قوا  أنفسكم وأهليكم

قوا أنفسكم وأهليكم


الناشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

تاريخ الإصدار: 2015-04

النسخة: 0


الكاتب

مركز المعارف للتأليف والتحقيق

من مؤسسات جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، متخصص بالتحقيق العلمي وتأليف المتون التعليمية والثقافية، وفق المنهجية العلمية والرؤية الإسلامية الأصيلة.


المقدمة

 بسم الله الرحمن الرحيم
في زمن يشعر فيه المرء أحياناً بالتوبة والطهر، ويتلمّس نفسه الخيّرة الذاهبة تعود إليه في بعض الأحيان، ولكنّها لا تلبث أن تهرب، ويحاول أن يتشبّث بها، ولكن لا ينجح.

أحياناً يطلع علينا نور الإيمان، وأحياناً يشملنا الإنكار من يمين ويسار، وكأنّ في الواحد منّا روحين، روح طيبة وروح خبيثة أيضاً،أحياناً يشعر بروحه تتعذّب، وأحياناً يشعر بها ترقى وتسمو وتكاد تطير، حتى لكأنّها النسمة أو الضياء.
هل هو الضياع؟ أم الهروب من النفس الشريرة إلى ضجّة الحياة؟ أو أنّه الهروب من ضجة الحياة إلى هذه النفس الشريرة؟ وماذا عن النفس الطيبة الخيرة؟ ألا يمكن العودة إليها؟ أم إنّها تدمّرت بفعل المجتمع الميكانيكي وثورة العصر التكنولوجي الباهر؟ وإذا كانت قد تدمّرت، ألا يمكن جمع أشلائها من جديد؟ يمكن من خلال معجزة، والمعجزة اليوم يصنعها الإيمان.

والمعجزة التي يصنعها الإيمان حقاً، تتمثّل في بناء الإنسان والمجتمع بناءً سوياً متوازناً، بعيداً عن استبداد نزوات المال أو السلطان أو الجسد.

إنّه الإيمان الذي يفتح النفس والروح والوجدان، ويزيد الإنسان اتصالاً بالعوالم الكبرى فيما وراء الطبيعة، كما يزيده انعزالاً عن الرغبات الصغيرة من مطالب الحياة اليومية، ليزداد اندماجاً فيما هو أعظم وأسمى وأخلد؛ إذ لا يمكن أن يعيش الإنسان في عالم المادة وحده، ولا معنى لإنسانيّته إذا أهمل عالم الروح والعاطفة والوجدان... 

إنّه الإيمان بالقوة العظمى المسيطرة على الكون والمسيّرة له والقائمة عليه.
 
5

1

المقدمة

وأجمل من الإيمان بهذه القوة الجليلة الخضوع لها والاطمئنان إليها، وهذا هو الرضى الذي يتشعّب إلى قوّة وشجاعة وصبر وصدق وعزيمة. 

 

فعندما لا تهاب أحداً غير الله، تكون أقوى من كلّ الناس، وحينما تطمئنّ إلى أنّ الله هو القادر أن يطمئن نفسك وأن يشرح صدرك ويشدّ أزرك، لا يعنيك إلا أن تكون راضياً عنك دون كل الناس، وبذلك ترى طريقك بوضوح. ولا تتشتّت في مسالك الحياة المتنوّعة، كل منها يغريك ويؤذيك، وقد يكون فيه هلاكك دون أن تدري. 

 

من هنا نقول: إنّه لا سبيل لتحقيق الرضا الإهي إلاّ بصلاح النفس الإنسانيّة, والذي هو مقدّمة لصلاح الأسرة, وبناء المجتمع الصّالح.

 

وصلاح النفس يتطلّب التزاماً قلبيّاً وسلوكيّاً بالنهج الذي رسمته الشريعة الإسلاميّة, فوصول الإنسان إلى الكمال المنشود والقريب من الكمال المطلق لا يكون إلاّ بهذا الالتزام الواعي والمدرك لأهداف الرسالات السماويّة, والتي على رأسها هداية البشريّة, عبر إخراجها من غيّها وظلمات الشهوات, والأهواء, إلى صلاحها وأنوار الهداية والإيمان.

 

هذا الالتزام كفيل بإنشاء المجتمع الإسلامي, الذي أراده رسول الإنسانيّة محمّد صلى الله عليه واله وسلم, أراد مجتمعاً إسلاميّاً قويّاً, متماسكاً وقويّاً, ومتراحماً, لا تهزّه عواصف الشرك والكفر,﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾1.

 

إنّ هدف الأنبياء عبر التّاريخ, كان دائماً بناء المجتمع الصّالح والقويّ والمتين والقريب من الله تعالى, وذلك لا يكون إلاّ ببناء الفرد المؤمن الحائز على رضا الله وتوفيقه.

 

وهذا الكتاب قوا أنفسكم وأهليكم... هو جزء من سلسلة من الإصدارات الثقافية والتربوية التي تعالج العديد من القضايا التربوية والاجتماعية الهامة.

 

مركز نون للتأليف والترجمة


1- الفتح:29.

6

 

 


2

حرمة النفوس والأعراض

 حرمة النفوس والأعراض
 
مفاهيم محورية:
• حرمة القتل وآثاره.
• عقوبة قتل العمد العذاب الأبدي.
• حرمة الأعراض والأموال.
• حرمة إفشاء أسرار الآخرين.
 
7
 

3

حرمة النفوس والأعراض

 تصدير الموضوع:
روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "إنّ اللَّه حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السّوء".1
 
مقدمة:
حرمة النفس والعرض والمال من الأمور التي شدّد الدين الإسلامي عليها كثيراً، واعتبر أنّ الاعتداء عليها من المحرّمات المؤكّدة ومن الذنوب الكبيرة التي يستحق مرتكبها عقوبة دنيوية وأخرى أخروية. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾2, حيث تتضمّن نهياً عن قتل النفس المحترمة إلا بالحق أي إلا أن يكون قتلاً بالحق، بأن يستحقّ ذلك لقود أو ردّة أو لغير ذلك من الأسباب الشرعية. ولعل في توصيف النفس بقوله: حرّم الله من غير تقييد إشارة إلى حرمة قتل النفس في جميع الشرائع السماوية فيكون من الشرائع العامة.
 
فإذا تسلّط الأشرار على الأنفس والأعراض والأموال، هُتكت الحرمات والمقدّسات، وعمّ فساد الأخلاق، وضعفت العلاقات الاجتماعية، وتفكّك كيان الأسرة التي هي نقطة البدء في إصلاح الجيل الناشئ والحفاظ على سلامته الروحية، وحينئذٍ سيفتقد الأمان والاستقرار والطمأنينة. ورد عن الإمام الرضا عليه السلام : "حرّم الله قتل

1- بحار الأنوار، ج72، ص201.
2-الإسراء، 33.
 
9

4

حرمة النفوس والأعراض

 النفس لعلّة فساد الخلق في تحليله لو أُحلّ وفنائهم وفساد التدبير"3.
 
1- حرمة القتل وآثاره:
إنّ حرمة قتل النفس والاعتداء عليها من الأمور الواضحة في الكتاب والسنة، قال تعالى:﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾4، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾5.
 
اعتبر القرآن الكريم قتل النفس الواحدة قتلاً للناس جميعاً، إلا أن يكون القتل عقاباً لقتل مثله أو عقاباً لجريمةالإفساد في الأرض. ورد عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قال: "هو واد في جهنم لو قتل الناس جميعاً كان فيه، ولو قتل نفساً واحدة كان فيه"6.
 
وقد قرّرت الآية الثانيةأربع عقوبات أخروية لمرتكب القتل العمدي، وعقوبة أخرى دنيوية هي القصاص، والعقوبات الأخروية هي:
- الخلود والبقاء الأبدي في نار جهنم، حيث تقول الآية:﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾.
• إحاطة غضب الله وسخطه بالقاتل:﴿وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ﴾.
• الحرمان من رحمة الله:﴿وَلَعَنَه﴾.
• العذاب العظيم الذي ينتظره يوم القيامة:﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
 
والملاحظ هنا أنّ العقاب الأخروي الذي خصّصه الله للقاتل في حالة العمد، هو أشد أنواع العذاب والعقاب بحيث لم يذكر القرآن عقاباً أشدّ منه لذنب آخر.

3- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 29، ص 14.
4- المائدة، 32.
5- النساء، 93.
6- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 29، ص 14.
 
10

5

حرمة النفوس والأعراض

 أما العقاب الدنيوي فقد وردت تفاصيله في قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ *  وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾7.
 
2 - عقوبة قتل العمد العذاب الأبدي:
يرد سؤال في هذا المجال، وهو أنّ الخلود في العذاب قد ورد بالنسبة إلى من يموت كافراً، بينما قد يكون مرتكب جريمة القتل العمد مؤمناً، كما يحتمل أن يندم على ما ارتكبه من إثم ويتوب عن ذلك في الدنيا، ويسعى إلى تعويض وتلافي ما حصل بسبب جريمته، فكيف إذن يستحق مثل هذا الإنسان عذاباً أبدياً وعقاباً يخلد فيه؟
 
إن جواب هذا السؤال يشتمل على حالتين هما:
• قد يكون المراد بقتل المؤمن - الوارد في الآية موضوع البحث - هو القتل بسبب إيمان الشخص، أي استباحة دم المؤمن، وواضح من هذا إن الذي يعمد إلىارتكاب جريمة قتل كهذه إنّما هو كافر عديم الإيمان، وإلا كيف يمكن لمؤمن أن يستبيح دم أخيه المؤمن، وبناءً على هذا يستحقّ القاتل الخلود في النار ويستحقّ العذاب والعقاب المؤبّد.
 
• كما يحتمل أن يموت مرتكب جريمة القتل العمد مسلوب الإيمان بسبب تعمدّه قتل إنسان مؤمن بريء، فلا يحظى بفرصة للتوبة عن جريمته، فينال في الآخرة العذاب العظيم المؤبّد.

7- البقرة، 178 - 179.
 
11
 

6

حرمة النفوس والأعراض

 3- حرمة الأعراض والأموال:
وردفي خطبة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في منى في حجّة الوداع: "أيّ يوم أعظم حرمة؟ قال الناس: هذا اليوم. قال: فأيّ شهر؟ قال الناس:هذا. قال: وأيّ بلد أعظم حرمة؟ قال الناس: بلدنا هذا. قال: فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمةيومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربّكم، فيسألكم عن أعمالكم"8.
 
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "من كفّ نفسه عن أعراض الناس أقال الله نفسه يوم القيامة"9.
 
أي من كفّ نفسه عن هتك عرضهم بالغيبة، والبهتان، والشتم، وكشف عيوبهم، وأمثال ذلك.
وبالنسبة لحرمة الأموال فقد منحت الشريعة الإسلاميّة الإنسان مجموعة مهمّة من الحقوق الّتي تنظّم علاقات الناس بعضهم ببعض فأعطتهم حقّ التملّك، وحقّ السلطنة على الأموال والممتلكات، الّذي يترتّب عليه جواز سائر التصرّفات المحلّلة في كلّ ما يملكه.
 
واتفقت كلمة الفقهاء على تسلّط المالك على ماله بنحو كامل شامل، فله أن يتصرّف كيف يشاء، بالنسبة إلى أنحاء التصرّفات المحلّلة ضمن الحدود الشرعيّة، فله الحقّ في بيعه وإهدائه وإيجاره وأكله وغير ذلك من التصرّفات الّتي لم يثبت من الشريعة ردع عنها. فالمالك سلطان في ماله، له الحقّ التامّ في مطلق التصرّفات، ولا أحد يمنعه عنه، أو يقف بوجهه في تحديد هذا السلطان، ولا أحد يشاركه فيه، بدون إذنه؛ بحيث لوكُفّن الميّتُ بكفنٍ مغصوبٍ فالشارعُ يعطي الصلاحيةَ للمالك -والحالُ هذهِ- في نبش الأرض وأخذ قماشه، ولا يجب عليه قبول القيمة.

8- الشيخ الكليني، الكافي، ج7، ص273، ح22.
9- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص305، ح14.
 
12
 

7

حرمة النفوس والأعراض

 قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾10 وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾11.
 
فدلّت الآيتان على عدم جواز أكل أموال الناس إلّا من خلال طرق خاصّة مشروعة، تنبني على رضا الطرفين، وجعل حرمته كحرمة قتل الأنفس، وكأنّ هذا القول يتوافق مع ما هو متداول بين الفقهاء: "حرمة مال المسلم كحرمة دمه"12 وكأنّه يريد القول: إنّ عدم جواز أكل أموال الناس وحرمته متفرّع عن كونهم مسلّطين عليها. 
 
4- حرمة إفشاء أسرار الآخرين:
نجد في الروايات الإسلامية تعبيرات مختلفة وكثيرة فيما يتعلّق بحفظ السر وضرورة الالتزام بعدم إفشائه وإذاعته مّا يدلّ على اهتمام الإسلام بهذا الموضوع حتى أنّه قرّر أنّ أسرار الآخرين بمنزلة الأمانة لدى الشخص وإفشائها يعني الخيانة للأمانة.
 
ولحفظ السّر أقسام متعدّدة منها:
أ ـ حفظ أسرار الآخرين.
ب ـ حفط أسرار النفس.
ج ـ حفظ أسرار النظام والحكومة الإسلامية.
 
أ- حفظ أسرار الآخرين: 
ورد في العديد من الروايات ما يتعلّق بوجوب حفظ أسرار الآخرين والنهي عن إفشائها منها:
 
• ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "إِذا حدَّثَ الرَّجُلُ الحَدِيثَ ثُمَّ التَفَتَ فِهي 

10- النساء، 29.
11- البقرة، 188.
12- الشيرازي، القواعد الفقهية، ج2، ص14.
 
13
 

8

حرمة النفوس والأعراض

 أَمـانَةٌ"13. هذه الالتفاتة تعني أنّه لا يريد أن يسمعه آخر، فحينئذ يكون إفشاء هذا السرّ بمثابة الخيانة للأمانة.
• ونقرأ في حديث آخر عن أميرالمؤمنين عليه السلام : "مَنْ أَفشى سرَّاً استودعَهُ فَقَدْ خـانَ"14.
 
• وعن أميرالمؤمنين عليه السلام : "جُمِعَ خَير الدُّنيـا وَالآخِرَةِ فِي كتمـانِ السِّرِّ وَمُصـادَقَة الأَخيـارِ وَجُمِعَ الشَّرِ فِي الاذاعَةِ وَمُواخـاة الأَشرارِ"15.
 
ب- حفط أسرار النفس:
وردت روايات عدة في حفظ أسرار النفس حيث توصي المسلمين بحفظ أسرارهم الخاصة في حياتهم الفردية، لأنّه قد تكون إذاعتها وإفشاؤها سبباً لإثارة عناصر الحسد والحقد والمنافسة غير المنصفة، وبالتالي يقع الإنسان مورد عدوان الأشخاص الذين يعيشون الحقد وضيق الأفق وتتعرّض مصالحه إلى خطر، وفيما يلي نماذج من هذه الروايات:
 
• روي عن الإمام علي قوله عليه السلام : "سِرُّكَ أَسِيرُكَ فَإنْ أَفشَيتَهُ صِرتَ أَسِيرَهُ"16.
• وعنه عليه السلام : "صَدرُ العـاقِلِ صُندُوقِ سِرِّهِ"17.
• وعن الإمام الصادق عليه السلام قوله: "سِرُّكَ مِنْ دَمِكَ فَلا يَجرِينَ فِي غَيرِ أَودَاجِكَ"18.
 
• وجاء في حديث عميق المعنى عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام : "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى تكون فيه ثلاث خصال؛ سنة من ربّه وسنّة من نبيه وسنة من وليه، فالسنّة من ربّه كتمان سرّه قَـالَ اللهُ تَعالى: عـالِمُ

13- الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء، ج5، ص237.
14- الليثي الواسطي،علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، ص 446.
15- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج71، ص178، ح17.
16- الليثي الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، ص 285.
17- السيد الرضي، نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة 6.
18- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص278.
 
14
 

9

حرمة النفوس والأعراض

 الغَيبِ فَلا يُظهِرُ عَلى غَيبِهِ أَحَداً إلاّ مَنِ ارتَضى مِنْ رَسُول"19. ونقرأ في بعض الروايات حثّاً على حفظ الأسرار وعدم إذاعتها حتى لأقرب المقرّبين من الأصدقاء، لأنّه يمكن أن تتغيّر الظروف والأيّام وينقلب الصديق إلى عدو وبالتالي سوف يتحرّك على مستوى إذاعة هذه الأسرار وإفشائها.
 
• روي عن الإمام الصادق عليه السلام : "لا تَطَّلِع صَدِيقَكَ مِنْ سِرِّكَ إِلاّ عَلى مـا لَو اطَّلَعتَ عَلَيهِ عَدُوَّكَ لَمْ يَضُرُّكَ فَإنَّ الصَّدِيقَ قَد يَكُونَ عَدُوُّاً يَوماً مـا"20.
 
ج ـ حفظ أسرار النظام والحكومة الإسلامية:
إنّ وجوب المحافظة على الأسرار العسكرية والسياسية وغيرها... للدولة الإسلامية، من الأمور الواضحة والبديهية، ولهذا نجد أنّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اهتمّ بهذا الأمر غاية الاهتمام، وأوصى أصحابه بالمحافظة على هذه الأسرار، والكثير من الانتصارات التي حقّقها المسلمون على أعدائهم من المشركين واليهود وقوى الانحراف الأخرى كان بسبب الالتزام والانضباط بهذه المسألة الدقيقة، فمثلاً نقرأ في قصّة فتح مكّة أنّه لو أنّ تلك المرأة سارة كانت قد وصلت إلى مكة وأخبرت المشركين بما يُعدّه النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم والمسلمون من الجيوش والقوى العسكرية لفتح مكّة، لما تيسّر فتح مكة للمسلمين بتلك السهولة، ولأُريقت الكثير من الدماء من الطرفين، ولكن تأكيد النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم على حفظ السرّ وإرساله من يعيد هذه المرأة النمّامة مكّن جيش الإسلام من الوصول إلى أسوار مكة بدون أيّة صعوبة وبسرعة فائقة حتى أنّ المشركين انبهروا وتخاذلوا لما تفاجئوا من قوة الإسلام وسرعة المبادرة وعملية المباغتة لهم واستسلموا جميعاً.
 
ونقرأ في الروايات الإسلامية إشارات إلى هذه المسألة أيضاً بتعبيرات عميقة المغزى، ومن ذلك:

19- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج72، ص412.
20- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج72، ص412.
 
15
 

10

حرمة النفوس والأعراض

 ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "الظَّفَرُ بِالحَزمِ بِإجـالَةِ الرَّأَي، وَالرَّأي بِتَحصينِ الأَسرارِ"21، وورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَيَّرَ قَوماً بِالإِذاعَةِ فَقَالَ: إِذا جـاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنُ أو الخَوفِ أَذاعُوا بِهِ، فَإِيَّاكُم وَالإِذاعَةِ"22.
 
وعن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال: "إن كانَ فِي يَدِكَ هذِهِ شَيء فإنْ استَطَعتَ أَنْ لا تَعلَم هِذِه فافعَل، قَالَ: وَكَانَ عِندَهُ إنسان فَتَذاكَرُوا الإذاعَةَ، فَقَالَ: اِحفَظ لِسـانَكَ تُعزَّ، ولا تُمَكِّن النَّاسَ مِنْ قِيـادِ رَقَبَتِكَ فَتَذّل"23.
 
والملفت للنظر أنّ الإمام عليه السلام قال في بداية هذا الحديث: "إِنّْ كـانَ فِي يَدِكَ هذِهِ شَيءٌ فَإنِ استطعت ألّا تعلَمَ هذِهِ فَافعَل"24.
 
ومن هنا يتّضح أنّه إذا علم الإنسان بخبر مكتوم للآخر وانكشف له سرّ من أسراره فإنّ ذلك يعدّ أمانة لديه، فلو أذاعه فإنّه قد خان الأمانة وتسبّب في أن يقع الطرف الآخر في دوامة من المشكلات والأضرار الكبيرة، كان يؤدّي إلى أن يتعرّض إلى الخطر في شخصيته الاجتماعية ومكانته في الناس، أو يؤدّي إلى تفعيل عناصر الشر لدى الحسّاد والبخلاء وأصحاب النفوس الضيّقة، أو يطمع الأراذل والأوباش في ماله وعرضه.
 
وعليه فلابدّ للإنسان أن يحفظ أسراره مهما أمكن ولا يذيعها إلى الآخرين، وبعبارة أخرى: أن يجعل صدره صندوق أسراره، فلو اضطر في مورد معيّن أو اتفق له أن اطلع على سرّ من أسرار أخيه المؤمن فإنّه يجب عليه أن يسعى لحفظه ولا يرتكب الخيانة في حق أخيه المؤمن.

21- السيد الرضي، نهج البلاغة، الكمات القصار، الكلمة 48.
22- العلامة المجلسي، مرآة العقول، ج11، ص65.
23- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص225، ح14.
24- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص225، ح14.
 
16
 

11

الفتنة:أخطارها، الفردية والاجتماعية

 الفتنة:أخطارها، الفردية والاجتماعية

مفاهيم محورية:
• معنى الفتنة.
• الفتنة في القرآن.
• أهداف الفتنة: 
• الشيطان عمود الفتنة.
• الأوجه العديدة للفتنة.
• ما هو واجبنا عند وقوع الفِتن؟
• الوقاية من الفتنة خير من علاجها.
 
17

12

الفتنة:أخطارها، الفردية والاجتماعية

 تصدير الموضوع:
روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قوله: "ليغشينّ من بعدي فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل"1.
 
1- معنى الفتنة:
الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضّة والذهب، أذبتهما بالنار ليتميّز الردي من الجيّد، ومن هذا قول الله عزّ وجلّ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾2- أي يحرقون بالنار. 
 
وقال ابن الأثير: الفتنة: الامتحان والاختبار... وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار من المكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء"3.
 
وقد تعدّدت معاني الفتنة فهي قد تأتي بمعنى: الاختبار، المحنة، المال، الأولاد، الكفر، اختلاف الناس بالآراء، الإحراق بالنار وغيرها...".

1- المتقي الهندي، كنز العمال،ج11، ص 127.
2- الذّاريات، 13.
3- النهاية 3، 410.
 
 
19

13

الفتنة:أخطارها، الفردية والاجتماعية

 2- الفتنة في القرآن الكريم:
لله سنن كثيرة في خلقه، منها فتنه الناس؛ أي اختبارهم، ليعلم المؤمن من الكافر. وقد فتن الله سبحانه الذين ولدوا وعاشوا قبل نزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم . والغاية - قديماً وحديثاً - هو تمييز وتحديد الصادقين في إيمانهم من الكاذبين، قال تعالى: ﴿الم *أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾4، فلا يكفي أن يتلفّظ الإنسان بلسانه أنّه مؤمن بالله، وأنّه لا إله إلا الله. فالقول باللسان غير كاف، وقد كان إيمان بعض الناس بأفواههم دون قلوبهم يُحزن الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، فجاء الرد من الله سبحانه وتعالى بأن لا يحزنك ذلك، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾5.
 
فلا بدّ أن يرافق القول والنطق صدق القلب، كما لا بدّ أن يؤكّده صدق العمل؛ لهذا دائماً ما يرد ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾. فمسألة الإيمان وقبوله لا تعتمد على القول أو كثرة السجود، بل صدق القلب والعمل ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ6. فهذه صفات صادقي الإيمان والمتقين؛ إذ يجب أن ينتفع المؤمن ويكسب خيراً من إيمانه في الدنيا والآخرة، فإذا لم ينتفع من إيمانه فهو إيمان وهمي، لم يصدقه ولم يؤكّده العمل، وبالتالي إيمانه هذا لن ينفعه ولن يكسبه خيراً، هذا إذا أحسنّا الظن ولم نحسبه من المنافقين.

4- العنكبوت،1-3.
5- المائدة، 41.
6- البقرة، 177.
 
20
 

14

الفتنة:أخطارها، الفردية والاجتماعية

 3 - أهداف الفتنة: 
أ - الاختبار: الله سبحانه وتعالى لا يريد لنا الكفر، بل يريد لنا الإيمان والحقّ، ولكن عن بيّنة وقوة، وإصرار وتميّز، ورد في القرآن الكريم الكثير من الفتن التي تعرّض لها الأنبياء والرسل عليه السلام ، بل وفي سيرة الرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم صوّر القرآن كيف ألمّت به وبالمسلمين المحن والفتن، من قتل وتهجير ومقاطعة اقتصادية واجتماعية، وهزيمة في معركة أحد... والهدف منها جميعاً الاختبار، وتقوية إيمان المؤمن، وجعله أكثر صلابة وقوة، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾7. فهي عملية غربلة وتقوية للمسلمين؛ فالمؤمن ينجح في الاختبار، والمنافق ينهار ويفشل، فينكشف أمام الله سبحانه وتعالى وأمام نفسه وأمام المسلمين.
 
ب- الانصياع التام لله: الله سبحانه وتعالى يفتن المؤمن، لكي يجعله منصاعاً للمنهج الحقّ، حتى يصل إلى الانصياع التام، وحتى يغدو هوى نفسه متوافقاً ومتطابقاً لمنهج الله سبحانه وتعالى فلا يجد في نفسه حرجاً من اتباع الحقّ ودين الله عزّ وجلّ ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾8.

7- البقرة،155-156.
8- النساء، 65.
 
21
 

15

الفتنة:أخطارها، الفردية والاجتماعية

 4- الشيطان عمود الفتنة: 
الشيطان الرجيم أحد أعمدة الكفر، والعمود الفقري لفتنة الإنسان، وقد ينسى الإنسان أنّ إبليس وحزبه هو عدوّه الأول، والشيطان يسعى جاهداً إلى تحقيق هدفه الأول والأساسي، وهو إضلال الإنسان وخداعه، ﴿بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾9.
 
قصّة الإنسان وإبليس والحياة الدنيا والآخرة، كلّها تتلخّص في كلمة واحدة وهي الاختبار، نحن هنا في الحياة الدنيا في مرحلة اختبار لفترة زمنية محدّدة، الناجحون لهم الجنة والراسبون لهم النار.
 
على بني آدم أن يلتفتوا جيّداً إلى أنّه لا جنة بلا اختبار ونجاح، حتى آدم وحواء مرّا باختبار، حيث نهيا عن الأكل من الشجرة؛ ولأنّ إبليس عدوّ لهما، بدأ يعمل عمله في فتنتهما وإغوائهما، فالذين في قلوبهم مرض، فما يلقيه الشيطان في نفوسهم ما هو إلا فتنة وتحويلاً لهم عن منهج الحق والصراط المستقيم،﴿ِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾10.
 
