:
 
1- خراب دور عبادة الله: لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا1.
 
2- الذلّة والمهانة: "فمن تركَهُ رغبةً عنهُ ألبسَهُ اللهُ ثوبَ الذلِّ وشمِلَه البلاءِ ودُيِّثَ بالصَّغارِ والقَماءَة".
 
3- نقصان الإيمان: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من لم يَغزُ أو يُحدّث نفسهُ بغزوٍ مات على شُعبةٍ منَ النِّفاق".
 
4- الحرمان من التكامل المعنوي: فالأشخاص الذين يمتنعون عن أداء الجهاد، واقعاً قد فقدوا الفهم الصحيح، وابتُلوا بالضلال وعمى القلب، حيث يقول الإمام علي عليه السلام: "وضُرب على قلبهِ بالأَسْداد".
 
5- الميل إلى الباطل: فعن الإمام عليّ عليه السلام بهذا الشأن: "وأُديل الحقّ منه بتضييع الجهاد".
 
6- الحرمان من العدل والإنصاف: حيث ورد عن الإمام عليّ عليه السلام: "ومنع النّصفَ".
 
7- عذاب الآخرة: حيث يقول تعالى: ﴿...وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ2.

1  سورة الحج، الآية 40.
2  سورة التوبة، الآيتان 81 و82.
 
 
65

55

الدرس الخامس: تبعاتُ ترك الجهاد

 

 

66


56

الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم

 الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم




مفاهيم محورية:
- المكانة الرفيعة للمجاهدين.
- أجر المجاهدين العظيم.
- مقام الجرحى.
 
 
67

57

الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا1.
 
تمهيد
يتمتّع المجاهدون في سبيل الله بمنزلة فريدة في الرؤية الإسلامية، تُميّزهم عن سائر المؤمنين، حيث بيّنت الآيات والروايات ذلك المقام الفريد والأجر العظيم:

المكانة الرفيعة للمجاهدين
المؤمنون الحقيقيون:
لقد عظّم القرآن المجيد شأن المجاهدين بوصفه إياهم بصفة: "المؤمنون الحقيقيون" وهو ما يشير إلى رفعة مقامهم عند الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ2.

1  سورة النساء، الآية95.
2  سورة الأنفال، الآية 74.
 
 
69

58

الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم

 أفضلية المجاهدين على غيرهم:

وصرّحت بعض الآيات بأفضلية المجاهدين على القاعدين، وأشارت إلى علو منزلتهم: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا1.

أحباب الله تعالى:
وبيّن القرآن المجيد أنّ المجاهدين الذين يقاتلون صفّاً محكماً في سبيل الله، ينالهم حبّ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ2.
 
وأشار القرآن العزيز أيضاً أنّ من شؤون هؤلاء المجاهدين وخصوصياتهم أنّهم منفّذوا الإرادة الإلهية، حيث يُنزل الله تعالى العذابَ بأعدائه بواسطتهم، فيهلكهم: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ3.
 
دعاؤهم مستجاب:
وفي حديثٍ أنّ دعاء المجاهدين وحاجاتهم مستجابة عند الله: حيث ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "ثلاثة دعوتهم مستجابة أحدهم الغازي في سبيل الله"4.

1  سورة النساء، الآية 95.
2  سورة الصف، الآية 4.
3  سورة التوبة، الآية 14.
4  وسائل الشيعة، ج15، باب 3 من أبواب الجهاد، ح1، ص21.
 
 
70

59

الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم

 أهل الجنّة وقوّادها:

كما ويتمتّعُ المجاهدونَ كذلك بمنزلة خاصة في الجنّة، مثلما أشار النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنّ لهم باباً من أبواب النعيم يدخلون منه وحدهم، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: "للجنّة باب يقال له باب المجاهدين يمضون إليه فإذا هو مفتوح وهم متقلّدون بسيوفهم والجمع في الموقف والملائكة ترحّب بهم"1.
 
فكما يكون المجاهدون سبّاقين في الدنيا، كذلك يكونون في الدار الآخرة وبيتِ الضيافة الإلهية طلائعَ الداخلين، حيث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "المجاهدون في سبيل الله قُوّادُ أهل الجنة"2.
 
وعن الإمام علي عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حملة القرآن عرفاء أهل الجنّة والمجاهدون في سبيل الله قوّادها والرّسل سادة أهل الجنّة"3.
 
حسناتهم لا تحصى:
ومن فضل المجاهدين ومنزلتهم عند الله تعالى أنّه حتى الملائكة تعجز عن إحصاء حسناتهم وثوابهم عند الله. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "كلّ حسنات بني آدم تحصيها الملائكة إلا حسنات المجاهدين فإنّهم يعجزون عن علم ثوابها"4.
 
أهل العبادة المستمرة:
ومن كرامة المجاهدين عند الله عزّ وجلّ أنّه جعل حركاتهم وسكناتهم كلّها عبادة وطاعة في سبيل الله، عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مثل المجاهدين في سبيل الله كمثل القائم القانت لا يزال في صومه وصلاته حتى يرجع إلى أهله"5.

1  وسائل الشيعة،، ج15، باب 1 من أبواب الجهاد، ح2، ص10. 
2  مستدرك الوسائل، ح12313، ص18.
3  (م. ن)، ج11، ص 7.
4  (م. ن)، ص 13
5  (م. ن).
 
 
71

60

الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم

 أجر المجاهدين العظيم

الهداية الخاصة:
يستفيد المجاهدون من هداية خاصة ليس للآخرين من نصيب فيها، وهي جزاء وثواب جهادهم المستمر في سبيل الله حيث يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ1. وهذه الهداية الخاصة ميزتها الأساس أنّها تهدي إلى صراط الحقّ وسبيله.
 
غفران الذنوب:
يُعدّ غفران الذنوب أجراً آخراً يمنّ الله تعالى به على المجاهدين، حيث أكّد سبحانه على ذلك، فقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ2.
 
النعيم الخالد في الآخرة:
لقد تفضّل الله تبارك وتعالى بإعطاء الجنّة للمجاهدين، حيث قال: ﴿أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ3.
 
وقد عُبّر في بعض الآيات عن أجر المجاهدين الأُخروي بتعبير "الرزق الحسن" والمدخل الكريم: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ4.

1  سورة العنكبوت، الآية 69.
2  سورة آل عمران، الآية 195.
3  سورة التوبة، الآية 89.
4  سورة الحج، الآيتان 58 و59.
 
72

61

الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم

 الرحمة والرضوان الإلهيين:

إنّ إعلان الرضا الإلهي عن عباده المجاهدين لهو بحقّ أعظم النعم على الإطلاق، حيث قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ1.
 
ومن المناسب الالتفات إلى هذه الملاحظة، وهي أنّ الله تعالى في مقام إعطاء المجاهدين أجورهم، قد شاء أن يعاملهم بفضله، ولهذا فقد وعدهم بقوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ2.
 
وقد ذُكِرَ في تفسير الشقّ الأخير من الآية ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ3 رأيان، كلاهما يكشفان عن أبعاد ما يناله المجاهدون في سبيله:
الأول: أنّ جهاد المجاهدين يعتبر أفضل أعمال حياتهم، وسوف يعطيهم الله ما يليق بهذه الأعمال من أجر.
الثاني: أنّ ما يُعطى للمجاهدين من أجر إلهي هو أفضل وأرفع شأناً من أعمالهم، وسوف يجزيهم الله على أساس أفضل ما أنجزوه وقاموا به.
 
مقامُ الجرحى
لقد وقع جرحى الجهاد محلّاً للثناء والإجلال في بعضِ الروايات، وذلك بغضّ النظر عمّا ينالونه كمجاهدين من الوصول إلى مقام الجهاد المعنوي الشامخ، وما يتمتّعون به من أجرٍ وثوابٍ.
 
وإضافة إلى ما ينكشفُ لنا من حقيقة أجر الجرحى في هذه الروايات، يتّضح لنا أيضاً عظمة مقامهم ورفعته:

1  سورة التوبة، الآية 21.
2  سورة التوبة، الآية 121.
3  سورة التوبة، الآية 121.
 
 
73

62

الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم

 فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من جُرِحَ في سبيل الله جاء يوم القيامة ريحه كريح المسك ولونه لون الزعفران، عليه طابع الشهداء، ومن سأل الله الشهادة مخلصاً أعطاه الله أجر شهيد وإن مات على فراشه"1.

 
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ جبرائيل أخبرني بأمر قرَّت به عيني وفرح به قلبي. قال: يا محمد من غزا غزوة في سبيل الله من أمّتك فما أصابته قطرة من السماء أو صداع إلاّ كانت له شهادة يوم القيامة"2.
 
ومن البديهي أنّه إذا كان لألم الرأس في ساحة الجهاد مثل هذا الأجر، فالإصابة بالجروح أو تقديم عضو من أعضاء البدن هو حتماً أعظم أجراً وأرفع شأناً.

1  كنز العمال، ح 11144.
2  بحار الأنوار، ج97، ص8.
 
 
74

63

الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم

 المفاهيم الرئيسة

1- يتمتّع المجاهدون في سبيل الله بمنزلة فريدة في الرؤية الإسلامية، تميّزهم عن سائر المؤمنين، حيث بيّنت الآيات والروايات ذلك المقام الفريد والأجر العظيم.
 
2- وصف القرآن الكريم المجاهدين بـ "المؤمنين الحقيقيين" وهو ما يشير إلى رفعة مقامهم عند الله تعالى. وصرّحت بعض الآيات بأفضلية المجاهدين.
 
3- اعتبرت بعض الآيات منزلة المجاهدين أرفع من منزلة سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام.
 
4- بيّن القرآن المجيد أنّ المجاهدين الذين يقاتلون صفّاً محكماً في سبيل الله، ينالهم حبّ الله تعالى.
 
5- أشار القرآن العزيز أيضاً أنّ من شؤون هؤلاء المجاهدين وخصوصياتهم أنّهم منفّذوا الإرادة الإلهية، حيث يُنزل الله تعالى العذابَ بأعدائه بواسطتهم، فيهلكهم.
 
6- في حديث أنّ دعاء المجاهدين وحاجاتهم مستجابة عند الله.
 
7- يتمتّعُ المجاهدونَ كذلك بمنزلة خاصة في الجنّة، بأنّ لهم باباً من أبواب النعيم يدخلون منه وحدهم. وكما يكون المجاهدون سبّاقين في الدنيا، كذلك يكونون في الدار الآخرة وبيتِ الضيافة الإلهية طلائعَ الداخلين.
 
8- أجر المجاهدين:  الهداية الخاصة - غفران الذنوب - النعيم الخالد في الآخرة - الرحمة والرضوان الإلهيين.
 
9- لقد وقع جرحى الجهاد محلّاً للثناء والإجلال في بعضِ الروايات، وذلك بغضّ النظر عمّا ينالونه كمجاهدين من الوصول إلى مقام الجهاد المعنوي الشامخ، وما يتمتّعون به من أجرٍ وثوابٍ.
 
 
75

64

الدرس السادس: مقام المجاهدين وأجرهم

 

 

76


65

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء




مفاهيم محوريّة:
- طلّاب الشهادة.
- فضل الشهادة.
- حبّ الشهادة.
- بعض خصال الشهيد.
 
 
 
77

66

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ1.
 
طلّاب الشهادة
لا يخفى أنّ طلب الشّهادة هو مظهرٌ من مظاهر الشجاعة التي يتحلّى بها المجاهد في سبيل الله، لأنّ إقدامه على العمل بالتكليف الشرعي سيكون دون أي خوف أو وجل حتّى من الموت نفسه. وبملاحظة السّبب في الانتصارات التي تحقّقت للمسلمين، نجد أنّ العامل الأساس يكمن في عشقهم للشهادة، وعدم جعل الخوف من المخاطر مانعاً لهم عن الإقدام. فالذي يُقدِم نحو القتال ويضع الشهادة نصب عينيه دائماً لا يخاف من الموت، وبالتالي سيقاتل ويجاهد ببأسٍ شديدٍ زارعاً الخوف والرعب في قلوب أعدائه حتى تحصل فيهم الهزيمة. قال الله تعالى ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ 

1  سورة الحج، الآيتان58 و59.
 
 
79

67

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ1.

 
يقول الإمام الخميني قدس سره: "هذه الأمة هي أمة مجاهدة يتطوّع شبابُها وبكلّ شوق وحماس للذهاب إلى الحرب طلباً للجهاد والشهادة، بل إنّ بعضهم كان يأتي إليّ دامع العينين لأتوسّط له عند المسؤولين ليسمحوا له بالذهاب إلى الجبهات‏"2.
 
ولقد كانت الشهادة وبسبب مقامها الرفيع أمراً يطلبه المعصومون عليهم السلام، فقد ورد أنّ علياً عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد معركة أحد حزيناً حيث لم تكن الشّهادة من نصيبه، وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: "يا رسول الله أوليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحيزت عنّي الشهادة فشقّ ذلك عليّ فقلت لي: أبشر فإنّ الشهادة من ورائك؟ فقال لي: إنّ ذلك لكذلك فكيف صبرك إذاً؟ فقلت: يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر"3.
 
ولذا يصف الإمام عليه السلام طالبي الشهادة بقوله: "مَنْ رَائِحٌ إِلَى اللهِ كَالظَّمْآنِ يَرِدُ الْمَاءَ الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي، الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ"4.
 
فضل الشهادة
أفضل البرّ:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فوق كل برٍّ برٌّ حتّى يُقتلَ الرَّجل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله عزّ وجل فليس فوقه برّ"5. فالشهادة ترتفع قيمتها وتعلو طالما

 1 سورة المائدة، الآية 54. 
2  صحيفة الإمام الخميني، ج‏13، ص390.
3  بحار الأنوار، ج32، ص 241.
4  (م. ن)، ج33، ص 455.
5  (م. ن)، ج71، ص69.
 
 
80

68

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

  أنّها تُشكّل فرصة لقاء الله الذي هو غاية آمال العارفين كما في الدعاء عن الإمام السجاد عليه السلام: "يَا مَنْ أَنْوَارُ قُدْسِهِ لِأَبْصَارِ مُحِبِّيهِ رَائِقَةٌ وَسُبُحَاتُ وَجْهِهِ لِقُلُوبِ عَارِفِيهِ شَائِقَةٌ يَا مُنَى قُلُوبِ الْمُشْتَاقِينَ وَيَا غَايَةُ آمَالِ الْمُحِبِّين"1.

 
وورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال عندما عزم على لقاء القوم في صفّين "اللهم، إنْ أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا البغيَ وسدّدنا للحقّ، وإنْ أظهرتهم علينا فارزقنا الشّهادة واعصمنا من الفتنة"2.
 
كفّارة الذنوب:
من نِعَم الله تعالى على من يُقتل في سبيله أن يجعل الله عزّ وجلّ شهادته هذه كفّارة لذنوبه، وتزكية له لما يمكن أن يكون قد اقترفه وهو ما زال مسجّلاً في ديوانه. عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: "من قُتل في سبيل الله لم يعرّفه الله شيئاً من سيئاته"3.
 
وعن الإمام الكاظم عليه السلام قال: "كلُّ ذنب يُكفّره القتل في سبيل الله إلا الدَّين فإنّه لا كفارة له إلا أداؤه أو يقضي صاحبه أو يعفو الذي له الحقّ"4.
 
أشرف الموت:
تختلف طرق الموت، فقد يموت إنسانٌ غرقاً وآخر حتفَ أنفه، لكنّ أشرف الموت هو أنْ يُقتل المرء في سبيل الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أشرف الموت قتل الشهادة"5.

