محاسن الكلم

محاسن الكلم


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-04

النسخة: 2013


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

قال الله الحكيم في محكم كتابه الكريم: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل:125).

الموجودات الميّتة والحية: كلّ موجود في عالم الإمكان يتّصف بالحياة تارةً وبالموت أخرى، فالإنسان والشجر والجماد... تارةً تتّصف بالحياة وأخرى تتصف بالموت. ويقال للشيء إِنَّه حيٌّ إذا ترتّبت عليه الآثار المطلوبة منه، وإلّا فيُقال له: إِنَّه ميّت. وإذا أَخذنا الأرض كمثال من عالم الجماد، فيُترقّب منها الإنبات والإثمار والزرع، وإلا فهي أرض ميّتة، قال تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا (الجاثية:5)، ويأتي المطر ويحييها، وحينئذ يقال: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(الحج:5).

كذلك النبات والحيوان وغيرها مِمّا يقع تحت حواسنا في هذه الحياة الدنيا، لكلّ واحدٍ منها حياة وموت...
ولا ينحصر الأمر بما ذكر، بل هذه القضية الحتمية تجري في عالم المعنى والأُمور الروحانية، فيقال إِنَّ للقلب حياةً وموتاً، فالقلب الحيّ هو ذلك الموجود الَّذِي 
 
 
 5

1

المقدمة

 يترقّب منه أنْ يكون منبعاً للعواطف، ومركزاً للتفاعل مع الأعمال الخَيّرة، فإذا كان كذلك فهو قلبٌ حيٌّ يفيض بالحياة، وإلّا فهو قلبٌ ميّت لا نفع منه. فالإنسان صاحب القلب الحيّ عندما يسمع آيات الله ينجلي ويهتزّ ويقشعرّ: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا (الأنفال:2).


وقد كرّمنا الباري تعالى وفضّلنا، ولم يكن هذا التكريم بالطول والعرض واللون واللغة والمأكل والملبس... وإنّما مِلاك التكريم أن يتّصف الإنسان بمعايير الإنسانية، التي تتفاعل عند الإنسان بميزان العقل والحكمة.

مناهج الدعوى:هذا، وفي الآية المتقدمة من سورة النحل، نرى أَنَّ الباري تبارك تعالى يتحدّث عن ثلاثة طرق لبيان مناهج الدعوة إليه:
1- الحكمة. 
2- الموعظة الحسنة. 
3- الجدال. 

أمّا الحكمة، فقد عُرّفت بأنّها عبارة عن: "الحجة التي تُنتجُ الحقّ، الذي لا مرية فيه ولا إبهام ولا وهن"1 ومعنى هذا الكلام أنّ الحكمة عبارة عن تحريك العقل وإيقاظه ورفع الحجب التي توجد بين العقل والحقّ. ومن الملاحظ أَنَّ أكثر الأفراد لم يتّخذوا وضع المواجهة مع الحقّ، وإنّما ينكرون لجهلهم بحقانية الحقّ، قال أمير المؤمنين عليه السلام ،"الناس أعداء ما جَهِلوا"2، وإذا عرفوا الحقيقة يتقبّلوها إلا إذا كانوا معاندين، والمعاندون قليلون. فالحكمة تأتي لرفع الإبهام. وأمّا الموعظة، فقد عُرّفت بأنّها عبارة عن: "البيان الذي تلين به النفس ويرقّ له القلب"3. يعرّفها 

1  الطباطبائي، مُحَمَّد حسين، الميزان في تفسير القرآن 13: 130، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية، قم.
2  المجلسي، محّمَّد باقر، بحار الأنوار 1: 219، الطَّبعة الثَّالثة 1403، دار إحياء التُّراث، بيروت.
3  الميزان في تفسير القرآن 21: 372.
 
 
6

2

المقدمة

 الخليل بن أحمد الفراهيدي بأنّها: "تذكير بالخير فيما يرقّ له القلب"1.


وأمّا الجدال، فقد عرّف بأنّه: "الحجة التي تستعمل لصرف الخصم عما يصرّ عليه من غير أن يريد ظهور الحقّ"2. وعن الراغب الأصفهاني: أَنَّه: "المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة"، ونحن في مقابل هذا الخصم لا يُمكن أن نلجأ إلى الحكمة والبرهان، لأنّه لا يبحث عنه، وإنّما نحتاج إلى الجدل، وهنا نستعمل المشهورات، يُغالطنا الخصم ويجادلنا، فنردّ عليه بالقضايا المشهورة والمسلّمة عنده.

وليس من الضروري أن تأتي الموعظة بما هو جديد ، وإنّما تأتي لتثير ذلك الشيء الموجود. ورد في الخبر عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصف الأنبياء ودورهم: "وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ"3. وفي الآية الكريمة: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ(الغاشية:21). وعن أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً: "بالمواعظ تنجلي الغفلة"4، فالكل يحتاج إلى الموعظة العالم والجاهل، الكبير والصغير، الذكر والأنثى، ولعلّه لأجل إعلامنا بهذه الحاجة العامّة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "يا جبرائيل عظني" فقال جبرائيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا محمد عش ما شئت فإنّك ميّت، وأحبب ما شئت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه"5.

فبالموعظة الحسنة يُعلَّم الجاهل، ويُذكَّر الغافل، ويُردّ الشارد، ويُوقَظ أصحاب الضمائر، وتذرف العيون الباكية، وتُوجَل القلوب المؤمنة. وكما يُحكى عن الشيخ الأنصاري قدس سره أنّه كان يقول لطلّابه: "لنذهب إلى منبر الشيخ الششتري ـ وكان 

1  الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين 2: 228.
2  كتاب التعريفات للجرجاني: 74.
3  الشريف الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، نهج البلاغة: 11، تحقيق وتصحيح: عزيز الله العطاردي، نشر: مؤسسة نهج البلاغة، الطبعة الأولى 1414هـ، قم المقدسة.
4  اللَّيثي الواسطي، علي بن مُحَمَّد، عيون الحكم والمواعظ: 187، تحقيق الشَّيْخ حسين الحسني، الطَّبعة الأُولى 1376ش، دار الحديث، قم.
5  الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشّيعة 8: 146، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، الطَّبعة الأُولى 1412، قم.
 
 
 
7

3

المقدمة

 خطيبًا معروفًا في عهده ، فقد قست قلوبنا".


ويأتي هذا الكتاب محاسن الكلم حاملاً معه مجموعة من المواعظ البليغة بعون الله تعالى، عسى أن يوفّقنا الله تعالى للاستفادة منها.
والحمد لله رب العالمين
 
 
 
8

4

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

 الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه




مفاهيم محورية:
• في رحاب الموعظة. 
• التواضع. 
• حال الدنيا. 
• الأُمور المنجية في هذه الدُّنيا. 
 
 
9
 

5

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

 تصدير الموعظة:

قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (الشمس: 9).
وفي الحديث الشريف المرويّ عن الإِمام الكاظم عليه السلام: "يَا هِشَامُ إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ وَإِنَّ الْكَيِّسَ لَدَى الْحَقِّ يَسِيرٌ يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى الله وَحَشْوُهَا الْإِيمَانَ وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ وَقَيِّمُهَا الْعَقْلَ وَدَلِيلُهَا الْعِلْمَ وَسُكَّانُهَا الصَّبْرَ"1.

في رحاب الموعظة:
من المستبين الواضح لكلّ عاقلٍ: أَنَّ سبب شرافة الإنسان على باقي المخلوقات يكون بدفع الملكات الرديئة والصفات الرذيلة، وبكسب الأخلاق الحميدة وتحصيل الفضائل، بعد كونه معتقداً بالعقائد الحقّة، حامداً لله على إنعامه، شاكراً له على آلائه.

وبحكم النصّ المستفيض والعقل المستنير، أَنَّه على كلّ فردٍ من أفراد النهج السديد أنْ يزيل عن مرآة قلبه صدأ الرذائل، وأنْ يحلّيها بحلل الفضائل، وظاهرٌ أَنَّ

1  الكُلَيْني، مُحَمَّد بن يعقوب، الكافي،ج 1، ص 16، كتاب العقل والجهل، الحديث: (5)، تصحيح وتعليق على أكبر غفاري، الطَّبعة الثّالثة 1367ش، دار الكتب الإسلاميَّة، طهران.
 
 
11

6

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

 المتكفّل لهذا المطلب المنيف هو علم الأخلاق الشريف1.


ولا يخفى على أُولي البصائر الوقادة فضيلة علم الأخلاق وشرافته، وأنّه قوام الدين، وطلبه فرضٌ على جميع المسلمين، وبه يحصل التأسّي بسيّد المرسلين وعترته الطاهرين...

فإنّ الأخلاق الحسنة هي المنجية، والأخلاق السيّئة هي السموم القاتلة المهلكة المبعدة من جوار ربّ العالمين إِلَى ملازمة الشياطين.

وإنّ أمراض القلوب مضرّةٌ بالأديان ضرراً أعظم من ضرر الأبدان، إذ هذه متعبة لحياة الجسد، وتلك تفوّت حياة الأبد2.

فإنّ الغرض من بعثة الأنبياء هو رفع الحجب الظلمانية عن النفوس البشرية الحائلة بينها وبين المعارف الحقيقية، ووصولها إِلَى كمالاتها التي فيها سعادتها الأبدية، ولا يمكن ذلك إِلَّا بتطهير القلب عن أوساخ الطبيعة وأدرانها، وتزكية النفس عن رذائل الأخلاق وتحليتها بفضائلها. وبه يحصل الفلاح والنجاح دنياً وآخرة.

وغير خفيٍّ أَنَّ للإنسان تصديقاتٍ قلبيةً يعتقد بها، وأعمالاً اختيارية، وملكاتٍ نفسانية. فإذا رجع الطالب إِلَى المصادر، لوجد أَنَّ الله تعالى قد شرّع له أحكاماً وقواعد ووظائف، إذا عمل بها معتقداً الاعتقاد الصحيح، حاز المرتبة العليا من الدرجات الإنسانية، وجمع بين طيب العيش في الدُّنيا، وأبد السعادة في الآخرة.

وهذه المطالب الشريفة لا تؤخذ إِلَّا من العيون الصافية، ألا وهم آل البيت الطاهرين، لا من العيون الكدرة التي يفرغ بعضها في بعض، لتضلّ الناس عن سبيل الله تعالى.

1  الشيخ عباس القمي، المقامات العلية (من المقدّمة بتصرّف).
2  شبّر، السيّد عبد الله، الأخلاق (المقدمة).
 
 
 
12

7

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

 والحديث المتقدّم في صدر هذه الموعظة هو شطر من حديث نقله هشام بن الحكم عن الإِمام موسى بن جعفر عليه السلام ، نتناوله بالشرح والتعليق.


التواضع:
"تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ وَإِنَّ الْكَيِّسَ لَدَى الْحَقِّ يَسِيرٌ...".
فالتواضع يحصل بالاجتناب عن التكبّر والافتخار وسائر المنهيات، والإتيان بالأوامر والمصالح وسائر الخيرات، والعقل هو الَّذِي يدعو إِلَى هذه الخصلة العظيمة، وقد يكون المراد أَنَّ تواضعك سببٌ لصيرورتك أعقل الناس1.

وبناء على أَنَّ كلمة (الكَيْس) بغير التشديد، فالمراد أَنَّ إدراك الحق ومعرفته لدى موافاته بالكياسة يسير، أو أَنَّ الغلبة بالكياسة عند القول بالحقّ والإقرار به يسير. ويحتمل أن يكون الكيّس بالتشديد، أي: ذو الكياسة عند ظهور الحق بأعمال الكياسة والإقرار بالحق قليل2.

فالكيّس هو من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاقل المتأنّي في الأُمور وحسن عاقبتها يعمل بمقتضى عقله، ويطلب ثواب الله ورضاه بتسديد قوّتي العلم والعمل، وهو عند الحقّ قليلٌ، لظهور أَنَّ أكثر الناس تابعٌ للهوى، مشتغلٌ بلذّات الدّني3.

حال الدنيا:
"يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ".
تشبيهٌ بليغ بحذف أداة التشبيه، وحمل المشبّه به على المشبّه، للمبالغة في الاتّحاد، ووجه الشبّه بين الدُّنيا والبحر، تغيّرها وانقلابها وعدم ثبات ما فيها كالبحر، أو إهلاك مَنْ دخل فيها، وركن إليها، ومشى عليها بقدم الضلالة، ولم يتمسّك فيها 

1  المولى المازندراني، محمد صالح، شرح أُصول الكافي، ج 1، ص 179، ضبط وتصحيح: السَّيِّد علي عاشور، الطبعة الأولى 1421هـ، نشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت.
2  المجلسي الثاني، محمد باقر، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول،ج 1، ص 55، تصحيح وتحقيق: السَّيِّد هاشم رسولي، نشر: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية 1404، طهران.
  شرح أُصول الكافي، ج 1، ص 179، مرجعٌ سابق.
 
 
 
13

8

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

 بسفينة النجاة الإلهية المنحصرة في العترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين.


"قَدْ غَرِقَ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ".
لانهماكهم في لذّاتها، وانغمارهم في زهراتها، واشتغالهم بشهواتها، غافلين عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (فاطر: 5)، وكأنّهم لم يسمعوا قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (الروم: 7).

وبناء على كسر اللام في الحديث في قوله: ﴿عَالِمٌ يكون تخصيصه بالذكر لأنّ هلاكه محلّ التعجُّب.
ثمّ في تشبيه الدُّنيا بالبحر إيماءٌ لطيف إِلَى أَنَّه يجب على أهلها أنْ لا يقصدوا الإقامة فيها والركون إليها، بل يجب عليهم أن يقصدوا المرور منها إِلَى ساحلها، أي: الدار الآخرة.

ولمّا شبّه الدُّنيا بالبحر، وكان راكبه بحاجةٍ إِلَى آلات للنجاة منه، والوصول إِلَى ساحله سالماً غانماً، كان السائر في الدُّنيا أيضاً بحاجةٍ - في اجتيازها للوصول إِلَى نعيم الأبد - إِلَى أُمورٍ للنجاة فيها، وقد بيّن هذه الأُمور المنجية في الفقرة التالية:

الأُمور المنجية في هذه الدُّنيا:
"فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى الله".
فالتقوى حفظ النفس عن مخالفة الله تعالى، بفعل ما أوجبه، وترك ما حرّم، وتطلق على الملكة الحاصلة للشخص بسبب الأعمال الخارجية، وتطلق أيضاً على الأعمال الخارجية نفسها، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى (البقرة: 197).

وفي الخبر عن الإِمام الصادق عليه السلام في تفسير التقوى: "أَنْ لَا يَفْقِدُكَ اللهُ حَيْثُ أَمَرَكَ وَلَا يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ"1.

1  الحرّ العاملي،محمّد بن الحسن، وسائل الشّيعة ، ج15، ص 239، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، الطَّبعة الأُولى 1412، قم.
 
 
14

9

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

 فالتقوى ملكة التجنُّب عن معصية الله تعالى بفضله سبحانه، قال أمير المؤمنين عليه السلام: "اعْلَمُوا عِبَادَ الله أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزٍ وَالْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ لَا يَمْنَعُ أَهْلَهُ وَلَا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ"1.


والتقوى تورث البصيرة، والتفريق بين الحقّ والباطل، قال الله تعالى: ﴿إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً(الأنفال: 29).

وإنمّا شبّهها بالسفينة، لأنّ من اتّصف بالتقوى يأمن من الرسوب في الدنيا كجالس السفينة.

ولكنّ التقوى يجب أنْ تكون محشوة بالإيمان القلبي، وإلا فلا فائدة فيها، ولذا قال عليه السلام:
"وَحَشْوُهَا الْإِيمَانَ" بالله وصفاته وأفعاله وجميع ما أنزل إِلَى رسوله، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(البقرة: 285).

وإنّما شبّه الإيمان بما في السفينة من المتاع وأنواع ما يتّجر به، لأنّه حافظٌ للتقوى عن الانقلاب والاضطراب، أو لأنّه ينفع بعد الخروج من الدُّنيا، كما ينفع جالس السفينة ما فيها بعد خروجه من البحر.

ثمّ لا بد لهذا السائر أنْ يثق بالله تعالى، وأنْ يعتمد عليه في الأُمور كلّها، لا على الأسباب، فإنّ مَنْ لا يعتقد أَنَّ الأمر كلّه بيد الله، بل يتقيّد بالأسباب، يعوقه ذلك عن السفر، وقد رُوي عن الإِمام عليّ بن الحسين عليه السلام أَنَّه قال: "رَأَيْتُ الْخَيْرَ كُلَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي قَطْعِ الطَّمَعِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ"2.

1  الشريف الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، نهج البلاغة: 181، تحقيق وتصحيح: عزيز الله العطاردي، نشر: مؤسسة نهج البلاغة، الطبعة الأولى 1414هـ، قم المقدسة.
2  الكافي 2: 148، مرجعٌ سابق.
 
 
 
15

10

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

 لذا قال عليه السلام: 


"وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ".
التوكّل: إظهار العجز بالاعتماد على الله تعالى، والوثوق به في جميع الأُمور وتفويضها إليه، وهي منزلة رفيعة للعارفين والسالكين، ومن وصل إليها بطلت عنه الهموم، وتقشعت عنه الغموم، وارتفعت عنه بواعث الاضطراب، وانقطعت عنه دواعي الاكتئاب، وارتوى من موائد الفيوضات الربانية.

وإنّما شبّهه بالشراع، لأنّ سفينة التقوى المحشوة بالإيمان لا تسير بدونه، إذ مَنْ لم يعتقد أَنَّ الأمور كلّها تجري بأمر الله تعالى، وأنّ الأرزاق كلّها بيده، وأنّه هو المتكفّل بها، ينخرط للاشتغال بتحصيل الأسباب والاعتماد عليها، فيمنعه ذلك عن السير إِلَى المقامات العالية.

كما أَنَّ غير المتوكّل من المسافرين في الدُّنيا ينتظر رفيق السفر، خوفاً من قاطع الطريق، فيقيم آونةً من الزمان منتظراً غير مسافر1.

"وَقَيِّمُهَا الْعَقْلَ".
الَّذِي به يُعرف الرحمن وتكتسب الجنان، وهو قيّم السفينة والتقوى، فلو لم يكن للمتقي عقلٌ لانهدمت أساس تقواه، إذ لم يتميّز عنده الحقّ من الباطل. فالعقل يصلح السفينة ويدبّرها، ويحفظها بإذن الله من المفاسد والخلل الوارد عليها.

"وَدَلِيلُهَا الْعِلْمَ".
والعلم دليل، لأنّه يدلّ العقل على الصراط المستقيم، ويهديه إِلَى المنهج القويم، والعقل لا ينفكّ عن العلم، فإنّ نسبة العلم إِلَى العقل كنسبة النور إِلَى السراج، ونسبة الرؤية إِلَى البصر، فالعلم دليل العقل، كالكوكب دليل قيّم السفينة2.

1  شرح أُصول الكافي 1: 182.
2  المصدر نفسه.
 
 
 
16

11

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

 "وَسُكَّانُهَا الصَّبْرَ".

السكان ذنب السفينة، لأنّها به تسكن وتقوم. والصبر في الأصل الحبس، ويصبر على الطاعة، أي: يربط ويحبس نفسه عليها، ويصبر على المصيبة بأنْ لا يخرج ولا يشكو، ويصبر على الفاقة بأنْ يرضى بها ولا يسأل غير الله تعالى أصلاً، ويصبر على الغنى بأنْ لا يغترّ به ولا يتكبّر ويؤدّي الحقوق المالية، ويصبر على المجاهدات الطويلة بأنْ يقوم بها طلباً للوصول إِلَى المقامات العالية، ويصبر على الأمراض والبلايا بأنْ يرضى بها ولا يشكو، وأنّ إِلَى الله المشتكى سبحانه وتعالى1.

وإنّما شبّهه بالسكان، لأنّه كما يتوقّف سير السفينة وتقويمها على السكان، فكذلك يتوقّف سير سفينة التقوى إِلَى حضرة القدس على الصبر على الأُمور المذكورة، لظهور أَنَّ ارتقاء النفس من حدّ النقص إِلَى حدّ الكمال لا يتحقق إِلَّا بتحوّلاتٍ كثيرة، وانتقالات عديدة، وانقلابات شديدة، فيحتاج إِلَى صبر كامل وعزم ثابت2.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّه قال: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ وَلَا تُكَرِّهُوا عِبَادَةَ الله إِلَى عِبَادِ الله فَتَكُونُوا كَالرَّاكِبِ الْمُنْبَتِّ3 الَّذِي لَا سَفَراً قَطَعَ وَلَا ظَهْراً أَبْقَى".

وذكر الشَّيْخ المامقاني قدس سره في مرآة الرشاد: أَنَّ الصبر عند المكاره يحصل بملاحظة أمور تجعل مرارته عند أهله أحلى من العسل:
1- ما ورد من جزيل الثواب الأُخروي، بما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (الزمر: 10). وقد استفاضت الأخبار بأنّ الصابرين يدخلون الجنة بغير وقوف في العرصات، ولا نصب، ولا ميزان، ولا نشر ديوان، ولا حساب. 

2- ما يترتب عليه بالتجربة من نيل المراتب العالية. 

1  المصدر نفسه: 183.
2  المصدر نفسه.
3  انبتّ: انقطع، وذيل الحديث يقال لمن يبالغ في طلب الشيء ويفرط حتى ربما يفوّته على نفسه.
 
 
 
17

12

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

 3-  انقضاء المحنة بمرور الآنات، وفناء العمر على كلّ حال، وأنّ الساعة التي تمضي لا يبقى سرورها، ولا ألمها، والتي تأتي لا تدري ما هي، وإنّما هي ساعتك التي أنت فيها. 


4- عدم وجود نتيجة من الجزع والفزع والشكوى إِلَّا قلّة الأجر. 
5- ملاحظة حال الممتحنين بأعظم امتحان، الصابرين عليه أَجمل صبر. 

6- ملاحظة أَنَّ الابتلاء من السعادة، وأنّ البلاء للولاء، بل شدّة البلاء للمؤمن تكشف عن شدة القرب إليه تعالى. 

7- تذكّر أَنَّه تزكيةٌ لنفسه. 
8- تذكّر أَنَّ الصبر محمود العاقبة حتى في الدُّنيا، وماذا حدث لأنبياء الله تعالى بصبرهم في الدُّنيا قبل الآخرة، كأيّوب الَّذِي عوّض الله عزّ وجلّ ـ بصبره ـ عليه ما فاته من الصحة والأولاد والأزواج بالعطايا الجزيلة. 

وعلى المؤمن أنْ يتذكّر عند المصيبة مصائب أهل البيت عليهم السلام، إذ ما من مصيبة إِلَّا وفيهم أتمّ فرد منها، فإذا تذكرت مصائبهم العظام ـ وهم سادات الأنام، ولأجلهم خلقت الدُّنيا ومَنْ فيها ـ هانت عليك مصيبتك.

ولقد أجاد من قال: 
أَنْسَتْ رَزِيَّتُكُمْ رَزَايانا الَّتِي         سَلَفَتْ وَهَوَّنَتْ الرَّزَايا الآتِيَة
 
 
 
18

13

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

 وقفة تأملية
افتح قلوب الناس بالتواضع
أيها العزيز ما يحتوي عليه رأسك من الدماغ، تحتويه رؤوس الآخرين أيضاً، إذا كنت متواضعاً، احترمك الناس قهراً واعتبروك كبيراً، وإذا تكبرّت على الناس لم تنل منهم شيئاً من الاحترام. بل إذا استطاعوا أن يذلّوك لأذلّوك ولم يكترثوا بك. وإن لم يستطيعوا إذلالك، لكنت وضيعاً في قلوبهم، وذليلاً في أعينهم، ولا مقام لك عندهم. افتح قلوب الناس بالتواضع، فإذا أقبلت عليك القلوب ظهرت آثارها عليك، وإن أدبرت تكون آثارها على خلاف رغباتك.

فإذا فرضنا أنّك كنت من المبتغين للاحترام والمقام الرفيع، لكان اللازم عليك أن تسلك الطريق الذي يفضي بك إلى الاحترام والسموّ، وهو مجاراة الناس والتواضع لهم. إنّ التكبّر ينتج ما هو على خلاف طلبك وقصدك. إنّك لا تكسب من وراء التكبّر، نتيجة دنيوية مجديه، بل ستحصد من ورائه نتيجة معكوسة1.

1  الإمام الخميني قدس سره، الأربعون حديثاً، ص96.
 
 
19

14

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

 الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه


مفاهيم محورية:
• محور البحث في هذه الموعظة. 
• خصائص هذه الموعظة. 
• حقيقة الأنس. 
• علامة الأنس بالله. 
• المحبّة طريقٌ إِلَى الأنس. 
• شرائط تبادل المحبّة. 
 
 
 
21

15

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

 تصدير الموعظة:

روى الشَّيْخ الجليل أحمد بن محمد الأسدي الحلّي في كتابه "عدّة الداعي ونجاح الساعي" عن مولانا أبي محمد العسكري عليه السلام، أنَّه قال: "مَنْ أَنِسَ بِاللهِ اسْتَوْحَشَ مِنَ النَّاسِ"1.

محور البحث في هذه الموعظة:
تتكلّم هذه الموعظة المختصرة عن مرتبةٍ من مراتب الأولياء، ودرجةٍ لا ينالها إِلَّا الخلّص من عباده الأتقياء، ألا وهي مرتبة: (الأنس بالله).

فما هي حقيقة هذه المرتبة وحدودها؟ وما هي المقدّمات والخطوات السابقة عليها، والتي لا يمكن الوصول إليها إِلَّا بعد طيّها والسلوك في أوديتها ووهادها؟ وما هي الموانع التي تمنع الإنسان من نيلها وتحصيلها؟

خصائص هذه الموعظة:
هذه الرواية كما هو واضح تتألّف من جملتين حصل الارتباط بينهما، الأولى هي

1  نقل العلامة المجلسي الخبر عن جامع الأخبار بقوله: "روي أنَّ الحسين بن علي صلى الله عليه وآله وسلم..."، ولكنّ الموجود في جامع الأخبار للشعيري المطبوع قوله: "روي عن عليّ بن الحسين صلى الله عليه وآله وسلم...". العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 67، ص 110، ابن فهدا الحلّي، عدّة الداعي ونجاح الساعي، ص 194.
 
 
 
23

16

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

 الشرط الَّذِي يمثّل المرتبة التي نتحدّث عنها، والثانية تمثّل الجزاء، الَّذِي هو نتيجة قهرية لحصول الأنس بالله تعالى.


وهذا الجزاء، الَّذِي هو الاستيحاش من الناس، يصلح أنْ يكون معرّفاً لوصول السائر في طريق الله إِلَى المرتبة التي يمثّلها الشرط، أعني: (الأنس بالله).

حقيقة الأنس:
الأنس في اللُّغة بمعنى ظهور الشيء، وكلُّ شيء خالف طريقة التوحّش، ويقال: آنستُ الشيء، إذا رأيتُه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا1.

ومقام الأنس بالله عبارة عن الانقطاع إليه والاستيحاش من كلّ ما هو غيره، قال أمير المؤمنين عليه السلام: "ثَمَرَةُ الأُنْسِ بِاللهِ الاسْتِيْحَاشُ مِنَ النَّاسِ"2.

فمعنى الأنس: استبشار القلب وفرحه بمطالعة جمال الحقّ، حتّى أنّه إذا تجرّد عن ملاحظة ما غاب عنه عظم انبساطه ولذّته.

ولكي يصل المؤمن السائر على طريق الكدح إِلَى الله تعالى إِلَى هذه المرتبة والمقام لا بدّ له من أنْ يمرَّ بمراتب ومقامات معنوية معيّنة، تعتبر شرائط للوصول إِلَى مقام الأنس.

وفي هذه الموعظة المختصرة لا نستطيع أن نتعرّض لكلّ هذه المقامات والشرائط، ولكن نكتفي بالحديث عن العلاقة بين الأنس والمحبّة.

علامة الأنس بالله:
علامة الأنس بالله أن يصير العقل والفهم كلَّه مستغرقاً بلذّة المناجاة، كالَّذي يخاطب معشوقه ويناجيه. ومهما غلب الحبّ والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرّة

1  سورة النساء، الآية 6.
2  الليثي الواسطي، عليّ بن محمد، عيون الحكم والمواعظ: ص 209، تحقيق: الشَّيْخ حسين الحسيني البيرجندي، نشر: دار الحديث، الطبعة الأُولى 1376هـ.ش، قم.
 
 
 
24

17

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

 عينه، تُدْفع بها جميع الهموم، بل يستغرق الأنس والحبّ قلبه حتّى لا يفهم أمور الدّنيا ما لم تُكرّر على سمعه مراراً مثل العاشق الولهان، فإنّه يكلَّم الناس بلسانه، وأنسه في الباطن بذكر حبيبه، والمحبّ لا يطمئنّ إلا إلى محبوبه، وأوحى اللَّه تعالى إلى داود عليه السلام: "قد كذّب من ادّعى محبّتي إذا جنّه اللَّيل نام عنّي، أليس كلّ محبوب يحبّ لقاء حبيبه؟ فها أنا ذا موجود لمن طلبني"، وقال موسى عليه السلام: "يا ربّ، أين أنت فأقصدك؟ فقال: إذا قصدتني، فقد وصلت"1.