5- الأوجه العديدة للفتن:
الفتنة هنا هي عملية صرف الإنسان عن الحقّ بالقوّة، يعني كأن يفرض نظام جائر على الناس شيئاً لا يريدونه ولا ينسجم مع ما يرونه أو يعتقدونه، وفي هذه الحالة إذا رفضوا يُعذّبهم ويفتنهم. هذا النوع من الفتنة الذي يُراد منه أن يحمل الناس على تغيير معتقداتهم وآرائهم وتصوّراتهم هي أشدّ من القتل، لأنّ الحرية هي جوهر إنسانية الإنسان، والإنسان الذي يُسلب حريته سواء أكان في الاعتقاد

9- الأعراف، 27. 
10- الحج، 53. 
 
22
 

16

الفتنة:أخطارها، الفردية والاجتماعية

 أو التعبير عن الرأي أو التصرّف المشروع، إنّما تسلب منه إنسانيته، فلا إنسانية بدون حرية، ولا حرية يمكن أن يتمتّع بها بشكل سليم ويضعها مواضعها إلا إنسان مستقيم يحترم إنسانيته ويقدّرها حقّ تقدير. من هنا تصبح عملية إكراه الناس على تغيير آرائهم ومعتقداتهم وتصوّراتهم بالقوّة وبالعنف أشدّ من قتلهم؛ لأنّها بالفعل قتل لإنسانيتهم وقتل لحريتهم. والمصداق الواضح للفتنة في أيامنا سياسة أمريكا وأذنابها في التعامل مع من لا يخضع لسياساتها. 
 
ولقد عبّر الإمام علي عليه السلام عن كيفية نشوء الفتنة فقال: "إنّما بدء وقوع الفتن، أهواء تُتَّبع وأحكام تُبتدع، يُخالَفُ فيها كتاب الله، ويتولّى عليها رجال على غير دين الله. فلو أنّ الباطل خلُص من مزاج الحقّ، لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحقّ خلص من لبس الباطل، لانقطعت عنه ألسن المعاندين. ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث، فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى"11. ففي يوم الفتنة تتمكّن الفتنة من عقول الناس، وتغلب على نفوسهم وأفكارهم، وتسلب منهم الرؤية والبصيرة، فيلتبس عليهم الحقّ بالباطل، ويلتبس عليهم أهل الحقّ بأهل الباطل، فلا يميّزون هؤلاء عن أولئك، ولا هذا عن ذاك، ولكن الفتنة تفرز قلّة يعصمهم الله تعالى منها، ويرزقهم بصيرة نافذة، فيقفون إلى جانب الحقّ، وإن قلّ أهله وروّاده، ويقارعون الباطل، وإن كثر أهله.
 
والفتن على مرّ التاريخ لها أوجه كثيرة، فقد كانت أيام "الجمل" و"صفين" و"النهروان" و"الطف" أيام فتن في تاريخ الإسلام. فعند وقوع الفتن يختلط الحقّ بالباطل.

11- نهج البلاغة، خطب الإمام علي،ج1، ص99.
 
23
 

17

الفتنة:أخطارها، الفردية والاجتماعية

 6- ما هو واجبنا عند وقوع الفتن؟
يقول أمير المؤمنين عليه السلام : "كن في الفتنة كابن اللبون؛ لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب".
وابن اللبون عبارة عن جمل ذي سنتين، هذا الجمل لا يقوم بخدمة، لا ظهر فيركب، ليست له قوّة حمل الإنسان من بلد إلى بلد، وليس له ضرع فيحلب، إنّما الإنسان يستبقي عنده ابن اللبون ليكبر يومًا من الأيام، ويصبح ظهرًا يركبه، أو يصبح ذا ضرع يحلبه.
 
وليس معنى ذلك أن يعتزل الإنسان الساحة في الفتنة؛ فليس السلامة من الفتنة بالانسحاب من الساحة، وإنّما معنى ذلك أن لا يعطي الانسان من نفسه شيئاً للفتنة.
 
وهذا أحد وجهي القضية، والوجه الآخر العمل لمكافحة الفتنة ومقارعتها، والوقوف إلى جنب أولئك الذين يقفون في وجه الفتنة. ومن لا يكافح الفتنة يؤيّدها ويسندها لا محالة، وليس للإنسان بدّ من واحد من هذين: إمّا مكافحة الفتنة أو الاستسلام لها. ولا يصحّ ما كان يرى بعض الضعفاء من المسلمين عندما اندلعت الفتنة أنّ "الجالس فيها خير من القائم، والنائم فيها خير من الجالس"؛ فإنّ هؤلاء الجالسين لا محالة يقعون في شرك الفتنة، عن علم أو عن غير علم. وإذا أقبلت الفتن، انقلبت البصائر. فلم يعد يبصر الإنسان حوله شيئاً من الحقّ والباطل إلا من عصم الله، ويفقد الإنسان الرؤية.
 
يقول أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو الخبير بالفتنة: "أيها الناس، أنا فقأت عين الفتنة، ولم يكن أحد ليجترئ عليها غيري"12.
 
فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، حدّثنا عن الفتن فقال عليه السلام : "إنّ الفتن إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبهت، يشبهن مقبلات، ويعرفن مدبرات"، وهذه أهمّ

12- نهج البلاغة، خطب الإمام علي،ج1، ص182.
 
24
 

18

الفتنة:أخطارها، الفردية والاجتماعية

 خصوصية في الفتنة. إذا أقبلت يفقد الإنسان الرؤية، ويلتبس عليه الحقّ والباطل (شبهت)، فلا يميّز أيّهما الحق وأيّهما الباطل، وإذا أدبرت انتبه الانسان، وعاد إليه ما فقده من رشده ووعيه (نبهت).
 
7- الوقاية من الفتنة خير من علاجها:
وللسلامة من مضلّات الفتن، جعل الله تعالى للإنسان ملاذاً يلوذ به من الفتنة، ويمكّنه من التفريق بين الحق والباطل، يمكن جمعه في الآتي:
 
أ- الله تعالى: فإنّ الله عزّ وجلّ يعيذ عبده إذا استعاذ به من مضلاّت الفتن، وقد ورد في الدعاء: "وأعوذ بك من مضلّات الفتن"13، وروي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "... إِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّه شَافِعٌ مُشَفَّعٌ ومَاحِلٌ مُصَدَّقٌ. ومَنْ جَعَلَه أَمَامَه، قَادَه إِلَى الْجَنَّةِ، ومَنْ جَعَلَه خَلْفَه، سَاقَه إِلَى النَّارِ وهُوَ الدَّلِيلُ، يَدُلُّ عَلَى خَيْرِ سَبِيلٍ"14.
 
ب - التقوى: والتقوى معاذ وفرقان لمن يتحصّن به، فاذا حصّن الإنسان نفسه في حدود الله تعالى، ولم يتجاوز حدوده في قول أو فعل، عصمته التقوى من الضلال والفتنة، وطردت عنه الشيطان، وبصّره الله تعالى بكيد الشيطان ومكره، فلا يتمكّن منه، ولا يستطيع أن يكيد به، أو أن يمكر به؛ روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : "اعلموا أنّه من يتقّ الله، يجعل له مخرجاً من الفتن، ونوراً من الظلم"15. ومن التقوى مخالفة الهوى.
 
فاذا حلّت الفتنة بالإنسان ووقع في شركها، فخالف هواه، كلما تردّد بين أمرين يميل إلى أحدهما ويرغب عن الآخر، جعل الله تعالى له من تلك الفتنة فرجاً ومخرجاً، ورزقه بصيرة يهتدي بها؛ روي عن الإمام الكاظم عليه السلام "إذا حزّبك

13- الشيخ الطوسي، مصباح المتهجّد، ص76.
14- الكليني، الكافي، ج2، ص599.
15- نهج البلاغة، خطب الإمام علي،ج2، ص112.
 
25
 

19

الفتنة:أخطارها، الفردية والاجتماعية

 (مرّ بك) أمران، لا تدري أيهما خير وأصوب، فانظر أيّهما أقرب إلى هواك فخالفه؛ فإنّ كثير الصواب في مخالفة هواك"16.
 
ج- الإخلاص والخلوص للّه تعالى: فإنّ الشيطان لا سلطان له على عباد الله "المُخلصِين"، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾17
 
وعن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "طوبى للمخلصين، أولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كلّ فتنة"18.

16- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج1، ص155.
17- ص،82- 83.
18- كنز العمال، ج3، ص24.
 
26
 

20

التعصـّب والعناد وأثرهما على المجتمع

مفاهيم محورية:
• مفهوم التعصّب ودوافعه.
• حُبّ الذات والتعلّق الشديد بالأسلاف.
• ذم التعصّب والفرقة.
• الآثار السلبية للتعصّب والعناد.
• أسباب ومناشئ التعصّب والعناد.
• العصبيّة الممدوحة.
• طرق علاج العصبيّة.
 
27

21

التعصـّب والعناد وأثرهما على المجتمع

تصدير الموضوع:
روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إلى عَصَبِيَّة، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّة، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّة"1.
 
1 - مفهوم التعصّب ودوافعه:
التعصّب من مادّة عَصَبَ وهي في الأصل بمعنى الخيوط العصبية والعضلية الّتي تربط بين مفاصل العظام والعضلات، ثمّ استُعملت هذه الكلمة ليُراد بها كلّ نوع من الارتباط الشديد الفكري والعملي الّذي يستبطن غالباً معنىً ومفهوماً سلبياً رغم وجود بعض العلائق الإيجابية أيضاً في مفهومها كما سيأتي تفصيله. 
 
وبديهي أنّ التعلّقات غير المنطقية - بالنسبة إلى شخص ما أو عقيدة معيّنة أو شيء من الأشياء - تقود الإنسان إلى اللجاجة والتقليد الأعمى بالنسبة إلى ذلك الشيء أو الشخص، وبالتالي سيكون العامل المهم في بروز أنواع النزاعات والحروب والاختلافات المستمرة بين البشر. وكلّما تحرّك الإنسان على مستوى إزالة هذه التعصّبات من ساحة الحياة البشرية والمجتمع الإنساني فإنّ الناس سوف يتعاملون في ما بينهم من موقع العقل والمنطق والحوار الهادئ والهادف، وبذلك تزول الكثير

1- الأميني، الغدير،ج6،ص189.
 
29
 

22

التعصـّب والعناد وأثرهما على المجتمع

 من الاختلافات وأسباب النزاع ويعود الهدوء ليُخيّم على المجتمع الإنساني ويعيش الإنسان في حركته الاجتماعية بكلّ أشكال الطمأنينة والمحبّة والأخوة.
 
2 - حُبّ الذّات والتعلّق الشديد بالأسلاف:
إنّ الإفراط في حبّ الذات يتسبّب في أن يتعلّق الإنسان بالأمور المنسوبة إليه بشدّة ويعتبرها جزءاً من شخصيته وكيانه ومن ذلك الرابطة مع الآباء والأجداد والتقاليد المرسومة في مجتمعه. وإنّ هذا التعلّق الشديد يؤدّي إلى نقل الكثير من الخرافات والقبائح إلى الأجيال الأخرى بذريعة حفظ الآداب والسنن والرسوم الاجتماعية وبالتالي سيخلق حجاباً يصدّ الإنسان عن أيّة معرفة جديدة وارتباط بالحقائق والواقعيات. وإنّ الدفاع الشديد عن القبيلة والعشيرة أحياناً يصل إلى درجة أنّ أسوأ أفراد القبيلة وأشنع الأعراف والسنن السائدة في هذه القبيلة تتحوّل في نظر الأشخاص المتعصّبين إلى إيجابيات كبيرة وامتيازات مهمة لهذه القبيلة، يجب الدفاع عنها ومناصرتها مهما كانت الأسباب والنتائج، في حين أنّ أفضل أفراد القبيلة الأخرى وأسمى الآداب والسنن في تلك القبيلة قد تكون هي الأسوأ والأقبح في نظر هذا الإنسان.
 
3- ذم التعصّب والفرقة:
إنّ الأضرار والخسائر الكثيرة المترتّبة على هذه الرذيلة الأخلاقية قد سوّدت صفحات التاريخ البشري وواجه الأنبياء والرسل  بسببها مشاكل كثيرة في طريق هداية الناس إلى الله والحقّ وسُفكت بسببها الكثير من الدماء، وتحوّلت طاقات وإمكانيات البشر الكبيرة إلى سيل مخرّب بسبب الجهل والتعصّب، ولهذا ورد الردع عن التخلّق بهذه الصفة، والتلبّس بهذا السلوك، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةً مِنْ خَرْدَل مِنْ عَصَبِيَّة بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ 
 
30

23

التعصـّب والعناد وأثرهما على المجتمع

 مَعَ أعراب الْجَاهِلِيَّة"2. وفي حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَهُ فَقَدْ خَلَعَ رَبَقَ الإيمان مِنْ عُنُقِهِ"3.
 
4- الآثار السلبيّة للتعصّب والعناد:
التعصّب والعناد هُما لازم وملزوم، ولهذا السبب أوردناهما تحت عنوان واحد، وقد ورد الكثير من الروايات في النهي عن التعصّب واللجاجة، منها:
 
ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "إياك وَاللِّجَاجةَ، فَاِنَّ أولها جَهْلٌ وَآخِرَهَا نَدَامَةً"4.
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام : "اَللِّجَاجُ أكثر الاْشْيَاءِ مَضَرَّةً فِي الْعَاجِلِ والآجل"5.
وفي حديث آخر عنه عليه السلام : "اَللِّجَاجُ بَذْرُ الشَّرِّ"6.
 
ومع ملاحظة هذه الروايات الشريفة يتّضح التأثير المخرّب لهاتين الرذيلتين الأخلاقيتين -التعصّب واللجاجة- في الحياة الفردية والاجتماعية للناس، بحيث إنّهما يدفعان الإنسان بعيداً عن الإيمان والإسلام ويجعلانه غريباً عن الأجواء الروحية المنفتحة على الله تعالى ويقودانه إلى الكفر والشرك والاقتداء بالشيطان وترك حبل الإيمان. 
 
وإنّ الآثار السلبية للتعصّب والإصرار في حركة حياة الإنسان المتعصّب تتجلّى في الكثير من الموارد منها:
أ- عدم نصرة المظلوم، وذلك لأنّ الله تعالى أوجب معونة المظلوم ونصرته دون الظالم، روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: "ما من مؤمن يعين مؤمناً 

2- الكليني، أصول الكافي، ج 2، ص 308، باب العصبية.
3- الكليني، أصول الكافي، ج2، ص307.
4- بحار الأنوار،ج74، ص67.
5- النجفي، موسوعة أحاديث أهل البيت، ج10، ص23.
6- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص38.
 
31
 

24

التعصـّب والعناد وأثرهما على المجتمع

 مظلوماً إلا كان أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلا نصره الله في الدنيا والآخرة، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو يقدر على نصرته إلا خذله الله في الدنيا والآخرة"7.
 
ب- تضييع حقوق الآخرين والاعتداء عليهم، وانتشار العداوة والبغضاء بين الناس.
 
ج- التعصّب يعني الارتباط غير المنطقي بشخص معيّن أو عقيدة أو عادة أو عرف خاصّ كما سبقت الإشارة إليه، وهذا من شأنه أن يُسدل حجاباً سميكاً على عقل الإنسان وبصيرته يمنعه عن إدراك الحقائق وجوانب الخير والشرّ والمصلحة والمفسدة في الأمور وبالتالي يحرمه من العثور على طريق للحل والنجاة. ولهذا فهو لا يتمكّن من إدراك البديهيات وأوضح الحقائق بسبب تعصّبه وعناده.
 
د- إنّ العصبية والعناد بمثابة النار المحرقة الّتي من شأنها تمزيق العلائق الاجتماعية في المجتمع وتسلب منه روح الوحدة والإلفة وتنثر فيه بذور النفاق والفرقة وتقود الطاقات والقوى البنّاءة الّتي يجب أن تُصرف في سبيل إعمار المجتمع في حركته الحضارية باتجاه التضاد والصراع الذاتي فيما بينها، كما نقرأ هذا المعنى في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول: "اللِّجَاجُ يُنْتِجُ الْحُرُوبَ وَيُوغِرُ الْقُلُوبَ"8.
 
هـ- التعصّب والعناد يتسبّبان في ابتعاد الأحبّة والأصدقاء عن الإنسان وتبديل الصداقة إلى عداوة وتضاد.
و- التعصّب والعناد من الأسباب والعوامل المهمّة للكفر، وانطلاقاً من هذه الحالة نجد أنّ أكثر الشعوب والأمم السالفة وبسبب التعصّب والعناد كانت تسير في خطّ الباطل والكفر برسالات السماء والامتناع عن قبول الحقّ بدافع من

7- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج12، ص292.
8- أصول الكافي، ج 2، ص 308.
 
32
 

25

التعصـّب والعناد وأثرهما على المجتمع

 المحافظة على السنن البالية والتقاليد الزائفة.
 
ز- التعصّب والعناء، يُفقدان الشخص توازنه في اختيار الأمور ويجرّانه إلى مواقع لا يرغب الولوج فيها، ولهذا ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "لاَ مَرْكَبَ اَجْمَحَ مِنَ اللِّجاجِ"9.
 
ح- إنّ التعصّب واللجاجة يخرّبان حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، لأنّهما يورثانه في حياته الدنيا العداوة والفرقة والأخطاء الكثيرة وفقدان الراحة والهدوء والاستقرار، وفي الآخرة يتسبّبان في ابتعاده عن رحمة الله، وهذا هو ما ورد في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام : "اَللِّجَاجُ أكثر الاْشْيَاءِ مَضَرَّةً فِي الْعَاجِلِ والآجل".10
 
5 - أسباب ومناشئ التعصّب والعناد:
هناك عومل وأسباب عديدة يمكن أن تدفع الإنسان باتجاه التعصّب واللجاج نختصرها بكلمة واحدة وهي الأنانية وحبّ الذات، لأنّ الشخص الأناني يحبّ كلّ ما لديه من العلائق والأمور أن تُنسب إليه وترتبط به حتّى على المستوى الأصول والتقاليد الخاطئة والعقائد الزائفة، ولذلك قد يظهر عصبية شديدة لما عليه قومه وقبيلته من التقاليد والعقائد ويقبل ما ورثه من آبائه من السنن والمعارف من دون أيّ تحرّك فكري واستقلال عقلي.
 
6 - العصبية الممدوحة:
لا ريب أنّ العصبية الذميمة التي نهى الإسلام عنها هي: التناصر على الباطل، والتعاون على الظلم، والتفاخر بالقيم الجاهلية، أمّا التعصّب للحق، والدفاع عنه…، والتناصر على تحقيق المصالح الإسلامية العامة، كالدفاع عن الدين،

9- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص540.
10- غرر الحكم، ص 463.
 
33
 

26

التعصـّب والعناد وأثرهما على المجتمع

وحماية الوطن، وصيانة كرامات المسلمين وحماية أعراضهم وأنفسهم وأموالهم، فهو التعصّب المحمود الباعث على توحيد الأهداف والجهود، وتحقيق العِزّة والمنعة للمسلمين، سُئل صلى الله عليه واله وسلم : ما العصبية ؟ قال: "أن تُعين قومك على الظلم"11، وعندما سُئل الإمام زين العابدين عليه السلام عن معنى العصبية قال: "الْعَصَبِيّةُ الَّتِي يَأْثمُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا أن يَرىَ الرَّجُلُ شِرَارَ قَوْمِهِ خَيْراً مِنْ خِيَارِ قَوْمٍ آخرِين! وَلَيْسَ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أن يُحِبَّ الرَّجُلُ قُوْمَهُ وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيّةِ أنْ يُعِينَ قُوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ"12. وطبقاً لهذا الحديث فإنّ العصبية الّتي يعيشها أفراد القوم أو القبيلة مادامت تسير في خطّ الخير والصلاح فهي إيجابية وممدوحة، لأنّ هذه العصبية والارتباط الشديد لا يدفع الإنسان إلى ارتكاب الممنوعات ولا يقوده نحو الخطيئة بل يُعمّق فيه أواصر المحبّة ويؤكّد وشائج المودّة بين الأفراد، أما التعصّب المذموم فهو أن يسحق العدالة.
 
ونقرأ في نهج البلاغة في الخطبة القاصعة لأمير المؤمنين عليه السلام إشارة إلى التعصّب المذموم حيث يقول: "فأطفئوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ، وأحقاد الْجَاهِلِيَّةِ، فإنّما تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَخَوَاتِهِوَنَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ"13. ويقول الإمام عليه السلام في مكان آخر تبيانًا للتعصُّب الممدوح: "فَاِنْ كَانَ لاَبُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ، وَمَحَامِدِ الأفعال، وَمَحَاسِنِ الأمور الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاءُوَالنُّجَدَاءُ مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ... فَتَعَصَّبُوا لِخِلاَلِ الْحَمْدِ، مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ، وَالْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ، وَالطَّاعَةِ لِلْبِرِّ، وَالْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ، وَالاْخْذِ بِالْفَضْلِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْبَغْيِ"14.

11- البيهقي، السنن الكبرى، ج10، ص234.
12- أصول الكافي، ج 2، ص 308، باب العصبيّة، ح 7.
13- نهج البلاغة، الخطبة 192 من الفقرة 22 إلى 23.
14- نهج البلاغة، الخطبة 192، الفقرة 76 إلى 79.
 
34
 

27

التعصـّب والعناد وأثرهما على المجتمع

 7 - طرق علاج العصبية:
أ- إزالة الدوافع من النفس: إنّ الطريق لعلاج هذه الرذيلة الأخلاقية يتطلّب في المرتبة الأولى الالتفات إلى الدوافع والجذور والسعي لإزالتها من واقع الإنسان وباطنه، ومن هذه الدوافع: الأنانية والإفراط في حبّ الذات كما أسلفنا، وانخفاض المستوى الثقافي، وضعف الشخصية، والعزلة الاجتماعية والفكرية، وأمثال ذلك... ولابدّ لإزالة هذه الصفة الرذيلة وتطهير النفس منها من الصعود بالمستوى العلمي والثقافي للأفراد والسعي للتعرّف على الأقوام والشعوب الأخرى والاطلاع على أفكارهم وعقائدهم، وكذلك الحدّ من حبّ الذات في شخصية الإنسان وقلع الميول والاتجاهات المضرة في نفسه والّتي تورثه التعصّب واللجاجة والتقليد الأعمى.

ب- الالتفات إلى آثارها السلبية: وكذلك يجب الالتفات إلى الآثار السلبية للعصبيّة من أجل إصلاح النفس وتهذيبها وتطهير القلب من هذه الشوائب والأدران المحيطة بها، وكذلك من شأنه أن يمزّق العلائق الاجتماعية بين أفراد المجتمع ويبذر بذور النفاق والاختلاف والفرقة بينهم، ويُفضي إلى الشقاء والتعاسة ويورث الإنسان التعب والدرك وحتّى أنه قد يؤدّي به إلى الانزلاق في دوّامة من المشاكل لم يكن يتوقّعها أبداً. فمعرفة هذه الأمور من شأنها أن تقلّل من شدّة العصبية والعناد وتساعد الإنسان في النزول عن مركب الغرور والتعصّب والتقليد الأعمى.

ج- التسليم للحق: النقطة المقابلة للتعصّب واللجاجة والتقليد الأعمى هو التسليم للحقّ الّذي يُعدّ من الفضائل الأخلاقية المهمة، أي أنّ على الإنسان أن يقبل بالحقّ من أيّ شخص كان حتّى لو رآه أبعد الناس وأصغرهم فيسلّم له. وهذه الفضيلة الأخلاقية هي السبب في التقدّم العلمي والتطوّر الحضاري للبشرية وتورث الإنسان الحصانة من الوقوع في الضلالة وسلوك طريق الباطل.
 
35

28

التعصـّب والعناد وأثرهما على المجتمع

ولا يتحلّى بهذه الصفة الأخلاقية الحميدة إلاّ أهل الإيمان والصالحون من الناس والّذين يبتعدون عن الإفراط في حبّ الذات والتعلّقات القومية الذميمة ويجتنبون الميول الذاتية. فإنّ التسليم للحقّ هو من علامات الإيمان، وسلامة الفكر والروح، وارتفاع المستوى الثقافي لدى الإنسان، والقرآن الكريم يشير إلى هذه الخصلة الحميدة مخاطباً النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم :﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾15.
 
ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾16.
 
وطبعاً فإنّ التسليم بعنوان فضيلة أخلاقية يُستعمل على معنيين:
• أحدهما: للحقّ والّذي يقع في النقطة المقابلة للتعصّب واللجاجة والتقليد الأعمى.
• والآخر: هو التسليم للقضاء والقدر الإلهيين فيعيش الإنسان حالة الشكر والرضا بما قسم الله ولا يعيش السخط والكفران.

15- النساء، 65.
16-الأحزاب، 36.
 
36

 


29

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية
 
مفاهيم محورية:
• تعريف سوء الظن وحسن الظن.
• سوء الظن في القرآن الكريم.
• مراتب سوء الظن.
• الآثار السلبيّة لسوء الظن.
• التخلّص من سوء الظن بحسن الظن.
 
38
 

30

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

 تصدير الموضوع:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾1.ونقرأ في نهج البلاغة قول الإمام علي عليه السلام : "لا تَظُنَنَّ بِكَلِمَة خَرَجَتْ مِنْ أَحَد سُوءً، وأَنتَ تَجِدُ لَهـا فِي الخَيرِ مُحتَمَلاً مَحمَلاً"2.
 
مقدّمة: 
سوء الظن خصلة من أشنع الرذائل الأخلاقية، التي تؤدّي إلى الفرقة بين العوائل، وتمزّق المجاميع البشرية والإنسانية. وأوّل ثمرة سلبية لسوء الظن هي زوال الثقة بين الناس، وعندما تزول الثقة، فإنّ عملية التعاون والتكاتف في حركة التفاعل الاجتماعي ستكون عسيرة للغاية، ومع زوال التعاون والتكاتف في المجتمع البشري فسوف يتبدّل هذا المجتمع إلى جحيم ومحرقة، يعيش فيه الأفراد حالة الغربة والوحدة من الأفراد الآخرين، ويتحرّكون في تعاملهم من موقع الريبة والتشكيك والتآمر ضدّ الآخر.ولهذا السبب، فإنّ الإسلام، ولأجل توكيد ظاهرة الاعتماد المتقابل بين الأفراد والأمم،اهتمّ بهذه المسألة اهتماماً بالغاً؛ فنهى بشدة عن سوء الظن، ومنع الأسباب التي تورث سوء الظن لدى الأفراد، وعلى العكس من ذلك،

1- الحجرات، 12.
2- نهج البلاغة، الكلمات القصار، ح360.
 