1  الصحيفة السجادية: مناجاة المحبين. 
2  بحار الأنوار، ج32، ص607.
3  الكافي، ج5، ص45. 
4  بحار الأنوار، ج97، ص10.
5  (م. ن)، ص8.
 
 
81

69

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 أحب الأعمال إلى الله:

وعن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: "ما من قطرة أحبّ إلى الله عزّ وجل من قطرتين قطرة دمٍ في سبيل الله، وقطرة دمعة في سواد الليل لا يريد بها عبدٌ إلا الله عزّ وجلّ"1.
 
حبّ الشهادة
إنّ من نِعَم الله تعالى الكبرى، ورحمته الواسعة أن فتح باب الشهادة على مصراعيه أمام عشّاق الشهادة والمريدين لها، بشرط أن يكون طلبهم ممهوراً بالصدق والإخلاص ولو لم يكونوا في ميدان المعركة. فقد ورد في الحديث: "من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلّغه الله منازل الشّهداء وإن مات على فراشه"2.
 
وها هو حامل لواء الحقّ وراية الهدى، إمام المجاهدين والشهداء عليّ عليه السلام ينادي قائلاً: "فوالله إنّي لعلى الحقّ وإنّي للشهادة لمحبّ"3.
 
وفي موضع آخر يقول عليه السلام: "فوالله لولا طمعي عند لقاء عدوّي في الشهادة وتوطيني نفسي عند ذلك، لأحببت ألا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً"4.
 
ولكن حبّ الشهادة ولقاء الله دونه عقبة أساس هي حبّ الدنيا، والانغماس في الشهوات والملذّات، فكلّما قوي حضور الدنيا وحبّها في القلب، ضعفت في المقابل توجّهات الإنسان المعنوية نحو لقاء الله وحبّ الشهادة، والعكس صحيح أيضاً حتى لتصبح لذّة اللقاء وفرحته لا تدانيها لذّة ولا سعادة، فيدعو الله تعالى بلهفة وشوق مخلصاً له الدين: "إلهي حبّب إليّ لقاءك وأحبب لقائي"5.

1  بحار الأنوار، ج100، ص10. 
2  (م.ن) ج67، ص201.
3  (م. ن)، ج33، ص 573.
4  شرح نهج البلاغة، ج6، ص93.
5  بحار الأنوار، ج84، ص249.
 
 
82

70

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 فمن الكرامة الإلهية أن يختم المرء حياته بالشهادة، فتكون بمثابة القنطرة التي يعبر من خلالها إلى عالم اللقاء بالمحبوب الحقيقي، ليهتف بنداء إمامه قائلاً: "فزت وربّ الكعبة"1.

 
وهو الذي كان عليه السلام يقول: "أيُّها النَّاس إنّ الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، ليس على الموت محيدٌ ولا محيص، من لم يُقتل مات. إنّ أفضل الموت القتل، والذي نفس عليٍّ بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة على الفراش"2.

بعض خصال الشّهيد
للشهيد في الإسلام خصال وعطايا اختُصّ بها من بين جميع النَّاس، وقد ورد ذكرها بالنص القرآني والروايات المرويّة عن أهل البيتعليهم السلام، ومنها:
 
سبع خصال من الله:
أوّل ما يناله الشهيد وهو في اللحظة الأخيرة من عالم الدنيا واللحظة الأولى للمرحلة التي بعده، قال سيّد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم "للشَّهيد سبع خصال من الله:
من أول قطرةٍ من دمه مغفورٌ له كلّ ذنب.
والثانية يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه، وتقولان: مرحباً بك ويقول هو مثل ذلك لهما.
والثالثة يُكسى من كسوة الجنّة.
والرابعة تبتدره خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة أيّهم يأخذه معه.
والخامسة أن يرى منزله.

1  بحار الأنوار، ج84، ص2.
2  (م.ن)، ج32، ص61.
 
 
83

71

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 والسادسة يقال لروحه: اسرح في الجنّة حيث شئت.

والسابعة أن ينظر في وجه الله وإنّها لراحة لكلّ نبيٍّ وشهيد"1.
 
الشهداء أحياء:
وقد دلّت عليه الآيات القرآنية منها ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ2.
 
ففي هذه الآية الكريمة يُعلّمنا الله سبحانه وتعالى التأدُّب أمام عظمة تلك الدماء، لأنّه في الوقت الذي نجد فيه أنّ الموت حقّ وبالرغم من كونه أمراً طبيعياً لكلّ الناس، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ3، نجد أنّ القرآن الكريم من جهة أخرى يرفض أن نُطلق كلمة (ميّت) على الشهيد لأنّه لم يمت واقعاً. ولأنّ دوره وقضيّته لم ينتهيا بعد، بل هي لا تزال تملأ السماء والأرض: ﴿لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ4.
 
أهل البشرى والرزق الإلهي:
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ5.
 
وفي هذه الآية إشارة واضحة إلى حياة الشهداء، وإلى أنّهم يُرزقون أيضاً، بل وأكثر من ذلك أنّهم مستقرّون ويتنعّمون بجوار ربّهم الكبير المتعال.

1  وسائل الشيعة، ج15، ص16
2  سورة البقرة، الآية 154.
3  سورة الزمر، الآية 30.
4  سورة الأنفال، الآية 44.
5  سورة آل عمران، الآيات 169 – 171.
 
 
84

72

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 وإن كلمة ﴿يُرْزَقُونَ1 فيها دلالة واضحة على استمرار الرزق في عالم البرزخ بحيث إنّ النعم الإلهية تتوالى على الشهداء في برزخهم. لذا تراهم يستبشرون بإخوانهم الذين كُتبت الشهادة على نواصيهم وهم لم يلحقوا بهم بعد، وهذا تأكيد على حياتهم عند ربّهم أيضاً، مع ما يستلزمه الرزق من التكامل والاستزادة، فرحين لمرافقة الأنبياء والصدّيقين والأولياء، وهذا ما يكشف عن علوّ درجتهم ومنزلتهم عند الله.

 
وقد أشار إمامنا الخميني قدس سره إلى هذا الأمر بشكل واضح في كلماته حيث يقول في بعضها: "ما الذي بوسع إنسان قاصر مثلي أن يقول عن الشهداء الأعزّاء الذين قال الله تعالى في شأنهم تلك الكلمة العظيمة: ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ2 وهل يمكن بالقلم والبيان والكلام التعبير عن الالتحاق بالله واستضافة مقام الربوبية للشهداء؟ أليس هذا مقام: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي3 الذي رأى الحديث الشريف مصداقه في سيّد الشهداء والمظلومين؟ وهل هذه الجنّة هي التي يدخلها المؤمنون أم لطيفتها الإلهية؟ هل الالتحاق والارتزاق عند ربّ الأرباب هو هذا المعنى البشري، أم أنّه رمز إلهي أسمى وفوق تصوّر البشر الترابي؟"4.
 
ويقول قدس سره أيضاً: "والشهداء: أحياء عند ربّهم يرزقون، وقد نالوا الآن عند الله تبارك وتعالى رزقاً خالداً وروحا خالدة، وما كان من الله فقد قدّموه وسلّموا ما كان لديهم من الروح، وقد قبله الله تبارك وتعالى ويقبله. نحن الذين تخلّفنا، فنحن الذين يجب أن نتأسّف لأنّنا لم نستطع أن نسلك هذا الطريق، فقد كانوا هم السبّاقين في هذا المجال وذهبوا ونالوا سعادتهم وتأخّرنا عنهم ولم نستطع

1  سورة آل عمران، الآيات 169.
2  سورة آل عمران، الآيات 169.
3  سورة الفجر، الآيتان 29 و30.
4  صحيفة الإمام الخميني،ج17، ص116.
 
 
85

73

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 اللحاق بهذه القافلة والسير في هذا الطريق. إنّنا جميعاً لله، كلّ العالم لله، العالم من تجلّيات الله، والى الله يرجع كلّ العالم"1.

 
الأمن من عذاب القبر:
ففي الأخبار عمّا يناله الشهيد من نِعَم وثواب، ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "للشهيد عند الله ستّ خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنّة، ويحلّى حلّة الإيمان، ويُزوّج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفّع في سبعين من أهل بيته"2.
 
الشفاعة:
فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "... ويشفعُ الرجلُ منهم في سبعين ألفاً من أهل بيته وجيرته، حتى أنَّ الجارين يختصمان أيّهما أقرب"3.
 
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ثلاثة يشفعون إلى الله فيُشفّعهم: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء"4.
 
مرافقة الأنبياء والصدّيقين والصالحين:
وهو قول الله تعالى ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا5.

1 صحيفة الإمام الخميني،ج14، ص202.
2  كنز العمال، ج4، ص 45.
3  بحار الأنوار، ج97، ص14.
4  مستدرك الوسائل،ج11،ص 20.
5  سورة النساء، الآية 69.
 
 
86

74

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 ثلاث مواهب سنيّة:

يقول الله سبحانه وتعالى في سياق بيانه لمقام الشهيد: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ1. فالآية الشريفة تذكر ثلاثة مواهب خصّ الله تعالى بها الشهداء وهي:
1- أنّه تعالى سيهديهم إلى منازل السعادة والكرامة، والكمالات الإنسانية، والمقامات السامية، والفوز العظيم، ورضوانه.

2- وأنّه سيصلح حالهم بالمغفرة والعفو فيصلحون لدخول الجنّة، ويُحييهم حياةً يصلحون بها للحضور عند ربّهم بانكشاف الغطاء، ويهبهم هدوء الروح، واطمئنان الخاطر، والنشاط المعنوي والروحي.

3- وسيُدخلهم الجنّة التي وعدهم بها وادّخرها لهم، والتي سبق وأن عرّفها لهم إمّا في الدنيا عن طريق الوحي والنبوّة، وإمّا بالبشرى عند القبض.

1  سورة محمّد، الآيات 4 - 6.
 
87

75

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 المفاهيم الرئيسة

1- الشجاعة مظهر من مظاهر عشق الإنسان وحبّه للشهادة، والتي من خلالها تحقّقت انتصارات المسلمين.
 
2- لأنّ الشهادة من المقامات العالية التي اختصّ الله بها أولياءه وأحبّاءه، لذا فالشهادة منى قلوب المشتاقين وغاية آمال المحبّين.
 
3- الشهادة كفّارة للذنوب والمعاصي، فعند أوّل قطرة دم تسيل يغفر الله تعالى للشهيد جميع ما بقي عليه إلا حقّ الدَّين.
 
4- كرّم الله الشهيد في الجنّة تكريماً خاصّاً لا يحظى به إلا الأنبياء والأولياء.
 
5- من خصائص الشهيد أنّه عند استشهاده يبقى حيّاً عند الله تعالى.
 
6- من خصائص الشهيد أن رزقه لا ينقطع بعد الانتقال إلى عالم البرزخ بعكس الأموات، بل يمنحه الله تعالى فرصة الارتزاق والاستزادة، مستبشراً بالذين لم يلحقوا به بعد.
 
 
88

76

الدرس السابع: الشهادة ومقام الشهداء

 

90


77

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة




مفاهيم محورية:
- الشهادة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
- طريق الشهادة.
- تمني الموت في سبيل الله.
- عدم الإنشغال بالدنيا.
- خلوص النية.
 
 
91

78

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا1.
 
الشهادة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام
لقد منّ الله علينا ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام بأن شرّع لنا باب القتل في سبيل الله، وجعل سياحة أمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجهاد الذي تشكّل الشهادة ثمرته الناضجة كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "سياحة أمّتي ورهبانيّتهم الجهاد"2.
 
فأضحى باب الوصال والقرب الإلهي مفتوحاً على مصراعيه أمام المريدين، ولم يعد تهذيب النفس والتخلّص من الأنانية وحبّ الدنيا وغيرها من الحجب المانعة من نيل الفيض الإلهي، والتحقّق بالكمال الإنساني موقوفاً على ذلك السفر الشاقّ والطويل والمجاهدات العظيمة والسنوات العديدة.

  سورة النساء، الآية 74.
  مستدرك الوسائل،ج16، ص53.
 
 
93

 


79

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 لم يعد الإنسان يحتاج إلى خمس وعشرين سنة من عمره ليتخلّص من الرياء أو إلى ثمانين سنة ليقول بعدها: الآن زال حبّ الدنيا من قلبي، أو أن يعتزل الناس والمجتمع داخل صومعته ليبلغ الكمال وما هو ببالغه!

 
لقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ أمّته لا تحتاج إلى زمان مديد ومكان بعيد لتنال القرب الإلهي، فها هو قد اختصر بثلاث وعشرين سنة من عمره الشريف دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، بل وبلغ ما لم يبلغه أحد ممّن سبقه منهم، فصار الدين عند الله الإسلام. وها هو حفيده الإمام الحسين عليه السلام الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حسين منّي وأنا من حسين أحبّ الله من أحبّ حسيناً"1 يختصر تلك العشرين والنيّف من السنوات بعشرة أيام، بل بيوم واحد، لا بل بعدّة ساعات من نهار فيحيي إسلام جدّه صلى الله عليه وآله وسلم من جديد ويجسّد في تلك الواقعة دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكلّ ما فيه، فيصير الاستشهاد في سبيل الله شرفاً يُحقّق مراد الصالحين: "إن لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة"2.
 
ومع شهادة الإمام الحسين عليه السلام صارت كربلاء هي المكان أبداً وصارت عاشوراء هي الزمان دوماً وأضحت خطى أبي عبد الله عليه السلام منهاج الحياة "إني لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً"3، من هنا كان: "كلّ يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء"، وهو أيضا ما أكّده حفيد الأئمة الأطهار الإمام الخميني قدس سره قولاً وعملاً: "إن كلّ ما لدينا من الإمام الحسين وثورة عاشوراء"4.

1  بحار الأنوار، ج43، ص261.
2  (م.ن)، ج44، ص328.
3  (م.ن)، ص192.
4  وعشقوا الشهادة، ص9.
 
 
94

80

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 طريق الشهادة

الشهادة هي غاية آمال العارفين ومطلوب المجاهدين وهي إحدى الحسنيين التي يشتاق إليها الصالحون ويدعون ربّهم لنيلها في ليلهم ونهارهم كما في الدعاء "وَقَتْلًا فِي سَبِيلِكَ مَعَ وَلِيِّكَ فَوَفِّقْ لَنَا"1. غير أنّ الشهادة مقام لا ينال بالتمنّي والدعاء فقط، إنّ الشهادة هي منهج حياة وسلوك عملي، إنّها عزم وطاعة وهجرة وجهاد، إنّها تزكية نفس وتقوى وإخلاص.
 
إنّ نيل مقام الشهادة والقتل في سبيل الله حقّاً له شروط ومقدّمات وهو ثمرة مراحل يعبرها المسافر إلى الله في هذه الدنيا ونشير إجمالاً إلى بعض هذه الشروط:
 
تمنّي الموت في سبيل الله:
يعتبر القرآن الكريم أن تمنّي الموت هو دليل على المحبّة والولاية لله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ2. وأولياء الله هم المشتاقون دوماً لرؤيته والكادحون للقائه، الذين صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى، الذين "لولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثّواب وخوفاً من العقاب"3 كما يصفهم أمير المؤمنين عليه السلام. فأولياء الله أدركوا حقيقة هذه الدنيا وأنّها دار الفراق والهجران، وعالم التصرّم والزوال. واستيقنوا هذه الحقيقة بعدما ذاقوا حلاوة القرب الإلهي واطّلعوا على عوالم الغيب والبقاء، فصارت الآخرة مطلوبهم لا طمعاً في الجنّات والنعيم بل لأنّ الجنّة هي ساحة لقاء الحبيب، ولأنّ المحبّ يرضى ما يرضاه حبيبه، ويستعينون على ذلك بالصبر

1  بحار الأنوار، ج95، ص117.
2  سورة الجمعة، الآية 6.
3  بحار الأنوار،ج64، ص315.
 