المحبّة طريقٌ إِلَى الأنس:
المحبّة علاقةٌ قائمةٌ بين الباري تبارك وتعالى وبين عبده. ولكي تكون موصلة إِلَى مقام الأنس وغيره من المقامات والمراتب التي تثمر من خلالها لا بدّ وأنْ تكون هذه المحبّة متبادلة في قبال كونها من طرفٍ واحدٍ، وليس ذلك إِلَّا لأنّ الحبّ الناجح هو الحبُّ الَّذِي يكون من الطرفين ويشهد لذلك ما نلاحظه في عالمنا، فلو أَنَّ شخصاً أحبَّ آخر من دون أنْ يبادله الحبّ والودّ لاعتبر الناس هذا الحبَّ فاشلاً.

وهكذا الحال في عالم المعنى والقرب إِلَى المعبود، فلو أَنَّ شخصاً ادّعى أَنَّه يحبُّ الباري تعالى ويعشقه، ولكن لم يبادله الباري ذلك، لَمَا كان هذا حبّاً إنْ صدّقنا بوجوده، وعلى هذا الأساس، فالأمر المهمّ في المقام هو التعرُّف إلى تلك الشُّروط التي تؤدّي إِلَى صيرورة الحبُّ متبادلاً بين العبد والمعبود.

شرائط تبادل المحبّة:
الشرط الأوّل: الطاعة.
قال الله تعالى في كتابه المجيد: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ 

1  الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج8، ص72، تحقيق علي أكبر غفاري، نشر جامعة المدرّسين، قم، الطبعة الثانية،(لا.ت.).
 
 
25

 


18

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

 لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ1، وفي الخبر عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الله الصَّادِقَ عليه السلام يَقُولُ: "مَا أَحَبَّ الله مَنْ عَصَاهُ"2، ثُمَّ تَمَثَّلَ:

تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ       هَذَا مُحَالٌ فِي الْفِعَالِ بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقاً لَأَطَعْتَهُ         إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ

هذا، والمعصية في مقام ادّعاء المحبّة قد تؤدّي إِلَى عدم الرّغبة في لقاء الحبيب، ولذا يقول بعض أعاظم علماء تزكية النفس مخاطباً النفس البشرية: "يا نفس، كيف تحبّين لقاء الله وأنت تعصينه؟! فلو عصيت آدميّاً ما اشتهيت أن تلقينه... فإيّاك وملازمة هوى الشيطان، ومجانبة رضى الرحمان، فإنّه يصرع الرجال، ويقطع الآجال، ويزيل النعم، ويطيل الندم"3.

الشرط الثاني: التحبُّب إِلَى كلِّ من يعيش في كنف المحبوب.
فالرّجل منّا في هذه الحياة الدُّنيا إذا أحبَّ امرأةً، تراه يُكْرِمُ أهلها، وكلّ من يمتُّ إليها بصلةٍ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ ومرغوب في مقام التعبير عن المحبّة الحقيقية، ويروى أَنَّ نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كان يهتمّ بإكرام صديقات السَّيِّدة خديجة عليها السلام حتّى بعد وفاتها، فكان يرسل لهنّ ما يُهدى إليه باستمرار، وكان يذبح الشاة فيفرّقها عليهنَّ4، وليس ذلك إِلَّا لأنّ حبيب الحبيب حبيبٌ، ورد في زيارةٍ للإمام الحسين عليه السلام: "بِزِيَارَةِ حَبِيبِ حَبِيبِكَ تَقَرَّبْتُ"5.

1  سورة آل عمران، الآية 31.
2  الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشّيعة ح 15، ص308، باب: وجوب اجتناب المعاصي، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، الطَّبعة الأُولى 1412ه، قم.
3  الكفعمي، الشَّيْخ إبراهيم، محاسبة النفس: ص 169، تحقيق: الشَّيْخ فارس حسون، الطبعة الأولى 1413، نشر: مؤسسة قائم آل محمد، قم.
4  انظر: أعيان الشيعة للسيد الأمين ج 6، ص 312، تحقيق وتخريج: حسن الأمين، نشر: دار التعارف للمطبوعات، بيروت. الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم للسيّد جعفر مرتضى ج 6، ص 51، الطبعة الأولى 1426، نشر: دار الحديث، قم.
5  ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص 394، تحقيق: الشَّيْخ جواد القيومي، الطبعة الأولى 1417، نشر: مؤسّسة النشر الإسلامي.
 
 
 
26

19

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

 وهذا الشرط يقتضي امتداد محبّة السالك لربِّه ومعبوده إِلَى مَنْ نصّبهم الله هداةً على الطريق، وهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.


وبهذا الشرط تمتدّ المحبّة إِلَى كلّ مؤمن يسير في طريق الحقّ وإنْ كان بعيداً عنه نسباً، وبالتالي يبغض كلّ من يسير في خطّ الباطل وإنْ كان أقرب الأقرباء، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ1.

الشرط الثالث: السنخيّة بين العاشق والمعشوق.
إِنَّ العاشق والمحبّ يسعى دائماً لكي يتّصف بالصفات التي يتحلّى به حبيبه ومعشوقه، ولذا ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "تَخَلّقُوا بِأَخْلاقِ الله"2.

فلا يعقل لمدّعي المحبّة أنْ يكون صادقاً، إذا كان يتصف بصفاتٍ مناقضة لصفات المحبوب والمعشوق، فإذا كان الباري كريماً فلا بدّ لمن يحبّه أنْ يتصف بالكرم، وإذا كان رحيماً فلا بدّ من أنْ يتصف العاشق بالرحمة. نعم، مع مراعاة الفرق في وجود هذه الصفات بين الخالق والمخلوق.

وفي هذا المجال ينقل:
إنَّ أحد العلماء الصالحين كان في زيارةٍ إِلَى مرقد الإِمام الرضا عليه السلام، فنزل ضيفاً في مدرسةٍ علمية، وكان ذلك في شهر رمضان المبارك، وعندما جاءت ليلة القدر، خرج طلاب المدرسة ـ كما هي العادة ـ لإحياء مراسم ليلة القدر في حرم الإِمام عليه السلام أو المساجد القريبة والحسينيات، إِلَّا أَنَّ هذا العالم الضيف بقي في

1  سورة المجادلة، الآية 22.
2  المجلسي، بحار الأنوار ج 58، ص 129، الطَّبعة الثَّالثة 1403، دار إحياء التُّراث، بيروت.
 
 
 
27

20

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

 غرفته مشغولاً بعبادته. ولكن أصرّ زميله الَّذِي يشاركه السكن في الغرفة، عليه أنْ يذهب معه لإحياء ليلة القدر خارج المدرسة، وبعد إصرار طويل وافق العالم الضيف مشترطاً أنْ يكون الإحياء في المكان الَّذِي يوافق هو عليه.


وهكذا، خرجا من المدرسة، وطفقا يمرّان على مكان بعد آخر، والعالم لا يرضاه مكاناً للإحياء، إِلَى أنِ انتهى بهما التجوال إِلَى مسجد صغير في أطراف المدينة آنذاك، فتوقّف العالم قليلاً، ثمّ قال: "هنا سوف نحيي ليلة القدر"، تعجّب مرافقه من تركه لكلّ الأماكن السابقة، واختياره لهذا المكان النائي.

تعالوا أيُّها الأحبّة، لندخل معهما إِلَى ذلك المسجد، ولنرى ما الَّذِي لفت نظر العالم في هذا المكان لكي يختار أنْ يُحيي فيه ليلة القدر من بين سائر الأماكن المختلفة التي مرّا عليها.

مسجدٌ صغيرٌ في أطراف المدينة... دخلا، وكان الخطيب على المنبر يحضّر الناس لكي يُقْبِلوا بقلوبهم على الدّعاء المطلوب في مثل هذه الليالي، والجملة الأُولى التي سمعاها من الخطيب حين دخولهما: "أحبّ فقيرٌ ابنة الأمير..."، تعجّب المرافق! قصّة حبٍّ، في المسجد، وفي شهر رمضان، وفي ليلة القدر!!!

وإذا بالخطيب يتابع: بعد أن تمكّن الحبّ من قلب هذا الفقير، بدأ يأتي كلّ يوم ويجلس تحت شرفة الأميرة، علّها تطلّ من الشرفة فيقع نظره عليها. وبعد مدّة من الزمن شعرت الأميرة بتردّد الفقير كثيراً على قصرها، فأرسلت خلفه. عندما دخل بادرته بالسؤال عن سبب تردّده الكثير تحت شرفتها، فأجابها بصراحةٍ أنّه يحبّها، ويمنّي نفسه بأنْ يقع نظره عليها. أدخلته الأميرة إِلَى الداخل، ثمّ قالت له: انظر إليّ جيّداً، بعد أنْ نظر الفقير إليها مليّاً، سألته: ماذا ترى؟ فأجاب بأنّه يرى الجمال والنظافة والثراء وكلّ صفات الكمال. ثمّ قرّبته من المرآة آمرةً له أنْ ينظر ليرى نفسه
 
 
 
28

21

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

 فيها، ثمّ سألته: ماذا ترى؟ فإذا به يرى شخصاً عليه كلّ مظاهر الفقر والحرمان، أشعث الشعر، رثّ الثياب، بشع المنظر، وغير ذلك من صفات النقص المقابلة لصفات الأميرة. وحينئذ هزّته الأميرة من كتفه قائلةً: "مثلك يحبُّ مثلي"؟!.


عندما وصل الخطيب إِلَى هذا الحدّ، التفت إِلَى الحضور، وقال: هل فكّرنا في يومٍ قد يأتي، ويقول لنا المولى صاحب العصر والزمان عليه السلام: "مثلك يحبُّ مثلي"؟!.

عندئذٍ انفجر الحضور بالبكاء، ووقع العالمُ مغشياً عليه...

حصيلة الكلام:

من جميع ما تقدّم نستنتج:
أَنَّ العاصي والجاحد لأنعم الله تبارك وتعالى لا يكون محبّاً وعاشقاً له إِلَّا على مستوى الظاهر والادّعاء، وبالتالي لا يصل إِلَى مقام الأنس بالله، بل قد ينغمس في المعاصي واللذات فيستوحش عند الخروج منها، وسرعان ما يعود إليها.

ونفهم أيضاً أَنَّ الأنس يكون مع المعبود والمحبوب وكلّ من يعيش في أجواء الإيمان والحقّانية، والاستيحاش يكون مع كلّ مَنْ يمثّل قيم الباطل والشيطان في هذه الحياة الدُّنيا.

ولا يعني الأنس بالله أنْ يعتزل المؤمن إخوانه الَّذِين يشاركهم في العقيدة والعمل، إذ هذه هي الرهبانية المنفيّة في الإسلام، والذي أسيئ استعمالها من قِبَلِ بعض أتباع الدّيانات السابقة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ1.

فالأنس بالله يدعونا إِلَى الارتباط بأولياء الله، والاستيحاش من خطّ الباطل، وطريق الشيطان يُلزمنا بالابتعاد عن كلّ مَنْ يمثّله ويلتزم به.

1  سورة الحديد، الآية 27.
 
 
 
29

22

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

 كما أَنَّ الأنس لا يحصل إذا لم يكن العبد دؤوباً في التخلُّق بأخلاق الله بحسب مرتبته من العبودية، وذلك لأنّ الأنس تابعٌ للمحبّة، والمحبّة المتبادلة والحقيقية لا تكون إِلَّا بين متسانخين في الصفات.


وما أجمل ما مُثِّل به هذا المعنى! من أَنَّ نملةً أحبّت فيلاً، وأرادت أنْ تدخله إِلَى بيتها، فوقف ونظر إِلَى جحرها، وقال: إمَّا أنْ تتخذي بيتاً يليق بمحبوبك، وإمّا أنْ تتخذي محبوباً يليق ببيتك.

وعلى هذا القياس نقول: يا عبد الله، إمّا أنْ تصلّي صلاةً تليق بمعبودك، وإمّا أنْ تتخذ معبوداً يليق بصلاتك...
 
 
 
30

23

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

 وقفة تأملية


وسيلة و أثر الأنس بالله تعالى
بني، إنّ الأدعية والمناجاة التي وصلتنا عن الأئمة عليهم السلام هي أكبر إرشادات التعرّف عليه - جلّ وعلا - وأسمى طريق يمهّد للعبودية والعلاقة بين الحقّ والخلق، والمشتملة على المعارف الإلهية، ووسيلة الأنس به، ومعطى بيت الوحي، ونموذج لأصحاب القلوب وأرباب السلوك. ولا تجعلنّك وساوسك تغفل عن التمسّك بها وعن الأنس بها إن استطعت. ونحن لا نستطيع أن نؤدّي شكر هؤلاء الصالحين والواصلين إلى الحقّ، أئمتنا ومرشدينا، وإن تفرّغنا للدعاء1.

... الأنس بالله يلازمه التوحّش من غير الله تعالى، بل كلّ ما يعوق عن الخلوة فيكون من أثقل الأشياء على القلب، كما روي أنّ موسى عليه السلام لمّا كلَّمه ربّه مكث دهراً لا يسمع كلام أحد من الخلق إلا أخذه الغشيان، لأنّ الحبّ يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره فيخرج من القلب عذوبة ما سواه، ولذلك قال بعض الحكماء في دعائه: يا من آنسني بذكره وأوحشني من خلقه. وقال الله تعالى لداود عليه السلام: كن بي مستأنساً، ومن سواي مستوحشاً. وقال عبد الواحد بن زيد: مررت براهب، فقلت له: يا راهب، لقد أعجبتك الوحدة، فقال: يا هذا، لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك، الوحدة رأس العبادة، قلت: يا راهب، ما أقلّ ما تجد في الخلوة؟ قال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرّهم، قلت: يا راهب، متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله عزّ وجلّ؟ قال: إذا صفا الودّ وخلصت المعاملة، قلت: ومتى يصفو الودّ؟ قال: إذا اجتمعت الهموم فصارت همّاً واحداً في الطاعة. وقال بعض الحكماء: عجباً للخلائق كيف أرادوا لك بدلاً! عجباً للقلوب كيف استأنست بسواك عنك2!

1  صحيفة الإمام الخميني قدس سره،ج‏16، 161رسالة أخلاقية وعرفانية... ص: 158.
2  الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، ج8، ص8، صحّحه وعلق عليه: علي أكبر الغفاري، المطبعة: حيدري، الناشر: جامعة المدرّسين، قم.
 
 
 
31

24

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 الدرس الثالث: العفو والرحمة



مفاهيم محورية
• معنى العفو. 
• الحثّ على العفو في الإسلام. 
• الصفح. 
• الإحسان. 
• العفو والإحسان في سيرة أهل البيت عليهم السلام. 
• آثار العفو الفردية والاجتماعية. 
• بين القصاص والعفو. 
• طرق علاج الانتقام وكسب فضيلة العفو. 
 
 
33

25

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 تصدير الموعظة:

قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ1.

مقدمة:
عفا: في أَسماءِ الله تعالى "العَفُوّ"ُ، وهو فَعُولٌ من العَفْوِ، وهو التَّجاوُزُ عن الذنب وتَرْكُ العِقابِ عليه، وأَصلُه المَحْوُ والطَّمْس، وهو من أَبْنِية المُبالَغةِ.

يُقال: عَفَا يَعْفُو عَفْواً، فهو عافٍ وعَفُوٌّ. قال الليث: العَفْوُ عَفْوُ الله عزّ وجلّ عن خَلْقِه، والله تعالى العَفُوُّ الغَفُور.
وكلُّ من اسْتحقَّ عُقُوبةً فَتَرَكْتَها فقد عَفَوْتَ عنه2.

إنّ من الفضائل الأخلاقية التي لا يصل الإنسان إلى مراتب الكمال دونها، هي صفة العفو عن زلّات الآخرين وهفواتهم، وترك الانتقام منهم.

1  سورة آل عمران، الآيتان 133 – 134.
2  لسان العرب، ابن منظور، ج15، ص72.
 
 
 
35

26

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 وهي من الصفات الإلهية والإنسانية، وعكسها أي الانتقام من الصفات الحيوانية، لذلك نجد أنبياء الله وأوليائه المتّقين الذين يمثّلون بصدق معاني الإنسانية يتّصفون بها. ومن هنا نرى أنّ القرآن الكريم يجعلها من صفات المحسنين، يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.


وعلى العكس من ذلك نجد أنّ الكافرين والمنافقين والفسّاق الجهلة والحكّام الظلمة يتّسمون بصفة الانتقام.

الحثّ على العفو في الإسلام:
هذا والآيات القرآنية والروايات الإسلامية زاخرة في بيان فضيلة العفو والصفح وذمّ روح الانتقام والثأر، وفي سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام في هذا الباب الكثير من النماذج الراقية.

يقول سبحانه: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ1.

 

﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ2

يظهر من الآيتين المباركتين الحثّ على فضيلة العفو وأرجحيّته على المعاقبة بالمثل، فإنّ العفو قد يكون له إيجابيّات أكثر من المعاقبة بالمثل، وذلك حسب اختلاف الأشخاص والحالات. فعلى الإنسان الحكيم أن يُعْمِل حكمته لكي يعرف متى يعاقب بالمثل ومتى يعفو.

بين العفو والعقاب:
هناك موارد يكون العفو والصفح فيها سبباً لجرأة المجرمين والمنحرفين، ولا شكّ أنّه لا أحد يرى في العفو في مثل هذه الموارد فضيلة أخلاقية، بل إنّ حفظ نظام

1  سورة الشورى، الآية 40.
2  سورة النحل، الآية 126.
 
 
 
36

27

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 المجتمع والنهي عن المنكر والتصدّي لمنع وقوع الجريمة تقتضي عدم التساهل مع المجرم، وترك العفو في مثل هذه الموارد، بل العمل بمقتضى العدل وما يفرضه من العقاب على المجرم.


ونجد في الأحاديث الإسلامية أيضاً إشارة إلى هذا الاستثناء، ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "العَفوُ يُفسِدُ مِنَ اللَّئِيمِ بِقَدَرِ إِصلاحِهِ مِنَ الكَرِيمِ"1

ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام قوله: "العَفوُ عَنِ المُقِرِّ لا عَنِ المُصِرِّ عَفو"2
وأيضاً ورد في الحديث الشريف عن هذا الإمام عليه السلام أيضاً قوله: "جـازِ بِالحَسَنَةِ، وَتَجـاوَزَ عَنِ السَّيئَةِ مـا لَم يَكُن ثَلماً فِي الدِّينِ أَو وَهناً فِي سُلطـانِ الإسلامِ".

ففي مثل هذه الموارد يجب التحرّك على مستوى إلحاق الجزاء العادل بالمسيء.

وجاء في حديث آخر عن الإمام زين العابدين عليه السلام في تأييد هذا المعنى، حيث قال: "حَقُ مَنْ أَسـاءَكَ أَنْ تَعفُوَ عَنهُ، وَإِنْ عَلِمتَ أَنَّ العَفوَ عَنهُ يضِرُّ انتصرت، قـالَ اللهُ تَبـارَكَ وَتَعـالَى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ3

ولكن لا ينبغي أن يكون وجود هذا الاستثناء سبباً لسوء التصرّف في بعض الموارد، وأن يجعلها بعض الناس ذريعة للانتقام في مورد العفو، بحجّة أنّ العفو هنا يتسبب في زيادة الجرأة لدى المذنب والمجرم، بل ينبغي النظر بإخلاص، وبعيداً عن حالات التعصّب، إلى أصل العفو والصفح وموارد الاستثناء بدقّة كبيرة، والعمل طبق هذه الموارد والاستثناءات.

1  شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج20، ص270، ح124.
2  المصدر نفسه، ص330، ح783.
3  ميزان الحكمة، ج3، ص2015، ح13225.
 
 
 
37

28

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 العفو عن الأرحام:

ومن الموارد التي يحسن فيها العفو، التعامل مع الارحام، فينبغي أن يحكّم التسامح بينهم، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ1.

نقرأ في هذه الآية خطاباً لجميع المؤمنين في دائرة الاختلافات والنزاعات العائلية، ولا شكّ أنّه لولا وجود العفو والصفح في أجواء العائلة من قبل الأب والولي على أمور الأهل والأطفال، أو كان كلّ فرد من أفراد الأسرة يتحرّك في تعامله مع الآخرين من موقع الانتقام وأخذ الحقّ والمقابلة بالمثل، فإنّ هذه الأجواء الأسريّة ستتحوّل إلى مكان يعيش فيها الأفراد القلق والاضّطراب الدائم وعدم الأمن والراحة، وبالتالي يتسبّب ذلك في انهدام العائلة وتلاشيها.

الصفح:
ورد في بعض الآيات الحثّ على الصفح بعد العفو، يقول سبحانه: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ ﴿أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ2.

أما ما هو الفرق بينهما؟ فيقول الراغب في مفرداته، إنّ العفو بمعنى المغفرة، والصفح ترك اللّوم والتوبيخ، والذي هو مرحلة أعلى من العفو، لأنّه يمكن أن يعفو الإنسان عن الطرف المقابل إلاّ أنّه لا يترك لومه وتوبيخه أو معاتبته، ولكن بما أنّ الصفح في اللغة يعني الإعراض بالوجه عن الإنسان المذنب، فيمكن أن يكون إشارة إلى لزوم تناسي ذنب المذنب ووضعه في زاوية الإهمال والغفلة ولا يكتفي بترك اللّوم فقط، أي أن لا يترتّب أي أثر سلبي على العلاقة بين الطرفين.

1  سورة التغابن، الآية 14.
2  سورة النور، الآية 22.
 
 
 
38

29

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 الإحسان:

هناك مرتبة فوق العفو والصفح وهي مرتبة الإحسان في التعامل مع زلّات الاخرين، يقول تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ1

 

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ2

ويُستفاد من الآيتين أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك المؤمنين، مأمورون بتجاوز حالة العفو والصفح والصعود إلى مرتبة أرقى منها، وردّ السيئة بالحسنة، وهو العمل الذي لا يتيسّر من أي شخص كان، ولهذا فإنّ الآية التي بعدها تقول: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ3.

وفي الحقيقة، فإنّ مقابلة السيئة بالحسنة عمل ثقيل جدّاً لا يستطيع النهوض به إلاّ من أوتي القدرة على النهوض بالأعمال الخيّرة المهمّة، والذين يعيشون الإيمان والتقوى والقيم الإنسانية بالمستوى الأعلى.

العفو والصفح والإحسان في مدرسة أهل البيت عليهم السلام:
يقول سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ4.
الآية تأمر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بأوامر أخلاقية ثلاثة، ويتّضح منها تكليف الآخرين أيضاً.
هذه التعليمات الثلاث التي وردت في الآية الشريفة بمثابة أوامر صادرة من الله تعالى إلى نبيّه الكريم باعتباره قائداً للأمّة وأسوة حسنة لسائر المسلمين، وبذلك توضّح في مضمونها أهميّة العفو والصفح في دائرة المسؤولية الملقاة على عاتق 

1  سورة المؤمنون، الآية 96.
2  سورة فصلت، الآيتان 34 – 35.
3  سورة فصلت، الآية 35.
4  سورة الأعراف، الآية 199.
 
 
39

30

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 القادة الإلهيين. فالأمر الأوّل من هذه الأوامر الإلهية هو الأمر بالعفو والصفح، والأمر الثاني إشارة إلى أنّ على القائد أن لا يحمّل الناس فوق طاقتهم وقدرتهم، وأن لا يطلب منهم سوى المعروف الممكن، وفي الأمر الثالث نجد التوصية بإهمال الكلمات اللامسؤولة الصادرة عن الجاهلين والمخالفين، وعدم ترتيب الأثر على ما يرتكبونه تجاه أتباع الحقّ من ممارسات سلبية وكلمات شانئة.

إنّ القادة الحقيقيين والسالكين طريق الحقّ يواجهون في مسيرتهم الإلهية الكثير من الأفراد المتعصّبين والجاهلين والمعاندين، الذين لا يجدون فرصة للإيقاع بأصحاب الحقّ وإيجاد الأذى والضرر بهم إلاّ استغلّوها. فالآية السابقة وكذلك الكثير من الآيات القرآنية الاُخرى تؤكّد على المؤمنين السالكين في خطّ الله والتقوى أن يجنّبوا أنفسهم الصراع مع هؤلاء، وأنّ الأفضل لهم التعامل مع مثل هذه المسائل من موقع اللامبالاة والإهمال والإعراض، والتجربة العملية تشير إلى أنّ أفضل طريق لإيقاظ هؤلاء من غفلتهم وإطفاء نار غضبهم وصدّهم وتعصّبهم هو هذه الطريقة في التعامل معهم من موقع قوّة الشخصية وكبر النفس.

وقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه عندما نزلت هذه الآية الشريفة سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبرائيل عن ذلك، فقال: لا أدري حتّى أسأل العالم، ثمّ أتاه فقال: "يـا مُحِمَّد، إِنّ اللهَ يَأَمُرُكَ أَنْ تَعفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ"1

نماذج من عفو النبي وآله:
إنّ سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام طافحة بمثل هذه النماذج من السلوكيات الأخلاقية والإنسانية، حتّى أنّه أحياناً يؤدّي سلوكهم الإنساني هذا إلى انقلاب الطرف الآخر من موقع الشرّ والعداوة إلى موقع الخير والمحبّة، والتجارب

1  الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، ج 4، ص 415، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1995م.
 
 
40

31

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 العملية الكثيرة تشير إلى التأثير الكبير لهذه الأعمال الأخلاقية في دائرة السلوك الإنساني والعلاقات الاجتماعية.


عن الإمام الباقر عليه السلام: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُتي باليهودية التي سمّت الشاة للنبي، فقال لها: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: قلت: إن كان نبيّاً لم يضرّه، وإن كان ملكاً أرحت الناس منه، فعفا رسول الله عنها"1

وعفا صلى الله عليه وآله وسلم عن جماعة كثيرة، بعد أن أباح دمهم، وأمر بقتلهم، ويكفينا نموذجاً راقياً في العفو ما كان منه من العفو عن كفّار مكّة عند فتحها.

ويروى أنّ شامياً رأى الإمام الحسن راكباً، فجعل يلعنه، والحسن لا يردّ، فلما فرغ، أقبل الحسن عليه السلام فسلّم عليه، وضحك، فقال: "أيها الشيخ، أظنّك غريباً، ولعلك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك الينا، وكنت ضيفنا الى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً، وجاهاً عريضاً، ومالاً كثيراً". فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: "أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحبُّ خلق الله إليّ، وحوّل رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقداً لمحبّتهم"2

وروي أنّ غلاماً للإمام الحسين عليه السلام جنى جناية توجب العقاب عليه، فأمر به أن يُضرب، فقال: "يا مولاي، والكاظمين الغيظ، قال: خلّوا عنه. قال: يا مولاي، والعافين عن الناس، قال: قد عفوت عنك، قال: والله يحبُّ المحسنين، قال: أنت حرّ لوجه الله، ولك ضعف ما كنت أعطيك"3

1  الكافي، ج 2، ص 108.
2  بحار الأنوار، ج43، ص 344.
3  بحار الأنوار ج44، ص195.
 
 
 
41

 


32

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 ولكن الإمام الحسين عليه السلام عندما رأى أنّ الدين في خطر من يزيد ثار عليه، فليس المحلّ محلّ عفو وصفح، إنّما المقام مقام جهاد ومقاومة.


بين القصاص والعفو:
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ1

تتعرّض هذه الآية إلى الحديث عن مسألة القصاص، والتي تعدّ أحد الأحكام الاجتماعية المهمّة في الإسلام، والتي تضمن حقوق الناس وتحفظ لهم أنفسهم ودماءهم من أشكال العدوان، بحيث إنّ القرآن الكريم يعبّر عن القصاص بكلمة "الحياة".

وبعد أن تذكر الآية موارد القصاص بالمثل، تقول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ2.

فلو أنّ القصاص تبدّل إلى الدية، فعلى الطرف الآخر أن يتّخذ سبيل المعروف في عملية أداء الدية إلى وليّ المقتول، وهذا المعنى بمثابة التخفيف والرحمة من الله تعالى للناس.

والتعبير بكلمة (أخيه) في الآية المذكورة يشير إلى أنّه حتى لو وقعت حادثة قتل بين المسلمين، فإنّ ذلك لا يعني قطع رابطة الأخوّة بينهم، وفي صورة عدم وجود ضرورة للقصاص فلا ينبغي اتّخاذه سبيلاً لحلّ الأزمة، وهذا التعبير يدلّ على أنّ الإسلام يرجّح العفو على القصاص، ويتحرّك من موقع تفعيل الشعور بالمحبّة والأخوّة لدى الأولياء بدلاً من روح الثأر والانتقام.