39

31

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

 فإنّه مدح وأيّد بشدّة حسن الظن الذي يفضي إلى زيادة المحبّة والاعتماد المتقابل والثقة بالطرف الآخر؛روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم قوله: "إنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنَ المُسلِمِ دَمَهُ وَمـالَهُ وَعرِضَهُ وَأَنَّ يَظُنَّ بِهِ السُّوءَ"3.
 
1 - تعريف سوء الظن وحسن الظن:
عندما ترد هاتان المفردتان، ويراد بهما سوء الظن أو حسنه بالنسبة إلى الناس، فَإنّ لهما مفهوماً واضحاً، فالمفهوم من سوء الظن هو أنّه كلّما صدر من شخص فعل معيّن يحتمل الوجهين: الصحيح والسقيم، فنحمله على المحمل السقيم، ونفسّره بالتفسير السيّء، مثلاً عندما يرى الشخص رجلاً مع امرأة غريبة، فيتصوّر أنّ هذه المرأة أجنبية، وأنّ هذا الرجل ينوي في قلبه نيّة سوء تجاهها، ويريد ارتكاب المنكر معها، في حين أنّ حسن الظن يقود الإنسان إلى القول بأنّ هذه المرأة هي زوجته أو أحد محارمه حتماً. ومن هنا يتّضح أنّ دائرة حسن الظن وسوء الظن واسعة جدّاً، ولا تنحصر في ممارسة العبادات فقط، بل تستوعب في مصاديقها ومواردها المسائل الاجتماعية والأخلاقية والسياسية أيضاً.
 
وعندما تستعمل هاتان المفردتان بالنسبة إلى الله تعالى، فالمراد من حسن الظن بالله هو أن يثق الإنسان بالوعد الإلهي في مورد الرزق أو العناية بالعبد أو نصرة المؤمنين والمجاهدين، أو الوعد بالمغفرة والتوبة على المذنبين، وأمثال ذلك. ومعنى سوء الظن بالله تعالى هو أنّ الإنسان عندما يجد نفسه في زحمة المشكلات والمصاعب، فإنّه قد يعيش عدم الثقة بالوعد الإلهي، وعندما يقع في بعض الابتلاءات العسيرة وفي المسائل المالية وغيرها، فإنّه قد ينسى وعد الله تعالى للصابرين، والذين يتحرّكون في خطّ الاستقامة والانضباط والمسؤولية، ويتحرّك عندها في خطّ المعصية والإثم؛ روي عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: "لا إِيمـانَ مَعَ سُوءِ ظَنِّ"4.

3- الفيض الكاشاني،المحجة البيضاء، ج5، ص268.
4- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،ص536.
 
40
 

32

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

 2 - سوء الظن في القرآن الكريم:
لقد تحدّثت عدّة آيات كريمة عن هذا المرض الأخلاقي الفتّاك في الأفراد والمجتمعات، نقتصر منها على آيتيتن:
الآية الأولى: سوء الظن بالناس: تستعرض الحديث عن سوء الظن، وتنهى المؤمنين بصراحة وبشدة عن سوء الظن في تعاملهم الاجتماعي فيما بينهم، وتشير إلى أنّه قد يكون بمثابة المقدمة إلى التجسّس والغيبة، وتقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾.5
 
وقد ورد في الآية التعبير "كثيراً من الظن" لأنّ أكثر أشكال الظن بين الناس بالنسبة إلى الطرف الآخر تقع في دائرة السوء والشر؛ لذلك ورد التعبير بقوله كثيراً.والملفت للنظر هو أنّ هذه الآية بعد النهي عن كثير من الظن، ذكرت العلّة في ذلك، وقالت بأنّ بعض الظنون هي في الحقيقة إثم وذنب، وهو إشارة إلى أنّ الظنون السيّئة قسمان: فمنها ما يطابق الواقع، ومنها ما يخالف الواقع. فما كان على خلاف الواقع يكون إثماً وذنباً، وبما أنّ الإنسان لا يعلم أيّهما المطابق للواقع وأيّهما المخالف، فيجب تجنّب الظن السيّء إطلاقاً؛ حتى لا يتورّط الإنسان في سوء الظن المخالف للواقع، وبالتالي يقع في الإثم وممارسة الخطيئة؛ روي عن الإمام علي عليه السلام قوله: "سُوءُ الظَّنِّ يُفسِدُ الأمور وَيَبعَثُ عَلَى الشُّرُورِ"6.
 
وبما أنّ سوء الظن بالنسبة إلى الأعمال الخاصّة للناس، يعدّ أحد أسباب التجسّس، وأحد الدوافع التي تقود الإنسان إلى أن يتجسّس على أخيه، والتجسّس بدوره يتسبّب أحياناً في الكشف عن العيوب المستورة للآخرين، وبالتالي سيكون سبباً ودافعاً للغيبة أيضاً، لذلك فانّ الآية الشريفة تتحدّث عن سوء الظن أوّلا، وفي المرحلة الثانية ذكرت التجسّس، وفي الثالثة نهت عن الغيبة.ولهذا اعتبره النبي صلى الله عليه واله وسلم

5- الحجرات، 12.
6- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،ص283.
 
41

33

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

 من أكذب الكذب، فروي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "إِيّاكُم وَالظّنُّ؛ فَاِنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الكِذبِ"7، بل هو من أقبح الظلم كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "سُوءُ الظَّنِّ بِالمُحسِنِ شَرُّ الإِثمِ وَأَقبَحُ الظُّلمِ"8.
 
الآية الثانية: سوء الظن بالله تعالى:قال تعالى:﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾9.
 
تتحدّث هذه الآية عن سوء الظن بالنسبة إلى ساحة الربوبية، والحقيقة المقدّسة الإلهية، فتقول: إنّ سوء الظن بالله تعالى من جانب هؤلاء، هو لأنّهم كانوا يتصوّرون أنّ الوعود الإلهية للنبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم سوف لن تتحقّق أبداً، وأنّ المسلمين مضافاً إلى عدم انتصارهم على العدو، فإنّهم لن يعودوا إلى المدينة إطلاقاً، كما كان في ظن المشركين أيضاً حيث توهّموا أنّهم سوف يهزمون رسول الله وأصحابه، لقلّة عددهم وعدم توفّر الأسلحة الكافية في أيديهم، وأنّ نجم الإسلام منذر بالزوال والأفول، في حين أنّ الله تعالى وعد المسلمين النصر الأكيد، وتحقّق لهم ذلك، بحيث إنّ المشركين لم يتجرّؤوا أبداً على الهجوم على المسلمين مع أنّ المسلمين في الحديبية وعلى مقربة من مكّة كانوا تحت يدهم، ولم يكونوا يحملون أيّ سلاح، لأنّهم كانوا قاصدين زيارة بيت الله الحرام، وهكذا ألقى الله تعالى الرعب والخوف في قلوب المشركين، إلى درجة أنّهم خضعوا ووجدوا أنفسهم ملزمين بكتابة الصلح المعروف بصلح الحديبية، ذلك الصلح الذي مهّد الطريق للانتصارات الباهرة التي نالها المسلمون فيما بعد.
 
والملفت للنظر في هذه الآية أنّ مسألة سوء الظن بالله تعالى كانت بمثابة القدر

7- المحجة البيضاء، ج5، ص268.
8- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص284.
9- الفتح، 6.
 
42
 

34

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

 المشترك بين المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، وبيّنت هذه الآية أنّ جميع هذه الفئات والطوائف شركاء في هذا الأمر، بخلاف المؤمنين الذين يحسنون الظنّ بالله تعالى وبوعده وبرسوله الكريم، ويعلمون أنّ هذه الوعود سوف تتحقّق قطعاً، ولعلّ تحقّقها قد يتأخّر فترة من الوقت لمصالح معيّنة، ولكنها أمر حتمي في حركة عالم الوجود؛ لأنّ الله تعالى العالم بكل شيء والقادر على كل شيء لا يمكن مع هذا العلم المطلق والقدرة اللاّمتناهية أن يتخلّف في وعده.
ولا شك أنّ سوء الظن بالله تعالى يختلف كثيراً عن سوء الظن بالناس؛ لأنّ سوء الظن بالناس غالباً ما ينتهي بارتكاب الإثم أو سلوك طريق خاطئ في التعامل مع الطرف الآخر، في حين أنّ سوء الظن بالله تعالى يتسبّب في تزلزل دعائم الإيمان وأركان التوحيد في قلب المؤمن، أو أنّه يكون دافعاً وعاملاً من العوامل لذلك؛ لأنّ الاعتقاد بأنّ الله تعالى قد يخلف وعده يقع في دائرة الكفر، فخلف الوعد إمّا ناشئ من الجهل أو العجز أو الكذب، ومعلوم أنّ كل واحد من هذه الأمور محال على الله تعالى، وأنّ الذات المقدّسة منزّهة عن هذه الأمور السلبية؛ ولهذا السبب فإنّ الآيات محل البحث التي تستعرض سوء الظن بالله تذمّ هذه الحالة بشدّة وعنف.

3- مراتب سوء الظن:
يمكننا تقسيم سوء الظن إلى قسمين:
أ ـ سوء الظن اللّساني والعملي: وهو سوء الظن الذي يتجسّد في أفعال الشخص وكلماته وأقواله، وهذا النوع من سوء الظن هو المحرّم شرعًا والذي يترتّب عليه العقاب.

ب ـ سوء الظن النفسي: وهو سوء الظن الذي لا يترتّب عليه أثر خارجي، وهو خارج تماماً عن دائرة اختيار الإنسان وإرادته، ولا يمكن إزالته بشتى الوسائل، فمثل
 
43

35

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

 هذا الظن السيء لا يكون مشمولاً للتكاليف الشرعية مادام الإنسان لم يرتّب عليه أثراً معيّناً. ولهذا فإنّ سوء الظن هذا الذي يقفز إلى ذهن الإنسان بدون اختيار منه لا يكون مورد الذمّ والعقاب لوحده، فلو أنّه لم يتجسّد في مرحلة العمل، ولم يرتّب الإنسان عليه أثراً على مستوى الممارسة والكلام، ولم يصدر منه سلوك يشير إلى سوء الظن هذا، فإنّه لا يقع مورد الذمّ ولا العقاب؛ ولذلك ذكر بعض علماء الأخلاق توثيقهم في هذا المجال: وَأَمّا الخَواطرُ وَحَدِيثُ النَّفسِ فَهُو مَعفُوٌ عَنهُ... وَلَكنَّ المَنهِيَّ عَنهُ أَنْ تَظُنَّ. والظَّنُّ عِبـارَةٌ عَمّا تِركَنُ إِلِيهِ النَّفسُ وَيَميلُ إِلَيهِ القَلبُ".وقد ورد في بعض الروايات قوله عليه السلام : "وإِذا ظَننتَ فلا تَحَقِّقْ"10. وورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "اُطلُبْ لأخِيكَ عُذراً، فَانْ لَم تَجِدْ لَهُ عُذراً فَالتَمِسْ لَهُ عُذراً"11.
 
4 - الآثار السلبيّة لسوء الظّن بالناس:
إنّ اتساع دائرة سوء الظن في المجتمعات البشرية يترتّب عليها آثار سلبية وخيمة ومضرّات كثيرة،أهمّها ما يأتي:
أ- إنّ من أسوأ الآثار السلبيّة لهذه الرذيلة الأخلاقية على المستوى الاجتماعي، هو زوال الثقة بين أفراد المجتمع، والذي يعدّ محور المجتمعات البشرية، والعنصر المهم في عملية شدّ مفاصل المجتمع وتقوية الوشائج والعلاقات التي تربط بين أفراده، ومن ذلك قول الإمام علي عليه السلام : "شَرُّ النّاسِ مَنْ لا يَثِقُ بِأَحَد لِسُوءِ ظَنَّهِ وَلا يَثِقُ بِهِ أَحَذٌ لِسُوءِ فِعلِهِ"12.
 
فنجد أنّ المجتمع البشري الذي يسوده عدم الثقة بين أفراده،مثل هذا المجتمع تتبخّر فيه أجواء التعاون والتكاتف وتزول منه البركات الكثيرة للحياة المشتركة

10- المحجة البيضاء، ج5، ص268.
11- بحار الأنوار، ج72، ص196، ح15. 
12- ابن أبي الحديد، شرح النهج،ج18، ص379.
 
44

36

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

 في حياة الإنسان نقرأ في الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام قوله: "مَنْ سـاءَتْ ظُنُونُهُ، اعتَقَدَ الخِيـانَةَ بِمَنْ لا يَخُونُهُ"13.
 
ب- إنّ سوء الظن يؤدّي إلى تدمير وتخريب الهدوء النفسي والروحي لذلك المجتمع، كما يميت الهدوء النفسي لأصحاب هذه الرذيلة الأخلاقية، فمن يعِش سوء الظن لا يجد الراحة والاطمئنان في علاقته مع الآخرين، ويخاف من الجميع، وأحياناً يتصوّر أنّ جميع الأفراد يتحرّكون للوقيعة به ويسعون ضدّه، فيعيش في حالة دفاعية دائماً، وبذلك يستنزف طاقاته وقابلياته بهذه الصورة الموهومة.
 
ج- ومضافاً إلى ذلك، فإنّ في الكثير من الموارد نجد الإنسان يتحرّك وراء سوء ظنه، ويترجم سوء الظن هذا إلى عمل وممارسة، وبالتالي يوقعه في مشاكل كثيرة، وأحياناً يؤدّي به إلى ارتكاب جريمة سفك الدماء البريئة. وخاصة إذا كان سوء الظن يتعلّق بالعرض والناموس، أو يتصوّر أنّ الآخرين يتآمرون عليه ويهدفون إلى الوقيعة به في ماله أو عرضه، بحيث يمكن القول إنّ العامل الأصلي للكثير من الحالات الجنائية هو سوء الظن، الذي لا يقف على أساس متين، والذي يدفع الإنسان إلى ارتكاب حالات العدوان والجريمة بحقّ الأبرياء، ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "سُوءُ الظَّنِّ يُفْسِدُ الأمُورَ وَيَبْعَثُ عَلَى الشُّروُرِ"14
 
وعلى سبيل المثال، نشير إلى هذه الحادثة: دخل الطبيب النفسي يوماً ليعود مرضاه في مستشفى المجانين والمتخلّفين عقلياً،فرأى رجلاً قد جيء به حديثاً إلى هذا المكان، وهو يرّدد كلمة منديل مرّات عديدة، وعند ما بحث هذا الطبيب النفسي عن حاله، واستقصى مرضه العقلي، رأى أنّ السبب في جنون هذا الشخص هو أنّه رأى يوماً في حقيبة زوجته منديلاً يحتوى على قنينة عطر وبعض الهدايا المناسبة للرجال، فأساء الظن بزوجته فوراً، وتصوّر أنّها على ارتباط برجل

13- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص436.
14- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،،ص 283.
 
45
 

37

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

 أجنبي؛ فكان أن قتلها بدافع من الغضب الشديد وبدون تحقيق وفحص، وبعد أن فتح المنديل رأى في طيّاته ورقة كتب عليها، هذه هدية منّي إلى زوجي العزيز بذكرى يوم ولادته. وفجأة، أصابته وخزة شديدة، وشعر بضربة عنيفة في أعماق روحه، أدّت إلى جنونه، فكان يتذكّر هذا المنديل ويكرّره على لسانه.
 
د- إنّ سوء الظن يتسبّب في أن يفقد الإنسان أصدقاءه ورفاقه بسرعة، وبالتالي يعيش الوحدة والانفراد والعزلة، وهذه الحالة هي أصعب الحالات النفسية الّتي يواجهها الفرد في الحياة الاجتماعية؛ لأنّ كلّ إنسان يحترم مكانته وشخصيته، نجده غير مستعد لأن يعيش ويعاشر الشخص الذي يسيء الظن بأعماله الخيرة وسلوكياته الصالحة ويتّهمه بأنواع التهم الباطلة، وقد ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال: "مَنْ غَلَبَ عَلَيهِ سُوءُ الظَّنِّ، لَم يَترُكْ بَينَهُ وَبَينَ خَلِيل صُلحَاً"15.
 
هـ- إنّ سوء الظن باعتباره انحرافاً فكريّاً، فإنّه سيؤثّر بالتدريج على أفكار الإنسان الأخرى، وسيقود تصوّراته وأفكاره في طريق الانحراف أيضاً، فتكون تحليلاته بعيدة عن الواقع ومجانبة للصواب، فيمنعه ذلك من التقدّم، ونيل التوفيق في حركة الحياة، وقد ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "مَنْ سـاءَ ظَنُّهُ، سـاءَ وَهمُهُ"16.
 
5 - الآثار السلبية لسوء الظن بالله:
إنّ لسوء الظن بالله تعالى، وعدم الثقة بالوعود الإلهية الواردة في القرآن الكريم والأحاديث المعتبرة له، آثار سلبية مخرّبة في دائرة الإيمان والعقائد الدينية، حيث يمثّل سوء الظن عنصراً هدّاماً لإيمان الشخص، ويبعده عن الله تعالى، كما قرأنا في الروايات السابقة عن نبي الإسلام صلى الله عليه واله وسلم في مناجاة النبي داود عليه السلام قوله: "يـا 

15- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،ص433.
16- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص430.
 
46
 

38

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

 رَبِّ، مـا آمَنَ بِكَ مَنْ عَرَفَكَ فَلَم يُحسِنِ الظَّنَّ بِكَ"17.ومضافاً إلى ذلك، فإنّ سوء الظن بالوعود الإلهية يتسبّب في فساد العبادة وحبط العمل؛ لأنّه يقتل في الإنسان روح الإخلاص وصفاء القلب، وقد ورد: "إِيِّاكَ أَنْ تُسِيءَ الظّنَّ، فَإنَّ سُوءَ الظّنِّ يُفسِدُ العِبـادَةَ وَيُعَظِّمُ الوِزرَ"18.
 
6- التخلّص من سوء الظن بحسن الظن:
سوء الظن يفضي إلى إيجاد الخلل والارتباك في المجتمع البشري، ويؤدّي إلى سقوط الإنسان الأخلاقي والثقافي، ويورثه التعب والألم والشقاء والمرض الجسمي والروحي، بينما نجد في المقابل بأنّ حسن الظن يتسبّب في أن يعيش الإنسان الراحة والوحدة والاطمئنان النفسي؛ ولهذا السبب نجد أنّ الروايات تؤكّد على حسن الظن بالنسبة إلى الناس، وكذلك بالنسبة إلى الله تعالى. أمّا في مورد حسن الظن بالنسبة إلى الناس، وقدورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "حُسنُ الظَّنِّ مِنْ أَفضَلِ السَّجـايـا وَأَجزَلِ العَطـايـا"19، وعنه عليه السلام قوله: "حُسنُ الظَّنِّ يُخَفِّفُ الَهَمَّ، وَيُنجِي مِنْ تَقَلُّدِ الإِثمَ"20، بل واعتبر عليه السلام أنّه يورث المحبّة فوردعنه عليه السلام أنّه قال: "مَنْ حَسُنَ ظنُّهُ بِالنّاسِ، حـازَ مِنهُمُ المَحَبَّةَ"21.
 
أمّا بالنسبة إلى حسن الظنّ بالله تعالى، فقد ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال: "وَأَحسِنِ الظَّنَّ بِاللهِ، فَإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا عِندَ ظَنِّ عَبدِي المُؤمِنِ بِي، إنْ خَيراً فَخَيرٌ وَإِنْ شَرَّاً فَشَرٌّ"22.
 
وورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "وَالَّذِي لا إِلـه إِلاّ هُوَ، لا يَحسُنُ ظَنُّ عَبدٍ 

17- بحار الأنوار، ج67، ص394.
18- غرر الحكم،ح 2709.
19- السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة،ج14، ص173.
20- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،ص228
21- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص435.
22- أصول الكافي، ج2، ص72، ح3.
 
47
 

39

آفة سوء الظنّ وآثارها الاجتماعية

 مُؤمِن بِاللهِ، إِلاّ كـانَ اللهُ عِندَ ظَنِّ عَبدِهِ المُؤمِنِ؛ لأَنَّ اللهَ كَرِيمٌ، بِيَدِهِ الخَيراتُ، يَستَحِيي أَنْ يَكُونَ عَبدُهُ المُؤمِنُ قَدْ أَحسَنَ بِهِ الظَّنَّ، ثُمَّ يُخلِفُ ظَنَّهُ وَرَجـاءَهُ؛ فَأَحسِنُوا بِاللهِ الظَّنَّ، وَارغَبُوا إِلِيهِ"23.

23- بحار الأنوار، ج67، ص365، ح14.
 
48

 

40

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

 مفاهيم محورية:
• وقاية الأهل والنفس من النار.
• ضعف العفّة وهيمنة الشهوات.
• الشائعات وأثرها في خراب المجتمع.
• انتشار السم القاتل: الخمر والمخدرات.
 
49

41

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

 تصدير الموضوع:
روي عن النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال في حجّة الوداع: "إنّ من أشراط القيامة إضاعة الصلاة، وإتباع الشهوات، والميل مع الأهواء وتعظيم المال، وبيع الدنيا بالدين، فعندها يُذاب قلب المؤمن في جوفه كما يُذاب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يُغيّره، ثم قال: إنّ عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، ويؤتمن الخائن، ويُخوّن الأمين، ويُصدّق الكاذب، ويُكذّب الصادق، ثم قال: فعندها يجفو الرجل والديه ويبرّ صديقه، ثم قال: فعندها يكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء،... ويشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال... فعليهم من أمتي لعنة الله، ثم قال: إنّ عندها... تكثر الصفوف والقلوب متباغضة، والألسن مختلفة، ثم قال: فعند ذلك تحلى ذكور أمتي بالذهب، ويلبسون الحرير والديباج،... ثم قال: فعندها يظهر الربا، ويتعاملون بالغيبة والرشا، ويوضع الدين وترفع الدنيا، ثم قال: وعندها يكثر الطلاق فلا يقام لله حد ولن يضر الله شيئاً، ثم قال: وعندها تظهر القينات والمعازف... ثم قال: وذلك إذا انتهكت المحارم، واكتسب المآثم، وتسلّط الأشرار على الأخيار، ويفشو الكذب، وتظهر الحاجة،... إلى أن قال: فأولئك يدعون في ملكوت السماء الأرجاس الأنجاس"1.

1- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج11، ص278، باب جملة مما ينبغي تركه من الخصال.
 
51
 

42

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

 1 - وقاية الأهل والنفس من النار:

 

يخاطب القرآن الكريم جميع المؤمنين، ويرسم لهم المنهج الصالح لتربية الزوجات والأولاد والأسرة بشكل عام، فهو يقول أولاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾2، وذلك بحفظ النفس من الذنوب وعدم الاستسلام للشهوات والأهواء، وحفظ العائلة من الانحراف بالتعليم والتربية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتهيئة الأجواء الصالحة والمحيط الطاهر من كل رذيلة ونقص. وينبغي مراعاة هذا البرنامج الإلهي منذ اللحظات الأولى لبناء العائلة، أي منذ أول مقدّمات الزواج، ثم مع أول لحظة لولادة الأولاد، ويُراعى ويُلاحظ بدقّة حتى النهاية. فإنّ حقوق الزوجة والأولاد لا تقتصر على توفير المسكن والمأكل، بل الأهم تربية نفوسهم وتغذيتها بالأصول والتعاليم الإسلامية وتنشئتها نشأة تربوية صحيحة.
 
والتعبير ب‍ "قوا" إشارة إلى أنّ ترك الأطفال والزوجات دون أية متابعة أو إرشاد سيؤدّي إلى هلاكهم ودخولهم النار شئنا أم أبينا. لذا عليكم أن تقوهم وتحذّروهم من ذلك "الوقود" وهو المادة القابلة للاشتعال مثل (الحطب) وهو بمعنى المعطي لشرارة النار كالكبريت - مثلاً - فإنّ العرب يطلقون عليه (الزناد). وبناءً على هذا فإنّ نار جهنم ليس كنيران هذا العالم، لأنّها تشتعل من داخل البشر أنفسهم ومن داخل الصخور وليس فقط صخور الكبريت التي أشار إليها بعض المفسّرين، فإنّ لفظ الآية مطلق يشمل جميع أنواع الصخور3.
 
وفي هذا الزمان تكثر المفسدات الاجتماعية وتتنوّع الابتلاءات بها بين الناس، وقد عدّدت الرواية في مطلع هذا الدرس الكثير من هذه المفسدات الخطيرة، وسنقتصر بالكلام عن بعض هذه الأمراض والابتلاءات المعاصرة وأهمها:

2- التحريم، 6.
3- مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج18، ص454.
 
52
 

43

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

 2 - ضعف العفّة وهيمنة الشهوات:
تقع "العفّة" في النقطة المقابلة لـ "شهوة البطن والفرج" وهي عبارة عن حصول حالة للنفس تمتنع بها من غلبة الشهوة، وتحفظها من الميول والشهوات النفسانية، وعلى هذا فالعفّة صفة باطنية، وقد ذكر علماء الأخلاق في تعريف العفّة: أنّها الحدّ الوسط بين الشهوة والخمود. وعلى أي حال فإنّ المستفاد من آيات القرآن الكريم والروايات الإسلامية أنّ العفّة من أعظم الفضائل الأخلاقية والإنسانية، ولا يمكن لأي شخص أن يسير نحو الكمال من دون التحلّي بها ونجد في حياتنا الدنيوية أنّ كرامة الإنسان وشخصيته وسمعته رهينة بالتحلّي بهذه الفضيلة الأخلاقية4
 
أ- قيمة العفّة في الإسلام: 
لقد تحدّثت الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وأهل بيته  عن قيمة العفة، وجعلت العفيف بمنزلة الملائكة، ووصف العفاف بأنّه أفضل من العبادة. روي عن الإمام علي عليه السلام : "أفضل العبادة العفاف"5، وعنه عليه السلام : في وصيته لمحمد بن أبي بكر لمّا ولّاه مصر: "يا محمد بن أبي بكر، اعلم أنّ أفضل العفّة الورع في دين الله والعمل بطاعته..."6. وعنه عليه السلام أيضاً: "ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممّن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة"7. وهي أفضل شيمة، وعنه عليه السلام : "العفة أفضل الفتوة"، "وأفضل شيمة، والعفاف زينة الفقر"، وعنه عليه السلام : "زكاة الجمال العفاف"8.