 
95

81

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 والجهاد المستمرّ في هذا السجن، لأنّ المحبوب قد كتب لهم أجلاً محدّداً ولولاه لكانت أرواحهم الهائمة بحبّ بارئها قد عرجت إليه بلمح البصر.

 
عدم الانشغال بالدنيا:
يسأل الله سبحانه تعالى عباده مستنكراً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ1! لأن حياتكم الحقيقية ليست هنا، بل شأنكم أعظم من هذه الدنيا وما فيها، بل: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ2.
 
وحدهم أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وباعوا أرواحهم وأجسادهم لله ولم يرضوا بهذا العرض الأدنى قد تنبّهوا لتحذير الحقّ تعالى، فكان منطقهم ولسان حالهم ورسالتهم إلى قومهم على الدوام: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ3، وإلى أعداء الله وأعدائهم لسانهم أبداً: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا4.
 
فأهل الآخرة والسائرون على درب الشهادة يعيشون لله في كلّ آن من آناء أيّامهم ولياليهم، والدنيا عندهم بكلّ ما فيها لا تساوي عندهم شيئاً، بل كلّ ما يهمّهم هو رضا الله تعالى والعمل وفق إرادته. لذا فهم منذ نهوضهم وحتى نومهم متفرّغون لخدمة دينه تعالى وخدمة عياله. همّهم دائماً في كيفيّة أداء التكليف بأفضل صورة وأكمل

1  سورة التوبة، الآية 38.
2  سورة الحديد، الآية 20.
3  سورة غافر، الآية 39.
4  سورة طه، الآية 72.
 
 
96

82

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 وجه وأخلص نيّة، وهم لا يرتبطون بالدنيا إلا على هذا الأساس. فالدنيا عندهم هي المكان الذي من خلاله ينشرون دين الله، ويدعون الناس إلى الهداية والصلاح فيها، وهي المكان الذي يخدمون فيه عباد الله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحاربون الباطل. الدنيا عندهم ميدان لإعلاء كلمة الله وجعلها هي العليا، ميدان لقتال أعداء الدين والإنسانية، قطّاع طريق الهداية وسبيل الله، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ1، فهذا هو سبيلهم إلى الله ومنها زادهم إلى جنّات اللقاء والنعيم المقيم.

 
وعليه من أراد أن يسلك درب الشهداء ويتّبع سبيلهم فما عليه إلا أن يُصحّح علاقته بالدنيا ونظرته إليها وأن يقلع عن طلب الدنيا وحبّها وبالتالي تعلّقه القلبي بها لأن الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ2 فإمّا أن يتعلّق قلبه بالدنيا ويتوجّه إليها وإمّا أن يتعلّق قلبه بالله. ولا يمكن أن يجتمع حبّ الله ولقائه مع حبّ الدنيا. بل عليه أن يقلع حبّ الدنيا من قلبه وذلك من خلال عدم الاشتغال بها، فالاشتغال بأمور الدنيا يؤدّي إلى تقوية الطلب والتعلّق ويعطي إبليس المنافذ الكثيرة التي يمكن أن يتسلّل عبرها من حيث لا ندري أو نشعر فنقع في حبائله.
 
لذلك أهل الله لا شغل لهم بالدنيا، وهم إذا عملوا فيها فلأنّ ذلك مقتضى تكليفهم وواجبهم الشرعي لا أكثر. حتى إذا استدعاهم خالقهم لنصرة دينه والقتل في سبيله تسابقوا لتلبية النداء وكانوا خير الملبّين ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ3. وإذا ما فتحت أبواب السماء ولاحت بشرى الآخرة ودعتهم إليها تركوا كلّ ما يملكون وأسرعوا إلى لقاء المحبوب الأوحد الذي انتظروه كلّ حياتهم.

  سورة يوسف، الآية 108.
  سورة الأحزاب، الآية 4.
  سورة المؤمنون، الآية 61.
 
 
97

83

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 خلوص النيّة:

تكتسب الشهادة معانيها العالية وقدسيّتها من الغاية التي يُقتل الإنسان المجاهد لأجلها, ﴿سَبيلِ اللّهِ1، وهذا ما يعبّر عنه بلغة الدين بـ "النيّة"، التي هي في الواقع سبب قبول الأعمال وشرافتها وقيمتها كما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّما الأعمال بالنّيّات ولكلّ امرئ ما نوى"‏2. هذه النيّة إذا كانت لله خالصة من هوى النفس والتعلّقات الدنيوية، فإنّها تجعل العمل مقبولاً عند الله سبحانه وتعالى لأنّه تعالى لم يأمر إلا بالإخلاص: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء3 كما أسلفنا سابقاً.
 
فالمنزل الأوّل والمقدّمة الأساس لطلب الشهادة هي تطهير النيّة وصبغها بالصبغة الإلهية. وهذا يتطلّب الصدق والمراقبة الجادّة بشكل دائم ومستمر، لأنّ الإبقاء على العمل حتى يخلص أشدّ صعوبة من القيام به كما فيه الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "الإبقاء على العمل حتّى يَخلُص أشدّ من العمل"4. فإذا صفّى المجاهد نيّته من غير الله تعالى فإنّ باب التوفيق للشهادة سوف يغدو مشرّعاً، عندها سوف تهون عليه كلّ الصعاب والمصائب، وتصير البلاءات عنده نعماً وآلاءً إلهية طالما أنّها ستقوده إلى أمله ومناه إلى لقاء الله تعالى. وسيصبح الجهاد الذي هو كره للناس حلواً وعذباً عنده، والقتل والشهادة غايته إذ فيها لقاء المحبوب الأوحد الذي لا محبوب عنده سواه ولا مطلوب غيره، فتصبح ترنيمة عشقه كما هو لسان حال أبي عبد الله الحسين عليه السلام:
إلهي تركت الخلق طراً في هواك         وأيتمت العيال لكي أراك
فلو قطعتني في الحب إرباً                 لما مال الفؤاد إلى سواك.

1  سورة البقرة، الآية 154.
2  بحار الأنوار، ج67، ص212.
3  سورة البينة، الآية 5.
4  الكافي،ج2، ص16.
 
 
98

84

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 تذكّر الشهداء وزيارتهم:

لا معنى لأن يحتذي المرء حذو إنسان ما بهدف التأسّي به دون استذكاره واستحضار اسمه وأعماله ومنجزاته. والأمر بعينه ينطبق على من يسعى إلى الاقتداء بالشهداء والسير على منهاجهم. فالذكر الدائم للشهداء من خلال زياراتهم، والسَّلام عليهم، وتذكّر تضحياتهم وتفانيهم وصبرهم واحتسابهم، يترك بالغ الأثر في النفوس، فيحملها طوعاً على اتّباع طريقتهم المثلى.
 
فالروايات الشريفة عندنا بالإضافة لما ذكرته من فضل الشّهادة وقدسيّتها، فقد ذكرت أيضاً بعض الأدعية والزيارات الخاصة بالشّهداء، والمروية عن أهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم أجميعين. فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام في زيارة العبّاس بن عليّ عليه السلام قوله: "سلام الله وملائكته المقرّبين وأنبيائه المرسلين...عليك يا ابن أمير المؤمنين...أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء...أشهد أنّك قُتلت مظلوماً وأنّ الله منجز لكم ما وعدكم...وأشهد أنّك مضيت إلى ما مضى به البدريّون والمجاهدون في سبيل الله...أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود...(ثم يقول سلام الله عليه) فبعثك الله في الشهداء وحشرك مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً"1

وما كان ليصل الشهداء إلى هذه المنزلة الرفيعة لولا صبرهم وبصيرتهم كما يقول الإمام عليه السلام في بقية الزيارة: "وأشهد أنّك لم تهن ولم تنكل، وأنّك مضيت على بصيرة من أمرك مقتدياً بالصالحين"2.
 
ونقرأ في زيارة الإمام الصادق عليه السلام للشهداء أيضاً: "السلام عليكم يا أولياء الله وأحبّائه، السلام عليكم يا أصفياء الله وأودّاءه، السلام عليكم يا أنصار دين

1  مفاتيح الجنان، زيارة العباس بن علي عليه السلام.
2  (م.ن)، زيارة مسلم بن عقيل.
 
 
99

85

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 الله وأنصار نبيّه وأنصار أمير المؤمنين عليه السلام وأنصار فاطمة سيّدة نساء العالمين"1. وهكذا يرتقي الشهيد ليفوز الفوز العظيم، وليكون مدرسة للمريدين والتائقين إلى لقاء الله ومجاورة الأنبياء والصدّيقين.

 
التآسّي بالإمام الحسين عليه السلام وأصحابه:
إنّ للقدوة والأسوة الحسنة في الحياة الأثر البالغ والعميق في تحديد الوجهة والخيارات التي ينبغي أن يتّخذها الإنسان لنفسه ويعمل عليها، خصوصاً إذا كانت هذه الخيارات مصيريّة ومفصليّة في الحياة وعليها يتأسّس بنيان الإنسان. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا2. فالأمر الإلهي واضح وصريح بضرورة التأسّي بفكر ونهج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لمن كان يرجو لقاء الله واليوم الآخر. هذا الفكر الذي عماده توحيد الله كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أيها النّاس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"3، ونهجه الجهاد والتضحية في سبيل الله: "سياحة أمّتي الجهاد"4. هذا الفكر والنهج الذي تجسّد بأجلى صوره وأسمى آياته في بضعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال صلى الله عليه وآله وسلم بشأنه "أنا من حسين وحسين منّي"5. حيث كان سلام الله عليه مجمعاً للتوحيد والجهاد والذي ظهر بشكله العملي في كربلاء ليرسم معالم الطريق لسالكي درب الشهود والحضور في محضر الله تعالى، درب اللقاء بالمحبوب الأوحد الذي إليه تهفو قلوب الصادقين، وأفئدة المريدين. فغدت كربلاء مدرسة ينهل من معينها كلّ تائق للقاء الله والخلاص من أسر هذا السجن الفاني والجسد البالي، وبالتالي صار الترجمان العملي والتطبيق الواقعي لرسالة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم متجسّداً في الإمام الحسين عليه السلام وكربلاء.

1  مفاتيح الجنان، زيارة الحسين في يوم عرفة. 
2  سورة الأحزاب، الآية 21.
3  بحار الأنوار، ج18، ص202.
4  مستدرك الوسائل، ج11، ص14.
5  بحار الأنوار، ج43، ص296.
 
 
100

86

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 فعندما نُدقّق في كلّ موقف من مواقف كربلاء، وفي كلّ مشهد من مشاهدها، وفي كلّ حادثة من حوادثها نجد أنّ ما يجمعها جميعاً هو الحبّ الخالص لله ولوليه الممزوج بفرحة لقاء الله. هذا الحبّ الذي حوّل الموت عند الحسين عليه السلام وأهل بيته وصحبه إلى سعادة لا تضاهيها سعادة "إني لا أرى الموت إلا سعادة"1، حتى غدا الموت عندهم أحلى من العسل، كما كان حال أصغرهم, القاسم بن الحسن عليهما السلام عندما سأل إمامه مستفهماً: "وأنا فيمن أقتل؟ فأشفق عليه الإمام عليه السلام وقال له: يا بني كيف الموت عندك؟ فقال القاسم بن الحسن: يا عمّ أحلى من العسل!"2.

 
وعندما أذن الإمام الحسين عليه السلام لأصحابه بالانطلاق وجعلهم جميعاً في حلّ من أمرهم، وأن ليس عليهم أدنى حرج منه ولا ذمام طالما أنّ الأعداء لا يطلبون غيره، كيف كان ردّ فعلهم؟! وبماذا أجابوا إمامهم؟! وبأيّ حال توجّهوا إليه سلام الله عليهم أجمعين؟!
 
ينتفض مسلم بن عوسجة من مكانه بعد سماع كلام إمامه ويقول: "والله لو علمت أنّي أُقتل ثمّ أُحيى ثم أُحرق ثمّ أُحيى ثمّ أُحرق ثمّ أُذرى يُفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي من دونك وكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً. ثمّ قام زهير بن القين رحمه الله وقال: والله لودّدت أنّى قُتلت ثمّ نُشرت ثمّ قُتلت حتّى أُقتل هكذا ألف مرّة وأنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك لفعلت"3.
 
فأيّ روح هي هذه التي كانت تسكن جنبات هؤلاء النجباء والأصفياء الذين عندما بشّرهم إمامهم بالموت والقتل حمدوا الله وشكروه على هذه الكرامة والمنزلة!! 

1  بحار الأنوار، ج44، ص19.
2  السيد هاشم البحراني، مدينة العاجز، ج4، ص215.
3  بحار الأنوار، ج44، ص392.
 
 
101

87

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 إنها باختصار روحية الاستشهاد وتمنّي الموت التي يقول الباري عزّ وجلّ بشأنها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ1، فغدوا بحقّ أولياء لله واستحقّوا قول إمامهم فيهم ومدحهم لهم: "اللهم إنّي لا أعرف أهل بيت أبرّ ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي، ولا أصحاباً هم خير من أصحابي"2.

 
وهذا درس مهمّ لمن يريد السير على هدي هؤلاء الأصحاب الأوفياء الذين وبعد أن وجد سلام الله عليه فيهم العزم على ملاقاة الحتوف والرضا بالمقدور قام عليه السلام وبشّرهم: "إنّكم تقتلون غداً كلّكم ولا يفلت منكم رجل، قالوا الحمد لله الذي شرّفنا بالقتل معك، ثمّ دعا فقال لهم: ارفعوا رؤوسكم وانظروا فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنّة وهو يقول لهم هذا منزلك يا فلان فكان الرّجل يستقبل الرّمّاح والسّيوف بصدره ووجهه ليصل إلى منزلته من الجنّة"3. هو درس لنا جميعاً عنوانه أنّ من أراد الفوز في الدنيا والآخرة ما عليه إلا تحصيل روحية الاستشهاد، وعماد هذه الروحية هو تمنّي الموت: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ4، الموت الذي تعقبه الحياة الحقيقية، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي لأنّ الشهيد بشهادته سوف يحيا بالحياة الحقيقية، وسوف يُحيي أمّته ومجتمعه ويبثّ فيهما روح الأمل من جديد.
 
فكربلاء هي مدرسة لتعليم الشهداء وتخريج الشهداء، وقد أراد أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام من خلالها فتح باب الشهادة على مصراعيه ليغدو كلّ يوم من أيّام الموالين لخطّ أهل البيت عليهم السلام عاشوراء، وكل أرض تقلّهم كربلاء. فطالما أنّ أمر

1  سورة الجمعة، الآية 6.
2  الأمالي، ص 220.
3  بحار الأنوار، ج44، ص298.
4  سورة الجمعة، الآية 6.
 
 
102

88

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 هذا الدين لن يستقيم إلا بالاندفاع نحو الموت والشهادة كما يندفع المرء للقاء أحبّته دون تردّد أو وجَلٍ فمرحىً به "إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني"1، لأنّ أعداء الدين والإنسانية كان سلاحهم على الدوام تخويف الناس بالموت وحرمانهم من نعمة الحياة الغالية على قلوبهم، وما من سلاح فتّاك يمكن أن يواجه تثبيط الأعداء وتخويفهم إلا سلاح الشهادة وحبّ الموت في سبيل الله.