1  سورة البقرة، الآية 178.
2  سورة البقرة، الآية 178.
 
 
 
42

33

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 وكذلك عبارة: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ تدلّ مرّة اُخرى على المفهوم القرآني في ترجيح العفو والصفح على القصاص أو تبديله بالدية.


آثار العفو الفردية والاجتماعية:
إنّ العفو تجتمع فيه آثار إيجابية ومعطيات حميدة كثيرة في حركة الحياة الفردية والاجتماعية، حيث يمكن بيان خلاصتها:
1- إنّ سلوك طريق العفو والصفح يمكنه أن يبدّل العدوّ الشرس أحياناً إلى صديق حميم، وخاصّة فيما لو كان متزامناً بالإحسان إلى الطرف المقابل، أي بالإجابة بالحسنة مقابل السيئة كما وردت الإشارة إلى ذلك في الآية: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ1

2- إنّ العفو والصفح يتسبّبان في دوام الحكومات واستمرار القدرة السياسية بين ذلك الحاكم الذي يمارس العفو مقابل أعدائه، حيث يقلِّل من حالة العداء والخصومة لدى مخالفيه، ويزيد من جماعة الأصدقاء والمحبّين، ونقرأ ذلك في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "عَفوُ المُلُوكِ بَقـاءُ المُلكِ"2

3- إنّ العمل بمقتضى العفو والصفح يتسبّب في زيادة عزّة الشخص وتقوية مكانته وشخصيته في المجتمع، لأنّ ذلك علامة على قوّة الشخصية والشرف وسعة الصدر، في حين أنّ ممارسة الانتقام والثأر يدلّ على ضيق الأفق وعدم التسلّط على النفس، وانفلات قوى الشرّ وتسلّطها على الإنسان، وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "عَلَيكُم بِالعَفوِ، فَإِنَّ العَفوَ لا يَزيدُ إِلاّ عَّزاً"3.

1  سورة فصلت، الآية 34.
2  بحار الأنوار، ج74، ص168.
3  الكافي، ج2، ص108.
 
 
 
43

34

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 4- إنّ العفو يقطع تسلسل الحوادث اللأخلاقية في واقع الناس من الحقد والبغضاء، وكذلك السلوكيات الذميمة والقساوة والجريمة. وفي الواقع، فإنّ العفو بمثابة المحطّة الأخيرة التي تقف عندها كلّ عناصر الشرّ هذه فلا يتجاوزها، لأنّ الانتقام والثأر يتسبب من جهة إلى تسعير نار الحقد في القلوب، ويدعوها إلى التعامل بقساوة أشدّ، ويفعّل فيها الكراهية وعناصر الخشونة، وهكذا يستمرّ الحال في عملية تصاعدية، وأحياناً يؤدّي الحال إلى نشوب معارك طاحنة بين طائفتين أو قبيلتين كبيرتين أو تسفك في ذلك الكثير من الدماء وتدمّر الكثير من الطاقات والأموال والثروات. 


وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "تَعـافُوا تَسقُطُ الضِّغـائِنُ بَينَكُم"1

5-  إنّ العفو يتسبّب في سلامة الروح وهدوء النفس وسكينة القلب، وبالتالي يتسبّب في طول العمر كما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "مَنْ كَثُرَ عَفوُهُ مُدَّ فِي عُمره"2

وبالطبع، فما ذكرنا أعلاه هو من قبيل الآثار الإيجابية الدنيوية والبركات الاجتماعية للعفو والصفح، وأمّا النتائج المعنوية والأجر والثواب الأخروي فأكثر من ذلك بكثير، ونكتفي في هذا المعنى بحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام يقول فيه: "العَفوُ مَعَ القُدرَةِ جُنَّةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ سُبحـانَهُ"3.

1  المتقي الهندي، كنز العمال، ج3، ص373، ح7004، مؤسّسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1989م.
2  ميزان الحكمة، ج3، ح13184.
3  غرر الحكم.
 
 
 
44

35

الدرس الثالث: العفو والرحمة

 وقفة تأمّلية
طرق علاج الانتقام وكسب فضيلة العفو
إنّ أفضل الطرق لعلاج صفة الانتقام الرذيلة والصعود إلى أوج العزّة والكرامة باكتساب فضيلة العفو والصفح يكمن في الدرجة الأولى بالتفكّر السليم حول معطيات وآثار كلّ واحد من هاتين الصفتين الأخلاقيتين، فعندما يرى الإنسان ما في العفو والصفح من البركات والمواهب والمعطيات الدنيوية والأخروية، وكيف أنّه يتسبب في زيادة مكانته وعلوّ قدره وعزّته في نظر الخلق والخالق، ويريح الإنسان من الكثير من المشكلات والمصاعب، فيفتح له أبواب الحياة الكريمة ويثير المحبّة له في قلوب الناس، في حين أنّ الانتقام والردّ بالمثل أحياناً يؤدّي إلى انهدام عناصر الخير في حياة الإنسان، ويعرّض نفسه وماله وسمعته إلى الخطر الأكيد، فحينئذ إذا قارن الإنسان بين هذه المعطيات الإيجابية والسلبية للطرفين فإنّه سيأخذ جانب العفو قطعاً ويرجحّه على جانب الانتقام، ويستمرّ في سلوك هذا الطريق حتّى تحصل لديه ملكة أخلاقية لفضيلة العفو والصفح.

ومن جهة أخرى فعندما يتأمّل الإنسان في جذور الحالة السلبية للانتقام والدوافع النفسية التي تثير هذه الحالة في نفسه، فإنّه سيتحرّك حتماً نحو علاجها والحدّ من شرّها، وبذلك يتسنّى له القضاء على المعلول في القضاء على علّته، فيتبدّل الحقد والكراهية وحبّ الانتقام إلى الأخوّة والمحبّة والعفو والصفح.
 
 
 
45

36

الدرس الرابع: التـَّقوى والطاعة

 الدرس الرابع: التـَّقوى والطاعة



مفاهيم محورية:
• تعريف التقوى. 
• أبعاد التقوى على المستوى الدنيوي. 
• أبعاد التقوى على المستوى الأخروي. 
• كيف أكون تقيّاً؟ 
 
 
 
47

37

الدرس الرابع: التـَّقوى والطاعة

 تصدير الموعظة:

أوصى الإمام الصادق عليه السلام عبد الله النجاشي، فقال: 
"إني أوصيك بتقوى الله وإيثار طاعته والاعتصام بحبله، فإنَّه من اعتصم بحبل الله فقد هُدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، فاتَّق الله ولا تؤثر أحداً على رضاه وهواه، فإنَّه وصية الله عزّ وجل إلى خلقه لا يقبل منهم غيرها، ولا يعظم سواها. واعلم أن الخلائق لم يوكلوا بشيء أعظم من التقوى فإنَّه وصيتنا أهل البيت، فان استطعت أن لا تنال من الدّنيا شيئاً تسأل عنه غداً فافعل"1.

مقدمة:
إنّ من الابتلاءات العامة التي تأخذ اهتماماً واسعاً لدى الشرع المبين في الخطابات القرآنية والروايات الواصلة إلينا عن طريق أهل بيت العصمة، مسألة ادّعاء التقوى من دون عمل، أي التقوى المفرغة من محتواها، مما يشكّل خطراً على الأبعاد الإيمانية في المجتمع، إذ يكثر المدَّعون ويقلّ العاملون وتُترك الساحة للّاعبين بالكرامات والناهبين للثروات والعابثين بأمن الناس وثقافتهم ومستقبلهم، هذا بشكل عام، لكن كيف لو حدث هذا لا سمح الله في الميدان الجهادي؟!

1  العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 74، ص 194.
 
 
 
49

38

الدرس الرابع: التـَّقوى والطاعة

 تعريف التقوى: 

التقوى من "الوقاية" بمعنى المحافظة. وهي في العرف وفي مصطلح الأخبار والأحاديث تعني: "وقاية النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه وما يمنع رضاه" وكثيراً ما عرّفت بأنّها "حفظ النفس حفظاً تاماً عن الوقوع في المحظورات بترك الشبهات" فقد قيل: "وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبهاتِ وَقَعَ فِي المُحَرَّماتِ وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُ"1، "فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الحِمى أوشكَ أَنْ يَقَعَ فيهِ"2.

وقيل فيها أنَّها مجانبة كل ما يبعدك عن الله وعن طاعته وطاعة محمد وآل محمد4. وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن تفسير التقوى فقال عليه السلام: "أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك"3.

قال الله جلَّ شأنه في مُحكم آياته ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ4.

وقال الإمام الخميني قدس سره في التعقيب على هذه الآية المباركة: "الأمر بالتقوى (في أوّل مراتبها وهي تقوى العامّة) هي الحذر من مخالفة الأحكام الإلهية الظاهرية وهي كذلك مرتبطة بالأعمال القالبية، وتكون جملة ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تحذيراً من عواقب أعمالنا وشاهداً على أنّ الأعمال التي نعملها تأتي نفسها بالصورة المناسبة في النشأة الأخرى وستُلحق بنا... إنّ التفكير في هذا الأمر يوقظ القلوب المؤهلة وقد يكون مدخلاً يسهل الطريق إلى المراتب الأخرى"5.

1  الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 68، باب اختلاف الحديث، ح 10.
2  الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 18، ص 122، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى، ح39.
3  كتاب التعريفات، ص39.
4  الريشهري، ميزان الحكمة، ج10، ص646.
5  سورة الحشر، الآيتان 18 – 19.
 
 
50

 


39

الدرس الرابع: التـَّقوى والطاعة

 إنَّ التقوى ملازمةٌ للعمل بطاعة الله تعالى بنيّةٍ مخلصةٍ لا يشوبها شكٌّ ولا رياءٌ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس"1.


أبعاد التقوى:
للتقوى أبعاد متنوعة ومتعددة، ومنها أن للتقوى آثاراً على المستوى الدنيوي وعلى المستوى الأخروي. 
أ - أبعاد التقوى على المستوى الدنيوي: 
فإن للتقوى آثاراً دنيوية على الفرد والمجتمع: 
1- هي سبب لقبول الأعمال: قال الله تعالى:﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ2

2- بالتقوى تفتح المخارج وتذلّل الصعاب ويُستنزل الرزق: قال الله تعالى: 
3- ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ3.﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا4

4- التَّقوى تقوّي بصيرة الإنسان ويقظته قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ5

5- سبيل لفتح بركات السماء والأرض: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ6

6- التقوى سببٌ للهداية والشُّكر والرَّحمة والفلاح: قال الله تعالى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ *

1  الإمام الخميني، بلسم الروح، ص20. بتصرف
2  الريشهري، ميزان الحكمة، ج10 ص646.
3  سورة المائدة، الآية 27.
4  سورة الطلاق، الآيتان 2 – 3.
5  سورة الطلاق، الآية 4.
6  سورة الأعراف، الآية 201.
 
 
51

40

الدرس الرابع: التـَّقوى والطاعة

 والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ1. و ﴿...فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ2. و﴿وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ3


7- بالتقوى يصبح الإنسان من حزب الله: قال الإمام علي عليه السلام "أيسرُّك أن تكون من حزب الله الغالبين؟ اتقِ الله سبحانه وأحسِنْ في كل أمورك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون"4

فإذا كنّا نريد أن نكون من حزب الله حقّاً لا ادعاءاً، فعلينا أن نكون الأتقياء.
ب - أبعاد التقوى على المستوى الأخروي:
للتقوى أبعاد على مستوى الآخرة، وهي:
1- التقوى هي الزاد والرصيد: قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ5﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى6

2- إحراز مقام المعية الإلهية: قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ7

3- الثواب العظيم والجزيل: حيث وعد الله المتقين بالثواب الأكبر يوم القيامة، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ8

4- التقوى وقاية من النار: قال الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى9

1  سورة البقرة، الآيات 1 – 5.
2  سورة آل عمران، الآية 123.
3  سورة الأعراف، الآية 63.
4  الريشهري، ميزان الحكمة، ج 1، ص 600.
5  سورة الشعراء، الآيتان 88 – 89.
6  سورة البقرة، الآية 197.
7  سورة البقرة، الآية 194.
8  سورة القمر، الآيتان 54 – 55.
9  سورة الليل، الآية 17.
 
 
 
52

41

الدرس الرابع: التـَّقوى والطاعة

 كيف أكون تقيّاً؟

إنَّ حياة الإنسان ملأى بالتقلّبات فهو يعمل ويأكل ويشرب ويتكلَّم ويمازح ويعاشر ويقيِّم الآخرين وينتقد ويحاور ويأمر ويأتمر و... إنَّ أهم معين له حتى يبقى في دائرة التقوى هو محاسبة النفس التي قوامها أمور ثلاثة: 
1- المشارطة. 
2- المراقبة. 
3- المحاسبة. 

أولاً: المشارطة: فيشارط نفسه في كل يوم أو في كل مورد يريد أن يُقبل عليه أن لا يرتكب ما يخالف أوامر الله سبحانه، ويتخذ قراراً حازماً في نفسه، عازماً على أن لا يقوم بمخالفة ما شرطه على نفسه، فمن كان تاركاً لبعض الواجبات عليه أن يعزم على أن لا يترك واجباً، ومن كان فاعلاً للمحرمات يعزم على عدم العود إليها، ومن كان مُقدماً على عملٍ، يعزم على أن لا يرتكب محرماً خلاله،والله سبحانه إذا ما رأى من عبده هذا العزم والجدّ، أيّده وسدّده، قال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى1

وهنا لا بد من لفت النظر إلى أنّ الشيطان سوف يستخدم قواه وعسكره في محاربة ذلك العزم من أجل أن يُظهر أن تلك المشارطة أمر صعب مستصعب، فعلى الإنسان التقيّ أن يكون واعياً. 

ثانياً: المراقبة: ثم يراقب المتّقي نفسه بانتباه كامل طوال المدة التي يقوم بها بتنفيذ ما شرطه على نفسه من عدم مخالفة أوامر الله تعالى، لتكون المراقبة عامل ردع له عن مخالفة الشرط، وفي حال وسوس الشيطان للإنسان بأن يخالف ما شرطه على نفسه، فعليه أن يتطلّع إلى ما شرطه على نفسه بأن لا يخالف أوامر الله تعالى، على أن تكون المراقبة دقيقة طوال الفترة التي يقوم بها بأي عمل ما. 

1  سورة الليل، الآية 7.
 
 
53

42

الدرس الرابع: التـَّقوى والطاعة

 ثالثاً: المحاسبة: ثم المحاسبة ، فيحاسب التقي نفسه كما يحاسب التاجر عامله ليرى ماذا جنت جوارحه؟ فهل خالف مولاه؟ أم كان طائعاً له جلَّ شأنه؟ فإن وجد نفسه أنه نجح في عمله ولم يخالف ربَّه، فيشكر الله تعالى على ما وفقه إليه، وإن رأى نفسه أنه جنح إلى الحرام وترك التكليف، يندم على ذلك ويؤدِّب نفسه ولا ييأس من رحمة الله، ويعاود المشارطة والمراقبة والمحاسبة، وليتّكل على الله تعالى في ذلك وليستمدّ العون من أعظم الوسائل إلى الله محمد وآل محمد عليهم السلام.

وبعد طي المراحل الثلاث وخصوصاً مرحلة المحاسبة، فإذا تبين أن النفس قد خالفت أمراً ما، فلا بد على المؤمن أن يعاتب نفسه، ويؤنّبها على مخالفتها لأوامر الله تعالى، ثم يعاقبها عقاباً يتناسب مع تلك المخالفة. 

وإلى ذلك تشير الرواية المباركة عن الإمام الصادق عليه السلام: "حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه، فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها، وإن رأى سيئة استغفر منها، لئلّا يخزى يوم القيامة"1

1  الريشهري، ميزان الحكمة، ج2، ص407.
 
 
54

43

الدرس الرابع: التـَّقوى والطاعة

 وقفة تأملية

 
تقوى العامة والخاصة
لا بُدَّ أن نعرف أن التقوى، وإن لم تكن من مدارج الكمال والمقامات، ولكنّه لا يمكن بدونها بلوغ أي مقام، وذلك لأن النفس ما دامت ملوّثة بالمحرّمات، لا تكون داخلة في الإنسانية، ولا سالكة طريقها، وما دامت تميل إلى المشتهيات واللذائذ النفسية وتستطيب حلاوتها، لن تصل إلى أول مقامات الكمال الإنساني، وما دام حب الدنيا والتعلق بها في القلب، فلا يمكن أن يصل إلى مقام المتوسطين والزاهدين، وما دام حب الذات باقياً في دخيلة ذاته. لن ينال مقام المخلصين والمحبين، وما دامت الكثرة المُلكيّة والملكوتية ظاهرة في قلبه، لن ينال مقام المنجذبين، وما دامت كثرة الأسماء متجلية في باطنه، لن يصل إلى الفناء الكلي، وما دام القلب يلتفت إلى المقامات، لن يبلغ مقام كمال الفناء، وما دام هناك تلوين، لن يصل إلى مقام التمكين ولن تتجلى في سرّه الذاتُ في مقام الاسم الذاتي تجلياً أزلياً وأبدياً. فتقوى العامة إذاً تكون من المحرمات، وتقوى الخاصة تكون من المشتهيات، وتقوى الزاهدين من حب الدنيا، والمخلصين من حب الذات، والمنجذبين من كثرة ظهور الأفعال، والفانين من كثرة الأسماء، والواصلين من التوجه إلى الفناء، والمتمكّنين من التلوينات ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (هود، 112)[1].



1 الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، م.س.
 
 
 
55

 


44

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 الدرس الخامس: الخوف والرجاء




مفاهيم محورية:
• التوازن بين الخوف والرجاء في قلب المؤمن. 
• العلاقة بين الخوف والرجاء. 
• حقيقة الخوف والرجاء وأثرهما في النفس. 
• الغاية المرجوّة من الجزاء. 
• الفرق بين الرجاء والغرور. 
 
 
 
57

45

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 تصدير الموعظة:

عنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَوْ أَبِيه، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام، قَالَ: قُلْتُ لَه مَا كَانَ فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ، قَالَ عليه السلام: "كَانَ فِيهَا الأَعَاجِيبُ، وكَانَ أَعْجَبَ مَا كَانَ فِيهَا أَنْ قَالَ لِابْنِه: خَفِ الله عَزَّ وجَلَّ خِيفَةً لَوْ جِئْتَه بِبِرِّ الثَّقَلَيْنِ لَعَذَّبَكَ وارْجُ الله رَجَاءً لَوْ جِئْتَه بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَرَحِمَكَ، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام، كَانَ أَبِي يَقُولُ إِنَّه لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِي قَلْبِه نُورَانِ نُورُ خِيفَةٍ ونُورُ رَجَاءٍ لَوْ وُزِنَ هَذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا ولَوْ وُزِنَ هَذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا"1.

التوازن بين الخوف والرجاء في قلب المؤمن:
ذكرت الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام أَنَّ أمر العبد لا يمكن أن يستقيم إلا إذا تردّد بين الخوف والرجاء، وكانا متوازيين في قلبه وسلوكه العملي، ولا ينبغي أن يغلب أحدهما الأخر، بل لا بدّ أنْ يكونا على وزان واحد، لأنّه لو رَجُح جانب الخوف وقع العبد في اليأس والقنوت من رحمة الله تعالى وهما من كبائر الذنوب، وإنْ رَجُح جانب الرجاء وقع في محذور أخر وهو الأمن من مكر الله تعالى،الَّذِي هو أيضاً من الكبائر.

1  الكُلَيْني، مُحَمَّد بن يعقوب، الكافي، ج 2، ص 67، باب: الخوف والرجاء، الحديث: (1)، تصحيح وتعليق على أكبر غفاري، الطَّبعة الثّالثة 1367ش، دار الكتب الإسلاميَّة، طهران.
 
 
59

46

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 وها هو الإمام الصادق عليه السلام يذكر أَنَّ أحسن ما كان في وصية لقمان الحكيم أنْ يكون العبد على صفة الخوف والرجاء، إذ إنّهما جناحا الإنسان اللذان يحّلق بهما ليصل إِلَى ربّ العزة بقلب سليم، ولا يمكن له الوصول إلا بهما، وقد أضاف عليه السلام مطلباً عن أبيه عليه السلام يدلُّ على لزوم تعادلهما، وقد جاء هذا التأكيد بتلك الصورة المفصّلة ليدلّل على أهمية هذا التوازن، وأنّه هو المصحح لرؤية العبد في مجال نظرته إِلَى خالقه.

 
العلاقة بين الخوف والرجاء:
ذكر الإمام عليه السلام في الرواية المتقدّمة ضابطة عامة للخوف والرجاء، وهي: "إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئاً طَلَبَه"، بمعنى أَنَّ من يرجو رحمة الله تعالى وغفرانه عليه أن لا يشتغل بالمعاصي والموبقات، بل عليه أن يعمل على صلاح نفسه، ويشتغل في تحصيل رضا الله تعالى بامتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه. نعم، باب الرجاء مفتوح لكلّ العباد، خصوصاً إذا لاحظنا أَنَّ الله هو التواب الغفار لكن يحتاج إِلَى عمل على وفق ما يرجوه العبد.
 
ورجاء كلّ شيء يلازم الخوف من فواته، فلذا قال الإمام عليه السلام: "مَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْه"، فإذا كنت ترجو رحمة الله تعالى وفضله وتحسن الظن به فعليك أن تهرب من المعاصي ومن الأمور التي تؤدّي إِلَى الأمن من مكره وسخطه.
 
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لعبد الله بن جندب: "يَا ابْنَ جُنْدَبٍ يَهْلِكُ الْمُتَّكِلُ عَلَى عَمَلِهِ وَلَا يَنْجُو الْمُجْتَرِئُ عَلَى الذُّنُوبِ الْوَاثِقُ بِرَحْمَةِ الله، قُلْتُ: فَمَنْ يَنْجُو، قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ فِي مِخْلَبِ طَائِرٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ‌"1.



1 المحدث النوري، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج 11، ص 226، نشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، الطبعة الأُولى 1408، بيروت.
 
 
60

47

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 حقيقة الخوف والرجاء وأثرهما في النفس:

1- حقيقة الخوف:
الخوف حالة من حالات القلب مسبّبة عن انتظار المكروه وسوء العاقبة، والخوف من الله تعالى نوع من الخضوع والخشية والتألّم أمام عظمة الله تعالى، وهو من خصائص المؤمنين وسمات المتقين، روي عن الإمام علي عليه السلام: "الخشية من عذاب الله شيمة المتقين"1.
 
ويجب أن يربي المؤمن نفسه على الخوف من الله تعالى ليكون باعثاً له على الطاعة ومنفّراً له من الذنب والمعصية، روي عن الإمام الصادق عليه السلام "ينبغي للمؤمن أن يخاف الله خوفاً كأنّه يشرف على النار..."2.
 
وينبغي أن يتّسم بالقصد والاعتدال فلا إفراط ولا تفريط في الخوف، لأنّ الإفراط يؤذي النفس ويجعلها في حالة اليأس من الرجاء والأمل، والتفريط باعث على الإهمال والتقصير والتمرّد على طاعة الله تعالى، روي عن الإمام علي عليه السلام: "خير الأعمال اعتدال الرجاء والخوف"3.
 
وعليه ينبغي للعبد أن ينظر إِلَى ضعفه وفقره الذاتي واحتياجه بكلّ حركاته وسكناته، ويتوجّه إِلَى الفيض الإلهي ويتأمّل في صفاته تعالى التي منها القهّار الجبّار القوي المتعال شديد المحال، ويتبصّر بأهوال يوم القيامة وأحواله، ويستذكر ما ارتكب من المعاصي والموبقات، ليتولّد عنده حالة خوف من الله تعالى تبعث في قلبه الخشية منه.



1 ميزان الحكمة، ج 1، ص 824.
2 بحار الأنوار، ج 7، ص 311.
3 ميزان الحكمة، ج 1، ص 826.
 
 
61
 

48

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 وقد مدحت النصوص الشرعية الخوف والخشية من الله تعالى، قال تعالى: 

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾1، ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾2.. ويعتبر الخوف من الله تعالى صفة الأنبياء والأوصياء والمقربين والأبرار الذين خافوا الله واتقوه في جميع حالاتهم، وهو صفة العلماء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾3، وخير الناس عند الله تعالى هم الأشدُّ خوفاً منه، وهو رأس الحكمة، وأصل خير الدنيا والآخرة، ومصدر حب الله تعالى للعبد، وسجن النفس عن المعاصي، وينفي العجب عن الطَّاعة، وأمان من النار، ولا ينبغي للمؤمن أن يخاف مخافة حقيقية إلا من الله تعالى، وأنّه إذا خاف الله تعالى أخاف الله منه كلّ شيء4.
 
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام، قَالَ: "الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ ذَنْبٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا صَنَعَ الله فِيه وعُمُرٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا يَكْتَسِبُ فِيه مِنَ الْمَهَالِكِ فَهُوَ لَا يُصْبِحُ إِلَّا خَائِفاً ولَا يُصْلِحُه إِلَّا الْخَوْفُ"5.
 
وعنه عليه السلام: "يَا إِسْحَاقُ خَفِ الله كَأَنَّكَ تَرَاه وإِنْ كُنْتَ لَا تَرَاه فَإِنَّه يَرَاكَ"6.
وعن الْهَيْثَمِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام يَقُولُ: "مَنْ خَافَ اللهَ أَخَافَ اللهُ مِنْه كُلَّ شَيْءٍ ومَنْ لَمْ يَخَفِ اللهَ أَخَافَه اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ"7.
 
هذه الروايات وغيرها تنبّه العبد على حقيقته وهي الفقر إِلَى الله تعالى، وتذكّره بأنّ الدنيا محفوفة بالمخاطر والمزالق واتّباع الشهوات والمهالك ووساوس الشياطين، فلذا عليه أن يكون في حذر ويقظة مستمرة حتى كأنّه يرى الله تعالى، 



1 سورة آل عمران، الآية 175.
2 سورة المائدة، الآية 3.
2 سورة فاطر، الآية 28.
4 أكثر هذه المضامين مقتبسة من أخبار أهل البيت عليهم السلام، راجع: مستدرك الوسائل، ج 11، ص 229.
5 الكافي، ج 2، ص 71، مرجعٌ سابق.
6 المصدر نفسه.
7 المصدر نفسه، ج 2، ص 67.
 
 
62

49

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 ويستحضر ساحة قدسه وعظمته، فيمتنع عن المعاصي والغفلة، وما أجمل تعبير الإمام الصادق عليه السلام حينما قال في الرواية المتقدمة: "ولَا يُصْلِحُه إِلَّا الْخَوْفُ"!!


2- حقيقة الرجاء:
المقصود من الرجاء أَنَّ من صدر منه تقصير في جنب الله تعالى فعليه أن يحسن الظن بربّه ويرجو أن يغفر له ويرحمه، وكذا من قام بفعل الطاعات عليه أن يرجو من الله تعالى القبول فالرّجاء: هو الفرح لانتظار محبوب بخلاف الخوف، باعتبار أَنَّ الأمور المستقبلية التي تخطر ببال العبد إن كان قد مهّد مقدماتها وحصّل أسبابها فعندئذ يسمى انتظاره لها رجاء، وأمّا من انهمك بالمعاصي والشهوات ووقع في شباك الشيطان وعبد هواه وهو مع ذلك يرجو عدم المؤاخذة والتبعة من غير ترك للذنب ولا توبة وندم على ما سلف منه، فهذا يسمّى غروراً بالله تعالى وتمنياً لرحمته.

يذكر الإمام الخميني قدس سره في الأربعون حديثاً، "قال بعضهم: "إنّ مَثَلَ من لا يعمل وينتظر رحمة ربه ويرجو رضوانه مَثَلُ من يرجو المسبِّب دون أن يُعِدَّ الأسباب، وَمَثَلُ الفلاّح الذي ينتظر الزرع من دون أن يبذر الأرض أو يهتم بها وبإروائها أو يقضي على موانع الزرع. إن مثل هذا الانتظار لا يسمى بالرجاء، بل هو بله وحماقة. وإن مَثَل من لم يُصلح أخلاقه أو لم يبتعد عن المعاصي فينهض بأعمال راجياً تزكية نفسه، مَثَلُ من يودع البذر في أراضي سبخة، ومن الواضح أن هذا الزرع لا يثمر النتيجة المتوخاة".

فالرجاء المستحسن والمحبوب هو تهيأة كافة الأسباب التي يمتلكها الإنسان كما أمر الله بها واستغلالها حسب القدرة التي زوّده بها الحق المتعال بعنايته الكاملة، وحسب هدايته عز وجل إيّاه إلى طرق الصلاح والفساد، ثم ينتظر ويرجو الحق المتعال أن يتمّ عنايته السابقة تجاه الأسباب التي وفّرها من قبل، ويحقق الأسباب التي لا تدخل تحت إرادته واختياره من بعد، ويزيل الموانع والمفاسد.
 