4- آية الله ناصر مكارم شيرازي، الأخلاق في القرآن الكريم، ج1، بتصرّف.
5- الكافي، ج2، ص79، ح3.
6- بحار الأنوار، ج77، ص390، ح11.
7- نهج البلاغة، الحكمة 474.
8- غرر الحكم، 729،730،1168،529،1989،35.
 
53
 

44

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

 ج- الحثّ على عفّة البطن والفرج: 
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾9. وعن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "أحب العفاف إلى الله تعالى عفاف البطن والفرج"10. وعن الإمام علي عليه السلام : "إذا أراد الله بعبدٍ خيراً أعف بطنه وفرجه"11
 
فالعفّة برنامج حياة وخلق وأدب، يجب أن يتحلّى بها من أراد السموّ والمروءة، ومن أهم أسباب وأسرار تماسك المجتمعات والأسر هو وجود العفّة قوّية راسخة في ذلك المجتمع. وإنّ من أسباب تفكّك المجتمعات والأسر، هو ضياع العفّة وضعفها، وكثرة الابتذال، والتحلّل من القيود والضوابط الدينية، بلا فرق بين الفقهي، والأخلاقي، والاجتماعي والمالي منها، وأكثر ما يؤدّي إلى الابتذال وضعف العفّة أو عدم وجود العفاف هو: 
 
• وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة وما تُقدّمه من سموم عبر شاشاتها ووسائلها المختلفة.
• حملات الإفساد الموجّهة للمرأة، وتزيين الفاحشة لها، وذلك بالدعوة للتبرّج والسفور، وترك الحجاب. 
• تأخّر الزواج عند الشباب، وذلك بسبب صعوبة المعيشة وارتفاع المهور.
• قلّة الورع، وقلة الأمانة، وعدم المبالاة بالحلال والحرام.

9- المعارج، 29 - 30.
10- تنبيه الخواطر، 2/30.
11- غرر الحكم، 4114.
 
54
 

45

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

 3 - الشائعات وأثرها في خراب المجتمع:
تشكّل الشائعات أحد الأسباب الرئيسة للكثير من الفتن والاعتداءات والقتل وهتك الأعراض، مع أنّ الإشاعة لا تستند إلى دليل في أغلب الحالات. وقد عالج الدين الإسلامي هذه الظاهرة بالحثّ على التبيّن والتحقّق من الأخبار التي تطرق آذانهم والنهي عن الأخذ بالأخبار إذا جاءت من الفاسقين. 
 
قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين﴾12، والمعنى واضح وهو الأمر بالتأنّي وعدم العجلة حتى تظهر الحقيقة فيما أنبأ به الفاسق. 
 
ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾13، أي لا تنقل خبراً إلا بعد التثبُّت من صحته من قول يقال أو رواية تروى ومن حكم شرعي أو قضية اعتقادية ولا تشهد إلا بما رأت عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك.
 
أما في السنة فإنّ النبي صلى الله عليه واله وسلم ينهانا عن كثرة الكلام ويحثّنا على وجوب تمحيص المسموع، وأن يكون لدينا معيار نقيس عليه ما يرد على أذهاننا من كلام فنأخذ منه ما يوافق الشرع ونطرح ما يخالفه، فقد قال صلى الله عليه واله وسلم : "إنّ الله كره لكم ثلاثاً قيلٌ وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال"14، ومعنى (قيل وقال): تجنّب كثرة الكلام وتناقله لأنّها لا تخلو من الخوض في الباطل ولا من الاغتياب ولا من الكذب، وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه واله وسلم : "كفى بالمرء كذباً أن يُحدّث بكل ما سمع"15.

12-الحجرات، 6.
13-الإسراء، 36.
14-رواه البخاري في صحيحه ج2، ص537ـ حديث رقم 1407ـ كتاب الزكاة ـ باب لا يسألون الناس إلحافاً.
15-رواه مسلم في صحيحه ج1، ص10ـ حديث رقم 5 ـ المقدمة ـ باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.
 
55

46

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

 4 - انتشار السم القاتل الخمر والمخدرات:
من الأمور الأساسية التي تبتلى بها المجتمعات الحديثة، وتؤدّي إلى الفساد والانحراف، الخمر والمخدرات:
 
أ- تحريم الخمر في الإسلام: 
كان الخمر سلعة رئيسة في المجتمع العربي قبل الإسلام، ومورداً اقتصادياً هاماً، ولهذا كان تداول الناس به على مستوى الصناعة، التجارة، والشرب وغيرها من الأمور الطبيعية وشبه اليومية عند شرائح كثيرة من الناس. ونظراً للمفاسد والأضرار الكبيرة الناشئة عنه حرص المشرّع الإسلامي على القضاء على هذه الآفة ضمن سلسلة من المحرّمات التي تضمن سلامة المجتمع وتحصينه. وهو ما جاء في القرآن الكريم في عدة آيات، قال الله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾16
 
وفي آية أخرى قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾17
 
وفي مورد أخرى قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾18. فالواضح أنّ الله تعالى قد أوضح المفاسد والآثار السلبية الناشئة عن الخمر، حتى اعتبره رجس من عمل الشيطان، وأمر بالاجتناب عنه. وجاء في العديد من الروايات تحريم كل مسكر غير الخمر، ومنها صحيحة فضيل حيث ذكر فيها "وحرّم الله الخمرة بعينها، وحرّم رسول الله المسكر

16-البقرة، 219.
17-المائدة، 91.
18-المائدة، 90.
 
56
 

47

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

من كل شراب فأجاز الله له ذلك"19 إذن فتحريم الخمر صادر عن الله تعالى، وتحريم بقية المسكرات صدر عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وكلاهما تشريع إسلاميّ ملزم للناس.
 
ب- تعاطي المخدّرات:
مشكلة المخدّرات من أخطر المشاكل الصحية والاجتماعية والنفسية التي تواجه العالم أجمع وطبقاً لتقديرات المؤسّسات الصحية العالمية يوجد ما يزيد عن 800 مليون من البشر يتعاطون المخدرات أو يدمنونها20.
 
والمخدّرات في مجملها تؤثّر على المخ وهذا سرّ تأثيرها والكثير منها يتسبّب في ضمور (موت) بعض خلايا الجزء الأمامي لقشرة الدماغ ( Cortex). وهناك مخدّرات تسبّب إدماناً نفسياً دون تعوّد عضوي لأنسجة الجسم مثل: القنب (الحشيش)، القات، وعند توفّر الإرادة لدى المتعاطي فإن الإقلاع لا يترك أي أعراض على المتعاطي.
 
وهناك مخدرات تُسبّب إدماناً نفسياً وعضوياً أهمها: الأفيون، المورفين، الهيروين، الكوكايين، الكراك وكذلك الخمور وبعض المنوّمات والمهدّئات. والإقلاع عن تعاطي تلك المخدرات يتسبّب في أعراض قاسية للغاية تدفع المتعاطي للاستمرار بل وزيادة تعاطيه. لذلك يجب التنبّه من عدم الوقوع في شرك المخدّرات والمبادرة إلى طلب المشورة والعلاج مهما كانت مرحلة الإدمان حيث سوف تتحقّق المكاسب الصحية لا محالة. 
 
وأما أعراض الخمور وأضرارها فحدّث عن ذلك ولا حرج فأمراض القلب

19-راجع وسائل الشيعة ج27 باب تحريم كل مسكر والوافي ج2 ص142.
20-الإدمان على مخدر ما، يعني تكوّن رغبة قوية وملحة تدفع المدمن إلى الحصول على المخدر وزيادة جرعته بأي وسيلة، مع صعوبة أو استحالة الاقلاع عنه سواء للاعتماد (الإدمان) النفسي أو لتعوّد أنسجة الجسم عضوياً ( Drug Dependency ) وعادة ما يعاني المدمن من قوة دافعة قهرية داخلية للتعاطي بسبب ذلك الاعتماد النفسي أو العضوي. ولقد تضافرت عديد من العوامل السياسية، الاقتصادية والاجتماعية لتجعل من المخدرات خطراً يهدّد العالم أو كما جاء في بيان لجنة الخبراء بالأمم المتحدة " إن وضع المخدرات بأنواعها في العالم قد تفاقم بشكل مزعج وأن المروّجين قد تحالفوا مع جماعات إرهابية دولية لترويج المخدرات".
 
57
 

48

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

وتصلّب الشرايين، وقرحة المعدة، وانتكاسة الجهاز الهضمي، وجملة الأعراض العقلية والنفسية والسلوكية، وتعرض الجينات الوراثية للأخطار، والتأثير على الأجنة والمواليد، عدا التضحية بالعقل والمال والوقار، وهكذا...
 
ج- من الأضرار الاجتماعية للمخدّرات:
• انهيار المجتمع وضياعه بسبب ضياع اللبنة الأولى للمجتمع وهي ضياع الأسرة.
• تسلب من يتعاطاها القيمة الإنسانية الرفيعة، وتهبط به في أودية البهيمية، حيث تؤدّي بالإنسان إلى تحقير النفس فيصبح دنيئاً مهاناً لا يغار على محارمه ولا على عرضه، وتفسد مزاجه ويسوء خلقه.
• سوء المعاملة للأسرة والأقارب فيسود التوتّر والشقاق، وتنتشر الخلافات بين أفرادها.
• امتداد هذا التأثير إلى خارج نطاق الأسرة، حيث الجيران والأصدقاء.
• تفشّي الجرائم الأخلاقية والعادات السلبية، فمدمن المخدرات لا يأبه بالانحراف إلى بؤرة الرذيلة والزنا، ومن صفاته الرئيسة الكذب والكسل والغش والإهمال والسرقة.
 
د- الحكم الشرعي للمخدرات: 
أجمع علماء المسلمين من جميع المذاهب على تحريم المخدرات، كونها تؤدّي إلى الإضرار في دين المرء وعقله وطبعه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾21. وحرّم رسول الله المسكر من كل شراب كما جاء في العديد من الروايات، وقد نهى الدين 

21-المائدة، 90.
 
58
 

49

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

الإسلامي عن كل ما يؤدّي إلى الإضرار بالنفس، أو بالآخرين، وهو ما أجمع عليه فقهاء المسلمين من جميع المذاهب.
 
نماذج من الفتاوى:
• يحرم تعاطي كل ما يضر بالبدن والعقل حرمة شديدة كالأفيون والحشيش والكوكايين وجميع أنواع المخدرات الضارة والسموم22.
 
• أورد الفقهاء في رسائلهم العملية فتاوى جامعة في حرمة الخمر والمخدرات هذه خلاصتها: يحرم استعمال المخدّرات مع ما يترتّب عليه من الضرر البليغ، سواء من جهة إدمانه، أم من جهة أخرى، بل الأحوط لزوما الاجتناب عنها مطلقاً، إلا في حالات الضرورة الطبية ونحوها، فتستعمل بمقدار ما تدعو إليه الضرورة.
 
ولقد وقف الإسلام موقفًا حازمًا من الخمر وشربه وبيعه وغرسه وعصره وحمله، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾23
 
وروي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم "من شرب الخمر بعد ما حرّمها الله على لساني فليس بأهل أن يزوّج إذا خطب، ولا يشفع إذا شفع، ولا يُصدّق إذا حدّث، ولا يؤتمن على أمانة"24. وفي رواية معتبرة: "لعن الله الخمر وغارسها وعاصرها، وشاربها، وساقيها، وبايعها، وشاريها، وآكل ثمنها، وحاملها، والمحمولة إليه"25. وقد عدّ الفقهاء الخمر من الأعيان النجسة فقالوا: الخمر، ويلحق بها كل مسكر مائع

22-الغروي، محمد، الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت عليهم السلام، ص19.
23-المائدة، 90-91.
24-فروع الكافي، ج6، ص396.
25-الصدوق، من لا يحضره الفقيه،ج4،ص4.
 
59

50

الوقاية من أمهات مفسدات المجتمع

 بالأصالة من النجاسات، وأما الجامد كالحشيشة - وإن غلى وصار مائعًا بالعرض - فهو طاهر لكن الجميع حرام بلا إشكال. وحرّموا أيضاً بيع العنب أو التمر ليعمل خمراً. وكذا تحرم ولا تصح إجارة المساكن لتباع فيها الخمرة أو تحرز فيها، أو يعمل فيها شيء من المحرّمات، وكذا تحرم ولا تصح إجارة السفن أو الدواب أو غيرها لحمل الخمر، والأجرة في ذلك محرّمة، بل وحرّموا الأكل من مائدة يُشرب عليها الخمر أو المسكر، ويحرم الجلوس عليها.
ولمّا كان الأصل في حرمة الخمر هو الإسكار، فكل الفصائل المسكرة محرّمة كالبيرة والبارندي والويسكي وأمثالها، لأنّ القاعدة: حرمت الخمر لإسكارها، وبعبارة أوضح تحرم تلك الأصناف عامة لأنّها مسكرة ومنها الفقاع - وهو البيرة – شراب مخصوص متّخذ من الشعير غالباً، وليس منه ماء الشعير الذي يصفه الأطباء. ولا يجوز للمسلم تقديم الخمر لأي كان، وإن كان مستحلّاً له، ولا يجوز له غسل أوانيه، ولا تقديمها لغيره، إذا كان ذلك الغسل وهذا التقديم مقدّمة لشرب الخمر فيها. كما لا يجوز إجارة نفسه لبيع الخمر، أو تقديمه، أو تنظيف أوانيه مقدّمة لشربه، كما لا يجوز له أخذ الأجرة على عمل كهذا لأنه حرام...
 
60

51

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحصين المجتمع

مفاهيم محورية:
• المفاسد الشائعة في المجتمع وطرق معالجتها.
• أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوبهما.
• معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
• مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 
61

 


52

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحصين المجتمع

 تصدير الموضوع:
قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾1.
 
مقدّمة:
تقوم فلسفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مبدأ تعزيز الإيمان بالله، واحترام القيم والمقدّسات الدينية والإنسانية, وحماية المجتمع الإسلامي من الانحرافات الثقافية والأخلاقية التي تهين كرامتنا، وتسيء إلى أطفالنا وشبابنا ونسائنا وأهلنا, فتشوِّه نفوسهم وتلوِّث فطرتهم، وتحرف أخلاقهم، وتدفع بهم نحو الابتذال والخواء واللغو، وحماية الأسرة من التسيّب الأخلاقي والتربوي, والتحذير من الآثار السلبية لوسائل الإعلام والإنترنت ونحوها.
 
1 - المفاسد الشائعة في المجتمع وطرق معالجتها:
تنتشر في مجتمعاتنا الإسلامية الكثير من المفاسد الخطيرة، مّا يؤدّي إلى ضعف الارتباط بالدين والرسالة، فضلاً عن فساد الأفراد والمجتمعات.

1-آل عمران،110.
 
63
 

53

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحصين المجتمع

 أ- الأسباب:
• ضعف الثقافة الإسلامية والروح الإيمانية.
• عدم قيام من تتوفَّر بهم الشرائط بواجباتهم كما يجب.
• عدم وجود خطط وبرامج منظّمة للأمر والنهي والإرشاد.
• عدم كفاية البرامج والنشاطات الموجودة.
• ضعف التأثير وجمود الأساليب المعتمدة.
• انتشار وتطوّر وتعدّد مراكز وعناوين الفساد والانحراف والمنكر.

ب- أنواع المفاسد:
تبرز المفاسد بين الناس في عناوين متنوّعة، بلا فرق بين الأفراد والجماعات:
• الشهوات والحاجات الجنسية للجنسين.
• الحفلات، الاحتفالات، الاختلاط بشكل عام.
• الاستماع إلى الموسيقى والغناء المحرّمين.
• وسائل الإعلام، الفضائيات، الكتابات، المنشورات.
• الاستفادة السلبية من الكمبيوتر والإنترنت.
• الظلم والاعتداء والغشّ والمكر والخديعة.

ج- طرق المعالجة:
• بثّ روح الثقافة الإسلامية والإيمانية.
• تنويع وتطوير البرامج الدينية والثقافية.
• المواجهة العملية والجدّية لكل وسائل وبرامج ومفردات الإعلام المنحرف.
• التنشيط الاجتماعي والتواصل مع شرائح المجتمع كافة، وبعناوين مختلفة، نجتمع فيها مع الآخرين.
 
64

54

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحصين المجتمع

• التوجيه الدائم للاستفادة الإيجابية من الوسائل الحديثة.
• تنشيط الروحية الرسالية والتربوية بين الناس، بواسطة الاقتداء بنماذج في موقع القدوة والتأثير.
• إيجاد بدائل عملية ووسائل فاعلة في عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
• وضع خطط وبرامج منظّمة من لجان أو جمعيات خاصة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بإشراف العلماء والحوزات العلمية والجمعيات والمؤسسات.
 
2 - أهمّية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوبهما:
أ- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضروريات الدين: وهما من أسمى الفرائض وأشرفها، وبهما تقام الفرائض، ووجوبهما من ضروريات الدين، ومنكرهما مع الالتفات بلازمهما من الكافرين2.
 
ب- وجوب الأمر والنهي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الأمّة جمعاء: فيجب الأمر والنهي على كلّ من تتوفَّر فيه الشرائط من العلماء، وغيرهم من الرجال والنساء، وحتى الفسّاق، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾3.
 
روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "لا تزال أمّتي بخير، ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ، فإذا لم يفعلوا ذلك، نزعت منهم البركات، وسلّط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء"4.
 
وعن الإمام الرضا عليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: إذا أمّتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليأذنوا بوقاع من الله"5.

2- بتصرّف، الإمام روح الله الموسوي الخميني، تحرير الوسيلة، ج1، 462.
3- آل عمران، 104.
4- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 16، ص 123.
5- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 16، ص 118.
 
65
 

55

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحصين المجتمع

وهما واجبان كفائيان: فالأمر والنهي واجبان على نحو الوجوب الكفائي، فإذا تصدّى لهما من به الكفاية، لإنجاز المهمّة وتحقيق الواجب، سقط التكليف عن الباقين، غير أنّ وجوبه مستمرّ في عموم حالات المنكر، ما دام المنكر موجوداً والمعروف متروكاً.
 
3 - معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قيام المكلّف بواجب التصدّي لتارك المعروف أو لفاعل المنكر؛ لحثّه على فعل المعروف وترك المنكر بأحد الأساليب التي وضعتها الشريعة لذلك.
 
ولا بدّ قبل تفصيل هذه الفريضة الإلهية من تحديد أمرين هامّين:
أ- معنى المعروف: المراد بالمعروف كلّ فعل حسن أوجبَتْه الشريعة المقدّسة أو ندبت إليه، فإنْ كان واجباً كان الأمر به واجباً، وإنْ كان مستحبّاً كان الأمر به مستحبّاً.
 
ب- معنى المنكر: المراد بالمنكر كلّ فعل كرهته الشريعة، فحرّمت فعله أو حثّت على التنزّه عنه وتركه، فإنْ كان المنكر حراماً كان النهي عنه واجباً، وإنْ كان مكروهاً كان النهي عنه مستحبّاً وراجحاً.
 
4 - كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يجب أن يكون الأمر والنهي برفق ولين وهدوء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾6. وقال الله تعالى مخاطباً نبيّه موسى عليه السلام : ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾7.

6- النحل، 125.
7- طه، 43-44.
 
66
 

56

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحصين المجتمع

 وروي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم : قوله لعلي عليه السلام : "يا عليّ، إنّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق"8.
 
فلا بدّ من عدم الإفراط في الأمر والنهي ما يستلزم الإثقال على المأمور وتزهيده في الدين وتنفيره منه وانقلاب الأمر إلى ضدّه، وهذا يعني ضرورة تقديم الواجب والحقيقة بأسلوب موضوعي حكيم، يتناسب مع قابليات الإنسان وقدرته على الاستيعاب، وينسجم مع الزمان والمكان. روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "يا عمر، لا تحملوا على شيعتنا، وارفقوا بهم؛ فإنّ الناس لا يحتملون ما تحتملون"9.
 
5 - مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يمكن للمكلّف مع توّفر الشرائط، مهما كان موقعه في المجتمع، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويواجه العصاة والمنحرفين والمتمرّدين، بأساليب ثلاثة على نحو الترتيب؛ بمعنى أنّه لا يجوز التعدّي من مرتبة إلى أخرى مع إمكانية حصول المطلوب من المرتبة الدانية.
 
أ- المرتبة الأولى: الإنكار والانزجار القلبي: 
وهو أن يأتي بعمل يُظهر به انزعاجه وكراهته للمعصية. ولهذه المرتبة عدّة مظاهر، مثل:
• الإعراض عن فاعل المنكر بالوجه والبدن.
• ترك الكلام معه.
• عدم مصافحته أو السلام عليه.
• العبوس والانقباض في الوجه.
• المقاطعة والهجران.

8- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 1، ص 110.
9- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 16، ص 159.
 
67
 

57

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحصين المجتمع

 • عدم قبول الهدايا أو ردّها.
ولا بدّ هنا من الاقتصار على الدرجة الدانية فالدانية، والأيسر فالأيسر.

ب- المرتبة الثانية: الأمر والنهي اللساني: 
وهو الأمر والنهي بالكلمة، بالنحو المناسب والمؤثِّر. وتتحقّق هذه المرتبة بعدّة أمور، منها:
• الإرشاد والقول اللّين، وليس من الضروري أن يكون بصيغة الأمر والنهي.
• بصيغة البيان والتوضيح وشرح الأهداف والآثار.
• بصيغة الموعظة والتخويف من العقاب والترغيب في الثواب.
• بالصيغة الشديدة القوية الخالية من التهديد.
• بالصيغة الشديدة القوية المشتملة على التهديد والوعيد.

ج- المرتبة الثالثة: الإنكار باليد:
وهي إعمال القدرة البدنية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال استخدام القوّة التي تؤذي فاعل المنكر بشروط:
• استخدام المراتب من الأضعف إلى الأشد.
• أن تتمّ بإذن الإمام أو نائبه العام.
• إصرار ومعاندة فاعل المنكر.

فإذا علم بأن المرتبتين الأوليين لا تؤثّران، واحتمل التأثير بالثالثة، انتقل إليها.
ويجب مراعاة الأيسر فالأيسر هنا؛ فلو أمكنه المنع من فعل المنكر بالحيلولة بينه وبين المنكر، وجب الاقتصار عليه.
 
68

58

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

 مفاهيم محورية:
• أصالة الوحدة.
• أصول الوحدة في الدين الإسلامي.
• ما هي الوحدة المرجوّة؟
• واجبات المجتمع الوحدوي.
• ثقافة المداراة، لا التملّق والمداهنة.
 
69
 

59

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

 تصدير الموضوع:
قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾1.
 
1 - أصالة الوحدة: 
لقد حرص الإسلام في نظرته إلى الإنسانية على إرساء قواعد الوحدة بين أفراد الإنسانية جمعاء، فلا مائز لا من حيث الأجناس، أو الألوان، أو الأقاليم، بين أفراد البشرية، فالجميع من نفس واحدة، وطينة واحدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾2، وحتى الاختلاف الشكلي أو الظاهري الموجود لجهة اللون أو اللغة ونحوها، فهو آية من آيات الله، لها حكمتها وفلسفتها الخاصة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾3.
 
ولهذا، يمكن القول: إنّ الفرقة القسرية التي تفرضها طبيعة جغرافية الأرض

1- آل عمران، 103.
2- النساء، 1.
3- الروم، 22.
 
71

60

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

 والمساحات أو المسافات، لا تُلغي أو تحرف مبدأ التلاقي الإنساني بين جميع بني البشر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾4. فمبدأ التعارف القرآني هذا يُلغي المسافات ويُقرّب القلوب، ويفرض على الجميع نوعاً من الإلفة والمحبة والتعاون والإيثار، وهي أهم ركائز الوحدة المرجوّة.
 
2 - أصول الوحدة في الدين الإسلامي: 
لقد اعتبر القرآن الكريم أنّ مبدأ الوحدة من الثوابت والأصول الفكرية للبشر، التي ترتكز عليه منظومة الأخلاق والقيم التي تشكّل الرابط الأهم بين المجتمعات الإنسانية. ويتضّح هذا الأمر لكل من يلقي نظرة عامة إلى القرآن الذي يخاطب الناس جميعاً في الكثير من الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾، ﴿الْعَالَمِينَ﴾، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه﴾ ودعا في آيات أخرى إلى الاعتصام والتلاقي والتوحّد، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾5.
 
هذا كله إلى جانب وحدة الإله، والنبي المرسل صلى الله عليه واله وسلم ، والكتاب المنزل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾6، ﴿أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾7.
 
وورد في السنة الشريفة: "لا تختلفوا؛ فإنّ من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"8. "عليكم بالجماعة، وإياكم الفرقة"9.

4- الحجرات، 13.
5- البقرة، 214
6- سبأ، 29.
7- الأعراف، 158.
8- كنز العمال، ج1، ص177.
9- سنن الترمذي، ج4، ص466.
 
72
 

61

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

 3 - ما هي الوحدة المرجوّة؟ 
إذا كان الدين الإسلامي قد حرص على الوحدة الإنسانية، فضلاً عن الوحدة الإسلامية، بين أبناء هذا الدين الذي اهتم بتفاصيل العلاقة بين أفراده فضلاً عن كلياتها وأصولها، والتي تضمن - لو اتبعت - حياة سعيدة وهادئة لكل البشر، بل المخلوقات الحيّة، فأيّ وحدة تلك التي ينبغي أن تحكم علاقة المسلمين بين بعضهم، وترسم معالم العلاقة مع الآخر؟
 
هنا يمكن القول: إنّ مختلف عناوين الوحدة وأشكالها وصورها القائمة على المجاملات - التي لا تتعدّى حدود الألفاظ والشكليات- لا يمكن لها أن تُحقّق أدنى غاياتها، ولو كانت بأفضل صورها وأجملها وأرقاها. وليس هي ما يطمح إليها المسلمون الحريصون على قدسيّة الإسلام ومصالح بنيه وحفظ ثوابته العقائدية والفكرية؛ ولهذا، فإنّ الوحدة المرجوّة هي تلك الوحدة المرتكزة على الأصول الوحدوية للبشر التي ذكرها القرآن الكريم، إضافة للأصول والفروع التي ابتنيت عليها الشريعة الإسلامية، وكُلّف بها أبناؤه وغيرهم، والتي من المفترض أن تقضي على ظاهرة التفرقة والتباين والتكفير ونحوها، وتلغي كلّ المعيقات المصطنعة أو المدسوسة أو المنحرفة التي تمنع تلاقي المسلمين ووحدتهم؛ فقد ورد عن رسول الله أنّه قال صلى الله عليه واله وسلم : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر"10.
 