 
فمن كان يرغب بالانتساب إلى هذه المدرسة الحسينية والتزوّد من علومها، عليه الجلوس على مقاعدها متعلّماً ومتأسّياً وعاملاً لعلّه يوفّق في نهاية المطاف ليكون في ركب من أنعم الله عليهم ووفّقهم لتلبية نداء حجّة الله في الأرض عجل الله تعالى فرجه الشريف بصدق ووفاء، هذا النداء الذي صدح في كربلاء وما يزال يصدح في كلّ زمان ومكان "هل من ناصر ينصرنا"، هذا النداء الذي ما زال غضّاً طريّاً في هذا العصر أيضاً، وباب التلبية فيه مفتوح لمن حاز على روحية الشهادة حتى استحوذت على كلّ كيانه ووجوده...

1  السيد مرتضى العسكري، معالم المدرستين، ج3، ص303.
 
103

89

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 المفاهيم الرئيسة

1- منّ الله علينا ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام بأن شرّع لنا باب القتل في سبيل الله.
 
2- الشهادة في حقيقتها تُشكّل ثمرة الجهاد الناضجة والتي يبحث عنها المجاهد ويطلبها حثيثاً.
 
3- مع شهادة الإمام الحسين عليه السلام صارت كربلاء هي المكان أبداً وصارت عاشوراء هي الزمان دوماً.
 
4- إنّ نيل مقام الشهادة والقتل في سبيل الله له شروط ومقدّمات لا بد من تحقّقها.
 
5- يعتبر القرآن الكريم أن تمنّي الموت هو دليل على المحبّة والولاية لله سبحانه وتعالى وهو شرط الشهادة الأول.
 
6- من أراد أن يسلك درب الشهداء ويتّبع سبيلهم عليه أن يُصحّح علاقته بالدنيا ونظرته إليها وأن يقلع عن طلبها وحبّها.
 
7- المنزل الأوّل والمقدّمة الأساس لطلب الشهادة يكمن في تطهير النيّة وصبغها بالصبغة الإلهية.
 
8- من أراد الفوز في الدنيا والآخرة ما عليه إلا تحصيل روحية الاستشهاد، وعماد هذه الروحية هو التأسّي بالإمام الحسين عليه السلام وأصحابه النجباء.
 
 
104

90

الدرس الثامن: الشهادة عزُّ الدنيا والآخرة لدنيا

 

 

105


91

الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب

 الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب



مفاهيم محوريّة:
- وجوب إعداد عناصر القوّة.
- أهم عناصر القوّة.
- هدفنا من الجهوزية القتالية.
 
 
107

92

الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ1.
 
مقدّمة
إنّ عقل الإنسان يحكم كما فطرته وغريزته بضرورة توفير الاستعداد الكافي للدفاع في أيام الصلح والسلم, وذلك لأجل التمكّن من الوقوف في وجه العدو إن هو قام فجأة بهجوم خاطف وسريع.
 
وقد دلّت التجارب على أنّ الشعوب اليقظة والمستعدّة تمكّنت على الدوام من صدّ الحملات المفاجئة للعدو، وحفظت بقاءها واستمرار وجودها. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الشعوب التي كانت تعيش الغفلة واللامبالاة، كانت تسقط دائماً ضحيّة لغفلتها وتتعرّض للهزيمة.
 
والإسلام يأمر أتباعه أن يُعدّوا ما استطاعوا من قوّة لأجل الدفاع عن أنفسهم، وذلك قبل وقوع الحرب وظهور الحاجة إلى الدفاع، بل أكثر من ذلك فإنّه يأمرهم أن لا يسمحوا للعدو حتى بمجرّد التفكير بالهجوم على بلاد المسلمين. فإن هو شنّ

1  سورة الأنفال، الآية 60.
 
109

93

الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب

 هجومه على الرغم من قوّة المسلمين وشوكتهم، يكونون حينئذٍ قادرين من خلال هذا الاستعداد المسبق على مواجهته وردعه بسهولة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا1.

 
وجوب إعداد عناصر القوّة
إنّ أصرح آية على الإطلاق تأمر بوجوب التجهّز والاستعداد، هي قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ2.
 
فهذه الآية هي في الحقيقة تحذير بليغ لكلّ المجتمعات الإسلامية من أن يغفلوا عن الأعداء المعروفين وغير المعروفين، ومن أن يتركوا التفكير في مواجهة العدو، لأنّنا إن غفلنا فالعدو لن يدعنا وشأننا، وسيتحيّن الفرص للهجوم على البلاد الإسلامية. ولهذا نَجدُ أمير المؤمنين عليه السلام يقول حول هذا الأمر: "من نامَ لم يُنم عنه"3.
 
أهم عناصر القوة
لوجوب الإعداد والتجهّز للقتال الكثير من الموارد منها:
تعلّم فنون القتال والسلاح:
فيجب على كلٍّ من الدولة الإسلامية والشعب المسلم أن يعدّوا أنفسهم بتهيئة كلّ الإمكانات اللازمة لتعليم فنون الحرب المختلفة، كما أنّ عليها أيضاً مسؤولية تأمين السلاح الخفيف والثقيل بكافة أنواعه والعتاد الحربي.

1  سورة النساء، الآية 71.
2  سورة الأنفال، الآية 60.
3  نهج البلاغة، الخطبة 62.
 
 
 
110

94

الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب

 ومن جانب آخر، يجب على الشعب تعلّم الفنون القتالية التي يُحتاج إليها، وأن يُشكِّلوا كتائب تعبوية عسكرية مستعدّة للمواجهة دائماً. ولعلّ في هذا ما يُفسِّر سبب توجيه الخطاب لعامّة الناس في آية الإعداد، خلافاً للآيات السابقة واللاحقة التي وجّهت الخطاب إلى شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 
فهذه الآية تريد أن تُشير إلى أنّ هذا الأمر الإلهي بضرورة الإعداد شامل لآحاد المسلمين تماماً، كما يشمل الحكومة الإسلامية والعاملين عليها, ولذا، يجب على كلٍّ منهم أن يَجِدَّ في تنفيذ هذا التكليف الإلهي بقدر استطاعته، وأن يُعدّ كلّ ما يمكنه من أسباب القوّة.
 
ولأجل تحقّق وجود هذه القوّة والجهوزية عملياً، كان النبيُّ الأكرمُ صلى الله عليه وآله وسلم يشجّع المسلمين على إقامة مسابقات الرماية وسباق الخيل، كما كان يرافقهم بنفسه لمشاهدتها، وأحياناً كان يُشارك شخصياً فيها1. وقد أولى صلى الله عليه وآله وسلم استمرارية هذا التعليم لفنون القتال عناية خاصة، حيث كان يطلب من أصحابه أن لا يغفلوا عن ذلك، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من تعلّم الرمي ثمّ تركه فقد عصاني"2.
 
تنويع مصادر القوّة:
وقد استخدمت الآية في بيانها لمعنى الجهوزية المطلوبة، مفردتين اثنتين هما: "القوة" و "رباط الخيل".
 
والمقصود من "القوة" هو كلّ شيء يؤدّي إلى تقوية المجاهدين في كامل تخصّصاتهم سواء على الصعيد المادي أم المعنوي. ولأنّ هذا التعبير هو تعبير مطلق، نستنتج أنّه لا حدّ لنوع هذه القوّة ومقدارها، وهي تتبدّل بتبدّل الأزمنة، والميزان فيها أن تكون مناسبة لمواجهة العدو.

1  كنز العمال، ح10812، 10841، 10844، 10847.
2  أبو بكر السيوطي، الدر المنثور، بيروت، دار المعرفة، ج3، ص193.
 
 
111

95

الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب

 والروايات التي قد وردت في هذا المجال، جميعها كانت لتعيين مصاديق هذه القوّة وبيان اتساع معناها وشموله. فقد عُبّر عن هذه القوة في بعضها بتعبير "الرماية" كما قيل أيضاً أنّ المقصود من القوّة هو , وحدة الكلمة والثقة بالله تعالى والرغبة في الثواب الإلهي وأحياناً فُسِّرت بمعنى "الحصن"، وأخرى فُسِّرت - كما في بعض الروايات - بالسلاح والسيف والترس وحتى بصبغ الشعر الأبيض للمجاهدين1.

 
ومن المعروف أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم علِم في أيام حرب حُنين باختراع سلاح جديد في اليمن فأرسل على الفور رجلاً إلى هناك كي يشتري هذا السلاح للمجاهدين2.
 
وبناءً عليه، يمكن في هذا الزمان أن نعتبر تأمين وصناعة الوسائل العسكرية المتطوّرة كالدبابات المتنوّعة، والصواريخ، والطائرات، والسفن الحربية، والتدريب المتواصل للقوات العسكرية، هو من مصاديق إعداد هذه القوة.
 
تطوير الوسائل القتالية:
أمّا التعبير الثاني في الآية، وهو تعبير "رباط الخيل" (أي الخيل المربوطة والمستعدّة)، فيعدُّ أيضاً من مصاديق تلك القوّة. ولأنّ الخيل الأصيلة والسريعة كانت هي أفضل وسيلة للركوب والقتال في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ذُكِرَت بعنوان النموذج الأفضل, وذِكْرُ هذا المصداق يُرشدنا أيضاً إلى ضرورة تحصيل أكثر العتاد الحربي تقدّماً وتأثيراً.
 
وفي هذا الصدد يقول الإمام القائد الخامنئي دام ظله: "يجب أن تكونوا دائماً في حالة تقدّم, لأنّ العدو ينتظر الأرضية الملائمة للنفوذ، وهو ينتظر تأخّركم ليشنّ هجومه. وأفضل طريقة لصدّ هجومه هو الهجوم عليه. وإنّ تقدّمكم وتطوّركم هو هجوم على العدو. فالبعض يتصوّر أنّ الهجوم على الأعداء معناه حمل المدفع

1  يُراجع، تفسير نور الثقلين، ج2، ص164-165.
2  يُراجع، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج7، ص224.
 
 
112

96

الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب

 والأسلحة إلى مكان ما أو التصدّي السياسي من خلال الخطابات، ولا شكّ بأنّ هذا لازم في محلّه، ولكنّ الهجوم لا يكون بهذه الأمور فحسب، فإنّ بناء الإنسان لنفسه ولأبنائه ولمن أُمِّرَ عليهم ولبقية أفراد هذه الأمّة الإسلامية هو من أعظم الأعمال"1.

 
ويقول أيضاً دام ظله: "أيها الأعزاء، يا أبناء القوات المسلّحة، يجب عليكم تنمية قدراتكم العسكرية، والمحافظة على أجواء النظم والتعلّم بأفضل صورة، وكذلك يجب عليكم أن تحافظوا على القيم المعنوية والأخلاقية, لأنّها تعتبر من الأمور المهمّة والضرورية لأية مجموعة عسكرية"2.

هدفنا من الجهوزية القتالية
إنّ الهدف من وراء ضرورة الإعداد وتأمين السلاح وزيادة القدرة القتالية، ليس هو التعدّي على حقوق الآخرين وظلمهم، بل هو منع الأعداء الطامعين وردعهم عن التفكير بالهجوم وشنّ الحملات على المسلمين أو الوطن الإسلامي, وفي قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ3، إشارة إلى هذا المعنى.
 
ويدلُّ على ذلك أنّه يشير في الآية التالية مباشرة إلى التأثير العميق لهذه الجهوزية الدفاعية على معنويات الأعداء، فيقول: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ4.
 
فهذا الإجراء الذي يتّخذه المسلمون ليس فقط يُخرِج فكرة الهجوم عليهم من أذهان الأعداء، بل يدفعهم إلى التفكير في عقد صلح وإرساء أواصر العلاقة الطيّبة مع المسلمين.

1  جمهوري إسلامي، 25/ 9/ 1375هـ.ش(1996م).
2  حديث ولايت، ج6، ص253.
3  سورة الأنفال, الآية 60.
4  سورة الأنفال، الآية 61.
 
 
 
113

97

الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب

 وعليه، فللجهوزية العسكرية والدفاعية في الإسلام بُعدٌ سلمي ودعوة إلى الصلح لا إلى إشعال الحروب.

 
والمسألة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها في سياق عرض الهدف من وراء هذه الجهوزية، هي أنّها تصبّ في المقصد النهائي للجهاد، وهو: أن يكون "في سبيل الله" فاقتران "عدو الله" مع "عدوّكم" في الآية يدلّ على أنّه في تطبيق هذا التكليف بضرورة الإعداد لا مكان للأهداف الشخصية، بل إنّ الهدف هو حفظ دين الإسلام فقط1.

  يُراجع، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج7، ص226.
 
 
114

98

الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب

 المفاهيم الرئيسة

1- إنّ عقل الإنسان يحكم كما فطرته وغريزته بضرورة توفير الاستعداد الكافي للدفاع في أيام الصلح والسلم, وذلك لأجل التمكّن من الوقوف في وجه العدو إن هو قام فجأة بهجوم خاطف وسريع.
 
2- قد دلّت التجارب على أنّ الشعوب اليقظة والمستعدّة تمكّنت على الدوام من صدّ الحملات المفاجئة للعدو، وحفظت بقاءها واستمرار وجودها. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الشعوب التي كانت تعيش الغفلة واللامبالاة، كانت تسقط دائماً ضحية لغفلتها وتتعرّض للهزيمة.
 
3- الإسلام يأمر أتباعه أن يُعدوّا ما استطاعوا من قوّة لأجل الدفاع عن أنفسهم، وذلك قبل وقوع الحرب وظهور الحاجة إلى الدفاع، بل أكثر من ذلك فإنّه يأمرهم أن لا يسمحوا للعدو حتى بمجرّد التفكير بالهجوم على بلاد المسلمين.
 
4- يجب على كلّ من الدولة الإسلامية والشعب المسلم أن يعدّوا أنفسهم. فعلى سبيل المثال، يجب على الدولة الإسلامية أن تُهيّئ كلّ الإمكانات اللازمة لتعليم فنون الحرب المختلفة، كما أنّ عليها أيضاً مسؤولية تأمين السلاح الخفيف والثقيل بكافة أنواعه والعتاد الحربي.
 
5- يجب على الشعب تعلّم الفنون القتالية التي يُحتاج إليها، وأن يُشكِّلوا كتائب تعبوية عسكرية مستعدّة للمواجهة دائماً.
 
6- إنّ الهدف من وراء ضرورة الإعداد وتأمين السلاح وزيادة القدرة القتالية، ليس هو التعدّي على حقوق الآخرين وظلمهم، بل هو منع الأعداء الطامعين وردعهم عن التفكير بالهجوم وشنّ الحملات على الوطن الإسلامي.
 
 
115

99

الدرس التاسع: الجهوزية الدائمة في الحرب

 

 

116


100

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها



مفاهيم محورية
- ما هي الحرب النفسية؟
- أهداف الحرب النفسية؟
- كيف نواجه الحرب النفسية؟
 
 
117

101

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ1.
 
ما هي الحرب النفسية؟
تُعدّ الحرب النفسية من أخطر أنواع الحروب، وأقساها على الإطلاق. فهي تستهدف قلب الإنسان وعقله وسلوكه وتقوده نحو الهزيمة والاستسلام بعد القضاء على روح المواجهة لديه. 

وهي لا تستهدف الأفراد فقط بل تستهدف كلّ فئات المجتمع. وعُرِّفت الحرب النفسية بتعاريف مختلفة، منها: أنّها عبارة عن إجراءات يتّخذها الطرف الأوّل نحو الطرف الثاني من خلال الدعاية والإعلام بشتّى ألوانها للسيطرة على أفكار الآخر ومشاعره وعواطفه وسلوكه ومعنويّاته.

أهداف الحرب النفسية
تهدف الحرب النفسية إلى تحطيم الروح المعنوية وزعزعة الإيمان بالهدف المنشود والتشكيك في القيادات المسؤولة وبثّ الفرقة بين صفوف المجتمع وزرع

1  سورة آل عمران، الآية151.
 