 
63

50

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 فإذا نظّف العبد قلبه من أشواك الأخلاق الفاسدة وأحجار الموبقات وسباختها، وبذر فيها بذور الأعمال، وسقاها بماء العلم الصافي النافع والإيمان الخالص، وخلّصها من المفسدات والموانع مثل العجب والرياء وأمثالها التي تعد بمثابة الأعشاب الضارة العائقة لنمو الزرع، ثم انتظر ربه المتعالي ورجاه أن يثبّته على الحق، ويجعل عاقبة أمره إلى خير، كان هذا الرجاء مستحسناً. كما يقول الحق المتعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ﴾1.

 
الغاية المرجوّة من الرجاء:
لا بد للعبد أن ينظر إِلَى كمال الله تعالى وسعة رحمته التي وسعت كلّ شيء، ولطفه ومحبته لعباده وشفقته عليهم، وأن يلاحظ صفات الله تعالى الدالة على الرحمة واللطف، ويلاحظ الأبواب التي فتحها الله تعالى لعباده كالدعاء والتوبة والمناجاة وقبول الأعمال، كما أَنَّ العبد إذا وقف على حقيقة العبودية التي هي الثناء والشكر لله تعالى فعليه أن يقرّ بأنّه لم يصل إِلَى تلك الذات المقدسة حتى يقوم بعبادتها الحقيقية، حتى أَنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيّد الأنبياء والرسل وحبيب الله تعالى، وهو الذي وصل إِلَى قاب قوسين أو أدنى من ساحة القدس الإلهية يقول: "ما عبدناك حق عبادتك، وما عرفناك حق معرفتك"2.
 
فبعد ملاحظة كلّ ما تقدم، وحتى لا يقع العبد باليأس من روح الله تعالى وبالقنوط من رحمته، خصوصاً مع ملاحظة الروايات الدالة على الخوف والخشية، يأتي دور الرجاء والتعلُّق برحمة الله ومغفرته وعفوه.
 
وإن النصوص الشرعية قد أكّدت على حسن الظن بالله تعالى والوثوق برحمته ورجاء مغفرته ولطفه، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾3.


1  سورة البقرة، الآية 218.
2 المجلسي، محّمَّد باقر، بحار الأنوار، ج 68، ص 23، الطَّبعة الثَّالثة 1403، دار إحياء التُّراث، بيروت.
3 سورة يوسف، الآية: 87.
 
 
 
64

51

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 وعنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: قَالَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى: "لَا يَتَّكِلِ الْعَامِلُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا لِثَوَابِي فَإِنَّهُمْ لَوِ اجْتَهَدُوا وأَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ وأَعْمَارَهُمْ فِي عِبَادَتِي كَانُوا مُقَصِّرِينَ غَيْرَ بَالِغِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ كُنْه عِبَادَتِي فِيمَا يَطْلُبُونَ عِنْدِي مِنْ كَرَامَتِي والنَّعِيمِ فِي جَنَّاتِي ورَفِيعِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي جِوَارِي ولَكِنْ بِرَحْمَتِي فَلْيَثِقُوا وفَضْلِي فَلْيَرْجُوا وإِلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِي فَلْيَطْمَئِنُّوا فَإِنَّ رَحْمَتِي عِنْدَ ذَلِكَ تُدْرِكُهُمْ ومَنِّي يُبَلِّغُهُمْ رِضْوَانِي ومَغْفِرَتِي تُلْبِسُهُمْ عَفْوِي فَإِنِّي أَنَا الله الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وبِذَلِكَ تَسَمَّيْتُ"1.

 
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أيضاً، قَالَ: "وَجَدْنَا فِي كِتَابِ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ وهُوَ عَلَى مِنْبَرِه: والَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا أُعْطِيَ مُؤْمِنٌ قَطُّ خَيْرَ الدُّنْيَا والآخِرَةِ إِلَّا بِحُسْنِ ظَنِّه بِالله ورَجَائِه لَه وحُسْنِ خُلُقِه والْكَفِّ عَنِ اغْتِيَابِ الْمُؤْمِنِينَ والَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَا يُعَذِّبُ الله مُؤْمِناً بَعْدَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفَارِ إِلَّا بِسُوءِ ظَنِّه بِالله وتَقْصِيرِه مِنْ رَجَائِه وسُوءِ خُلُقِه واغْتِيَابِه لِلْمُؤْمِنِينَ والَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَا يَحْسُنُ ظَنُّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ بِالله إِلَّا كَانَ الله عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِه الْمُؤْمِنِ لأَنَّ الله كَرِيمٌ بِيَدِه الْخَيْرَاتُ يَسْتَحْيِي أَنْ يَكُونَ عَبْدُه الْمُؤْمِنُ قَدْ أَحْسَنَ بِه الظَّنَّ ثُمَّ يُخْلِفَ ظَنَّه ورَجَاءَه فَأَحْسِنُوا بِالله الظَّنَّ وارْغَبُوا إِلَيْه"2.
 
الفرق بين الرجاء والغرور:
إِنَّ مورد الرجاء هو تهيئة المقدمات وانتظار النتيجة، كمن بذر الأرض الصالحة للزرع وهيّأ أسباب الإنبات كالفلاحة والتسميد والسقي، وبعد ذلك يرجو من الله تعالى أن ينبت هذا الزرع.
 
وأمّا الغرور فهو الانتظار من دون تهيئة المقدمات والأسباب، كمن ألقى البذر في أرض غير صالحة للزرع بالمرة ولم يهيأ أسباب الإنبات فهو مغرور، وأمّا من ألقى



1 الكافي، ج 2، ص 61، مرجعٌ سابق.
2 المصدر نفسه، ج 2، ص 72.
 
 
 
65

52

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 البذر في الأرض الصالحة للزرع ولم يهيأ أسباب الإنبات فهو المتمني.

 
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾1. فإنّ هذه الآية الكريمة تدلّ على بعض صفات الراجي حتى لا يقع العبد في الغرور والتمني.
 
عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَمَّنْ ذَكَرَه عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قَالَ: "قُلْتُ لَه عليه السلام قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي ويَقُولُونَ نَرْجُو فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمُ الْمَوْتُ؟ فَقَالَ عليه السلام هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَتَرَجَّحُونَ فِي الأَمَانِيِّ كَذَبُوا لَيْسُوا بِرَاجِينَ إِنَّ مَنْ رَجَا شَيْئاً طَلَبَه ومَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْه"2.
 
والمقصود من هذه الرواية واضحٌ، وهي رواية جامعة تدلُّ على الفرق بين الرجاء والغرور، حيث إِنَّ الإمام عليه السلام عبّر عن الذين يعملون المعاصي ويموتون على هذه الصفة ـ من دون توبة وتدارك لما فاتهم من العبادات والطاعات والمسامحة من الناس وإرجاع الحقوق إِلَى أهلها ومع ذلك يقولون نرجو فضل الله تعالى، ـ بالمترجحين في الأماني. والترجح تذبذب الشيء المعلّق في الهواء والتمايل من جانب إلى جانب، وترجحت به الأرجوحة مالت3، وهي حبل يعلّق ويركبه الصبيان، فكأنّه عليه السلام شبّه أمانيهم بأرجوحة يركبها الصبيان تتحرّك بهم بأدنى نسيم وحركة، فكذا هؤلاء يميلون بسبب الأماني من الخوف إلى الرجاء من دون عمل.
 
خاتمة:
وفي الختام يمكن أن نقول: إِنَّ الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق، وإنّ أبواب رحمة الله تعالى مفتوحة لمن أراد دخولها، وإنَّ الله تعالى لم يحجب عن خلقه سبل رحمته، بل مهّد لهم كلّ أسباب الهداية والرشاد، وبقي على العبد أن يسلك سبل الهداية 



1 سورة البقرة، الآية 218.
2 المصدر نفسه، ج 2، ص 68.
3 انظر: القاموس المحيط/ مادة: رجح.
 
 
66

53

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 ويستضيء بنور العلم الواصل إلينا عن أهل بيت العصمة عليه السلام، وها هي رواياتهم قد ذكرنا شطراً منها الحاكية عن الخوف والرجاء والمؤكدة على لا بدية اتصاف العبد بهذين الوصفين باعتبارهما المصحّحان لرؤيته الأخروية والآخذان به إِلَى باب الاجتهاد في العمل ورجاء القبول حتى لا يتأرجح في الأماني كما عبّرت رواية الإمام الصادق عليه السلام المتقدمة، خصوصاً إذا لاحظنا أَنَّ بعض الناس يحاول أن يروّج لفكرة الرجاء بشكل مغلوط، ويوقع الناس بالغرور والتمنّي المذمومين، ويعتمد غالباً على روايات إمّا معارضة بروايات أخرى، وإمّا أَنَّ مضمونها لا ينسجم مع مسلّمات الدين والمذهب.

 

 

67


54

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

 وقفة تأمليّة


الفرق بين الرجاء والغرور
أيها العزيز كن على حذر، لئلّا تخلط بين الرجاء والغرور. فقد تكون مغترّاً وتحسب نفسك من أهل الرجاء. إنّ من السهل التمييز بين الحالين في مباديهما. انظر إلى هذه الحال التي فيك والتي تظنّ نفسك بها بأنّك من أهل الرجاء. فهي إمّا أن تكون ناشئة من التهاون في أوامر الحق سبحانه والتقليل منها، وإمّا أن تكون ناجمة عن الاعتقاد بسعة رحمة الله وعظمة ذاته المقدّسة. وإذا عسر عليك التمييز بينهما أيضاً، أمكنك التمييز من خلال الآثار. فإذا كان الإحساس بعظمة الله في القلب، وكان قلب المؤمن محاطاً برحمة ذاته المقدّسة وعطاياه، لقام القلب بواجب العبودية والطاعة. لأنّ تعظيم العظيم المُنعم وعبادته من الأمور الفطرية التي لا خلاف فيها.

وإذا لم تكن في أداء واجبات العبودية، وفي بذل الجُهد والجدّ في الطاعة والعبادة، معتمداً على أعمالك، ولم تحسب لها حساباً، وكنت آملاً رحمة الله وفضله وعطائه، ووجدت نفسك مستحقاً للّوم والذم والسخط والغضب بسبب أعمالك، ولم تعتمد إلاّ على رحمة الجواد المطلق، فأنت من أهل الرجاء. فاشكر الله تبارك وتعالى، واطلب من ذاته المقدسة أن يثبّت ذلك في قلبك، ويمنحك أعلى منه مقاماً. أما إذا كنت ـ لا سمح الله ـ متهاوناً في أوامر الحق تعالى ومستحقراً ومستهيناً لتعاليمه، فاعلم أنه الغرور الحاصل في قلبك وأنه من مكائد الشيطان، ومن نفسك الأمّارة بالسوء. فلو آمنت بسعة الله ورحمته وعظمته. لظهر أثر ذلك فيك. إنّ المدّعي الذي يخالف عمله دعواه يَكذّب نفسه بنفسه. والشواهد على هذا في الأحاديث المعتبرة كثيرة.

الإمام الخميني قدس سره، الأربعون حديثاً
 
 
68
 

55

الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار

 الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار



مفاهيم محوريّة:
• خصائص هذه الموعظة. 
• سبب تعجُّب الراوي وتساؤله. 
• ميزان الحساب في يوم القيامة. 
• سبب جنوح الإنسان نحو السيّئات. 
 
 
69

56

الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار

 تصدير الموعظة:

روى الشَّيْخ الصدوق رحمه الله بسند معتبر عن صادق آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، قال: "كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام يَقُولُ وَيْلٌ لِمَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ فَقُلْتُ لَهُ وَكَيْفَ هَذَا فَقَالَ أَمَا سَمِعْتَ الله عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ فَالْحَسَنَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً وَالسَّيِّئَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً فَنَعُوذُ بِالله مِمَّنْ يَرْتَكِبُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ وَلَا تَكُونُ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَغْلِبَ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ‌"1.
 
خصائص هذه الموعظة:
نقف في هذا الحديث الصحيح عند خصائص ثلاث:
الأُولى: أَنَّ الإِمام الصادق عليه السلام نقل هذه الموعظة بقوله: "كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام يَقُولُ"، وهذا التعبير يستعمل عادةً لإفادة التّكرار، فالقول الَّذِي كان يقوله عليُّ بنُ الحسين عليه السلام لم يصدر منه لمرّةٍ واحدةٍ وانتهى، بل كان يكرّره مراراً، ومن الواضح أَنَّ تكرار الكلام في مقام الوعظ والإرشاد دليلٌ واضحٌ على



1 1- الشَّيْخ الصدوق، مُحَمَّد بن علي، معاني الأخبار، ص248، تصحيح وتعليق: على أكبر غفاري، نشر: مؤسسة النّشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، 1379ه.
 
 
71

 


57

الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار

 أهمّيته، لأنّ الإنسان إِنَّما يكرّر ما يراه مهمّاً، خصوصاً إذا كان هذا التكرار من قِبَلِ إمامٍ معصوم، لكلِّ كلمةٍ عنده وزنٌ وحساب.


الثانية: أَنَّ موعظة الإِمام السّجاد تصدّرت بكلمة: (وَيْلٌ)، وهي ـ كما نلاحظ ـ نكرة، وليست بمعرفة، وقد ذكر علماء النّحو أَنَّه لا يجوز أنْ يبتدأ المتكلّم جملته الاسمية بنكرة، ولكنّهم جوّزوا في مثل هذا المقام إمّا لصيرورة هذه الكلمة علماً على وادٍ في جهنّم، وإمّا لإفادتها الدعاء، فعلى الأوّل يكون المعنى أَنَّ مَنْ غلبت آحاده أعشاره يكون جزاؤه وادٍ في جهنّم يستقرّ فيه لتلقّي الغضب الإلهي والعذاب الرباني. 


وعلى الثاني يكون المعنى أَنَّ مَنْ كان كذلك فالإمام عليه السلام يدعو الله عليه بالويل والثبور الَّذِي يؤدّي أيضاً إِلَى الاستقرار في جهنّم أعاذنا الله منها.

وأمّا أهل المعرفة الَّذِين يهتمون بالمعاني والمقامات، ويدخلون إِلَى روح الإنسان لوعظه، فربما يكون لهم رأيٌ آخر، وهو أَنَّ الإِمام عليه السلام بدأ بهذه الكلمة لتكون بمثابة الصاعقة التي تنزل على رأس الغافل لكي توقظه من غفوته، فعندما ينتبه من سكرة الغفلة وتأتيه الموعظة تتوجّه نفسه إليها، ويتأثّر بها.

الثالثة: أَنَّ الموعظة التي تلفّظ بها الإِمام السجاد عليه السلام بقوله: "وَيْلٌ لِمَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ"، كانت مدعاةً لتعجّب السامع والراوي المباشر للحديث منها، فدعاه هذا التعجُّب إِلَى السؤال والاستفسار، فجاءه الجواب مسْتَدَلاً عليه بآيةٍ قرآنية.

وهذا الأسلوب ـ أيضاً ـ يستعمل في الأمور المهمّة والخطيرة، لغرض تركيزها في ذهن السامع والمخاطب.
فعندما يأتيك كلامٌ يدعوك إِلَى البحث والتساؤل، وعندما تجد جوابه مع برهانٍ عليه، يستقرّ في نفسك، ويؤثّر فيك أيّما تأثير.

وهكذا عوّدنا الإِمام السجاد عليه السلام الَّذِي اغترف من نمير البلاغة والفصاحة،
 
 
72

58

الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار

 سبب تعجُّب الراوي وتساؤله:

لا شكّ أَنَّه في كثيرٍ من الأحيان تختلف مقاييسنا في الدُّنيا الفانية عن مقاييس الآخرة الباقية، ففي هذه الدُّنيا نحكم بموازيننا المادية على التفاضل بين الأمور بلحاظ كمّيّتها وعددها، وعليه فلا يمكن أنْ يكون الواحد غالباً للعشرة، فإذا سمعنا بمقولةٍ تقتضي غلبة الواحد على العشرة سرعان ما نتعجّب ونتساءل عن سرّ ذلك.
 
ولكن في حساب ربّ العباد الَّذِي يقول في كتابه: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47)، تكون الموازين مختلفة، وقد لا يتوقّعها الإنسان المجبول على الحسابات المادية.
 
لأجل ذلك احتاج المقام إِلَى إقامة برهان يزول معه تعجُّب الراوي الَّذِي يمثّل كلّ واحدٍ منّا، وكان البرهان القاطع أَنَّ الميزان الربّانيّ لا يعتمد على الكمِّيّة، بل إِنَّ لنوعية العمل دخالة في رجحان كفّةٍ على أخرى.
 
ميزان الحساب في يوم القيامة:
من موعظة الإِمام عليه السلام يتّضح لنا أَنَّ الحساب في يوم القيامة يكون بمقابلة الحسنات بالسيّئات، فمن غلبت حسناته نجا، ومن غلبت سيئاته هلك وغوى. فكأنّ الحساب بميزانٍ له كفّتان، توضع في إحداهما الحسنات، وفي الأخرى السيّئات، وعند ذلك لا يخلو الأمر من حالات ثلاث:
الأُولى: أنْ تغلب كفّة الحسنات على كفّة السيئات.
الثانية: أنْ تغلب كفّة السيئات على كفّة الحسنات.
الثالثة: أنْ تتساوى الكفّتان.
 
 
 
73

59

الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار

 مع العلم أَنَّ الله تبارك وتعالى لَطُفَ بعباده، فجعل لإحدى الكفّتين كيفيّتةً تزيد على كمّية الكفّة الأخرى.

فالحسنة الواحدة التي تكون بميزان الكّمِّية والمقدار تساوي واحداً، تعادل في ميزان المحاسبة عشر سيّئاتٍ.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، حيث نرى أَنَّ الباري عزّ وجلّ خصّنا بميزةٍ ونعمةٍ كبرى لم تكن موجودة عند الأمم السابقة، ونجد في بعض الأحاديث تفصيلَ هذا النعمة، فقد روى الطَّبْرِسِيُّ فِي الاحتجاج، عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ‘ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام ، قَالَ: "قَالَ الله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَكَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ حَسَنَتُهُمْ بِحَسَنَةٍ وَسَيِّئَتُهُمْ بِسَيِّئَةٍ وَهِيَ مِنَ الْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرَفَعْتُهَا عَنْ أُمَّتِكَ وَجَعَلْتُ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةٍ وَالسَّيِّئَةَ بِوَاحِدَةٍ وَكَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ إِذَا نَوَى أَحَدُهُمْ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَم تُكْتَب لَهُ وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَإِنَّ أُمَّتَكَ إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشَرَةٌ وَهِيَ مِنَ الْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرَفَعْتُهَا عَنْ أُمَّتِكَ وَكَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَإِنَّ أُمَّتَكَ إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِسَيِّئَةٍ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَهَذِهِ مِنْ الْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرَفَعْتُهَا عَنْ أُمَّتِكَ"1.
 
وعلى كلّ حال، لا شكّ في وضوح مصير أرباب الحالتين الأُوليين، فإنّ مصير كلّ واحدٍ منهما تحدّدها الكفّة الراحجة، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ (الأعراف: 8 -9)، وقال أيضاً: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ *  وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ 



1 2- الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج 1: 222، نشر: المرتضى، الطبعة الأُولى 1403، مشهد.
 
 
 
74

60

الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار

 مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (القارعة: 6 - 11).

 
وإنّما الكلام في صاحب الحالة الثالثة، فربما يفهم من الرواية المروية عن الإِمام السجاد عليه السلام أَنَّ المدار في النجاة على عدم غلبة السيّئات على الحسنات، وفي حالة تساوي الكفّتين يصدق أَنَّ السيّئات لم تغلب على الحسنات.
 
وعلى تقدير صحّة هذا المعنى لا يخرج صاحب هذه الحالة عن الخسران والغبن، فإنّ النجاة لها مراتب، فقد يكون الإنسان مع الأنبياء والأولياء والشهداء والصدّيقين وهذه هي المرتبة العليا، وقد يكون في أدنى المراتب مع أولئك الطبقة الَّذِين يُرجى لهم النجاة، ولا شكّ أَنَّ الحصول على المرتبة الثانية وإنْ كان يعتبر نجاةً إذا لاحظناه مع النار والعذاب، ولكنّه في الوقت نفسه خسارة إذا لاحظناه مع المراتب التي هي أعلى منه وأرفع.
 
وكي لا يقع البعض في توهّم مفاده: أنّه طالما المدار على رجحان الحسنات على السيئات، فيمكن للإنسان أن ينجو إذا كان عنده سيئات ولكن رجحت حسناته عليها، ينبغي الإشارة إلى أنّ الإنسان سيحاسب على جميع السيئات التي اقترفها وبقيت في كتاب أعماله إلى يوم الحساب...
 
سبب جنوح الإنسان نحو السيّئات:
بعد أنْ يتعرّف الإنسان على هذا اللطف الإلهي، ويعاين هذه النعمة الربانية، كيف نراه مع ذلك يقدم على ارتكاب السيّئات وهجران الحسنات؟!!
 
الجواب عن ذلك يكمن في نوعيّة إيماننا بالله تعالى...
 
فتارةً نؤمن به على طريقةٍ نتعامل معه عزّ وجلّ على أساس أَنَّه أهون الناظرين، فلا نشعر برقابته علينا، بل نجد البعض يستحي من أنْ يقترف السيئات أمام أدنى المخلوقات، ولا يستحي في جرأته على سيّده ومولاه.
 
وأخرى نؤمن به على طريقة أمير المؤمنين عليه السلام فنشعر برقابة ربّنا في كلِّ 
 
 
75

61

الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار

 الأوقات، وفي الخبر عن مولانا الصادق عليه السلام قال: "قَالَ: جَاءَ حِبْرٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ حِينَ عَبَدْتَهُ قَالَ: فَقَالَ: وَيْلَكَ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ قَالَ وَكَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ وَيْلَكَ لَا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ فِي مُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ"1.

 
فالإيمان على الطريقة الأُولى إيمانٌ حاصلٌ عن طريق البراهين التي تعتمد على المفاهيم، بينما الإيمان على الطريقة الثانية حاصلٌ عن طريق المشاهدة والحضور.
 
ولتقريب الفكرة إِلَى الأذهان نضرب المثال التالي:
لو أَنَّ مولوداً حُبس من اليوم الأوّل من ولادته، إِلَى أنْ أصبح واعياً ومميّزاً لحقائق الأُمور، فأردنا أنْ نعرّفه على طعم الحامض مثلاً، فيمكن لنا أن نعرّفه على ذلك بإحدى طريقتين:
الأُولى: أنْ نجعله يتعرّف على طعم الحامض من خلال تعريفه له بمفاهيم تقرّبه إِلَى الذهن، فيقال له: إِنَّ الحموضة طعمٌ يتذوّقه اللسان، ويشعر معه بسيلان اللعاب.
الثانية: أنْ نأتي له بفاكهة الليمون ونعصر له منها، ونجعله يتذوق طعم الحموضة.
 
لا شكّ أَنَّه سوف يتعرّف على طعم الحموضة بشكل أفضل بحسب الطريقة الثانية.
والإنسان إذا تعرّف على خالقه بحسب الطريقة الأولى، فليس من الضرورة أنْ تكون هذه المعرفة حاجزاً يردعه عن ارتكاب المعاصي والآثام، بينما لو تعرّف على بارئه من خلال الحضور والشهود القلبي، فإنّه لن يغفل عنه، ويكون إيمانه به مقروناً دائماً بالإحساس بالرقابة، فلا يصدر منه الذنب.
 
وعلى هذا الأساس نفهم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ (يوسف: 106)، فإنّ الإيمان الَّذِي يجتمع مع الشرك الَّذِي هو من أعاظم



1 الكُلَيْني، مُحَمَّد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 98، تصحيح وتعليق على أكبر غفاري، الطَّبعة الثّالثة 1367ش، دار الكتب الإسلاميَّة، طهران.
 
 
76

62

الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار

 المعاصي ليس هو إِلَّا الإيمان بحسب الطريقة الأُولى، أعني: الإيمان عن طريق المفاهيم الذهنية الَّذِي لا يدخل إِلَى شغاف القلب، وقد لا يشعر معه المؤمن بحلاوة الإيمان.


نسألك يا ربّنا أنْ ترزقنا الإحساس بالرقابة، حَتّى تَخْرِقَ أَبْصارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ، فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ وَتَصِيرَ أَرْواحُنا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ.
 
 
77

63

الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار

 وقفة تأملية

 
الحسنات والسّيئات
محمَّد بن يعقوب الكلينيّ ـ رضوان الله عليه ـ عن محمَّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: قال أبو الحسن الرِّضا عليه السلام: "قالَ اللهُ يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيئَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ، وَبِقُوَّتِي أَدَّيْتَ فَرَائِضِي وَبِنِعْمَتِي قَويتَ عَلَى مَعَصِيَتِي، جَعَلْتُكَ سَمِيعاً بَصِيراً قَويّاً، مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وَذلِكَ أَنّي أوْلى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي، وَذاك أَنَّني لا أُسْأَلُ عَمّا أَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلونَ"1.



1 الكليني، أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب المشيئة والإرادة، ح6. م.س.
 
 
78

64

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

 الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق...



مفاهيم محورية:
• ركائز السلوك. 
• أطروحة الإِمام الجواد عليه السلام. 
• توفيقٌ من الله. 
• ثمرة التوفيق والخذلان. 
• رائعة الإِمام الصادق عليه السلام. 
• وواعظ من نفسه. 
• وَقَبُولٍ مِمَّن يَنْصَحُهُ. 
• أثر رفض النصيحة. 
• الحسرة لقمة مرّة أثرها طويل. 
 
 
 
79

65

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

 تصدير الموعظة:

عن الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعْبَةَ فِي تُحَفِ الْعُقُولِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي عليه السلام، قَالَ: "الْمُؤْمِنُ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: تَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَوَاعِظٍ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَبُولٍ مِمَّنْ يَنْصَحُهُ"1.
 
ركائز السلوك:
يُشير هذا الحديث المبارك الوارد عن الإِمام الجواد عليه السلام، وهو العالم بأحوال النفس وما يصلحها، إِلَى ثلاث مسائل، هي من أمّهات الركائز التي يتّكئ عليها المؤمن أثناء سيره إِلَى الله، ورحلته الطويلة في الكدّ والعمل الدؤوب في سبيل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾2.
 
فإنّ الناس في سلوكهم إِلَى الله صنفان:
أ- صنفٌ لم يستضيئوا بنور العلم فيهتدوا، ولم يلجؤوا إِلَى ركن وثيق فيطمئنّوا.
 
هؤلاء هم الهمج الرعاع، أتباع كلّ ناعق، والنتيجة الطبيعية أنْ يزدادوا حيرةً 



1 المحدث النوري، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج 8، ص 329، نشر: مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، الطبعة الأُولى 1408، بيروت.
2 سورة الإنشقاق، الآية 6.
 
 
81

66

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

 وخوفاً وقلقاً، كمن يبتعد عن النُّور شيئاً فشيئاً إِلَى أنْ ينغمس في الظلمات ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾1، ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾2.

 
ب- صنفٌ ترك الغرور والكبرياء، وعرف أَنَّه مخلوق ضعيف ذليل ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾3، وأنّ العبد وما ملكت يداه ملكُ سيّده ومولاه، فاستهداه الطريق، واسترشده النجاة من الحريق، فإنّ الله وحده القادر على ذلك.
 
فهناك هدايةٌ أفاض الله بها على أوليائه، فأولياؤه بها يهتدون ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾4.
 
وهناك طائفة لا سبيل لها إِلَى الهداية، إِلَّا إذا تعلّقوا بالأنوار القدسية لمحمد وآله (صلوات الله عليهم أجمعين) ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾5.
 
والعقل بقليلٍ من التأمّل يدرك أَنَّ الواجب عليه أن يأخذ علمه ودينه وشرائع الأحكام مِمَّن امتلأ عقله وروحه ومشاعره وأحاسيسه بنور الله تعالى.
 
فَمَثَلُ الفريقين مثلُ شخصين، شخصٌ أُعطي سُلّماً، فنصبه وارتقى فيه إِلَى حيث عالم القدس والطهارة، وآخر لم يُعطى شيئاً، أو أُعطي ذلك السُّلّم، فلم يستفد منه، أو لم ينصبه بصورةٍ صحيحة، فظلّ مكانه، فهو ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾6.
 
أطروحة الإِمام الجواد عليه السلام:
طرح الإِمام الجواد عليه السلام، رؤيته للمؤمن الساعي وراء نجاة نفسه، تلك النجاة



1 سورة النور، الآية 40.
2 سورة الأنعام، الآية 122.
3 سورة النحل، الآية 75.
4 سورة الأنبياء، الآية 73.
5 سورة يونس، الآية 35.
6 سورة يونس، الآية 35.
 