4 - واجبات المجتمع الوحدوي: 
تؤكّد النصوص الإسلامية على العديد من المفاهيم والقيم التي تساهم في تكريس ثقافة الوحدة وممارستها في المجتمع، وأكدّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأهل بيته عليه السلام على التآزر والتعاون والتواصل والتحابب ليكون الود والوئام والسلام هو الحاكم في

10- الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء، ج 3، ص 357.
 
73
 

62

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

 العلاقات الاجتماعية بين الفرد والمجتمع وبين الأفراد أنفسهم، ويبرز ذلك في العديد من الروايات، منها: 
 
أ- كلّكم مسؤول: جعل الإسلام كلّ مسلم مسؤولاً في بيئته الاجتماعية، يمارس دوره الاجتماعي من موقعه، روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "كلّكم راعٍ، وكلّكم مسؤول عن رعيّته"11ودعا أهل البيت  إلى استخدام الأساليب المؤدّية إلى الألفة والمحبّة، ونبذ الأساليب المؤدّية إلى التقاطع والتباغض؛ روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إذا سلّم أحدكم فليجهر بسلامه لا يقول: سلّمت فلم يردّوا عليّ، ولعلّه يكون قد سلّم ولم يُسمعهم؛ فإذا ردّ أحدهم فليجهر بردّه ولا يقول المسلم: سلّمت فلم يردّوا عليّ، ثمَّ قال: كان علي بن الحسين يقول: لا تغضبوا، ولا تُغضبوا، أفشوا السلام، وأطيبوا الكلام، وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام، ثمَّ تلا عليهم قول الله عز وجل: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِن﴾.. "12.
 
ب- المداراة والرفق: قال صلى الله عليه واله وسلم : "مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش" 13.
 
ج- إدخال السرور على المؤمنين: قال صلى الله عليه واله وسلم : "إنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ إدخال السرور على المؤمنين "14.
 
د- صدق الحديث وأداء الأمانة: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "أقربكم منّي غداً في الموقف أصدقكم للحديث، وأدّاكم للأمانة، وأوفاكم بالعهد، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس"15.

11- صحيح البخاري، ج9، كتاب الأحكام، حديث 2.
12- محمد تقي المجلسي، شرح من لا يحضره الفقيه، ص129.
13- الكافي، ج 2، 117.
14- الكافي، 2، 189.
15- تحف العقول: 32.
 
74
 

63

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

 هـ- النهي عن إشاعة الفاحشة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾َ 16.
 
و- النهي عن الغيبة والنميمة: في الحديث: "إياكم والغيبة؛ فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا، إنّ الرجل قد يزني ويتوب، ويتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يُغفر له حتى يغفر له صاحبه"17
 
وأخبر النبي صلى الله عليه واله وسلم أنّ النمّام يُعذّب في قبره. وأخبر أنّ النمام لا يدخل الجنة يوم القيامة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم : "لا يدخل الجنة نمّام"18.
 
ز- عدم الخضوع للشيطان: يودّ الشيطان إيقاع العداء والتشاحن بين المسلمين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾19. وروي عن الإمام الصادق عليه السلام : "لا يزالُ إبليس فرحاً ما اهتجر المُسلمانِ، فإذا التقيا اصطكّت رُكبتاهُ وتَخلّعت أوصاله، ونادى يا ويله ما لقي من الثُّبور"20.
 
ح- إصلاح ذات البين: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾21، وقد أولت الأحاديث موضوع الإصلاح بين الناس أو إصلاح ذات البين أهمّية فائقة، إلى حدّ أنّ الإسلام لم يُجز التهاجر بين مسلم وآخر أكثر من ثلاثة أيام، كما ورد في بعض الروايات.
 
روي عن الإمام الصادق عليه السلام : "صدقةٌ يُحبّها الله: إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارُبٌ بينهم إذا تباعدوا"22.
 
وأكّدت الأخبار في العديد من الموارد على تنمية الإحساس بالمسؤولية الإسلامية

16-النور،19.
17-الحر العاملي، وسائل الشيعة،ج12، ص284، باب تحريم اغتياب المؤمن.
18-وسائل الشيعة، ج9، ص139، باب تحريم الطعن في المؤمن.
19-المائدة،91.
20-الكافي، ج2، ص346، باب قطيعة الرحم.
21-الحجرات، 10.
22-الكافي، ج2، ص209، باب الإصلاح بين الناس.
 
75
 

64

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

 المشتركة، والاهتمام بأمر المسلمين، والمواساة بينهم، واتّحادهم مقابل الأعداء، مثل: "من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم، المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، وهم يد واحدة على من سواهم". وأمثالها من الروايات المشهورة التي تخلق هذه المشاعر الإنسانية.
5 - ثقافة المداراة، لا التملّق والمداهنة: 
روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال جَاءَ جبرائيل عليه السلام إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه واله وسلم فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ، رَبُّكَ يُقْرِئكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ لَكَ: دَارِ خَلْقِي"23
 
أ- التملّق والمداهنة والمداراة:
التملّق؛ هو أن تُداهن وتتودّد الى صاحب نفوذ معيّن، إمّا اتّقاءً لشرّه أو لتدعيم مكانتك لديه أو اكتساب صلاحيات ومزايا لا تستحقّها، وغالباً على حساب آخرين أكثر استحقاقاً، والتملّق ليس من أخلاق المؤمنين، كما ورد عن الإمام عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام : "لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ التَّمَلُّقُ وَالْحَسَدُ..."24. والمداهنة؛ أن يتنازلَ المرءُ عن شيءٍ من دينهِ ليحافظ بذلك على دنياهُ أو عرضه.
 
بينما مداراة الناس؛ هي حسن صحبتهم، وعدم مجابهتهم بما يكرهون، وحيث إنّ عقول الناس مختلفة ومتفاوتة فمداراة الناس أن تتعامل معهم على قدر عقولهم أيضاً. وهي من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ لهم في القول.
 
وهي أيضاً درء الشر المفسد بالقول الليّن وترك الغلظة، والإعراض عن الشرّير إذا خيف شرّه، أو حصل منه ضرر أكبر ممّا هو متلبّس به. وكذلك السكوت عن بعض المخالفات بقصد التصدّي لها في وقت أنسب، على أن لا يكون هذا السكوت مضرًّا بدين الشخص. والمداراة أمر مشروع؛ لأنّ فيه دفعًا للشرّ ومحافظة على الدين.

23-الكافي، ج 2، باب المداراة، ح 2.
24-مستدرك الوسائل، ج12، باب تحريم الحسد ووجوب اجتنابه.
 
76
 

65

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش..."25. وهي من أحمد الخلال كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: "المداراة أحمد الخلال"26
 
ب - أهميّة الـمـداراة في حياة الناس: 
أودع الله تعالى في بني الإنسان تمايزاً وتبايناً في المزاج والطباع والفهم والإدراك، وبذلك سهّل على المتميّز منهم سلوك سبيل المداراة ولين الكلمة لتسهيل سبل المعاملة والعيش المتبادل. ولمّا كانت العلاقات الاجتماعية بين الناس يطبعها أُسلوب التعاون والتآزر، فإنّ ممارسة "المداراة" أمر طبيعي يفرضه السلوك الأخلاقي الذي يمارسه الإنسان مع أخيه الإنسان. والمداراة -لغة- من درأ يدرأ، أي دفع، فكلّ ما يدفعه الإنسان عنه فقد درأه.
 
روي عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله وسلم : "ثلاث من لم يكنّ فيه لم يتمّ له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله, وخُلُق يُداري به الناس, وحلم يردّ به جهل الجاهل"27. وعن رَسُولُ الله صلى الله عليه واله وسلم قال: "أَمَرَنِي رَبِّي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ، كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ"28.
 
من خلال الروايات الشريفة تتضح لنا أهميّة "المداراة"، ففي الحديث الأول اعتبر الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم المداراة من الخلق الذي يحتاجه المؤمن في تعامله مع أفراد مجتمعه، وهذا في غاية الأهمية؛ إذ وجود علاقة حميمة بين الناس يساهم في بناء مجتمع خال من العصبيات والمشاكل والاعتداء على الآخر، ويؤمّن فرصة السعادة لبنيه. وفي الحديث الثاني قرن بين مداراة الناس وأداء الفرائض، وهذا في غاية 

25-الكافي، ج2، باب المداراة، ح 5. 
26-غرر الحكم، 1313.
27-الكافي، ج 2، باب المداراة، ح 1.
28- الكافي، ج 2، باب المداراة، ح 4.
 
77
 

66

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

 الأهميّة، فعبادة الله تعالى وأداء الفرائض له يلازمها مداراة الناس؛ إذ لا قيمة لعبادة وامتثال للفرائض دون الاهتمام بالخلق والناس ومراعاة حقوقهم. عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "دارِ الناس تستمتع بإخائهم، والقهم بالبشر تُمِت أضغانهم"29
 
ونظراً لتأثيرها المباشر على سلوك الإنسان وتفاصيل حياته اليومية الخاصة والعامة، وحاجته إليها في مختلف المواقع اعتبرت المداراة ثمرة العقل وعنوانه ورأس الحكمة كما جاء في مجموعة من الروايات. عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "ثمرة العقل مداراة الناس"30، و"عنوان العقل مداراة الناس"31، "ورأس الحكمة مداراة الناس"32
 
ج- كيفية المـداراة:
تتمظهر المداراة في سلوك الناس وتعاملاتهم اليومية في القول والفعل والتقرير، ويمكن جمع أغلب هذه المصاديق في العناوين الآتية:
 
• تكليم الناس على قدر عقولهم؛ عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: "إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُكلّم الناس على قدر عقولهم"33.
• عدم تحميل الناس تكاليف وأعمالاً فوق طاقتهم، على قاعدة ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾34.
• التدرّج معهم في هدايتهم للحق؛ قال الله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾35.

29- غرر الحكم، 5129.
30-غرر الحكم، 4629. 
31-غرر الحكم،6321.
32-غرر الحكم، 5252.
33- الكافي، ج 1، ح 15. 
34- البقرة، 286.
35- طه، 44.
 
78
 

67

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

 • أن يتحدّث المكلّف بكلام مفهوم من قِبَل الجميع، بلا حاجة إلى استخدام العبارات الغامضة، والمصطلحات غير الواضحة؛ عن أمير المؤمنين عليه السلام : "أحسن الكلام ما زانه حُسنُ النظام، وفهمه الخاص والعام"36.
 
• ومن المداراة اختصار الكلام وعدم التطويل المؤدّي إلى الملل؛ قال أمير المؤمنين عليه السلام : "الكلام كالدواء، قليله ينفع وكثيره قاتل"37.
 
• من المداراة أيضًا كشف الحقائق في حال التشكيك بشخصك؛ فعن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لمالك الأشتر: "وإن ظنّت الرعية بك حيفاً، فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإنّ تلك رياضة منك لنفسك، ورفق منك برعيتك، وإعذار تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق"38.
 
• عدم المجادلة إلا بالتي هي أحسن، كما في قوله تعالى ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾39.
 
• عدم المحاسبة على كلّ كبيرة وصغيرة؛ فإنّ محاسبة الناس على كلّ صغيرة وكبيرة، نتيجتُه المتوقّعة أن لا يبقى أحدٌ لديك لا تحاسبه.
 
• إغماض العين عن بعض العيوب والأخطاء.
 
• التكلّم مع الشخص الذي تختلف معه بمودّة أو برفق، ودون انفعال وتشنّج، ضمان لك في أن تجتذبه إليك، وتكسبه إلى صفّك.
 

36- غرر الحكم، 3304.
37-غرر الحكم، 2182.
38- نهج البلاغة، من عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر.
39-النحل، 125.
 
79
 

68

الوحدة وأثرها في حفظ المجتمع وتماسكه

الخاتمة:
لا بدّ من الإشارة أخيراً إلى أنّ المسلمين لا يعانون مشكلة أو خللاً في الأسس النظرية للوحدة، بل إنّ أهمّ ما تحتاجه وحدة المسلمين هو التوافق على منهج علمي جادٍ وجريء ومشترك لقراءة المبادئ والأصول التي وقع الاختلاف عليها؛ تمهيداً لنشوء نوع من التعاون المنهجي والمعرفي الذي إن توافق المسلمون على قبوله، وتحكيمه، لتمكّنوا من حلّ نصف المشكلة، ويبقى القسم الآخر منها على عاتق العلماء والقادة المدعوّين لإغلاق كياناتهم المذهبية الضيّقة لحساب كيان الإسلام الكبير، واتّخاذ القرارات الجريئة بإعلان الموافقة على مبدأ الوحدة، وتحويلها إلى عنوان للتلاقي والدفاع عن المسلمين، وحماية الإسلام ومقدّساته.
 
 
80

69

بالأمانة يسلم المجتمع وينجو أفراده

 مفاهيم محورية:
• الأمانة أصل في جميع الأديان.
• الأمانة من أوصاف المؤمن الأساسية.
• الأمانة في القرآن الكريم.
• آثار الأمانة الدنيوية والأخروية.
• تلازم الأمانة والصدق.
• طرق الوقاية والعلاج.
 
81
 

70

بالأمانة يسلم المجتمع وينجو أفراده

تصدير الموضوع: 
ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال للإمام علي عليه السلام : "يـا أبـا الحَسَنِ، أَدِّ الأَمـانَةَ للِبِرِّ والفـاجِرِ فِي مـا قَلَّ وَجَلَّ، حتّى فِي الخَيطِ وَالمخِيطِ"1.
 
مقدمة:
الأمانة من أهمّ الفضائل الأخلاقية والقيم الإسلامية والإنسانية، والتي وردت كثيراً في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وقد أولاها علماء الأخلاق أهميّة كبيرة على مستوى بناء الذات والشخصية. وعلى العكس من ذلك (الخيانة) التي تعدّ من الذنوب الكبيرة والرذائل الأخلاقية في واقع الإنسان وسلوكه الاجتماعي. والأمانة هي في الحقيقة رأس مال المجتمع الإنساني، والسبب في شدّ أواصر المجتمع وتقوية الروابط بين الناس في نظامهم الاجتماعي وحياتهم الدنيوية؛ ولهذا شدّد أهل البيت عليه السلام عليها كثيراً، وللإمام زين العابدين عليه السلام في هذا المجال تعبير عجيب، حيث يقول لشيعته: "عَلَيكُم بِأَداءِ الأَمـانَةِ، فَو الَّذي بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه واله وسلم بِالحَقِّ نَبِيَّاً، لَو أَنَّ قـاتِلَ أَبِي الحُسَينِ ابنِ عَلَيّ عليه السلام ائتَمَننِي عَلَى السَّيفِ الَّذِي قَتَلَه بِهِ لأدّيتُهُ إِلَيهِ"2.
 
والأمانة من الصفات التي تربط الإنسان من جهة مع الله تعالى، وكذلك تربطه

1-بحار الأنوار، ج74، ص273.
2-الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج19، ص76، باب تحريم الخيانة، ح13.
 
83
 

71

بالأمانة يسلم المجتمع وينجو أفراده

 مع غيره من أفراد البشر، ومن جهة ثالثة ترسم علاقته مع نفسه أيضاً ومع الطبيعة والبيئة. بل إنّ جميع النعم المادية والمواهب المعنوية الإلهية على الإنسان في بدنه ونفسه هي في الحقيقة أمانات بيد الإنسان. في حين أنّ الخيانة بمثابة النار المحرقة التي تحرق جميع العلاقات الاجتماعية، وتؤدّي إلى الفوضى والفقر والشقاء، وبالتالي تخريب الأطر الإنسانية والحضارية في المجتمعات البشرية.
 
1 - الأمانة أصل في جميع الأديان:
روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "إنّ اللهَ عَزَّوَجَلَّ لَم يَبعَث نَبِيّاً إلاّ بِصِدقِ الحِدِيثِ وَأَداءِ الأَمـانَةِ إِلىَ البِرِّ وَالفـاجِرِ"3. هذا التعبير يوضّح أنّ جميع الأديان السماوية قد جعلت الصدق والأمانة جزءاً مهمّاً من تعليماتها الدينية والإنسانية ومن الأصول الثابتة في الأديان الإلهية. وقد ورد ذكر الأمانة في القرآن بالنسبة إلى ستة من الأنبياء الكبار بعبارة: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، وعن النبي نوح عليه السلام في سورة (الشعراء، 107)، والنبي هود عليه السلام في سورة (الشعراء، 125)، والنبي صالح عليه السلام في سورة (الشعراء، 143)، والنبي لوط عليه السلام في سورة (الشعراء، 162)، والنبي شعيب عليه السلام في سورة (الشعراء، 178)، والنبي موسى عليه السلام في سورة (الدخان، 18). وهذا يدلّ دلالة واضحة على أهميّة هذه الفضيلة الأخلاقية إلى جانب مهمّة إبلاغ الرسالة الإلهية، وبدون ذلك لا يمكن لهؤلاء الأنبياء أن يكسبوا ثقة الناس ليعتمدوا على أقوالهم. 
 
2 - الأمانة من أوصاف المؤمن الأساسية:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾4-، تبيّن هذه الآية أوصاف المؤمنين الحقيقيين، وتبشّرهم بالفلاح والنجاة في الآخرة، وتُحدّد أوصاف الإنسان الجميلة والفضائل الأخلاقية، ومنها الأمانة والوفاء بالعهد. والملفت للنظر أنّ (الأمانات) الواردة في هذه الآية ذكرت بصورة الجمع، وهي إشارة إلى أنّ الأمانة

3-أ صول الكافي، ج2، ص104.
4-المؤمنون،8 - والمعا رج، 32.
 
84
 

72

بالأمانة يسلم المجتمع وينجو أفراده

 لها أنواع وأشكال مختلفة. والكثير من المفسّرين ذكروا أنّ مفهوم الأمانة في هذه الآية لا يقتصر على الأمانة، المالية بل يشمل الأمانات المعنوية، كالقرآن الكريم والدين الإلهي والعبادات والوظائف الشرعية، وكذلك النعم الإلهية المختلفة على الإنسان في حركة الحياة المادية والمعنوية.
 
ومن هنا يتّضح أنّ المؤمن الواقعي والإنسان الذي يتمتّع باللّياقة الكاملة هو الذي يتحرّك في سلوكه من موقع مراعاة الأمانة بصورها المختلفة، ويهتم بالحفاظ عليها من موقع المسؤولية وأداء الوظيفة. أمّا عطف الوفاء بالعهد على حفظ الأمانة فيبيّن هذه الحقيقة، وهي أنّ هذين المفهومين يعودان إلى جذر واحد ويشتركان في الأصل، لأنّ نقض العهد يعتبر نوعاً من الخيانة في العهد والميثاق، ورعاية الأمانة نوع من الوفاء بالعهد والميثاق أيضاً. وتعبير (راعون) مأخوذ من مادة (رعاية) وهي من مادة (رعى) التي يراد بها رعي الأغنام ومراقبتها في عملية سوقها إلى حيث الماء والكلأ في الصحراء، وهذا إنّما يدلّ على أنّ المقصود من هذه العبارة في الآية الكريمة هو أكثر من أداء الأمانة في مفهومها الظاهري، أي النظر والمحافظة والمراقبة للشيء من جميع الجوانب. وبديهي أنّ الأمانة تارة تكون ذات بعد فردي وتسلّم بيد شخص معين (كالأمانات المالية التي يودعها الإنسان لدى الآخرين)، وتارة أخرى لها بعد جماعي، مثل حفظ القرآن الكريم من التحريف والدفاع عن الإسلام والمحافظة على كيان الدول الإسلامية، فهي كلّها أمانات وضعت بيد المسلمين، وعليهم أن يتحرّكوا بصورة جماعية ويتكاتفوا فيما بينهم من أجل حفظ وصيانة هذه الأمانات الإلهية.
 
3 - الأمانة في القرآن الكريم: 
ورد الحثّ على وجوب تأدية الأمانة بشكل صريح وواضح في آيتين:
الأولى: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾5.

5-النساء، 58.
 
85
 

73

بالأمانة يسلم المجتمع وينجو أفراده

 تبيّن هذه الآية أمرين إلهيين: الأول يتحدّث عن أداء الأمانة، والثاني يتحدّث عن الحكم بالعدل. ومع أنّ مسألة الحكومة العادلة أو التحكيم الصحيح والسليم بين الناس له مكانة سامية في نظر القرآن الكريم، ولكن في الوقت نفسه ورد الأمر بأداء الأمانة قبله، وهذا يبيّن الأهميّة العظيمة للأمانة، وأنّ لها مفهومًا عامًا يستوعب في مضمونه التحكيم بين الناس من موقع العدل، وأنّه أحد مصاديق أداء الأمانة؛ لأنّ الأمانة بمفهومها العام تشمل جميع المقامات والمناصب الاجتماعية التي تعتبر أمانات إلهية، وكذلك أمانات بشرية من قبل الناس بيد أصحاب المناصب هذه.
 
والتأكيدات الواردة في ذيل الآية الشريفة تقرّر من جهة أنّ الأمر بالأمانة والعدالة ما هي إلاّ موعظة إلهية حسنة للناس، ومن جهة أخرى تحذّر الجميع بأنّ الله تعالى يراقب أعمالكم وسلوكياتكم، وهذا يعطي أهميّة مضاعفة على هذين المفهومين، وهما رعاية الأمانة والعدالة. وللأمانة موارد وفروع هي: الأمانة الإلهية، وأمانة الناس، وأمانة النفس. ومن جملتها أداء الواجبات وترك المحرمات فهي من موارد الأمانات الإلهية. وتقسّم إلى تقسيمات عديدة، منها أمانة اللسان، أمانة العين والأذن (أي إنّ الإنسان يجب أن لا يتحرّك بالمعصية، والعين لا تنظر بنظر الخيانة، والأذن لا تسمع الكلام المحرّم). أمّا الأمانات البشرية فهي من قبيل الودائع التي يضعها بعض الناس لدى بعضهم الآخر وكذلك ترك التطفيف في الميزان وترك الغيبة ورعاية العدالة من جهة الحكّام والأمراء وعدم تحريك العوام من موقع التعصّب للباطل وأمثال ذلك...6.
 
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ﴾7. تتعرّض هذه الآية للأمانات والودائع المالية لدى الناس، وتتحدّث في

6-تفسير فخر الرازي، ج10، ص139 ذيل الآية المبحوثة.
7-البقرة، 283.
 
86
 

74

بالأمانة يسلم المجتمع وينجو أفراده

 سياقها عن لزوم تنظيم الوثائق والمستندات الحاجة لهذه الودائع والأمانات. وفي هذه السورة على الأمين حفظ الأمانة وردّها إلى صاحبها بالموقع المناسب، وعليه أن يخاف الله فيما لو حدّثته نفسه بالخيانة. وإنّ تعبير الأمانة في الآية يمكن أن يكون إشارة إلى القروض المالية التي يقرضها المسلم لأخيه المسلم، من دون كتابة وثيقة أو تأمين وديعة ورهن، وذلك بسبب الثقة المتبادلة بين الأفراد، أو أنّها إشارة إلى الأموال التي توضع لدى الشخص بعنوان الرهن، أو كليهما. وعلى كلّ حال فانّ الآية فيها دلالة واضحة على لزوم احترام الأمانة وأدائها في أيّة حالة.
 
إنّ الأمانة خلق محمود ومطلوب في أيّ مكان ومورد، ولكن بالنسبة إلى بيت المال ورؤوس الأموال المادية المتعلّقة بالمجتمع لا بشخص معيّن فقد ورد التأكيد على الأمانة فيها بشكل خاص في النصوص الدينية، والحكمة في ذلك واضحة، لأنّه أولاً: إنّ بعض الناس يتصوّر أنّ مثل هذه الأموال، بما أنّها لا تقع في دائرة الممتلكات لشخص معيّن بل هي ملك عموم الناس، فإنّهم أحرار في تصرفاتهم وتعاملهم بها.
 
وإذا تفشّت الخيانة بالنسبة إلى الأموال العامة وبيت المال، فإنّ نظم المجتمع سوف يتلاشى وينهار، فلا يرى مثل هذا المجتمع البشري وجه السعادة أبداً. ومن أجل درك أهميّة هذا الموضوع يكفي مطالعة قصّة (الحديدة المحماة)، حيث ورد أنّ عقيل(رض) جاء إلى أخيه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وطلب منه أن يزيده قليلاً من حصّته وسهمه من بيت المال، على أساس العلاقة الأخوية بينه وبين الإمام علي عليه السلام ، فما كان من الإمام علي عليه السلام إلاّ أن أحمى له حديدة وقرّبها منه، فصرخ عقيل من حرارتها، فقال له الإمام عليه السلام : "يـا عَقِيلُ، أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَة أَحمـاها إِنسـانُهـا لِلَعبِهِ، وَتَجِرُّنِي إِلى نـار سَجَرَهـا جَبـارُهـا لِغَضَبِهِ، أَتَئِنُّ مِنْ الأَذى وَلا أَئِنُّ مِنْ لَظى!"8.

8-نهج البلاغة، الخطبة 224.
 
87
 

75

بالأمانة يسلم المجتمع وينجو أفراده

 وقال أمير المؤمنين عليه السلام عندما استلم الخلافة، بالنسبة إلى عطايا عثمان من بيت المال إلى أقربائه وذويه، حيث عزم الإمام علي عليه السلام على ردّها جميعاً إلى بيت المال: "وَاللهِ، لَو وَجَدته قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسـاءُ ومُلِكَ بِهِ الإِمـاءُ لَرَدَدتُهُ، فَإنَّ فِي العَدلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَـاقَ عَلَيهِ العَدلُ فَالجَورُ عليه أَضيَقُ"9.
 
4 - الأمانة والخيانة في السنة الشريفة:
أمّا ما ورد من الأحاديث الشريفة عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم والأئمّة المعصومين، فإنّه يحكي عن الأهميّة البالغة لهذه المسألة، حيث وردت الأمانة تارة بعنوان أنّها من الأصول والمبادئ الأساسية المشتركة بين جميع الأديان السماوية، وتارة أخرى بعنوان أنّها علامة للإيمان، وثالثة بعنوان أنّها سبب نيل الرزق والثروة والثقة والاعتماد لدى الناس وسلامة الدين والدنيا والغنى وعدم الفقر وأمثال ذلك؛ ففي حديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "لا إِيمـانَ لِمَنْ لا أَمـانَةَ لَهُ"10.
 
وورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تعبير شديد، حيث قال: "لا تَنظُروا إلى كَثْرَةِ صَلاتِهِم وَصَومِهِم، وَكَثْرَةِ الحَجِّ وَالمعرُوفِ، وَطَنطَنَتِهِم بِالَّليلِ، وَلَكِنْ انظُرُوا إِلى صِدقِ الحَدِيثِ وَأَداءِ الأَمـانَةِ"11.
 
والهدف من هذا التعبير ليس بهدف الإشارة أنّ هؤلاء لا يهتمّون بصلاتهم وصومهم أو يستخفّون بحجّهم وإنفاقهم، بل الهدف هو القول إنّ هذه الأمور ليست هي العلامة الوحيدة لإيمان الفرد، بل هناك ركنان أساسان لدين الشخص، أي الصدق والأمانة.
 
5 - آثار الأمانة الدنيوية والأخروية:
لقد بيّنت الروايات الآثار والنتائج الدنيوية والأخروية المهمّة للأمانة والخيانة؛ فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: "الأمانة تَجُرُّ الرِّزقَ، وَالخِيانَةُ تَجُرُّ  

9-نهج البلاغة، الخطبة15.
10-بحار الأنوار، ج66، ص 121.
11-بحار الأنوار، ج72، ص114، ح5.
 
88
 

76

بالأمانة يسلم المجتمع وينجو أفراده

 الفَقرَ"12. وورد شبيه لهذا الحديث- مع اختلاف يسير- عن لقمان الحكيم حيث قال: "يـا بُنَيَّ، أَدِّ الأَمـانَةَ تَسلمُ لَكَ الدُّنيـا وَآخِرَتُكَ، وَكُنْ أَمِيناً تَكُن غَنِيّاً"13.
 
وعن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "لا تَزَالُ اُمّتِي بِخَير مـا تَحـابُّوا وَتَهـادُوا وَأَدُّوا الأَمـانَةَ وَاجتَنبُوا الحَرامَ وَوَقَّرُوا الضَّيفَ وَأَقـامُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكـاةَ، فإذا لَم يَفَعَلُوا ذَلِكَ، ابتلوا بِالقَحطِ وَالسِّنِينَ"14.
 
وإذا أردنا أن نتعمّق في خطر الخيانة وشؤمها، فلنستمع إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم في حديثه عن بعض عناصر الشر وعوامل الانحراف، حيث يقول: "أَربَعٌ لا تَدخُل بَيتاً وِاحُدَة مِنهُنَّ إلاّ خَرَبَ وَلَم يَعمُرْ بِالبَرَكَةِ: الخِيانَة والسَّرقَةُ وَشُربُ الخَمرِ والزِّنـا"15. ومن المعلوم أنّ المجتمع الذي يعيش أحد هذه العناصر الأربعة أو كلّها فإنّه يكون مصداقاً لهذا الحكم النبوي، وسوف يخلو من البركة، وبالتالي يُصيبه الدمار والاندثار.
 
6- تلازم الأمانة والصدق:
الأمانة تدعو الإنسان إلى صدق الحديث، كما أنّ صدق الحديث يدعو الإنسان إلى الأمانة في الجهة المقابلة؛ لأنّ صدق الحديث نوع من الأمانة في القول، والأمانة نوع من الصدق في العمل، وعلى هذا الأساس فإنّ هاتين الصفتين ترتبطان بجذر مشترك، وتعبّران عن وجهين لعملة واحدة، ولذلك ورد في الأحاديث الإسلامية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "الأمـانَةُ تُؤدِّي إِلى الصُّدقِ"16، وفي حديث آخر عن هذا الإمام عليه السلام أيضاً أنّه قال: "إذا قَويَتْ الأَمـانَةُ كَثُرَ الصّدقُ"17.

12-بحار الأنوار، ج78، ص60.
13-بحار الأنوار، ج72، ص117.
14-الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج2، ص32.
15-بحار الأنوار، ج76، ص125.
16-الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص49.
17-الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 134. 
 
89
 

77

بالأمانة يسلم المجتمع وينجو أفراده

 7 - طرق الوقاية والعلاج:
إنّ تعميق روح الأمانة في أفراد المجتمع والوقاية من الخيانة لا يتسنّى إلاّ في ظلّ التقوى والإيمان والالتزام الديني والأخلاقي؛ لأنّ أحد جذور الخيانة هو الشرك وعدم الاعتقاد الكامل بقدرة الله تعالى ورازقيته. ولهذا فالأشخاص الذين يعيشون ضعف الإيمان، ويتصوّرون أنّهم سوف يعيشون الفقر في حالة تحلّيهم بالأمانة والصدق، وأنّهم سوف لا يحصلون على ما يحتاجونه إلاّ بواسطة الخيانة، يكبّلون أنفسهم بطوق الخيانة، ولكن عندما يتحرّكون من موقع تقوية دعائم الإيمان في قلوبهم وتعميق حالة التوكّل والاعتماد على الله تعالى والثقة بوعده، فإنّ ذلك يتسبّب في تصحيح مسارهم في عملية الوصول وتحصيل مواهب الحياة.
 
ومن جهة ثانية، فإنّ من الأسباب والعوامل المهمّة في الوقاية من التورّط بالخيانة هو التفكّر والتأمل في عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة، وما يترتب عليها من فضيحة وحرمان وزوال الثقة وماء الوجه أمام الخلق والخالق، وبالتالي الابتلاء بالفقر المزمن الذي سعى إلى الفرار منه بارتكاب الخيانة. ورد في نصيحة لقمان لابنه حيث يقول: "يـا بُنَيَّ أَدِّ الأَمـانَةَ تَسلمُ لَكَ الدُّنيـا وَآخِرَتُكَ، وَكُنْ أَمِيناً تَكُن غَنِيّاً"18.

18-الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج12، ص156، باب استحباب حسن الخلق مع الناس، حديث33. 
 
90
 

78

قيمة التكافل الاجتماعي في الإسلام

 مفاهيم محورية:
• فلسفة التكافل الاجتماعي في الإسلام.
• المسؤولية تكليف عام.
• أنواع التكافل الاجتماعي.
• الفئات التي تستحقّ التكافل.
• التكافل مسؤولية المجتمع.
 
91

79

قيمة التكافل الاجتماعي في الإسلام

 تصدير الموضوع:
روي عن أبي عبد الله عليه السلام : "والله، لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون لأخيه مثل الجسد، إذا ضرب عليه عرق واحد تداعت له سائر عروقه"1.
 
مقدمة: 
التكافل الاجتماعي جزء من عقيدة المسلم والتزامه الديني، وهو نظام أخلاقي يقوم على الحبّ والإيثار ويقظة الضمير ومراقبة الله عزَّ وجلّ، ولا يقتصر على حفظ حقوق الإنسان المادية، بل يشمل أيضاً المعنوية؛ وغايته التوفيق بين مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد. 
 
وقد عُني القرآن بالتكافل ليكون نظاماً لتربية روح الفرد، وضميره، وشخصيته، وسلوكه الاجتماعي، وليكون نظاماً لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها، ونظاماً للعلاقات الاجتماعية. ومن هنا فإنّ مدلولات البرّ، والإحسان، والصدقة، تتضاءل أمام هذا المدلول الشامل للتكافل.
 
قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ 

1-النوري، مستدرك الوسائل، ج9، باب وجوب أداء حق المؤمن.
 
93
 

80

قيمة التكافل الاجتماعي في الإسلام

 وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾2
وقال الله عزَّ وجلّ: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾َ3.
 
1 - فلسفة التكافل الاجتماعي في الإسلام:
إنّ الإيمان ليس قضية فلسفية مجرّدة، أو مجرّد علاقة بين الفرد وربّه بعيداً عن توجيه أنشطته، وممارسته، وعلاقاته اليومية؛ ففي الإيمان يتمّ ربط الفكر بالفعل، والنية بالحركة والسلوك القويم. وقد نفى الرسول صلى الله عليه واله وسلم كمال الإيمان عن الذي يبيت شبعان وجاره جائع، وهو يعلم: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع، وهو يعلم"4.
 
وقد عدّ القرآن الإمساك وعدم الإنفاق سبيلاً للتهلكة، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾5.
 
كما عدّ الكنـز وحجب المال عن وظيفته الاجتماعية، مدعاةً للعذاب الأليم. وليس هذا فحسب، بل رتَّب المسؤولية التقصيرية أيضًا على الإنسان الذي يعطِّل سبل الكسب وفرص العمل مهما ادّعى الصلاح. وجعل دخول النار في حبس هرّة عن طعامها، بل ودخول الجنة في إعانة الحيوان لسدِّ حاجته.
 
ولقد عُني القرآن بالتكافل ليكون نظاماً لتربية روح الفرد، وضميره، وشخصيته، وسلوكه الاجتماعي، وليكون نظاماً لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها، ونظاماً للعلاقات الاجتماعية، بما في ذلك العلاقة التي تربط الفرد بالدولة، وفي النهاية نظاماً للمعاملات المالية والعلاقات الاقتصادية التي تسود المجتمع الإسلامي. ومن 

2-البقرة، 215.
3-البقرة، 195. ويراجع سورة البقرة:53، و261، 262، 267.
4-الكليني، الكافي، ج2، ص 668.
5-البقرة، 195.
 
94
 

81

قيمة التكافل الاجتماعي في الإسلام

 هنا، فإنّ مدلولات البر، والإحسان، والصدقة، تتضاءل أمام هذا المدلول الشامل للتكافل.
 
ولقد وضع القرآن أسساً نفسيةً وأخرى مادية، لإقامة التكافل الاقتصادي والاجتماعي بين أفراد المجتمع الإسلامي. ولعلَّ من أهمِّ الأسس النفسية هو إقامة العلاقات المادية والمعنوية على أساس الأخوّة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾6. وربط الإيمان باستشعار حقوق الأخ، كما رتَّب على رابطة الأخوّة الحب؛ فلا يؤمن الإنسان المسلم، ولا ينجو بإيمانه، ما لم يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، ويعِش معه كالبنيان، يشدّ بعضه بعضاً. وجعل العدل وحفظ الحقوق من قيم الدين الأساسية، بل نُدب إلى عدم الاقتصار على العدل وهو إحقاق الحق، أو إعطاء كلِّ إنسان حقّه من دون ظلم، وإنّما الارتقاء إلى الإحسان، وهو التنازل له عن بعض الحقوق. ومن الأسس النفسية أيضاً الإيثار، وهو عكس الأثرة والأنانية. والإيثار تفضيل الآخر على النفس، من أجل إشاعة جوّ العفو والرحمة، وهي الغاية التي جاءت من أجلها الشريعة.
 
2 - المسؤولية تكليف عام:
لقد وضع القرآن أُسساً عامة في علاقة الفرد بالمجتمع، ووضع لكلِّ طرف حقوقه وواجباته للنهوض من أجل إتمام مكارم الأخلاق، وإشاعة الودّ والحبّ والوئام في ربوع المجتمع الإنساني. وفيما يلي نستعرض جملة من حقوق المجتمع على الفرد والأسرة، الخلية الاجتماعية الأولى، وأهم تلك الحقوق هو التعاون على البرّ والتقوى، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾7.
 
وأمر القرآن الكريم بالإحسان إلى أفراد المجتمع: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى 

6-الحجرات، 10.
7-المائدة، 2.
 
95
 

82

قيمة التكافل الاجتماعي في الإسلام

 وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾8.
 
وقد جعل الإسلام كلّ مسلم مسؤولاً في بيئته الاجتماعية، قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "كلّكم راعٍ، وكلّكم مسؤول عن رعيّته"9، ودعا صلى الله عليه واله وسلم إلى الاهتمام بأمور المسلمين، ومشاركتهم في آمالهم وآلامهم، فقال: "من أصبح لا يهتم بأُمور المسلمين، فليس بمسلم"10.
 
ودعا الإمام الصادق عليه السلام إلى الالتصاق والاندكاك بجماعة المسلمين، فقال: "من فارق جماعة المسلمين قيد شبر، فقد خلع رِبْقَة الإسلام من عنقه"11
 
3 - أنواع التكافل الاجتماعي:
أ- التكافل الأدبي:
وهو شعور كلّ فرد نحو إخوانه في الدين بمشاعر الحبّ والعطف والشفقة وحسن المعاملة، ويتعاون معهم في سرّاء الحياة وضرّائها، ويفرح لفرحهم، ويأسى لمصابهم، ويتمنّى لهم الخير، ويكره أن ينزل الشرّ بهم، وقد دلّ على ذلك المعنى قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه"12
 
ب- التكافل العلمي:
بيّن النبي صلى الله عليه واله وسلم ثواب مُعلِّم الناس، فقال صلى الله عليه واله وسلم : "إنّه ليستغفر للعالِم مَنْ في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر"13.
 
وهذا نوع من التكافل العلمي، الذي يعني أن يعلّم العالم الجاهل، وعلى الجاهل

8- النساء، 36.
9- بحار الأنوار، ج72، ص38.
10- الكافي، 2، 163.
11- الكافي: 1، 405.
12-الشهيد الثاني، منية المريد، ص19.
13- مسند أحمد، ج5، ص196.
 
96
 

83

قيمة التكافل الاجتماعي في الإسلام

 أن يتعلّم من العالم.
فإذا كان من حقّ أيّ مجتمع أن يسمّي نفسه مجتمعًا مثقّفًا، فمجتمع الإسلام هو أول من يطلق عليه هذا الوصف؛ وذلك لتكافل أفراده جميعاً للقيام بواجب العلم وإزالة آثار الجهل.

ج- التكافل العبادي:
في الإسلام شعائر وعبادات يجب أن يقوم بها المجتمع ويحافظ عليها، كصلاة الجنازة، فإنّ المسلم إذا مات وجب على المجتمع تكفينه والصلاة عليه ودفنه، فإنْ لم يقم بذلك أحد أثم المجتمع، وهو ما يسمى فرض الكفاية في العبادات، ومثل ذلك إقامة الجمعة، وإقامة صلاة الجماعة في الأوقات الخمسة، وغير ذلك من العبادات التي تقام جماعةً. 

د- التكافل المعيشي: 
يُقصد به إلزام المجتمع بكفالة ورعاية أحوال الفقراء والمرضى والمحتاجين، والاهتمام بمعيشتهم من طعام وكساء ومسكن وحاجات اجتماعية، لا يستغني عنها أيّ إنسان في حياته.

وسمي هذا النوع من التكافل بالمعيشي لأنّه يتعلّق بكفالة المجتمع لمعيشة هؤلاء معيشة كريمة، تليق بكرامة الإنسان. وذكر الفقهاء العديد من الفئات التي لها الأولوية في التكافل المعيشي.
 
 
97

84

قيمة التكافل الاجتماعي في الإسلام

 4- الفئات التي تستحقّ التكافل: 
أ- اليتيم:
اهتم الإسلام باليتيم اهتماماً بالغاً، من ناحية تربيته، ومعاملته والحرص على أمواله وضمان معيشته، حتى ينشأ عضواً بارزاً في المجتمع، ويقوم بمسؤولياته على أحسن وجه. فمن اهتمام القرآن الكريم بشأن اليتيم، عدم قهره، والحطّ من كرامته، والغضّ من شأنه، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ *فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾14.
 
كما أمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على أموال اليتيم، وعدم الاقتراب منها إلا بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾15.
 
كما نهى عن أكل أموال اليتيم ظلماً، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾16.
 
ومن اهتمام الرسول صلى الله عليه واله وسلم بشأن اليتيم، أنّه رغَّبَ في كفالته، والاهتمام برعايته، وبشّر الأوصياء أنّهم سيكونون معه بالجنة.
 
قال عليه السلام : "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة"17، وأشار بإصبعيه؛ يعني السبابة والوسطى. 
 
ورعاية اليتيم وكفالته واجبة في الأصل على ذوي الأرحام والأقرباء، ويجب على المسلمين أن يتعاونوا فيما بينهم لإقامة دُور لرعاية الأيتام، لتشرف المؤسسات 

14-الماعون، 1-2.
15-الأنعام، 152.
16-النساء، 10.
17-مستدرك الوسائل، ج 474، 2، باب استحباب مسح رأس اليتيم.
 
98
 

85

قيمة التكافل الاجتماعي في الإسلام

  الإسلامية على تربيتهم والإنفاق عليهم، ويكون ذلك أبعد لهم عن الانحراف والتشرّد والضياع.
وتساهم كفالة اليتيم في بناء مجتمعٍ سليم خالٍ من الحقد والكراهية، وتسودُهُ روح المحبّة والودّ.
 
ب- أصحاب الإعاقات:
قد يتعرّض الإنسان لعاهة من العاهات، وربّما لظروف تتعلّق بالحمل والولادة، يولد بعاهة مستديمة كفقد البصر أو السمع.
 
فيجب أن تتظافر جهود المجتمع في تحقيق التكافل والعيش الأفضل لمثل هؤلاء المحتاجين، حتى يشعروا بالرحمة والتعاون والعطف، وأنّهم محلّ العناية والاهتمام الكامل في نظر الناس والمجتمع على السواء.
 
ج- رعاية المنكوبين والمكروبين:
حثّت الشريعة الإسلامية على إغاثة المنكوب، والتفريج عن المكروب، والنصوص القرآنية في ذلك كثيرة، والأحاديث النبوية عديدة.
 
قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾18
وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "من نفّس عن مسلم كربةً من كُرَب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته..."19، ولا شك أن المجتمع المسلم حين يتربى على هذه المعاني، فإنّ أفراده ينطلقون في مضمار التعاون الكامل، والتكافل الشامل، والإيثار الكريم، ويأخذون بيد من إصابته مصيبة في ماله ونفسه.

18-البقرة، 280.
19-شرح أصول الكافي، المازندراني، ج2، ص194.
 
99
 

86

قيمة التكافل الاجتماعي في الإسلام

 5 - التكافل مسؤولية المجتمع:
لا يمكن لدولة أن تقوم بواجبها نحو تحقيق التكافل الاجتماعي، إلا إذا ساهم معها أبناء المجتمع في بناء العدل الاجتماعي والبذل والإنفاق في سبيل الله. وقد قسّمت الشريعة مسؤولية المجتمع في تحقيق التكافل إلى قسمين:
القسم الأول: يُطالب به الأفراد على سبيل الوجوب والإلزام.
القسم الثاني: يُطالب به الأفراد على سبيل التطوّع والاستحباب.

أولاً: ما كان على سبيل الوجوب والإلزام، ويشمل أهمّ الأمور الآتية:
أ- فريضتا الخمس والزكاة: وقد ثبتت فرضيتهما ووجوبهما في الكتاب والسنّة، ولا يختلف اثنان أنّ مبدأ الخمس والزكاة حين طبّق في العصور الإسلامية السابقة، نجح في تحقيق وإقامة التكافل الاجتماعي، ومحاربة الفقر، وعوّد المؤمنين على البذل والعطاء، والإنفاق في سبيل الله.

ب- النذور والكفارات: من وسائل التكافل ما ينذره المسلم من مال ونحوه، والوفاء بالنذر واجب بنصّ الكتاب وعند جميع فقهاء المسلمين.

ومن وسائل التكافل أيضاً الكفارات، وهي ما يوجبه الله على المسلم من إطعام مساكين أو التصدّق على الفقراء، إذا عمل مخالفةً شرعية في الصوم أو الحج أو يمين... تكفيراً لخطئه، وعقوبةً على مخالفته.

ج- صدقة الفطر: وهي واجبة على كلّ مسلم، وعلى كلّ من تلزمه نفقته، من زوجة وأولاد وخادم وأبوين، وجعلت للفقراء والمساكين والأيتام والمشاريع الخيرية ونحوها...

ثانياً: ما كان على سبيل التطوّع والاستحباب، ويشمل أمور كثيرة، منها:
أ- الوقف الخيري: وهو من الصدقات المستحبّة، والتي يستمرّ خيرها، ويتجدّد
 
 
100

87

قيمة التكافل الاجتماعي في الإسلام

ثوابها إلى ما بعد الممات، وهو يشمل جميع جهات الخير، من مساجد ومدارس ودور للأيتام والعجزة ومستشفيات ومعاهد وغيرها، والأصل في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"20.
 
ب- الوصية: وهو أن يوصي المسلم قبل موته بجزء من ماله لجهات البرّ والخير. 
 
ج- العارية: وهو الانتفاع بحوائج الغير مجاناً، كأن يستعير الرجل من جاره متاعاً، ثمّ يردّه له بعد الانتفاع به دون مقابل، وهي من أعمال الخير والإنسانية؛ لأنّ الناس لا غنى لهم عن الاستعانة ببعضهم، والتعاون فيما بينهم.
د- الهدية أو الهبة: من وسائل التكافل الاجتماعي، والتي حثّ الإسلام عليها الهدية أو الهبة، وهي من العوامل التي تقوّي روابط المحبّة والودِّ والألفة بين فئات المجتمع، كما ورد في العديد من الروايات.

20-المازندراني، شرح أصول الكافي، ج6، ص137.
 
101


 

88

الواجبات والحقوق الاجتماعية

 مفاهيم محورية:
• المسؤولية تكليف عام.
• حقوق المجتمع في القرآن الكريم.
• مبادئ الحقوق في المجتمع الإسلامي.
• الواجبات والحقوق المتبادلة.
• الآثار الإيجابية لمراعاة حقوق المجتمع.
 
103
 

89

الواجبات والحقوق الاجتماعية

 تصدير الموضوع:
روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو منه، تداعى سائره بالحمى والسهر" 1.
 
مقدمة:
الإسلام ليس منهج اعتقاد وإيمان وشعور في القلب فحسب، بل هو منهج حياة إنسانية واقعية، يتحوّل فيها الاعتقاد والإيمان إلى ممارسة سلوكية في جميع جوانب الحياة لتقوم العلاقات على التراحم والتكافل والتناصح، فتكون الأمانة والسماحة والمودّة والإحسان والعدل هي القاعدة الأساس التي تنبثق منها العلاقات الاجتماعية، وهذا ما يلزم الأفراد بالكثير من الواجبات تجاه بعضهم كأفراد، وتجاه المجتمع ككيان اجتماعي يحتضن جميع أفراده.
 
1 - المسؤولية تكليف عام: 
جعل الإسلام كل مسلم مسؤولاً في بيئته الاجتماعية، يمارس دوره الاجتماعي من موقعه، ودعا النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى الاهتمام بأمور المسلمين ومشاركتهم في آمالهم 

1-الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء، ج3، ص357.
 
105
 

90

الواجبات والحقوق الاجتماعية

 وآلامهم، فقال: "من أصبح لا يهتمّ بأُمور المسلمين، فليس بمسلم"2، ودعا الإمام الصادق عليه السلام إلى الالتصاق والاندكاك بجماعة المسلمين، فقال: "من فارق جماعة المسلمين قيد شبر، فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه"3.
 
وهكذا حثّ أهل البيت على استخدام الأساليب المؤدّية إلى الألفة والمحبّة وطيب الكلام، ونبذ الأساليب المؤدّية إلى المقاطعة والتباغض. وقد وضع الإسلام منهاجاً متكاملاً في العلاقات قائماً على أساس مراعاة حقوق أفراد المجتمع فرداً فرداً وجماعة جماعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾4
 
فالتقيّد بهذا الأمر الإلهي يعصم الإنسان من التقصير في حقوق المجتمع، ويدفعه للعمل الدؤوب لتحقيق حقوق الآخرين وأداء مسؤوليته على أحسن وجه أراده الله تعالى منه. 
 
2 - حقوق المجتمع في القرآن الكريم:
لقد وضع القرآن الكريم أُسساً عامة في علاقة الفرد بالمجتمع، ووضع لكلِّ طرف حقوقه وواجباته للنهوض من أجل إتمام مكارم الأخلاق، وإشاعة الحبّ والوئام في ربوع المجتمع الإنساني، وفيما يأتي نستعرض جملة من حقوق المجتمع على الفرد والأُسرة، وأهمّ تلك الحقوق:
 
• التعاون على البرّ والتقوى، لا الإثم والعدوان: قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾5.
 
• الإحسان: أمر القرآن الكريم بالإحسان إلى أفراد المجتمع: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ 

2-الكليني، الكافي، 2، ص163.
3-الكافي، ج1، ص405.
4-النحل، 90.
5-المائدة، 2.

106
 

91

الواجبات والحقوق الاجتماعية

 وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾6.
 
• النصرة: أقرّ القرآن الحكيم وأكدّ على حقّ النصرة: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْر﴾ُ7.
• الوحدة: وأمر بالاعتصام بحبل الله: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾8.
 
• الإصلاح: وأمر بالسعي للإصلاح: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾9
• العفو: وأمر بالعفو والمسامحة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾10
 
• الوفاء بالعقود: وأمر بالوفاء بالعقود:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾11.
• أداء الأمانة: وأمر بأداء الأمانة: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ 12
 
• التكافل والتواصي: وأمر بأداء حقّ الفقراء والمساكين وابن السبيل وعدم تبديد الثروة بالتبذير والإسراف: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾13. وأمر بالتواصي بالحقّ ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾14.
 
• حفظ الحرمات: وحرّم الدخول إلى بيوت الآخرين دون إذن منهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾15

6-النساء، 36.
7-الأنفال، 72.
8-آل عمران، 103
9-الحجرات، 10.
10-الأعراف، 199.
11-المائدة، 1.
12-الإسراء، 26.
13-النساء، 58. 
14-العصر، 3.
15-النور، 27.
 
107
 

92

الواجبات والحقوق الاجتماعية

• النهي عن كل ما يفسد الأواصر الاجتماعية: فنهى القرآن الكريم عن الاعتداء على الآخرين، بالظلم والقتل وغصب الأموال والممتلكات والاعتداء على الأعراض: ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾16.
 
• ونهى عن بخس الناس حقوقهم: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ﴾17.
 
• وحرّم ما يؤدّي إلى قطع الأواصر الاجتماعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾18.
 
• وحرّم الظن الآثم والتجسّس على الناس واغتيابهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾19.
 
• وحرّم إشاعة الفاحشة في المجتمع الإسلامي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾20.
 
وهكذا يوفِّر القرآن في هذه اللائحة الطويلة، ما يضمن توفير الحصانة للمجتمع البشري، وهو يضع النظام الدقيق والشامل، من أحكام وقيم أخلاقية، ليكون الأمان والتآلف والتعايش والتكافل معالم أصيلة في الحياة الاجتماعية.
 