 
119

102

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 اليأس وعدم الثقة وروح الاستسلام في النفس، وبالتّالي إضعاف الجبهة الداخلية لأيّ مجتمع وإحداث الثغرات فيه.

 
فالحرب بواسطة السلاح تستطيع أن تُدمّر القوّات والمعدّات، والحرب الاقتصادية يمكن أن تحرم الخصم من المواد والموارد الحيوية، أمّا الحرب النفسية فهي تستطيع أن تُحقّق ما هو أخطر وأعمق أثراً، إنّها تُجرّده من أثمن ما لديه وهو إرادته القتالية، فهي تستهدف في المقاتل أو المواطن عقله وتفكيره وقلبه وعواطفه لكي تُحطِّم روحه المعنوية وتقوده إلى الهزيمة.
 
كيف نواجه الحرب النفسية؟
تُعدُّ دائرةُ الحرب النفسية كما ذكرنا أكثر اتساعاً من دائرة الحرب العسكرية، ذلك أنّها تمتدّ من الناحية الزمانية على فترة أطول، حيث تبدأ قبل مدّة من بدء الحرب العلنية، وتستمرّ بعدها 
بمدّة أيضاً.
 
ومن الناحية المكانية، لا تنحصرُ الحرب النفسية في جبهة القتال، بل تطالُ آثارها الخطوط الخلفية للجبهة. وعليه، فالأفراد الذين ليسوا في حالة مواجهة عسكرية هم أيضاً عرضةٌ -  وبشكل مباشر - لتهديدات الحرب النفسية، حيث تُشَاهد آثارها على أفكارهم وتصرّفاتهم.
 
وفي بعض الموارد، يكون سلاح الحرب النفسية أكثر فعاليّة وتأثيراً من سلاح الحرب العسكرية. والسبب في ذلك أنّ الحرب النفسية إنّما تنال من أفكار المجاهدين وعامّة الناس ومعنوياتهما، ومن خلال آثارها الإيجابية أو السلبية، تدفع بهم أكثر إمّا نحو الاستمرار في الحرب أو العدول عنها.
 
ولهذا السبب، يُلاحظُ أحياناً أنّ جبهةَ قتالٍ بعددِ جنودٍ قليل وتسليحٍ غير كافٍ، ولكن مع وجود معنويّات قويّة واعتقادٍ راسخ بصحّة الطريق، تنال النصر.
 
وفي المقابل، نجدُ أنّ فئة كبيرة قد تقبلُ الاستسلام أمام العدوّ - حتى قبلَ أن
 
 
 
120

103

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 تحصل الهزيمة العسكرية فعلياً - بسبب عدم وجود معنويات قويّة.

 
وعلى المجاهدين وقيادتهم أن يمتلكوا زمام المبادرة في الحرب النفسية كما هو الحال في الحرب العسكرية، وأن يُعجِزوا العدو، ويقتربوا من النصر عن طريق القيام بهجوماتٍ متكرّرة، وردّ الحملات النفسية التي قد تُشنُّ عليهم.
 
هدفنا من الحرب النفسية
الأهداف الأساس من مواجهة الحرب النفسية يمكن اختصارها بالأمور والعوامل التالية:
توحيد صفوف المجاهدين وإيجاد الاختلاف في صفوف العدو:
إنّ الوحدة بين القوات المجاهدة من أفضل العوامل على الإطلاق، فهي ترفع المعنويات وتبعث الطمأنينة فيهم عند لقاء العدو، وتوفّر لهم أسباب الانتصار. ولأجل تحقيق هذا الغرض، حثّ القرآن الكريم المؤمنين على الوحدة، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ1.
 
ومن ناحية أخرى، نهى المجاهدين عن التنازع فيما بينهم، لأنّ ذلك يؤدّي إلى زوال قوّتهم وشوكتهم، ويُجرّئ العدو عليهم، حيث قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ2.
 
وبهدف إيجاد الوحدة بين المؤمنين، عمد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى إقامة عقدٍ للأخوّة فيما بينهم، وحيثما كان يشمّ رائحة الاختلاف بين المؤمنين, كان يسارع بكلماته البليغة إلى وأد هذا الاختلاف في مهده، ويزيل أرضية وجوده واستمراره.
 
وإن إيجاد الاختلاف أو تقوية الموجود منها بين صفوف العدو، يُعدُّ من العوامل الفعّالة في الحرب النفسية, لأنّ ذلك يؤدّي إلى أن ينشغل العدو بنفسه، وإلى سلب

  سورة الصف، الآية 4.
  سورة الأنفال، الآية 46.
 
 
121

104

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 فرصة إثارة الفتن والمكائد من يده. ولقد اتبع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في معركة الأحزاب خطّة مدروسة بعناية لإيجاد الاختلاف بين صفوف الكفّار، وكانت هذه الخطوة منه أحد الأسباب الرئيسة في انتصار المسلمين في تلك الحرب.

 
فقد أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نعيم بن مسعود، وكان قد أسلم حديثاً دون أن يعلم أحد من الكفار بذلك، بأن يوجد التفرقة بين اليهود والمشركين الذين كانوا قد تواطؤا معاً خلال معركة الأحزاب للإطاحة بالإسلام، مستفيداً من علاقته الحميمة والمقرّبة من الطرفين. وقد تمكّن نعيم عن طريق محادثات منفصلة مع يهود بني قريظة الذين كانوا داخل المدينة، ومع المشركين الذين كانوا يحاصرونها من خارج، أن يجعل كلّاً منهما يُسيء الظنّ بصاحبه، وبالتالي استطاع أن يفكّكَ اتحادهما، ممّا أضعفَ قدرتهم، فأدّى ذلك - إلى جانب عوامل أخرى - إلى انتصار المسلمين1. ويجب الالتفات في هذه المواجهة إلى أنّ العدو يلجأ أحياناً إلى استخدام هذه الحربة ضدّ المجاهدين، ويعمل على إيجاد التفرقة بين صفوفهم، ولذا يجب عليهم الوقوف بحذر ويقظة في وجه سعيه هذا.
 
تقوية معنويات المجاهدين وإيجاد روحية الشك في صفوف العدو:
إنّ عمل كلّ إنسان، وميزان قوّته أو ضعفه في إنجاز هذا العمل، يرجعُ إلى معتقداته وتصوّراته التي يحملها. فالإنسان الذي يعتقدُ بفائدةِ عملٍ ما وضرورته، ينجزه بمنتهى القوّة والدقّة والمسؤولية.
 
وإن كان متردّداً بشأنه، فإنّه يتركُه عندَ أول مشكلة يواجهها. ولهذا، يُعدُّ رسوخُ العملِ في معتقدات الإنسان، أهم عامل من الناحية النفسية في إنجازه وإتمامه.
 
 

1  يُراجع، تاريخ الطبري، محمد بن جرير الطبري، ج2، ص578. والسيرة النبوية، ابن هشام الحميري، ج3، ص240. والمغازي، الواقدي، ج2، ص480.
 
 
122

105

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 وبالالتفات إلى هذا الأمر، ولأجل أن يؤدّي المجاهدون في سبيل الله ما عليهم في ساحة الحرب بشكل صائب، ولا تظهر منهم أدنى بوادر الضعف والتراجع، ينبغي عليهم في البداية أن يقوّوا معتقداتهم، وأن يُهيّئوا أنفسهم عن طريق معرفة الحقّ وتمييزه عن الباطل.

 
ومن جانب آخر، لإضعاف العدو يجب أن يعمل المجاهدون على أن تسودَ بينهم روحيّة الشكّ والضعف. فالأعداء الذين حضروا إلى ساحة القتال وهم يحملون عقائد واهية وباطلة، وهم يظنّون أنّها الحقّ، يمكن أن تُسلبَ القدرةُ منهم والمبرّرات بمجرّد بيان الحقائق والوقائع الصحيحة. ومثل هذا العدو، إن أمكننا أن نبدّل يقينه إلى شكّ، لن يحتاج بعدها إلى كثير عمل نقوم به في مواجهته، ويمكن هزيمته بسهولة.
 
ولهذا السبب ذُكِرَ في الفقه الإسلامي لزوم الدعوة إلى الإسلام قبل جهاد العدو ومقاتلته. وفي سيرة المعصومين عليهم السلام ما يحكي عن ذلك بوضوح. فقد كان أمير المؤمنين عليه السلام خلال الحروب، يسعى بقوّة - قبل بدء المعركة - إلى هداية أعدائه وتغيير ما هم عليه، وذلك عن طريق إلقائه أو أحد قادته، لخطبة أو حديث على مسامعهم.
 
وطبعاً لا تنبغي الغفلة عن أنّ العدو في هذا النوع من الحرب النفسية، يعمد إلى بذل جهود مقابلة لإضعاف قدرة المجاهدين. فرَفْع جيش معاوية للمصاحف على رؤوس الرماح في معركة صفّين كان لأجل تحقيق هذا الغرض، وهو ما أدّى بالفعل- وعن طريق إدخال الشكّ في نفوس كثيرين من جند الإمام علي عليه السلام - إلى دفع هؤلاء الجنود للضغط على الإمام عليّ عليه السلام لقبول وقف الحرب والتحكيم المفروض.
 
وقد نُقِلَ في بعض التفاسير1 أنّ البعض من أهل الكتاب كانوا يعمدون لأجل

1  يُراجع: تفسير راهنما: أكبر هاشمي رفسنجاني, وجمع من المحقّقين، مركز منشورات دفتر تبليغات اسلامى، ج4، ص105.
 
 
123

106

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 إيجاد روحية الشكّ والضعف في نفوس مسلمي صدر الإسلام، إلى الإيمان أوّل النهار والكفر في آخره، ليشكّكوا بهذه الوسيلة في صحّة الإسلام وصوابيّته، حيث يقول تعالى: ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ1.


الاستفادة من سلاح التبليغ والإعلام:
يجب أن يعمد المجاهدون، وبالاستفادة من الطاقات الفاعلة ووسائل الإعلام العامّة، إلى التبليغ بأفضل صورة. وينبغي خلال التبليغ ضدّ العدو، الاستفادة من أساليب يكون لها أكبر الأثر في تقوية معنويات المجاهدين، وإضعاف معنويات العدو وتدميرها.
 
فيما مضى، كان الارتجاز في الحرب عادة يُعملُ به. فعن طريقه، كان الأشخاص يُعرّفون أنفسهم أمام الخصم، وأحياناً يعلنون عن غاياتهم وأهدافهم. أمّا اليوم، وقد تعدّت الحروب إلى أبعد من مواجهة رجل لرجل، وأصبحت تُصيب بنارها الشعوب التي تفصلها آلاف الكيلومترات عن بعضها البعض، فلا بدّ من أجل التبليغ ضدّ العدو، والإشارة إلى أهدافنا ومقاصدنا، أن نستفيد من وسائل الإعلام والاتصال العامّة.
 
وأحد الأهداف المهمّة للتبليغ، هو سلب الدوافع من الأعداء للهجوم على المجاهدين، لأنّه إن أمكن سحب الذرائع من أيديهم، لم يَعُد بإمكانهم توفير حجّة للهجوم والإصرار على متابعة العمليات, وبضغط بسيط يمكن دفعهم نحو الاستسلام أو الهزيمة.
 
ومن الأهداف المهمّة الأخرى في التبليغ، تضخيمُ نقاط ضعفِ العدو وإبرازها. وفي هذا المجال، ينبغي في البداية الحصول على المعلومات الكاملة من خلال كلّ الوسائل المتاحة، حول النقاط الحسّاسة، والتي يمكن توجيه الضربات إليها عند 

1  سورة آل عمران، الآية 72.
 
124

107

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 العدو، ومن ثمّ يمكن البدء بحرب نفسية وإعلامية لقلع العدو من مكانه. ومن ناحية أخرى، من الضروري مواجهة دعايات العدو، وتحوز مسألة الحذر من شائعاته أهمّيّة كبرى في هذه الحرب النفسية، لأنّ العدو يسعى عن طريق بثّ الإشاعات إلى حرف توجّهات المجاهدين والإضعاف من عزيمتهم.

 
لقد كانت شائعةُ مقتلِ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أُحد من الشائعات التي قام العدو ببثّها، ممّا أدّى إلى فرار كثير من المسلمين. وكذلك، أدّى نشر شائعة الصلح  بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية خلال المواجهة بين الجيشين، إلى تراجع حدّة القتال، وتوقّف كثير من جنده عليه السلام عن متابعة المعركة.
 
وفي مثل هكذا حرب نفسية، ينبغي في البداية زيادة الوعي السياسي للمجاهدين، ومن ثم اطلاعهم، عن طريق إجراء التحليلات العميقة والصحيحة، على حقيقة هذه الشائعات التي أطلقها العدو بشكل مدروس، ومن جانب آخر، نأخذ بعين الاعتبار أسلوب القرآن المجيد في كيفية التعامل مع الشائعات. ففي إطار انتقاده للمنافقين، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً1.
 
ولأنّ العدو قد يلجأُ في بعضِ الأحيان إلى بثّ دعاياته ضدّ المجاهدين بشكل مدروس ودقيق، ينبغي القيام بالردّ عليه بالأسلوب المناسب وفق خطة إعلامية مشابهة، تماماً مثلما جرى في معركة أُحد، حيث ردَّ المسلمون بأمرٍ من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على شعار زعيم المشركين "أُعلُ هُبل" بشعار "الله أعلى وأجلّ" وعلى شعار "نحن لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم" بشعار "الله مولانا ولا مولى لكم"2.

1  سورة النساء، الآية 83.
2  يُراجع، بحار الأنوار، ج20، ص44.
 
 
 
125

108

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 وفي يوم عاشوراء، كان الإمام الحسين عليه السلام يواجه الأعداء عن طريق إطلاق الشعارات التي تُبيّن هدفه، وذلك ردّاً على أكاذيب العدو أيضاً. ويقول الشهيد مطهري قدس سره حول هذا الأمر: "لقد أطلق أبو عبد الله عليه السلام في يوم عاشوراء شعارات كثيرة، بانت فيها روح نهضته.

 
إيجاد السكينة بين المجاهدين وإنزال الرعب في قلوب الأعداء:
من الوسائل الأخرى الفعّالة في الحرب النفسية، توفير السكينة في نفوس المجاهدين، ويُعدُّ الاعتماد على الاعتقادات الإسلامية، من قبيل دور التوكّل والصبر في تحقيق النصر والنظرة الصحيحة إلى مسألة الموت والحياة الخالدة، وتقدير الموت وعدم تأخّر الأجل الحتمي، والأمل بالإمدادات الإلهية، من جملة المسائل التي تقوّي من تأثير المجاهدين وتزيده، وفضلاً عن كلّ الأشخاص المتواجدين خلف الجبهات، حيث سيواصلون أعمالهم دون خوف واضطراب، وبطمأنينة بالٍ، ولن تؤدّي مشكلات الحرب إلى اضطراب معنوياتهم أو خسرانها.
 
ونجد هذا الأسلوب من الحرب النفسية في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام في حروبهم مع الأعداء نذكر منها:
1- في معركة أحد:
ومن الإجراءات الأخرى لإلقاء الرعب والخوف في قلوب الأعداء، القيام بالتحرّكات العسكرية المناسبة. فبعد هزيمة أُحُد، أمر النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الأشخاص الذين قد شاركوا في المعركة، حتى الجرحى منهم، أن يخرجوا تحت إمرته لملاحقة العدو, وهو ما عُرف باسم غزوة "حمراء الأسد" والتي كانت استعراضاً للقوة في الواقع. وعلى أثر هذه المناورة ووصول خبرها إلى مسامع أبي سفيان ورجاله، والذين
 
 
 
126

109

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 كانوا يعزمون على الرجوع إلى المدينة والقيام بالقضاء المبرم على المسلمين، أخذ الخوف والرعب من قلوبهم كلّ مأخذ، فعدلوا عن نيّتهم وعادوا إلى مكة1.