 
82

67

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

 التي عبّر عنها الإِمام الحسين عليه السلام، في يوم عرفة بعد أن أثنى على الله تعالى بذلك الثناء الَّذِي لا نظير له إِلَّا في كلماتهم عليهم السلام، وسأله صنوفَ المسائل، حيث قال: "وَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ حاجَتِيَ الَّتِي إِنْ أَعْطَيْتَنِيها لَمْ يَضُرَّنِي ما مَنَعْتَنِي، وَإِنْ مَنَعْتَنِيها لَمْ يَنْفَعْنِي ما أَعْطَيْتَنِي، أَسْأَلُكَ فَكاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ".

 
أجل، ها هو الجواد عليه السلام يرى أَنَّ المؤمن ـ من حيث هو مؤمن ـ لا يستغني عن ثلاث:
التوفيقٌ من الله:
التوفيق أوّل النعم التي يمنُّ بها الباري على عباده، وهو رأس النجاح في كلّ عمل. التوفيق عناية الرحمان، ورحمته يختصّ بها بعض العباد، كما اختصّ اللهُ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم برحمته ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء﴾1، حيث يجذب الرحمان من اصطفاه إِلَى ساحة قدسه، وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: "الْتَوفيقُ مِنْ جَذَبات الرَّبّ"2.
 
وفي دعاء الصباح عنه أيضاً:
"إِلَهِي، إِنْ لَمْ تَبْتَدِئْنِي الرَّحْمَةُ مِنْكَ بِحُسْنِ التَّوْفِيقِ، فَمَنِ السَّالِكُ بِي إِلَيْكَ فِي وَاضِحِ الطَّرِيقِ!"3.
 
أخي المؤمن! أختي المؤمنة!
من نحن أمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ؟!
 
وما قدرُ عباداتنا في جنب عبادته؟! ومع ذلك نراه عليه السلام يصرّح:



1 سورة آل عمران، الآية 74.
2 اللَّيثي الواسطي، علي بن مُحَمَّد، عيون الحكم والمواعظ، ص 25، تحقيق الشَّيْخ حسين الحسني، الطَّبعة الأُولى 1376ش، دار الحديث، قم.
3 الشيخ عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص 123، دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام .
 
 
83

68

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

 "مَنْ لَمْ يُمدَّهُ التَّوْفِيقُ لمْ يُنِبْ إِلَى الحقّ"1.

"كَيْفَ يتَمتّع بالعبادةِ مَنْ لمْ يُعِنْهُ التَّوفيق"2.
 
كم من شخصٍ عاينوا علياً عليه السلام إمامَ الحقّ والعدل، إِلَّا أَنَّ الَّذِين نصروه واتّبعوه قلّة!
وكم من شخصٍ تبع الحسين عليه السلام أوّل الطريق، إِلَّا أَنَّ الشهداء الأبرار معه كانوا نيّفاً وسبعين!
 
ألم يخطر في بالنا: ما السبب في هذه العاقبة المروّعة؟
ألم يكونوا عارفين بالهدى الَّذِي كان عليٌّ والحسين عليهما السلام عليه؟!
 
أجل، ليس كلُّ من أراد فعل شيءٍ وفّق إليه.
ربّما وجدنا الكافرَ والعاصي أقدرَ على الفعل، لكنّهما لا يوفّقان له، بخلاف المؤمن، فإنّ توفيق الله ظلٌّ ظليل يلقيه عليه، فتجده ببركة هذا التوفيق مؤمناً عاملاً.
 
ومنه نعرف أَنَّ الصائم في شهر رمضان يحتاج إِلَى التوفيق. وقد ورد في خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لاستقبال شهر رمضان: "فَاسْأَلُوا الله رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ"3.
 
فالصيام وتلاوة القرآن هما توفيق للمؤمن في شهر رمضان، وما نراه في بعض الأماكن من الجهر بالإفطار ـ في الحقيقة ـ ليس هو إِلَّا من باب سلب التوفيق، وصاحبه في بلاء، وليس في نعمة.



1 الريشهري، ميزان الحكمة، ص 360.
2 م. ن.
3 الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشّيعة، ج 10، ص 313، تحقيق ونشر: مؤسّسة آل البيت عليهم السلام, الطَّبعة الأُولى 1412، قم.
 
 
84
 

69

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

 نرى عمر بن سعد في اللحظات الأخيرة بكى، لكنّه كان مسلوبَ التوفيق، وعلى العكس من ذلك يزيد بن الحرّ الرياحي، وفّقه الله لنيل السعادة في الدارين.

 
ثمرة التوفيق والخذلان:
عن عليٍّ عليه السلام: "التوفيقُ ممدُّ العقل، الخذلانُ ممدُّ الجهل"1.
إِنَّ المؤمن الَّذِي عاش التوفيق في حياته، والطاعة إِلَى مماته، كان بذلك قد غذّى العقلَ الرحماني، لأنّ العقل هو ما عُبِد به الرحمن، واكتسب به الجنان.
 
أمّا إذا لم يوفّق للطاعة، فستكون جميع أعماله وبالاً عليه، إذ سيعيش غافلاً عن الهدف الَّذِي خُلِق في الدنيا من أجله.
هذا هو الجاهل حقيقة، وهو لا يعرف من الدنيا إِلَّا قشورها.
 
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾2.
 
رائعة الإِمام الصادق عليه السلام:
هنا مقطوعة رائعة للإمام الصادق عليه السلام يشرح فيها كيف يكون العبد موفّقاً.
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾ فَقَالَ: "إِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ مَا أَمَرَهُ الله عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الطَّاعَةِ كَانَ فِعْلُهُ وِفْقاً لِأَمْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ بِهِ مُوَفَّقاً، وَإِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي شَيْ‌ءٍمِنْ مَعَاصِي الله فَحَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فَتَرَكَهَا كَانَ تَرْكُهُ لَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَتَى خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْصِيَةِ فَلَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَرْتَكِبَهَا، فَقَدْ خَذَلَهُ وَلَمْ يَنْصُرْهُ وَلَمْ يُوَفِّقْهُ"3.



1 عيون الحكم والمواعظ، 43.
2 سورة الروم، الآية 7.
3 الشَّيْخ الصدوق، مُحَمَّد بن علي، معاني الأخبار، 21، باب: معنى العروة الوثقى، تصحيح وتعليق: على أكبر غفاري، نشر: مؤسّسة النّشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، 1379ه.
 
 
85

70

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

 يتّضح من خلال هذه الرواية: أَنَّ التوفيق الحقيقي لا يرتبط بكثرة المال والعيال، أو الجاه والمنصب وما شاكل، فإنّ كلّ ذلك ليس له دخلٌ في التوفيق.

 
إلهي، إنْ لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي!
 
وواعظ من نفسه:
هذا هو العنصر الثاني، والركيزة الأُخرى الواردة في حديث الإِمام الجواد عليه السلام، فإنّه لا بدّ له من واعظ من نفسه، ووازع من داخله، لا بدّ من سَماع صوت الحقّ في نفسه، وإنْ جَلْجَل الباطلُ في الأرجاء، وإلا استمكن العدوّ من عنقه، وخَفَت صدى الحقّ في مملكته، ولم ينفعه شيء.
 
قال الإِمام الصادق عليه السلام: "مَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظاً، فَإِنَّ مَوَاعِظَ النَّاسِ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُ شَيْئاً‌"1.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الله حَافِظٌ‌"2.
 
وقال أيضاً: "مَنْ كان له في نفسه يَقَظَةٌ، كان عليه من الله حَفَظَة"3.
هنيئاً لمن سمع، فَوَعى وعَقَل، وقَرَن قوله بالعمل، فذاك داعية الله من دون كلام.
 
وَقَبُولٍ مِمَّن يَنْصَحُهُ:
فقد يكون من تلك النفحات النصيحة الصادقة، إذا صدرت من عاقل مدرك للأمور، قد نبت أصله على الخير والحبّ والعطاء.
 
نصيحةٌ صدرت من القلب إِلَى القلب، يمحضُها لك أخوك محضاً، فليس من الصلاح حينئذ رفض هذه النصيحة4.



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 11، ص 141.
2 الشريف الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، نهج البلاغة، ص 420، تحقيق وتصحيح: عزيز الله العطاردي، نشر: مؤسّسة نهج البلاغة، الطبعة الأولى 1414هـ، قم المقدسة.
3 الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 438.
4 الريشهري، ميزان الحكمة، ج 4، ص 3281.
 
 
86

71

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

 وهذه هي الركيزة الثالثة في حديث الإِمام الجواد عليه السلام، والتي يقوله فيها أمير المؤمنين عليه السلام: "مَنْ قَبِلَ النَّصِحيةَ أَمِنَ الفضيحة".

 
وإِنَّ لرفض النصيحة أضراراً جسيمة، فقد ورد عن عليٍّ عليه السلام: "من أعرض عن نصيحة الناصح أُحرق بمكيدة الكاشح"1. ففي حياة كلّ فردٍ منّا نماذج كثيرة لأشخاصٍ مُحِضوا النصيحة، لم يقبلوها، حتى رجعوا يجرّون أذيال الخيبة الحسرة، ولات ساعة مَنْدَم.
 
الحسرة لقمة مرّة أثرها طويل:
كم من مرّةٍ كنّا قادرين على الطاعة، فلم نبال بها حتّى فات وقتها؟!
كم مرّة شرعنا في أعمال البرّ والإحسان، لكن صُرفنا عنها؟!
 
فلنبكِ على أنفسنا لفوات الفرصة، فإنّا محرومون من التوفيق.
لنبكِ على أنفسنا حيث لم نصل بعدُ إِلَى المرحلة التي يتكفّل الله تلقائياً بإعدادنا، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾2.
 
ألم نشعر يوماً بصوت الحقّ من أعماق أنفسنا يؤنّبنا على بعض تصرّفاتنا مع الأهل والجيران وقطيعة الرحم والإخوان؟! نعم، بَدَل أنْ نصغي إِلَى الواعظ النفسي، عَمِلْنا على إسكاته وتنويمه عبرَ تبريراتٍ ما أنزل الله بها من سلطان!
 
مَنْ مِنّا ما ندم على نصيحةٍ أُسديت إليه، وفاته من جرّاء ذلك خيرٌ كثير.
 
أيُّها المؤمنون، خيرُ نصيحة أهداها لنا أَهل البيت عليهم السلام: التقوى، والورع عن محارم الله... فهلّا عملنا بنصائحهم عليهم السلام.



1 الريشهري، ميزان الحكمة، ج 4، ص 3281.
2 سورة طه، الآية 39.
 
 
 
87

72

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

 وقفة تأملية

 
من موعظة لقمان الحكيم
ورد في القرآن الكريم حكاية عن لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه،: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان:13)، فإنّ لقمان بدأ بالموعظة مع ولده بأبعادٍ أربعة:
 
فالبعد الأول بعدٌ عقائدي وأصولي، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:16). وبنيّ في الآية تصغير لكلمة ابني تأتي لإظهار الشفقة واللطف، ولا يتكلّم معه من مقام الاستعلاء. وذكر له في هذه الآية المبدأ والمعاد، وهذه المنظومة العقائدية زرعها في قلبه، وكأنّه عنى بقوله إنّ الأمر إنْ كان زنة حبّة من خردل من خير أو شر عملته فيكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأتي به الله يوم القيامة حتى يوفّيك جزاءه.
 
والبعد الثاني يتضمّن فروع الدين، فقال له: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (لقمان:17). فحثّه على إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 
والبعد الثالث بعدٌ أخلاقي، يشير إلى خُلُقٍ يمكن أن نعتبره منبعاً لكلّ الأخلاق وهو الصبر، عندما قال له: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان:17). وكأنّه يقول له: إذا أصابك في الطاعة أو في الارتداع عن المعصية آلامٌ فاصبر عليها.
 
والبعد الرابع بعدٌ أدبي، وهو ويختلف عن البعد الأخلاقي بأنّ الأخلاق هيئات باطنية راسخة، أمّا الآداب فهي هيئات الأفعال الظاهرية، وقد أشار إليه عندما قال: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ (لقمان:18).فبعض الناس إذا جاءها المحتاج لطلب حاجة وهم قادرون على تلبيتها يصيبهم الكبر ويستعلون عليه ويصدّونه، وهذا أمرٌ مذموم 
 
 
 
88

73

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

 لذلك نهاه عنه. ثمّ أشار له إلى بعدٍ أدبي آخر عندما قال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾(لقمان:18-19). فأمره بالمشي المتواضع وعدم رفع الصوت، فعلّمه كيفية السير متواضعاً وطريقة التعامل مع الناس في السلوكيات من المشي وغضّ البصر وخفض الصوت وغير ذلك، وأعطاه وصيّةً جامعةً للأصول والفروع والأخلاق والآداب.

 
وهذا الحوار التربوي الذي جاء بين لقمان وابنه يُعطي صورةً واضحةً كيف أنّ الموعظة تمثّل دوراً كبيراً في تعليم المبادئ والقيم الأخلاقية، وكيف أنّها تحدّد الضوابط للمستمع لهذا الحوار الرائع.
 
 
89

74

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

 الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة



مفاهيم محورية:
• الدُّنيا مزرعة الآخرة. 
• وهكذا هو العمل في الدنيا. 
• الدُّنيا حجاب. 
• من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه. 
• موعظة وعبرة 
 
 
91

75

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

 تصدير الموعظة:

ورد في قصار الحكم عن أمير: "أَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آَجِلِهِمْ"1.
 
الدُّنيا مزرعة الآخرة:
لا شكّ، بحسب ما دلّت النُّصوص الدينية، أَنَّ الزاد الَّذِي يأخذه الإنسان معه إِلَى يوم القيام هو العمل الَّذِي يقوم به في هذه الدُّنيا، ولذا ورد في الخبر عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، والذي يعتبر من جوامع الكلم، ومن أبلغ العظات المنبّهة للنّيام، أَنَّ "الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ"2، وقال الشّهيد الثاني رحمه الله في مقام شرح هذا الحديث: "فنظرنا بعينِ الاعتبار، وتأمّلنا بطريق الاستبصار، فرأينا أنّ المزرعة تحتاج إلى بذرٍ صافٍ من شوائب الأغيار، خالصٍ عن مخالَطَةِ ما يوجب له التلاشي والبوار، واقعاً في وقته المُعَدّ لِصَلاحِهِ، مقدّماً عليه ما يحتاج إليه من الشرائط ورفع الموانع، مراعياً حالَهُ، كذلك إلى أوان حَصادِهِ، وإنْ أخلّ بشي‌ءٍ من ذلك أدّى



1 الشريف الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، نهج البلاغة، ص 406، تحقيق وتصحيح: عزيز الله العطاردي، نشر: مؤسّسة نهج البلاغة، الطبعة الأولى 1414هـ، قم المقدسة.
2 ابن أبي جمهور الإحسائي، محمد بن علي، عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ج 1، ص 267، تحقيق: مجتبى العراقي، مطبعة سيد الشهداء، قم، الطبعة الأُولى 1403هـ.
 
 
93

76

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

 الإخلال إلى فساده. ولا يخفى أنّ الزرعَ في هذه الدار للآخرة إنّما هو الأعمال الصالحة، ومتاجِرُها الرابِحَة، وزمان هذه المعاملَة العمر، وكسبها وتحصيل غَلّتها الجنّةُ"1.

 
وبسبب حتمية الترابط بين البذرة التي يزرعها الفلاح والنتاج الَّذِي يحصده، لا يمكن للبذرة الفاسدة أنْ تنتج نتاجاً صالحاً، كما أَنَّ البذرة الصالحة إذا زرعت في ظروفٍ مناسبةٍ وتوفّرت شرائط إنتاجها لا بدّ أنْ تنتج غلّة صالحة.
 
وهكذا هو العمل في هذه الدُّنيا:
وينبغي للعاقل إذا أراد أنْ يرجو ثواب الله تعالى في الآخِرة أنْ يقيسَ رجاءه لذلك برجاء صاحب الزرع، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جعل الدنيا مزرعة الآخِرة بهذا المعنى. فكما أنّ من طَلَبَ أرضاً طيّبةً وبَذَرَها في وقت الزراعة بذراً غير متعفّنٍ ولا متآكل، ثمَّ أمدّهُ بالماء العَذْبِ، وسائر ما يحتاج إليه في أوقاته، ثمّ طهّره عن مخالَطَةِ ما يمنع نباته من شَوكٍ ونحوه، ثمّ انتظر من فضل الله رَفْعَ الصواعِقِ والآفاتِ المُفْسِدةِ إلى تمام زرعه وبلوغ غايته، كان ذلك رجاءً في موضعه، واستحقّ اسم الرجاء إذا كان في مَظِنّتِهِ أنْ يَفوزَ بمقاصده مِن ذلك الزرع.
 
ومَن بَذَرَ في أرضٍ كذلك، إلا أنّه بَذَرَ في آخر الوقت، ولم يُبادر إليه في وقته، أو قصّر في بعض أسبابه، ثمّ أخَذَ ينتظِرُ ثمرةَ ذلك الزرعِ، ويرجو سلامَتَهُ، فهو في جملة الراجِينَ أيضاً، ولكنّه لا يَصِلُ إلى مقدار محصول الأوّل.
 
ومَنْ لم يَحْصُلْ على بذرٍ صالحٍ، أو بَذَرَ في أرضٍ سَبْخَةٍ أو ذاتِ شاغلٍ عن الإنبات، ثمّ أخَذَ ينتظر الحَصادَ فذلك الانتظار حُمق، والرجاء كاذب.
 
فهكذا حال العبد إنْ بَذَرَ المعارفَ والأعمالَ الصالحةَ في أرضِ نفسه في وقته 



1 الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، رسائل الشهيد الثاني، ج 2، ص 817، تصحيح وتعليق: رضا مختاري، نشر: مكتب الإعلام الإسلام، الطبعة الأُولى 1421، قم.
 
 
94

77

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

 وهو في مقتبل العمر، وداوَمَ على سَقيِهِ بالطاعات، واجتَهَدَ في طهارة نفسه عن شَوك الأخلاق الرديئة التي تَمنعُ نَماءَ ما زرع، وانتظر من فضل الله تعالى أنْ يُنْبِتَه على ذلك إلى زمان وصوله وحَصاد عمله، فذلك الانتظار هو الرجاء المحمود، وهو درجة السابِقِينَ.

 
وإنْ ألقى في نفسه لكنّه قصّر في بعض أسبابه، إمّا بتقصيره في تنقية البذر، أو في السقي، أو غير ذلك ممّا يوجب ضعفه، ثمّ أخذ ينتظر وقت الحَصاد، ويتوقّعُ مِن فضلِ الله أن يبارك له فيه، ويعتمد على أنّه ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾1، فيصدُقُ عليه أيضاً أنّه راجٍ، ولكن مرتبته بعيدة عن مرتبة الأوّل، ورجاؤه أضعفُ.
 
وإذا لم يزرع في نفسه أصلًا، أو زَرَعَ ولم يَسْقِهِ بماء الطاعةِ، أو ترك نفسهم شغولةً بشَوك الأخلاق المذمومةِ الرديئة، وانهَمَك في طَلَبِ آفاتِ الدنيا، ثمّ انتظر المغفرةَ والفضلَ من الله تعالى، فذلك الرجاءُ غُرور، وليس برجاءٍ في الحقيقة، وهذا هو القائل يوم القيامة يوم الحسرة والندامة: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾2
 
الدُّنيا حجاب:
نستنتج مِمَّا تقدّم معادلةً مفادها (أَنَّ العمل في هذه الدُّنيا ـ صالحاً كان أم طالحاً ـ ينتج ما يناسبه في الآخرة)، وهذه المعادلة القرآنية والدِّينية يمكن لها أنْ تصبح حقيقةً مشاهدةً في هذه الدُّنيا، لكنّ الإنسان الَّذِي هو مزيجٌ من روحٍ مجرّدةٍ قامت في جسدٍ طينيّ دنيويٍّ ضَعُفَ عن رؤية الحقائق الوجودية كما هي، ولكي يراها على حقيقتها لا بدّ من زوال الحُجُب والموانع، وكشف غطاء الغفلة والتعامي، قال تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾3.




1 سورة الذاريات، الآية 58.
2 سورة الفجر، الآيات 24 – 26.
3 سورة ق، الآية 22.
 
 
 
95

78

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

 فالحقيقة النُّورانية للإنسان عندما امتزجت بعالم المادّة، شدّته الدُّنيا إِلَى حضيضها، فامتنع ـ حينئذٍ ـ عن رؤية كثيرٍ من الأُمور كما هي. وهذا العمل الَّذِي نقوم به في هذه الدُّنيا هو الَّذِي نراه على حقيقته في الآخرة، إِلَّا أَنَّ الَّذِين صَحِبوا الدُّنيا بأبدانٍ معلّقةٍ في المحلّ الأعلى يتمكّنوا من رؤية الكثير مِمّا يعجز عن رؤيته الإنسان العادي، وفي هذا المجال ورد في خطبة المتقين لأمير المؤمنين عليه السلام قوله: "فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ، رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ، أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ"1.

 
فتجسيد آيات الله تعالى، والشُّعور بمضمونها، والتفكُّر فيها، مِمّا يُخرِج الإنسان عن حالة الغفلة، فيرى ما يُرى في الآخرة، فيكون كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصفهم: "هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رَوْحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ الله فِي أَرْضِهِ وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ، آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ!"2.
 
وعلى هذا الأساس يتّضح لنا معنى الرواية التي صدّرنا به الموعظة: "أَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آَجِلِهِمْ"، فكلّ عمل نقوم به في هذه الحياة الدُّنيا التي سُمِّيت بالعاجلة ـ لأنَّ لذّاتها حاضرة، وبسببها تميل إليها النُّفوس، بخلاف الآخرة، فإنَّ لذّاتها مؤجّلة ـ يأتي ذلك العمل في الآخرة بصورةٍ تناسب ذلك العمل من خيرٍ أو شرّ، وحسنٍ أو قبح، ويراها العامل بعينه في آجله، أي حين حلول الموت، أو الحساب، لأنّه حينئذٍ يرفع الحجاب ويكشف الغطاء.
 
ويدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *



1 الإمام علي عليه السلام ، نهج البلاغة، ص 225.
2 م. ن، ص 435.
 
96
 

79

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

 وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾1، فإنَّ ظاهر الرؤية بمفعول واحد هي الرؤية بالبصر2.

 
من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه:
روي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: "مَنْ أَصْبَحَ وأَمْسى وَالدُّنْيا أَكْبَرُ هَمَّه، جَعَلَ اللَّهُ الفَقْرَ بَيْنَ عَينَيْهِ، وَشَتَّتَ أَمْرَهُ، وَلَمْ يَنَلْ مِنَ الدُّنْيَا إلاّ مَا قُسِمَ لَهُ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَأمْسَى وَالآخِرةُ أَكْبَرُ هَمَّه، جَعَلَ اللَّهُ الغِنَى فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ أَمْرَهُ"3.
 
يقول العلاّمة المجلسي رحمه الله في حقيقة الدنيا المذمومة: "فاعلم أنّ الذي يظهر من مجموع الآيات والأخبار على ما نفهمه أنّ الدنيا المذمومة مركّبة من مجموع أمور، تمنع الإنسان من طاعة الله وحبّه وتحصيل الآخرة، فالدنيا والآخرة، ضرّتان متقابلتان فكلّ ما يوجب رضى الله سبحانه وقربه فهو من الآخرة، وإن كان بحسب الظاهر من أعمال الدنيا كالتجارات والصناعات والزراعات التي يكون المقصود منها تحصيل المعيشة للعيال لأمره تعالى به وصرفها في وجوه البرّ، وإعانة المحتاجين، والصدقات، وصون الوجه عن السؤال وأمثال ذلك، فإنّ هذه كلها من أعمال الآخرة، وإن كان عامّة الخلق يعدّونها من الدنيا"4.
 
ويقول الإمام الخميني قدس سره: "إنّ ما ورد في القرآن والأحاديث عن ذمّ هذه الدنيا، لا يكون عائداً في الحقيقة إلى الدنيا من حيث نوعها أو كثرتها، بل يعود إلى التوجّه نحوها وانشداد القلب بها ومحبّتها".
 
وعليه، يتبيّن من ذلك أن أمام الإنسان دنياءان: دنيا ممدوحة ودنيا مذمومة. فالممدوح هو الحصول في هذه النشأة، وهي دار التربية ودار التحصيل ومحل



1 سورة الزلزلة، الآية 8.
2 حبيب الله الهاشمي الخوئي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج 21، ص 20، تحقيق: السَّيِّد إبراهيم الميانجي، نشر: مؤسّسة الإمام المهدي عليه السلام ، الطبعة الرابعة طهران.
3 الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج 2، ص 319، كتاب الإيمان والكفر، باب حب الدنيا، ح 15.
4 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 73، ص 63.
 
 
97

80

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

 التجارة لنيل المقامات واكتساب الكمالات والإعداد لحياة أبدية سعيدة، ممّا لا يمكن الحصول عليه دون الدخول إلى هذه الدنيا، كما جاء في خطبة لمولى الموحدين أمير المؤمنين علي عليه السلام رداً على من ذم الدنيا: "إنّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَها، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنىً لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنْ اتّعَظَ بِهَا. مَسْجِدُ أحِبّاءِ اللّهِ، وَمُصَلّى مَلائِكَةِ اللَّهِ، وَمَهْبَطُ وَحْي اللَّهِ، وَمَتْجَرُ أوْلِيَاءِ اللَّهِ. اكْتَسَبُوا فِهَا الرَّحَمةَ، وَرَبَحُوا فِيهَا الجَنَّةَ..."1.

 
وفي سبب ازدياد حبّ الدنيا يقول قدس سره: "واعلم أنّه ولمّا كان الإنسان وليد هذه الدنيا الطبيعية، وهي أمّه، وهو ابن هذا الماء والتراب، فإنّ حبّ الدنيا يكون مغروساً في قلبه منذ مطلع نشوئه ونموّه، وكلّما كبر في العمر، كبر هذا الحبَّ في قلبه ونما. وبما وهبه الّله من القوى الشهوانيّة ووسائل التلذّذ للحفاظ على ذاته وعلى البشرية، يزداد حبّه ويقوى تعلّقه، ويظن أنّ الدنيا إنّما هي دار اللذّات وإشباع الرغبات، ويرى في الموت قاطعاً لتلك اللذّات، وحتى لو كان يعرف من أدلّة الحكماء أو أخبار الأنبياء صلوات الله عليهم أن هناك عالماً أخروياً، فإنّ قلبه يبقى غافلاً عن كيفية عالم الآخرة وحالاته وكمالاته ولا يتقبّله، فضلاً عن بلوغه مقام الاطمئنان، ولهذا يزداد حبّه وتعلّقه بهذه الدنيا.
 
وبما أنّ حبّ البقاء فِطري في الإنسان، فهو يكره الزوال والفناء، ويظنّ أنّ الموت، فناء. ولو أنه آمن بعقله بأنّ هذه الدنيا دار فناء ودار ممرّ، وأنّ العالم الآخر عالم بقاء سرمدي، فما دام إيمانه العقلي هذا يكون موجوداً، ولم يدخل الإيمان قلب، بل ولم يحصل الاطمئنان الذي هو المرتبة الكاملة للإيمان القلبي. فهو لا يزال يميل فطرةً، إلى الدنيا والبقا ء فيها كما طلب إبراهيم خليل الرحمان من الحقّ المتعال هذا الاطمئنان، فأنعم به عليه. إذاً، إمّا أنّ القلوب لا تؤمن بالآخرة، مثل قلوبنا، وإن كنا نصدّق بها تصديقاً عقلياً، وإمّا أنّها لا اطمئنان فيها، فيكون حبّ البقاء في هذا 



1 الإمام علي عليه السلام ، نهج البلاغة، الحكمة رقم 131 (الشيخ صبحي الصالح).
 
 
98

81

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

 العالم، وكراهة الموت والخروج من هذا العالم في القلب موجوداً. ولو أدركت القلوب أنّ هذه الدنيا هي أدنى العوالم، وأنّها دار الفناء والزوال والتصرّم والتغيّر، وأنّها دار الهلاك ودار النقص، وأنّ العوالم الأخرى التي تكون بعد الموت عوالم باقية وأبدية، وأنّها دار كمال وثبات وحياة وبهجة وسرور، لحصل فيها بالفطرة حبّ تلك العوالم، ولنفرت من هذه الدنيا"1




1 روح الموسوي الخميني، الأربعون حديثاً، ص137 وما بعد ،بتصرّف.
 
 
99

82

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

 وقفة تأملية


مع الدنيا والآخرة
قَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ: "وَفَدْتُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ الصَّلْصَالُ بْنُ الدَّلَهْمَسِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، عِظْنَا مَوْعِظَةً نَنْتَفِعُ بِهَا، فَإِنَّا قَوْمٌ نعير ـ نَعْبُرُ بِالْبَرِّيَّةِ ـ، فَقَالَ رَسُولُ الله:
يا قيس، إِنَّ مَعَ الْعِزِّ ذُلًّا، وَإِنَّ مَعَ الْحَيَاةِ مَوْتاً، وَإِنَّ مَعَ الدُّنْيَا آخِرَةً...
وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ حَسِيباً، وَعَلَى كُلِّ شَيْ‌ءٍ رَقِيباً...
وَإِنَّ لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَوَاباً، وَلِكُلِّ سَيِّئَةٍ عِقَاباً، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً...

وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ يَا قَيْسُ مِنْ قَرِينٍ يُدْفَنُ مَعَكَ وَهُوَ حَيٌّ، وَتُدْفَنُ مَعَهُ وَأَنْتَ مَيِّتٌ، فَإِنْ كَانَ كَرِيماً أَكْرَمَكَ، وَإِنْ كَانَ لَئِيماً أَسْلَمَكَ، ثُمَّ لَا يُحْشَرُ إِلَّا مَعَكَ، وَلَا تُبْعَثُ إِلَّا مَعَهُ، وَلَا تُسْأَلُ إِلَّا عَنْهُ، وَلَا تَجْعَلْهُ إِلَّا صَالِحاً، فَإِنَّهُ إِنْ صَلَحَ آنَسْتَ بِهِ، وَإِنْ فَسَدَ لَا تَسْتَوْحِشُ إِلَّا مِنْهُ، وَهُوَ فِعْلُكَ...

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ فِي أَبْيَاتِ شِعْرٍ نَفْخَرُ بِهِ عَلَى مَنْ يَلْقَانَا مِنَ الْعَرَبِ، وَنَدِّخِرُهُ.

فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ يَأْتِيهِ بِحَسَّانَ...
قَالَ: فَأَقْبَلْتُ أُفَكِّرُ فِيمَا أُشَبِّهُ هَذِهِ الْعِظَةَ مِنَ الشِّعْرِ، فَاسْتَتَبَّ لِيَ الْقَوْلُ قَبْلَ مَجِيئِ حَسَّانَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، قَدْ حَضَرَتْنِي أَبْيَاتٌ أَحْسَبُهَا تُوَافِقُ مَا نُرِيدُ.

فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: قُلْ يَا قَيْسُ.

فَقُلْتُ:
تَخَيَّرْ قَرِيناً مِنْ فِعَالِكَ إِنَّمَا                         قَرِينُ الْفَتَى فِي الْقَبْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُ
 
 
100

83

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

 وَلَا بُدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَنْ تُعِدَّهُ                   لِيَوْمٍ يُنَادَى الْمَرْءُ فِيهِ فَيُقْبِلُ

فَإِنْ كُنْتَ مَشْغُولًا بِشَيْ‌ءٍ فلا                      تكن بغَيْرِ الَّذِي يَرْضَى بِهِ الله تَشْغَلُ
فَلَنْ يَصْحَبَ الْإِنْسَانَ مِن بعد                    موته ومن قَبْلِهِ إلَّا الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ
أَلَا إِنَّمَا الْإِنْسَانُ ضَيْفٌ لِأَهْلِه                     يُقِيمُ قَلِيلًا بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَرْحَلُ"

فانظر أخي الكادح إِلَى ربِّك، كيف يكون العمل ملازماً للإنسان في طريقه للوفود على الله، وفي هذه الدُّنيا نلاحظ أَنَّ الإنسان إذا أراد أنْ يفِد على عظيمٍ من العظماء، يسعى جاهداً قبل أنْ يصل إليه إِلَى تحسين صورته عند ذلك العظيم، بالأعمال الَّذِي يرضاها، وبالسجايا التي يمتدحها، فكيف بنا؟! ونحن بصدد الوفود على ملك الملوك، جبار السماوات والأرض، الَّذِي لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض!
 
 
101

84

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي



مفاهيم محورية:
• مفهوم الغضب. 
• الغضب في التصوّر الإسلامي. 
• الغضب الممدوح. 
• الغضب المذموم ودوافعه. 
• علاج الغضب والتوقّي منه. 
 
 
 
103

85

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 تصدير الموعظة:

روى الشَّيْخ الكليني بإسناده إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام يَقُولُ: "إِنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوباً: يَا ابْنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي حِينَ تَغْضَبُ أَذْكُرْكَ عِنْدَ غَضَبِي، فَلَا أَمْحَقُكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ"1.
 
مفهوم الغضب:
الغضب في اللغة نقيض الرضا، وهو السخط والشدة، ورجلٌ غضوب وغَضِبٌ، أي: سريع الغضب. وغضب عليه، أي: احتدم وتتضرّم وثارت به الحفيظة2، والغضب حالةٌ انفعالية تعتري الإنسان فتحفّزُه علَى حبّ الاعتداء والانتقام3.
 
وفي اصطلاح علماء النفس: هو انفعالٌ وتوتّرٌ نفسيٌّ، تصحبه متغيّرات فسيولوجية (بدنية)، تثيره دوافع داخلية، ومثيرات خارجية مادّية ومعنوية مؤذية، ويميل الفرد أثناء الغضب إِلَى العدوان، وقد ينغمس فيه بحسب الدرجة والموقف المتأزّم عبر صورٍ عديدة، منها:



1 الكُلَيْني، مُحَمَّد بن يعقوب، الكافي، ج 2، ص 304، تصحيح وتعليق على أكبر غفاري، الطَّبعة الثّالثة 1367ش، دار الكتب الإسلاميَّة، طهران.
2  المنجد في اللغة العربية المعاصرة: دار المشرق، بيروت، مادة: غضب.
3  قاموس الألفبائي: الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، مادة: غضب.
 
 
 
105

86

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 1- إيماءات جسدية، كتعابير الوجه وحركة اليد الدالة على السخط. 

2- لفظيّة، كتوجيه النقد الجارح، الإهانات، الهزء والسخرية، وما شابه ذلك. 
3- الاعتداء المباشر، والإيذاء الجسدي، وتهشيم الممتلكات. 
 
وعند عجز الفرد عن توجيه العدوان إِلَى مصدرٍ خارجيٍّ، هو موضوع غضبه، يرتدُّ على الذات، وقد يتحوّل إِلَى غضب مكبوت وأحقاد1.
 
وغاية الغضب عموماً هي الانتقام وردّ العدوان إِلَى مبدئه بعد وقوعه، أو دفعه قبل حصوله2.
 
ويتفاوت الناس في التعبير عن الغضب بين الشدّة والضعف والاعتدال، بحسب أعمارهم وأجناسهم وشخصياتهم وقيمهم ومعتقداتهم وبيئاتهم التي يعيشون فيها ويتفاعلون معها، ودرجة نضجهم العاطفي والاجتماعي، وطبيعة الموقف اللازم والدوافع التي تقف خلفه.
 
الغضب في الإسلام:
إِنَّنا على ضوء تقصّي الروايات الشريفة الصادرة عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، وما تشير إليه العديد من الآيات القرآنية، نلحظ أَنَّ الغضب على ضوء التصوّر الإسلامي ينقسم إلى قسمين: غضبٌ ممدوح، وغضبٌ مذموم.
 
1- الغضب الممدوح: هو الغضب الَّذِي ينتظر إشارة العقل والدّين، فينبعث حيث تجب الحميّة، وينطفي حيث يحسن الحلم، وحفظه على حدّ الاعتدال هو الاستقامة الَّتي كلَّف الله تعالى بها عباده، وهو الوسط الَّذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: "خير الأمور أوساطها"3.



1 جمال بري، الغضب من منظور سيكولوجي، مجلة أريج الولاية الفصلية، العدد الأوّل، ص: 182.
2 أحمد القبانجي: النفس في دائرة الفكر الإسلامي، دار الكتاب الاسلامي، قم، الطبعة الأولى، 2001، ص: 193.
3 الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء، ج 5 ص 299، تصحيح وتعليق: على أكبر غفاري، نشر: مكتب الإعلام الإسلامي التابع لجماعة المدرسين، قم.
 
 
106

87

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 ومن خلال الضوابط التي نصّ عليها التعريف نستظهر مصاديق الغضب الممدوح من غيره.

كالغضب في سبيل الله، وللدفاع عن النفس والعرض والدين والشرف والوطن. فالغضب إن كان غضباً لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام ولنصرة الدين وأهله، أو لانتزاع حقٍّ مغصوب، أو لرفع ظلم، أو للدفاع عن أرض المسلمين المستباحة من العدو، فهو غضبٌ محمود ومشروع وواجب عند تعيّنه، وهو ما تؤكّده جملة من الآيات والروايات.
 
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾1.
وقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ﴾2.
 
والغلظة والشدّة على أعداء الإسلام والأمّة من مصاديق الغضب المحمود الَّذِي لا ينبغي تركه، لأنّه انتصار للحقّ.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أَنَّه قال: "كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يغضب للدنيا، فإذا أغضبه الحقّ لم يصرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيءٌ حتّى ينتصر له"3.
 
وقال عليه السلام لأبي ذر عليه السلام لمَّا أخرج إلى الربذة‌: "يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ غَضِبْتَ لِله فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ..."4.
 
وتعلّمنا الشريعة السمحة أَنَّ من سمات المؤمن وأخلاقه الرساليّة إذا ما غضب للحقّ، وهبّ له بكلّ ما أُوتي من قوّة، أنْ لا يتجاوز غضبه إشارة العقل والدين، ولا يخرجه عن صوابه، وهو يبادر إِلَى إعمال فضيلة العفو عند المقدرة والصفح والحلم، بحسب ما تقتضيه طبيعة الموقف الَّذِي يواجهه، متأسّياً في ذلك بسيرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.



1 سورة التوبة، الآية 73.
2 سورة الفتح، الآية 29.
3 المحجة البيضاء، ج 5، ص 303، مرجعٌ سابق.
4 السيد الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، نهج البلاغة، ص 150، تحقيق وتصحيح: عزيز الله العطاردي، نشر: مؤسسة نهج البلاغة، الطبعة الأولى 1414هـ، قم المقدسة.
 
 
107

88

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 ومن الأمثلة على رجحان العفو ومطلوبيّته ما قام به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من عفوه عن بعض أُسارى مكّة يوم الفتح، على الرغم مِمّا اقترفوه من جنايات بحقّ المؤمنين والدين، وذلك لمّا تشفّع لهم عددٌ من المسلمين1.

 
ولمّا سأل صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً وقتئذٍ قائلاً: "يا معشر قريش، ما ترون أَنِّي فاعلٌ بكم؟" قالوا: أخٌ كريمٌ، وابن أخ كريم. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاء"2.
 
ومن معين سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأخلاقه العظية، نهلت المقاومة الإسلامية في لبنان، فبعد انتصارها على العدوّ الصهيوني عام ألفين، عفت عن كثيرٍ مِمّن تعاملوا مع الكيان الغاصب ولم تتلوّث أيديهم بدم الأبرياء، وتركت أمر البقيّة الباقية للقضاء اللبناني. بينما نجد بعض الثوارت التي لا تمتُّ إِلَى الإسلام بصلةٍ، كالثورة الفرنسية بعد انتصارها أقامت حفلات الإعدام لكلّ من تعامل مع العدو في الشوارع والساحات.
 
وكم هي أَخلاق الإسلام وضوابطه القتالية عادلة وفي قمّة السمو والإنسانية، عندما تحظّر على المقاتلين الغاضبين للحقّ في الحرب قَتْلَ النساء والأطفال، والإجهاز على الجرحى والمستسلمين، وتمنع التمثيل بالقتلى، واستباحة دور العبادة، وما شاكل من ضوابط مسلكية حضارية، ذلك لأنّ الإنسان المؤمن برسالات ربّه، العامل بشريعته السَّمْحةِ لا يتحوّل إِلَى همجيّ، لا تحكمه ضابطة أو تزجره أخلاق، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "المُؤْمِنُ إِذَا غَضِبَ، لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ حَقٍّ"3.
 
وفي وصيّته لقائد جيشه مالك الأشتر، لمّا ولّاه على مصر: "امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ وَسَوْرَةَ حَدِّكَ وَسَطْوَةَ يَدِكَ وَغَرْبَ ‌لِسَانِكَ، وَاحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ‌ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الِاخْتِيَارَ"4.



1 تاريخ الإسلام، تأليف لجنة التاريخ، نشر: المنظمة العالمية للحوزات، قم، الطبعة الرابعة 1427هـ، ص 223.
2  بحار الأنوار، ج 21، ص 106، مرجعٌ سابق.
3 المصدر نفسه، ج 78، ص 209.
4 السيد الرضي، نهج البلاغة، ص 382.
 
 
108

89

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 2- الغضب المذموم: وهو كيفيّة نفسيّة موجبة لحركة الروح من الداخل إِلَى الخارج، ومبدؤه شهوة الانتقام، وهو من جانب الإفراط، وإذا اشتدّ فإنّه يستر نور العقل، ويضعّف فعله، فلا تؤثّر الموعظة في صاحبه، بل تزيده غلظة وشدة1.

 
دوافع الغضب:
الغضب المذموم يُسعّر الأنانيات الفردية والعصبيات البغيضة، والمصالح الدنيوية البحتة، والعُجب، والجاه، والكبر، واللجاج، والأطماع، والحسد، والأهواء، وقلّة النظم، وعُقَد النقص، والهزء، وسوء الظنّ، وتوهّم الحقّ، وعمى البصيرة، والجهل، والنزوات المنحرفة، وتسويل النفس، والركون لتزيين الشيطان وقبيله.
 
ويعدّ الإِمام الخميني قدس سره الغضب من جنود الجهل، ويرى أَنَّ جميع الأسباب المهيّجة له تعود في جذورها إِلَى حبّ الدنيا التي ينبغي أنْ تُسمّى بأمّ الأمراض، فمنها تتولّد جميع الأمراض النفسيّة، كيف لا؟! والإمام الصادق عليه السلام يقول: "حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ"2.
 
مصاديق الغضب:
للغضب مصاديق متعدّدة نذكر منها:
1- الغضب الموهوم لله تعالى:
من يطالع صفحات التاريخ يجد كثيراً من الفئات والفرق التي حادت عن شرعة الله والاقتداء بأوليائه المعصومين عليهم السلام، فتوهمت أَنَّها تنتصر لله، وتغضب له، كالخوارج الَّذِين خرجوا على إمام زمانهم، وحاربوه، فخسروا الدنيا والآخرة، وخلّفوا المآسي.
 
وما أشبه اليوم بالأمس، فها هم التكفيريون الَّذِين يدّعون الإسلام، ويرفعون لواءه



1 للتوسُّع أكثر راجع جامع السعادات للنراقي، مبحث: الغضب.
2  الكافي، ج 2، ص 317، مرجع سابق.
.
 
109

90

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 والإسلام منهم بريء ـ فكفّروا المخالفين لهم، وتوهّم هؤلاء بأنّهم يهبّون لنصرة الدين ويغضبون له. بينما في الواقع يصدق عليهم قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا  * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾1.

 
2- غضب حكّام الجور:
فإنّه من مصاديق الغضب الشيطاني، إذ عندما تستبدُّ بالإنسان شهوة الجاه والسلطة، فيعمي ذلك بصره وبصيرته، فتنقلب لديه المعايير، ويصبح كلّ شيء مبرراً لنيل السلطة أو الاحتفاظ بمقاليد الحكم. 
 
والتاريخ منذ فجره وإلى العصر الراهن مليءٌ بالشواهد على المآسي والجرائم التي ارتكبها هؤلاء الظلمة والانعكاسات الكارثية التي خلّفتها أفعالهم على الأفراد والمجتمعات.
 
إِنَّ الطغاة والمفسدين في الأرض يصوّرون أنفسهم بأنّهم مصلحون! قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾2.
 
هؤلاء الظلمة، لهم جلاوزتهم وأعوانهم يمثّلون سطوتهم، ويكرّسون حكمهم، ويجوّزون أعمالهم، ويغضبون لغضبهم، ويرضون لرضاهم، وقد أعدّ الله لهؤلاء أشدّ العذاب في يوم القيامة، فعن صادق آل محمد عليهم السلام أَنَّه قال: رَوَى أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ قِبَلِ الله عَزَّ وَجَلَّ: أَيْنَ الظَّلَمَةُ؟ أَيْنَ أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ؟ أَيْنَ مَنْ بَرَى لَهُمْ قَلَماً؟ أَيْنَ مَنْ لَاقَ لَهُمْ دَوَاةً؟ أَيْنَ مَنْ جَلَسَ مَعَهُمْ سَاعَةً؟ فَيُؤْتَى بِهِمْ جَمِيعاً فَيُؤْمَرُ بِهِمْ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِمْ بِسُورٍ مِنْ نَارٍ، فَهُمْ فِيهِ حَتَّى يَفْرُغَ النَّاسُ مِنَ الْحِسَابِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ"3.



1 سورة الكهف، الآيتان 103 – 104.
2 سورة البقرة، الآية 11.
3 المحدث النوري، الميرزا حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج 13، ص 124، نشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، الطبعة الأُولى 1408، بيروت.
 
 
110

91

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 3- الغضب بفعل التعصُّب للعشيرة:

إِنَّ انتماء الفرد لعائلةٍ أو جماعةٍ أو عشيرة، لا يعني التعصُّب لها تعصُّباً جاهلياً، بحيث يفقده انتماؤه هذا الانتماء الأساس للإسلام وتعاليمه الرسالية ومنظومته الأخلاقية. فكم من فردٍ إذا نشب نزاعٌ بين أحد أفراد عشيرته أو جماعته وفرد آخر، وتصايح الناس، تراه يضع التديُّن جانباً، وقد اشتعلت في دمه حميّة الغضب، وهو في سورة غضبه قد يجرح أو يقتل، ولا ينفع ندم بعدئذ.

وهكذا الحال في الثارات التي تُلزم بعض العشائر أبناءها بالأخذ بها، ولو كان مجانباً للحقّ، فلا يسكن الغضب إِلَّا بدم.

4- الغضب في التظاهرات والمباريات والشوارع:
عندما يحتشد الناس - وخصوصاً الشباب - للتظاهر من أجل قضية عادلة، فإنّ بعضهم قد ينجرف إِلَى ارتكاب أفعالٍ سلبية مدفوعاً بالغضب والحميّة، فيتمّ تحطيم الممتلكات العامّة والخاصّة، وأذية الناس. 

وأخطر من ذلك يحدث عندما يتمّ تحريض الشباب وتسعير غرائزهم لأغراض مشبوهةٍ وعلى خلفيات مذهبية أو حزبية أو مناطقية، فإنّ النتائج الوخيمة تتعدّى إِلَى ارتكاب أعمال القتل والجرح بحقّ المحرَّض عليهم، وتخريب الأمن والنظام العام.

علاج الغضب والتوقّي منه:
بعد هذا الاستعراض لمصاديق الغضب المذموم وآثاره السلبية، فالسؤال الَّذِي يطرح نفسه هو: ما هي الإجراءات والوصايا الإسلامية لدرء الغضب وعلاجه؟

أيُّها الأكارم، الإنسان المؤمن يتحلّى دائماً بضبط النفس، ولا يقع فريسة للغضب عند أوّل اختبار وموقف آزم.

وقد ذكرت الأحاديث الشريفة وعلماء الأخلاق عدّة إجراءات للحؤول دون الوقوع تحت سطوة الغضب، وذلك في مراحل ثلاث:
 
 
111

92

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 المرحلة الأُولى: ما قبل الغضب.

أ- التفكّر بعمقٍ ووعي بمساوئ الغضب المذموم، فهو عدوّ العقل، وممحقٌ لقلب الحكيم، ومن جنود الجهل والشيطان.
ب-التأمُّل في محاسن كظم الغيض، وفضيلة الحلم والصفح والمغفرة.
ت- إزالة الأسباب والدوافع الحقيقية المثيرة له، وقد ذكرنا بعضاً منها في دوافع الغضب المذموم.
ث- أنْ يتّعظ بأضرار الغضب على الصحّة الجسدية والنفسية عليه وعلى الآخرين.
 
المرحلة الثانية: عند حدوث الغضب.
إذا ما حدث غضبٌ وشعر الإنسان بحفزات الغضب، فليأمر نفسه بعدم التمادي والتدرّج نحو الأسوأ، فيفلت الزمام من يده وتكبر العواقب، وليقم بالإجراءات الآتية:
 
أ- الاستعاذة فوراً من الشيطان الرجيم، فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّه قال: "إِذا غَضِبَ الرَّجُلُ، فَقالَ: أَعُوذُ باللهِ، سَكَنَ غَضَبُهُ"1.
 
ب- تعمُّد السُّكوت، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "دَاوُوا الغَضَبَ بِالصَّمْتِ"2.
 
ت- تغيير الحالة التي يكون عليها الغاضب، ورد في الخبر: "إذا غضب أحدكم وهو قائم، فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضّطجع"3، ولعلّه لأنّ القائم متهيءٌ للحركة والبطش أَكثر من غيره.
 
ث- الإكثار من ذكر الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾4



1 السَّيوطي، جلال الدِّين، الجامع الصَّغير في أحاديث البشير النَّذير، ج 1، ص 118، الحديث: (770)، الطَّبعة الأُولى 1401، دار الفكر، بيروت.
2 اللَّيثي الواسطي، علي بن مُحَمَّد، عيون الحكم والمواعظ، ص 250، تحقيق الشَّيْخ حسين الحسني، الطَّبعة الأُولى 1376ش، دار الحديث، قم.
3 الرَّيشهري، مُحَمَّد، ميزان الحكمة، ج 3، ص 2269، تحقيق دار الحديث، الطَّبعة الأُولى 1416.
4 سورة الرعد، الآية 28.
 
 
 
112

93

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 المرحلة الثالثة: إجراءات ما بعد حدوث الغضب.

وأفضل ما يمكن أنْ يقوم به في هذه المرحلة هو المبادرة لإصلاح ما أفسده، والمصارحة والعتاب الحسن، وتبادل المسامحة، وإعمال فضيلة الصلح والألفة والوئام.
 
 
113

94

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

 وقفة تأملية

 
مفاسد الغضب
يقول الإمام الخميني قدس سره: وأما مفاسد الغضب المؤثّرة في الأعمال، فإنّها ليست بمحصورة، فلعلّه يتفوّه بما فيه الارتداد، أو سبّ الأنبياء والأولياء ـ والعياذ بالله ـ وهتك الحرمات الإِلهية، وخرق النواميس المقدسة، وقتل الأنفس الزكية، والافتراء على العوائل المحترمة، بما يصمها بالعار والذلّ، ويقضي على النظام العائلي بكشف الأسرار وهتك الأستار، وغير ذلك من المفاسد التي لا تُحصى، والتي يبتلي بها الإنسان لدى فورة الغضب الباعثة على نسف الإيمان وهدم البيوت.
 
لذلك يمكن أن توصف هذه السجية بأنّها أمّ الأمراض النفسية، ومفتاح كلّ شر. ويقابلها كظم الغيض وإخماد سعير الغضب، فإنّه من جوامع الكلم ودائرة تمركز الحسنات ومجمع الكرامات، كما جاء في حديث (الكافي) عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: سمعت أبي يقول: "أتى رَسُولَ اللهِ رَجُلٌ بَدَوِيٌ، فَقالَ: إنّي أسْكُنُ البادِيَةَ فَعَلِّمْنِي جَوامِعَ الكَلامِ، فَقالَ: آمُرُكَ أَنْ لاَ تَغْضَبَ، فَأعادَ عَلَيْهِ الأعْرَابِيُّ المَسْأَلَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ حَتّى رَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى نَفْسِه، فَقالَ: لا أَسْأَلُ عَنْ شيْء بَعْدَ هذَا، ما أمَرَنِي رَسُولُ اللهِ إِلاّ بِالْخَيْرِ. قالَ: وَكانَ أَبي يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ أشَدُّ مِنَ الغَضَبِ؟ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتي حَرَّم اللهُ، وَيَقْذِفُ المُحْصَنَةَ"1.



1 محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج 2، ص 303، كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، ح 4.
 
 
 
114

95

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت




مفاهيم محورية:
• مقدمة. 
• آثار الذنوب في الدنيا. 
• آثار الذنوب في عالم البرزخ. 
• آثار الذنوب في الآخرة. 
 
 
 
115

96

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 تصدير الموعظة:

من وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي ذر الغفاري: "... يا أبا ذر المتّقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة، إنّ المؤمن ليرى ذنبه كأنّه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه، وإنّ الكافر ليرى ذنبه كأنّه ذباب مرّ على أنفه، يا أبا ذر إنّ اللَّه تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيراً جعل الذنوب بين عينيه ممثلة، الإثم عليه ثقيلاً وبيلاً، وإذا أراد بعبد شراً أنساه ذنوبه، يا أبا ذر لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت، يا أبا ذر إنّ نفس المؤمن أشدّ ارتكاضاً من الخطيئة من العصفور حين يقذف به في شركه ..."1.
 
مقدّمة:
إنّ طبيعة آثار الذنوب تختلف من عالَم إلى عالَم، فعندما نقول إنّ الذنب الفلاني له أثر فلا بد من تحديد طبيعة العالَم الذي نتحدّث عنه، فمن آثار الذنوب في الدنيا حرمان العلم أو الرزق وغيرها بما يتناسب مع طبيعة عالَم الدنيا، أما آثار الذنوب في البرزخ فإنّها تتناسب مع طبيعة ذاك العالَم كوحشة القبر وظلمته والمساءلة فيه ... وأيضاً آثار الذنوب في الآخرة تتناسب مع طبيعة عالَم الآخرة، من غضب الله، إلى الحسرة والندامة، إلى العمى يوم القيامة... 



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 74، ص 77.
 
 
 
117

97

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 آثار الذنوب في الدنيا:

فيما يلي سوف نذكر بعض الآثار الخطيرة لبعض الذنوب في الدنيا وهي:
1- قساوة القلب: 
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً...﴾1.
إنّ قسوة القلب وذهاب اللين والرحمة والخشوع مرض خطير جداً، قد ذم الله عليه بعض الأمم السابقة كبني إسرائيل، وإنّ صاحب القلب القاسي أبعد ما يكون عن الله تعالى، وصاحبه لا يميِّز بين الحق والباطل، ولا ينتفع بموعظة ولا يقبل نصيحة. فالقلب إذا صَلُح استقام حال العبد وصحَّت عبادته وصار يعيش في سعادة وهناء وذاق طعم الأنس ومحبة الله ومناجاته، ولكنه إذا قسى القلب وأظلم فسُد حال العبد وخلت عبادته من الخشوع وغلب عليه مظاهر وآثار متعددة، فتارة لا يخشع في صلاته وعبادته ولا يتأثّر بقراءة القرآن، ولا تنفعه المواعظ ولا يتأثَّر بها ويحس بضيق شديد وفقر نفس رهيب، حتى لو ملك الدنيا بأسرها. 
 
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي ثلاث يُقسين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان"2.
 
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة، إن القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله"3.
 
إن الذنوب لها ظلمات إن تراكمت صارت ريناً كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾4.



1  سورة البقرة، الآية 74.
2 الشاهرودي، علي النمازي، مستدرك سفينة البحار، ج8، ص527.
3 الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج2، ص 268. باب الذنوب، ح1.
4 سورة المطففين، الآية 14.
 
 
 
118

98

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 وإذا صارت هكذا صارت طبعاً فيطبع على قلب الإنسان وهذا ما قد يعبر عنه بالقلب الأسود أو المنكوس وغير ذلك. فيصبح هذا القلب قابلاً لكل أنواع الضلالة والانحرا ف لأنه لو فرضنا أن فيه نوراً ما فإنه من خلال ارتكابه الذنوب قد خلا من النور، فإنه ما عاد قابلاً لتلقِّي الحق أبداً بل خرج منه ما كان فيه من الحق فيصبح خالياً قابلاً لكل ضلالة وانحراف لأنها من سنخه المظلم. 

 
2- زوال النعمة: 
"النعمة: هي الحال الحسن والعيش الرغيد. وزوال النعمة عقوبة إلهية في الذين لا يشكرون الله على النعمة والعطاء، وارتكاب الذنوب بشكل عام يؤدي إلى زوال هذه النعمة، وإن كان هناك ذنوب خاصة توجب تغيير النعمة مثل البغي على الناس، والزوال على العادة في الخير، واصطناع المعروف وكفران النعم وترك الشكر"1.
 
فالله تعالى بمقتضى عدله المطلق وقصده في حكمه لا يغيِّر نعمة أنعمها على أحد ولا يسلبها أحداً إلا بسبب ذنب ارتكبه كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾2
 
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾3.
 
روي عن الإمام علي عليه السلام: "ما زالت نعمة ولا نضارة عيش إلا بذنوب اجترحوا، إن الله ليس بظلام للعبيد، ولو أنهم استقبلوا ذلك بالدعاء والإنابة لم تزل"4.
 
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما أنعم الله على عبد نعمة فسلبها إياه حتى



1 الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص 269.
2 سورة الأنفال، الآية 53.
3 سورة الأعراف، الآية 96.
4 النوري، الميرزا حسن، مستدرك وسائل الشيعة، ج5، ص178، ح1، باب استحباب الدعاء عند الخوف.
 
 
 
119

99

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 يذنب ذنباً يستحق السلب"1.