3- مبادئ الحقوق في المجتمع الإسلامي:
إنّ حقوق الإنسان في الإسلام منحة إلهية منحها الله لخلقه، فهي ليست منحة من مخلوق لمخلوق مثله، يمنّ بها عليه ويسلبها منه متى شاء، بل هي حقوق قرّرها الله للإنسان. ومن خصائص ومميّزات الحقوق في الإسلام أنّها حقوق شاملة لكلّ أنواع الحقوق السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية... كما إنّ هذه

16-المائدة، 87.
17-هود، 85.
18-الحجرات، 11. 
19-الحجرات، 12. 
20-النور، 19.
 
108
 

93

الواجبات والحقوق الاجتماعية

 الحقوق عامة لكل الأفراد دونما تمييز بينهم في تلك الحقوق بسبب اللون أو الجنس أو اللغة. ومن خصائص هذه الحقوق أيضاً أنّها كاملة وغير قابلة للإلغاء؛ لأنّها جزء من الواجبات الاجتماعية وفق تعاليم الشريعة الإسلامية.
 
ويمكن إيجاز هذه المبادئ بالآتي: 
أولاً: الحرّية: لقد ولد الإنسان حرًا وهكذا أراده الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾21.
 
وأشار الإمام علي عليه السلام إلى هذه الروح الإرادية التي فطر الإنسان عليها في أصل خلقته بقوله: "ثمّ فيها نفخ من روحه، فمثلت إنساناً ذا أذهان يجيلها وفِكَرٍ يتصرف بها وجوارح يخترمها وأدوات يقلبها ومعرفةٍ يُفرّق بها بين الحق والباطل"22.
 
ثانياً: المساواة: المساواة في الرؤية الإسلامية هي تماثل كامل أمام القانون، وتكافؤ كامل إزاء الفرص، وتوازن بين الذين تفاوتت حظوظهم من الفرص المتاحة للجميع، قال تعالى: ﴿إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾23، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾24.
 
وورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قوله: "كلّكم لآدم، وآدم من تراب، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى... "25.
 
وروي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قوله: "الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحقّ له، والقويّ عندي ضعيف حتى آخذ الحقّ منه" 26.
 
أمّا المساواة أمام القانون فقد ورد بشأنها عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "الناس سواسية

21-الإنسان،3.
22-نهج البلاغة، الخطبة 1.
23-الحجرات، 13.
24-الإسراء، 70.
25-بحار الأنوار، ج73،ص350.
26-نهج البلاغة، الخطبة، 37.
 
109
 

94

الواجبات والحقوق الاجتماعية

 كأسنان المشط"، وقول الإمام علي عليه السلام : "والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعاً، ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من فقرهم، كأنّما سُوِّدت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكّداً، وكرّر عليّ القول مردّداً، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ أنّي أبيعه ديني... "27
 
ثالثا: الأخوة: أما الأخوة فلم تكن غائبة عن الإسلام، بل كانت أوّل خطوة قام بها حامل لوائه الرسول صلى الله عليه واله وسلم حين وصل المدينة وأقام الدولة في يثرب، كما صدع القرآن الكريم بالأخوة قائلاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وأكّد عليها أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في عهده لمالك الأشتر حين ولّاه مصر، حيث قال: "الناس صنفان؛ إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق"28.
 
4 - الواجبات والحقوق المتبادلة:
سأل الإمام الصادق عليه السلام أحدُ أصحابه المعلّى بن خنيس عن حقوق الإخوان، فقال أبو عبد الله: "له سبع حقوق واجبات, ما منهنّ حق إلا وهو عليه واجب, إن ضيّع منها شيئاً خرج من ولاية الله وطاعته, ولم يكن لله فيه نصيب.
 
قلت جعلت فداك, وما هي؟
قال: يا معلّى، إنّي عليك شفيق , أخاف أن تضيّع ولا تحفظ، وتعلم ولا تعمل.
قلت: لا قوّة إلا بالله.
 
وحينئذ ذكر الإمام الحقوق السبعة بعد أن قال عن الأول منها: "أيسر حقّ منها، أن تُحبّ له كما تُحبّ لنفسك, وتكره له ما تكره لنفسك". والحقوق السبعة التي أوضحها الإمام عليه السلام هي:
• أن تُحبّ لأخيك المسلم ما تُحبّ لنفسك, وتكره له ما تكره لنفسك.
 
110

95

الواجبات والحقوق الاجتماعية

 • أن تجتنب سخطه, وتتبع مرضاته, وتطيع أمره.
• تُعينه بنفسك, ومالك, ولسانك, ويدك, ورجلك.
• أن تكون عينه, ودليله, ومرآته.
• أن لا تشبع ويجوع, ولا تروى ويظمأ, ولا تلبس ويعرى.
• أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم, فواجب أن تبعث خادمك, فتغسل ثيابه, وتصنع طعامه, وتُمهّد فراشه.
• أن تبرّ قسمه, وتُجيب دعوته, وتعود مريضه, وتشهد جنازته, وإذا علمت له حاجة تُبادره إلى قضائها, ولا تُلجئه أن يسألكها, ولكن تبادره مبادرة.
 
ثم ختم عليه السلام كلامه بقوله: "فإذا فعلت ذلك، وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك"29.
 
5 - الآثار الإيجابية لمراعاة حقوق المجتمع:
تحدّثت الروايات الكثيرة عن ثواب من راعى حقوق أفراد المجتمع، منها: 
 
أ- الفوز بالجنة: روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "من ردّ عن عرض أخيه المسلم، وجبت له الجنة البتة"30.
 
روي عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام : "من أطعم مؤمناً من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن كسا مؤمناً كساه الله من الثياب الخضر"31.
 
ب- النجاة من العذاب: وروي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام : "من كفّ عن أعراض الناس كفّ الله عنه عذاب يوم القيامة، ومن كفّ غضبه عن الناس أقاله الله

27-نهج البلاغة، الخطبة، 224.
28- نهج البلاغة، من عهده لمالك الأشتر، ج3، ص84.
29- الكافي،ج2 ص169، باب حق المؤمن على أخيه.
30- وسائل الشيعة،ج12، ص292، باب وجوب رد غيبة المؤمن.
31- ثواب الأعمال، 164.
 
111
 

96

الواجبات والحقوق الاجتماعية

 نفسه يوم القيامة"32.
 
ج- انتشار الرحمة والتراحم بين الناس: الرحمة لغة: من رَحِمَ رحمة ومرحمة، أي رقّ له وشفق عليه وغفر له، وتراحم القوم، أي رحم بعضهم بعضاً، والرحمة تعني رقّة القلب، والعطف يقتضي المغفرة والإحسان.
 
والرحمة" عند البشر انفعال خاص يعرض على القلب عند مشاهدة النقص أو الحاجة، فيندفع الإنسان إلى رفعه. فعندما يُشاهد الإنسان يتيماً يرتجف من البرد أو فقيراً أضناه الجوع، أو مظلوماً يتلوّى تحت سياط الظالمين، تعرض عليه حالة الرقّة، فيندفع لتغيير هذا الواقع.
 
أمّا الرحمة الإلهية فهي نوع العطاء والإفاضة الدائمين اللذين يفيضهما الله على العباد والمخلوقات، فالله سبحانه ليس محلّاً للحوادث -كما هو حال البشر-؛ ولهذا عندما تُطلق هذه الكلمة على الله تعالى يُراد بها العطاء والإفاضة لرفع الحاجة أو النقص ونحوه.
 
روي عن أمير المؤمنين: "رحيم لا يوصف بالرقّة"33، وعن الإمام الصادق عليه السلام : "إنّ الرحمة وما يحدث لنا، منها شفقة ومنها جود، وإنّ رحمة الله ثوابه لخلقه، وللرحمة من العباد شيئان، أحدهما يحدث في القلب: الرأفة والرّقة لما يرى بالمرحوم من الضرّ والحاجة وضروب البلاء، والآخر ما يحدث منّا بعد الرأفة واللطف على المرحوم والمعرفة منّا بما نزل به. وقد يقول القائل: (انظر إلى رحمة فلان)، وإنّما يريد الفعل الذي حدث عن الرقّة التي في قلب فلان، وإنّما يضاف إلى الله عزّ وجلّ من فعل ما حدث عنّا من هذه الأشياء، وأما المعنى الذي في القلب فهو منفي عن الله كما وصف عن نفسه، فهو رحيم لا رحمة رقّة"34.

32-وسائل الشيعة،ج12، ص292، باب تحريم الطعن على المؤمن.
33- الحويزي، تفسير نور الثقلين، ج 1، ص 24.
34- بحار الأنوار، ج 3، ص 196.
 
112
 

97

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 مفاهيم محورية:
• أهمّيّة التربية الاجتماعيّة للأبناء.
• التربية على الوقوف بوجه الظلم والظالمين.
• التربية على الإحسان إلى الوالدين.
• التربية على الصلة الإيجابية بالأقارب والأرحام.
• التربية على العلاقة الطيّبة مع الجيران.
• التربية على التعامل الإيجابي مع المؤمنين.
• التربية على وجوب مراعاة النظام العامّ.
 
113
 

98

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 تصدير الموضوع:
جاء في وصية النبي صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام : "يا علي حق الولد على والده أن يحسن اسمه وأدبه ويضعه موضعاً صالحاً وحق الوالد على ولده أن لا يسمّيه باسمه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس أمامه، ولا يدخل معه في الحمام... يا علي لعن اللَّه والدين حملا ولدهما على عقوقهما، يا علي يلزم الوالدين من عقوق ولدهما ما يلزم الولد لهما من عقوقهما، يا علي رحم اللَّه والدين حملا ولدهما على برّهما".1

مقدمة:
إنّ الحاجة إلى الغير والتأثّر به تبدأ مع الإنسان منذ أن يكون جنيناً إلى أن يموت. فالإنسان يكتسب الوجود بتأثير من والديه، ثمّ يتأثّر بأخلاقهما وأخلاق أخوته وأقربائه وجيرانه وأصدقائه، ثمّ يدخل في خضم المجتمع؛ فيتأثّر بالمدرسة، والمعلّم، وسائر أعضاء المجتمع؛ بحسب درجة ارتباطه بهم.

فجميع الأعمال والسلوكيّات التي تصدر منّا في مراحل الصغر والصبا، وحتى مرحلة الشباب والكبر أيضاً برغم ما لنا من استقلال في الفكر والإرادة والعمل؛ تتأثّر لا محالة بالمجتمع والحياة الاجتماعيّة. والإنسان بهدف تلبية حاجته الأساسيّة
 
 
115

99

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 والضرورية مضطرّ إلى الحياة ضمن المجتمع، كما وأنّ كثيراً من أبعاد الإنسان الوجودية لن تزدهر إلا في ظلّ هذه الحياة الاجتماعيّة. 
1 - أهمّيّة التربية الاجتماعيّة للأبناء:
لأنّ الإنسان يسعى في الحياة لضمان السعادة لنفسه، ويحاول بشتّى السبل إشباع رغباته، وهذا ما لا ينسجم مع أسلوب الحياة الاجتماعيّة، ولأنّ من الناس من لا يرتدي ثوب الفضيلة ولا يتحلّى بالأخلاق والملكات الإنسانيّة، ومن لا يتقيّد بالضوابط والقوانين؛ لذا، فإنّه من الصعوبة بمكان تجنّب الصدام، وظهور النزاعات والخلافات.

من هنا كان لا بدّ من وجود قواعد وقوانين في المجتمع، تضطّر جميع أفراده إلى تنظيم أعمالهم وسلوكيّاتهم على أساسها، وبناء حياتهم الجماعية على أساس تلك القوانين. كما، وإنّ الحياة الاجتماعية، وإن كانت بحاجة إلى القانون، ولكنّها بحاجة أيضاً إلى الأخلاق أكثر؛ لأنّ الأخلاق تعطي الحياة طابعاً إنسانيّاً، وترفع من مستوى العلاقات الاجتماعيّة، وتساعد الإنسان على اقتحام العقبات، وتجعله حريصاً على حقوق الآخرين ورعاية مصالحهم. 

ولأن الطفل سوف يخرج من رحم هذا المجتمع وينمو فيه في ظلّ ارتباطه بالآخرين، ولأنّها أفضل مرحلة عمرية للتعلّم والتعليم وأنسبها؛ لذا، كان من الضروري العمل على تنشئة الأبناء منذ سنيّ طفولتهم الأولى وتربيتهم تربية اجتماعيّة سليمة؛ أسسها التحلّي بالانضباط والأخلاق الفاضلة، حتى يأنسوا بها، ويتجنّبوا التحلّل منها في المستقبل. وفي ما يلي سوف نذكر بعض هذه الآداب والقواعد الاجتماعيّة التي ينبغي أن تحكم علاقة الأبناء مع محيطهم: 

2 -التربية على الوقوف بوجه الظلم والظالمين:
من أهمّ المبادئ التربويّة التي ينبغي تنشئة الأبناء عليها وغرسها في نفوسهم منذ نعومة أظافرهم؛ هو: الحسّاسيّة المفرطة من الظلم والظالمين. فالإسلام لا
 
116
 

100

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 يرتضي أن يقف المسلم مكتوف الأيدي تجاه الحوادث الواقعة من حوله، بل يأمر الإسلام أتباعه بالتفاعل مع الأحداث والظروف المحيطة به وعدم تجاهلها. وتمثّل قضية الظلم واحدة من أهمّ هذه المسائل التي لا يرتضي الإسلام بإسقاطها أو التغافل عنها على الإطلاق؛ لما لها من تأثير عميق على المجتمع، وصناعة الأفراد فيه بشكل قويّ وكبير.
 
لذا، ينبغي أن يكون للمسلم موقفاً حاسماً وقوّياً من الظلم، فهو على الدوام خصيم الظالم ونصير المظلوم؛ كما قال الإمام علي عليه السلام في وصيّته لولديه الحسن والحسين عليهما السلام: "كونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً"2. وهذا هو المبدأ الأساسي الذي ينبغي أن يشبّ عليه أبناؤنا منذ الصغر، فتكون علاقتهم بالظلم منذ البداية قائمة على أساس العداوة والبغضاء؛ انطلاقاً من قول الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم: ﴿لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾3، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾4. من هنا، فإنّ الحرص الحقيقي على الأبناء يبدأ من خلال إشعار قلوبهم الرفض للظلم والظالمين، وإنّ المحبّة الحقيقية لهم تتجلّى انطلاقاً من تنشئتهم وتربيتهم على هذا المبدأ الاجتماعي الهامّ جدّاً؛ لكي يعرفوا عواقبه ومخاطره من جهة؛ فلا يقعوا في الظلم أبداً. 
 
ومن جهة أخرى، ليأخذوا منه موقفاً حاسماً منذ بداية الطريق حتى لو تتطلّب الأمر منه بذل روحه وحياته والشهادة من أجل إقامة الحقّ. قال الله تعالى واصفاً حال الظالم وعاقبته: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾5. ولا يخفى على أحد أنّ تربية الأبناء على هذا المبدأ التربويّ لها آثار لا تطال فقط الجنبة الشخصيّة لهم، بل يمتدّ تأثيرها الإيجابية إلى المجتمع ككلّ أيضاً.

1-وسائل الشيعة، ج21، ص289.
2-نهج البلاغة، الخطبة 47.
3-الأنعام، 21.
4-هود، 113.
5-الفرقان، 27.
 
117

101

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 3- التربية على الإحسان إلى الوالدين:
لقد عُدّ مقام الوالدين في الثقافة الإسلاميّة بعد مقام الله عزّ وجلّ، وجاءت الوصية بهما بعد الوصية بعبادة الله، وعدم الشرك به. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾6. وقد تكرّرت هذه الوصية في آيات أخرى7.
 
ويكفي في بيان أهمّيّة مقام الوالدين ما روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "النظر إلى الوالدين برأفة ورحمة عبادةٌ"8. وهذا راجع إلى الجهد الذي يبذله الوالدان في تربية الطفل، والمشقّة التي يتحمّلانها من أجله، دون أن يكون لهما طمع بشيء يبذله الطفل لهما، وعلى الخصوص الأمّ التي قال الله تعالى بشأنها في كتابه الكريم: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾9.
 
فالتنشئة التي ينبغي أن يتربّى عليها الطفل ويتعلّمها منذ الصغر في كيفيّة معاشرة الوالدين، ينبغي أن تكون هي نفسها تلك التي وصّى بها الإسلام الملتزمين بتعاليمه وأحكامه في آيات القرآن والأحاديث الشريفة، حيث أمر باحترام الوالدين والتواضع لهما: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾10، وبرّهما، وبذل المعروف لهما على الدوام: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾11، حتى قال الله تعالى مبيّناً عظمة النبي يحيى عليه السلام وتقواه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾12
 
ومن جملة المسائل التي ينبغي أن ينشأ عليها الطفل والواجبات التي ينبغي أن يتعلّمها ممّا لها جنبة أخلاقيّة وحقوقيّة؛ هي: شكر الوالدين والدعاء لهما؛ لأنّه من

6-البقرة، 83.
7-النساء، 36. الأنعام، 151. وبعبارة أخرى: الإسراء، 24.
8-الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج6، ص205.
9-الأحقاف، 15.
 
118
 

102

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 لم يشكر الوالدين لم يشكر الله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾13. لذا، فإنّ تعليم الأولاد شكر الوالدين والدعاء لهما منذ الصغر يفتح الباب أمامهما لشكر الباري عزّ وجلّ أيضاً على نعمه التي لا تحصى: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾14.
 
4 - التربية على الصلة الإيجابية بالأقارب والأرحام:
في نهاية المطاف لن يبقى الطفل قابعاً في أسرته، محاطاً بأفراد عائلته، بل من المتوقّع أن يخرج من هذا المحيط العائلي الصغير إلى محيط عائلي أكبر وأكثر سعة منه، وهو المكان الثاني الذي من المفترض أن يكون الطفل على تماسّ معه بعد عائلته، نتكلم هنا عن الأقارب والأرحام بطبيعة الحال.
 
وينبغي للعلاقة مع الأهل أن تكون محكومة بالضوابط والقيم التربوية الدينية، لتكون هذه العلاقة باباً ينتفع منه الأبناء في بناء شخصيّة متوازنة؛ إيمانيّاً، وسلوكيّاً، واجتماعيّاً. وكذلك ينبغي أن يكون الحال مع العائلة الأوسع نطاقاً، وربما تأثيراً في بعض الأحيان. فليس صحيحاً أن تبقى العلاقة الحاكمة مع الأقارب والأرحام متفلّتة من القيود والضوابط الدينيّة والتربويّة لما لهذه العائلة الكبيرة من تأثير جدّي كبير على نشأة الأبناء وتكاملهم.
 
ومن وجهة نظر الإسلام: الروابط العائلية تجاه القرابات والأرحام لا يمكن اجتنابها أو تجاهلها. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾15. وممّا وصى به الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم في الأرحام أنّه قال: "أوصي الشاهد من أمتّي، والغائب منهم ومن أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة أن تصل الرحم وإن كانت منه على مسيرة سنة؛ فإنّ ذلك من الدين"16. وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "إنّ الرحم معلّقة يوم القيامة

10-الإسراء، 24.
11-لقمان، 15.
12-مريم، 14.
13-لقمان، 14.
14-الإسراء، 24.
15-النساء، 1. 
16-الكليني، أصول الكافي، ج2، ص121. 
 
119
 

103

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 بالعرش تقول: اللهمّ صل من وصلني، واقطع من قطعني"17
 
من هنا، فالوظيفة الأساسية للأهل تكمن في أن يعزّزوا ثقافة صلة الرحم في نفوس الأبناء لما لها من آثار مباشرة على الصعيد الاجتماعيّ والفرديّ معاً. فإنّ الروابط العائلية تثقل شخصيّة الأبناء وتمدّهم بالخبرة والتجربة اللازمة لهم في هذه الحياة؛ ليتمكّنوا لاحقاً من إكمال مسيرة حياتهم بثبات وثقة عالية. كما أنّها تضع الأبناء أمام تحدّيات جديدة في حياتهم؛ تدفعهم للخروج منها ظافرين طيبّي النفس. فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "صلة الأرحام تحسّن الخلق، وتسمح الكف، وتطيّب النفس، وتزيد من الرزق، وتنسئ في الأجل"18.
 
أمّا الأضرار الناجمة عن قطيعة الرحم فهي كبيرة وخطيرة جدّاً، نذكر منها ما ورد في كتاب الله العزيز، حيث اعتبرها القرآن بمنزلة الفساد في الأرض: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾19. لذا ينبغي الحذر كلّ الحذر من أن يكون أبناءنا هم الشرارة الأولى لهذا الفساد والإفساد في الأرض؛ من حيث نعلم أو لا نعلم. ويجب السعي الحثيث لغرس هذه الثقافة في نفوسهم منذ الصغر قبل أن يكبروا ويصبح الوالدان أنفسهم عرضة لمخاطر من قطيعة أبنائهم لهم!!
 
5 - التربية على العلاقة الطيّبة مع الجيران:
إنّ مسألة الجار ورعاية حاله وحقوقه ووضعه؛ من المسائل المهمّة المبحوثة في نظام الحياة الأخلاقيّة والمعاشرة في الإسلام. وهناك روايات كثيرة في هذا المجال بيّنت أهمّيّته وموقعيّته في الحياة الاجتماعيّة.
 
قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ 

17-الكليني، أصول الكافي، ج2، ص12.
18-الكليني، أصول الكافي، ج2، ص126.
19-محمد، 22. 
 

120

104

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾20. وروي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "ما زال جبرائيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورّثه"21.
 
وبما أنّ الأبناء هم في نهاية المطاف على تماسّ وصلة مع الجيران من حولهم. لذا ينبغي السعي إلى تعليمهم آداب حسن الجوار وغرسها في نفوسهم منذ الصغر، وهذا لهو دور مهم جداً في تأسيس علاقات وروابط اجتماعيّة إيجابيّة وفعّالة في المستقبل عندما يخرجون إلى محيط ودائرة أوسع من دائرة جيران المحلّة والسكن. ومن أهمّ هذه الآداب التي حدّدها الإسلام تجاه الجار، والتي ينبغي أن ينشأ أبناؤنا عليها بطبيعة الحال؛ كونهم مكوّن وجزء أساسي من هذا المجتمع:
 
أ- أن يحسِّن الأبناء أخلاقهم تجاه الجيران. فعن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "يا عليّ أَحسِنْ خُلُقَكَ مع أهلك، وجيرانك، ومن تعاشر وتصاحب من الناس؛ تُكتبَ عند الله في الدّرجات العلى"22.
 
ب- أن يُحسن الأبناء معاشرة جيرانهم. عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "عليكم بحسن الجوار؛ فإنّ الله عزّ وجلّ أمر بذلك"23
 
ج- العمل على مواسات الجيران وقضاء حوائجهم وتقديم المساعدة لهم عند الحاجة والضرورة. عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع"24.
 
د- عدم أذيّتهم أو إزعاجهم أو التسبّب بالضرر لهم. روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "من آذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنّة ومأواه جهنم وبئس المصير، ومن ضيّع حقّ جاره فليس منّا"25. وعنه صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه"26

20-النساء، 36.
21-الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج9، ص52. 
22-العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج74، ص68.
23-العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج66، ص370.
24-وسائل الشيعة، ج12، ص130.
25-وسائل الشيعة، ج12، ص127.
26-أصول الكافي، ج2، ص666.
 
121 
 

105

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 6 - التربية على التعامل الإيجابي مع المؤمنين:
عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "المؤمن أخو المؤمن؛ كالجسد الواحد؛ إن اشتكى شيء منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، وأرواحهما من روح واحدة"27.
 
يقوم بناء الحياة الاجتماعيّة في الإسلام على الأُلفة والوحدة والشعور بالطرف الآخر. فالمؤمنون في الإسلام إخوة لا يفرّق بينهم لون، ولا عرق، ولا مكان، ولا لغة. فعلاقة المؤمنين بعضهم البعض الآخر من وجهة نظر الإسلام هي علاقة حيّة هدفها إيجاد بناء محكم من الاتّحاد والأخوّة بين الناس. وهذه من المبادئ التربوية الأساسيّة التي ينبغي أن يُنشأ عليها الأبناء؛ لأنّها تؤسّس وترسم مسار علاقاتهم في المستقبل مع الآخرين على مستوى الكيف والنوع. ولأنهم نواة هذا المجتمع التي منها سوف تنبثق الأجيال والمجتمعات اللاحقة لترسم معالمها الفكرية والسلوكية، فكان من الواجب الاهتمام الشديد بالأصول والمبادئ التي ينبغي أن تحكم علاقة الأبناء بالناس من حولهم وبالخصوص المؤمنين منهم. هذه المبادئ التي ورد ذكرها في روايات أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام بشكل مفصّل ودقيق نحاول أن نذكر بعضها لتكون منطلقاً صحيحاً لبناء ثقافة سليمة في كيفية تعامل الأبناء مع غيرهم من الناس. ومن هذه التعاليم التربوية على سبيل المثال:
 
أ- أن يحبّ الأبناء لغيرهم ما يحبّون لأنفسهم: سأل الإمام الصادق عليه السلام ما حقّ المسلم على المسلم؟ فقال عليه السلام : "له سبع حقوق واجبات -إلى أن قال- أيسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك..."28.
 
ب- أن يسعوا في قضاء حوائج المؤمنين: عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: "إنّ لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس هم الآمنون يوم القيامة"29.

27-أصول الكافي، ج2، ص 166.
28- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج12، ص205.
29-أصول الكافي، ج2، ص157. 
 
122
 

106

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 ج- الإقبال على الناس بوجه طلق: روي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فالقوهم بطلاقة الوجه وحسن البشر"30. وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: "تبسّم الرجل في وجه أخيه حسنة"31.
 
د- التربية على روحية إفشاء السلام بين الناس: عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنّة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون حتى تحابّوا أولا أدلّكم على شي‏ء إن فعلتموه تحاببتم أفشوا السّلام بينكم"32.
 
هـ - حسن القول، لأن معاشرة المؤمنين تقوم على هذا الأساس: قال الله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾33. وعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال في قول الله عزّ وجلّ ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾34 قال: "قولوا للنّاس أحسن ما تحبّون أن يقال فيكم"35
 
ومن المسائل السلبيّة التي ينبغي أن يحرص عليها الأهل شديد الحرص على أن لا تكون ثقافة الأبناء مبنيّة على إهانة المؤمنين، أو أذيّتهم، أو السخرية والاستهزاء بالآخرين؛ لما لها من مضاعفات سلبيّة جدّاً على التربية الاجتماعيّة السليمة والصحيحة للأبناء. 
 