 
2- في فتح مكّة:
وكذلك، أمر صلى الله عليه وآله وسلم خلال فتح مكة أن يشعلوا النار على رؤوس المرتفعات المحيطة بمكة. وحينما خرج أبو سفيان للاطلاع على منشأ النار ذُهِلَ، وارتعب من صفوف المجاهدين التي كانت تمرُّ من أمامه، إلى الدرجة التي حذّر الناس عند عودته إلى مكة والوقوف في وجه جيش الرسول2. صلى الله عليه وآله وسلم وقد وفّر استعراض صفوف المجاهدين الأرضية المطلوبة لفتح مكة دون إراقة الدماء.
 
ويجب الالتفات إلى أنّه لأجل إيجاد الخوف بين الأعداء، من اللازم أن يُتمسَّك بأعمال لا يُحرِّمها الإسلام، لأنّ أعمالاً كالتمثيل بالقتلى أو قتل الأسرى3 أو إقامة محارقَ للبشر... فهي وإن كانت تُعدّ أعمالاً باعثة على رعب العدو وهلعه، ولكنّها ليست جائزة.
 
3- في حرب صفين:
وأمّا المسألة المهمّة في هذه المواجهة، فهي بعث الرعب والخوف في قلوب الأعداء، والذي يمكن تحقيقه من خلال القيام بعدّة أمور. وإحدى هذه الإجراءات هي القيام بتهديد العدو. ففي أحد أيام حرب صفين، أظهر الإمام علي عليه السلام بأنّه سيشنّ هجوماً على جيش معاوية مع طلوع الصباح، فوصل هذا الخبر إلى أسماع معاوية ورجاله، واستولى الخوف عليهم، وزالت معنوياتهم4.

1  يُراجع، بحار الأنوار، ج20، ص64. وتاريخ إسلام: محمد إبراهيم آيتى، ص319.
2  يُراجع، بحار الأنوار، ج21، ص103. والمغازي، الواقدي، ج2، ص814. والسيرة النبوية، ابن هشام الحميري، ج3، ص78.
3  المقصود في الحالة التي لا يستمر معها الخطر، وتكون الحربُ قد وصلت إلى نتيجتها.
4  يُراجع: وقعة صفين، نصر بن مزاحم المنقري، ص468.
 
 
127

110

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 4- في حرب الجمل:

وفي حرب الجمل كذلك، نادى أمير المؤمنين عليه السلام: "يا محمد بن أبي بكر! إن صُرِعَتْ عائشةُ فوارها وتولّ أمرها" فتضعضع القوم حين سمعوا ذلك واضطّربوا، وأمير المؤمنين عليه السلام واقف في موضعه...1.
 

1  الشيخ المفيد، الجمل، مكتبة الداوري - قم - ايران، ص183.
 
 
128

111

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 المفاهيم الرئيسة

1- تُعدُّ دائرةُ الحرب النفسية أكثر اتساعاً من دائرة الحرب العسكرية، ذلك أنّها تمتدّ من الناحية الزمانية على فترة أطول، حيث تبدأ قبل مدّة من بدء الحرب العلنية، وتستمرّ بعدها بمدّة أيضاً.

2- من الناحية المكانية، لا تنحصرُ الحرب النفسية في جبهة القتال، بل تطالُ آثارها الخطوط الخلفية للجبهة. وفي بعض الموارد، يكون سلاح الحرب النفسية أكثر فعاليّة وتأثيراً من سلاح الحرب العسكرية.

3- السبب في ذلك أنّ الحرب النفسية إنّما تنال من أفكار المجاهدين وعامّة الناس ومعنويّاتهما، ومن خلال آثارها الإيجابية أو السلبية، تدفع بهم أكثر إمّا نحو الاستمرار في الحرب أو العدول عنها.

4-يمكن في الحرب النفسية أن يُستفاد من أدوات عدّة، أهمّها الآتي:
- ترسيخ الوحدة بين المجاهدين وإيجاد الاختلاف في صفوف العدو.
- تقوية معنويات المجاهدين وإيجاد روحية الشك والضعف في صفوف العدو.
- الاستفادة من سلاح التبليغ والإعلام.
- إيجاد السكينة بين المجاهدين وإنزال الرعب في قلوب الأعداء.
 
 
129

112

الدرس العاشر: أهمية الحرب النفسية وضرورتها

 
130

113

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة



مفاهيم محورية:
- كيف ننتصر؟
- الإعداد العسكري الجيد.
- الإمدادات المعنوية والغيبية.
- كيف يمكن أن ننهزم؟
 
 
131

114

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ1.
 
كيف ننتصر؟
يمكن تقسيم عوامل تحقّق النصر في الحرب إلى قسمين: عوامل مادية وعوامل معنوية، وفيما يلي نستعرض نبذة عن أهم هذه العوامل.
 
الإعداد العسكري الجيد
تُعتبر الجهوزية القتالية، وتوافر الإمكانات والعتاد الحربي، والاستمرار في التدريب العسكري والتخصّصي من العوامل المادّية المؤثّرة في انتصار قوّة عسكرية ما. وإنّ توفير هذه العوامل بالشكل الكامل والمطلوب كان بوحي من قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ...2, وهو ما يُثبت بدوره أنّ القرآن الكريم قد رأى في تأمين كافة العوامل المادية سبباً من أسباب تحقيق الانتصار في الحرب.

  سورة محمد، الآية 7.
  سورة الأنفال، 60.
 
 
 
133

115

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 ولأجل أن يتمكّن المسلمون من الحصول على هذه العوامل المادّية المؤثّرة في صناعة النصر ومن القيام بالتكليف الملقى على عاتقهم، ينبغي لهم من جهة أن يتعلّموا كلّ العلوم والفنون الحربية، ويزيدوا من قدراتهم العسكرية يوماً بعد يوم. كما ينبغي عليهم من جهة أخرى أن يُؤمِّنُوا، وعلى قدر استطاعتهم، أحدث الأسلحة وأكثرها تقدّماً، مثلما كانت سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والتي لا يخالفها جميع العقلاء والخبراء العسكريون.

 
وكذلك، تُعدّ القوات البشرية الكافية أحد الأركان الأولى للحرب، والتي ليس هناك من شكٍّ في ضرورة تهيئتها وتربيتها. ويدرك الاختصاصيون العسكريون أهمّيّة مثل هذه العوامل - كمّاً وكيفاً - وهم يعملون على القيام بما يلزم لتأمينها.
 
وفي هذا الصدد يقول الإمام القائد الخامنئي دام ظله: "على القوات المسلحة تقوية بنيتها من الناحية العلمية والإعدادية والانضباطية والنظامية، كما يجب أن تكون في أعلى درجات المعنويات وتثبيت القلوب على الإيمان"1.
 
الإمدادات المعنوية والغيبية
إنّ ما يجب إيلاؤه أهمّيّة أكبر في هذا البحث، هو العوامل المعنوية للنصر والتي تأتي الامدادات الغيبية على رأس هذه العوامل, نظراً لكونها العوامل الرئيسة في تحقيقه. وفيما يأتي شرح مفصّل لها. المراد من "الإمداد" هو "تقديم المساعدة"، ومن "الإمدادات الغيبية" هو "إيصال النصرة الخفية"، والذي يَحدثُ من قبل الله تعالى، ويعدُّ أحد العوامل المهمة لانتصار المسلمين.
 
وقد ذُكِرَت في العديد من آيات القرآن المجيد، نماذج من الإمدادات الغيبية الإلهية التي كانت تفاض على المجاهدين طوال التاريخ الماضي، وخصوصاً تاريخ صدر الإسلام. ولقد تجلّت - ولا تزال - الإمدادات الإلهية للمجاهدين بصورة مختلفة، ومن أهمّها:

1  جمهوري إسلامي، 5/8/1370هـ.ش(1991م).
 
 
 
134

116

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 إيجاد الخوف في قلوب العدو:

إنّ الأشخاص الذين لديهم اطلاع بشؤون الحرب وأحوالها، يعلمون أن تحلّي المقاتلين بالشجاعة وعدم الخوف هو أحد أهم عوامل الانتصار. ولأجل تقديم النصر للمؤمنين، فقد نزع الله تعالى هذه الروحية من العدو، وألقى بدلاً عنها الخوف والرعب من قدرة المسلمين في قلوبهم، مثلما شاهدنا ذلك جلياً في معارك صدر الإسلام المختلفة، حيث يقول تعالى متحدّثاً عن أوّل معركة بين الإيمان والكفر، معركة بدر، فيقول تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ1.
 
وبعد إثارة حماسة المسلمين للمشاركة في غزوة "حمراء الأسد"2، يقول تعالى أيضاً: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ3.
 
والسبب الأساس في انتصار المسلمين على يهود "بني قريظة" كان أيضاً الإمداد الإلهي، حيث يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا4.
 
كما أنّه كان السبب كذلك في الانتصار على يهود "بني النضير" فدفعهم ليخربوا بيوتهم بأيديهم، حيث يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ 

1  سورة الأنفال، الآية 12.
2  اسم مكان على بُعدِ ثمانية أميال من المدينة، حيث أُمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من قبل الله أن يتعقّب المشركين إليه، مباشرة بعد معركة أُحد.
3  سورة آل عمران، الآية 151. 
4  سورة الأحزاب، الآية 26.
 
 
135

117

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ1.

 
ولقد كان انتصار المسلمين عن طريق إلقاء الخوف في قلوب الأعداء من الأهمّيّة بمكان أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتبره أحد خصوصيّاته الإلهية، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: "أُعطيتُ خمساً لم يُعطَها أحدٌ من قبلي... ونُصرتُ بالرّعب"2.
 
نصرة الملائكة:
يُقدَّم النوع الثاني من الإمداد الإلهي بواسطة الملائكة، حيث يرسلهم تعالى لمساعدة المسلمين، وليسرّع في انتصار المؤمنين على المشركين من خلال تقوية معنوياتهم. وقد تحدّث القرآن المجيد عن مثل هذا الإمداد الغيبي في معركة بدر، فقال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ3.
 
ولأجل دفع المسلمين وحثّهم على الاشتراك في غزوة "حمراء الأسد" يعدهم الله بمثل هذه النصرة، فيقول تعالى: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ4.
 
كما ويصف نصرة المسلمين عن طريق الملائكة في معركتي الأحزاب وحنين، فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا5.

1  سورة الحشر، الآية 2.
2  بحار الأنوار، ج8، ص38.
3  سورة آل عمران، الآية 124.
4  سورة آل عمران، الآية 125.
5  سورة الأحزاب، الآية 9.
 
 
136

118

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 ويقول تعالى أيضاً: ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ1.


إنزال السكينة على المؤمنين:
انطلاقاً من أنّ عوامل مختلفة كالخوف والشكّ في الهدف، تؤدّي إلى تخريب روحية المجاهدين ومعنوياتهم، فإنّ الله تعالى لا يخرج ذلك من قلوبهم فحسب، بل يُلقِي بدلاً منها السكينة والطمأنينة. فخلال أحداث "صلح الحديبية" مرّ المسلمون في ظروف صعبة أوجدت التزلزل في نفوس ضعاف الإيمان. فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبشّر بدخول المسجد الحرام ولكنّ المسلمين لم يدخلوه حينها، وكانوا قد أَحْرَمُوا للعمرة، فمنعهم المشركون من أداء مناسكها، فاضطروا للخروج من إحرامهم، إلى ذبح أضحية. كما أنّ قبول بنود الصلح كان ثقيلاً وصعباً على البعض منهم.
 
وفي مثل تلك الأوضاع، كان أن أنزلَ اللهُ سكينتَهُ على قلوبهم، حيث أشار القرآن المجيد إلى هذا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا2. والمراد من السكينة هو الهدوء والاطمئنان، والتي يزول معها كلّ نوع من أنواع الشكّ والتردّد والخوف، وتثبت أقدامه في خضم الحوادث الصعبة.
 
وكذلك كان الأمر في معركة "حنين" التي فرّ فيها كثير من المسلمين، حيث عُدَّ نزول السكينة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين منَ الإمدادات الإلهية التي تُضاف إلى الإمدادات الغيبية الأخرى، حيث يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ3.

1  سورة التوبة, الآية 26.
2  سورة الفتح، الآية 4.
3  سورة التوبة، الآية 26. طبعاً يعتبر بعض المفسرين، أنّ نزول السكينة في حنين اختصّ بالأشخاص الذين استقاموا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وثبتوا.
 
 
 
137

119

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 كيف يمكن أن ننهزم؟

يستفاد من منطق القرآن المجيد أنّ لعوامل الهزيمة جذوراً تضربُ في أعمال الإنسان وسلوكه، حيث يقول تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا1. وعليه ينبغي على المجاهدين أن يسارعوا بعد كلّ انتكاسة إلى تقويم نتائج أعمالهم والوقوف على نقاط ضعفهم وتقصيرهم، ويعمدوا إلى رفعها وجبرانها، لا أن ينسبوها إلى الله أو أشخاص آخرين، فيغفلوا عن إصلاحها، فيتعرّضون للهزيمة مرّة ثانية لتلك الأسباب نفسها.
 
وتنقسم عوامل الهزيمة كعوامل النصر إلى عاملين: مادي ومعنوي وكما هو الحال في العوامل المادّية للنصر، تبحث العوامل المادّية للهزيمة في إطار العلوم العسكرية. ولهذا سوف نتعرّض في هذا الدرس لأهم العوامل المعنوية للهزيمة.

فقدان البصيرة:
يؤدّي عدم المعرفة الحقيقية بالله تعالى - مبدأ وأصل كل قدرة في عالم الوجود- وعدم التوكّل عليه، إلى تزلزل المعنويات وإلى الاضطراب في أوقات الشدّة والمصاعب. كما ويؤدّي إلى وقوع الإنسان في التردّد والحيرة حينما يجب عليه أن يختار بين الدنيا والآخرة طريقاً يسلكه، ومن ثمّ إلى أن يعزمَ على أمر خاطئ. ومن جانب آخر، وعلى أثر حدوث الانتصارات الظاهرية، يؤدّي عدم معرفة هذا المبدأ إلى بروز الغرور والعجب، وتبدّل الانتصارات إلى هزائم، أو إلى سوء الاستفادة من هذه الانتصارات، ومنع النتائج المترتّبة عليها من أن تكون من نصيب المجاهدين.
 
وفي هذا الصدد يقول الإمام القائد الخامنئي دام ظله: "قوات الحرس يجب أن تعرف دورها وموقعها، وتكون على بصيرة، وتتمتع بالوعي السياسي، والإطلاع 

1  سورة النساء، الآية 79
 
 
138

120

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 على الزمان والمكان، وتمتلك التحليل السياسي الصحيح حول الأحداث الداخلية والخارجية"1.

 
التفرقة:
لقد نهى القرآن المجيد المجاهدين عن التفرقة والخلاف، واعتبرها سبباً لزوال قدرتهم وشوكتهم: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ2.
 
ويشير أمير المؤمنين عليه السلام إلى أنّ الهزيمة هي من نصيب أولئك الأشخاص الذين تخلّفوا عن الاتحاد ونصرة بعضهم البعض، حيث يقول عليه السلام: "غُلِبَ والله المتخاذلون"3. وفي مورد آخر، أبرز الإمام عليه السلام انزعاجه وقلقه جرّاء اتحاد مخالفي الحقّ، وتفرّق أهله ونزاعهم فيما بينهم، فقال: "والله يميتُ القلبَ ويجلِبُ الهمَّ اجتماع هؤلاء القومِ على باطلهم وتفرّقكم عن حقّكم"4.
 