 
وقد ورد في بعض الروايات أن بعض الذنوب قد توجب حبس المطر ومن هنا تحدّث الفقهاء عن استحباب صلاة الاستسقاء ومن ضمن آدابها ومستحباتها خروج الناس كافّة إلى الصلاة.
 
3- نقصان العمر وموت الفجأة:
إن من آثار الذنوب أيضاً موت الفجأة، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة..."2، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إن موت الفجأة تخفيف عن المؤمن وأخذة أسف عن الكافر"3. إنّ الذنوب بشكل عام ممحقة لبركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العمل. وقد تحدّثت بعض الروايات عما يوجب زيادة العمر والرزق ونقصانها وعدم البركة فيها كالبرّ بالوالدين وعقوقهما، وصلة الرحم وقطيعتها. فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالآجال، ومن يعش بالإحسان أكثر ممن يعيش بالأعمار"4
 
آثار الذنوب في عالم البرزخ:
البرزخ في اللغة: "الحاجز بين الشيئين والمانع من اختلاطهما وامتزاجهما"5، وقد جاء ذكر البرزخ في القرآن في ثلاثة مواضع كلها بالمعنى اللغوي المتقدم، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾6، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾7، ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾8، فالقرآن



1  الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج2، ص274، ح 24، باب الذنوب.
2 الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج1، ص 374، ح2، باب مجالسة أهل المعاصي.
3 الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج2، ص 112، ح5، باب علل الموت.
4  م.ن، ج5، ص140، ح6، باب الآجال.
5  راجع، الطريحي، مجمع البحرين، ج1، ص 186، ب رزخ.
6 سورة الرحمن، الآيتان 19-20.
7 سورة الفرقان، الآية 53.
8 سورة المؤمنون، الآية 100.
 
 
120

100

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 الكريم أراد من هذا الاستخدام للفظ البرزخ أن يوصل لنا أن هناك عالماً آخر يفصل بين الدنيا والآخرة ولا بد للإنسان أن يمرّ به كمقدمة ليوم القيامة. وفي الروايات ورد أن البرزخ هو القبر وأنه عالم الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة، روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: "البرزخ القبر وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة"1.

 
ومن أهم آثار الذنوب وتأثيرها على الحياة البرزخية:
1- سكرات الموت وشدة النزع: 
قال تعالى: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. إن هذه العقبة صعبة جداً فشدائدها تحيط بالمحتضر من جميع الجهات، أهمها هول حضور ملك الموت وبأي صورة وهيئة سوف يجيء به وبأي نحو سوف يقبض روحه2.
 
فملك الموت عزرائيل عليه السلام لا يأتي بصورة واحدة لكل الناس، فهو يأتي إما بصورة قبيحة، وإما بصورة جميلة، وشدة قبح صورته، أو شدة جمالها مرتبط بأعمال الإنسان، فإذا كانت أعماله صالحة أتاه الملك بصورة جميلة، وإذا كان مبتلى بالرذائل والمعاصي أتاه الملك بصورة قبيحة. روي عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: "ما من الشّيعة عبد يقارف أمراً نهيناه عنه فيموت حتّى يُبتلى ببليّة تُمحَّصُ بها ذنوبه إمّا في مالٍ وإمّا في ولدٍ وإمّا في نفسه حتّى يلقى الله عزّ وجلّ وما له ذنبٌ وإنّه ليبقى عليه الشّي‏ء من ذنوبه فيُشدَّدُ به عليه عند موته"3
 
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشبّه فيه الموت بالمصفاة فيقول: "...الموت هو المصفاة تصفّي المؤمنين من ذنوبهم فيكون آخر ألم يصيبهم كفّارة آخر وزرٍ بقي عليهم وتصفّي الكافرين من حسناتهم فيكون آخر لذّة أو راحة تلحقهم هو



1  الحويزي، نور الثقلين، ج3، ص 553، ح122.
2 راجع، الشيخ عباس القمي، منازل الآخرة، ص 107(بتصرف).
3 العلامة المجلسي، بحار الأنوار،ج6،ص157.
 
 
121

101

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 آخر ثواب حسنة تكون لهم..."1.

 
وعليه إنّ قبض روح الإنسان شدة أو ضعفاً، وصورة الملك قبحاً وحسناً مرتبط بطبيعة الأعمال في نشأة الدنيا والتي تظهر آثارها البرزخية من لحظة النزع وتستمر في كل عقبات البرزخ، فالإنسان لحظة سكرات الموت والاحتضار يشاهد صور أعماله وآثارها. 
 
2- وحشة القبر وغربته: 
عن أمير المؤمنين عليه السلام "ما بعد الموت لمن لا يُغفر له أشدّ من الموت القبر فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته"‏2.
 
وحشة القبر هي أوّل المنازل التي يمر بها الإنسان وقد عبّر عنها في الروايات بتعابير متعدّدة من قبيل: غم القبر وضيق القبر وظلمة القبر ووحشة القبر3
 
ولهذا ورد في الروايات الكثير من الأعمال التي تخفّف من أهوال القبر ووحشته، منها: 
أ - استحباب التمهّل في إنزال الميت إلى قبره، حيث روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "وإذا حُمل الميت إلى قبره فلا يفاجأ به القبر لأن للقبر أهوالاً عظيمة ويتعوّذ حامله بالله من هول المطلع ويضعه قرب شفير القبر ويصبر عليه هنيهة ثم يقدمه قليلاً ويصبر عليه هنيهة ليأخذ أهبته ثم يقدمه إلى شفير القبر"4.
 
ب - ومنها ما روي أن السيدة الزهراء عليها السلام لما احتضرت أوصت أمير المؤمنين عليه السلام فقالت: "إذا أنا مت فتولى أنت غسلي وجهزني وصلّي علي وأنزلني قبري وألحدني وسوّي التراب علي واجلس عند قبالة وجهي فأكثر من تلاوة القرآن



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار،ج6،ص153.
2 العلامة المجلسي، بحار الأنوار،ج6،ص218.
3 الشيخ الطوسي محمد بن الحسن، مصباح المتهجد، ص 562.
4 الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ح498، ص 170.
 
 
 
122

102

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 والدعاء فإنها ساعة يحتاج الميت فيها إلى أنس الأحياء"2.

 
والوحشة ليست هي لزاماً حال جميع الناس، بل هناك فئة من الناس يأمنها الله منها كما في الدعاء عن الإمام زين العابدين عليه السلام: "اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد واجعلني وجميع إخواني بك مؤمنين وعلى الإسلام ثابتين ولفرائضك مؤدّين...وعند معاينة الموت مستبشرين وفي وحشة القبر فرحين وبلقاء منكر ونكير مسرورين وعند مساءلتهم بالصّواب مجيبين..."2
 
3- ضغطة القبر:
إن ضغطة القبر تعني التضييق على الميت وإن طبيعة الأعمال هي التي تحدّد شدّة هذا الشعور بالضيق والأذى في عالم البرزخ، وهي تحدد أيضاً أمد استمرار هذه الضغطة التي قد تكون شعوراً وأذى روحياً مؤقتاً تزول بعد حين وقد تستمر أمداً طويلاً وقد تبقى إلى البعث والنشور. فليس من الصحيح ما يتصوره بعض الناس من أن ضغطة القبر تحصل في بداية دخول الإنسان في عالم البرزخ، إذ المستفاد من النصوص الشريفة أنها قد تستمر وقد تنقطع ثم تعود نتيجة لأعمال الناس في الدنيا أو نتيجة لعوامل خارجية تطرأ لاحقاً كاستغفار ابن لأبيه يرفع عنه ضغطة القبر أو وقوع أحد الذين أضلهم بغير علم في متاهات عقائدية أو سلوكية فتنعكس على الإنسان وهو في عالم البرزخ.
 
وقد ورد في الروايات أن الميت يتعرض إلى ضغطة القبر أو ضمّة الأرض إلى الحد الذي تفري لحمه وتطحن دماغه وتذيب دهونه وتخلط أضلاعه، غير أن هذه الضغطة حسب الروايات درجات في الشدة والألم وهي متناسبة تماماً مع عمل المؤمن ودينه في عالم الدنيا، وقلّما يسلم منها أحد إلا من استوفى شروط الإيمان وبلغ درجات الكمال. روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "سأله أبو بصير: أيفلت من



1 الشيخ عباس القمي، الأنوار البهية، فصل في وفاة فاطمة عليه السلام ، ص 60.
2 الإمام زين العابدين عليه السلام الصحيفة السجادية، ص 492، دعاؤه عليه السلام في المناجاة.
 
 
123

103

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 ضغطة القبر أحد؟ فقال عليه السلام: نعوذ بالله منها ما أقل من يفلت من ضغظة القبر"1

 
وقد تعرَّض لضغطة القبر الصحابي الجليل سعد بن معاذ قدس سره، حيث جاء في الروايات أنه لما حمل على سريره شيَّعته الملائكة وكان صلى الله عليه وآله وسلم قد تبعه بلا حذاء ولا رداء حتى لحده وسوَّى اللُبن عليه، فقالت أم سعد: "يا سعد هنيئاً لك الجنة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: يا أم سعد مه، لا تجزمي على ربك فإن سعد قد أصابته ضمة، وحينما سُئل عن ذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنه كان في خلقه مع أهله سوء"2.
 
وروي عن الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة أنه قال: "وبادروا الموت في غمراته، وامهدوا له قبل حلوله، وأعدوا له قبل نزوله، فإن الغاية القيامة، وكفى بذلك واعظاً لمن عقل، ومعتبراً لمن جهل، وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس3 وشدة الإبلاس وهول المطلع، وروعات الفزع، واختلاف الأضلاع4، واستكاك الأسماع وظلمة اللحد5 وخيفة الوعد، وغمّ الضريح6، وردم الصفيح7..."8.
 
وينبغي الإشارة إلى أن ضغطة القبر على المؤمن لو حصلت فهي من باب تطهيره من الذنوب المتبقية في عالم الدنيا فيخرج نقياً إلى عالم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ضغطة القبر للمؤمن كفارة لما كان منه من تضييع النعم"9.



1 الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج3، ص 236.
2 الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ص 309، ح4.
3 الأرماس: جمع الرمس وهو القبر والإبلاس: اليأس والانكسار والحزن.
4 اختلاف الأضلاع: كناية عن ضغطة القبر إذ يحصل بسببها تداخل الأضلاع واختلافها.
5 اللحد: في الجانب.
6 الضريح الشق في وسط القبر.
7 الصفيح: الحجر. والمراد بردمه هنا سد القبر به.
8 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج60، ص، 244.
9  العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج6، ص 221، ح16، باب أحوال البرزخ والقبر...
 
 
 
124

104

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 ومن الأعمال المؤدية إلى ضغطة القبر بحسب ما ورد في الروايات: النميمة والغيبة، سوء الخلق مع الأهل، التهاون في أمر الطهارة والصلاة، ترك خدمة المؤمنين، تضييع النعم الإلهية. عقوق الوالدين، البغي على الناس.

 

 

125


105

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 وقفة تأملية

 
آثار الذنوب في الآخرة
1- استحقاق دخول النار: قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾1. فمن الآثار المعروفة للذنوب والمعاصي أن مرتكبها إذا لم يتب فهو مستحق لدخول النار. وقوله تعالى في آية أخرى يؤكد هذه الحقيقة: ﴿وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾2. إن من الآثار العامة للمعصية يوم القيامة هو استحقاق مرتكبها دخول النار.
 
ورغم أن المؤمن لا يُخلَّد في النار ولكن هذا لا يعني عدم فعلية دخوله إلى النار، فقد ورد في الروايات أن بعض الذنوب توجب تطويل أمد العذاب وأن يعاقب بألوان متعددة وأنّ الشفاعة قد لا تصل إليه إلا بعد مئات السنين، روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "واعلموا أن العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام وأنه لينظر إلى أزواجه في الجنة ليتنعمن"3. والحديث فيه دلالة أن الذنب يمنع من دخول الجنة مدة من الزمن ولا دلالة فيه على أنه في تلك المدة في النار أو في شدائد القيامة.
 
وعن الإمام علي عليه السلام قال: "لا تتكلوا بشفاعتنا فإن شفاعتنا لا تلحق بأحدكم إلا بعد ثلاثمائة سنة"4، والحديث يوضح أن الشفاعة قد تأتي إذا مات المؤمن على التوحيد والنبوة والإمامة ولكن بعد ثلاثمائة سنة ومقدار السنة عند الله يختلف عن مقدارها عندنا.



1  سورة البقرة، الآية81.
2 سورة النمل، الآية90.
3 الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج2، ص 272، ح27، باب الذنوب.
4  العلامة المجلسي، بحار الأنوار ، ج70، ص 3320، ح16، باب إذا أذنب خرج في قلبه كتلة سوداء.
 
 
 
126

106

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

 2- الافتضاح يوم القيامة: قال الله تعالى ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾1. الأشهاد، جمع شاهد وهم الذين يشهدون بالحق للمؤمنين على المبطلين والكافرين يوم القيامة وفي ذلك سرور للمحق وفضيحة للمبطل في ذلك اليوم العظيم.

 
إن الآية تشير إلى معنى دقيق وهو أن يوم الأشهاد هو اليوم الذي يُبسَط فيه الأمر في محضر الله تعالى وتنكشف السرائر والأسرار لكافة الخلائق وهو يوم تكون الفضيحة فيه أفظع ما تكون، ويكون الانتصار فيه أروع ما يكون، إنه اليوم الذي ينصر الله فيه الأنبياء ويزيد في كرامتهم وإنه يوم افتضاح الكافرين وسوء عاقبة الظالمين، ويوم لا يحول شيء دون افتضاح الظالمين أمام الأشهاد2. قيل الأشهاد أربعة: الملائكة، الأنبياء، أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الجوارح3.
 
ولذا ينبغي على الإنسان المؤمن العاقل أن يخاف أهوال ذلك اليوم العظيم وأن يخاف الفضيحة أمام الله ورسله والأمم والناس أجمعين.
 
روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "وأما علامة الموقن فستة: أيقن بالله حقاً فآمن به، وأيقن أن البعث حق فخاف الفضيحة،4 وأيقن بأن الجنة حق فاشتاق إليها،5 وأيقن بأن النار حق فظهر سعيه للنجاة منها،6 وأيقن بأن الحساب حق فحاسب نفسه"7.
 
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في المناجاة الشعبانية "إلهي قد سترت علي ذنوباً في الدنيا وأنا أحوج إلى سترها عليّ منك في الآخرة، إلهي قد أحسنت إذ لم تظهرها لأحد من عبادك الصالحين فلا تفضحني يوم القيامة على رؤوس الأشهاد...".



1 سورة غافر، الآية 51.
2 راجع، الشيخ ناصر، مكارم الشيرازي، الأمثل، ج 15، ص 283 (بتصرف).
3 (م.ن)، ج22، ص، 442.
4 في دار الآخرة، وفي يوم تبلى السرائر فلم يعمل ما يوجب الفضيحة.
5 بفعل الخيرات والمبرات، وباكتساب ما يوجب دخول الجنان والبعد عن النيران.
6 بالابتعاد عن الذنوب.
7 الحراني، ابن شعبة، تحف العقول، ص، 20، حكمة صلى الله عليه وآله وسلم وكلامه وموعظته.
 
 
127

107

الدرس الحادي عشر: الحياة المؤقّتة والحياة الدائمة

 الدرس الحادي عشر: الحياة المؤقّتة والحياة الدائمة




مفاهيم محورية:
• في رحاب الموعظة. 
• عالم المادة محدود بأجل معيّن. 
• قصّة النبي سليمان عليه السلام مع الرجل الخائف وملك الموت. 
• حقيقة الموت وسبب خوف الناس منه. 
• الأولياء والصالحون يتمنّون الموت. 
 
 
 
129

108

الدرس الحادي عشر: الحياة المؤقّتة والحياة الدائمة

 تصدير الموعظة:

قال الله الحكيم في كتابه الكريم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾1.
 
في رحاب الموعظة:
تشير الآية الأولى إلى أَنَّ للحياة الدنيا ظاهراً وباطناً، وأنّ ما يعلمه الناس عنها هو الظاهر فقط، بمعنى أنّهم يعلمون الأمور المادّية والقضايا المحسوسة التي لا تخرج عن دائرة الحواس والمدركات الظاهرية. وأمّا باطن هذه الحياة ـ التي هي الآخرة ـ فهم غافلون عنها كليّاً، لأنّهم أَنِسوا بالظاهر وانشغلوا بالمادة واطمأنوا بها، ولم يفكّروا بما وراء هذه الحياة الظاهرية. والحال أَنَّ الله تعالى يصف هذه الحياة في أكثر من آية بأنّها ليست بشيء أمام الآخرة، وليست هي الهدف والغاية من خلق الإنسان، بل ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾2.



1 سورة الروم، الآيتان 7 – 8.
2 سورة الحديد، الآية 20.
 
 
 
131

109

الدرس الحادي عشر: الحياة المؤقّتة والحياة الدائمة

 في حين أَنَّ الآية الثانية تؤنّب الناس وتقرّعهم على اكتفائهم بالعلم الظاهري فقط، وتحثّهم على الخروج من دائرة الحسّ والمادّة، والتفكّر في أنفسهم وفي السبب الذي لأجله وُجدوا في هذه الحياة، وفي السبب الذي خلق الله لأجله السماوات والأرض وما بينهما، وبيّنت بأنّهم لم يفكروا بأيّ شيء وراء ما يرونه ويشاهدونه بحواسهم ويباشرونه بأنفسهم. حيث تعتبر أَنَّ عدم التفكّر في هذه الأمور تجعل الناس في غفلة عن لقاء الله تعالى، وفي غفلة عمّا وراء هذا العالم.

 
الله تعالى يبيّن بأنّه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما إلا بالحق، فهو يقول في مكان آخر: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ *  مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾1. إذاً، هناك غاية وحكمة من خلق السماوات والأرض وما بينهما، وعلينا أن نعيش في هذه الدنيا للوصول إليها، لا أن نمرّ عليها دون التفات ودون معرفة، فنكون من مصاديق الآية الكريمة: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾2.
 
عالم المادّة محدود بأجل معيّن:
ومن جهة أخرى تبيّن هذه الآية أَنَّ خلق عالم المادّة له أجل معيّن ووقت محدّد لا يمكن أن يتجاوزه، وهذا حال جميع الموجودات المادّية والطبيعية التي تخضع لقانون المادة، فإنّها لا تستطيع أن تخرج على هذا القانون العام وتبدّل زوالها وفناءها ومحدوديّة أجلها ومدّة حياتها إلى حيثية البقاء والدوام والاستمرار والخلود، وهذه الحقيقة مستفادة من الكثير من الآيات، من قبيل: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾3، و ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾4.



1 سورة الدخان، الآيتان 38 – 39.
2 سورة يوسف، الآية 105.
3 سورة الضحى، الآية 4.
4 سورة الأعلى، الآية 17.
 
 
 
132

110

الدرس الحادي عشر: الحياة المؤقّتة والحياة الدائمة

 والإنسان بصفته موجوداً مادّياً فهو غير خارج عن هذا القانون، إذ سوف ينتقل إلى عالم آخر، ولن يبقى في هذه الدنيا، حيث تشير هذه الآية إلى ذلك: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾1.

 
والإنسان مهما عمل لا يمكنه تغيير هذا الواقع أو الفرار منه، لذا يقول أمير المؤمنين عليه السلام بعدما ضُرب الضربة التي استشهد بها، ضمن خطبة له: "أيُّهَا النَّاسُ، كُلُّ امْرِئٍ لَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ في فِرَارِهِ، والأجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ إلَيْهِ، والْهَرَبُ مِنْهُ مُوافَاتُهُ"2.
 
لذا عليه أن يعمل لذاك اليوم الذي لا مفرّ منه، ولن ينجو منه أحد، حتى الأنبياء والرسل والمقربين من الله تعالى، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾3.
 
قصّة النبي سليمان عليه السلام مع الرجل الخائف وملك الموت‏:
قيل إنّ رجلًا فزعاً جاء صباح يوم إلى النبي سليمان (على نبيّنا وآله‏ وعليه الصّلاة والسلام)، فلمّا شاهد سليمان اصفرار وجهه وازرقاق شفاهه من شدّة الخوف والهلع، سأله: ما بالك أيُّها المؤمن؟ وما علّة خوفك وفزعك؟!
أجاب الرجل: لقد نظر إليّ عزرائيل نظر غضب وعجب، فأفزعني ذلك كما ترى.
فقال سليمان: وما هي حاجتك الآن؟
قال: يا نبي الله، الريح طوع أمرك، فمُرها لتأخذني إلى الهند، لعلّني أنجو هناك من براثن عزرائيل.



1 سورة الأعراف، الآية 34.
2 الكُلَيْني، مُحَمَّد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 299، ح 6، تصحيح وتعليق على أكبر غفاري، الطَّبعة الثّالثة 1367ش، دار الكتب الإسلاميَّة، طهران.
3 سورة الرحمن، الآيتان 26 – 27.
 
 
133

111

الدرس الحادي عشر: الحياة المؤقّتة والحياة الدائمة

 فأمر النبي سليمان الريح لتحمله على وجه السرعة إلى الهند. وفي اليوم التالي، جلس سليمان في مجلسه، فجاء عزرائيل لرؤيته، فقال له: يا عزرائيل، لماذا نظرتَ إلى ذلك العبد المؤمن نظرة مغضب فدفعتَ بذلك المسكين الفزع إلى الفرار من أهله وبيته إلى ديار الغربة؟


فقال عزرائيل: لم أنظر إليه نظرة مغضب قطّ، ولقد أساء الظنّ بي، فقد كان الربّ ذو الجلال أمرني بقبض روحه في الهند في الساعة الفلانيّة، فوجدته هنا قريباً من تلك الساعة، فتعجّبت ودهشت من ذلك وتحيّرت في أمري، فخاف ذلك الرجل من تحيّري وظنّ خطأ أني أريد السوء به. لقد كان الاضّطراب من جهتي أنا، وكنتُ أحدّث نفسي: لو امتلك هذا الرجل ألف جناح لما أمكنه الطيران بها، والذهاب إلى الهند في هذا الزمن القصير، فكيف سأنجز هذه المهمّة التي أوكلها الله لي؟

ثم قلتُ لنفسي: فلأذهب كما أمرت، فليس ذلك من شأني. وهكذا فقد ذهبتُ بأمر الحقّ إلى الهند ففوجئتُ به هناك فقبضتُ روحه‏.

من خلال هذه القصّة نعرف مراد أمير المؤمنين عليه السلام بقوله المتقدّم: "أيُّهَا النَّاسُ، كُلُّ امْرِئٍ لَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ في فِرارِهِ".

حقيقة الموت وسبب خوف الناس منه:
لا شكّ في أَنَّ الموت ليس كما يتصوّر الناس بأنّه عبارة عن فناء وانعدام وانحلال، كما يحصل للجسم العضوي، بل هو انتقال من عالم إلى عالم أعلى وأسمى، لذا يعتبر الفلاسفة أَنَّ النفس الإنسانية لا تفنى بالموت، بل تترك علائق المادّة التي لحقت بها، وتتجرّد عنها، وتنتقل من عالم الطبع إلى عالم المثال. وفي هذا الصدد يقول ابن سينا:

"وأمّا من يخاف من الموت، فلأنّه لا يعلم أين ستكون عودته ورجوعه، أو لأنّه يظنّ أنّ ذاته ستنحلّ، ونفسه وحقيقته ستبطل بانحلال بدنه وبطلان تركيبه،
 
 
 
134

112

الدرس الحادي عشر: الحياة المؤقّتة والحياة الدائمة

 فهو يجهل بقاء نفسه، ولا يعلم كيفية المعاد، فهو في الواقع لا يخاف من الموت، بل يجهل أمراً كان حريّاً به أن يعلمه. وعلّة خوفه إنّما هي جهله، هذا الجهل الذي دفع بالعلماء إلى طلب العلم ومشقّة سبيله، وجعلهم يتركون لذّات الجسم وراحة البدن في سبيله".

 
وسُئل الإمام الحسن المجتبى عليه السلام فقيل له: "مَا بَالُنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ وَلَا نُحِبُّهُ؟ قَالَ فَقَالَ الْحَسَنُ عليه السلام: لِأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمْ آخِرَتَكُمْ وَعَمَّرْتُمْ دُنْيَاكُمْ، وأَنْتُمْ تَكْرَهُونَ النُّقْلَةَ مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ"1.
 
الأولياء والصالحون يتمنّون الموت:
لقد جعل القرآن المعيار في إيمان الإنسان أو عدم إيمانه هو حبّه للموت أو فراره منه، فقد ورد في خطاب الله تعالى لليهود: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ﴾2.
 
وفي مورد آخر يوجّه خطابه للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾3.
 
وأمّا الإنسان الذي علم حقيقة الموت، وأنّه تحرير لروحه ونفسه من قفص الدنيا والمادة، وعمل صالحاً، ولم يتجاوز على حقوق الآخرين، ولم ينحرف عن مقام عبوديّته لله سبحانه، فسوف تحصل لديه حالة ارتباط بالله ومعرفة له. وهذا الأنس والعلاقة سيوجبان محبّته ونزوعه إلى لقائه والنظر إليه عزّ وجل. وباعتبار أنّ الموت



1 الشَّيْخ الصدوق، مُحَمَّد بن علي، معاني الأخبار، ص 390، باب: معنى العروة الوثقى، تصحيح وتعليق: على أكبر غفاري، نشر: مؤسسة النّشر التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، 1379ه.
2 سورة البقرة، الآيتان 94 – 95.
3 سورة الجمعة، الآيتان 6 – 7.
 
 
 
135

113

الدرس الحادي عشر: الحياة المؤقّتة والحياة الدائمة

 يمثّل جسر العبور للّقاء والوصال، فإنّ المؤمن ينبغي أن يكون عاشقاً للموت ومنتظراً له بفارغ الصبر، لأنّ عاشق الحبيب يعشق أيضاً الطريق الذي يقوده إليه، وهذا ما تشير إليه الآيتان المتقدمتان، ومن هنا ينقل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه كان يقول: "وَاللهِ لَابْنُ أبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي أمِّهِ"1.

 
وذكر الزُّهْرِيّ حكاية عن الإمام عليه السلام: "وَكَانَ أمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عليه السلام يَسْتَبْطِئُ الْقَاتِلَ فَيَقُولُ: مَتَى يُبْعَثُ أشْقَاهَا"2.
 
وأورد ابن سعد في الطبقات عن محمّد، عن عبيدة، قال: قَالَ عَلِيٌّ: "مَا يَحْبِسُ أشْقَاكُمْ أنْ يَجِي‏ءَ فَيَقْتُلُنِي، اللَهُمَّ قَدْ سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمْونِي، فَأرِحْهُمْ مِنِّي وَأرِحْنِي مِنْهُمْ"3.
 
لذا، فقد نادى حين هوى سيف ابن ملجم المرادي على رأسه الشريف: "بِسمِ اللهِ وَبِاللهِ، وَعلى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"4.
 
وينقل عن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال يوم عاشوراء:
تَرَكْتُ الْخَلْقَ طُراً فِي هَواكَ         وَأَيْتَمْتُ الْعِيَالَ لِكَي أَرَاكَ
فَلَوْ قَطَّعْتَنِي فِي الحُبِّ إِرَباً         لَما حَنَّ الْفُؤادُ إِلَى سِوَاكَ
 
وهذا ما فعله أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، عندما سُئِلوا عن الموت فداء لأبي عبد الله عليه السلام ، حيث أجاب كلٌّ منهم بجواب يكشف فيه عن رغبته في الموت واشتياقه إليه.



1 الشريف الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، نهج البلاغة، ص 19، تحقيق وتصحيح: عزيز الله العطاردي، نشر: مؤسّسة نهج البلاغة، الطبعة الأولى 1414هـ، قم المقدسة.
2 سبط ابن الجوي، تذكرة الخواص، ص 100، الطبعة الحجرية.
3 ابن سعد، مُحَمَّد، الطَّبقات الكبرى، ج 3، ص 34، دار صادر، بيروت.
4  العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 41، ص 2.
 
 
 
136

114

الدرس الحادي عشر: الحياة المؤقّتة والحياة الدائمة

 وقفة تأملية

 
من مفاسد حبّ الدنيا
"ومن المفاسد الكبيرة لحب الدنيا - كما يقول الإمام الخميني قدس سره - أنّه يمنع الإنسان من الرياضات الشرعية والعبادات والمناسك، ويُقوّي جانب الطبيعة في الإنسان بحيث يجعلها تعصي الروح وتتمرّد عليها ويوهن عزم الإنسان وإرادته، مع أنّ من أكبر أسرار العبادات والرياضات الشرعية هو أن تجعل الجسم وقواه الطبيعية تابعة ومنقادة للروح بحيث يكون للإرادة دوراً مؤثّراً في الجسم ويخضع الجسم لأوامر الإرادة فيعمل ما تشاء، ويمتنع عمّا تشاء، ويصبح مُلك الجسم وقواه الظاهرة مقهوراً ومسخّراً للملكوت بحيث إنّه يقوم بما يريد من دون مشقة ولا عناء"1.