7 - التربية على وجوب مراعاة النظام العامّ:
لا يمكن لأي إنسان أن تعيش حياة اجتماعيّة صحيحة من دون قوانين وأنظمة وضوابط تحكم علاقاته مع الآخرين, لذا أكّد الإسلام كثيراً على ضرورة التقيّد بالأنظمة والقوانين؛ لما لها من دور كبير جدّاً في انتظام الحياة الإنسانيّة، والوصول بالتالي إلى الأهداف الاجتماعيّة السامية. 

30- أصول الكافي، ج2، ص84.
31- م. ن، ص150.
32- النوري، مستدرك الوسائل، ج8، ص362.
33- الإسراء، 53.
34-البقرة، 83.
35-أصول الكافي، ج2، ص165.
 
123
 

107

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 لذا، نلاحظ أنه من جملة الأمور التي وصّى بها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في اللحظات الأخيرة من حياته حين جمع إليه الحسن والحسين وبقيّة أولاده وأهله عليهم السلام، أن قال لهم: "أُوصيكما وجميع وُلدي وأهلي ومن بلغه كتابي، أُوصيكما بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدّكم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام"36
 
وعلى الوالدين في المنزل قبل غيرهما أن يخضعا للنَّظْم والانضباط؛ كي يُذْعِن الأولاد من دون شكّ أو تردّد لهذه الأنظمة، لكن هذا لا يعني إلغاء التعاليم المباشرة، فالولد في الكثير من الموارد يحتاج إلى الهداية والتعليم. كما ينبغي للأب والأمّ أن يهديا ولدهما بلين ويسر.
 
ولكي، يعتاد الأولاد على رعاية النظام في شؤونهم الحياتيّة داخل البيت، من المهمّ الالتفات إلى الأمور التالية:
• ينبغي أن يكون لكلّ شيء في المنزل مكانه المناسب، وعلى كلّ شخص إذا تناول شيئاً، أن يقوم بإرجاعه إلى مكانه المخصّص له.
 
• ينبغي على أفراد العائلة قدر الإمكان أن ينجزوا أعمالهم الشخصيّة بمفردهم، فعلى سبيل المثال، عليهم أن يرتبوا أًسِرَّتَهم بأنفسهم، وبعد الانتهاء من إنجاز تكاليفهم المدرسيّة، أن يقوموا بجمع أدواتهم ويضعونها في أمكنتها، وأن يهتموا بأغراضهم شخصيّاً.
 
• ينبغي أن يكون وقت النوم والاستراحة محدّداً، فيمنع النوم في أيّ ساعة يشاؤون، وأن لا تكون ساعات النوم طويلة؛ لأنّها تجعل من الأطفال أفراداً كسولين وخاملين.

36-نهج البلاغة، الخطبة47.
 
124
 

108

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 • عدم الإفراط في مشاهدة التلفاز واللهو والتنزّه؛ بما يحول دون أداء الأعمال الأساسيّة والدراسيّة.
• ينبغي عند دخول المنزل خلع الزيّ المخصّص للخارج وارتداء اللباس الخاصّ بالمنزل.
• ينبغي أثناء تناول الطعام، أن يجتمع كافّة أفراد العائلة على المائدة لتناول الطعام سويّاً.
ومن الآداب الأخرى التي ينبغي أن يتعلّمها الأبناء: الاقتصاد، واجتناب الإسراف، وعدم الإنفاق بلا رويّة. فعادةً لا يوجد أيّ إنسانٍ عاقلٍ يُشعل النار بأمواله أو يُفسد ماله، ولكن يتمّ إفساد مبالغ ضخمة عن طريق الإسراف وعدم الاكتراث بالمصروف، في كلّ يوم وكلّ ساعة! 

لذا ينبغي من أجل تعليم الأولاد الاقتصاد مراعاة المسائل التالية:
• لا ينبغي إنارة أيِّ مصباح من دون حاجة له.
• عدم استخدام الهاتف بشكل غير ضروريّ؛ لأنه هدرٌ للمال والوقت.
• عدم استهلاك الماء أكثر من الحدّ اللازم عند غسل اليدين والوجه أو الاستحمام. على سبيل المثال عندما يغسل الشخص يديه بالماء والصابون أو يتوضّأ لا يترك حنفيّة الماء مفتوحةً على الدوام.
• عدم الإسراف أثناء عمليّة ريّ الحدائق والبساتين، خاصّة في الأماكن التي يشحّ فيها الماء.
• عدم الإسراف في المواد الغذائيّة، والاجتناب بشدّة عن إفساد الخبز والطعام لأنه جحود بالنعمة ويستلزم العقوبة. وما زاد من الطعام يوزَّع إن كان لائقاً، أو يُجعل طعاماً للطيور وغيرهم مع الإمكان.
• أن يأخذ كلّ شخص مقدار حاجته من الطعام حتى يمكنه تناوله بنحو كامل.
 
 
125

109

التربية الاجتماعيـّة للأبناء

 • أن يعتني كلّ فرد بأغراضه الشخصيّة؛ حتى يمكنه الاستفادة منها لأقصى حدّ، فمثلاً: لا يرتدي اللباس المخصّص للخارج في البيت.
 
• أن يقتصد الأولاد في استهلاك أدواتهم القرطاسيّة، وأن لا توضع هذه الأدوات بين أيديهم دون رقابة. على سبيل المثال: الحرص على عدم رمي الدفتر الذي لم يتمّ استخدامه بنحو كامل بل العمل على الاستفادة من أوراقه الخالية مسودَّةً لحلّ التمارين.
 
ومن الآداب العمليّة في الحياة، بحيث تعتبر مهمّة جدّاً في الإسلام؛ الحفاظ على النظافة والصحّة. فلا بدّ للوالدين أن يكونا بالدرجة الأولى بأنفسهما أسوة حسنة في مجال الحفاظ على النظافة والصحّة، وأن يرغّبا أبناءهما بالنظافة، ويعلماهما آداب الطهارة الإسلاميّة على قاعدة: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾37، بل وينبغي التشدّد ـ أحياناً ـ في هذا الجانب قليلاً؛ لما لدى الأبناء من نزعة نحو التفلّت من القيود؛ حتى تلك المتعلّقة بالنظافة وسلامة البيئة المحيطة. 

37- المدثّر، 4. 
 
126
 

110

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

مفاهيم محورية:
• إلتزام الوالديم بالأوامر الدينية.
• حسن اختيار المعلمين والمربين.
• المساعدة في اختيار الأصدقاء.
• التوجيه نحو القدوة الصحيحة
• تعليم المعارف والآداب الدينيّة.
• الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
• الوعظ والإرشاد.
• التقدير والاحترام لشخصيّة الأبناء.
• كيف ننمّي الشخصية؟
 
 
127

111

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

 تصدير الموضوع:
عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنّة جميعاً حتى لا يفقد فيها منهم صغيراً ولا كبيراً، ولا خادماً ولا جاراً، ولا يزال العبد العاصي يُورث أهل بيته الأدب السيّىء حتى يدخلهم النار جميعاً، حتى لا يفقد فيها منهم صغيراً ولا كبيراً، ولا خادماً ولا جاراً".1
 
مقدمة:
يتأثّر الأبناء- عادة - بوالديهم أكثر من الآخرين، فيتقبّلون دينهم ومذهبهم وأخلاقهم وتوجّهاتهم. والرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم بيّن هذا الدور الواسع والنافذ لهذا التأثّر حيث قال: "إنّ كلّ مولود يُولَد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه وينصّرانه"2.
 
فالوالدان لهما دورٌ أساس في توجيه أبنائهم نحو المسائل الدينيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة، بل هما القدوة بأعمالهما وسلوكيّاتهما؛ لأنّ الأطفال لديهم عيون حسّاسة وثاقبة ـ مثل آلة تصوير ـ دقيقة تلتقط وتسجّل كافّة حركات وسكنات الوالدين ومشاهد الحياة العائليّة. 

1- مستدرك الوسائل، ج12،ص201.
2- العلامة المجلسي، بحار الأنوار،ج3، ص281.
 
129
 

112

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

 من هنا، يصبح من الضروريّ مراعاة الوظائف والواجبات التربوية عند تسنّم الوالدين مقام القدوة والأنموذج بهدف تربية أبنائهما تربية دينيّة، وهذه الوظائف هي على النحو التالي:
 
1 - التزام الوالدين بالأوامر الدينيّة: 
الطِّفل عادةً ما يتعلَّم المحادثة، آداب العشرة، مراعاة النظام أو الفوضى، الأمانة أو الخيانة، الصدق أو الكذب، الخير أو الشر والآداب والسنن الدينيّة من محيط عائلته. وعندما يولي الأب والأمّ أهمّيّة خاصّة للأوامر الدينيّة، ويكونان من أهل العبادة، والصلاة، والدعاء، وتلاوة القرآن، ويهتمّان بعالم المعنويّات، ويراعيان الموازين الأخلاقية؛ فإنّهما بلا شكٍّ سيتركان أثراً بالغاً في الأبعاد الروحية والدينيّة عند الولد. ولهذا السبب، عندما يشاهد طفل الثلاث أو الأربع سنوات والديه يصليان، فإنّه سوف يرغب في الصلاة، فيركع ويسجد مثلهما، ويتعلّم منهما الكثير من الآداب الإسلامية والدينية الأخرى.
 
وفي هذا الصدد يؤكِّد الإمام الصادق عليه السلام على حقيقة أثر الأب في توجيه أسرته: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنّة جميعاً حتى لا يفقد فيها منهم صغيراً ولا كبيراً، ولا خادماً ولا جاراً، ولا يزال العبد العاصي يُورث أهل بيته الأدب السيّىء حتى يدخلهم النار جميعاً، حتى لا يفقد فيها منهم صغيراً ولا كبيراً، ولا خادماً ولا جاراً"3
 
كما أنّ مرافقة الأطفال أمّهاتهم وآبائهم إلى المساجد والحسينيّات، ومشاركتهم في مجالس عزاء الإمام الحسين عليه السلام والبكاء عليه مثلما يبكي عليه والداه، يعبّر عن التأثير العمليّ للوالدين على السلوك الدينيّ للأبناء.
 
وللّأم الدور الأكبر من بين أفراد الأسرة في تربية الولد، فهي أوّل شخص له علاقة مباشرة مع الطِّفل؛ تؤمّن احتياجاته، وتلبّي طلباته. ومن هنا، فإنّ الطِّفل

3- النوري، مستدرك الوسائل، ج12، ص201.
 
130
 

113

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

 يتأثّر أكثر بإحساسات الأمّ وعواطفها وأفكارها. وعلى هذا الأساس، تعدّ وظيفة الأمّ تجاه التربية الدينية للطفل أثقل.
 
2 - حسن اختيار المعلّمين والمربّين:
ينبغي للأهل أن يراعوا الدّقّة في انتخاب المدرسة والمعلّمين والمربّين لأولادهم، وأن يكونوا على علاقة متينة ولصيقة مع المدرسة والمعلّمين والمربّين أثناء تواجد أولادهم في المدرسة. بالإضافة إلى التنسيق مع الهيئة التعليمية والتربوية بشكلٍ تامّ في إيصال المفاهيم الإسلاميّة والتربية الدينيّة، لأولادهم. والسعي إلى إزالة أيّ تعارض وتضاد بين المدرسة والبيت؛ لناحية التربية الدينية. 
 
3 - المساعدة في اختيار الاصدقاء:
إنّ الأصدقاء والرفاق هم قدوةٌ سلوكيّة وتربويّة لأبنائنا. إذ يرغب الفتيان والفتيات بنحو طبيعيّ في إقامة علاقات صداقة، ويحبّون أن يتّخذوا من هم في سنّهم أصدقاء لهم، وأن يعمّقوا أواصر الصداقة معهم، ولكن لبراءتهم، ولغلبة انفعالاتهم؛ وعدم الالتفات إلى مصالحهم؛ فإنّه من الممكن أن تشتبه عليهم الأمور في انتخاب الأصدقاء، فينتقون أفراداً غير مناسبين لمعاشرتهم. من هنا، تكمن وظيفة الوالدين في أنْ يساعداهم، وأن يوضّحا لهم خطر رفقاء السوء، والأضرار الناجمة عن مصادقتهم، وأن يحذّراهم بأسلوب منطقيّ واستدلالي ومحبِّ من معاشرة الأفراد غير الصالحين والإفراط في الصداقة.
 
وقد ورد العديد من الروايات التي تحثّ على اختيار الصديق الجيّد، وترك أصدقاء السوء. روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "انظر إلى كلّ من لا يفيدك منفعة في دينك؛ فلا تعتدنّ به، ولا ترغبن في صحبته؛ فانّ كلّ ما سوى الله تبارك وتعالى مضمحل وخيم عاقبته"4؛ ليؤكّد أنّ الصحبة الحقيقية هي الصحبة التي تتّجه نحو الله تعالى.

4- بحار الانوار،ج71، ص191. 
 
131
 

114

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

وممّا لا شكّ فيه أنّ تردّد الوالدين في زيارة العوائل المتديّنة الملتزمة بالأحكام الشرعيّة، واصطحاب الأولاد إلى المساجد والمحافل ذات الطابع الدينيّ، وأمثال ذلك، يساعد بنحو غير مباشر على أن يجد الأولاد أصدقاء مناسبين لهم.
 
4 - التوجيه نحو القدوة الصحيحة:
من أهمّ أساليب التربية الدينيّة الصحيحة؛ أسلوب تحديد القدوة والتوجيه نحوها؛ وهو يتمتّع بالنفوذ والتأثير الكبير؛ لكونه تطبيقيّ وعمليّ. ولقد ذكر القرآن الكريم الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم والنبي إبراهيم عليه السلام على أنّهما أسوة حسنة، ودعا العالمين ليتّخذونهما قدوة وأسوة. كما تمّ تناول القدوة في عدد من الآيات ضمن عناوين كلّيّة، من قبيل: المؤمنون، المتّقون، الصادقون، المحسنون، أولو الألباب، أولو الأبصار وعباد الرحمان. وأحياناً تمّ الحديث عن بعض النماذج الإنسانية وتحديد معايير القدوة في قالب قصصيّ يتناول سيرة حياتهم.
 
روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "كونوا دعاة الناس بأعمالكم، ولا تكونوا دعاة بألسنتكم" 5.
وأساس تشكّل شخصيّة الطِّفل يكون في مرحلة السَّنوات السبع الأولى من حياته. والتقليد والاقتداء هما بنيان التعلّم في هذه المرحلة. فالوالدان، الأقارب، الأصدقاء، والرفاق، والمعلّمون، والمربّون؛ هم نماذج وشخصيّات مؤثّرة في تربية الأبناء دينيّاً، لكن يبقى دور الأب والأمّ أهمّ أكبر. 
 
لذا يمكن للأهل؛ بالاستفادة من مبدأ القدوة أن يوجّهوا أبناءهم باتّجاه القدوة والأسوة الحسنة، على سبيل المثال: يستطيع الأهل أن يشجّعوا أولادهم على المطالعات الدينية والسيرة الذاتيّة لعلماء الدِّين، ويُحضِرُون لهم الكتب المفيدة، والقصص الجميلة والجديرة بالقراءة. كما يمكن الحثّ على مشاهدة البرامج

5-بحار الانوار، ج5، ص198.
 
132
 

115

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

 التلفزيونيّة المفيدة، والأفلام التعليميّة، مع إيجاد مساحة رحبة لانتقاد البرامج غير المفيدة والأفلام غير المناسبة.
 
5 - تعليم المعارف والآداب الدينيّة:
على الأب والأمّ أن يعلّما أولادهما المعارف والآداب والسنن الدينيّة. يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم : "حقّ الولد على والده إذا كان ذكراً أن يستفره أمّه6، ويستحسن اسمه، ويعلّمه كتاب الله ويطهّره..."7.
 
ويقول الإمام علي عليه السلام : "علّموا صبيانكم من علمنا ما ينفعهم الله به؛ لا تغلب عليهم المرجئة برأيها"8.
وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليه المرجئة"9.
 
ويقول الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم بشأن تعليم الأولاد الصلاة: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً..."10.
 
يظهر من هذه الروايات وأمثالها أنّ وظيفة الوالدين أن يعرّفا أولادهما على الله، وعلى التكاليف الدينية، والأخلاق والسلوكيّات الدينيّة، وآداب العشرة، وأمثال ذلك.
 
ويجدر بالوالدين أن يأخذا جيّداً بعين الاعتبار المسائل التالية عند تعليم أولادهما معارف الدين وأحكامه:
• أن يسعيا لزيادة مطالعاتهما الدينيّة وعلومهما في هذا المجال، وأن يعلّما أبناءهما معارف الدين؛ انطلاقاً من معرفتهما الوافية بالدين، وأن يجتنبا

6-يستفره، من الأفراس أي يستكرمها.
7-وسائل الشيعة، ج21، ص 481.
8-وسائل الشيعة، ج15، ص 197.
9-وسائل الشيعة، ج12، ص247.
10-مستدرك الوسائل، ج 3، ص19.
 
 
133

116

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

 إلقاء تعاليم خاطئة تنمّ عن جهلٍ في محيط الأسرة؛ لأنّها كثيراً ما تؤدّي إلى استنتاجاتٍ غير صحيحة، وانحرافاتٍ فكريّة عند الأبناء.
 
• أن يسعيا للإجابة على أسئلة أبنائهما الدينية؛ بصبرٍ، وسعة صدر، وبنحو منطقي يتناسب مع إدراكهم وفهمهم.
• أن يراعيا أثناء تعليم أبنائهما المفاهيم الدينيّة مسألة الاختلاف في شخصيّاتهم، وقابليّاتهم واستعدادتهم الذهنية، وميزان استيعابهم وفهمهم.
 
6 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾11.
 
وجاء في الحديث أنه عندما نزلت هذه الآية، جلس رجلٌ من المسلمين يبكي، وقال أنا عجزت عن نفسي وكلّفت أهلي فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك، وتنهاهم عمّا تنهى عنه نفسك"12.
 
وفي رواية أخرى سأل أبو بصير الإمام الصادق عليه السلام : كيف نقي أهلنا؟ أجاب الإمام عليه السلام : "قال تأمرهم بما أمر الله، وتنهاهم عمّا نهاهم الله؛ فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم، وإن عصوك كنت قد قضيت ما عليك"13.
 
ويمدح القرآن الكريم نبي الله إسماعيل عليه السلام : "وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا" 14.
 
كما يروي الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه: "إنّا نأمر صبياننا بالصلاة إذا كانوا بني خمس سنين فمروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين"15.

11-التحريم، 6.
12-وسائل الشيعة، ج16، ص148.
13-وسائل الشيعة، ج16، ص148.
14-مريم، 55.
15-وسائل الشيعة، ج4، ص19.
 
134
 

117

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

 من البديهي أنّ أمر الأولاد بالمعروف والنهي عن المنكر له خصوصيّاته، ومن الممكن لأدنى اشتباه وتعاطٍ غير صحيح أن يؤدّي إلى آثار مضرّة. لذا ينبغي الأخذ بعين الاعتبار المسائل التالية:
• ينبغي للوالدين أن يمزجا أمرهما ونهيهما بالمحبّة، والعطف، والأخلاق، والسلوك الحسن.
• ينبغي أن يعلم الوالدين أثناء التربية الدينيّة أنّ التعاليم الإلهيّة ليست من باب الإجبار والفرض، وإنّما هي من باب الاختيار والقبول. لذا عليهما أن يسعيا لتكون تعاليمهما الدينيّة وأوامرهما ونواهيهما مصحوبة بالترغيب والتشجيع والقول الحسن؛ لتكون مورد قبول. 
• ينبغي للأب والأم أنّ ينسِّقا في إعطائهما الأوامر لأبنائهما، حتى لا يحتار الأولاد، ولا تتزلزل اعتقاداتهم. على سبيل المثال: عندما يكون الأب مهتّماً بحجاب ابنته ويأمر بمراعاته، ينبغي للأمّ أن تشدّد عليه وتطلب من ابنتها مراعاته. وعندما يمنع الأب ابنه من فعل شيء، فلا تعمل الأمّ عكسه.
• ينبغي للوالدين كلّما أرادا من أبنائهما القيام بعملٍ ما، أن يكون ذلك العمل ذا قيمة بالنسبة إليهما وأن يعملا به أيضاً؛ ليكون قولهما مؤثّراً عند الأولاد.
 
7 - الوعظ والإرشاد: 
على الوالدين أيضاً، نصح الأولاد وإرشادهم؛ فالموعظة تجلي القلب، وتصفّيه، وتوفّر الأرضية المناسبة لتقبّل التعاليم الدينيّة عند الأبناء. فعلى سبيل المثال يوصي الإمام علي عليه السلام ، ابنه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام فيقول له: "وأحْيِ قلبك بالموعظة"16.
 
وينقل القرآن الكريم بعض وصايا لقمان لابنه؛ وهو يعظه، فيقول له: ﴿يَا بُنَيَّ

16-نهج البلاغة، الخطبة 31.
 
135
 

118

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

  أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ *وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ *وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾17.
 
كما ينبغي للوالدين أن يأخذا بعين الاعتبار قدرة الأبناء، وأن يضعا نفسيهما مكانهم. يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم : "من كان له صبي فليتصابَ له"18.
 
ولأجل أن تثمر مواعظُ الأهل ونصائحهم نتائجَ جيدةً، يلزم الإلتفات في الحدّ الأدنى إلى الشروط الثلاثة المهمّة التالية:
• ينبغي للوالدين أن يكونا أسوة كاملة؛ يعملان بما يوصيان به أولادهما؛ من نصح وإرشادات.
• يجب أن يلتفت الأهل إلى تهيئة أبنائهم نفسياً لقبول النصح.
• ينبغي أن تكون الموعظة بليغة ومؤثّرة، ومن شروط كونها بليغة أن تكون موزونة، وفي محلّها، ومتناسبة مع وضعيّة المستمع الفكريّة ومشاعره النفسيّة والروحيّة.
 
8 - التقدير والاحترام لشخصيّة الأبناء:
إنّ تقدير الأبناء واحترامهم ومعاشرتهم بإحسان ومراعاة شخصيّاتهم من المسائل المهمّة في العمليّة التربويّة؛ فالأبناء الذين ينعمون بقدرٍ كافٍ من الإكرام والاحترام في العائلة، يتمتّعون بروحيّة سليمة وطبيعية وتوازنٍ نفسيّ، ولديهم استعدادٌ أكبر لتقبّل التربية الدينيّة والأخلاقيّة.
 
وبالعكس، فإنَّ الأبناء الذين لم يلاقوا من أهلهم التكريم والاحترام والتقدير، يشعرون داخل أنفسهم بالحقارة والخسّة، ويتّصفون بروحيّةٍ انهزامية ونفسيّة كئيبة،

17-لقمان، 17-19.
18-وسائل الشيعة، ج15، ص203.
 
136
 

119

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

 ويصعب أن يكونوا في المستقبل أشخاصاً فعّالين ومؤثّرين في المجتمع. وهذا الصنف من الأولاد عادةً يتَّسم بالخجل، وضعف الشخصية في سلوكيّاته الاجتماعية، وليس لديه عزمٌ وإرادة لتطبيق الأوامر الإلهيّة، وهو متهور وجريء في ارتكاب المعاصي والذنوب. عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم أنه كان يأمر أتباعه فيقول: "اكرموا أولادكم، وأحسنوا آدابهم؛ يُغفر لكم"19.
 
إنَّ إظهار نوع من الاحترام للأبناء وتقدير شخصيّتهم يُعدّ من أهمّ العوامل لجلب المحبّة والطاعة؛ فالأبناء الذين يتلقّون الاحترام والتقدير ويتمّ التعامل معهم بأدب، يكون عصيانهم لأوامر والديهما أقلّ. 
 
9- كيف ننمّي الشخصية؟
هناك عدة من طرق تساهم في تنمية شخصيَّة الطِّفل وقدراته المعنوية، منها:
 
أ- إلقاء السلام والتحيّة: 
من السُّنن الحسنة التي ثبّتها الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم ؛ إلقاء التحيّة والسلام على الأطفال، فقد كان بنفسه يسلِّم دائماً على الأولاد. 
 
فمن الواجب إلقاء التحية على الأطفال؛ لأنّ ذلك يعوّد الأطفال على احترام الكبار، ويساعدهم على الانخراط في المجتمع بكلّ احترام وأدب. ينقل الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : "خمس لست بتاركهنّ حتى الممات... تسليمي على الصبيان؛ لتكون سنّةً من بعدي"20.
 
ب- التشاور:
إنّ التشاور مع الأبناء في الأمور العائلية وخاصّةً في مرحلة المراهقة يجعلهم يشعرون بأنّ لهم وزناً وقيمةً في العائلة وأنّه يُلتفت إلى آرائهم. لذا، على الوالدين

19-وسائل الشيعة، ج15، ص 195.
20-وسائل الشيعة، ج12، ص63.
 
137
 

120

الواجبات التربوية تجاه الأبناء

 أن يتقبّلا اقتراحات الشباب الصحيحة، وأن يصححا اشتباههم بالدليل والمنطق. من دون أن يؤذيا شخصيّاتهم أو أن يولّدا لديهم إحساساً بالضعف. وفي حال لم يكن في اقتراحاتهم إشكالٌ أساسيّ، يمكن أن يغضّ الطرف عن إشكالاتهم الجزئيّة، وأن يستفاد من المشاركة في التفكير نفسها؛ إذ ينمّي هذا الأمر حسّ التعاون لديهم داخل العائلة.
 
ج- مشاركتهم في اللعب:
إنّ مشاركة الكبار في اللعب مع الأطفال، يجعل روحهم مفعمةً بالفرح، وينمّي حسّ الاستقلال والثقة في باطنهم. فعن جابر الأنصاري أنّه قال: "دخلت على النبي صلى الله عليه واله وسلم والحسن والحسين على ظهره، وهو يجثو لهما، ويقول: نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما"21.
 
هـ- الأخذ بعين الاعتبار شأنيّة الأولاد: 
ينبغي أن تُراعى شأنيّة الأولاد والشباب، وأن يُتَعَامل معهم بوصفهم أفراداً لهم استقلاليّتهم، فيتمّ تهيئة مقاعد خاصّة لهم أثناء السفر، وعند الضيافة يُوضع لهم صحون وشوك وملاعق مستقلّة، وأثناء النوم يمدّ لهم فُرُش مستقلّة. وعندما يدخلون المجالس يفسح لهم المجال للجلوس في أمكنة خاصّة، وهكذا. فالأولاد يحاولون في كافّة المجالات إبراز وجودهم، ويحبّون أن يلتفت إليهم الكبار، وأن يتفاعلوا معهم بنحو مناسب.

21-بحار الأنوار، ج43، ص285.
 
138
 

121
قوا أنفسكم وأهليكم