فالأشخاص المُبتَلُون بالخلافات الداخلية لا يُفيدهم وجود العوامل المادية ولا المعنوية، ولذا نجد أمير المؤمنين عليه السلام يقول بهذا الشأن: "إنّه لا غَنَاء في كثرة عددِكم مع قلّة اجتماع قلوبكم"5.
 
وقد أشار القرآن الكريم على هذا الصعيد، إلى ما جرى مع المسلمين في معركة أُحد، وكيف أنّ الإمدادات الغيبية رُفِعَت من بينهم عندما تنازعوا فيما بينهم واختلفوا، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ 

1  جمهوري إسلامي، 28/6/1370هـ.ش(1991م). 
2  سورة الأنفال، الآية 46.
3  نهج البلاغة، الخطبة 34.
4  (م. ن)، الخطبة 27.
5  (م. ن)، الخطبة 118.
 
 
 
139

121

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ1.

 
وفي هذا الصدد يقول الإمام الخامنئي دام ظله: "علينا أن نقصي روح الفرقة من أعماقنا، وأن نتجنّب إثارة المسائل التي تجلب الاختلاف، وعلينا أن نَعدّ ذلك من الممنوعات الدينية والشرعية"2.

ويقول أيضاً دام ظله: "عليكم استبدال حالة التشنّج بحالة المحبّة والتفاهم. فإنّ المحبّة سترتقي بالعمل إلى درجة الكمال. وإذا غابت وحلّ مكانها التنافر، فلن يبقى للعمل أي وجود"3.
 
العصيان:
مثلما تُعدُّ طاعةُ القائد في الحرب سبباً من أسباب النصر، كذلك يُعدُّ عصيان أوامره علّة لهزيمة المجاهدين. وقد نقل عن الإمام عليّ عليه السلام بهذا الشأن قوله: "آفّةُ الجُند مخالفةُ القادة"4.
 
وبالالتفات إلى هذا الأصل، نجده أيضاً يكتبُ إلى عامله عثمان بن حُنيف فيقول: "... فانهَد بمنْ أطَاعكَ إلى منْ عصَاكَ، واستغنِ بمنْ انقادَ معكَ عمَّن تَقاعسَ عنكَ، فإنَّ المتكَارِهَ مَغِيبُهُ خيرٌ من مَشهَدِهِ، وقُعودُهُ أَغنَى مِن نُهوضِهِ"5.
 
حيث إنّ عصيان القوات الموضوعة تحت أوامر أحد القادة، يسلب هذا القائد القدرة على القيام بأي عملٍ، ويضعفه عن النهوض بمسؤولياته، ولقد كانت أكثر

1   سورة آل عمران، الآية 152.
2   حديث ولايت، ج 1، ص143.
3  (م.ن)، ص257.
4  عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، تحقيق الشيخ حسين الحسيني البيرجندي، ط1، دار الحديث، ص182.
5  نهج البلاغة، الخطبة 4.
 
 
140

122

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 شكايات الإمام عليّ عليه السلام من جنده، ترجع إلى عدم طاعتهم له. ولهذا السبب، كان يتمنّى أن يعاوضَ عشرة من جنده لقاء جندي واحد من جنود معاوية المطيعين1، لأنّهم كانوا يطيعون معاوية مع عصيانه، بينما كان جنود الإمام عليّ عليه السلام يعصونه مع طاعته لربِّه.

 
وأحد انتقاداتِ القرآن المجيد لبني إسرائيل كانت أنّهم تمرّدوا على طاعة موسى عليه السلام في حربه لدخول بيت المقدس، واعتبروه وحده المسؤول عن الحرب، حيث جاء في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ2.
 
وتعود علّة الهزيمة في بعض معارك صدر الإسلام إلى عصيان الأوامر أيضاً، مثلما حدث في معركة أُحد، حيث هُزِمَ المسلمون لعدم عملهم بما طلبهُ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم منهم. وكذلك الأمر في صفّيّن، فإنّ عدم وصول الحرب فيها إلى نتيجتها المرجوة، وما لحق المؤمنين من خسائر بعدها، يَرجعُ جميعه إلى عدم طاعة أمير المؤمنين عليه السلام. كما أنّ تمرّد الجُند وعصيانهم هو الذي أجبر الإمام الحسن عليه السلام على إقامة الصلح مع معاوية.
 
المفاسد الأخلاقية:
يعدُّ شيوع المفاسد الأخلاقية بين القوات العسكرية المجاهدة سبباً آخراً لضعف القوى المعنوية، وفي النتيجة لهزيمة هذه القوات. وإحدى هذه المفاسد التي لها دور أبرز من غيرها، والتي أشار القرآن المجيد إليها صراحة، هي مفسدة العجب والغرور.

1  راجع، نهج البلاغة، الخطبة 96.
2  سورة المائدة، الآية 24.
 
 
141

123

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 فإنّ عُجُبَ الإنسان وغروره يعميانه عن مشاهدة الوقائع والحقائق، ويجعلانه يظنّ أنّ جميع الظروف والمعطيات هي تحت سيطرته وتعمل لمصلحته. فالإنسان المغرور والمعجب بنفسه، يغفلُ عن التدقيق في الجوانب المختلفة لمسألة من المسائل، وهو ما يؤدّي إلى نزول الضربات به. وكذلك يسبّب العجب الاعتماد على النفس بدلاً من الاعتماد على الله. وبفقدان هذا المعتَمد الراسخ، يصير السقوط والتراجع أمراً حتمياً وغير قابل للاجتناب.

 
وكنموذج من التاريخ، يمكن أن نُدقّق النظر في وقعة حُنين. فقد أصاب المسلمين الغرورُ لِمَا رأوه من كثرة عددهم، وتوقّعوا أن يكون النصر الحتمي حليفهم جرّاء ذلك، حتى قال بعضهم: "لن نُغلَب اليوم من قلّة"1.
 
وفي هذه الحالة، جعلتهم لا يُراعون الأصول العسكرية، فما أن نزلوا الوادي حتى أُخذوا على حين غرّة، وانفرط عقدُ صفوفهم عند أول هجوم للعدو وفرارِ عدد من طلائع الجيش ومقدّمته، وما لبث أن فرّ أغلبهم أيضاً. وقد تحدّث القرآن المجيد عن هذه الواقعة، حيث قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ2.
 
لقد كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد الانتصارات في بدر، وفتح مكة...، يحرص كثيراً على شكر الله على النصر الذي منّ به على الإسلام والمسلمين، ويُعلِّم المجاهدين أن يتّقوا من العجب والغرور، وأن يعتبروا أنّ النصر من عند الله تعالى.

1  الشيخ المفيد، الإرشاد، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لتحقيق التراث، الثانية، 1414 - 1993 م، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان، ج1، ص140. 
2  سورة التوبة، الآية 25.
 
 
142

124

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 المفاهيم الرئيسة

1- يمكن تقسيم عوامل النصر في الحرب إلى قسمين: عوامل مادية، وعوامل معنوية.

2- العوامل المادية: حيث تعتبر الجهوزية القتالية، وتوافر الإمكانات والعتاد الحربي، والاستمرار في التدريب العسكري والتخصّصي من العوامل المادية المؤثّرة في انتصار قوّة عسكرية ما.

3- على القوات المسلّحة تقوية بنيتها من الناحية العلمية والإعدادية والانضباطية والنظامية، كما يجب أن تكون في أعلى درجات المعنويات وتثبيت القلوب على الإيمان.

4- من العوامل المعنوية: الإمدادات الغيبية: والمراد من "الإمداد" هو "تقديم المساعدة" ومن "الإمدادات الغيبية" هو "إيصال النصرة الخفية" والذي يَحدثُ من قِبَل الله تعالى، ويعدُّ أحد العوامل المهمة لانتصار المسلمين.

5- ذُكِرَت في العديد من آيات القرآن المجيد، نماذج من الإمدادات الغيبية الإلهية، أهمّها الآتي: إيجاد الخوف في قلوب العدو، نصرة الملائكة، إنزال السكينة على المؤمنين، النصرة بواسطة العوامل الطبيعية.

6- يستفاد من منطق القرآن المجيد أنّ لعوامل الهزيمة جذوراً تضربُ في أعمال الإنسان وسلوكه. وبناءً عليه، فمن اللازم للمجاهدين أن يسارعوا بعد كلّ هزيمة أو فشل إلى تقويم نتائج أعمالهم والوقوف على نقاط ضعفهم وتقصيرهم، ويعمدوا إلى رفعها وجبرانها.

7- يمكن اختصار العوامل المعنوية المؤدية للهزيمة بالتالي: فقدان البصيرة، التفرقة، عصيان أوامر القائد، المفاسد الأخلاقية، حيث يعدُّ شيوع المفاسد الأخلاقية بين القوات العسكرية المجاهدة سبباً أساساً لهزيمة هذه القوات.
 
 
 
143

125

الدرس الحادي عشر: سنن النصر والهزيمة

 

 

144


126

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام



مفاهيم محورية:    
- رعاية العهود العسكرية.
- رعاية الأحكام الإنسانية في الحرب.
- المعاملة بالمثل.
- الصلح ووقف إطلاق النار.
- التعامل مع الأسرى.
- الإجارة واللجوء.
 
 
145

127

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 الموعظة القرآنية:

قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ1.
 
يُمثّل الإسلام برنامجاً كاملاً، شُرِّعت فيه جميعُ التكاليفِ، وبُيِّنت كلّ القواعد والأصول اللازمة في أبعاد حياة الإنسان كافّة. ومن جملة المسائل التي تعرّض الإسلام لأصولها مسألة الحرب، ومن أهم هذه الأصول الآتي:
 
رعاية العهود العسكرية
في سياق تعداده لخصال المؤمنين، أشار القرآن المجيد إلى صفة الوفاء بالعهد والميثاق، حيث قال تعالى: ﴿...بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ...2.
 
حيث إنّ الوفاء بالعهد والميثاق هو من أصول الأخلاق الاجتماعية المسلَّمة، والتي لا يُقبلُ المساسَ بها في الإسلام. فلم يجِزْ الله تعالى لأي فرد وتحت أي ظرفٍ أن ينقضها. وقد تمّ التأكيد على هذا الأصل في أوقات الحرب أيضاً، وأُوصي المسلمون أن يَحفظوا كلَّ عهد يقيمونه مع العدو، وأن لا يُخِلُّوا به أبداً.

1  سورة البقرة، الآية 190.
2  سورة البقرة، الآية 177.
 
 
147

128

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 ومع أنّ سورة براءة قد نزلت لتعلن البراءة من المشركين وتدعو إلى التعامل معهم بقسوة وترسل لهم التهديدات إن هم أصرّوا على شركهم، نلاحظُ في المقابل أنّ الله تعالى يُذكّر المؤمنين في آيتين منها بضرورة الحفاظ على العهد والميثاق الذي عقدوه سابقاً مع بعض المشركين، وأنّ من واجبهم أن يستقيموا على ذلك طالما استقام المشركون أيضاً.

 
والملفت في هاتين الآيتين أنّ الله سبحانه يعتبر هذا الحفاظ وهذه الاستقامة المشار إليهما من علامات التقوى، حيث يقول تعالى في الآية الأولى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ1.
 
وفي آيةٍ أخرى، يأمر تعالى المسلمين بمدّ يد العون والنصرة إلى إخوانهم الذين أسلموا، لكنّهم لا زالوا في الأسر ولم يوفّقوا للهجرة، إلاّ أن يَطلُبَ هؤلاء النصرة على قوم عقد المسلمون عهداً وميثاقاً معهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ2.
 
وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رعاية هذه العهود، فبعد انعقاد صلح الحديبية، فرّ أحد مسلمي مكّة منها، والتحق بجموع المسلمين في الحديبية، فقبل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم اعتراض ممثّل قريش في التفاوض ووافق على إعادته إلى مكة عملاً بأحد بنودِ الصلح، ثمّ خاطب صلى الله عليه وآله وسلم ذلك المسلم - والذي كان قد استاء من إرجاعه إلى قريش - ليخفّف عنه، فقال: "يا أبا جندل, اصبر واحتسب، فإنّ الله جاعلٌ لك ولمن

1  سورة التوبة، الآية 4.
2  سورة الأنفال، الآية 72.
 
 
148

129

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً. إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صُلحاً، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنّا لا نغدر بهم..."1.

 
وفي معركة صفّين، ندم عدد من جنود الإمام عليّ عليه السلام بعد أن أجبروه على قبول التحكيم، وجاؤوا إليه يطلبون منه أن ينقض عهده، فقال لهم عليه السلام: "ويحَكُمْ، أبعد الرضا (والميثاق) والعهد نرجع. أوليس الله تعالى قال: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ2 وقال: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ3"4.
 
صحيح أنّ الوفاء بالعهد من الممكن أن يجرّ على المسلمين ضرراً مرحلياً، ولكن رعاية العهد والميثاق أكثر أهمّيّة من النفع أو الضرر المرحليين. وطبعاً، لو علم المسلمون على ضوء القرائن الموجودة أنّ العدو ينوي أن ينقض عهده ويشنّ هجومه عليهم، فيمكنهم أن ينقضوا العهد من جهتهم، غير أنّه من اللازم قبل ذلك أن يُعلِمُوا العدو عن عزمهم، ولا يحقّ لهم أن يبادروا إلى الهجوم عليه قبل إعلامه، لأنّ مثل هذا الهجوم يُعدُّ خيانة، والله لا يحب الخائنين5.
 
رعاية الأحكام الإنسانية في الحرب
على الرغم من جواز اللجوء إلى الخدعة لإركاع العدو في الحرب، بل ولزوم ذلك أحياناً، إلاّ أنّ المسلمين ليسوا مجازين بالاستفادة من الأساليب الظالمة وغير الإنسانية لهزيمة العدو. فقطع الماء عن العدو، وحرق المزروعات، وتسميم المياه والمواد الغذائية، وقتل النساء والأطفال والعجّز الذين لا طاقة لهم على القتال،

1  سيرة ابن هشام، ج3، ص333.
2  سورة المائدة، الآية 1.
3  سورة النحل، الآية 91.
4  يُراجع، وقعة صفين، نصر بن مزاحم المنقري، ص514.
5  يُراجع: السيد الطباطبائي، تفسير الميزان، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ج9، ص113-114.
 
 
 
149

130

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 وتخريب البنى غير العسكرية، واستخدام الأسلحة الكيميائية والجرثومية... كلّها أمور ممنوعة في الحرب.

 
وقد أشار القرآن المجيد إلى حكم كلّي بهذا الشأن، حيث قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ1.

واستنبط بعض المفسّرين من هذه الآية أنّه يجب الامتناع عن قتل غير الجنود العسكريين، ولا سيّما النساء والأطفال، لأنّه لا دور لهؤلاء في الحرب2, وقد أشار آخر الآية بنحو مطلق إلى لزوم الامتناع عن كل اعتداء: ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ3.
 
وأكّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام بشدّة على ضرورة رعاية الأحكام الشرعية والإنسانية في الحروب، ووصَلَنا منهم العديد من التعاليم والإرشادات على هذا الصعيد، من جملتها:
 
النهي عن قتل النساء والعجّز والأطفال:
فعن جعفر بن غياث أنّه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن النساء كيف سقطت الجزية عنهنّ ورفعت عنهن؟ قال: فقال عليه السلام: "لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النساء والولدان في دار الحرب إلا أن يقاتلن"4.
 