1 الإمام الخميني قدس سره، الأربعون حديثاً، ص198.
 
 
 
137

115

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح




مفاهيم محورية:
• ما هي التوبة النَّصوح؟ 
• فضل التوبة النَّصوح. 
• التوبة واجبة على الجميع. 
• شرائط التوبة النَّصوح. 
• كيفية التوبة النَّصوح. 
• دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المفتوحة للتوبة. 
 
 
 
139

116

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 تصدير الموعظة:

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾1.
 
مـدخـل:
التوبة باب الله الآمن، الذي فتحه الله إلى ساحة عفوه "إلهي أنت الذي فتحت لعبادك باباً إلى عفوك سمّيته التوبة"2، والذي تركه الله تعالى مفتوحاً بالليل والنهار، ملجأً ومأوىً لعباده الهاربين من واقعهم المنحرف ليدخلوه متى أرادوا، بمجرّد أن يتولَّد عندهم رغبة مخلصة في التطهُّر من دنس الخطايا والذنوب والمعاصي.
 
والتوبة دعوة ربّانية مفتوحة وموجّهة لكل المذنبين في الأرض، والمذنبون جميعاً مدعوون لقبول هذه الضيافة الإلهية، من أجل أن يضعوا حدّاً لفسادهم وغيِّهم 



1 سورة التحريم، الآية 8.
2 الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، مناجاة التائبين.
 
 
 
141

117

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 وتساقطهم وراء الملذّات الدنيوية الرخيصة، وأن لا ييأسوا من رحمة الله. يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾1.

 
ما هي التوبة النَّصوح:
تتضمّن الآية الكريمة - المذكورة في تصدير الموعظة - حثّ صريح على التوبة النصوح، والتوبة النصوح أعلى درجات التوبة أو التائبين، بعد الدرجات الأولى للتوبة من ترك الذنوب مدّة أو ترك الكبائر. ولهذا كان من الضروري توضيح معناها: فالنصح يأتي لغة بمعنى: "الإخلاص، نحو نصحت له الود أي أخلصته"2، فالتوبة النصوح هي التي تصرف صاحبها عن المعصية، وتخلِّصه من الرجوع إلى الذنب وذلك بتحرّي جميع الطرق التربوية التي تصدّه عن المعصية.
 
ومعناها حسب ما ورد في الروايات عن أهل البيت عليهم السلام هي التوبة التي لا يعود فيها التائب إلى الذنب الذي تاب عنه، على ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام.
 
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه خطب يوماً بالمسلمين فقال: "أيها الناس توبوا إلى الله توبة نصوحاً قبل أن تموتوا بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا..."3.
 
وعن أبي بصير قال: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ قال: هو الذنب (أي التوبة من الذنوب) الذي لا يعود فيه أبداً، قلت وأيّنا لم يعد؟ فقال: يا أبا محمد إن الله يحبُّ من عباده المفتتن التوّاب"4.
 
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام يَقُولُ: "إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً 



1 سورة الزمر، الآية 53.
2 الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 808، مادة نصح تحقيق صفوان عدنان داوودي، الناشر طليعة النور، مطبعة سليمان زادة، ط 2، 1427ه.
3 الديلمي، إرشاد القلوب، ج 1، ص 45.
4 الشيخ الكليني، أصول الكافي / ج 2، ص 432.
 
 
 
142

118

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 نَصُوحاً أَحَبَّهُ الله فَسَتَرَ عَلَيْهِ فَقُلْتُ وَكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ قَالَ يُنْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَانَا يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ وَيُوحِي الله إِلَى جَوَارِحِهِ وَإِلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ أَنِ اكْتُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ فَيَلْقَى الله عَزَّ وَجَلَّ حِينَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ شَيْ‌ءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الذُّنُوبِ"1.

 
فحقيقة التوبة النصوح أرقى بدرجات من التوبة التي يعود فيها الإنسان إلى الذنوب، وبالتالي فإنّ أثرها يختلف عن آثار التوبة العادية، كما أَنَّ شروطها كذلك.
 
وهذا الأمر بقدر ما يستبطن من الصعوبات، فإنّه في الوقت نفسه له آثارٌ عظيمة في حياة الإنسان، خصوصاً الشباب.
 
فضل التوبة النصوح:
أولاً: إِنَّ أعظم فضل للتوبة أنّها سبب لمحبة الّربِّ للعبد التائب. وفرقٌ بين أنْ نقول: (إنَّها سببٌ لمحبة الرب للعبد) و (إِنَّها سبب لمحبة العبد للرب)، فمن أنا ليحبّني الملك الجبار؟!
 
روى الكليني بإسناده إِلَى حَمَّادِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: "مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ أَرْصَدَ لِمُحَارَبَتِي وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ بِشَيْ‌ءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْ‌ءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَنْ مَوْتِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ"2.
 
ماذا لو أحبّك الله؟!
فلنستمع إِلَى صوت الحقّ والحقيقة من خلال ما روي: "إذا أحبَّ اللهُ مؤمناً قال لجبرائيل: إنِّي أحببتُ فلاناً فأحبّه في حبّه ثمّ ينادي في السماء إِنَّ اللهَ يحبُّ



1 الكُلَيْني، مُحَمَّد بن يعقوب، الكافي، ج 2، ص 436، باب: بناء التوبة، ح 12، تصحيح وتعليق على أكبر غفاري، الطَّبعة الثّالثة 1367ش، دار الكتب الإسلاميَّة، طهران.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 352.
 
 
 
143

119

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 فلاناً فأحبّوه، ثمّ يوضع له قبول في أهل الأرض"1.

 
بعض النّاس في هذه الحياة الدُّنيا يسعد لو كان محبوباً من قِبَلِ زعيمٍ أو مسؤول، فماذا ترى المؤمن يعمل لو كان محبوباً من قِبَل ربّ الأرض والسماء، فيا لها من سعادةٍ ما بعدها سعادة...
 
ثانياً: أنّها سببٌ لفرح الربّ بالعبد، وإِنَّه فرحٌ لا يلازم التشبيه ولا التجسيم ولا التمثيل...فعن عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ وَزَادَهُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ فَوَجَدَهَا فَالله أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ حِينَ وَجَدَهَا"2.
 
ما أروع هذا التشبيه! تصوّروا لو أَنَّ رجلاً يركب دابةً، قد أودعها من صنوف الطعام والشراب والمؤونة التي يحتاج إليها في طريقه الطويل الموحش، وعندما نزل ليستريح في تلك الأرض القاحلة فقد الدابة وما عليها من زادٍ ومؤونة. وبعد بحث طويل قد أضناه واتبعه، استسلم لقدره ظمآنَ جائعاً، وعندما وصل للرمق الأخير، فإذا به يرى من بعيد تلك الدابة تعود إليه، لتعطيه الحياة ثانيةً. لا شكّ أَنَّ هذا التشبيه بأمرٍ حسّيٍّ يوصل إِلَى أذهاننا ما قصده الإِمام عليه السلام من بيان الفرح والسرور الرباني عند توبة عبده وإيابه إليه.
 
ثالثاً: أنّها سبب لنور القلب ومحو أثر الذنب، يا له من فضل!! التوبة سبب لنور القلب ومحو أثر الذنب، فلينتبه كلّ مؤمن وكل مؤمنة، فإنّه لا يستغنى عن هذا الموضوع عالم أو حاكم رجل أو امرأة شاب أو شابة، فكلّنا بحاجةٍ إلى التوبة وخصوصاً التوبة النصوح.



1 العاملي الناباطي، علي بن يونس، الصّراط المستقيم إِلَى مستحقي التقديم، ج 2، ص 67، تصحيح: مُحَمَّد باقر البهبودي، الطبعة الأُولى 1384، نشر: المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 435.
 
 
 
144

120

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 إنّ صدق التائب مع الله في توبته يطهّره من كلّ ذنبٍ مهما كَبُر أو صَغُر، فقد روى الديلمي في إرشاد القلوب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،أنّه قال: "إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَ نُقْطَةً سَوْدَاءَ عَلَى قَلْبِهِ فَإِنْ هُوَ تَابَ وَأَقْلَعَ وَاسْتَغْفَرَ صَفَا قَلْبُهُ مِنْهَا وَإِنْ هُوَ لَمْ يَتُبْ وَلَمْ يَسْتَغْفِرْ كَانَ الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ وَالسَّوَادُ عَلَى السَّوَادِ حَتَّى يَغْمُرَ الْقَلْبَ فَيَمُوتُ بِكَثْرَةِ غِطَاءِ الذُّنُوبِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾"1.

 
فمثل الذُّنوب كمثل سحابةٍ كثيفةٍ مظلمةٍ، تحجب بمرورها ضوء القمر عن الأرض، فإذا انقشعت عاد النّور ساطعاً. فالذنوب كالسحابة، والاستغفار يمثّل حالة انقشاعها.
 
التوبة واجبة على الجميع:
إذا أقدم الإنسان على المعصية، وكان بالغاً عاقلاً عالماً بحرمة ما ارتكبه غير مضطّر إليها ولا مجبر عليها، يعتبر حينئذٍ عاصياً وتصبح التوبة واجبة عليه. 
 
روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "التوبة حبل الله ومدد عنايته، ولا بد للعبد من مداومة التوبة على كل حال، وكل فرقة من العباد لهم توبة، فتوبة الأنبياء من اضطراب السر، وتوبة الأولياء من تلوين الخطرات، وتوبة الأصفياء من التنفيس، وتوبة الخاص من الاشتغال بغير الله تعالى، وتوبة العام من الذنوب، ولكل واحد منهم معرفة وعلم في أصل توبته ومنتهى أمره وذلك يطول شرحه ها هنا.."2.
 
أدلة وجوب التوبة: 
وهو المستفاد من النصوص الشرعية، فقد جاء في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على وجوب التوبة على المذنبين، فقد تظاهرت وتضافرت أدلّة القرآن الكريم



1 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 11، ص 333.
2 مصباح الشريعة. منسوب للإمام الصادق عليه السلام ص 97.
 
 
 
145

121

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 والسنة الشريفة على ضرورة التوبة لكلّ مكلّف لم يعصمه الله من الخطأ، لأنَّ المؤمن لا يخلو من معصية ظاهرة أو باطنة. ومن أجل ذلك وجب عليه أن يجدّد التوبة والأوبة إلى الله بعدد أنفاس حياته حتى يلقى الله عز وجل وهو على توبة ، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾1.

 
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾2.
 
فيظهر من هاتين الآيتين توجيه الخطاب إلى المذنبين من المؤمنين. أما المجرمون ونحوهم فإن الله سبحانه كثيراً ما كان يحذرهم في آياته عذاباً أليماً وينذرهم عاقبة أعمالهم السيئة، ثم يدعوهم إلى التوبة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾3.
 
ومما يدلّ على الوجوب أيضاً قوله جلّ وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾4.
 
فالأمر واضح الظهور في الوجوب، وقد ربط الله تعالى الفلاح بالتوبة وفي آيةٍ أخرى يقول جل وعلا: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾5.
 
وفي مجمع البيان أَنَّه قد صحّ الحديث بالإسناد عن حذيفة بن اليمان، قال: "كنت رجلاً ذرب اللسان على أهلي فقلت: يا رسول الله إنّي لأخشى أن يُدخلني لساني النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فأين أنت من الاستغفار؟ إنّي لأستغفر الله في اليوم مائة مرة"6. فانظر إِلَى نبيّنا وحبيبنا وهو المعصوم يستغفر الله في اليوم مائة مرّة.



1 سورة النور، الآية 31.
2 سورة التحريم، الآية 8.
3 سورة البروج، الآية 10.
4 سورة النور، الآية 31.
5 سورة الحجرات، الآية 11.
6 أمين الإسلام الطّبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 9، ص 171، الطبعة الأُولى 1415، نشر: مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
 
 
 
146

122

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 إن كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر كلّ هذه المرات وهو من هو، فحريٌّ بالمسلم الَّذِي لا ينفك عن معصيةٍ صغرت أم كبرت، أنْ يحتاج إلى التوبة بعدد أنفاس حياته في هذه الدنيا.

 
يقول الشاعر:
دَعْ عَنْكَ مَا قَدْ فَاتَ فِي زَمَنِ الصِّبا           وَاذْكُرْ ذُنُوبَكَ وَابْكِها يَا مُذْنِبُ
لَمْ يَنْسَهَا الملكَانِ حِينَ نَسِيتَها               بَلْ أَثْبَتاها وَأَنْتَ لَاهٍ تَلْعَبُ
وَالرُّوحُ مِنْكَ وَدِيعَةٌ أُودِعْتَها                   سَتَرُدُّهَا بِالرّغْمِ مِنْكَ وَتُسْلَبُ
وَغُرُورُ دُنْيَاكَ التي تَسْعَى لَهَا                  دَارٌ حَقِيقَتُها مَتَاعٌ يَذْهَبُ
الْلَّيْلُ فَاعْلَمْ والنَّهَارُ كِلَاهُما                    أَنْفَاسُنَا فِيهِما تُعَدُّ وَتُحْسَبُ
 
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾1.
 
وفي الخبر: "إِنَّ الله تَعَالَى أَنْزَلَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ الْمُنْزَلَةِ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ وَأَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي فَمَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً وَمَنْ أَتَانِي مَشْياً أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً وَمَنْ أَتَانِي بِقِرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً أَتَيْتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئاً‌"2.
 
فيا أيها المؤمن! هيّا إلى هذا الفضل العظيم، فوالله لو عرفت فضل التوبة ما تركتها طرفة عين، فكيف بالتوبة النصوح؟!
قال أمير المؤمنين عليه السلام: "مَنْ أُعْطِيَ أَرْبَعاً لَمْ يُحْرَمْ أَرْبَعاً مَنْ أُعْطِيَ الدُّعَاءَ لَمْ 



1 سورة الزمر، الآية 53.
2 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 5، ص 298.
 
 
 
147

123

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ وَمَنْ أُعْطِيَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمِ الْقَبُولَ وَمَنْ أُعْطِيَ الِاسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمِ الْمَغْفِرَةَ وَمَنْ أُعْطِيَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمِ الزِّيَادَةَ"1.

 
فتوى الفقهاء: 
قال لإمام الخميني قدس سره: "من الواجبات التوبة من الذنب، فلو ارتكب حراماً أو ترك واجباً تجب التوبة فوراً، ومع عدم ظهورها منه أمره بها، وكذا لو شك في توبته، وهذا غير الأمر والنهي بالنسبة إلى سائر المعاصي، فلو شك في كونه مقصِّراً أو علم بعدمه لا يجب الإنكار بالنسبة إلى تلك المعصية، لكن يجب بالنسبة إلى ترك التوبة"2
 
شرائط التوبة النَّصوح:
للتوبة النَّصوح مجموعة من الشرائط لا تتحقّق التوبة دونها:
الشرط الأوّل: الإخلاص، فلا ينبغي للتائب أنْ يتوب لمجرّد الخوف من العذاب والعقوبة، أو مذمّة الناس وخوف الفضيحة، وإنّما يتوب لله تعالى، قال جلّ عزّه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾33، وقال أيضاً ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾4.
 
الشرط الثاني: الإقلاع عن المعاصي والذنوب،فإنّ حقيقة التوبة الرجوع عن الذنب ـ لقبحه ـ إلى الطاعة، فلا يمكن للتوبة أنْ تحصل مع كون المذنب مواظباً على ارتكاب المعاصي واقتراف السيّئات، فعن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "إِنَّ النَّدَمَ عَلَى



1 الشريف الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، نهج البلاغة، ص 431، تحقيق وتصحيح: عزيز الله العطاردي، نشر: مؤسّسة نهج البلاغة، الطبعة الأولى 1414هـ، قم المقدسة.
2 روح الله الموسوي الخميني، تحرير الوسيلة، ج 1، مسألة (5).
3 سورة البينة، الآية 5.
4 سورة الكهف، الآية 110.
 
 
 
148

124

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 الشَّرِّ يَدْعُو إِلَى تَرْكِه"1.

 
الشرط الثالث: المداومة على العمل الصالح، فإنّ مَنْ أقلع عن الذنوب والمعاصي من الطبيعي أن يهوى العمل الصالح ويميل إليه، ويداوم عليه.
 
ولنعتبر بالمثال التالي: إنَّ مَنْ يجمع القمح لوقت الحاجة، لو وضعه في مستودعٍ ملوّثٍ بالحشرات والرطوبة المفسدة، فإنّه إذا جاء وقت الحاجة للاستفادة من القمح المجموع سوف يجده فاسداً، لأنّه لمن ينظّف المخزن. وهكذا الحال بالنسبة لأعمال الخير والفضيلة فإنّها لا تستقرّ في أنفسنا إِلَّا بعد تطهيرها وتنظيفها من رين الذُّنوب السابقة والمواظبة على ملئها بالأعمال الصالحة.
 
الشرط الرابع: ردّ المظالم: فإن كان الذنب متعلّقاً بحقّ عبد من عباد الله فلا بدّ من التحلُّل منه بالكيفية الممكنة.
 
الشرط الخامس: الإكثار من الاستغفار، لما فيه من الخير الكثير والبركة العميمة قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾2، فجعلها الله عِدل الوجود المبارك لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فكما أَنَّ لوجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الحياة الدُّنيا من الخير العميم ورفع العذاب، فإنّ للاستغفار كذلك من الفضل. وكلمة ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ تدلُّ على المداومة والاستمرار في العمل لا فعله دفعة واحدة والانتهاء.
 
الشرط السادس: عدم اليأس من قبول التوبة ورجاء الغفران دائماً، الأمر الذي يحفّز المذنب على مداومة الاستغفار، ورجاء الإجابة.



1 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 427.
2 سورة الأنفال، الآية 33.
 
 
 
149

125

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 كيفية التوبة النُّصوح:

روي أن علياً عليه السلام سمع رجلاً يقول: "أستغفر الله"، فقال عليه السلام له: "ثكلتك أمك أو تدري ما معنى الاستغفار؟ الاستغفار درجة العليين وهو اسم واقع على ست معان:
- الندم على ما مضى. 
- العزم على ترك العود إليه أبداً. 
- أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة. 
- أن تعمد إلى كل فريضة ضيّعتها فتؤدّي حقها. 
- أن تعمد إلى اللحم الذي نبت عليه السحت والمعاصي فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد. 
- أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية. 
- عند ذلك تقول: أستغفر الله"1
 
دعوة رسول الله المفتوحة للتوبة:
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثم قال إنّ السنة لكثير، من تاب قبل أن يموت بشهر تاب الله عليه، ثم قال وإنّ الشهر لكثير، ومن تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه، ثم قال وجمعة كثير، من تاب قبل أن يموت بيوم تاب الله عليه، ثم قال واليوم كثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه، ثم قال من تاب وقد بلغت نفسه هذه وأومأ بيده إلى حلقه تاب الله عليه"2.



1 الشريف الرضي، نهج البلاغة، ج 4، ص 98.
2 الشيخ الكليني، أصول الكافي، ج 2، ص 440.
 
 
150

126

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 وقفة تأملية

 
من معاني التوبة النصوح
معنى التوبة النصوح: نقل العلامة المجلسي قدس سره عن الشيخ البهائي أنه قال: "ثم اعلم أن المفسّرين اختلفوا في تفسير التوبة النصوح على أقوال:
منها: أن المراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى أن يأتوا بمثلها لظهور آثارها الجميلة في صاحبها أو ينصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود إليها أبداً.
ومنها: أن النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه من قولهم عسل نصوح إذا كان خالصاً من الشمع، بأن يندم على الذنوب لقبحها، وكونها خلاف رضى الله تعالى لا لخوف النار مثلاً.
وحكم المحقق الطوسي في التجريد: بأن الندم من الذنوب للخوف من النار، ليس بتوبة.
 
ومنها: أن النصوح من النصاحة وهي الخياطة لأنها تنصح من الدين ما مزقته الذنوب أو يجمع بين التائب وبين أوليائه وأحبائه كما تجمع الخياطة بين قطع الثوب.
ومنها: أن النصوح وصف للتائب وإسناده إلى التوبة من قبيل الإسناد المجازي أي توبة تنصحون بها أنفسكم بأن تأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه حتى تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية. ويكون ذلك بذوب النفوس بالحسرات ومحو ظلمات القبائح بنور الأعمال الحسنة"1.
 
الدليل العقلي على وجوب التوبة
وهو الذي استدل به علماء الأخلاق والفقهاء على وجوب التوبة فوراً على المذنبين وخلاصته: أنه لا ريب في وجوب التوبة على المذنبين فوراً، لأن الذنوب بمنزلة السموم


[1] العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 6، ص 17.
وقفة تأملية
 
من معاني التوبة النصوح
معنى التوبة النصوح: نقل العلامة المجلسي قدس سره عن الشيخ البهائي أنه قال: "ثم اعلم أن المفسّرين اختلفوا في تفسير التوبة النصوح على أقوال:
منها: أن المراد توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى أن يأتوا بمثلها لظهور آثارها الجميلة في صاحبها أو ينصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود إليها أبداً.
ومنها: أن النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه من قولهم عسل نصوح إذا كان خالصاً من الشمع، بأن يندم على الذنوب لقبحها، وكونها خلاف رضى الله تعالى لا لخوف النار مثلاً.
وحكم المحقق الطوسي في التجريد: بأن الندم من الذنوب للخوف من النار، ليس بتوبة.
 
ومنها: أن النصوح من النصاحة وهي الخياطة لأنها تنصح من الدين ما مزقته الذنوب أو يجمع بين التائب وبين أوليائه وأحبائه كما تجمع الخياطة بين قطع الثوب.
ومنها: أن النصوح وصف للتائب وإسناده إلى التوبة من قبيل الإسناد المجازي أي توبة تنصحون بها أنفسكم بأن تأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه حتى تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية. ويكون ذلك بذوب النفوس بالحسرات ومحو ظلمات القبائح بنور الأعمال الحسنة"[1].
 
الدليل العقلي على وجوب التوبة
وهو الذي استدل به علماء الأخلاق والفقهاء على وجوب التوبة فوراً على المذنبين وخلاصته: أنه لا ريب في وجوب التوبة على المذنبين فوراً، لأن الذنوب بمنزلة السموم



1 العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 6، ص 17.
 
 
 
151

127

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

 المضرة بالبدن، وكما يجب على شارب السم المبادرة إلى الاستفراغ، وتناول الدواء لإنقاذ نفسه المشرفة على الهلاك، كذلك يجب على صاحب الذنوب المبادرة إلى التوبة لينقذ حياته من أضرار المعاصي في الدنيا وعواقبها في الآخرة. ومن أهمل المبادرة إلى التوبة وسوَّف الإقدام عليها بالتأجيل والتأخير من وقت إلى آخر فهو بين خطرين عظيمين إن سلم من أحدهما فإنه لا يسلم من الآخر قطعاً وهما:

أ- أن تتراكم على قلبه ظلمات المعاصي إلى أن تصير ريناً وطبعاً كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾1.
 
وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: "ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول الله عزّ وجلّ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾2.
 
ب- أن يعاجله الأجل فلا ينتبه من غفلته إلا وقد حضرته ساعة الموت وفاته وقت التدارك وانسدت بوجهه أبواب التلاقي وجاء في الوقت الذي أشار إليه سبحانه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾3.
 
قال لقمان الحكيم لابنه: "يا بني لا تؤخّر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة"4.



1 سورة المطففين، الآية 14.
2 الشيخ الكليني، الكافي، ج 2، ص 273.
3 سورة سبأ، الآية 54.
4 ملا محمد مهدي النراقي، جامع السعادات، ج 3، ص 46
 
 
152

 


128

الفهرس

 الفهرس

المقدمة

5

الدرس الأول: سفينة التقوى في بحر الدُّنيا من وصية لقمان لابنه

9

تصدير الموعظة

11

في رحاب الموعظة

11

التواضع

13

حال الدنيا

13

الأُمور المنجية في هذه الدُّنيا

14

الدرس الثاني: الأنس بالله حقيقته وشرائطه

21

تصدير الموعظة

23

محور البحث في هذه الموعظة

23

خصائص هذه الموعظة

23

حقيقة الأنس

24

علامة الأنس بالله

24

المحبّة طريقٌ إِلَى الأنس

25

شرائط تبادل المحبّة

25

الشرط الأوّل: الطاعة

25

 

 

153


129

الفهرس

 

الشرط الثاني: التحبُّب إِلَى كلِّ من يعيش في كنف المحبوب

26

الشرط الثالث: السنخيّة بين العاشق والمعشوق

27

حصيلة الكلام

29

الدرس الثالث: العفو والرحمة

33

تصدير الموعظة

35

مقدمة

35

الحثّ على العفو في الإسلام

36

بين العفو والعقاب

36

العفو عن الأرحام

38

الصفح

38

الإحسان

39

العفو والصفح والإحسان في مدرسة أهل البيت عليهم السلام

39

نماذج من عفو النبي وآله

40

بين القصاص والعفو

42

آثار العفو الفردية والاجتماعية

43

الدرس الرابع: التـَّقوى والطاعة

47

تصدير الموعظة

49

مقدمة

49

تعريف التقوى

50

أبعاد التقوى

51

كيف أكون تقيّاً?

53

الدرس الخامس: الخوف والرجاء

57

تصدير الموعظة

59

التوازن بين الخوف والرجاء في قلب المؤمن

59

 

154


130

الفهرس

 

العلاقة بين الخوف والرجاء

60

حقيقة الخوف والرجاء وأثرهما في النفس

61

1- حقيقة الخوف

61

2- حقيقة الرجاء

63

الغاية المرجوّة من الرجاء

64

الفرق بين الرجاء والغرور

65

خاتمة

66

الدرس السادس: المكلّف بين ميزان الآحاد والأعشار

69

تصدير الموعظة

71

خصائص هذه الموعظة

71

سبب تعجُّب الراوي وتساؤله

73

ميزان الحساب في يوم القيامة

73

سبب جنوح الإنسان نحو السيّئات

75

الدرس السابع: وللمؤمن خارطة طريق

79

تصدير الموعظة

81

ركائز السلوك

81

أطروحة الإِمام الجواد عليه السلام

82

التوفيقٌ من الله

83

ثمرة التوفيق والخذلان

85

رائعة الإِمام الصادق عليه السلام

85

وواعظ من نفسه

86

وَقَبُولٍ مِمَّن يَنْصَحُه

86

الحسرة لقمة مرّة أثرها طويل

87

 

 

155


131

الفهرس

 

الدرس الثامن: لن تحصد في الآخرة إِلَّا ما زرعته في العاجلة

91

تصدير الموعظة

93

الدُّنيا مزرعة الآخرة

93

وهكذا هو العمل في هذه الدُّنيا

94

الدُّنيا حجاب   

95

من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه

97

الدرس التاسع: الغضب في المفهوم الإسلامي

103

تصدير الموعظة

105

مفهوم الغضب

105

الغضب في الإسلام

106

دوافع الغضب

109

مصاديق الغضب

109

1- الغضب الموهوم لله تعالى

109

2- غضب حكام الجور

110

3- الغضب بفعل التعصب للعشيرة

111

4- الغضب في التظاهرات والمباريات والشوارع

111

علاج الغضب والتوقّي منه

111

المرحلة الأُولى: ما قبل الغضب

112

المرحلة الثانية: عند حدوث الغضب

112

المرحلة الثالثة: إجراءات ما بعد حدوث الغضب

113

الدرس العاشر: انظر إلى من عصيت

115

تصدير الموعظة

117

مقدّمة

117

 

 

156


132

الفهرس

 

آثار الذنوب في الدنيا

118

1- قساوة القلب

118

2- زوال النعمة

119

3- نقصان العمر وموت الفجأة

120

آثار الذنوب في عالم البرزخ

120

1- سكرات الموت وشدة النزع

121

2- وحشة القبر وغربته

122

3- ضغطة القبر

123

الدرس الحادي عشر: الحياة المؤقّتة والحياة الدائمة

129

تصدير الموعظة

131

في رحاب الموعظة

131

عالم المادّة محدود بأجل معيّن

132

 قصّة النبي سليمان عليه السلام مع الرجل الخائف وملك الموت‏

133

حقيقة الموت وسبب خوف الناس منه

134

الأولياء والصالحون يتمنّون الموت

135

الدرس الثاني عشر: التوبة النـّصوح

139

تصدير الموعظة

141

مـدخـل

141

ما هي التوبة النَّصوح

142

فضل التوبة النصوح

143

ماذا لو أحبّك الله

143

التوبة واجبة على الجميع

145

أدلة وجوب التوبة

145

 

 

157


133

الفهرس

 

فتوى الفقهاء

148

شرائط التوبة النَّصوح

148

كيفية التوبة النُّصوح

150

دعوة رسول الله المفتوحة للتوبة

150

 

158


134
محاسن الكلم