النهي عن إلقاء السمّ في الماء والغذا:
فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال أمير المؤمنين عليه السلام: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يُلقى السُمُّ في بلاد المشركين"5.

1  سورة البقرة، الآية 190.
2  يُراجع، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج2، ص10.
3  سورة البقرة، الآية 190.
4  وسائل الشيعة، ج15، باب 18 من أبواب الجهاد، ح1، ص64.
5  (م.ن)، باب 16 من أبواب الجهاد، ح1، ص62.
 
 
150

131

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 عدم إتلاف الزرع:

فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا بعث أميراً له على سرية أمره بتقوى الله عزّ وجل في خاصّة نفسه، ثمّ في أصحابه عامّة ثم يقول:... ولا تُمثِّلوا... ولا تحرقوا النخل، ولا تُغرِقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تُحرِقوا زرعاً..."1.
 
وبالطبع، يجب الالتفات إلى أنّه من الممكن لغرضِ قطع جذور فتنة الحرب والحدّ من وقوع مضارّ أكبر، أن لا تُراعَى هذه الأمور بمقدار حدّ الضرورة، وخصوصاً في الوقت الذي يستغلّ العدو رعاية المسلمين لهذه الأحكام لمصلحته، فيستقرّ مثلاً في مزرعة، أو أرضٍ ذات نخل، أو قلعة، ولا يكون هناك من طريق للوصول إليه إلاّ إشعال النار في المزرعة أو قطع النخيل أو إغلاق الماء.
 
فعندما نقض يهود "بني النضير" عهدهم، وهمّوا بقتال المسلمين، قاموا باللجوء إلى حصونهم. وفي كل مرّة كان المسلمون يقتربون من إحدى هذه القلاع وتتعرّض لخطر السقوط الحتمي، كانوا يتراجعون إلى قلعة أخرى بعد تخريب كلّ شيء وراءهم. فلهذا، ولغرض استسلامهم، أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن تُقطع أشجار نخيلهم. فاعترض اليهود الذين كانوا شديدي الحرص على زراعتهم، قائلين إنّ هذا لا يتلاءم مع أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية لتوضح حقيقة ما فعله المسلمون: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ2. وعندما رأى اليهود ما كان يفعله المسلمون، سارعوا إلى الاستسلام3.

1  وسائل الشيعة، ج15، باب 15 من أبواب الجهاد، ح3، ص59.
2  سورة الحشر، الآية 5.
3  يُراجع: الميزان في تفسير القرآن، ج19، ص 208.
 
 
 
151

132

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 عدم التمثيل بجثث القتلى:

حيث نهى الإسلام عن التمثيل في جثث قتلى العدو على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إيّاكم والمثله ولو بالكلب العقور"1.
 
ومحل الشاهد أنّه لا يجوز أن يمثّلوا بأجساد الكفّار أو الحيوانات بمعنى أن يقطّعوها أكثر ممّا يحصل لها في القتال.
 
المعاملة بالمثل
أكّد الإسلام على ضرورة رعاية الأحكام الإنسانية والشرعية، ولم يكن مستعدّاً حتى في ساحة الحرب أن يطلب من أتباعه النصر عن طريق الجور والظلم، وأمّا فيما لو تجاوز العدو هذه الأحكام، فيسمح الإسلام بمقابلته بالمثل. حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ2.
 
ومع أنّه قد عُدَّت المقابلة بالمثل جائزة في هذه الآية، إلاّ أنّ المسلمين قد دُعوا من جديد في آخر الآية إلى التحمّل والإغضاء.
 
وفي آية أخرى، وضمن الإشارة إلى هذا الأصل، يُفهمنا القرآن الكريم أنّ المقابلة بالمثل هي أمر جائز في نفسه، وأنّ عدم رعاية حدوده لا يتلاءمُ مع أصل التقوى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ3.
 
الصلح ووقف إطلاق النار
إنّ الإسلام دين الصلح والهدوء والأمن والمسالمة. فللحرب والجهاد بُعد محوري يهدف إلى إرساء الصلح وقلع الفتنة وإيقاف الحروب، ولهذا يسعى الإسلام بقدر ما 

1  المازندراني، شرح أصول الكافي، ج 6، ص 150.
2  سورة النحل، الآية 126.
3  سورة البقرة، الآية 194.
 
 
152

133

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 يمكنه إلى منع التقاتل والقتل، وهو لهذا أيضاً يقبل عرض الصلح ووقف إطلاق النار بسهولة عند توافر فرصته الحقيقية. حيث يقول تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا1.

 
وفي آية أخرى، يقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ2.
 
وفي مقطع من عهده إلى مالك الأشتر حينما ولاّه مِصرَاً، يذكر أمير المؤمنين عليه السلام أنّه إن كان الصلح لمصلحة مجتمع المسلمين، فيجب قبوله: "ولا تدفعنّ صُلحاً دعاك إليه عدوّكَ لله فيه رضى، فإنّ في الصلح دَعَةً لجنودكَ وراحةً من همومك وأمناً لبلادك..."3.
 
ويبقى الصلح أو إيقاف الحرب مع العدو من الأمور الأساس التي يجب أن تُحدَّد من قبل قيادة المسلمين ومرجعيتهم المتمثل بالولي الفقيه.
 
التعامل مع الأسرى
يختصُّ قسمٌ من أصول الحرب في الإسلام بكيفية التعامل مع الأسرى. والحكم الأوليُّ على هذا الصعيد هو أنّ إمكان أخذ الأسرى منوط بالوقت الذي تكون فيه عقبات المعركة قد زالت، ولا يؤدّي الأسرُ إلى انشغال المجاهدين بهم، وبالتالي إلى هزيمة قوات الإسلام. وأمّا قبل هذا الوقت، فالأسرُ ممنوع. وقد أشير إلى هذا الحكم في قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا

1  سورة النساء، الآية 90.
2  سورة الأنفال، الآية 61.
3  نهج البلاغة، الخطبة 53 (عهده إلى مالك الأشتر).
 
 
 
153

134

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ1.

 
وجاءت الإشارة إلى ذلك أيضاً في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ2.
 
والسبب في هذا المنع واضح، لأنّه في بداية المعركة، حيث لا يكون انتصار المسلمين محسوماً، يؤدّي أخذ الأسرى إلى انشغال عددٍ كبيرٍ من المجاهدين بحفظهم وحراستهم بالإضافة إلى صرف إمكانات وفيرة لأجل ذلك، وهو ما يؤدّي إلى إضعاف جبهة المجاهدين وهزيمتها.
 
وبالالتفات إلى ما ورد في الآيات السابقة وسائر المصادر الإسلامية، فإنّ حكم الأشخاص الذين يقعون في الأسر خلال هذه الفترة الأولى من القتال، هو القتل3.
 
وطبعاً، في حال أسلم الأسيرُ قبل تنفيذ هذا الحكم فيه، يُرفَع عنه القتل ويطبّق بحقّه حكم الأسرى الذين يقعون في قبضة المجاهدين بعد هذه المرحلة4. وأمّا الأشخاص الذين يسقطونَ في الأسر بعد هزيمة العدو فلا يجوز قتلهم5، وقائد المسلمين ووليّهم مخيَّرٌ بينَ أن يُطلقهم دونَ مقابل أو لقاءَ فدية يدفعونها أو أن يأخذهم أرقّاء6.
 
والأمر الملفت على هذا الصعيد، هو كيفية التعامل مع الأسرى من وجهة نظر الإسلام، فإلى أي فئة انتموا، ينبغي التعامل معهم بإنسانية، والابتعاد عن أذيّتهم

1  سورة محمد، الآية 4.
2  سورة الأنفال، الآية 67.
3  يُراجع: جواهر الكلام، الشيخ الجواهري، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوچاني، الثانية، 1365 ش، خورشيد، دار الكتب الإسلامية - طهران، ج21، ص122-123. 
4  (م. ن)، ص124.
5  هناك موارد نادرة يُقتل فيها الأسير بسبب جرائمه أو خطورته، مثلما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتل رجلين من أسرى بدر. 
6  يُراجع: جواهر الكلام، ج21، ص126.
 
 
 
154

135

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 والإضرار بهم، وإعطاؤهم الماء والطعام. ولقد كان مسلمو صدر الإسلام من خلال التربية التي تلقّوها على يد هذا الدين الخاتم ورسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، يؤثرون الأسرى بطعامهم، ويقدّمونهم على أنفسهم1.

 
فمن المسائل الهامّة هنا، ضرورة التعامل بعطف مع الأسرى والحرص على هدايتهم بالشكل الذي يؤدّي إلى حدوث تحوّل روحي وباطني لديهم، وإلى انجذابهم نحو الحقّ, وفي ما أرشد به القرآن المجيد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الصعيد، مرفقاً ببشارة الرحمة والعفو إلى الأسرى، نموذج جميل ودليل ساطع على عظمة الإسلام، حيث قال تعالى﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ2.
 
ولقد دعت هذه الآية الأسرى للإسلام، مستفيدة من أفضل طريقة، وألطف كلام وأرحمه.
 
الإجارة واللجوء
منذ قديم الأيام، تُعدّ مسألة اللجوء إلى الأفراد أو الأمكنة الآمنة لأجل حفظ الروح، من العادات الموجودة بين أبناء البشر. وقد أدّى هذا الأمر إلى إفلات المجرمين أو الأشخاص غير المذنبين الذين كانوا ملاحقين، من العقاب.
 
وقد كان هذا اللجوء أمراً رائجاً بين العرب قبل الإسلام، والجميع يعطونه منزلة مهمة. والإسلام بدوره قد أقرّ أصل الإجارة وأكّد عليه. وبصرف النظر عن أنواع اللجوء السياسي، ومن ضمن بحث أصول الحرب في الإسلام، نطرح هذا السؤال ليُشكّل محوراً لبحثنا: هل يوافق الإسلام على إجارة العدو طوال فترة الحرب أم لا؟ وهل يُجيز إلى مدّة معينة أن يعمد أفراد من العدو إلى الحفاظ على أرواحهم من

1  يُراجع: الكامل في التاريخ، ابن الأثير، طبع1386 - 1966م، دار صادر للطباعة والنشر - بيروت، ج2، ص131. 
2  سورة الأنفال، الآية 70.
 
 
 
155

136

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 خلال هذه الوسيلة؟ وللجواب ينبغي القول إنّ ما يُستفاد من المصادر الإسلامية هو أنّ مشروعية إجارة العدو تتمثّل في غرضين اثنين:

 
لسماع كلام الله والاطلاع على معارف الإسلام:
فليس للمسلمين من هدف سوى إيصال نداء الفطرة إلى مسامع الناس، وهم لا ينسون هذا الهدف في ميادين الجهاد، وقد ثبتوا عليه. فدعوة العدو إلى الإسلام قبل بدء القتال تصبُّ في هذا الطريق، بل حتى لو أنّ شخصاً ادّعى بعد القتال أيضاً أنّه لم يسمع كلام الله ثمّ طلب مهلة وأماناً ليسمع دعوة الحقّ، فمن الواجب على المسلمين أن يجيروه ويعرضوا عليه أصول الدعوة الإسلامية، ومن ثمَّ أن يعيدوه إلى مكانه سالماً آمناً، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ1.
 
وعن أبي عبد الله عليه السلام: "لو أنّ جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين فأشرف رجل، فقال: أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم وأُناظره فأعطاهُ أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به"2.
 
إجارة العدو تؤدّي إلى قوة جبهة المجاهدين:
في بعض الموارد، يؤدّي الإعلان عن الاستعداد لمنح اللجوء إلى أفراد العدو، إلى وقوع الفرقة والتشتّت بين صفوف قوّاته. ومع إجارة عدد منهم فعليّاً، تضعف قوّته وتنكسر شوكته.
 
وفي مثل هذه الموارد التي يعود نفعها على الإسلام، يمكن أن تُجارَى هذه القوات المعادية التي لجأت إلى المجاهدين - لا لأجل سماع كلام الحقّ والإذعان له - وإنّما لأجل الحفاظ على حياتها، أو إرشادها إلى أماكن آمنة لتلجأ إليها بنفسها، وتحفظَ 

1  سورة التوبة، الآية 6.
2  وسائل الشيعة، ج15، باب 20 من أبواب الجهاد، ح1، ص67.
 
 
156

137

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 أرواحها من الهلاك على أيدي القوّات الإسلامية.

 
فعند فتح مكة، أعلن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم - وعلى أثر استسلام أبي سفيان - أنّ المسجد الحرام، وكذلك منزلَ أبي سفيان وحكيم بن حزام أماكن يأمن من لجأ إليها على نفسه1.
 
وأيضاً، أعلن رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في حرب الطائف أنّ كلّ عبدٍ يلجأ إلى المسلمين ويفرُّ من حصنها، سوف يُعتق2, أي أنّه بالإضافة إلى قبول لجوئه، سوف يُعطى الحرية هدية فوق ذلك.
 
وللعلامة الطباطبائي قدس سره في ذيل شرحه للآية السادسة من سورة التوبة، كلام يمكن أن يستفاد منه ما ذكرناه آنفاً، حيث يقول: "الآية إنّما توجب إجارة المستجير إذا استجار لأمرٍ ديني يُرجى فيه خير الدين، وأمّا مطلق الاستجارة لا لغرض ديني ولا نفعٍ عائدٍ إليه، فلا دلالة لها عليه أصلاً، بل الآيات السابقة الآمرة بالتشديد عليهم في محلّها"3.

1  المغازي ،الواقدي، ج2، ص818.
2  يُراجع، الطبقات الكبرى، ابن سعد، بيروت، دار صادر، ج2، ص158-159.
3  الميزان في تفسير القرآن، ج9، ص155.
 
 
 
157

138

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 المفاهيم الرئيسة

1- رعاية العهود العسكرية من أصول الحرب في الإسلام حيث إنّ الوفاء بالعهد والميثاق هو من الأصول الأخلاقية المسلَّمة.
 
2- رعاية الأحكام الإنسانية في الحرب من أصول الحرب أيضاً حيث أكّد القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام بشدّة على ضرورة رعاية الأحكام الشرعية والإنسانية في الحروب، ومن جملتها:
أ- النهي عن قتل النساء والعجّز والأطفال.
ب- النهي عن إلقاء السمّ في الماء والغذاء أو بين المزروعات.
 
3- المقابلة بالمثل هي من أصول الحرب في الإسلام حيث أكّد الإسلام على ضرورة رعاية الأحكام الإنسانية والشرعية.
 
4- الصلح ووقف إطلاق النار من أصول الحرب أيضاً، لأنّ الإسلام دين الصلح والهدوء والأمن والمسالمة.
 
5- للحرب والجهاد بُعد محوري يهدف إلى إرساء الصلح وقلع الفتنة وإيقاف الحروب، ولهذا يسعى الإسلام بقدر ما يمكنه إلى منع التقاتل والقتل، وهو لهذا أيضاً يقبل عرض الصلح ووقف إطلاق النار بسهولة عند توفّر فرصته الحقيقية.
 
6- التعامل مع الأسرى برفق وإحسان من أصول الحرب أيضاً، فمن مسائل الإسلام الهامّة ضرورة التعامل بعطف مع الأسرى والحرص على هدايتهم.
 
7- أقرّ الإسلام أصل الإجارة وأكّد عليه، حيث ورد في مشروعيته آيات وروايات عدّة. وتتمثّل مشروعية إجارة العدو فيما لو كانت بهدف تحقيق أحد غرضين اثنين:
أ- لسماع كلام الله والاطلاع على معارف الإسلام.
ب- إجارة العدو تؤدّي إلى قوة جبهة المجاهدين.
 
 
 
158

139

الدرس الثاني عشر: أخلاقيات الحرب في الإسلام

 

 

 

159


140
باب الأولياء